كان حال السلف في رمضان مع القرآن عجيبًا، أذكر لك حال الشافعي عليه رحمة الله، كان يختم في رمضان ستين ختمة، في اليوم يختم ختمتين، ختمة بالليل وختمة بالنهار، ولهذا علق الحافظ ابن رجب ﵀ على حديث أنه "نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث" (١)، بأنه يجوز في الأماكن الفاضلة والأزمنة الفاضلة أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث حيث ورد هذا عن كثير من السلف وعن الصحابة، فقد ورد عن عثمان ﵁ أنه ختم القرآن في ركعة أوتر بها في الحِجر.
قال ابن رجب: كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها.
كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان يختم في غير رمضان في كل ست ليال.
كان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.
قال النووى: روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا ﵀ كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل.
قال ابن الحكم: كان الإِمام مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.
وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.
стр. 107
وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.
قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.
قال أبو الحسين محمَّد بن علي صاحب الجنيد: صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدبا بآدابه، وكان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات.
أين نحن من هؤلاء!! ..
إذًا فليستحوذ القرآن على غالب وقتك بالنهار قراءًة وتدبرًا وترتيلًا ..
ولتحرص على الختمة دائمًا فلا تترك المصحف من يدك أبدًا، أما إذا كنت في عملك فالزم الذكر ولا تفتر مطلقًا.
احذر الذين يأكلون وقتك:
بعد أن تذهب إلى كليتك أو عملك ستجد من يقابلك فيقول لك: هل سمعت فزورة أمس؟، تعال نلعب لكي نسلي صيامنا .. هل رأيت المسلسل؟ .. هل رأيت المسرحية؟ .. يريد أن يضيع وقتك ويعطلك عن طاعة ربك؛ لأن قلبه فارغ فيريد منك أن تكون مثله، وأشر ما على القلب خلطة البشر، لذلك أريدك -أيها الحبيب- أن تحُول الحوار لصالح الدين، أن تحول مجلس الغيبة والنميمة واللغو إلى مجلس لذكر الله، إذا قال لك: هل رأيت المسلسل؛ فقل له: وهل سمعت أنت أن الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
стр. 108
هكذا يبتعد عنك أو تكون قد أفدته وعمَّمت الخير ودعوت إلى هدى، فإذا قرأ عشر آيات فكأنك قرأتها؛ لكني أريدك أن تنجو بنفسك .. أن تعبد الله وحدك بجد ونشاط؛ فقد فاتت سنين طويلة وأنت تسوف وتؤجل، فها هو رمضان قد جاء فلا تضيع وقتك، فليس هناك مجال لتضييع الوقت، وإذا مدت إليك فتاة يدها لتصافحك؛ فقل لها: "إني لا أصافح النساء" (١) كما قال النبي ﷺ ، فإذا قلت ذلك فسوف تتخلص من هذه المشكلة نهائيًا.
واحذر أن تضيع رمضان في المزاح, دعك من الضحك واللَّهو وتضييع الأوقات بالنكات الكاذبة الفجة المنكرة، إنما ينبغي أن يعلوك الحزن؛ لأنك تخاف ذنوبك، وتخاف يومًا تشيب فيه النواصي، فهل تستطيع أن تضحك في هذا اليوم والله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، أريد أن تمتنع عن الضحك والمزاح قليلًا .. خفف منه ما استطعت.
عكس المطلوب:
وكذلك تقلل من الأكل، والمصيبة أن الناس جعلوا رمضان موسمًا للأكل، شرع الله الصيام للامتناع عن الطعام بالنهار، فانفتح الناس فيه بالليل، وتجد تكلفة الطعام عنده في رمضان ضعف غيره من الشهور، لو قلت له: إنك تأكل في غير رمضان ثلاث وجبات، وفي رمضان وجبتين فقط، فلماذا لا تجعل الثالثة للفقراء؛ فيقول: ومن أين؟، إنني أقترض في رمضان من أجل الطعام ..
هذا هو الواقع عند كثير من الناس، صاموا عن الطعام بالنهار، وتوسعوا فيه بالليل .. صاموا عن شهوة الفرج في النهار، فسخر بهم شياطين الإنس
стр. 109
بالمسلسلات والأفلام والفوازير ليزيدوا لهم من هذه الشهوة في الليل، وهكذا حَصَّل الناسُ عكسَ المقصود من مشروعية الصيام في رمضام، فزادت الشهوات التي شُرِع رمضان لعلاجها وضبطها، وتلك عقوبة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]؛ لذلك أقول لك: انس الضحك والكلام في نهار رمضان، أغلق فمك واكتب عليه: (مغلق للتحسينات والافتتاح في آخر رمضان إن شاء الله) .. تعوَّد على المجاهدة، كان أبو بكر الصديق ﵁ يضع على لسانه حصاة يثقل بها لسانه حتى لا يتكلم.
اخرج للعمل وأنت ذَكَّار .. وأريدك أن تعد الأذكار حتى تتشجع، قل سيد الاستغفار خمسمائة مرة .. قلها مئة مئة .. قل مئة، فإذا شعرت بلذة الذكر فاستمر وأكمل، فلا تدري متى يغلق عنك باب هذه اللذة، وهكذا ينفتح لك باب الأذكار .. قل: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ألف مرة أو أكثر، قال رسول الله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان, حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" (١)، حبيبتان إلى الرحمن!، سبحان الله العظيم!!، الله يدلك على ما يحبه ثم أنت لا تقوله!!، قل: رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم، أو صَلِّ على النبي ﷺ بالصلاة الإبراهيمية أو بأي صيغة أخرى من صيغ الصلاة على النبي ﷺ .
صلينا الصبح في جماعة، وجلسنا في المسجد حتى شروق الشمس، ثم
стр. 110
صلينا الضحى، ثم ذهبنا إلى العمل، وفي العمل تنشغل بعملك فقط وتتقنه، وإن لم يكن هناك عمل فانشغل بالقرآن أو بالذكر، وحتى وأنت تعمل تستطيع أن تعمل بيدك، ولسانُك وقلبُك منشغلان بذكر الله، انشغل طوال يومك بالذكر في الطريق، في السيارة، في البيت، في كل وقت انشغل بذكر الله، لا تغفل .. لا تفتر.
متابعة أهل البيت:
أخي الحبيب، الآن عدت من العمل، عندما تدخل بيتك، قبل أن تسأل زوجتك عن الطعام سلها عن الصلاة: هل صليتِ العصر .. هل صليتِ الظهر .. هل قلتِ الأذكار .. كم مرة استغفرت اليوم؟، كم جزءًا قرأتِ في هذا اليوم؟، وتتابع أولادك: تعال يا بني ماذا حفظت اليوم؟، استغفرتَ اليوم كم مرة؟، صليت على النبي ﷺ كم مرة؟، بماذا دعوت الله اليوم؟، قل يا بني: من ربك؟، ما دينك؟، من نبيك؟، قل يا بني: ما معنى الإِسلام .. ما معنى اليقين .. ما معنى الإخلاص؟، تعلَّم وعلِّم ولدك وزوجتك .. هات المصاحف واجلسوا في حلقة تقرأ فيها معهم القرآن وتتدارسوه.
اللَّهم املأ بيوت المسلمين قرآنا وخيرًا وبركة، آمين.
البيوت اليوم مليئة بالمشاكل؛ لأنه لا يذكر الله فيها إلا قليلًا، البيوت مليئة بالمشاكل؛ لأن الزوجة ترى الزوج غافلًا فتزدادَ غفلة .. ترى الزوج يعصي الله فتزدادَ هي عصيانًا .. ترى الزوج لا يطيع الله فتجترىء عليه.
قال بعض السلف: إني لأرى ذنوبي في خُلُق دابتي وامرأتي .. اللَّهم أصلح زوجات المسلمين يا رب.
أخي الحبيب، لا تغفل عن السؤال عن الصلاة والصيام والذكر والقرآن ..
стр. 111
قال رسول الله ﷺ : "من كانت الآخرةُ همَّه جمع الله عليه شملَه، وجعل غِناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (١)، اجلس مع أولادك وزوجتك قبل المغرب اقرءوا جزءًا من القرآن، واجتمعوا للدعاء لأنفسكم وللمسلمين .. فيصبح البيت جنة، تعيش في جنة مع زوجة من الجنة وأولاد من الجنة.
انشغل بأذكار المساء حتى يؤذن المغرب، ثم تفطر على ثلاث تمرات، ثم تشرب شيئًا من الماء، وعندما تفطر لا تنس دعاء وذكر الإفطار: ذهبَ الظمأ وابتلتِ العروق وثَبَتَ الأجرُ إن شاء الله .. نسأل الله أن يأجرنا وأن يكتب لنا الأجر كاملًا، ثم صل بعد الأذان سنة المغرب القبلية، فيجتمع لك أمران: أن الوقت بين الأذان والإقامة يستجاب فيه الدعاء، وأن هذه ساعة إفطار يستجاب فيها الدعاء، وأنك وأنت ساجد يُستجاب لك الدعاء، فجمعت بين هذه الثلاثة؛ فاجعل من الدعاء دعاء للأمة، اللَّهم اكشف الغمة عن جميع الأمة.
صلاة المغرب في المسجد:
ثم سارع إلى صلاة المغرب جماعًة في المسجد، إذا أُذِّنَ للمغرب أفطِر، يباح الأكل مع الأذان وأنت تردده، ولا تنس أن للصائم عند فطره دعوةً مستجابة، فيا ترى ما هو الذي ستطلبه في هذا الدعاء؟، اطلب الجنة وأسبابها، اللَّهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل.
حين يؤذن المؤذن تذكر أنك مطالبٌ بصلاة فريضة، لا تجعل الارتباط بالأذان هو الأكل فقط، إنما الأذان نداء للصلاة، حي على الصلاة .. حي على الفلاح، والأفضل أن تذهب إلى المسجد قبل الأذان وتقف تنتظر
стр. 112
الصلاة، وساعتها تتذكر يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتجتهد في الدعاء أن ينجيك الله في هذا اليوم، فوائد كثيرة وكلها نافعة.
إن بعض الناس يقول: سوف أفطر ثم أخرج إلى الصلاة، وهذا غالبا ما تفوته ركعة لاستعجال الناس بصلاة المغرب، أقول: بل خذ معك تمرًا واذهب إلى المسجد، فإذا لقيت أحدًا في الطريق فأعطه تمرة يفطر عليها، فيكون لك مثل أجره، وادعه لصلاة المغرب معك في المسجد، وتكون قد أَمَّنْتَ على عبادتي الصيام والصلاة.
وتلك هي هواية التأمين على العبادات .. من الناس من يهوى التأمين على السيارات والعمارات وعلى الحياة، وشركات التأمين حرام لا يجوز، فكن أنت من هواة التأمين على العبادات، عندما تذهب إلى الصلاة اصطحب معك أحد الناس، فلو خرجت من صلاتك بخمسين بالمائة فتكمل هذا النقص بصلاة هذا الذي صلى معك؛ لأن لك مثل أجره، قال رسول الله ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه" (١).
فكذلك عند الصيام، فَطِّر صائمًا يكتب لك مثل أجر صيامه، حاول أن تؤمن على عباداتك بأن تجعل لك رصيدًا مؤخرًا ينفعك إذا حصل منك نوع تقصير، أعط صائمًا تمرة وقيل له: أفطر على هذه وادع لي، فإن للصائم دعوةً مستجابة، فعسى أن يدعو لك فيستجاب له، واحرص على أن يفطر معك كل يوم مسكينٌ، قد تقول: كيف أفطر مع مسكين وأترك أهلي وأولادي، أقول لك: اجمع بين الخيرين، واجعله هو يفطر مع أهله ولتفطر أنت مع أهلك بأن تعطيه جزءًا من الطعام الذي تعده لنفسك وأهلك الذي غالبًا تأكلون نصفه
стр. 113
وترمون الباقي، من الآن اشتر العمود الذي يوجد فيه أوان بعضها فوق بعض ويُحمل في اليد، لتملأه بأصناف الطعام كل يوم وتعطيه للفقير.
الإفطار الأمثل:
ثم تعود إلى بيتك سعيدًا منشرحًا، تلقي السلام وتبشرهم بالدعاء، ثم اجلس إلى الإفطار متذكرًا نعمة الله عليك، مستحضرًا حال من لم يجد الطعام، ولا تشغلك النعمة عن المنعم، وتذكر أن الله تعالى أمرك بالنظر قبل الأكل: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]، قبل أن يقول: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فلابد أن تنظر إلى طعامك وتأمر أولادك بذلك لكي تشكروا نعمة الله، وتتدبروا رزق الله، وتشعروا بنعمة الله عليكم، هذه فائدة فاغتنمها.
ثم تذكر حديث النبي ﷺ : "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلًا: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (١)، وإني أحذرك من مجاوزة الحد والطغيان الحاصل في بيوت المسلمين في رمضان في موضوع الطعام والشراب، قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١]، إياك والطغيان، وهو مجاوزة الحد، يجوز الشبع أحيانًا، لكن اعلم أنه إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.
فإذا استوفيت الإفطار تكدر الليل بالنوم، وإذا استوفيت السحور تخبط النهار بالكسل، بل تأكل عند الإفطار الثلث حتى تشعر عند السحور بالجوع،
стр. 114
فتستيظ للسحور طاعة لأمر الله وطلبا لمرضاته، والتماسا لصلاة الله وملائكته على المتسحرين، وأيضًا لدفع الجوع الحاصل، والتقوي بالطعام على الطاعة؛ لكي تستطيع أن تعمل في النهار، قال رسول الله ﷺ : "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"، صلى الله عليك وسلم يا رسول الله، كان يمر الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيوت آل محمَّد نار، وهو سيدنا وسيد الخلق أجمعين ﷺ .
سبحان الملك!، يظل شهرين ولا يذوق فيهما شيئًا قد طُهي على النار، فعلام كان يعيش هو وأزواجه؟، كانوا يعيشون على التمر والماء، فهل تستطيع أنت أن تعيش على التمر والماء؟، لماذا لا؟، ماذا سيحدث لو فعلت ذلك؟
إذا امتلأت بطنك، وأوشك الطعام أن يخرج من حلقك؛ سوف تستطيل الصلاة، ولن تخشع فيها، وتضطر للخروج إلى الحمام ويطول مكثك فيه، وإذا أردت أن تعرف مقامك، فانظر أين أقامك؛ لذلك خفف، كُلِ الثلثَ فقط، وخير الهدي هدي محمَّد ﷺ .
تخير الإِمام والمسجد:
ثم عَجِّلْ بالخروج إلى صلاة العشاء مبكرا لتقف خلف الإِمام، وتخير مسجدًا تستريح له وإمامًا تستمتع بصوته، ابتعد عن هؤلاء الذين يغنون، وابتعد عن ضجيج المساجد المشهورة، وابحث عن مسجد هادئ نظيف، وابحث عن إمام إذا قرأ حسبته يخشى الله تعالى، ولو كان بعيدًا عن بيتك، لا تبخل فالخطوات محسوبة وأجرك مدفوع.
فإنك عندما تدخل هذا المسجد تشعر بالسكينة، وعندما يقرأ هذا الإِمام تريد ألا ينتهي، ابحث عن هذا لعله يُرحم فتُرحم معه، رأى علي بن أبي
стр. 115
طالب رجلًا يحمل أمه في الطواف، فطاف خلفه وقال: والله إني لأطوف وما كانت لي نية في الطواف؛ لأني لمَّا رأيت هذا يحمل أمه علمت أنه ستنزل عليه رحمة فأردت أن يصيبني شيءٌ منها .. فأنت عندما تصلي وراء إمام مخلص تشعر بأن الرحمة تنزل عليه وتصل إليك هذه الرحمة، ولا تمل من الصلاة خلفه.
تدبر القرآن آية آية .. تذكر كيف كانت هذه الآيات تنزل على قلب النبي محمَّد ﷺ ، كيف كان الصحابة يعملون بها، وعندما تصلي خلف إمام واحد طيلة الشهر ستعرف بماذا يقرأ غدًا، فاقرأ القدر الذي سيقرؤه قبله أثناء النهار، وإذا لم تفهم كلمة وأنت تقرأ ارجع إلى كتب التفسير حتى تعيش المعنى الحقيقي للآية عندما يقرؤها الإِمام في القيام، فإذا عشت هذا المعنى فعلًا؛ فلن تمل حتى ولو قرأ الإِمام طيلة الليل.
كيف أُحصِّل الخشوع في القيام؟
ولكي تحصل الخشوع يجب أولًا أن تعرف فائدة الخشوع، قال النبي ﷺ : "إن العبد إذا قام يصلي أُتِيَ بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد سقطت عنه ذنوبه" (١)، قال الإِمام المُنَاوي في "فتح القدير": المراد أنه كلما أتم ركنًا سقط عنه ركن من الذنوب، حتى إذا أتم الصلاة تكامل السقوط، وهذا شرط في صلاة متوفرة الشروط والأركان والخشوع كما يؤذِن به لفظ العبد والقيام، "إن العبد إذا قام يصلي" .. فالشرط أن يكون عبدًا وقام، إذ هو إشارة إلى أنه قام بين يدي ملك الملوك مقامَ عبدٍ ذليل.
стр. 116
فائدة تحصيل الخشوع:
أولًا: أنك كلما ركعت أو سجدت سقطت عنك الذنوب.
ثانيًا: أن الأجر المكتوب بحسب الخشوع.
ثالثًا: ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.
رابعًا: أن الرسول ﷺ قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها إلا كانت كفارةً لما قبلها" (١).
خامسًا: أن الخاشع في صلاته إذا انصرف منها وجد خِفةً من نفسه، وأحس بأثقالٍ قد وضعت عنه، يجد نشاطًا وراحة، وتصبح الصلاة قرةَ عينه وروحه، وجنةَ قلبِهِ ومستراحِهِ في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها، قال النبي ﷺ : "يا بلال، أرحنا بالصلاة" (٢)، وقال ﷺ : "وجُعِلَت قرةُ عيني في الصلاة" (٣).
هذه خمس فوائد للخشوع اجعلها سببًا لتحصيل الخشوع، لتخشع في الصلاة المفروضة، وصلاة القيام وتظل مع الإِمام حتى يتم صلاته.
استمر في الصلاة مع الإِمام حتى ينتهي، فقد جاء في حديث أبي ذر قوله ﷺ : "إن الرجل إذا صلى مع الأمام حتى ينصرف حُسِبَ له قيامُ ليلة" (٤).
ماذا افعل بعد الرجوع من القيام؟
ثم تعود إلى البيت، لتجري مسابقة نافعة لأولادك مثلًا، استخرج آية من
стр. 117
التي كان الإِمام يقرؤها فتقول لولدك أو زوجتك: متى سَمِعْتَ هذه الآية آخر مرة؟، فمن أجاب أعطه جائزة: تمرة .. أو كتيبًا .. أو ورقة أذكار .. أو شريطًا جديدًا .. أو ملابس العيد .. أو هدية مناسبة، أو اجعلهم يتنافسون من يختم القرآن أولًا، تفنن في أن تحبب الله إلى أولادك وزوجتك.
اجعلهم يحبون الله، أعطهم وأحسن إليهم وقل لهم: لولا أن الله أمرني بهذا ما فعلت هذا معكم أبدًا، فيحبون الله، فيحبونك، اجعل ابنك يحب الله لكي يحبك؛ لأنه لو أحبك من أجل أنك تعطيه، فسوف يكرهك عندما تمنعه، لكن لو أحب الله لأحبك سواء أعطيته أو منعته؛ لأن الله أمره بهذا، وكذلك فافعل مع زوجتك، وبعد أن ترجع من المسجد إياك أن تغفل، احتفظ بحرارة الخشوع، ولست أطلب منك أن تختم القرآن كل يوم مرة، ولا كل ثلاثة أيام، اختمه في كل أسبوع مرة، يعني اقرأ كل يوم خمسة أجزاء.
اقرأ جزءًا في الصباح قبل الصلاة، وجزءًا في المواصلات، وجزءًا بعد العصر مع الأولاد، وجزءًا قبل النوم، ونصف جزء تقوم به ركعتين في البيت، فتختم القرآن أربع مرات، فتكون قد كَوَّنْتَ ثروةً كبيرة من الحسنات، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الجنة .. تذهب إلى البيت تقرأ جزءًا من القرآن، وتجلس للمحاسبة، ثم تنام مبكرًا لتستطيع أن تستيقظ مبكرًا.
التهجد:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ١٧٩] تصلي التهجد ركعتين فقط كي تصيب السنة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أفضل الصلاة طول القنوت" (١)، وعندما تقوم لا تنس أن تقيم امرأتك معك، قال رسول الله ﷺ :
стр. 118
"رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى ركعتين وأيقظ أهله، فإن أَبَتْ نَضَحَ في وجهها الماء" (١)، اجتهد أن تقوم ساعة أو أكثر قبل أذان الفجر، فهذا وقت التنزل الإلهي كل ليلة، ينادي ربنا ﷻ كل ليلة في السحر في ثلث الليل الآخر: "هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من سائل فأعطيه" (٢)، حتى يطلع الصبح وذلك كل ليلة، فلا يفوتنك هذا الفضل العظيم، وكن من الذاكرين في هذه الساعة فهي بركة اليوم وكل يوم.
قال بعض السلف: ما علَّمني القيام إلا ولدي، قرأ يومًا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢] فقال: يا أبت، ما معنى قم الليل؟، قلت: يا بني أن يصلي العبد في الليل، قال: يا أبت فمالي لا أراك تقوم، قلت: هذه الآية خاصة بالنبي ﷺ ، فلما تعلم الولد: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، قال: يا أبت، من هؤلاء؟، قلت: عباد الله المؤمنون، قال: فمالي لا أراك تقوم؟، قلت: سأقوم من الليلة يا بني، قال: يا أبت دعني إذا قمت أقوم معك، فقلت: يا بني أنت صغير لم تكلف بعد، فنم حتى تستريح، قال: يا أبت، أرأيت لو بعثني الله يوم القيامة فسألني: لِمَ لَمْ تقم؟!، أقول له: أبي قال لي: ثم؟!، فبكى الرجل وقال: يا بني قم.
فهكذا ينبغي أن نعلم أولادنا القيام، أن نربيهم على ذلك، اليوم كثيرٌ منا لا يستطيع أن يصلي الصبح؛ لأنه لم يتربَّ في بيتٍ يصلي أو كان أهل البيت يصلون لكنهم لم يوقظوه، وإن استيقظ لا يصلي في المسجد، فلهذا ينبغي أن نعود زوجاتنا وأولادنا على الاستيقاظ من النوم للصلاة؛ بل يجب أن تكون أنت وزوجتك متناوبين؛ توقظها وتوقظك للصلاة، وتتعاتبا وتتعاقبا إن لم تقوما.
стр. 119
تقوم قبل الفجر بساعة أو بساعتين، توقظ أولادك كبيرهم وصغيرهم، وقبل الفجر بنصف ساعة تحضرون طعام السحور، قال رسول الله ﷺ : "السحور أكله بركة؛ فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جَرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" (١)، تأكلون في عشر دقائق، وتذهب إلى المسجد مبكرًا، وتصلي تحية المسجد قبل الأذان وتجلس تستغفر الله، ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وفي الحديث القدسي السابق يقول الله: "هل من مستغفر فأغفر له"، ثم تصلي الصبح، صلاة مشهودة محضورة .. وهكذا تم يومك.
إخوتاه .. هل عزمتم؟!، هل من مشمر؟!، أسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله أن يوفقنا إلى الخير دائمًا في رمضان وفي غير رمضان .. وهكذا أجبنا -بحول الله وقوته- على سؤال: كيف تعيش يومًا في رمضان؟
البرنامج:
(١) التبكير إلى صلاة الصبح في المسجد، فتخرج من بيتك قبل الفجر بربع ساعة، وصلاة المرأة في بيتها أفضل؛ حكم الشرع.
(٢) صلاة ركعتين تحية المسجد، ولزوم الاستغفار حتى يؤذن للصلاة، ثم صلاة ركعتي السنة.
(٣) تلاوة جزء من القرآن ما بين الأذان والإقامة إن استطعت وإلا فهو عليك بعد الصلاة.
стр. 120
(٤) المكوث في المسجد بعد الصلاة، وقراءة أذكار الصباح، وجزء من القرآن آخر حتى طلوع الشمس، مع مراعاة عدم التحدث مع أحد أو الانشغال بأحد.
(٥) صلاة ركعتي الضحى ثم الخروج من المسجد.
(٦) الذهاب إلى العمل أو المدارس والكليات، أو العودة إلى البيت إن كان هناك وقت، والنوم لمدة ساعتين.
(٧) إذا كنت ستذهب إلى العمل فعليك بالذكر طوال الوقت، ولا تتحدث إلا فيما يرضي الله ، وأتقن عملك، ولا تفسد صيامك، وأحسن خلقك، إياك واللغو والرفث والغيبة والنميمة والكذب والفحش فكلها تنقض الصيام، واقرأ جزءًا من القرآن قبل صلاة الظهر وبعدها، وكذلك في صلاة العصر.
(٨) إذا كنت ستعود إلى المنزل، أو المرأة التي صلت في بيتها، فستنام لمدة ساعتين وتستيقظ في التاسعة تقرأ القرآن وتذكر الله حتى صلاة الظهر.
(٩) عند العودة من عملك، أو انتهاء المرأة من إعداد الطعام وأعمال المنزل عليك بجمع أولادك حولك تتابعهم وتسألهم ماذا أنجزوا من عباداتهم.
(١٠) يمكنك عمل حلقة قرآن في البيت مع زوجتك وأولادك، تقرؤون القرآن حتى قرب المغرب، ثم عليكم بالدعاء فإنه لا يرد.
(١١) الإفطار على ثلاث تمرات وشربة ماء، وصلاة السنة القبلية للمغرب في البيت، ثم الخروج لصلاة المغرب في المسجد.
(١٢) عليك بأخذ بعض التمر معك، أو العجوة، أو العصير؛ لإفطار الصائمين الذين لم يعودوا إلى منازلهم بعد.
стр. 121
(١٣) صلاة ركعتين تحية المسجد إن كان هناك وقت لذلك، ثم صلاة المغرب، ثم العودة إلى بيتك للإفطار مع أهلك، وتكون زوجتك قد صلَّت المغرب مع أولادها الصغار.
(١٤) لا تنس إفطار الفقراء والمساكين، واشكر نعمة الله.
(١٥) التبكير إلى صلاة العشاء في المسجد لكي تقف خلف الإِمام، ويمكنك أن تأخذ زوجتك وأولادك معك، وصلِّ مع الإِمام حتى ينتهي.
(١٦) عد إلى بيتك واقرأ جزئي قرآن.
(١٧) نم حتى الساعة الثانية صباحًا.
(١٨) الاستيقاظ وصلاة ركعتي تهجد، وراع فيهما طول القنوت "الوقوف".
(١٩) السحور قبل الفجر بنصف ساعة.
(٢٠) الاستغفار، ثم الذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر.
نصائح:
(١) المحافظة على الأذكار الموظفة (الصباح والمساء، دخول البيت والخروج منه، دخول المسجد والخروج منه، دعاء الركوب، دخول الخلاء والخروج منه ....).
(٢) التقليل من الكلام والإكثار من ذكر الله.
(٣) التقليل من الطعام، والتقليل من الإنفاق والتبذير.
(٤) التقليل من النوم، والمحافظة على ورد تلاوة القرآن.
(٥) التقليل من المواعيد والارتباطات واللقاءات والمكالمات الهاتفية.
стр. 122
(٦) التقليل من الخروج من المنزل.
(٧) التقليل من مخالطة البشر.
(٨) غض البصر، حسن الخلق، الزهد في الدنيا.
(٩) حفظ اللسان من آفاته جميعًا مثل: (غيبة، نميمة، كذب، رياء، بهتان، لغو، رفث، فضول ...).
(١٠) المحافظة على جميع السنن القبلية والبعدية للصلوات.
(١١) المحافظة على السواك.
(١٢) دوام صدق التوبة باستمرار كل ساعة.
(١٣) صلة الرحم، بر الوالدين، صدقة كل يوم.
(١٤) إفطار صائمِين، إطعام فقراء ومساكين.
(١٥) تجريد النية وتحقيقها.
(١٦) علو الهمة والمنافسة.
(١٧) ختم القرآن أربع مرات على الأقل خلال الشهر مرة كل أسبوع.
(١٨) المحافظة على وردك من الذكر يوميًّا خمسة آلاف مرة (ألف استغفار، ألف سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، ألف الباقيات الصالحات، ألف صلاة على النبي، وألف وِرد مختلف يوميًّا: تهليل، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، ومن زاد فهو أفضل.
стр. 123
(١٩) عدم مشاهدة التلفاز.
(٢٠) الدعاء بظهر الغيب لجميع المسلمين.
(٢١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(٢٢) الكف عن المعاصي تمامًا في رمضان وتجديد التوبة كل ساعة.
وصيتي لك ..
أيام رمضان أيام تُصان، هي كالتاج على رأس الزمان، وصل توقيع القدم من الرحيم الرحمن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ياله من وقت عظيم الشأن تجب حراسته مما إذا حل شأن، كأنكم به قد رحل وبان، ووجه الصالح مع الله ما بان، فسوف يكون عليك شاهد ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
فمن اللازم أن تحُرس فيه العينان، من الواجب أن يُحفظ فيه اللسان، من المتعين أن تُمنع الخُطا في الخطأ القدمان فإنه شهر عظيم الشَّان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
إخوتاه .. زِنوا أعمالكم في هذا الشهر بميزان، اشتروا خَلَاصَكُم بما عز وهان، فإن عجزتم فسلوا المعين وقد أعان، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
إخوتاه .. قد ذهبت السَّنَةُ وضاعت البضاعة ما بين التفريط والإضاعة، والتسويف يمحق ساعةً بعد ساعة، والشمس والقمر بحسبان، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
يا واقفًا في مقام التحير، هل أنت على عزمِ التغير، إلرل متى ترضى بالنزول في منازل الهوان، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
стр. 124
في زمن مضى هل مضى من أيامك يومٌ صالح، سلِمتَ فيه من جرائم القبائح، تالله قد سبق الرابح، وأنت راضٍ بالخسران في شهر رمضان، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
عينك مطلقةٌ في الحرام، ولسانك منبسطٌ في الآثام، ولأقدامك على الذنوب إقدام، والكل في الديوان حتى في ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
قلبك غائب في صلواتك، وفكرك ينقضي في شهواتك، فإن ركن إليك رَاكِنٌ في معاملاتك؛ دخلت به خَانَ مَنْ خَان، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
يا هذا .. أكثرُ كلامِك لهوٌ وهَذَر، والوقت بالتفريط شَزَرَ مَزَر، فإن اغتبت مسلمًا لم تُبْقِ ولم تَذَر، الأمان منك الأمان ولو في ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
تالله لو عَقَلْتَ حالك، أو ذكرت ارتحالك، أو تصورت أعمالك؛ لبنيت بيت الأحزان، واعتكفت في ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
أخي في الله، سيشهد رمضان عليك، بنطق لسانك، ونظر عينيك، وسيُشار يومَ الجمع إليك: شقي فلان بن فلان؛ لأنه ضيع ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
أخي .. في كل لحظة تقترب من قبرك، فانظر لنفسك في تدبير أمرك، وما أراك إلا في أول شهرك الأول والآخر سِيَّان، متى تصبح في ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
стр. 125
إخوتاه .. قد ذهب العام ومن شعبان النصف، وما أرى من عملك النصف، فإن كان في الماضي قد قبح الوصف؛ فقم الآن .. قم الآن وادع الله أن يصلحك في ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
стр. 126
مشاهد العبودية في رمضان
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ
وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
стр. 127
مشاهد العبودية في الصيام
إخوتاه ..
شهر رمضان أيام قلبية في الزمن؛ متى أشرفت على الدنيا فكأن الزمان يقول لأهله: هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو، ويتعهد فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو، فيزهد فيها، وكأنما أفرغت من خسائسها وشهواتها كما أفرغ هو فتسمو أخلاقه، وكأنما ألزمت معاني التقوى كما ألزمها هو، وما أجمل وأبدع أن تظهر الحياة في العالم كله -ولو يومًا واحدًا- صائمة نهارها، قائمة ليلها .. ! فكيف بها على ذلك شهرًا من كل سنة؟
ولذلك فإن الصيام تغيير كامل للحياة لا مجرو الامتناع عن الطعام والشهوة مدة من الزمن؛ ولهذا لا بد أن يكون للصائم مشاهد في هذه العبادة يجد آثارها في قلبه. فإن هذه العبادة تُطْلِعُه على رياض مونقة من أنواع العبودية المختلفة ومن مشاهد العبودية في الصيام:
المشهد الأول: مشهد التوحيد:
قال الله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥].
стр. 128
استدل الله ﷻ على نفي ألوهية عيسى وأمه بأنهما كانا يأكلان الطعام، فإن الذي يأكل الطعام يحتاج إلى الإخراج، وفيه ما فيه ..
فأول مشهد يشهده الصائم مشهد التوحيد، فيشهد قلبه عظمة الله ﷻ وعلوه على خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فهو الغني لا يحتاج إلى شيء، ولا يحتاج إلى أحد، ويشهد العبد من نفسه ذله وفقره وفاقته وحاجته، فامتناعه عن الطعام والشراب سويعات قليلة يرخي جسمه، ويفتر عقله، ويثقل لسانه، ويمنع عقله عن التفكير إلا فيما هو محتاج إليه من الأكل والشرب.
وشهود العبد مشهد التوحيد هذا نافع له في صيامه وإفطاره، فإنه يشهد عظمة ربه وغناه وقدرته سبحانه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]، وشعور القلب بهذه العظمة يملؤه غنى، ويمنح القلب قوة في السير إليه سبحانه، وهذا الشعور بالغنى يستغني به العبد عن رؤية المخلوقين والتوكل عليهم والارتباط بهيم والتعلق بهم، وتطهير القلب من آفات لا تعد ولا تحصى.
ويقوى هذا المشهد في رمضان دون غيره لاستدامة الصيام ورؤية هذا الحال في الناس، فإن ثلاثين يومًا يرى فيها العبد انكسار الناس وذلهم لفقد الطعام والشراب وحرمانهم منه، والغنى العالي الذي يبدو على من شهد مشهد التوحيد يجعله مسرورًا بما يجده، ألم تر أن رسول الله ﷺ آثر الصيام على الإفطار، فكان يواصل، ويشبعه مشهد التوحيد هذا فيقول: "أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني" (١).
стр. 129
فمشهد التوحيد في الصيام أجل مشاهد العبد وأكثرها نفعًا وأكثرها صلة بالفعل، فافهم واتكىء ولا تتكل.
المشهد الثاني: مشهد الصبر والشكر:
الدين نصفان: نصفٌ شكر، ونصفٌ صبر.
تكلم العلماء في مسألة أيهما أفضل: الشكر أم الصبر؟، وخلاصة الكلام والله أعلم أن كل حال للعبد كان لواقعه أوفق فهو له أفضل إذا كان لله أرضى.
والإنسان لا ينفك عن الشكر والصبر، فإنه يعيش حياته ما بين نعم مترادفة تحتاج إلى شكر، وبين فتن متكاتفة تحتاج إلى صبر، والصبر أنواع، صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، والشكر أنواع: شكر نعم راسخة، وشكر نعم متجددة، وشكر نعم حادثة، وشكر صرف النبلاء، وشكر دفعه ... وغيرها.
وعظمة رمضان أنه في كل يوم منه يأتي العبد بكل هذه الأنواع من العبودية، فإن الإنسان يصوم النهار، فيحتاج إلى الصبر؛ الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية في ذات الوقت، وهو أيضًا صائم ويرى الطعام والشراب يلمعان بين عينيه ولا يقدر عليهما، فيتذكر ألم المحرومين الذين يرون ما يشتهون ولا يقدرون عليه لفقر أو مرض أو غير ذلك فينشغل بالشكر.
ويظل يومه هكذا، ما بين صبرٍ وشكر، فإذا أفطر في الليل وتناول حاجته من الطعام والشراب وأرضى شهوته؛ احتاج إلى شكر أعمق وعمل أكثر، فعاد مرة أخرى إلى الصبر على الطاعة ليقوم الليل، والصبر عن المعصية ليمتنع عما يدعوه إليه قطاع الطريق إلى الله في وسائل الإعلام وغيرها من المسلسلات والفوازير والأفلام وكل المعاصي الظاهرة والباطنة.
стр. 130
فيظل العبد المؤمن يعيش أيام رمضان ولياليه متلبسًا بتلك العبودية المترادفة بين الشكر والصبر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ﴾ [النحل: ١٢٦ - ١٢٧]، وقال رسول الله ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (١).
المشهد الثالث: مشهد القبض والبسط:
هل الحياة مملة؟! ..
إن الذين لا يفهمون الحياة لا يعرفون كيف يعيشون هذه الحياة، فإذا لم يعيشوها كما ينبغي شكوا الملل!!، ولا أدري هل هو عقوبة؟
إن الذين لا يفهمون مراد الله منهم، فيعيشون الحياة على وتيرةٍ واحدة، فلا يشعرون بالتجديد والتجدد في معاني الحياة وملذوذاتها؛ يشكون السأم والضجر والملل ..
أما العبد الرباني، الذي يعيش على مراد الله منه لا على مراده من الله؛ فإن حياته متجددة، فهو في كل لحظة بعبادة، وكل ساعة بنية، وهذا المشهد يتضح أكثر ما يكون في رمضان؛ فإن الصائم يعيش ما بين المنع في النهار فيشهد مشهد القبض ثم يفطر وتنفتح له أبواب خيرات الله فيشهد مشهد البسط، وهكذا ما بين نوم ويقظة، وإفطار وإمساك، ونشاط وراحة، يعيش المسلم في رمضان بلا سأم ولا ملل، فإنه كل ساعة في انتظار تغيير يحدثه تجدد عبادة من العبادات.
стр. 131
المشهد الرابع: حسن الخلق:
قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠]، وقال رسول الله ﷺ : "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" (١)، وشهر رمضان له علاقة حميمة بالأخلاق السامية، والمعاني الرفيعة، فقد قال رسول الله ﷺ : "الصوم جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب ولا يجهل، وإن سابه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني صائم" (٢).
وكأن هذا الحديث وضع أصولًا لأخلاق الصائمين:
أولها: أن الصائم هادئ النفس، ليِّن الطبع، في غاية الاحترام، فإنه يستشعر المراقبة حال الصيام، فلا يرفث أي لا يتكلم في الجماع ومقدماته.
ثانيها: لا يفسق: أي إنه لا يخرج عن حدود الأدب، لا في القول ولا في العمل، بل هو منضبطٌ إلى أقصى حد.
ثالثها: لا يصخب: لا يرتفع صوته؛ لأن الصيام نوعٌ من السكون، يقال صامتِ الدابة أي سكنت عن الحركة، وصامت الخيل أي سكتت عن الصهيل، فأصل الصيام نوع سكون، وقد فهم الصائم هذا النوع من التعبد فلا يصخب، إنه يكره الضجيج ويحب السكون والسكوت؛ لأنه أجمع لشمل قلبه على ربه.
رابعها: ولا يجهل: والجهل أنواع، وأبو جهل لا يبالي، وآباء الجهل كثيرون، الصائم لا يجهل، وكل معصية جهالة، وكل ما عصي الله به فهو
стр. 132
جهل، وكل عاص جاهل، والذي يعامل الناس بما يكرهون يجهل عليهم لأنه يجهل حقهم وهو معاملتهم بالحسنى؛ لذلك أمر الصائم أن يتذكر دومًا ليعلم أنه صائم فيقول: إني صائم.
خامسها: وهو الأهم أنه إذا أوذي أو اعتدى عليه أو أضر به أحد، أو كما قال رسول الله ﷺ : "فإن سابه أحد أو قاتله"؛ فإن المبدأ الإِسلامي العظيم يبرز هنا جليًّا وهو: رد السيئة بالحسنة.
هذا الخلق المفقود في حياة المسلمين اليوم، وإني أعتقد أن كثيرًا من منظومة الأخلاق في الإِسلام مفقودة، والأخطر من ذلك أن تستبدل هذه الأخلاق وتتحول أخلاقيات أهل الغرب هي الأصل، وتصبح الأمثلة الشعبية والمقولات العامية أصولًا لأخلاق المسلمين في عصرنا، فصارت الدعوة إلى ظلم الناس لئلا تظلم هي الأصل عند الكثير.
قال الله : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]، فانظر كيف وعدك الله أنك إن أحسنت إلى من أساء إليك أحبك حتى صار كأنه ولي حميم، والآخرون يقولون لك: إن سامحته طمع فيك وعلى هذا فقس.
ترى إعراض الناس عن وعود الشرع في مسألة الأخلاق، والاعتماد على تجاربهم الحياتية، ومن أجل ذلك خذلوا، يقول رسول الله ﷺ : "ما من شيء أثقل في ميزان العبد من حسن الخلق" (١)، وقال ﷺ :
стр. 133
"إن كمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة" (١).
فانتهز أخي الحبيب فرصة رمضان الكريم، وحسِّن أخلاقك لكي تكون في أعلى درجة في هذا الصيام، قال رسول الله ﷺ : "أنا زعيمٌ ببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خلقه" (٢).
المشهد الخامس: الزهد في الدنيا:
المفروض أن رمضان شهر الزهد، فإنما شرع الصيام ليقع التقلل، وفرض الله الصيام على الأمة شهرًا كل عام ليعرف الناس قدر الدنيا، وقيمة الطعام والشراب والشهوات، وليتمكنوا من التحكم فيها، فلا تحكمهم ولا تكون أهدافهم وآمالهم في حياتهم، ويتم التدريب على ذلك لمدة شهر يتكرر كل عام للتذكير بهذه القضية التي يمكن أن نسميها حقًّا: الزهد في الدنيا، ولذلك من مشاهد المعبودية في الصيام الزهد، فما هو الزهد حقيقة.
ذكر ابن القيم -عليه رحمة الله- في كتاب "طريق الهجرتين وباب السعادتين" عند كلامه عن الزهد كلامًا نفيسًا، ننقله هنا بنصه، فاقرأ وأعد وافهم ثم اعمل: "الزهد على أربعة أقسام:
أحدها: فرض على كل مسلم، وهو الزهد في الحرام، وهذا متى أَخَلَّ به مسلم انعقد سببُ العقاب، فلابد من وجود مسببه ما لم ينعقد سبب آخر يضاده.
الثاني: زهد مستحب، وهو على درجاتٍ في الاستحباب بحسب المزهود
стр. 134
فيه، وهو الزهد في المكروه، وفضول المباحات والتفنن في الشهوات المباحة.
الثالث: زهد الداخلين في هذا الشأن، وهم المشمرون في السير إلى الله وهو نوعان:
أحدهما: الزهد في الدنيا جملة، وليس المراد تخليتها من اليد ولا إخراجها وقعوده صِفرًا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكلية، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت في يده، فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك، وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك، وهذا كحال الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز الذي يضرب المثل بزهده مع أن خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيد ولد آدم ﷺ حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زهدًا فيها.
ومن هذا الأثر الشهور: "ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال؛ ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك مما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك".
والذي يصحح هذ الزهد ثلاثة أشياء:
أحدها: علم العبد أنها ظل زائل وخيال زائر، وأنها كما قال الله تعالى فيها: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: ٢٠]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ
стр. 135
وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
وسماها سبحانه "متاع الغرور"، ونهى عن الاغترار بها، وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترين بها وحذرنا من مصارعهم، وذم من رضي بها واطمأن إليها، وقال النبي ﷺ : "مالي وللدنيا، إنما أنا كراكبٍ قَالَ في ظل شجرة ثم راح وتركها" (١).
وفي المسند عنه ﷺ حديثٌ معناه: أن الله جعل طعام ابن آدم وما يخرج منه مثلًا للدنيا، فإنه وإن قَزَّحه ومَلَّحه فلينظر إلى ماذا يصير؟، فما اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همة دنية وعقل حقير، وقدر خسيس.
الثاني: علمه أن وراءها دارًا أعظم منها قدرًا وأجلَّ خطرًا وهي دارُ البقاء، وأن نسبتها إليها كما قال النبي ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع" (٢)، فالزاهد فيها بمنزلة رجل في يده درهم زَغَل قيل له: اطرحه فلك عوض مائة ألف دينار مثلًا، فألقاه من يده رجاء ذلك العِوض، فالزهد فيها لكمال الرغبة فيما هو أعظم منها زُهدٌ فيها.
الثالث: معرفته أن زهده فيها لا يمنعه شيئًا كتب له منها، وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يُقْضَ له منها، فمتى تيقن ذلك وصار له به علم يقين هان عليه الزهد فيها، فإنه متى تيقن ذلك وثلج له صدره، وعلم أن مضمونه منها
стр. 136
سيأتيه، بقي حرصه وتعبه وكده ضائعًا، والعاقل لا يرضى لنفسه بذلك، فهذه الأمور الثلاثة تُسَهِّل على العبد الزهد فيها، وتثيت قدمه في مقامه، والله الموفق لمن يشاء.
النوع الرابع من أنواع الزهد: الزهد في نفسك، وهو أصعب الأقسام وأشَقُّها، وأكثر الزاهدين إنما وصلوا إليه ولم يلجوه، فإن الزاهد يسهل عليه الزهد في الحرام لسوء مغبته وقبح ثمرته، وحمايةً لدينه وصيانةً لإيمانه، وإيثارًا للذة والنعيم على العذاب، وأنفة من مشاركة الفجار والفجرة، وحميَّةً من أن يستأثر لعدوه، ويسهل عليه الزهد في المكروهات وفضول المباحات: علمُه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم والنعيم المقيم.
ويسهِّل عليه زهده في الدنيا معرفته بما ورائها، وما يطلبه من العوض التام والمطلب الأعلى، وأما الزهد في النفس فهو ذَبحُها بغير سكتتين، وهو نوعان:
أحدهما: وسيلةٌ وبداية، وهو أن تميتها فلا يبقى لها عندك من القدر شيء، فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها، قد سَبَّلت عِرْضَها ليومِ فقرها وفاقتها، فهي أهون عليك من أن تنتصر لها أو تنتقم لها أو تجيبها إذا دعتك أو تكرمها إذا عصتك أو تغضب لها إذا ذُمَّت، بلى هي عندك أخسُّ مما قيل فيها، أو تُرَفِّهها عما فيه حظُّك وفلاحك، وإن كان صعبًا عليها، وهذا وإن كان ذبحًا لها وإماتةً عن طباعها وأخلاقها، فهو عين حياتها وصحتها، ولا حياة لها بدون هذا ألبتة.
وهذه العقبة هي آخرُ عقبةٍ يشرف منها العبد على منازل المقربين، وينحدر منها إلى وادي البقاء، ويشربُ من عين الحياقس، ويخلِّص روحَه من سجون المحن والبلاء وأَسْرِ الشهوات، وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق، فيا قرة عينها به، ويا نعيمها وسرورهما بقربه، ويا بهجتها بالخلاص من عدوها، واللجوء إلى مولاها ومالك أمرها ومتولي مصالحها
стр. 137
وهذا الزهد هو أول نقدة من مهر الحب، فيا مفلس تأخر.
والنوع الثاني: غايةٌ وكمالٌ، وهو أن يبذلها للمحبوبِ جملة، بحيث لا يستبقي منها شيئًا، بل يزهد فيها زهد المحب في قدر خسيس من ماله قد تعلقت رغبة محبوبه به، فهل يجد من قلبه رغبة في إمساك ذلك القدر وحبسِهِ عن محبوبه؟، فهكذا زهد المحب الصادق في نفسه قد خرج عنها وسلمها لربه، فهو يبذلها له دائما بِتعرُّضٍ منه لقبولها.
وجميع مراتب الزهد المتقدمة مَبَادٍ ووسائل لهذه المرتبة، ولكن لا يصح إلا بتلك المراتب، فمن رام الوصول إلى هذه المرتبة بدون ما قبلها فمتعنٍ متمنٍ كمن رام الصعود إلى أعلى المنارة بلا سُلَّم، قال بعض السلف: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول، فمن ضيع الأصول حرم الوصول". اهـ كلام ابن القيم
أخي الحبيب .. إذا عرفت الزهد كما ينبغي، وليس بعد كلام الإِمام كلام، ففرصتك في رمضان أن تشهد هذا المشهد، خصوصًا أنك مُعَان، لقلة الطعام وقلة الشراب وقلة الفراغ، والإجهاد من الصيام والقيام وتلاوة القرآن، هذه هي الحياة فازهد في الدنيا ووسائلها.
المشهد السادس: الإيثار:
شهر رمضان مدرسةٌ عظيمة، والدروس المستفادة من هذا الشهر وظائف للعمر وذكريات في الحياة، وهو تدريب عملي على مدار أيامه الثلاثين للفهم وتذوق هذه المعاني الإيمانية العالية لكي تكون الحياة على هذا النمط بعد رمضان؛ لأن في هذه المداومة تربية للنفس وتخليص لها من آفاتها.
ومن الآفات التي يفيد الصيام في التخلص منها أجل فائدة: الشح؛ لأن
стр. 138
النفس مجبولة عليه، قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠]، فشرع الله الصيام ولمدة شهر لعلاج هذا المرض، وذلك بتعويد الإنسان على ضده وهو الإيثار.
وابن القيم -عليه - رحمة الله - أستاذ القلوب في مدرسة الربانية، قد أفاد وأجاد فبدأ الكلام في هذا الباب وتفصيله في كتاب طريق الهجرتين أيضًا، فننقل كلامه هنا بطوله بنصه، لعل الله ينفعنا جميعًا به، فما بعد العلم إلا العمل، فخذه هنيئًا مريئًا.
يقول ﵀: "الدين كله والمعاملة في الإيثار، فإنه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما تؤثره به على نفسك، وقيل: من آثر الله على غيره آثره الله على غيره.
والإيثار إما أن يتعلق بالخلق، وإما أن يتعلق بالخالق، وإن تعلق بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يُضَيِّع عليك وقتًا، ولا يفسد عليك حالًا، ولا يهضم لك دينًا، ولا يسُدُّ عليك طريقًا، ولا يمنع لك واردًا، فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك، فإيثار نفسك عليهم أولى، فإن الرجل من لايؤثر بنصيبه من الله أحدًا كائنًا من كان.
وهذا في غاية الصعوبة على السالك، والأول أسهل منه، فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله: الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
فأخبر أن إيثارهم إنما هو بالشيء الذي إذا وُقِيَ الرجلُ الشُّحَّ به كان من
стр. 139
المفلحين، وهذا إنما هو فضول الدنيا، لا الأوقات المصروفة في الطاعات، فإن الفلاح كل الفلاح في الشح بها، فمن لم يكن شحيحًا بوقته تركه الناس على الأرض عيانًا مفلسًا، فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأس ماله.
ومما يدل على هذا أنه سبحانه أمر بالمسابقة في أعمال البر والتنافس فيها والمبادرة إليها، وهذا ضد الإيثار بها، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، وقال النبي ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاسْتَهَمُوا عليه" (١) أي: لكانت قرعة.
والقرعة إنما تكون عند التزاحم والتنافس لا عند الإيثار، فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلًّا للإيثار، بل محلًّا للتنافس والمسابقة، ولهذا قال الفقهاء: لا يستحب الإيثار بالقربات.
فإن قيل: فما الذي يسهل على النفس الإيثار بالدنيا دون الآخرة، فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار؟، قيل: يسهله أمور:
أحدُها: رغبةُ العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها، فإن من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها الإيثار، وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبِه ومحبته، كما جبلها على بغض المستأثر ومقته، لا تبديل لخلق الله، والأحلاق ثلاثة: خلق الإيثار، وهو خُلُقُ الفضل، وخلق القسمة والتسوية، وهو خلق العدل، وخلق الاستئثار والاستبداد وهو خلق الظلم.
فصاحب الإيثار محبوبٌ مُطَاعٌ مَهِيب، وصاحب العدل لا سبيل للنفوس
стр. 140
إلى أذاه والتسلط عليه، ولكنه لا تنقاد إليه انقيادها لمن يؤثرها، وصاحب الاستئثار النفوس إلى أذاه والتسلط عليه أسرع من السيل في حُدُوِرِه، وهل أزال الممالك وقلعها إلا الاستئثار؟!، فإن النفوس لا صبر لها عليه، ولهذا أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالسمع والطاعة لولاة الأمر وإن استأثروا عليهم، لما في طاعة المستأثر من المشقة أو كره الاستئثار.
الثاني: النفرة من أخلاق اللئام، ومقت الشح وكراهته له.
الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله للمسلمين بعضهم على بعض، فهو يرعاها حق رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف مع حده، فإن ذلك عسير جدًّا، بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم، فهو لخوفه من تضييع الحق والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا يُنْقِصُه ولا يضره، ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا وجزيلَ الأجر في الآخرة، مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه، فيعود عليه من إيثاره أفضل ما بذله، ومن جرَّبَ هذا عرفه، ومن لم يجربه فليستقرئ أحوال العالم، والموفق من وفقه الله .
الإيثار المتعلق بعبادة الله:
والإيثار المتعلق بالخالق أجَلُّ من هذا وأفضل، وهو إيثالر رضاه على رضا غيره، وإيثار حبه على حب غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، وإيثار الذل له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره، وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره، فالأول آثر بعض العبيد على نفسه فيما هو محبوبٌ له، وهذا آثر الله على غيره، ونَفْسُه من أعظم الأغيار، فآثر الله عليها فترك محبوبها لمحبوب الله.
стр. 141
وعلامة هذا الإيثار شيئان:
أحدهما: فعل ما يحب الله وإن كانت النفس تكرهه وتهرب منه.
الثاني: ترك ما يكرهه ربه وإن كانت النفس تحبه وتهواه.
فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار، ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع، فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيها شديدة والنفس عنه ضعيفة، ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله عليه، فحقيقٌ بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى، وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المحنة، ويحتمل فيه خطرًا يسيرًا لمُلْكٍ عظيم وفوزٍ كبير؛ فإن ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال، ويسيرٌ منه يُرَقَّى العبد، ويسيِّره ما لا يرقي غيرُه إليه في المُدَدِ المتطاولة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار.
والذي يسهله على العبد أمور:
أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة.
الثاني: أن يكون إيمانه راسخًا ويقينه قويًا، فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته.
الثالث: قوة صبره وثباته. اهـ كلام ابن القيم -عليه رحمة الله-.
ومشهد الإيثار مشهد عظيم رائع، يظهر في رمضان أكثر من غيره، فإن مجرد تركك للطعام والشراب رغم شهوتك الشديدة إلى تناوله طلبًا لرضا الله؛ هذا هو معنى الإيثار، فاشهد هذا المشهد، وعامل الله به دومًا، وقد ذكر لك الإِمام معاني الإيثار بالتمام والكمال، فما بقي عليك إلا العمل بعد الفهم العميق للكلام، هذه هي العبادة؛ فهل من سألك؟!
стр. 142
المشهد السابع: استشعار المعانى الإيجابية للصوم:
بعض الناس يظن أن الصيام كبت وحرمان، ولكني أقول لهم: إن الهدف من الصيام ليس الكبت والحرمان، وإنما الصيام وسيلة إلى غاية نبيلة، إنه التدريب على السيادة والقيادة، قيادة النفس وضبط زمامها، وكلها عن أهوائها ونزواتها، بل إنه التسامي بتلك القيادة إلى أعلى مراتبها، فلقد كنت في بحبوحة الإفطار إنما تحمي جوفك عن تناول السحت والخبيث، فأصبحت في حظيرة الصيام تفطمه حتى عن الحلال الطيب.
ولقد كنتَ بالأمس تكف لسانك عن الشتم والإيذاء، فأصبحت اليوم تصونه حتى عن رد الإساءة وعن إجابة التحريش والاستفزاز، فإن خاصمك أحد أو شاتمك، لم تزد على أن تقول: إني صائم، هكذا ملكت بالصيام زمامي شهوتك وغضبك.
وإنه لصبر يجر إلى صبر، ونصر يقول إلى نصر، فلئن كان الصيام قد علمك أن تصبر اليوم طائعًا مختارًا في وقت الأمن والرخاء، فأنت غدًا أقدرُ على الصبر والمصابرة في البأساء والضراء وحين البأس، ولئن كان الصيام قد علمك كيف تنتصر اليوم على نفسك، فلقد أصبحت به أجدر أن تنتصر غدًا على عدوك، وتلك عاقبة التقوى، التي أراد الله أن يرشحك لها بالصيام.
إن هذا الهدف الذي صورناه وحددناه، إنما يقوم في منتصف الطريق الذي رسمه الله للصائمين، وإن في نهاية هذا الطريق هدفًا آخر، بل أهدافًا أخرى أهم وأعظم.
وفي الحق أنه لو كان كل ما يطلب من الصائم هو أن يكف نفسه عن شهواتها وانفعالاتها، ولم يكن أمامه عمل إيجابي جديد يسد به هذا الفراغ، إذًا لكانت تجربة الصيام انتقاصًا للطاقة العاملة من ناحية، دون إمداد لها من ناحية
стр. 143
أخرى، وإذًا لكانت على حد تعبير العلماء "تخلية" بلا "تحلية"، أو تجارة مأمونة الخسارة، ولكنها لا ربح فيها ولا غنيمة.
فهل شريعة الصيام في الإِسلام هى تلك الصور العارية الجرداء؟
كلا .. إنها عبادة ذات شطرين، وليس شطرها الأول إلا تمهيدًا وإعدادًا لشطرها الثاني، إنها شجرة جذعها الصبر، ولكن الله لا يريد للصائم أن يترك هذا الجذع قاحلًا ماحلًا، بل يريد أن ينبت على جوانبه أغصانًا من الشكر، وأن يتوج هامته بأوراق وثمار من الذكر والفكر، وإن من تأمل كلمة التقوى التي عبر بها القرآن الكريم في حكمة الصيام، يجدها منطوية على هذين الشطرين.
فهي في شطرها الأول: كف وانتهاء، وابتعاد واجتناب.
لكنها في شطرها الثاني: إقبال واقتراب، وإنشاء وبناء.
وإذًا فليس الشأن كل الشأن في أن يغلق الصائم منافذ حسه، ويسكت صوت الهوى في نفسه؛ فذلك إنما يمثل إغلاق أبواب النيران؛ ولكن الشأن الأعظم في أن يكون إغلاق منافذ الحس فتحًا لمسالك الروح، وأن يكون إسكات صوت الهوى تمكينًا لكلمة الحق والهدى، فتلك هي مفاتيح أبواب الجنان.
ومن كان في شك من أن هذا الجانب الإيجابي، هو الهدف الأخير لشريعة الصوم، فليقرأ كتاب الله يجد دلائله مبثوثة في تضاعيف آيات الصيام، وليطالع سنة رسول الله ﷺ ، يجد معالمه مبسوطة في هديه النبوي قولًا وفعلًا، والعجيب في هذا التوجيه أن الإِسلام لم يترك الأمر بالصيام دعوة مرسلة، بل وضع له مناهج معينة، ورسم له خططًا مفصلة؛ ذلك أنه لمَّا جعل شهر الصيام موسمًا لانطلاق الروح من عقالها؛ فتح فيه للأرواح بابين تتدفق منهما: بابًا إنسانيًّا، وبابًا ربانيًا.
فأما انطلاق الروح الباب الإنساني: فذلك أنه أرشدنا إلى أن يكون
стр. 144
زهدنا في الطعام والشراب ليس قبضًا وإمساكًا بالحفظ والادخار، بل بسطًا وسخاء بالبذل والإيثار: لا تسد أيها الصائم جوعتك، ولا تنقع غلتك فحسب، ولكن أطعم الجائع واسق الظمآن، وهذا هو الصوم كما فهمه إمامنا الأعظم صلوات الله عليه، فقد كان أجود ما يكون في رمضان، حتى إنه كان فيه أجود من الريح المرسلة.
وما زكاة الفطر في آخر رمضان إلا الحلقة الختامية، والمظهر العلني الجماعي لهذه الحركات النفسية الفردية، التي تحولت فيها فضيلة الصبر، إلى فضيلة الشكر، اتباعا لإرشاد القرآن الكريم حين يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما انطلاق الروح في رمضان من الباب الرباني؛ فذلك أن الإِسلام فتح فيه للطاعة مسالك مسلوكة، ورسم لها سُبُلًا ذُلُلًا، تسبيح وتحميد، تكبير وتمجيد: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، تضرع وابتهال، ودعاء وسؤال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ركوع وسجود، وقيام وتشمير ونهوض: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١)، وما الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان إلا نهاية الشوط في السير، إقبالا على الله وانقطاعا بالكلية إليه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ألا وإن ذِروة الأمر وسِنامُه في هذا الجانب الرباني، إنما هو في مناجاة الله بكلامه، وفي مدارسة كتابه، كما كان يفعل الرسول المصطفى من البشر، والرسول المصطفى من الملائكة، إذ كانا يتدارسان القرآن في رمضان في كل عام، ولأمر ما نَوَّه الله بهذه الصلة الوثيقة بين رمضان وبين القرآن، وجعلها
стр. 145
أولى المناقب والمزايا التي اختص بها هذا الشهر المعظم، فقال جلت حكمته: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ فكان ذلك إيماء لنا بأن نجعل حظ رمضان من القرآن أوفر الحظوظ.
لما كان الأصل العمل والجهاد في سبيل الله؛ فإن رسول الله ﷺ جاهد في رمضان ليصل إلى أعلى درجة في العبادة، دائمًا في المركز الأعلى، فكان عند الموت يقول: "بل الرفيق الأعلى" (١)، شرط بشرط، ولكل سلعة ثمن.
أما صوم النُّوَّم .. أما صوم البطالين .. فمال هؤلاء والجنة؟!
مالك أنت والمحبة وأنت أسيرُ الحبة، تعلقتَ بها تعلقَ الرضيع بالظِئر، والقوم ما أعاروها الطرف .. فالنبي ﷺ كان يصوم ويجاهد .. يصوم ويقوم .. يصوم ويتلو .. يصوم ويدعو .. يصوم ويصلي .. يصوم ويعلِّم .. يصوم ويتلقى القرآن ويعلمه ويدعو به وإليه .. بأبي أنت وأمي ونفسي يا رسول الله ﷺ .
لذلك إخوتاه فإن الصيام ليس موسمًا للنوم، إنك مسلم، فلابد أن تكون عالي الهمة تطلب القمة؛ لأنك صاحب دين قيِّم .. في هذه الآية: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾، توجد قراءة أخرى وهي دينًا قيِّمًا، وذلك الدين القيِّم يجعلك حين تسلم وتستسلم: تصوم وتبذل جهدك وتستعين بالله ﷻ ، قال الله سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، أيها الناس .. أيها الإخوة .. أيها الأخوات .. إذا أردتم النجاح؛ فاستعينوا بالصبر والصلاة .. والتزموا العبودية أينما حلَّت ركائبها.