ممكنة، أذكار الصلاة ثم الدعاء .. ثم انشغل بذكر الله حتى يأتي وقت الطعام وتُدعى إليه.
(٩) اضبط بطنك في هذا الاعتكاف، فإن أخسرَ وقتٍ تفقده هو الذي تقضيه في الحمَّام، فكُلْ ما تيسر ببساطة مما تم إعداده في المسجد، ولا تأمر ولا توص أن يأتيك الطعام من البيت أو من الخارج، ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.
تواضع وكل مما تيسر، وتعلَّم أن ما يَسُدُّ الرَّمَق ويقيم الأَوَد يكفي، فلا تأنف أن تأكل كِسرةً من خبز، ولا تتأفف من تصرفات مَنْ حولك أثناء الطعام، ألزم نفسك الذل لله، وترك التنعم في هذه الرحلة مع الله في الاعتكاف في بيته، قال رسول الله ﷺ : "إن عباد الله ليسوا بالمتنعمين، وكان يكره كثيرًا من الإرفاه" (١).
(١٠) فترة الأكل لا تتجاوز خمس دقائق أو عشر دقائق على الأكثر، وقم فورًا، ادخل الحمام قبل الزحام، جدِّد نشاطك، توضأ، غيِّر ملابسك إن أمكن، خذ مكانك في الصف الأول، صل ٦ ركعات بخشوع "صلاة الأوابين" إلى أذان العشاء.
(١١) اعلم أن القادمين لصلاة العشاء يختلفون عن المعتكفين، فقلوبٌ مقيمة في المسجد تختلف عن قلوبٍ أتت من الدنيا وهمومها؛ فاحذر المخالطة "اختبئ".
(١٢) صلاة العشاء والتراويح يجب أن تختلف عند المعتكف عما ذي قبل: حضور القلب .. استشعار اللذة .. حلاوة المناجاة .. لذة الأنس بالله ..
стр. 247
صدق الدعاء .. أنت رجلٌ مقيمٌ في بيت الله، لا خروج .. لا اختلاط .. لا معاصي .. كن أفضل.
(١٣) احرص على كل الخيرات: ترديد الأذان، أو اجعل لك نصيبًا من الأذان، ثم ركعتي السنة فبين كل أذانين صلاة، ثم الدعاء بين الأذان والإقامة والانشغال بالذكر.
(١٤) إذا انقضت صلاة التراويح أسرع إلى خِبَائِك في المعتكف، ودَعْكَ من السلام على الناس، وكثرة الكلام؛ فإن ذلك يقسي القلب، لا بد أيها الحبيب من العزلة الشعورية الحقيقية وأن تجاهد نفسك لكي تَقبل ذلك وتُحِبُّ ذلك وترضى بذلك.
أسرع إلى خِبائك، ارقد وانشغل بالذكر، وسَرعان ما ستنام هذه الساعة، وهي مهمة طبعًا لجسدك في أول الليل، ففيها إعانة على النشاط في التهجد.
(١٥) هي ساعة، ستون دقيقة تحديدًا إن بارك الله فيها ستكون كافية جدًّا، استعن بالله واسأل الله البركة في أوقاتك وأعمالك.
(١٦) استيقظ وانطلق بسرعة وبنشاط، جدِّد وضوءك، تطيَّب، جمِّل ملابسك، استعد ببعض الأذكار والأدعية للدخول في الصلاة، صلاة التهجد.
(١٧) تستمر صلاة التهجد إلى ما قبل الفجر بنصف ساعة، واجتهد في هذه الصلاة أكثر من غيرها، فإنه الثلث الأخير من الليل ساعة التنزل الإلهي، أكثر الدعاء واصدق في اللجوء إلى الله، جدِّد التوبة، سلِ اللهَ القبول.
(١٨) السحور بمنتهي البساطة والسرعة لا يتجاوز ١٠ دقائق، ثم تجديد الوضوء حتى ولو كنت على وضوء، ثم التفرغ للاستغفار بالأسحار.
(١٩) سابق إلى مكانك في الصف الأول خلف الإِمام، وانشغل بالاستغفار
стр. 248
فقط: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، حاذر: لا يتسامرون .. لا ينامون .. لا يغفلون ..
(٢٠) صلاة الفجر مشهودة، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، كن في أشد حالات الانتباه، وتدبر الآيات وركز في الدعاء.
(٢١) اجلس في مُصَلَّاك بعد الصلاة، ولا تلتفت بعد أذكار الصلاة .. أذكار الصباح المأثورة كلها لا تترك منها شيئًا.
(٢٢) اقرأ الآن بعد الانتهاء من أذكار الصباح ثلاثة أجزاء، وهذه القراءة بنية تحصيل الأجر، أما تلاوة التدبر فلها وقتٌ آخر.
(٢٣) صلاة الضحى ثمان ركعات بالتمام والكمال، احرص عليها وقد أديت شكر مفاصلك.
(٢٤) آن أوان النوم والراحة، لك أربع ساعات بالتمام والكمال نوم، ثم نومًا هنيئًا، ورُؤًى سعيدة.
لا تنس قول معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، فاحتسب تلك الساعات، وأشهِد الله من قلبك أنك لو استطعت ما نمت؛ ولكن هذه النومة لا للغفلة ولكن للتقوي على الاستمرار.
(٢٥) استيقظ قبل الظهر بفترة كافية لاستعادة النشاط وتجديد الوضوء، وربع ساعة قبل الأذان في الصلاة على النبي ﷺ وبتركيز شديد.
(٢٦) ردد الأذان، وصلِّ قبل الفريضة أربعًا واستغل باقي الوقت في الدعاء.
(٢٧) صلِّ الفريضة بحضور قلب فللصلاة السرية أسرار في الأنس بالله أكثر من الجهرية.
стр. 249
(٢٨) صلِّ بعد الفريضة أربع ركعات، قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى قبل
الظهر أربعًا وبعد الظهر أربعًا حَرَّمَ الله لحمه على النار" (١).
(٢٩) تلاوة قرآن، أربعة أجزاء إلى ما قبل أذان العصر بربع ساعة.
(٣٠) ربع ساعة قبل الأذان في قول: الكلمتان الحبيبتان "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" تحببًا وطلبًا لمحبة الله.
(٣١) صَلِّ قبل الفريضة أربعًا، قال رسول الله ﷺ : "رحم الله امرءًا صلَّى قبل العصر أربعًا" (٢).
(٣٢) اقرأ بعد صلاة العصر ثلاثة أجزاء وقد تمت لك الآن عشرة أجزاء قراءة.
(٣٣) قبل المغرب بنصف ساعة أذكار المساء بتركيز ودعاء.
(٣٤) الوقت قبل أذان المغرب في غاية الأهمية، استحضر الدعوة المستجابة للصائم، وأنت في نهاية اليوم وفي غاية التعب من كثرة العمل لله، انكسر وذِلَّ واطلب الأجر، واحتسب التعب، واسأل الله بتضرع أن يقبل منك عملك، ولا تنس الدعاء بظهر الغيب لأهلك وللمسلمين، ولن أعدِمَ منك دعوةً لي بظهر الغيب.
стр. 250
نصائح الاعتكاف
(١) محظورات:
* ممنوع الكلام:
إياك وكثرة الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد القلوب عن الله القلب القاسي.
* ممنوع الهزار:
إياك والضحك؛ فإن كثرة الضحك تُميتُ القلب، دعك من التهريج، اترك المزاح تمامًا أنت في بيت الملك العظيم، الزم السمت الصالح، وكن في هذه الفترة متواصل الأحزان.
* ممنوع الاختلاط:
لا تنشغل بغيرك، الاعتكاف في المسجد اعتكاف جماعي ومعك أناسٌ كثيرون، الطباع مختلفة، والبيئات متنوعة.
لا تشغل عينك بمتابعة النظر إلى الآخرين.
لا تشغل أذنك بسماع المناقشات والحوارات.
لا تشغل قلبك بالتعليق على الأحداث.
لا تنشغل بغيرك .. دع الخلق للخالق .. انشغل بحالك مع الله، حاول أن تنسى الناس.
стр. 251
* ممنوع التليفون داخل المسجد:
أغلق تليفونك تمامًا، والأفضل أن تكون قد تركته في بيتك مع الدنيا، ممنوع دخول الدنيا إلى بيت الله، إن وُجِد فهو اتصال واحد يوميًّا يسمح به فقط للاطمئنان على أهلك، لا رنات، ولا رسائل.
* ممنوع الخروج من المسجد:
آخر حدود عالمك الخاص: حيطان المسجد وأبوابه ..
آخر حدود عالمك الخاص: وجوه المصلين من أهل المسجد ..
احذر أن يفلت قلبك من بين الجدران ويتجول في الشارع ..
احبس قلبك هنا ..
* ممنوع الكسل:
كل الوقت عمل، وانظر إلى البرنامج، لا تجد دقيقة فراغ، مطلوب علو الهمة في هذه الفترة، فلا تفتر.
* ممنوع الشهوات:
هذا زمن المجاهدة:
قلِّل طعامك.
قلِّل نومك ما أمكنك.
قلِّل كلامك ما أمكنك.
لا تنتصر لنفسك، وأحسن إلى من أساء إليك.
غُضَّ بصرك، واجعل عينك على قلبك دومًا.
لا تُجب عن الأسئلة، ولا تتعرف على أحد.
стр. 252
* ممنوع الغفلة:
جدِّد التوبة دائمًا، ولا تترك نفسك بدون عمل، بل اعمل وادأب، وقاوم الفتور، وإياك والكسل والدَّعَة والنوم، واستعن بالله.
* ممنوع الكبر:
عند التعامل مع الآخرين، قد تبدو تصرفات غير مقصودة؛ ولكنها تشير إلى أمراض قلبية خطيرة من الكبر، والغرور، والعجب، ورؤية النفس، واحتقار الآخرين وازدرائهم والتعالي عليهم، وكل هذه الأمراض محبطة للأعمال؛ فاحذر واحترس، واضبط نفسك على أدب الإِسلام:
لا تنظر إلى أحد شَزَرًا.
لا تُشِرْ إلى أحدٍ بإصبعك.
لا ترفع صوتك.
لا تسخر من أحد.
إياك وتصعيرَ الخَد للآخرين.
احذر الغيبة والنميمة والبهتان القلبي.
فتح ثغرات لذوى الهمم العالية:
- ختمة من الفجر إلى المغرب.
- ختمة من المغرب إلى الفجر.
- صلاة ١٠٠ ركعة أو أكثر في ليلة أو يوم، ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، كل يوم ١٠٠ ركعة في ١٠ يوم = ١٠٠٠ ركعة.
- الذكر ١٢٠٠٠ مرة تسبيحة في يوم وليلة كأبي هريرة.
- تكوين أكبر رصيد من الحسنات في الاعتكاف.
стр. 253
- الدعاء لمدة ساعة كاملة دون انقطاع.
- الدعاء في سجود لمدة نصف ساعة متواصلة.
- الدعاء بجميع أدعية السُّنة، وخذ معك كتاب "مختصر النصيحة" للمقدم أو "الدعاء" للقحطاني.
- تعوَّد أن تربط المصحف بيدك، أقصد ألا تتركه من يدك أبدًا، لتكون عادةً طبيعية لك بعد رمضان.
- فكِّر في القيام بأعمال كبيرة فذَّة ترفعك عند الله، واكتبها في كراس ووقِّت لها قبل دخول الاعتكاف.
- راجع موضوع "الطفرات" في "عمرة رمضان". يفتح لك ثغرات أخرى أكثر، والله المستعان.
في نهاية فترة الاعتكاف نجد أن الصلة الإيجابية بين العبد وخالقه قد ازدادت في استمراريتها على مدار الليل والنهار، سكن فيها المعتكف إلى بارئه في بيتٍ من بيوت الله ، أحبَّ الله ، ووجد هذا الحب سبيلًا إلى قلبه عن طريق لزومه لبيت الله ، معرضًا عن حياةٍ دنيا أحبها وجمع لها، وفطم نفسه منها لفترة الاعتكاف.
وَجَدَ هذا الحُبُّ سبيلًا إلى قلبه، عن طريق لزوم طاعته ، من أداء الفرائض، وقيام بالنوافل المتعددة، وتعتري النفوس المؤمنة الصادقة مشاعر الحب هذا، وهي تتمنى الشوق إلى لقاء الله؛ لأنها ذاقت لذة هذا الحب، ذاقت لذة المناجاة، وذاقت لذة الخشوع، وذاقت لذة انهمار الدموع من خشيةِ الله وتعظيمه، وذاقت لذة راحة النفس، وذاقت لذة الطاعة بصورتها الكلية؛ فكان هذا الحب الذي جاء نتيحة قرب العبد من ربه .
стр. 254
عمرة رمضان
مكافأة نهاية الخدمة
стр. 255
عمرة رمضان
وأقبلت أيام الخير:
أحبتي في الله، أقبلت أيام الخير، وهذه الأيام تمر وتجري وتمضي علينا، وينقضي العمر ويأتي الموت بما فيه، وتقوم القيامة وعندئذ يتحسر الإنسان ولا تنفعه الحسرة، ويندم ولات حين مندم، ويقدم أعذاره فلا تقبل: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٥]، نسأل الله أن يرزقنا غنيمة الأوقات، قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] جعل الليل والنهار خلفة، يخلف أحدهما الآخر ليستدرك العبد ما فاته، ودخول رمضان غنيمة تحتاج أن تغتنمها اغتنامًا حقيقيًا.
عظمة رمضان:
أيها الإخوة، أرأيتم لو أن رجلًا رُزِق بزوجة صالحة على خُلُق ودين وجمال وحسب، كيف يكون حاله؟!، إنه قد اجتمع له الخيرُ كله، وهذا المعنى نجده هنا، إذا اجتمع شرف الزمان وشرف المكان وشرف العبادة، والزمان الشريف هو رمضان، رمضان وما أدراك ما رمضان؟، شهر عظيم، عظيم بكل معاني الكلمة، يكفي في ذلك أن الله سماه باسمه في كتابه العزيز فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وفرض صومه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
يكفيك فيه قول النبي ﷺ : "من أدركه شهر رمضان فلم يففر له فأبعده الله
стр. 256
في النار" (١)، ولذلك قلت مرارًا: إنني لا أتخيل السنة بدون رمضان، رمضان هو ترمومتر السنة، هو الضابط للسنة، وكأني بحديث رسول الله ﷺ : "تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها" (٢)، كأني بهذا المعنى في رمضان، كأن المعنى عندي تحترقون تحترقون طوال السنة، فإذا جاء رمضان أطفأ نيران السنة كلها فهو موسم عظيم جدًّا.
وكما قلت بأننى لا أتخيل السنة بدون رمضان، فإنني أقول: لا أتخيل والله وجه الأرض بدون الكعبة، وهذا شرف المكان، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]، فهذه الكعبة أمان وقيام للدين؛ لأنه إذا هدمت الكعبة قامت القيامة، وقد قال الله : ﴿جَعَلَ الله الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، قال العلماء: تقوم به أديانهم، فقيام الدين بالكعبة أمرٌ ظاهر .. مادامت الكعبة موجودة فالدين موجود.
لذلك ينبغي أن تفقه هذا الأمر وتفهمه إذا أردت أن تؤدي عمرة رمضان؛ فاعرف شرف الزمان وشرف المكان.
لماذا نعتمر ؟
قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣)، فلابد من تحرير النية وتمحيصها قبل التفكير في أداء عمرة في رمضان، وإلا
стр. 257
فإن هذا العمل العظيم -عمرة رمضان- يصبح عند فساد النية هباءً منثورًا، تعالوا لنحرر ابتداء لماذا نعتمر في رمضان؟
أولًا: الرحلة إلى الله:
قال بعض السلف: ذكرتني هذه الرحلة بالرحلة إلى الله.
عندما تذهب إلى العمرة، تذهب إلى من؟ .. ترتحل إلى من؟ .. إنك تكون في رحلة إلى الله تعالى، تفهم فيها معنى الفرار إلى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، وترى فيها معنى الهجرة: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (١).
فلابد أن تفهم في العمرة أنك مهاجر إلى الله، فارٌّ إلى الله، مرتحلٌ ذاهبٌ إليه، وهذا كله يدخل في معنى كلمة "لبيك اللَّهم لبيك".
ثانيًا: التلبية والفرار إلى الله:
كثيرٌ من الناس يردد هذه التلبية ولا يفهم معناها، ولبيك معناها: جئتك يا رب .. أستجبت لأمرك .. كان بعض السلف إذا ضاق صدره دخل بيته وأغلق على نفسه الباب وقال: إلهي .. إليكَ جئتُ، هذا المعنى تجده حقيقة في العمرة، وأنت ذاهب إلى بيت الله تقول: يا رب جئت إليك، لذلك فإن الذي يحس هذا المعنى لا يردد التلبية على أنها نشيد أو أغنية تقال كما يفعل كثيرٌ من الناس، لا .. وإنما يلبي من قلبه، بل يُلبِّي قلبُه، فقلبه هو الذي يردد: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
стр. 258
لذلك فإن النبي ﷺ قال: "ما من مُلَبٍّ يلبي إلا لَبَّى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مَدَر، حتى تنقطع الأرض من ها هنا ومن ها هنا" (١)، فيصبح هذا الملبي مركز الكون، كل ما عن يمينه يلبي معه، وكل ما عن شماله يلبي معه، وهو نقطة مركز الدائرة، فاستشعار ذلك يملأ القلب خضوعًا وخشوعًا للملك ﷻ ، قال جابر ﵁: "خرجنا من المدينة نصرخ بالحج صراخا" (٢)، وقال رسول الله ﷺ : "خير الحج العَجُّ والثَّج" (٣).
العج هو رفع الصوت بالتلبية، والثج: كثرة إراقة الدماء، لبيك اللَّهم لبيك .. تقول: جئت إليك، جئت إليك بذنوب العمر .. بهموم العمر .. بمآسي السنين .. بكُرَب الحياة .. جئت إليك وليس لي غيرك .. ومن ذا الذي أذهب إليه سواك؟! .. عبيدك سواي كثير وليس لي غيرك .. لبيك ..
عندما تقولها بهذا المعنى؛ فسوف تكون من قلبك .. من عقلك .. من عينيك .. تكون لبيك من كل ذرة في جسمك، بكل كِيانك، لبيك حقيقة، فالمعنى الثاني من معاني العمرة: الفرار إلى الله، فرار من الفتن، فرار من الدنيا، فرار من الماضي الحزين إلى الله الرحيم الحَنَّان.
ثالثًا: الهجرد إلى الله:
والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، وفي قصة قاتل المئة، أمره العالم أن يخرج من بلده. لأنها بلد سوء، وأن يذهب إلى بلد آخر فيها أناسٌ صالحون ليعبد الله معهم، وهذا المعنى نجده في العمرة، فأنت مهاجر إلى الله، تركت
стр. 259
ذنوبك، ومعاصيك وغفلتك .. تركت أهلك، ودنياك، تركت كل شيء وجئت لربك وليس معك شيء من الدنيا لتعبد الله مع الصالحين من عباده في أطهر بقعة على ظهر الأرض؛ لذلك فلابد أن نتكلم عن النية: لماذا نعتمر؟، لماذا ذهبت إلى عمرة رمضان؟
هل لأنها صارت عادة عندك؟، وهل لو أنك لم تذهب سيتكلم الناس عنك بسوء؟، وقد يكون أحدهم قد مَلَّ من مشاكل الدنيا فيذهب إلى العمرة ليستريح من ذلك العناء، يذهب متفرجًا، ويقول: رمضان هناك له لذة، لا يوجد أولاد ولا مشاكل، أو يذهب إلى الحرم لكي يرى المشايخ ويجلس معهم .. هذه كلها نيات فاسدة، لماذا تذهب؟
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يغزو في سبيل الله يريد الأجر والذكر فما له؟، قال ﷺ : "لا شيء له" (١)، فإذا اختلطت عليك النية بإرادة وجه الله وإرادات أُخَر فسد عملك ولا شيء لك ولا أجر لك، لا بد أن تتخلص من كل النيات الفاسدة وكل الآفات المهلكة، فتنوي نية صالحة متجردة خالصة هي: الرحلة، والفرار، والهجرة إلى الله وحده.
رابعًا: التبتل:
إننا نحتاج أن نعمل أعمالًا جديدة، نريد أن نقوم بأعمال لم نقم بها قبل ذلك، هذه الأعمال الجديدة تجدد الإيمان، تنشط الدورة الإيمانية، ومن هذه الأعمال التبتل، والتبتل معناه الانقطاع: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، أي انقطع إليه انقطاعًا .. وأنصحك أن تبحث أحيانًا عن مسجد
стр. 260
بعيد عن حيك، لا تعرف فيه أحدًا، ولا يعرفك فيه أحد .. اذهب وامكث هناك يومًا كاملًا من العشاء للفجر، أو من الظهر إلى العشاء، انقطع تمامًا .. ليس معك تليفون، ولا جَوَّال، ولا أحد يعرفك، ولا أحد يصل إليك ويراك، وتلبس ثيابك وتجلس مسكينًا فقيرًا ذليلًا متمسكنا، تنقطع عن انشغالاتك بالدنيا وتُقبل على الله بكل قلبك.
وفرصتك لذلك التبتل في الكعبة أعظم وأفضل عندما تترك زوجتك وأولادك وعملك ومالك وأصدقاءك وزملاءك وتليفوناتك وتنقطع لعبادة الله وحده لا شريك له.
إن معنى التبتل الانقطاع، أما أن تذهب إلى هناك ومعك هواتفك وتتابع عملك من هناك .. ماذا فعلتم؟، ماذا اشتريتم؟، ماذا بعتم؟، هذا ليس معنى التبتل.
أنت قلت: لبيك لا شريك لك، فلماذا جعلت معه شركاء، لبيك يا الله. أم لبيك للمصنع؟، لبيك يا الله أم لبيك للشركة؟، هل تقول: نعم أنا معك لكن أنا أيضًا مع الناس ومع مصالحي وشهواتي وآمالي الدنيوية ... هذا لا يصح أبدًا.
الملك لا يرضى ذلك، ولا يقبله، إما هو وحده وإلا فلا ..
تبتل .. انقطع .. اترك كل شيء خلف ظهرك، حاول أن تنسى الدنيا بما فيها ومن فيها، لذلك إياك أن تتكلم وأنت هناك في التليفون كل الأيام بل اجعله للضرورة فقط كأن تطمئن على زوجتك وأولادك، فالنبي ﷺ كان معتكفًا وجاءت إليه السيدة صفية ﵂ تزوره، وخرج معها فأوصلها إلى بيتها، فتعلمنا من هذا جواز السؤال للاطمئنان على الزوجة والأولاد. كل عمل بدليل إنه شرع ودين.
стр. 261
لا بأس أن تطمئن على أهلك، بل هذا هو المطلوب منك أن تسأل عن أخبارهم، وتطمئن على أحوالهم؛ لأنهم مسئوليتك، والرسول ﷺ يقول: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" (١)، هذه مسئولية شرعية وليست دنيا، أما المصنع والعمل فدعك من كل هذا.
نريد أن نعيش حياتنا يومًا بيوم، فما أسرع موت الناس اليوم، اللَّهم ارزقنا حسن الخاتمة، نريد أن نستفيد من موت الناس من حولنا ألا نعيش الدنيا باتساعها .. بطول الأمل فيها، بل عش كل يوم جزئية مستقلة بذاتها.
أيها الإخوة ..
نحن اليوم على قيد الحياة، وغدًا في علم الله، لا ندري ماذا يكون فيه، فأتقن عبادتك في يومك ودعك من كثرة الشواغل، وحقق معنى التبتل وهو الانقطاع للعبادة
ودعني أنتقل معك مرة ثانية إلى النيات: لماذا نذهب إلى العمرة؟
لأن في هذا جوابُ كثيرٍ من الإشكالات، فإن بعض الناس يذهب إلى العمرة، ثم يأتي يشكو ويقول: ذهبت إلى العمرة، ولكني لم أجد قلبي .. كنت أظن أني سأكون هناك في قمة الإيمان وسأشعر بروحانية كأنني أطير في السماء وأعيش في الجنة، كنت أظن أني سأموت من الفرح والسعادة، ولكني لم أجد شيئًا من ذلك للأسف الشديد!، إن كثيرًا من المسلمين يعيش وهمًا .. وهما حقيقيًّا .. يظن أنه بمجرد أن يذهب ويرى الكعبة سيطير بجناحين!!
أقول: لا يا أخي، بل هذا الأمر يحتاج إلى عمل إلى عبادة حتى يتحصل لك ما تتمناه .. أنت لماذا ذهبت إلى هناك، لو قلنا: للتبتل، فهذا يعني أنك
стр. 262
ذاهب لعبادة الله، صلاة وذكر ودعاء وطواف وقراءة قرآن واستغفار .. إن فعلت ذلك وداومت عليه وجدت ثمرته وإلا فلا ولكل سلعة ثمن.
بعض الناس يذهب فيقوم بالعمرة فقط، ثم يذهب ليجلس في الفندق ويصلي في المسجد المجاور للفندق!، وكأنها سياحة!
وبعض الناس -للأسف الشديد! - يقضي أيامه هناك نائمًا، حتى في الاعتكاف في العشر الأواخر، تجده يصلي الظهر ثم ينام، ويصلي العصر ثم ينام، فمن أين إذًا تجد قلبك؟!، وكيف بحالك هذه تجد قلبًا؟!
حج الإِمام مسروق بن الأجدع التابعي المعروف فما نام إلا ساجدًا، إنه لم يضع جنبه على الأرض، وما نام على ظهره، وإنما كان يغلبه النوم وهو ساجد، ما نام على سرير، ولا استلقى على ظهره!، كان يصلي طوال الوقت، فكان من طول الصلاة ينام وهو ساجد، هذه هي الهمة، إننا نذهب بنية التبتل، فلابد أن نعمل حقيقة، ونجتهد في هذا العمل.
من يذهب بنية التبتل لا بد أن يكون له برنامج عمل يقوم به، ينظر أيهما أفضل: الصلاة أم الطواف أم تلاوة القرآن أم الذكر أم حضور مجالس العلم، ماذا يعمل؟، وماذا يقدم؟.
يقول العلماء: إن كل عمل لا يؤدى إلا في محل ووقت فهو واجب الوقت.
فأفضل الأعمال ما كان موافقًا لمكانك ووقتك، فعندما تكون في الحرم؛ دروس العلم موجودة لكنها موجودة في أماكن أخرى وفي أوقات أخرى، تستطيع أن تجلس فتنشغل بالذكر، لكن الذكر له أوقات غير محددة، بل تستطيع أن تذكر في أي وقت وفي أي مكان، إذا الطواف يُقَدَّم، تقرأ فيه القرآن وتدعو وتذكر .. لأن الطواف لا يوجد إلا حول الكعبة، فهذا محله وهذا وقته فهو أولى، وهذا من فقه العبادة ..
стр. 263
بعض الناس لا يطوف إلا طواف العمرة فقط، وهذا فهم خاطئ، بل كلما وجدت السبيل للطواف طف، كلما دخلت الحرم ووجدت السبيل للطواف طف.
وقد تجد من يقول: الطواف فيه اختلاط، والنساء يسرن إلى جوارك وخلفك وأمامك، أقول: وهل وقت الطواف يشعر فيه الإنسان بالنساء؟، إنك تحتاج إلى علاج قوي من البداية، لا بد أن تفهم أولًا ما هو قدر الكعبة، ولابد أن تفهم معنى الحب معنى حب الله سبحانه.
فحين تفهم معنى الحب، وتعرف الله سبحانه، وتعرف أنك في بيته، وتعرف قدر بيته ، وأنت تطوف حول بيت حبيبك بالحب؛ فلن تشعر ساعتها بمن حولك.
ولكن بعض الناس أساء إلى الحب، فالحب معنى، والعلماء يقولون: الألفاظ قوالب المعاني، فلو أنك وضعت المعنى في قالب معين فإنك بهذا تُضيِّقُه .. تُصَغِّره، فلو أردت أن تقول لإنسان: ما هو الحب؟، فقد أخطأت في الحب.
الحب معنى فلا يوضع في قالب، ولا يُحَجَّم، الحب معنى سام جدًّا، معنًى عالٍ، وخصوصًا إذا تكلمنا عن حب الله، فهو معنى يُحَس .. يُعَاش، ولا يُوصف، هذا ما أطالبك به؛ أن تذهب إلى العمرة بالحب، وبالطبع إضافة الشرطين الآخرين الخوف والرجاء، وكذلك أن تصوم رمضان بالحب والخوف والرجاء، أن تصلي بحب وخوف ورجاء، وهكذا كل عباداتك وأحوالك مع الله، ساعتها ستعيش معانيَ لا تستطيع أن تصفها، إذا سئلت: بماذا تشعر؟، تقول؛ أشعر أني أحب الله جدًّا .. أحس أني أحب الله حبًّا شديدًا، هذا المعنى لا يوسف وإنما يُحَسّ فقط.
стр. 264
وهناك معان في الإِسلام لا تفسر مثل: قرة العين، والسكينة، والحب، فهذه أشياء لا توصف، لا تُعَلَّم، لا أستطيع أن أُعَلِّمك كيف تحب الله؛ وإنما أستطيع أن أقول لك: افعل كذا لكي يحبك ..
الشاهد: أنك عندما تشرع في الطواف تتذكر عظمة هذا البيت .. وشدة شوقك إليه، أحد الإخوة عندما ذهب إلى العمرة أول مرة ونظر إلى الكعبة قال: سأصاب بالذهول .. بيت ربنا فيه قطعة من الجنة: الحجر الأسود من الجنة، قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم" (١)، فإذا لمست الحجر الأسود فقد لمست شيئًا من الجنة.
ذهبت جارية إلى الحج؛ فقالت لمن برفقتها: أين بيت ربي؟، فكانوا يقولون لها: اصبري حتى تري بيت ربك، فلما دخلوا المسجد الحرام ورأوا الكعبة قالوا لها: هذا بيت الله، فجرت وهرولت وهي تقول: بيت ربي .. بيت ربي، حتى وضعت خدها على الكعبة فما رفعوها عن جدار الكعبة إلا ميتة!!
هذا هو المعنى، وهؤلاء هم الذين شعروا به وأحسوه، بيت ربي .. بيت ربي!!، إحساسك عندما ترى الكعبة بأن قلبك قد طار والتصق بالكعبة .. ببيت ربك .. بيت حبيبك .. بيت الله، هذا هو المطلوب .. الله الذي لم تر منه إلا خيرًا، هو الذي أوصلك إلى الكعبة، فله الحمد والمنة .
فإذا وصلت إلى هذا البيت ورأيته ولمسته وأنت الآن تطوف حوله، إن
стр. 265
المشتاق ساعتها لا يحس بمن حوله، وإن المحب ساعتها لا يدري من بجواره؛ لأنه يطوف حول بيت حبيبه يناجيه وكأنه وحده معه.
سادسًا: صحبة الرسول ﷺ في حجة:
هذه نية غالية بهمة عالية، قال رسول الله ﷺ : "عمرة في رمضان كحجة معي" (١)، لو استشعرت عظمة هذا الوعد النبوي الصادق، أنك إذا اعتمرت في رمضان عمرة صادقة بنية خالصة ومتبعة بإحسان على منهج النبي ﷺ ؛ تكون كأنك حججت مع النبي ﷺ ، يا لها من عمرة!! .. بل ركضة إلى الفردوس الأعلى .. انوِ صادقًا .. وإنما لكل امرئ ما نوى.
سابعًا: مغفرة الذنوب المتقدمة:
قال رسول الله ﷺ : "الجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (٢)، فانظر إذا اجتمعت لك جمعة في رمضان في العمرة فقد اجتمعت لك ثلاثة أسباب لمغفرة الذنوب المتقدمة في وقت واحد، فهذا حري أن تعود كيوم ولدتك أمك وصحيفتك بيضاء نقية لاذنب فيها.
فألزم نفسك تلك النية، أنك تريد أن تُغسل مق ذنوبك، وتغتسل من خطاياك وآثامك، وتتطهر من غدراتك وفجراتك، تريد أن تبدأ حياةً جديدة بتاريخ ميلاد جديد؛ لتكون عبدا جديدا لله .. فأقبل ولا تخف ..
ثامنًا: أعالى القصور من أعالى الأجور:
لا شك أنَّ تاجرًا حريصًا، وخبيرًا خِرِّيتًا لا يرضى بالغُبن في تجارته، فضلًا عن خسارته، وقد رأينا أنَّ التجار يسافرون إلى أقصى بلاد الأرض طلبًا لربحٍ
стр. 266
زائد، فكيف برجلٍ عمرُهُ قصير، وأجلُة قريب، وعملُهُ قليل، وجَهْدُهُ ضعيف؛ أمَامهُ فرصة أن تُحْسَبَ له الركعة بمئة ألف، والتسبيحة بمئة ألف، والحرف من القرآن بمئة ألف.
واللهِ، إنه لفوزٌ عظيم، وفرصة لا تُعوَّض، إنها حقًّا غنيمة باردة، لا تعجب من تكرار هذه الكلمة معنا؛ فواللهِ أنا لا أدري كيف أشكرُ الله على هذه النعمةِ العظيمة، ولا أدري إلى أيِّ مدى سيبلغ حبُّ القلب لهُ سبحانه وتعلُّقه به بعد هذه المِنَنِ الجِسام.
فإنه سبحانه وَعَدَ على الحسنة بعشر أمثالها، وقلنا: رضينا ربي، ثم وعد على الدرهم بسبعمئة في الإنفاق، فقلنا: رضينا ربي، وجعل النفقة في الحج والعمرة كالنفقة في سبيل الله بسبعمئة ألف أيضًا؛ فقلنا: رضينا ربي؛ فإذا بالكريم يَزيدنا: أنَّ الحسنة هناك في بيته الحرام في الكعبة بمئة ألف، وفي مسجد حبيبه المصطفى ﷺ الحسنة بألف قياسًا على الصلاة، وهذا مذهب ابن عباس ﵄ المسألة: أنَّ كل الأعمال تُضاعف في الحرمين الشريفين.
فأقبلْ يا بطَّال؛ فرصةُ العمر، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٤ - ١١٥] .. اغتنم هذه الفرصة وارحل إلى عمرة رمضان؛ تجد المضاعفات من الخيرات، والبركات والحسنات، والفرص والمكآفات.
ولا يفوتني أن أُحَذِّرَك أنَّ مذهب ابن عباس ﵂ هذا في غاية الخطورة؛ فإنه ثبت عنه ﵁ أنه انتقل من مكةَ إلى الطائف، فقيل له: أترغبُ عن البلد الحرام؛ قال: وما لي لا أرغبُ عن بلدٍ تُضاعَف فيه السيئات كما تُضاعف فيه الحسنات. فكما بشَّرتُك أُحِذرك؛ أنه إذا كانت الحسنةُ بمئة ألف؛ فالسيئة بمئة ألف.
стр. 267
ولعلَّه يدلُّك على هذا قولُ الله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فتُوُعِّدَ بعذابٍ أليم لمجرد الإرادة، وهذا مُسَامَحٌ فيه في غير هذا المكان؛ فدَلَّ على أن المعاصي تُضاعف عقوباتهُا لشرفِ المكان.
وإني وإن كان يَبهرُني أن يُكتبَ لك مئةُ ألف قيراط في الجنة بصلاة جنازة واحدة، القيراط كجبل أحد، تصديقًا بحديث رسول الله ﷺ ؛ إلا أنه يُفزعُنِي أن نظرةً واحدة إلى وجه امرأةٍ في الحرم تُكتب بمئة ألف زَنْيَة.
الخلاصة: لماذا نعتمر في رمضان؟
(١) ليجتمع لنا أفضل الأعمال في شرف الزمان، وشرف المكان، وشرف الأعمال.
(٢) الرحلة إلى الله.
(٣) الفرار إلى الله.
(٤) الهجرة إلى الله.
(٥) التبتل والانقطاع والتفرغ لله.
(٦) صحبة رسول الله ﷺ في حجة.
(٧) مغفرة الذنوب المتقدمة.
(٨) أعالي القصور من أعالي الأجور.
ثم تعال إلى العمل نفسه: كيف نعتمر؟
كيف تعتمر ؟
(١) النية: وقد قدمنا تحريرها.
стр. 268
(٢) لا بد من تعلم أحكام العمرة قبل السفر، واعلم أن ذلك فرض عين عليك في هذا العلم، فلابد من أن تعلم كيف تؤدي العمرة على سنة النبي محمَّد ﷺ .
أحكام الإحرام: لأن كتابنا ليس كتابًا فقهيًّا؛ فإننا سنتحدث عن أسرار شعائر العمرة، ويمكنك مراجعة أحد الكتب الفقهية لإتقان الشعائر، ولكن ببساطة اعلم أن أركان العمرة أربع: الإحرام، والطواف بالبيت سبعًا، والسعي بين الصفا والمروة سبعًا، والحلق أو التقصير.
وإليك أخي أسرار الإحرام:
أولًا: تعظيم لمقام الملك ﷻ ، ألا تدخل بيته أول قدومك عليه إلا بلباس هو يشترطه.
ثانيًا: من أسرار لباس الإحرام أن تخلع كل شيء إلا ثوبين أبيضين، فهو أنقص من الكفن، فالكفن ثلاثة أثواب، لتستشعر بذلك الاستغناء عن الدنيا بأكملها، فأنت لا تحوز منها في هذا الحال إلا هذين الثوبين، غنيًّا به سبحانه وحده، مستغنيًا به عن كل ما سواه.
ثالثًا: في هذه الملابس وفرضها على كل من أحرم للحج أو العمرة شعور بأن الناس سواسية أمام الله ، فكلهم غنيهم وفقيرهم، صغيرهم وكبيرهم، الأمير والوزير، والعامل والحقير، الكُلُّ قد كشف رأسه خضوعًا وإذعانًا لذي الجلال، لا يتميز أحد على أحد، الكُلُّ قد خلع اسم دكتور أو مهندس أو وزير أو أمير، وخضع الكل لاسم عبد، وهذا من أَجلِّ ما في الموقف، أن تنسى وظيفتك ومقامك الدنيوي وَيثْبتُ لك نسبتك إلى الله عبد مربوب مقهور مطيع يلزم رسم الأدب وحدود الطاعة.
رابعًا: من أهم مشاهد الإحرام أن تشهد عند نزع ملابس الدنيا ثم اغتسالك
стр. 269
ولبس الإزار والرداء فحسب كأنه أتاك ملك الموت فنزع روحك، وغسلوك وكفنوك، فلما باشرف الأهوال قلت كما يقول كل ميت: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] وقد بقيت لك فرصة فقيل لك: ارجع، فرجعت بكفنك تنادي بأعلى صوتك .. لبيك اللَّهم لبيك، إذا استشعرت هذا، كل الذي قلته لك، استشعرته فعلا، فتخرج لبيك اللَّهم لبيك من عين قلبك بكل مشاعر وأحاسيس رجل أُعطِيَ فرصةً أخيرةً لمهلةٍ وجيزةٍ، فأقبل على ربه يقول لبيك .. أي جئتك .. جئتك .. جئتك .. ملازمًا لطاعتك .. خاضعًا لك .. مقيمًا على ذلك ..
وأيضًا من أسرار الإحرام أنه تربية شديدة دقيقة لتتعلم الطاعة المطلقة دون تدخل العقل في أوامر الله، فممنوع في الإحرام لبس ساتر خاص غير الإزار لحفظ العورة المغلظة، ممنوع الطيب، ممنوع قص الشعر، ممنوع قص الأظافر، الصيد ممنوع، والزوجة ممنوعة، سبحان الملك إنه إحرام!!
خامسًا: إحرام القلب قبل إحرام الجسد، إنك حين تنوي العمرة تبتغي وجه الله، لا بد أن يحرم القلب ابتداء بتوبة نصوح قبل الجسد، فكما يخلع الجسد ملابس الدنيا للإحرام ويلبس ملابس الآخرة، فلابد أن يخلع القلب أيضًا هم الدنيا، ويلبس هم الآخرة، فلا تلفته أثناء العمرة الصوارف ولا تقطعه القواطع.
(٤) التلبية:
لكي تلبي من قلبك؛ لا بد أن تفهم معنى كلمة لبيك، وهي في الشرع كما هي في اللغة، المقصود واحد، فافهم معناها لتلبي ولا تغني، معنى لبيك: إجابةً ولزومًا لطاعتك، وقيل معناها: اتجاهي وقصدي إليك، وقيل معناها:
стр. 270
محبتي لك، وقيل معناها: إخلاصي لك، وقيل معناها: أنا مقيم على طاعتك، وقيل معناها: قربًا منك، وقيل: أنا ملب بين يديك، أي خاضع.
والحقيقة أن معنى لبيك هو كل ما سبق .. كل ذلك؛ فقلها من قلبك.
(٥) رؤية بيت الله .. الكعبة بيت النور:
لما أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه ونسبه إليه بقوله لخليله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، تعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم، فكلما ذكر لهم ذلك البيت الحرام حنُّوا، وكلما تذكروا بُعْدَهم عنه أنُّوا ..
فلله دَرُّها من رؤية!! .. رؤية البيت .. لحظات كأنها ليست من الدنيا ..
بيتٌ خلق من الحجر .. وأضيف إلى الله فصار مغناطيس أفئدة الرجال ..
بيتٌ من وقع عليه طرفه بُشِّرَ بتحقيق الغفران ..
بيت من طاف حوله؛ طافت اللطائف بقلبه، فطوفة بطوفة، وشوطة بشوطة، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
بيتٌ ما خسر من أنفق على الوصول إليه ماله.
بيتٌ ما ربح من ضن عليه بشيء.
بيتٌ من زاره نسي مزاره، وهجر دياره.
بيتٌ لا تستبعد إليه المسافة.
بيتٌ لا تترك زيارته لحصول مخافة أو هجوم آفة ..
بيتٌ من صبر عنه؛ فقلبه أقسى من الحجارة ..
بيتٌ من وقع عليه شعاع أنواره، تسلى عن شموسه وأقماره ..
стр. 271
بيتٌ ليس العجب من بَعُدَ عنه كيف يصبر، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع!
عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: "ينزل على هذا البيت كل يوم مائة وعشرون رحمة: ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين" (١).
ولله كم في رؤية البيت من نفحات ونفحات ومعان عطرات ..
عجبًا للبيت .. عجبًا للكعبة .. أي سِرٌّ في النظر إليها .. والله إنها ليست من الدنيا هذه اللحظات ..
آياتٌ تحير الألباب .. وجمالٌ ينسيك الدنيا بأسرها .. وجلالٌ دموع العين عنه جواب .. أي سر بين البيت والعين إذا ما نظرته .. وبين دموعها ..
(٦) الطواف:
أولًا: لو لم يكن للطواف من فضل إلا قول الله ﵎: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، لكفاه. فقد استعمل الله الأنبياء لتطهير بيته للطائفين، وقدمهم على غيرهم.
قال رسول الله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير" (٢).
ثانيًا: كان رسول الله ﷺ إذا طاف بالبيت استلم الحجر والركن في كل طواف، وكان يلصق صدره ووجهه بالملتزم.
стр. 272
قال المُنَاوي: تبركًا وتيمنًا به سمي الملتزم؛ لأن الناس يعتنقونه ويضمونه إلى صدورهم، وصح أنه ما دعا به ذو عاهة إلا برئ، أي بصدق النية وتصديق الشارع والإخلاص، وغير ذلك مما يعلمه أهل الاختصاص.
عن محمَّد بن المنكدر عن أبيه قال، قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت أسبوعًا لا يلغو فيه كان كعدل رقبة يعد له" (١).
ثالثًا: عن محمَّد بن المنكدر قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه؛ كان كعتق رقبة، لا يضع قدمًا ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة" (٢).
رابعًا: الابتداء بالحجر؛ لأنه وجب عند التشريع أن يعين محَلَّ البداءةِ وجِهَةَ المشي، والحجر أحسن مواضع البيت؛ لأنه نازل من الجنة، واليمين أيمن الجهتين.
وطواف القدوم بمنزلة تحية المسجد، إنما شرع تعظيمًا للبيت؛ لأن الإبطاء بالطواف في مكانه وزمانه عند تهيؤ أسبابه سوء أدب، وأول طواف بالبيت فيه رمل واضطباع، وذلك لمعانٍ: منها ما ذكره ابن عباس ﵄، من إخافة قلوب المشركين، وإظهار صولة المسلمين، فهو فعل من أفعال الجهاد، وهذا السبب قد انقضى ومضى، ومنها تصوير الرغبة في طاعة الله، وأنه لم يزده السفر الشاسع والتعب العظيم إلا شوقًا ورغبة.
(٧) تقبيل الحجر:
وأعظم ما في الطواف تقبيل الحجر:
стр. 273
* الحجر .. وما أدراك ما الحجر!! .. إنه من الجنة .. يا الله .. من الجنة شيءٌ على الأرض ثم لا نشتاق إليه!! .. ثم لا نذرف الدموع عنده وحواليه!! .. ثم لا نلثمه بشفاه القلوب ووجيبها!! ..
قال رسول الله ﷺ : "الحجر الأسود من الجنة" (١).
وقال رسول الله ﷺ : "كان الحجر الأسود أشدُّ بياضًا من الثلج حتى سودته خطايا بني آدم" (٢)، نقل الحافظ في الفتح عن المحب الطبري قوله: في بقائه أسود عبرة لمن لا بصيرة له، فإن الخطايا إذا أَثرَّت في الحجر الصلد، فتأثيرها في القلب أشد.
يا هذا .. سودت الخطايا الحجر وهو من الجنة، وأنت من التراب ومن الأرض، فانظر سودته وهو صلد، أفلا تُسوِّد القلبَ إذا عصى وهو من لحمٍ ودم!!
* عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب".
* وقال ﷺ : "إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطًّا" (٣)، فيالجود عطاء الملك .. وياله من حجرٍ كريمٍ ميمون يأتي مَسْحُهُ بغفران الذنوب.
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا ما مس
стр. 274
الحجر من أنجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شُفي، وما على الأرض شيء من الجنة غيرُه" (١).
* عن ابن عباس مرفوعًا: "إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين، يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق" (٢)، وقال رسول الله ﷺ : "ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق" (٣).
* أخي .. لقد بوب العلماء لتقبيله وفضله والمزاحمة عليه.
فقد قبل عمر ابن الخطاب الحجر ثم قال: والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.
قال القاسم بن محمَّد: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى وقال: هوت الأفئدة إليه، فأريد أن يكون فؤادي معهم.
وعن عبد الله بن عمر أنه استلم الحجر ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يقبله.
(٨) صلاة ركعتين خلف المقام:
عن ابن عمر ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعًا، ثم صلى خلف المَقَام ركعتين (٤).
فبعد أن تنتهي من الطواف أخي الحبيب؛ صلِّ ركعتين سُنَّة الطواف خلف مقام إبراهيم، أو حيث تيسر بقدر إمكان القرب منه، ثم حاول أن تقف على
стр. 275
الملتزم بين الحجر وباب الكعبة، الصق بطنك وصدرك وركبتيك ووجهك بالكعبة، وناج ربك .. وناد ربك من قريب، وهنا تسكب العبرات وتحس بالقرب الحقيقي من باب مولاك .. ثم انطلق بعدها إلى زمزم.
(٩) التضلع من زمزم:
فضل زمزم:
* زمزم .. وما أدراك ما زمزم!! .. ركضة جبريل ﵇، هزمة الملك، سقيا إسماعيل، برة الشباعة، إيهٍ يا شرب الأبرار ..
إيهٍ يا خير ماء .. ويا سيد المياه ..
* قال وهب بن منبه: نجدها في كتاب الله، يعني زمزم، شراب الأبرار، مضنونة، طعامُ طُعم، شفاءٌ من سُقم، لا تُنْزِح ولا تُذَم.
* غُسل قلب النبي ﷺ بماء زمزم، اشرب وتضلع واغسل قلبك، عن أنس ابن مالك: كان أبو ذر ﵁ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "فرج سقفي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇ ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح، قال: من هذا؟، قال: جبريل" (١).
* خير ماء على وجه الأرض، خير ماء تشربه لتكون من خير أمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من طعم، وشفاء من السقم" (٢).
стр. 276
* لا يتضلع منه منافق، عن عثمان بن الأسود، حدثني عبد الله بن أبي مليكة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: من أين جئت؟، فقال: شربت من زمزم، قال: شربتها كما ينبغي؟، قال: وكيف ذا يا أبا العباس؟، قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا وتضلع منها، فإذا فرغت منها فاحمد الله، فإن رسول الله ﷺ قال: "إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم" (١).
هذا الحديث قرة عين للمخلصين الصادقين، ويفصح المنافقين فحذار، فإن زمزم اختبار لقلبك، والتضلع: هو الإكثار من الشرب حتى يتمدد الجنب والأضلاع، فيقال: شرب فلان حتى تضلع أي: انتفخت أضلاعه من كثرة الشرب.
* ماء زمزم لما شُرِبَ له، لماذا تشرب من زمزم؟، قال رسول الله ﷺ : "ماء زمزم لما شُرب له" (٢).
قال الحكيم الترمذي لشارب ماء زمزم:
إنْ شَرِبَهُ لشبع أشبعه الله.
إن شربه لريٍّ أرواه الله.
وإن شربه لشفاء شفاه الله.
وإن شربه لسوء خلق حَسَّنَه الله.
وإن شربه لضيق صدر شرحه الله.
стр. 277
وإن شربه لانفلاق ظلمات الصدر فلقها الله.
وإن شربه لغنى النفس أغناه الله.
وإن شربه لحاجة قضاها الله.
وإن شربها لأمر نابه كفاه الله.
وإن شربه للكربة كشفها الله.
وإن شربه لنصرة نصره الله.
وبأية نية شربه من أبواب الخير والصلاح وفي الله له بذلك؛ لأنه استغاث بما أظهره الله تعالى من جنته غياثًا.
* عن ابن عباس ﵄ قال: كنا نسميها شباعة -يعني زمزم- وكنا نجدها نعم العون على العيال.
* قال وهب بن منبه: والذي نفس وهبٍ بيده لا يعمد إليها أحدٌ فيشرب منها حتى يتضلع إلا نزعت داءً وأحدثت له شفاءً.
يقول ابن القيم عليه رحمة الله: جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض فبرئت بإذن الله.
(١٠) السعي بين الصفا والمروة:
* السر في السعي بين الصفا والمروة على ما ورد في الحديث، أن هاجر أُمِّ إسماعيل ﵇ لما اشتد بها الحال، سعت بينهما سعي الإنسان المجهود، فكشف الله عنها الجهد بإبداء زمزم وإلهام الرغبة في الناس أن يعمروا تلك البقعة، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده ومن تبعهم، وتذكر تلك الآية الخارقة لتبهت بهيمتهم وتدلهم على الله، ولا شيء في هذا مثل أن يُعْضَدَ عَقْدُ
стр. 278
القلب بهما بفعلٍ ظاهرٍ منضبط مخالفٍ لمألوفِ القوم، فيه تذلل عند أول دخولهم مكة، وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد، وحكاية الحال في مثل هذا أبلغ بكثير من لسان المقال.
* إذا دنوت من الصفا فاقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ثم قل: نبدأ بما بدأ الله به، ثم ابدأ بالصفا فترتقي عليه حتى ترى الكعبة إن أمكنك ذلك، وتستقبل الكعبة وتوحد الله وتكبره وتقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، قل ذلك ثلاث مرات، وتدعو بين التهليلات بما شئت من الدعاء المأثور، ثم أنزل لتسعى بين الصفا والمروة، فامش إلى العلامة الموضوعة عن اليمين وعن اليسار، وهو المعروف بالميل الأخضر، ثم اسعَ سعيًا شديدًا إلى العلم الآخر الذي بعده، وكان في عهده ﷺ وادَي أبطح فيه دقاق الحصى، وقال ﷺ : "لا يُقطع الأبطح إلا شدًّا" (١).
ثم امش صُعُدًا حتى تأتي المروة فترتقي عليها، وتصنع فيها ما صنعت على الصفا من استقبال الكعبة والتكبير والتوحيد والدعاء، وهذا شوط.
* ثم تعود حتى ترقى على الصفا، تمشي موضع مشيك وتسعى موضع سعيك، وهذا شوط ثان، ثم إلى المروة وهكذا حتى يتم لك سبعة أشواط نهاية آخرها على المروة، وإن دعوت في السعي بقولك: "رب اغفر وارحم
стр. 279
إنك أنت الأعز الأكرم" (١)، فلا بأس؛ لثبوته عن ابن مسعود وابن عمر والمسيب بن رافع وعروة بن الزبير.
مشاهد العبودية في العمرة:
المشهد الأول: استشعار المنة:
لا بد في البداية من معرفة فضل الله عليك بأن أذن لك بهذه العمرة، فالكعبة حُجَّةٌ لك أو عليك، الملك ﷻ أدخلك بيته .. أتستحق هذا؟، والله لا أحد من المخلوقين يستحق ذلك ولكنه فضل الله الكريم، ولو عامل الله العباد بما يستحقون؛ فمن ذا الذي يستحق أن يدخله الله بيته؟!، فلذلك ينبغي أن تظل مستشعرًا فصلى الله عليك، أن أكرمك، وأدخلك بيته؛ فاحمده على ذلك.
الكعبة حجةٌ لك أو عليك، فكم من أناسٍ أكثرُ منك مالًا، وأصح منك جسمًا، وأعلى منك همة في طلب الدنيا؛ ولكنه لم يذهب إلى العمرة أليس كذلك؟ .. وكم من أناس معهم المال الكثير ويستطيع أحدهم أن يأتي بتأشيرة العمرة في ساعة واحدة وهو جالسٌ في بيته؛ أو لا يحتاج إلى تأشيرة أصلًا بل هو من أهلها ولكنه حُرِمَ من العمرة؛ لأنه لا يهتم بذلك، لا يعنيه ذلك، لم يقذف الله في قلبه هذه الرغبة، ليس عنده شوق إلى بيت الله؛ لذلك نريد الشوق إلى بيت الله ..
كنتُ جالسًا ذات يوم في الحرم أمام الكعبة وفوجئت ببعض الإخوة يقولون: تعالى يا شيخ من فضلك، قلت: ماذا حدث؟، قالوا: هناك رجل نريد أن تراه، دقيقة واحدة، لن نأخذ من وقتك كثيرًا، فذهبت معهم،
стр. 280
فوجدت رجلًا كبير السنن يرتدي ملابس الإحرام ويجلس على الأرض فقالوا: هذا الرجل طاف ثلاثة أشواط فقط من طواف العمرة ولا يريد أن يكمل الطواف، فقلت له: لماذا يا حاج؟، هل أديت العمرة؟، قال: لا، قلت: فلابد أن تطوف سبعة أشواط، فقال: لقد تعبت، قلت: إذا نأتيك بكرسي متحرك لتكمل عليه الطواف، فقال: لماذا، وهل أنا مقعد مشلول؟!
فقلت: لا عليك، استرح قليلًا، نم ساعة أو ساعتين في الفندق ثم تعال اعمل عمرة من البداية مرة أخرى، أو تكمل الطواف بعد أن تستريح الآن، يمكن أن تستريح ثلث ساعة ومادام الفاصل لم يطل أكمل الطواف وليس ثمة مشكلة، هيا أكمل أربعة أشواط أخرج؛ فقال: لا، يكفي ذلك!، قلت: إذًا ارجع ولكن احتفظ بثياب الإحرام ثم تعال غدا لتؤدي العمرة، فقال: لا، لقد مللت من هذه الثياب وسوف أخلعها!، عندئذ شعرت أني سأجن .. ماذا حدث؟!، كم من ملايين الناس يتمنون المجيء إلى هنا ولا يستطيعون، وهذا يأتي أمام الكعبة ولا يريد إكمال العمرة!!.
ولما جلست وحدي أخذت أفكر في هذا، فللَّه الحجة البالغة، قلت: هذا من باب إقامة حجة الرب على العبد؛ لأن العبد يظل يقول: يا رب أريد أن أعتمر .. أتمنى عمرة .. لو أديت العمرة فسوف أهتدي وسوف تتحسن أحوالي، وحتى لا يأتي يوم القيامة ويقول: يا رب لو وفقتني لعمرة لاهتديت، فيقول الله له بهذه المواقف: بل هأنذا أعطيك عمرة، وأتيت بك حتى وصلت إلى بيتي، ولكنك لم تهتد ولم تتحسن، فيكون وجود الكعبة وذهابك إلى هناك وأدائك للعمرة من باب إقامة الحجة عليك أو لك.
стр. 281
المشهد الثاني: شعار العمرة .. لبيك لبيك، لا تنس ملازمة الطاعة والعبادة:
أيها الإخوة، إنك إذا ذهبت إلى العمرة، فلابد أن يكون لك برنامج تقوم به، تفاجأ بأن كثيرًا من الناس يضيع وقته في لا شيء، لا يدري أين يذهب، ولا يدري ماذا يصنع، ويبحث عن الشيخ فلان والشيخ فلان فيقول: رأيت الشيخ فلانًا هنا، وتجد من يذهب يتجول في شوارع مكة، ويهتم بالشراء والتليفونات وشراء الملابس والهدايا.
لماذا جئت؟!!، هذا السؤال لا بد أن يحكم تصرفاتنا، لماذا جئت؟.
لا بد من برنامج: ستطوف كم مرة في اليوم؟، ولا تقل لي: كيف أكثر من الطواف مع هذا الزحام؟، بل طف وأكثر من الطواف.
واعلم أن الزحام رحمة، كان علي بن أبي طالب ﵁ يجلس في الحرم، فرأى رجلًا يطوفُ وهو يحمل أُمَّه على رأسه؛ فأسرع وقام وطاف خلفه، ثم بعد أن قضى طوافه قال: والله ما كانت لي رغبةٌ في الطواف غير أني لما رأيت هذا يطوف وهو يحمل أُمه؛ ظننت أن سينزل الله عليه رحمة؛ فأردت أن يصيبني شيءٌ منها.
لذلك أقول لك: قد يكون من بين هؤلاء الطائفين رجلٌ مرحوم فتنزل عليه وعليك رحمة، أنت لا تدري من الذي سيرحم في كل هؤلاء، ولا تدري من هو المخلص في كل هؤلاء الناس، لا تدري من في هؤلاء الناس ينظر الله إليه برحمة، فلا تخف من الزحام.
يوم في حياة معتمر:
رَتِّب لك برنامجًا، ولو أردنا أن نضع برنامجًا يوميًّا ثابتًا فسيكون لأصحاب
стр. 282
الهمة العالية الراغبين في الفردوس الأعلى من الجنة، الذين يريدون أن يرجعوا من العمرة وقد رضي عنهم ربهم؛ فأقترح عليك:
١ - أن تطوف في اليوم أربع مرات.
٢ - تقرأ كل يوم عشرة أجزاء لتختم كل ثلاثة أيام.
٣ - تصلي مائة ركعة في اليوم.
٤ - استغفر ألف مرة.
ولا أقصد ألف مرة تحديدًا وإنما للتكثير، لا أقصد تحديد العمل وإنما أقصد كثرة العمل، لو عشت حياتك الإيمانية هكذا في مكة أثناء العمرة تكون قد وصلت للهدف من العمرة، وإياك والمشاغل الفارغة هناك.
* وأريدك وأنت تصلي في الحرم أن ترى الكعبة أمامك، دعك من أولئك الذي يصلون على السطوح بحجة أن صحن الطواف مزدحم وفيه نساء، أريد أن تظل الكعبة أمام عينيك طول الوقت؛ لكي تؤثر فيك، وتلهب مشاعرك، وتوقظك، وتفيقك، اقترب منها، فقد تنزل عليها رحمة فتنال منها نصيبًا، والقرب من الكعبة أيضًا يجعلك في وقار واحترام .. يجعلك في هيبة واحتشام على الداوم.
* وأنبهكم إلى أن النبي ﷺ قال: "وصلاة في مسجد الكعبة بمائة ألف صلى فيما سواه" (١)، الصلاة في المسجد بمائة ألف صلاة، وخارج باب الحرم بواحدة.
المقصود: اجعل لك برنامجًا ولا تترك نفسك على هواها، والتزم ونافس
стр. 283
غيرك، وتابع وحاسب كل ليلة، في هذا البرنامج تنوي أن تطوف أربع مرات في اليوم، هذا على الأقل، قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت أُسبوعًا لا يلغو فيه غفر له ما تقدم من ذنبه" (١)، قف أمام الحجر الأسود وارفع يدك لتشير إليه، وانو بقلبك الطواف، واجعل في نيتك أنك ستطوف ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك.
وتجد من يأتي ليسأل: لو لمست امرأة في الطواف ينتقض وضوئي أم لا؟، إذا أحسست أنك مسستها توضأ، ولكن الأصل أنك تطوف بكل جوارحك فلا تشعر بأي شيء يحدث حولك.
طف حول الكعبة .. حول بيت ربك وعينك على الكعبة، وتخيل كيف كان سيدنا إبراهيم يبني وإسماعيل يساعده .. وكيف كان المشهد عندما كان النبي ﷺ يضع الحجر الأسود .. تتذكر عبد الله بن مسعود عندما ضرب وهو يقرأ سورة الرحمن .. تطوف بالكعبة وتذكر سيدنا موسى وهو يطوف حولها.
تتذكر النبي محمَّد ﷺ -وهو مضطجع في ظل الكعبة وخباب بن الأرتّ يقول له: يا رسول الله، ألا تدعو لنا؟، ألا تستنصر لنا؟.
تلك هي الحياة وهذا هو الإيمان، تلك هي الطاعات، هذا هو الطعم واللذة الحقيقية.
نحتاج أن نطوف في ذروة الحر ولا نبالي ولو مرة واحدة، وفي ظلمة الليل ولا نبالي بالنوم .. وفي شدة الزحام وتشعر أنك تطوف وحدك .. عيشوا هذه الحياة أيها الإخوة .. عيشوا هذه المعاني، دعوكم من هذه الحياة الكدرة التي نعيشها هنا .. لنتخلص منها قليلًا، ولنعش معاني الإيمان بقلوبنا.
стр. 284
الركعة هناك بمائة ألف كما أخبر النبي ﷺ ، والله يقول: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقال النبي ﷺ لربيعة بن كعب الأسلمي: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (١)، وقال لثوبان: "عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة" (٢).
صل ألف ركعة .. صل ألفي ركعة .. صل عشرة آلاف، وهناك يستحب عدم إطالة الصلاة بل تُكْثِرُ الركعات، فليس من الفقه أن تمسك المصحف وتظل طوال الليل في ركعتين، بل زد عدد الركعات.
ومن عجيب أن ترى من يجلس والإمام في الصلاة، الإِمام يصلي القيام وهو يجلس يتكلم في الدنيا، قم يا بني صَلِّ، يقول لك: الرسول ﷺ لم يزد في رمضان ولا غيره على أحد عشرة ركعة، ويظل يناقش ويخرج بغير فائدة.
دعك منه.
أكثِرْ الصلاة، صلِّ صلاة الضحى من بعد الشروق حتى قبل الظهر بثلث ساعة، صل خمسين أو ستين ركعة من الظهر إلى العصر، ومن المغرب إلى العشاء، ومن العشاء إلى الفجر، صل ركعات كثيرة .. الركعة بمائة ألف، ولا تدري ماذا سيقبل؟، ربما تقبل سجدة فترحم بها، صَلِّ وزِد في الصلاة واستشعر معانيها.
المشهد الثالث: أنت هنا في بيته، فاطلب وأنت قريب:
ومن العجيب أنك تجد في الطواف مجموعة من الناس يمشون خلف واحد منهم يمسك كتابًا ويقرأ أدعية الطواف: دعاء الشوط الأول، وهم يرددون
стр. 285
خلفه بغير أي فهم لما يقول: هل هو يقرأ أم يدعو؟، هل هم يرددون فقط أم يدعون ويطلبون من الله ﷻ ؟ .. دعك من هذا الكلام الرسمي.
أريدك أن تدعو من قلبك .. قل ما في قلبك .. اطلب من الله ما تريده .. اُشكُ لربك .. قل:
يا رب، أنا متعب .. أنا ضعيف .. ومفتون.
يا رب .. هذه المعاصي التي ارتكبتها لا أدري كيف تجرأت على فعلها! ..
يا رب، خذ بيدي .. يا رب تب عليَّ ..
يا رب اصرف عني السوء والفحشاء والمعاصي .. يا رب نجني .. يا رب لو تركتني سأضيع ..
يا رب ليس لي غيرك، قل ما في نفسك وادع الله بما في قلبك ودعك من التكلف، واستشعر عظمة الطواف، واستشعر وأنت تطوف وعينك على الكعبة أنك تكلم الله من جوار بيته .. يا رب .. جئتُ إليكَ في بيتك فهل ستطردني؟!
يا رب، إن كل مزور يكرم زائره، وقد جئتُ إليك، فهل تتركني أرجع بذنوبي كما جئت بها؟!، يا رب، أنت أكرم .. أنت أعظم .. أنت أحلم ..
يا رب، اغفر لي .. لن أرجع مرة أخرى إلى داري محملًا بالذنوب، وإلا فالموت هنا أفضل لي .. يا رب، اقبض روحي أمتني، لكن لن أرجع كما جئت .. يا رب، جئت إليك وأنت الطبيب تعالجني ..
هكذا كلِّم ربك، ناجه واطلب منه .. اشك إليه ..
ابدأ دعاءك بحمد الله ثم الصلاة على رسول الله ﷺ ، فإن النبي ﷺ سمع