← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13580

أسرار المحبين في رمضان

محمد حسين يعقوب

Полный текст (368 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٢ - الاغتسال والتطيب ولبس الثياب الحسنة: فعن مجاهد بن جبير قال: كانوا يكرهون أكل الثوم والكرات والبصل من الليل، وكانوا يستحبون أن يمس الرجل عند قيامه من الليل طيبًا يمسح به شاربه وما أقبل من اللحية. ٣ - التسوك لقيام الليل: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي، قام الملك خلفه، فسمع لقراءته، فيدنو منه حتى يضع فاه على فيه، وما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم للقرآن" (١)، فانظر رحمك الله إلى حرص الملائكة واعتنائهم باستماع القرآن من البشر، والذي نفسي بيده لو لم يكن في فضيلة السواك ليلًا إلا هذا الحديث لكفى. ٤ - غسل اليد قبل غمسها في إناء الوضوء. ٥ - الحرص على أذكار القيام والاستفتاح والتأسي بالنبي ﷺ في كيفية صلاته. ٦ - ترديد الآية وتدبر ما فيها. ٧ - ترديد السورة. ٨ - البكاء. ٩ - حسن الصلاة وحضور القلب. ١٠ - ترك القيام مع النعاس والفتور: قال رسول الله ﷺ : "إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" (٢).

стр. 212

١١ - النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام: قال رسول الله ﷺ : "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" (١). ١٢ - إيقاظ الأهل والصبية ومن يليه لقيام الليل. واعلم -أخي- أنه من اعتاد على القيام نُبِّه لذلك إذا غفل عنه، فعن ابن مسعود قال: إذا نام الرجل وهو يريد القيام من الليل أيقظه إما سنور، وإما صبي، وإما شيء فيستيقظ، فيفتح عينيه وقد وكل به قرينان: قرين سوء وقرين صالح، فيقول قرين السوء: افتح بِشَرٍّ، ثم عليك ليلًا طويلًا ما تسمع صوتًا ولا قيام أحد، فإن نام حتى يصبح أتاه الشيطان فبال في أذنه، فأصبح ثقيلًا كسلانًا خبيث النفس مغبونًا، أما الآخر فيقول له الملك: افتح بخير، قم فاذكر ربك وصل، فإن قام فتوضأ ثم دخل المسجد فذكر الله وأثنى عليه، وصلى على النبي محمَّد ﷺ ، فإذا فرغ من صلاته استقبله الملك فقبله، ثم يصبح طيب النفس قد أصاب خيرًا. أخي في الله .. ألق نفسك في الدجى على باب الذل. وقل: إلهي، كم لك سواي ومالي سواك .. عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك. فبفقري إليك وغناك عني، بقوتك وضعفي، بعزك وذلي إلا رحمتني وعفوت عني، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك. أسألك مسألة المسكين .. وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل .. وأدعوك

стр. 213

دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه .. إلهي .. أنا الذي كلما طال عمري زادت ذنوبي، أنا الذي كلما هممت بترك خطيئة عرضت لي أخرى .. واذنوباه! خطيئة لم تبل وصاحبها في أخرى .. واذنوباه! إن كانت النار لي مقيلا ومأوى .. واذنوباه! إن كانت المقامع لرأسي تهيأ .. رب أفحمتني ذنوبي وانقطعت مقالتي فلا حجة لي، فأنا الأسير ببليتى، المرتهن بعملي، المتردد في خطيئتي، المتحير عن قصدي، المنقطع بي، قد أوقفت نفسي موقف الأشقياء المجترئين عليك، المستخفين بوعدك، سبحانك أي جرأة اجترأتها عليك، وأي تغرير غررت بنفسي. مولاي ارحم كبوتي لحسر وجهي وزلة قدمي، وعد بحلمك على جهلي وبإحسانك على إساءتي، فأنا المقر بذنبي المعترف بخطيئتي .. وهذه يدي وناصيتى، أستكين بالقوَد من نفسي، ارحم ضعفي ونفاد أيامي واقتراب أجلي، وقلة حيلتي ومسكنتي، مولاي وارحمني إذا انقطع من الدنيا أثري، وانمحى من المخلوقين ذكري، وكنت في المنسيين كمن قد نُسِي، مولاي وارحمني عند تغير صورتي وحالي، إذا بلى جسمي وتفرقت أعضائي وتقطعت أوصالي، يا غفلتي عما يراد بي. مولاي وارحمني في حشري ونشري، واجعل في ذلك اليوم مع أوليائك موقفي، وفي أحبائك مصدري، وفي جوارك مسكني يا رب العالمين، سبحانك اللَّهم وحنانيك، سبحانك اللَّهم وتعاليت.

стр. 214

الاعتكاف حين يخلو كل حبيب بحبيبه

стр. 215

الاعتكاف الاعتكاف .. وما أدراك ما الاعتكاف .. جئنا إلى بيت القصيد والمَحَكِّ الصادق للحبِّ الحقيقي .. حين يخلو كُلُّ حبيبٍ بحبيه حين يُذكر الاعتكاف تهفو إليه النفوس المؤمنة والقلوب الصادقة. الاعتكاف بيتُ المشاعر .. وعمقُ الإيمان .. وصدقُ التوجه .. وحلاوةُ الغربة .. الاعتكاف .. ملازمةُ الباب .. والوقوفُ في المحراب: ولذةُ أُوْلِي الألباب .. الاعتكاف .. لا بد منه لكل صادق؛ فإنه مطلبٌ رئيس يحتاجه في حياته .. في القلب شعث لا يَلُمُّهُ إلا الإقبال على الله .. وفي القلب فاقة .. لا يسدها إلا الأنس به واستشعار معيته .. هَمُّ الحياة وكبدها .. شتاتُ القلبِ وتفرقه .. مأساةُ التعامل مع الناس ودنياهم .. كل ذلك يجعل الإنسان يتوق إلى خَلوة حصينة يخلو فيها مع ربه وإلهه .. وحبيبه ومعبوده وسيده ومطلوبه .. يجعل الإنسان يشتاق إلى لحظاتٍ يتخلص فيها من كل شيء، ومن كل أحد .. ويجتمع همُّ قلبه وكلُّ مشاعره وأحساسيه بل وكلُّ حواسه على الله وحده.

стр. 216

وفرحة اعتكاف رمضان لمن أراد أن يغتنمها فرصةُ الفرص .. فإنه يخص العشر الأواخر من رمضان جوٌّ إيمانيٌّ عَبِق .. جوٌّ روحانيٌّ طَلْق .. فيها هدايا .. وفرائد وفوائد .. ونِعَم لا تحصى تحتاج إلى شكر .. ولك في رسول الله ﷺ أسوةٌ؛ فإن هذه الخَلوة فترة إعداد وتهيئة وتدريب لأحد عشر شهرًا قادمة. قال بعض أصحاب التفاسير عند الكلام على خَلوة النبي ﷺ في غار حراء كلامًا نفيسًا أنقله هنا بنصه تتأمله وتستفيد ما يمس قلبك منه قال ﵀: "وكان اختياره ﷺ لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له؛ ليُعِدَّه لما ينتظره من الأمر العظيم. ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه، وَيخْلُصَ من زحمة الحياة وشواغلها الصغيرة، ويُفَرَّغ لموحيات الكون، ودلائل الإبداع؛ وتسبح روحه مع روح الوجود؛ وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال؛ وتتعامل مع الحقيقة الكبرى، وتُمَرَّن على التعامل معها في إدراك وفَهْم. ولابد لأيِّ روح يُراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهةً أخرى .. لابد لهذا الروح من خَلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض، وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة. لابد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة. فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له، فلا تحاول تغييره. أما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة؛ فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر، ويدربه على الشعور بتكاهل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع!

стр. 217

وهكذا دَبَّرَ -الله لمحمد ﷺ وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ .. دَبَّرَ له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات. ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيبٍ مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله" اهـ. أيها الإخوة .. لقد كان محور حياة الرسول ﷺ الرئيسي عبادة الله ، فهو خير من عبد الله في هذا الكون، فكانت له عباداته اليومية التي كان يواظب عليها من فروض ونوافل، من أداء الصلوات الخمس، وأداء للرواتب، وصلاة الضحى، وقيام الليل، وعيادة مريض، وتجهيز غاز، وقضاء حوائج الناس، وغير ذلك من سلوكه اليومي. وقد كانت له عبادات أسبوعية، مثل: صيام الاثنين والخميس، وصلاة الجمعة. وعبادات حولية، مثل: صيام شهر رمضان، وقيامه، واعتكافه في العشر الأواخر منه. وكل هذه الأمور التعبدية التي كان يحيا بها ﷺ لها توجيهاتها التربوية في حياة الإنسان المسلم، لذلك كان لزامًا على المسلم معرفة التوجيهات التربوية في عبادات رسول الله ﷺ المتنوعة، حتى يستطيع العمل على نهج رسول الله ﷺ ؛ لأنه القدوة في كل أمورنا على حد سواء وهذا هو الاتباع بإحسان. والاعتكاف عبادة ليست كغيرها من العبادات، فهي تعني الانقطاع إلى الله بالكلية، وهجر ملذات الدنيا، التي تعترض عادة السمو الروحي للإنسان، والصلة المتكاملة بالله من أجل تحقيق الصفاء الروحي في علاقة الإنسان المسلم بالله .

стр. 218

فالجانب الروحي في الشر وظيفته الرئيسية إيجاد صلة مستمرة بين العبد وخالقه من خلال دائرة العبادة الواسعة، التي تشمل حياة هذا الإنسان بكليته؛ مبتغيًا بذلك مرضاة الله ، متبعًا فيه شريعة الحق ﵎، وتنقطع هذه الصلة الروحية عند انحراف هذا الإنسان عن ابتغاء مرضاة الله ، وتطبيق شرعه القويم، وتعود بعودة الإنسان إليها. وفي الاعتكاف فرصة كبيرة لتحقيق هذه الصلة المستمرة بين العبد وربه ، وذلك لِتَوَفر بُغْيَة مرضاة الله ، واتباع شرعه ﵎ بصورة مستمرة أثناء الاعتكاف، والجوانب التربوية لسنة الاعتكاف لا تنحصر في تربية النفس على تحري ليلة القدر، أو في تربية الجانب الروحي في حياة الإنسان المسلم، وإنما هناك جوانب تربوية متعددة تمكننا أن نقول: إن الاعتكاف يعتبر بحق مدرسة إسلامية تنعقد بصورة سنوية. وعندما تعمل التربية الإِسلامية على الوصول بالإنسان المسلم إلى درجة ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، كان لا بد وأن تُعيرَها السُّنَّةُ جُلَّ اهتمامها، وتعمل على ترسم خطا النبي ﷺ في أحواله كما كان يفعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، فكانوا نماذج بشرية عالية الهمم، أمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم ﵃ وعن الصحابة أجمعين، كانوا يعملون باستمرار في اتباعه ﷺ في جميع أموره حتى وإن لم يعرفوا الحِكْمَة في سلوكه ﷺ في أي موقف من مواقف حياته. ولا أدل على ذلك من أنه قد ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ "، قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال

стр. 219

رسول الله ﷺ : "إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا"، وقال ﷺ : "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذًى فليمسحه وليصلِّ فيهما" (١). فكانت تلك المبادرة الفورية التلقائية لمتابعة سلوك الرسول ﷺ ألقى نعله فألقوا نعالهم وهكذا دومًا في كل الأحداث، ونتج عن ذلك بطبيعة الحال الاستسلام الكلي لشرع الله ، الذي كان أساسه ارتفاع درجة الإيمان بالله في تلك النفوس. وعندما بدأ نور الإيمان يخفت، وتدنت مؤشراته في نفوس كثيرٍ من المسلمين -إلا من رحم ربي- بدأ التفلت من دائرة الشريعة الإِسلامية، وخاصة سنة المصطفى ﷺ ، وقد نبتت نابتة شَرٍّ باعتبار أن كثيرًا مما جاء في حياته ﷺ سُنَّة، ولا بأس من تركها!! ترى بعض العلماء والمتفقهين من أهل عصرنا، ممن عُرِفَ بالتساهل في التمسك بالسنن، إذا قيل له في تركه بعض السنن، قال: هي سنة، وهي جائزة الترك، وينسى أو يُغفِل المعنى الإيجابي لحب الرسول ﷺ ، وهو المقتضي للاتباع والاقتداء، واللائق بالمسلم الحصيف غير هذا، فقد كان السلف الأُول يفعلون كل مطلوب شرعًا -ولو كان رغيبة أو فضيلة- ودون تمييز بين ما يطلب على سبيل الفرض أو الواجب، وبين ما يطلب على سبيل الترغيب أو الندب. فالسُّنَّةُ المندوبة حِصنٌ للفرائض الواجبة، وبابٌ لزيادة الحسنات والأنوار على المتسنن بها، وعنوان الحب والاتباع لهدي الرسول الكريم ﷺ في شأنه

стр. 220

كله، فالحرص على السنن النبوية والتمثل بها من كبر الغنائم، وأجمل الصفات، وأفضل القربات والطاعات؛ فعليك به أيها الأخ المسلم. والاعتكاف سنةٌ مؤكدة، واظبَ عليها رسول الله ﷺ في حياته بعد هجرته إلى المدينة المنورة، وقد هُجِرت هذه السُّنة وغيرها من السنن النبوية في حياة الكثير من مسلمي اليوم -إلا من رحم ربي- وذلك لأسباب منها: (١) ضعف الجانب الإيماني في تلك النفوس. (٢) الإقبال المتزايد على ملذات الحياة الدنيا وشهواتها، والذي أدى إلى عدم القدرة في الابتعاد عنها ولو لفترة بسيطة، وبالتالي شغل الوقت والفكر بها. (٣) اقتصار محبة رسول الله ﷺ على الجانب اللفظي دون العملي، والذي يتمثل في تطبيق جوانب السنة المحمدية المتعددة، ومنها الاعتكاف. قال الزهري: عجبًا من الناس!، كيف تركوا الاعتكاف، ورسول الله ﷺ كان يفعل الشيء ويتركه، وما ترك الاعتكاف حتى قبض. الاعتكاف الذي كان يحياه الرسول ﷺ في العشر الأواخر من رمضان، واقتصرت مدته الزمنية بين تسعة إلى عشرة أيام، إلا أنها تعتبر بمثابة مدرسة تربوية مستقلة متكاملة، تتخللَّها كثير من أنواع العبادة لله ، والتي تعمل على إيقاظ كثير من الجوانب الحياتية في الإنسان، وجعلها في دائرة واحدة متجهة إلى خالقها ، فهي بمثابة دورة تربوية مكثفة لها نتائجها الإيجابية الفورية على حياة الإنسان في أيام وليالي الاعتكاف. ولها أيضًا أثرها الإيجابي على حياة الإنسان فيما يستقبله من أيام خلال حياته التي يحياها إلى رمضان آخر، فحريٌّ بنا أبناء أمة محمَّد ﷺ العمل بهذه

стр. 221

السنة، والإقبال عليها سَنةً بعد سَنة، للإفادة من جوانبها المتعددة، وإحياءً لسُّنةِ الحبيب محمَّد ﷺ الذي قال: "من أحيا سنتي ففد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة" (١). هدي النبي ﷺ في الاعتكاف: وهديه ﷺ في الاعتكاف كان أكمل هدي وأيسره. فكان إذا أراد أن يعتكف وُضع له سريره وفراشه في مسجده ﷺ ، وبالتحديد وراء اسطوانة التوبة كما جاء في الحديث عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا اعتكف طرح له فراشه، أو يوضع له سريره وراء اسطونة التوبة" (٢). وكان النبي ﷺ يُضرب له خِبَاءً على مثل هيئة الخيمة، فيمكث فيه غير أوقات الصلاة حتى تتم الخَلوة له بصورة واقعية، وكان ذلك في المسجد، ومن المتوقع أن يُضرب ذلك الخباء على فراشه أو سريره، وذلك كما في حديث عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خِبَاءً، فيصلي الصبح، ثم يدخله" (٣). وكان دائم المكث في المسجد لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان من بولٍ أو غائط؛ وذلك لحديث عائشة ﵂ حين قالت: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكلفًا" (٤).

стр. 222

وكان ﷺ يُؤتى إليه بطعامه وشرابه إلى معتكفه، وكان ﷺ يحافظ على نظافته؛ إذ كان يُخرِج رأسَهُ إلى حجرة عائشة ﵂ لكي تُرَجِّل له شعرَه، فعنها ﵂: "أنها كانت تُرَجِّل النبيَّ ﷺ وهي حائض، وهو معتكفٌ في المسجد، وهي في حجرتها، يناولها رأسه" (١). وكان ﷺ لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة؛ وذلك من أجل التركيز والانقطاع الكُليِّ لمناجاة الله ، ففي الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يُعَرِّج يسأل عنه" (٢)، وأيضًا عنها أنها قالت: "السُّنَّة في الاعتكاف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع". وكان أزواجه ﷺ يزرنه في معتكفه، وحدث أنه خرج يوصِّل إحداهن إلى منزلها وكان ذلك لضرورة، إذ كان الوقت ليلًا، فرأى ﷺ أن خروجه معها ﵂ لا بد في ذلك الليل، فخرج معها من معتكفه؛ ليوصلها إلى بيتها. وخلاصة القول: إن هديه ﷺ في اعتكافه كان يتسم باليسر، فقد كان جُلُّ وقته مُكثٌ في المسجد، وإقبالٌ على طاعة الله ، وترقبٌ لليلة القدر. مقاصد الاعتكاف: (١) تحري ليلة القدر. (٢) الخَلوة بالله ، والانقطاع عن الناس ما أمكن؛ حتى يتم أنسه بالله وذكره.

стр. 223

(٣) إصلاح القلب، ولَمُّ شَعَثِه بالإقبال على الله ﵎ بكُليته. (٤) الانقطاع التام للعبادة الصِرف من صلاةٍ ودعاءٍ وذكرٍ وقراءة قرآن. (٥) حفظ الصيام من كل ما يؤثر عليه من حظوظ النفس وشهواتها. (٦) التقلل من المباح من الأمور الدنيوية، والزهد في كثير منها مع القدرة على التعامل معها. حكم الاعتكاف: سُنَّة مؤكدة عن رسول الله ﷺ . ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير، قال: فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس، فدنوا منها، فقال: "إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف"، فاعتكف الناس معه، قال: "وإني أُريتها وترًا وإني أسجد صبيحتها في طين وماء"، فأصبح رسول الله ﷺ من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء، فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء؛ وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر (١). شروط الاعتكاف: (١) الإِسلام: إذ لا يصح من كافر، وكذلك المرتد عن دينه.

стр. 224

(٢) التمييز: إذ لا يصح من صبي غير مميِّز. (٣) الطهارة من الحدث الأكبر (من جنابة، وحيض، ونفاس)، وإن طرأت مثل هذه الأمور على المعتكف أثناء اعتكافه وجب عليه الخروج من المسجد؛ لأن مكثه على هذه الحالف في المسجد حرام. (٤) أن يكون في مسجد: والأفضل أن يكون الاعتكاف في مسجد جامع تقام فيه الجمعة، حتى لا يضطر إلى الخروج من المسجد لأجل صلاة الجمعة. أركان الاعتكاف: (١) النية: وهي أمرٌ ضروري، وفيه إخلاص العمل إلى الله ، وهو كذلك في سائر الأعمال. (٢) المكث في المسجد: وذلك لقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وفي هذا تأكيد على أن مكان الاعتكاف هو المسجد. زمانه وبداية وقته: إذا كان في رمضان فآكدُ وقتِهِ العشرُ الأواخر منه، ويجوز في أي وقت في رمضان أو غيره، فهو لا يختص بزمنٍ معين؛ لأنه أمرٌ مستحب في جميع الأوقات، وخاصةً إذا ألزم المسلم نفسه بنذر، وأما بالنسبة لبداية وقته فقبل غروب الشمس لمن أراد أن يعتكف ليلة أو أكثر. محظورات الاعتكاف: (١) الخروج من المسجد: يبطل الاعتكاف إذا خرج من المسجد لغير حاجة.

стр. 225

(٢) مباشرة النساء: ومنها الجماع، فهذا الأمر يبطل الاعتكاف؛ لورود النهي عنه صريحا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. (٣) الحيض والنفاس: فإذا حاضت المرأة المعتكفة أو نفَسَت وجب عليها الخروج من المسجد؛ وذلك للحفاظ على طهارة وقدسيه المسجد، وكذلك الجنب حتى يغتسل. (٤) قضاء العِدَّة: وذلك إذا تُوفِّي زوج المعتكفة وهي في المسجد، وجب عليها الخروج لقضاء العدة في منزلها. (٥) الرِّدَّة: حيث إن من شروط الاعتكاف الإِسلام، فيبطل اعتكاف المرتد. أهداف الاعتكاف: لا بد أيها الأحبة في الله من تحديد الأهداف المطلوبة وراء هذا العمل العظيم؛ لأن معرفة الأهداف وتحديدها يجعل النفس تتشرف لها وتتطلع إليها دومًا وتحرص على تحصيلها .. وهي كثيرة: (١) تطبيق مفهوم العبادة بصورتها الكلية: يؤصل الاعتكاف في نفس المعتكف مفهوم العبودية الحقة لله ، ويدرِّبه على هذا الأمر العظيم الذي من أجله خلق الإنسان؛ إذ يقول بالحق ﵎: (﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، حيث إن المعتكف قد وهب نفسَه كلَّها ووقته كله متعبدا لله ، فالإنسان كثيرًا ما يضيع أوقاتًا ثمينة، قضاها في أمورٍ مُباحة دون أن ينويَ بها طاعة الله ، وفي هذا المدار تسير حياته، ويعيش كثيرًا من ساعات الغفلة

стр. 226

وخاصة في زمننا المعاصر الذي كثرت فيه المغريات والصوارف عن طاعة الله. فالمعتكف بَادِئَ ذِي بَدْء نجد أنه ينوي الاعتكاف مخلصًا لله ، ويبدأ ذلك بلزومه المسجد من أجل طاعة ربه، ويكون شغله الشاغل في زمن الاعتكاف هو مرضاة الله ، فهو يشغل بدنَه وحواسَّه ووقته من أجل هذا الأمر، بالصلاة من فرض ونفل، وبالدعاء، والذكر وقراءة القرآن، وغيرها، ويبتعد في نفس الوقت عن صوارف هذه الطاعة، فيبتعد عن مجالس الكلام المباح، وإن تكلم مع أخيه ففي حدود الحاجة وفي مدار طاعة الله . وبذلك يتحقق في واقعه مفهوم العبادة لله التي عرفها شيخ الإِسلام ابن تيمية عليه رحمة الله بقوله: العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم، والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين أو البهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحُكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك من العبادة لله. اهـ. وبهذه الدُّرْبة في مثل أيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان المبارك يتربى المعتكف على كيفية تطبيق مفهوم العبودية لله في حياته العامة والخاصة، ويضع موضع التطبيق قول الحق ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].

стр. 227

وبعد انقطاع وقت الاعتكاف يجتهد المعتكف قدر استطاعته ليجعل حياته الخاصة والعامة في دائرة العبادة، ولم يفطن كثيرٌ من الناس أن النية هي المحوِّل العجيب، إلا أنها لا تحوِّل الجماد إلى نوع آخر من الجماد؛ ولكنها تحول العبادة العادية التي تضمحل وتزول بمجرد الانتهاء منها إلى أعمال باقية خالدة؛ فالطعام والشراب والنكاح كل ذلك زائل ذاهب، فإذا قصد العبد به نيةً صالحة؛ كأن ينوي التقوِّي بالطعام والشراب على طاعة الله، وكأن يعف نفسه عن الزنا بالنكاح، ويطلب الولد الصالح الذي يعبد الله ويجاهد في سبيله؛ فإن هذه الأعمال تتحول إلى أعمال باقية صالحة. وبهذا التوجه في النفس الإنسانية المسلمة تستقيم هذه النفس في حياته كلها، وإذا كثر عدد الأفراد من هذه النوعية في أي مجتمع إسلامي استقام ذلك المجتمع أيضًا. (٢) تحري ليلة القدر: يكدح الإنسان في حياته من رمضان إلى رمضان اثني عشر شهرًا بأيامها ولياليها، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانش قال: ٦] ويبقى الإنسان المسلم في عملية أخذ وعطاء في ميدان الطاعة والمعصية، ويغفل القلب في كثيرٍ من الأحيان عن ميدان الطاعة، وتتفلت الجوارح في الخطايا، وتتكاثر الذنوب على كأهل هذا الإنسان من حيث يدري ومن حيث لا يدري، وفي واقع الإنسان المسلم الحصيف نجده مستغفرًا منيبًا إلى الله عند درايته بوقوعه في المعصية والخطأ، وهذه من سمة الإنسان؛ لقوله ﷺ : "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" (١). فتدوم توبة الحصيف ويضيع الكثير على الغافل.

стр. 228

وتبقى بذلك الخطايا التي لم يعلم بها، ولكن هذا الواقع لا يتوافر في حياة الكثير من مسلمي اليوم، الذين يعيشون في عصرٍ سمته الغفلة عن مرضاة الله ؛ وذلك لكثرة صوراف وشواغل الدنيا، وكثرة المُلْهِيَّات والمنكرات، التي أصبحت في عرف هذا العصر من المعروف، كل هذا يستوجب على الإنسان تحَيُّن الفرص التي يقف فيها لمحاسبة نفسه، والتخلص قدر الاستطاعة من تراكم الذنوب. ومن رحمة الله بالإنسان المسلم أن أوجد له مواسم للطاعات يتقرب فيها الإنسان إلى ربه ، وتحط عنه من خلال هذا التقرب تلك الخطايا والمعاصي، ومن هذه المواسم شهر رمضان، وأخص ما في هذا الشهر ليلة القدر، إذ يقول الرسول الكريم ﷺ : "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١). ففي الاعتكاف فرصة دورية للمعتكف لمراجعة حياته السابقة، وتأمُّل ما عمل فيها من سوء، وعقد النية على عدم الرجوع إليه، والتوبة والندم عليه، والتضرع إلى الله العلي القدير أن يعفو عنه ويغفر له، وخاصةً في ليلة القدر، وأولى الناس بشهود ليلة القدر من بداية وقتها وحتى انتهائه هو المعتكف؛ لأنك تجده قابعًا في المسجد في ذلك الوقت ذاكرًا لله في جميع أحراله بمختلف أنواع الذكر متحريًا هذه الليلة المباركة. وشعور الإنسان المسلم بمغفرة الله ، وأنه قد تخفف من كثيرٍ من الذنوب التي أزيحت عن كاهله يعطيه نوعًا من الدافعية للانطلاق في طاعة الله ، ومرضاته في أعماله المختلفة، لكسب المؤيد من الحسنات التي تثقل موازينه يوم العرض على الله .

стр. 229

(٣) تعوُّد المكث في المسجد: في الاعتكاف تدريب وتربية للنفس على تعود المكث في المساجد، الذي له أهميته في حياة الإنسان المسلم؛ فالمعتكف قد ألزم نفسه البقاء في المسجد مدة معينة، وفي شهر رمضان عادةً ما تكون ما بين تسع إلى عشر ليال يقضي وقته كله في مرضاة الله ، وقد لا تَقبل النفس الإنسانية مثل هذا القيد في بداية الاعتكاف؛ ولكن عدم القبول هذا عادةً ما يتبدد سريعًا لما تلقاه النفس المسلمة من راحة وطمأنينة في بقائها في بيت الله. ومعرفة المعتكف بأهمية بقائه في المسجد أثناء اعتكافه، وبالتالي المبادرة إلى المسجد قبل الأذان أو بعده بعد رمضان، يجعله يحرص على هذا الأمر في حياته بصورة مستمرة لأهميته التي تتجلى في الأمور التالية: ١ - رجل تعلق قلبه بالمساجد: أن الرجل الذي يمكث في المسجد قد أحب المسجد من قلبه، وذلك الحب يجعله من الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث: "ورجل قلبه معلق بالمساجد" (١). ٢ - فضيلة المكث في المسجد: أن الذي يمكث في المسجد ينتظر الصلاة له أجرُ صلاة، وأن الملائكة تستغفر له مادام في مُصَلَّاه ولم يُحْدِث. قال رسول الله ﷺ : "صلاة في إثر صلاة لا لغو بينهما كتابٌ في عليين" (٢).

стр. 230

٣ - فرح الله بالعبد: فرح الله باتخاذ المؤمنِ المسجدَ موطنًا يَقصد اللهَ فيه ويذكره، وهذه من النعم الجليلة من الله الجليل على هذا العبد الفقير، ففي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "ما توطن رجلٌ مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبشَ الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم" (١). الله أكبر!، لك أن تتصور من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل تبشبش الله لك حال قدومك إليه وإقبالك عليه. ومعرفة هذه الفضائل ضرورية بالدرجة الأولى للمعتكف؛ إذ أنها تعطيه دافعًا للاستمرار في اعتكافه بجدٍّ واجتهاد في طلب رضا الله ؛ حتى تستمر له هذه الحسنات والأجور. (٤) البعد عن الترف المادي: فُتحت الدنيا على كثيرٍ من مسلمي اليوم، وتوفرت وسائل الراحة المختلفة التي كلما أَخلد إليها الإنسان ازداد في طلبها، وبذلك عملت وسائل الراحة هذه في زيادة الغفلة في حياة المسلم، ويشعر في كثيرٍ من الأحيان أن وسائل العيش المترف أمرٌ أساسي في حياته لا يستطيع أن يتخلى عنه. ولنا في رسول الله ﷺ أسوةٌ حسنة، إذ كان راضيًا من الدنيا بالكَفَاف، وهو الذي كان يعطي عطاءَ مَنْ لا يخشى الفقر، ويتمتع بالطيبات متى تيسرت من غير سَرَفٍ ولا مخِيلَة؛ ليوضح لأمته حقيقة الزهد لتستَنَّ به فيه؛ لأنه إمام الزاهدين وقدوة المؤمنين ورحمة الله للعالمين.

стр. 231

ففي عِيْشِهِ ﷺ تقول عائشة ﵂: "ما شَبعَ آلُ محمدِ منذ قدم المدينة من طعام بُرٍّ ثلاث ليال تِباعًا حتى قبض" (١). وفي إدامه يقول جابر ﵁: إن رسول الله ﷺ سأل أهله الأُدْمَ فقالوا: ما عندنا إلا خَلّ، فدعا به فجعل يأكل ويقول: "نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل" (٢). وفي مسكنه في حديث عمر الطويل، يقول عمر: "فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثرَ الرمال بجنبه، متكئٌ على وِسادة من أَدَمِ حشوها لِيف ... " (٣). فهذا واقعُ خير خلق الله في هذه الدنيا، وهذا موقفه من وسائل العيش التي جعلت الكثير منا -إلا من رحم الله- يتمادى في طلبها بصورة تزيده غفلةً عن طاعة الله ويبيع دينه من أجلها. وفي الاعتكاف يتخفف المعتكف من هذه الأمور، فيعرف قيمتها الحقيقية وأنها لا أهمية لها ويصبح كأنه إنسان غريب في هذه الدنيا، فهو من أجل مرضاة الله ارتضى أن يقبع في ناحيةٍ من المسجد ليس لديه في الغالب إلا وسادة يضع عليها رأسه وغطاء يتغطى به، فراشه هو فراش المسجد؛ فهو قد ترك فراشه الوثير وعاداته الخاصة من أجل ذلك الرِّضَى. وكذلك طعامه، فهو عادةً لا يُؤتَى إليه بالكثير من الطعام، فيأكل كما يأكل الغريب، ويأكل كما يأكل العبد الفقير إلى ربه. وبهذا يتربى الفرد على حقيقةٍ لها أصالتها في التربية الإِسلامية، وهي أن

стр. 232

الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأنها دار ممر وعبور إلى حياةٍ أخرى. سرمدية خالدة، يجب أن يعمل لها الإنسان جُلَّ وقته من خلال تعامله مع هذه الحياة الفانية، فيترفع عن التعلق بالكثير من الأمور المعاشية، التي كانت تشغل باله في السابق عن مرضاة الله . (٥) الإقلاع عن كثير من العادات الضارة: في ظل غياب مفهوم التربية الإِسلامية في كثير من المجتمعات الإِسلامية، نشأت لدى أفراد هذه المجتمعات كثيرٌ من المعاصي المنتشرة التي استهان بها الناس، ومنها: التدخين، وسماع الموسيقى والأغاني، ومشاهدة ما يُبَثُّ في الفضائيات من أحاديث تخدش عقيدة المسلم، ومن مناظر تعمل على هدم أساسيات الأخلاق الإِسلامية. فيتعرف الإنسان المسلم في فترة الاعتكاف، وقد خلا إلى خالقه، على مفهوم العبادة بصورتها الشاملة، وأنه يجب أن يكون متعبدًا لله على مدار الساعة في حياته العامة والخاصة، وأن يبتغي مرضاة الله في كل حين فشغله بالطاعة انشغال عن المعصية، وهذه المعرفة لمفهوم العبادة تجعله يقف على زيف لذة هذه المعصي السيئة، فهو عندما يتخذ حب ومرضاة الله كميزان يزن به كل عمل يقوم به؛ يجد أن تلك المعاصي لا تتفق مع هذه المحبة لله ، بل تعمل في اتجاهٍ معاكس لها، ويجد بذلك أن مثل تلك المعاصي تخرجه من دائرة العبودية الصادقة لله؛ وإذا كان الأمر كذلك فيجب عليه أن يتخلص منها في أسرع وقتٍ ممكن. فالمسلم العاقل الذي أخلص نيته لله في اعتكافه يحرص كل الحرص على سلامة وكمال طاعته وعبادته لله ؛ فإذا كان قد ابتلي بشيء من هذه المعاصي؛ فالاعتكاف فرصة سنوية يستطيع فيها المعتكف أن

стр. 233

يتخلص من هذه البلايا عن طريق التوبة والالتجاء إلى الله أولًا، وعن طريق فطام النفس عن تلك البلايا في فترة الاعتكاف، وعدم تحقيق رغبة النفس منها وتعويدها على ذلك، وفي هذا كله تربيةٌ للنفس على القدرة على التخلص من كثيرِ من العادات التي لا تُرضي الله فضلًا عن المعاصي والذنوب. (٦) حفظ اللسان والجوارح عما لا ينفع الإنسان: يُستحب للمعتكف أن يشتغل بالصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله وما إليها من القربات، وعليه أن يُنَزِّه اعتكافه عما لا يَعنيه من الأقوال والأفعال، وأن يتجنب الجِدال والمِراء والسِّباب، فهذه الأمور تُكره لغير المعتكف، فمنهُ أشدُّ كراهة، ولا بأس أن يتكلم بما فيه حاجته ومصلحته مما لا إثم فيه. ومن أطلق عَذَبَةَ اللسان، وأهمله مَرْخِيَّ اْلعَنَان، سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله. وغض البصر أيضًا من الأمور التي أمر الإِسلام بها، فينبغي على المعتكف ألا يستخدم بصره إلا في أمور الطاعة من قراءة قرآن، وطلب علم، وتدبر، وتأمل في ملكوت الحق ﵎، وهو بذلك ممتثلٌ لأمر الله في حالته هذه في مقامه بالمسجد الذي قد يرتاده النساء، كما هو الحال في المسجد الحرام، أو في حالة خروجه لحاجاته المختلفة إلى خارج المسجد. وكذلك بقية الجوارح لا يستخدمها إلا في طاعة الله ، حتى القلب والفكر لا يجوز استخدامهما في تمني أمور لا تُرضي الله .

стр. 234

(٧) التفكر في آلاء الله : في عصر الغفلة الذي نعيشه، وسعي الإنسان الحثيث وراء متطلبات الحياة المادية؛ تقل الفرص التي تتيح للإنسان المسلم إعمال العقل والفكر في مجال الآيات الكونية والشرعية. وفي فترة الاعتكاف تصفو النفس المسلمة في اتصالها بخالقها، وينفض الإنسان يديه من مشاغل الحياة الدنيا، ويتفرغ لما يُرضي الحق ﵎، وتُتاح له الفرصة تِلْوَ الفرصة للقيام بعمليات التفكر والتدبر، وذلك من جراء الوقت الفسيح الذي يعيشه المعتكف، وقد أخلى قلبه من كل شيء إلا الله ، فلو تفكر المعتكف في أمر كُلٍّ من الصيام والاعتكاف فقط؛ لعرف ووقف على كثيرٍ من الحِكَم التي تقف وراءهما، ولارتفع مؤشرُ الإيمان لديه. (٨) الصبر وقوة الإرادة: في واقع الاعتكاف يتعرض الإنسان المسلم إلى مواقف متعددة هي بمثابة تمرين عملي للعبد على الصبر، فعلى سبيل المثال: * هناك صبر على طاعة الله ، فهو أمرٌ لم يكن المعتكف معتادًا عليه في حياة ما قبل الاعتكاف، وهو الآن بعيد تمامًا عن أي صوارف تصرفه عن هذه الطاعة، وهذه الطاعة المستمرة لله تحتاج إلى صبرٍ مستمر من قِبَل المعتكف، وفي هذا تربية للإرادة وكبحٌ لجماح النفس التي عادةً ما ترغب في التفلت من هذه الطاعة إلى أمور أخرى تهواها. * وهناك الصبر على ما نقص مما ألفت عليه النفس من أنواع الطعام مثلًا. * وهناك الصبر على نوع الفراش الذي ينام عليه؛ فليس بالإمكان أن يوضع له سرير في المسجد.

стр. 235

* وهناك الصبر على ما يجد في المسجد من مزاحمة الآخرين له، ومن عدم توفر الهدوء الذي كان يألفه في منزله إذا أراد النوم. * وهناك الصبر على الزوجة إذ يُحَرَّم عليه مباشراها عند دخوله إلى منزله للحاجة وهي حلاله، وفي هذا الأمر تتجلى قيمة الصبر وقيمة القوة في الإرادة وضبط النفس. (٩) الاطمئنان النفسي: إن ذكر الله بعموميته جالبٌ لطمأنينة النفس لا محالة، وتتأكد الطمأنينة في واقع المعتكف بصورةٍ أساسية؛ لأن حياته في معتكفه تدور حول هذا الأمر بطريقةٍ مستمرة، فصحوته ذكر، ومنامه ذكر، وطعامه ذكر، وحركاته وسكناته كلها ذكر، وهنا تشرق على نفسه طمأنينة لم يكن يعهدها في حياته قبل الاعتكاف؛ لأنه رَكَنَ واستكان إلى جنب الله، فهو ضيفٌ على الله في بيتٍ من بيوته، وقد يتساءل عن سر تلك الطمأنينة ومصدرها، فيجد الإجابة تبرز من ثنايا أعماله التي يقوم بها في اعتكافه، والتي منها على سبيل المثال: * الصلاة: لقاء مباشر مع خالقه .. يناجيه .. فيسمعه الله .. يدعوه في سجوده .. فيستجيب له، فتطمئن النفس إلى هذا اللقاء وتُكْثِر منه. * قراءة القرآن: وهو ذكر الله الذي أنزله على رسوله ﷺ ، به طمأنينة قلوب المؤمنين، فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين، ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن، فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه من شَكِّهِ، والقرآن هو المحصِّل لليقين، الدافع للشكوك والظنون والأوهام، فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به.

стр. 236

* الذكر المقيَّد والمطلَق: من تهليل وتحميد وتسبيح وتكبير .. وفي استمرارية المعتكف في هذا النوع من الذكر كل أوقاته مَدعاةٌ وسببٌ لحصول الأمان والاطمئنان النفسي. يقول ابن القيم: إن ذكر الله يُذْهِب من القلب مخاوفه كُلَّها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله ، إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كان المخاوف التي يجدها أمانٌ له، والغافل خائفٌ مع أمنه، حتى كأن ما هو فيه من الأمن كُلُّه مخاوف، ومن له أدنى حِسّ قد جَرَّبَ هذا، هذا والله المستعان. (١٠) تلاوة القرآن الكريم: إن معرفة المعتكف بفضائل قراءة القرآن الكريم، والعمل به، وختمه مرة تلو الأخرى، هي تربية على الحرص على تعلم القراءة السليمة للقرآن الكريم، وعلى الحرص كذلك على المداومة على قراءته، وتخصيص ورد يومي يحرص كل الحرص على قراءته، وبذلك يسعد في دنياه وآخرته. (١١) التوبة النصوح: في حياة المعتكف نجد أن هناك أمورًا عدة تحثه على التوبة النصوح من كل معاصيه، منها: * أن القلب قد توجه بكليته إلى الله ، وأن الصلة بين هذا الإنسان وخالقه اتسمت بالاستمرارية على مدار اليوم والليلة في أيامٍ وليالٍ متوالية، وحريٌّ بالإنسان المسلم أن يستثمر هذه الصلة بالتوبة والندم والاستغفار؛ وذلك لقربه من الله .

стр. 237

* أن هناك مجالًا للتفكر والتأمل في حياته: كيف هي من تطبيق شرع الله ؟، وما جوانب النقص في هذا التطبيق؟، وما الأسباب التي أن إلى وجود هذا النقص؟، ومن خلال هذا التأمل تظهر خطايا ومعاصي هذا الإنسان، ومن خلال التأمل يأتي الإقرار والاعتراف من جانبه بهذه الذنوب والمعاصي، ويدفعه ذلك إلى المبادرة بالتوبة والنية والعزم على عدم العودة إليها. * أن المعتكف يحيا بواقعيته شهر المغفرة والتوبة والعتق من النار، وفي هذا دافعٌ حقيقي للتوبة النصوح. * استشعار مرضاة الله والثقة فيه بأن يغفر الذنوب جميعًا؛ يورِّث النفس طمأنينةً واستقرارًا، ويدفعها إلى الاستمرارية في العمل الصالح، وابتغاء مرضاة الله في كل حين، والمسارعة إلى التوبة والاستغفار كلما بدا منه ذنب أو خطأ أو تقصير، وبذلك تصلح حياته. (١٢) التعود على قيام الليل: المعتكف يبتغي مرضاة الله من اعتكافه وقيام الليل، وخاصةً في العشر الأواخر من رمضان، من صلاة التراويح والتهجد، وبذل جهده فيما يزيده رضًا من الله . ومن خلال قيام الليل يتربى المعتكف على حسن الوقوف بين يدي الله بنفسٍ صافية، وروحٍ موصولة بالله ، يتربى على حسن المناجاة، ويقف على هذه اللذة، وهو موقنٌ بأن الله قريبٌ منه .. يراه .. يسمعه .. يستجيب له. وهذا كله يعطى للإنسان دفعةً قوية للمواظبة على قيام الليل، وحريٌّ بمن

стр. 238

تعوَّد على لذة مناجاة خالقه في أوقات السَّحَر، والذي يعتبر من أثمن الأوقات في حياة المسلم، واليقين بأن الله يراه ويسمعه، حريٌّ به ألا تفوته ليلة من ليالي عمره القصير إلا وقد تلذذ بتلك المناجاة، وأعز نفسه بالالتجاء الحق إلى بارئه. (١٣) عمارة الوقت: يقول ابن القيم -عليه رحمة الله: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمرُّ مَرَّ السَّحَاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهر والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموتُ هذا خيرٌ له من حياته" اهـ. والمعتكف قد عمل جهده وحَرِصَ على إنفاق وقته كله في طاعة الله ومرضاته، وعمل أيضًا على تنظيم وقته، وتعود في فترة اعتكافه على ذلك التقسيم؛ فاستفاد من كل دقيقة في مرضاة الله؛ وهو بذلك قد وقف على قيمة الوقت وحقيقته، فتربى في هذه الفترة الزمنية القصيرة على كيفية استغلال الوقت بصورةٍ سليمة؛ مما يتوقع أن يكون له أثره في حياته بعد الاعتكاف. (١٤) القرب من الله ، ومحبته ﵎ للعبد: فالمعتكف قد ابتعد عن الخلق، وأدى ما افترضه الله عليه من صيامٍ وصلاةٍ وزكاة، وتقرب إلى الله بنوافلَ شتى من اعتكافِ وصلاةٍ وقراءةِ قرآن وذكرٍ وتفكرٍ وتأملٍ وغير ذلك، واعتادت النفس أداء هذه النوافل، فمن طريق هذا القرب من العبد لربه، وبعده عن الخلق، يأتي تبادل المحبة بين العبد وخالقه ، وهذا فضلٌ من الله في رفع درجة المعتكف عنده

стр. 239

تبارك وتعالى، فهذا وعده سبحانه في الحديث القدسي قال: "لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه" (١). وشعور المعتكف بهذه المحبة تجعله يعمل على المحافظة عليها في حياته بعد الاعتكاف؛ لأن محبة الله له أثمن ما يملك الإنسان في الدار الفانية، والدار الباقية، ولابد له من العمل على تنمية هذه المحبة عن طريق زيادة القرب من الله ؛ لأن العبد كلما إزداد تقربًا إلى الله زاده الله قربًا منه، وأثابه على القليل من هذا التقرب بالأجر والثواب العظيم، فعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربتُ إليه ذراعًا، وإن تقربَ إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلة" (٢). (١٥) تزكية النفس: قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، والتزكية هي تطهير النفس، ورفع مكانتها عند الله ، بطاعته ﵎، والاعتكاف مَيدانٌ رئيسي في تطهير النفس، وعند استمرارية مفهوم التزكية من اعتكف في مرحلة ما بعد الاعتكاف، فيحرص دائمًا على تطهير النفس من كل أمرٍ ليس فيه رضي الله ﵎؛ فيكون ذلك عنوان فلاحه ونجاحه في دنياه وآخرته. (١٦) صلاح القلب وجمعه على الله : وهذا مجْموعٌ فيه فضائل الاعتكاف كلها؛ إذ إن المعتكف إن أخلص النية

стр. 240

في اعتكافه وحبس نفسه على طاعة الله، واشتغل بذكر مولاه، وابتغى بذلك رضاه، توجه القلب بكليته إلى خالقه يناجيه ويدعوه ويستغفره، ويفتقر إليه في كل شئونه، وفي هذا يقول ابن القيم: "وشَرعَ لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه: عكوف القلب علي الله تعالى وجمعيته عليه، والخَلوة به، والانقطاج عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيتولي عيليه بدلها، ويصير الهمُّ كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلًا من أنسه بالخلق، فَيُعِدُّه بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حيث لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم" اهـ. إنَّ الخَلوة والإنس بالله التي يحياها المعتكف في معتكفه هي بمثابة تربية وتدريب له؛ لكي تستمر تلك الخَلوة والأنس بالله في حياته بعد الاعتكاف؛ حتى يتخلص في حياته العامة بعد ذلك من متعلقات النفس المادية، وتستمر تهيئة النفس للأنس بالله في وحشة القبور، وهذا يعني أن من فوائد الاعتكاف ما لا يقتصر على الدنيا؛ بل يتعداها إلى الحياة الآخرة، فالقبر أول منازل الآخرة. (١٧) حقيقة اتباع ومحبة الرسول ﷺ : اعتكف المعتكف اتباعًا للرسول واستمر في اعتكافه متابعًا لهدي النبي ﷺ . فاتباع الرسول ﷺ في جميع أقواله وأعماله يؤدي إلى أمور أساسية يسعى إليها المعتكف، منها: * محبة الإنسان لله ، وهذا مطلبٌ أساسي.

стр. 241

* محبة الله لهذا الإنسان، وهي نتيجة أساسية لاتباع الرسول ﷺ . * غفران الذنوب من الله لهذا الإنسان. * ثم نتيجة تلقائية، وهي محبة الإنسان المسلم للرسول ﷺ ، محبة فعلية والتي تأتي عن طريق الاتباع، فالمحب الحقيقي هو المتبع لجميع أعماله وأقواله من غير زيادة أو نقصان، ودرجة التكامل في محبة الرسول ﷺ هو التمسك بالسُّنَّة الواجبة والمستحبة على السواء؛ لأنها دليلٌ حقيقي على المحبة والاستكثار من الحسنات التي تأتي من طريق متابعة الإنسان المسلم لسلوكه ﷺ بصورة عامة. قال ابن القيم -عليه رحمة الله: "لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفا على جمعيته على الله، ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثًا، ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه. اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة. فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع نفسه عن كُلِّ شاغلٍ يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه؛ فما بقي له هَمٌّ سوى الله وما يرضيه عنه" اهـ. ولهذا ذهب الإِمام أحمد إمام السنة إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة

стр. 242

الناس، حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن؛ بل الأفضل الانفراد بنفسه، والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه. إذًا فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به؛ أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله بالكلية على كل حال. كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟، قال: كيف أستوحش وهو يقول: "أنا جليس من ذكرني". كيف نحصل حلاوة الاعتكاف ؟ أما كون الطاعة ذات حلاوة فيدل عليه قوله ﷺ : "ذاق طعم الإيمان" (١)، وقوله ﷺ : "ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" (٢)، والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمرٌ يجده القلب، تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم. واعلم -علمتَ كُلَّ خير- أن حلاوة الطاعة مَلاكها في جمع القلب والهَمِّ والسِّرِّ على الله. ويفسر ابن القيم ذلك قائلًا: الاعتكاف هو عكوف القلب بكليته على الله ، لا يلتفت عنه يَمنةً ولا يَسْرة، فإذا ذاقت الهمة طعم هذا الجمع اتصل اشتياقُ صاحبها وتأججت نيرانُ المحبة والطلبِ في قلبه .. ثم يقول: فلله هِمةُ نفس قطعت جميع الأكوان وسارت، فما ألقت عصا السير إلا بين يدي الرحمن ﵎، فسجدت بين يديه سجدة الشكر

стр. 243

على الوصول إليه، فلم تزل ساجدةً حتى قيل لها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي في عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]، فسبحان من فاوت بين الخلق في هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد ما بين المشرقين والمغربين، بل أبعد مما بين أسفل سافلين وأعلى عليين، وتلك مواهب العزيز الحكيم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. ثم يقول: وهكذا يجد لذةً غامرةً عند مناجاة ربه، وأُنسًا به، وقربًا منه، حتى يصير كأنه يخاطبه ويسامره، ويعتذر إليه تارة، ويتملقه تارة، وُيثني عليه تارة، حتى يبقى القلبُ ناطقًا بقوله: أنت الله الذي لا إله إلا أنت، من غير تكلفٍ له بذلك؛ بل يبقى هذا حالًا له ومقامًا، كما قال النبي ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" (١). وهكذا مخاطبته ومناجاته له، كأنه بين يدي ربه، فيسكن جأشه ويطمئن قلبه، فيزداد لَهَجًا بالدعاء والسؤال، تذللًا لله الغني سبحانه، وإظهارًا لفقر العبودية بين يدي عز الربوبية؛ فإن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه؛ لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوفٌ على سؤاله .. بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد، ولا توسط سؤاله وطلبه، بل قدَّر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد، ثم أمره بسؤاله والطلب منه إظهارًا لمرتبة العبودية، والفقر والحاجة، واعترافًا بعز الربوبية، وكمال غنى الرب، وتفرده بالفضل والإحسان، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة العين، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئًا، ولكن ربه تعالى يحب أن يُسْأل، ويرغب إليه، ويطلب منه ..

стр. 244

ثم قال: فإذا تم هذا الذل للعبد تم له العلم بأن فضل ربه سَبَقَ له ابتداءً قبل أن يخلقه، مع علم الله سبحانه به وتقصيره، وأن الله تعالى لم يمنعه علمُه سبحانه بتقصير عبده أن يقدِّرَ له الفضل والإحسان، فإذا شاهد العبد ذلك؛ اشتد سروره بربه وبمواقع فضله وإحسانه، وهذا فرحٌ محمود غيرُ مذموم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] " اهـ (١). برنامج الاعتكاف: (١) الدخول إلى المعتكف مغرب يوم ٢٠ رمضان، فليلة الحادي والعشرين هي أول ليلة من ليالي العشر. (٢) لا تنس نية الاعتكاف، والأجر على قدر النية "إنما لكل امرئ ما نوى"، والنية تجري مجرى الفتوح من الله تعالى، فعلى قدر إخلاصك يفتح الله عليك بالنيات، مثلًا: * اتباع سنة الرسول ﷺ طلبًا لمحبة الله ورسوله. * التماس ليلة القدر. * جمع شمل القلب. * التخلي عن هموم الدنيا ومشاغلها. * مصاحبة الصالحين والتأسي بهم. * شد المِئزر في العبادة والتخلص من الكسل. * عمارة المسجد.

стр. 245

* التبتل. * التخلص من العادات وتحقيق معنى العبودية. هذه أمثلة والفتح يأتي من الله. (٣) أول اعتكافك الإفطار، وتعوَّد منذ يومك الأول ترك العادات الملازمة والطقوس التي تصاحب الإفطار، تعوَّد البساطة واجتنب التكلف، تمرات وماء وقد أفطرت. (٤) تعلَّم في هذا المعتكف ألا تضيع وقتك، فتمرات وكوب من الماء لا تستغرق لحظات، كن يقظًا. (٥) ثم اجلس مكانك في الصف الأول خلف الإِمام، استعدادًا لصلاة المغرب مع استحضار النيات في المسارعة والمسابقة إلى الصف الأول. (٦) ابدأ المسابقة والمسارعة في المسجد لكل أعمال الخير وإن استطعت ألا يسبقك أحدٌ إلى الله فافعل. (٧) أحضر قلبك وكل جوارحك ومشاعرك، واحتفظ بكل حضورك العقلي والذهني في صلاة المغرب، هذه أول صلاة في الاعتكاف، وسل الله بصدق: التوفيق والإعانة وألا تخرج من هذا المكان إلا وقد رضي ربك عنك رضًا لا سخط بعده، وأن يتوب عليك توبة صدق لا معصيةً بعدها، وأن يقبل عملك ويوفقك فيه ويرزقك الإخلاص في القول والعمل، وأن يصرف عنك القواطع والصوارف، وأن يرزقك إتمام هذا العمل ولا يحرمك خيره، ركز في هذه الأدعية وأمثالها، وابتهل إلى ربك وتضرع؛ فإنه لا يرد صادقًا سبحانه. (٨) لا تتعجل وتعلَّم وتعوَّد ذلك، ألا تتعجل الانصراف بعد الصلاة؛ فإنك لن تخرج من المسجد، احتفظ بحرارة الخشوع بعد الصلاة أطول فترة

стр. 246

ممكنة، أذكار الصلاة ثم الدعاء .. ثم انشغل بذكر الله حتى يأتي وقت الطعام وتُدعى إليه. (٩) اضبط بطنك في هذا الاعتكاف، فإن أخسرَ وقتٍ تفقده هو الذي تقضيه في الحمَّام، فكُلْ ما تيسر ببساطة مما تم إعداده في المسجد، ولا تأمر ولا توص أن يأتيك الطعام من البيت أو من الخارج، ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس. تواضع وكل مما تيسر، وتعلَّم أن ما يَسُدُّ الرَّمَق ويقيم الأَوَد يكفي، فلا تأنف أن تأكل كِسرةً من خبز، ولا تتأفف من تصرفات مَنْ حولك أثناء الطعام، ألزم نفسك الذل لله، وترك التنعم في هذه الرحلة مع الله في الاعتكاف في بيته، قال رسول الله ﷺ : "إن عباد الله ليسوا بالمتنعمين، وكان يكره كثيرًا من الإرفاه" (١). (١٠) فترة الأكل لا تتجاوز خمس دقائق أو عشر دقائق على الأكثر، وقم فورًا، ادخل الحمام قبل الزحام، جدِّد نشاطك، توضأ، غيِّر ملابسك إن أمكن، خذ مكانك في الصف الأول، صل ٦ ركعات بخشوع "صلاة الأوابين" إلى أذان العشاء. (١١) اعلم أن القادمين لصلاة العشاء يختلفون عن المعتكفين، فقلوبٌ مقيمة في المسجد تختلف عن قلوبٍ أتت من الدنيا وهمومها؛ فاحذر المخالطة "اختبئ". (١٢) صلاة العشاء والتراويح يجب أن تختلف عند المعتكف عما ذي قبل: حضور القلب .. استشعار اللذة .. حلاوة المناجاة .. لذة الأنس بالله ..

стр. 247

صدق الدعاء .. أنت رجلٌ مقيمٌ في بيت الله، لا خروج .. لا اختلاط .. لا معاصي .. كن أفضل. (١٣) احرص على كل الخيرات: ترديد الأذان، أو اجعل لك نصيبًا من الأذان، ثم ركعتي السنة فبين كل أذانين صلاة، ثم الدعاء بين الأذان والإقامة والانشغال بالذكر. (١٤) إذا انقضت صلاة التراويح أسرع إلى خِبَائِك في المعتكف، ودَعْكَ من السلام على الناس، وكثرة الكلام؛ فإن ذلك يقسي القلب، لا بد أيها الحبيب من العزلة الشعورية الحقيقية وأن تجاهد نفسك لكي تَقبل ذلك وتُحِبُّ ذلك وترضى بذلك. أسرع إلى خِبائك، ارقد وانشغل بالذكر، وسَرعان ما ستنام هذه الساعة، وهي مهمة طبعًا لجسدك في أول الليل، ففيها إعانة على النشاط في التهجد. (١٥) هي ساعة، ستون دقيقة تحديدًا إن بارك الله فيها ستكون كافية جدًّا، استعن بالله واسأل الله البركة في أوقاتك وأعمالك. (١٦) استيقظ وانطلق بسرعة وبنشاط، جدِّد وضوءك، تطيَّب، جمِّل ملابسك، استعد ببعض الأذكار والأدعية للدخول في الصلاة، صلاة التهجد. (١٧) تستمر صلاة التهجد إلى ما قبل الفجر بنصف ساعة، واجتهد في هذه الصلاة أكثر من غيرها، فإنه الثلث الأخير من الليل ساعة التنزل الإلهي، أكثر الدعاء واصدق في اللجوء إلى الله، جدِّد التوبة، سلِ اللهَ القبول. (١٨) السحور بمنتهي البساطة والسرعة لا يتجاوز ١٠ دقائق، ثم تجديد الوضوء حتى ولو كنت على وضوء، ثم التفرغ للاستغفار بالأسحار. (١٩) سابق إلى مكانك في الصف الأول خلف الإِمام، وانشغل بالاستغفار

стр. 248

فقط: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، حاذر: لا يتسامرون .. لا ينامون .. لا يغفلون .. (٢٠) صلاة الفجر مشهودة، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، كن في أشد حالات الانتباه، وتدبر الآيات وركز في الدعاء. (٢١) اجلس في مُصَلَّاك بعد الصلاة، ولا تلتفت بعد أذكار الصلاة .. أذكار الصباح المأثورة كلها لا تترك منها شيئًا. (٢٢) اقرأ الآن بعد الانتهاء من أذكار الصباح ثلاثة أجزاء، وهذه القراءة بنية تحصيل الأجر، أما تلاوة التدبر فلها وقتٌ آخر. (٢٣) صلاة الضحى ثمان ركعات بالتمام والكمال، احرص عليها وقد أديت شكر مفاصلك. (٢٤) آن أوان النوم والراحة، لك أربع ساعات بالتمام والكمال نوم، ثم نومًا هنيئًا، ورُؤًى سعيدة. لا تنس قول معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، فاحتسب تلك الساعات، وأشهِد الله من قلبك أنك لو استطعت ما نمت؛ ولكن هذه النومة لا للغفلة ولكن للتقوي على الاستمرار. (٢٥) استيقظ قبل الظهر بفترة كافية لاستعادة النشاط وتجديد الوضوء، وربع ساعة قبل الأذان في الصلاة على النبي ﷺ وبتركيز شديد. (٢٦) ردد الأذان، وصلِّ قبل الفريضة أربعًا واستغل باقي الوقت في الدعاء. (٢٧) صلِّ الفريضة بحضور قلب فللصلاة السرية أسرار في الأنس بالله أكثر من الجهرية.

стр. 249

(٢٨) صلِّ بعد الفريضة أربع ركعات، قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى قبل الظهر أربعًا وبعد الظهر أربعًا حَرَّمَ الله لحمه على النار" (١). (٢٩) تلاوة قرآن، أربعة أجزاء إلى ما قبل أذان العصر بربع ساعة. (٣٠) ربع ساعة قبل الأذان في قول: الكلمتان الحبيبتان "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" تحببًا وطلبًا لمحبة الله. (٣١) صَلِّ قبل الفريضة أربعًا، قال رسول الله ﷺ : "رحم الله امرءًا صلَّى قبل العصر أربعًا" (٢). (٣٢) اقرأ بعد صلاة العصر ثلاثة أجزاء وقد تمت لك الآن عشرة أجزاء قراءة. (٣٣) قبل المغرب بنصف ساعة أذكار المساء بتركيز ودعاء. (٣٤) الوقت قبل أذان المغرب في غاية الأهمية، استحضر الدعوة المستجابة للصائم، وأنت في نهاية اليوم وفي غاية التعب من كثرة العمل لله، انكسر وذِلَّ واطلب الأجر، واحتسب التعب، واسأل الله بتضرع أن يقبل منك عملك، ولا تنس الدعاء بظهر الغيب لأهلك وللمسلمين، ولن أعدِمَ منك دعوةً لي بظهر الغيب.

стр. 250

نصائح الاعتكاف (١) محظورات: * ممنوع الكلام: إياك وكثرة الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد القلوب عن الله القلب القاسي. * ممنوع الهزار: إياك والضحك؛ فإن كثرة الضحك تُميتُ القلب، دعك من التهريج، اترك المزاح تمامًا أنت في بيت الملك العظيم، الزم السمت الصالح، وكن في هذه الفترة متواصل الأحزان. * ممنوع الاختلاط: لا تنشغل بغيرك، الاعتكاف في المسجد اعتكاف جماعي ومعك أناسٌ كثيرون، الطباع مختلفة، والبيئات متنوعة. لا تشغل عينك بمتابعة النظر إلى الآخرين. لا تشغل أذنك بسماع المناقشات والحوارات. لا تشغل قلبك بالتعليق على الأحداث. لا تنشغل بغيرك .. دع الخلق للخالق .. انشغل بحالك مع الله، حاول أن تنسى الناس.
следующие страницы →