← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13580

أسرار المحبين في رمضان

محمد حسين يعقوب

Полный текст (368 стр.). Показаны 351–368 · переход к 356.

стр. 351

أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر تضييع الأوقات، فكما كنت حريصًا على الوقت في رمضان حافظ عليه بعده. أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن حافظ على الشحنة الإيمانية الكبيرة التي معك وزد عليها ولا تنقص. أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن هل أنت حزين بانتهاء الشهر أم فرحان؟ أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن أريدك أن تقارن بين قلبين: قلبك في رمضان، وقلبك بعد رمضان .. انظر وتأمل. أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن سل نفسك: هل أنا بعد رمضان مقبلٌ على الدنيا بقلبي وعقلي أم أن الآخرة مازالت أكبرَ همي؟ أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر أن ينتهي الصيام بانتهاء رمضان. أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن السعيد من استعد ليوم الوعيد. أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر من الاعتماد على ما قدمت؛ فإن من يحب مولاه يواصل السير إليه. أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر الالتفات والمكر؛ فالله معك يسمعك ويراك. أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن اعلم أن الحقيقة، حقيقة القلب لا الظاهر فحسب، قال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا في نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]. أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر ضياع التقوى التي حصلتها. أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر أن يقال لك: تعازينا ..

стр. 352

وليت شِعري من هذا المحرو فنعزيه؟ حتى يرى أن مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا، وأن التفسير الذي يكون في عمله الصالح ينبغي أن يكون أشد عليه من ضره في بدنه أو ماله، وأنه مهما أصابه من مصائب الدنيا، فحق جبرانها وتعويضها مضمون، وأما مصيبة الدين فحظه من الله قد ذهب، وحظه من الآخرة قد ولَّى. مقتضيات الحرمان: فليت شِعري كيف يستدرك ذلك، وقد فات وذهب بذهاب أيامه وأزمانه؟ أولًا: الإقرار بظلمه لنفسه: ليت شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، وكلنا ذلك المحروم، حتى يعلم أن ما أصابه بكسبه ومرذول عمله وسيئاته في قصده ووجهته، وأن ذلك مع إحسان الله وفضله غيرُ لائقٍ منه، وغيرُ مناسبٍ لعقله وإيمانه، وأن الله تعالى لم يظلمه شيئًا، ولكن ظلم نفسه. قال سبحانه في الحديث القدسي: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (١). ثانيًا: التنبه لشؤم السيئات: ليت شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، ويعلم أن هذه السيئات والتفريطات إنما هي نتاجُ سابقِ السيئاتِ والتفريطات، وأن جزاء الحسنةِ التوفيقُ لحسنةٍ بعدها، وأنَّ عقوبة السيئة الخذلان حتى يقع في سيئةٍ تتلوها وتكون بعدها.

стр. 353

ثالثًا: لزوم الوقوف بالباب: ليت شِعري من هذا المحروم حتى نعزيه؟، ويكون عزاؤنا أن فضل الله الواسع يقتضي لزوم الوقوف بالباب، وألا يفارق العبد باب ربه مهما كان من ظلم العبد أو سوء فعله، فلا يزال من الله الكرم والجود، وإن كان من العبد البخل والإمساك، ولايزال من الله الإحسان والعطاء، وإن كان من المكلفين الإساءة وسوء الفعل. رابعًا: لزوم التوبة: ليتَ شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، ويعلم أنَّ الله يبسط يده بالله ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلع الشمس في مغربها، ويعلم أن باب الله لا يزال مفتوحًا، وأن الله تعالى لا يرد توبة التائب "لله أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " (١). فلا تزال التوبة متاحة ما لم تبلغ روحك أيها المحروم حلقومك، فمتى أمدك الله وأفسح في أجلك فلا تزال مدةُ تراجعِك قائمة، لايزال أمرُ توبتِك لازمًا غير معفيِّ أنتَ منه. خامسًا: إصلاح العمل: ليتَ شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، حتى يعلم أنه لا بد له من أن يصلح عمله؛ حتى يكون عمله ذلك بالنية الخالصة لرب العالمين .. وحتى يكون عمله ذلك وَفْقَ سنة النبي ﷺ ..

стр. 354

وحتى يكون عمله ذلك خاليًا من آفة الغرور وآفة العجب، فلا يرى عملًا يُعجبُ به؛ بل يرى فضل الله الذي يستوجب انكساره وذله لربه، صاعلانه بالعجز عن شكره، ولا يرى نفسه التي تأدى منها العمل، بل يرى نفسه التي هي أسباب القصور في العمل والعجز عن القيام بحق الله تعالى. سادسًا: إنما يتقبل الله من المتقين: قال علي ﵁: "كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتمامًا بالعمل، ألم تسمعوا الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وقال بعضهم: لأن أكون أعلم أن الله يتقبل مني مثقال حبَّة من خردل أحب إلى من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وقال بعضهم: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم رمضان. كل ذلك يعني أن رمضان بذهاب أيامه ينقض، وأن وظائف رمضان لا تزال قائمة، وأن ما كان من عمل في رمضان فلا يزال ينادي على المكلفين ويستتبع اهتمامهم بقبول ذلك العمل، بعد ما وقع منهم العمل، فقد كانوا يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا، وكان خوفهم ألا يقبل منهم عملهم أشد عليهم من العمل نفسه، فما يذهب بذهاب مواسم الطاعات الإقبال على الله ، ولا الاهتمام بالأعمال الصالحات. بل إذا ذهبت مواسم الطاعات؛ بقي بعد ذلك استكمال حقوق هذه الطاعات، واستتمام ما يكون من لوازمها، من النظر فيها، والتفتيش في آفاتها، والحذر من إفشائها؛ حتى تكون أبعدَ عن الرياء.

стр. 355

تعازينا .. تعازينا أيها المحروم، تعازينا؛ أيها المحروم جَبَرَ الله مصيبتك؛ ولكن لم تنته الدنيا بانتهاء رمضان ومازال في العمر بقية، ومازال ربنا ﷻ يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فتب وقد تاب الله عليك. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن لا تيأس: ﴿أَلًا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، إذا كان في الصوم دعوة مستجابة؛ ففي كل ليلة ربك يقول في الثلث الآخر: "هل من سائل فأعطيه"، ما زالت أمامك فرصة لم تنته، القضية أنك لن تُخَلَّد في جهنم مادمت مُوحَّدًا، مازالت أمامك فرص. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن قف لتنظر من أين أُتيت، لم خُذِلت، بمَ انتكست، لا شك أنه من عند نفسك ﴿رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، الفرص كانت أمامك متاحة وأنت خَذلت نفسك، أنت أوكستَ نفسَك، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]؛ فلذلك قف لتتخلص من النفس الأمارة بالسوء، قف لتتأمل كيف ضاع منك رمضان كما ضاع سنين، قف فالمؤمن لا يُلدغ من جُحْرٍ واحدٍ مرتين. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن إن كان قد ضاع منك رمضان؛ فإن الله الحيَّ باقٍ معك على الدوام، يدعوك للإقبال عليه والإنابة إليه؛ فأقبل تُقبل. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن اعلم أن أبواب الرحمات مفتوحة طوال العام، قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقبل توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها" (١).

стр. 356

أيها المحروم، تعازينا؛ ولكنك لازلت حيًّا تستطيع أن تستدرك ما فاتك؛ بالتوبة والعزم على استغلال رمضان القادم من الآن؛ فاستعد. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن اعلم أن مواسم الطاعة متنوعة وكثيرة، ومن فضل الله علينا أنها في كل شهر، فبعد رمضان ستٌّ من شوال، ثم عشرٌ من ذي الحجة، ثم الحج، ثم شهر المحرم، وهكذا مواسم وطاعات طوال العام. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أمامك صيام الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وقيام إحدى عشرة ركعة يوميًّا، والصدقة، وقراءة القرآن وغير ذلك، فهي أبواب للخير في رمضان وغيره؛ فأقبل ولا تحزن. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن حاول أن تقوم بعمرة في الفترة القادمة؛ لتعوض ما فاتك وتجبره. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن لا تخف ولا تحزن؛ فالكريم سبحانه شكورٌ يشكر على القليل، ثم ينميه، ولكن بشرط الإخلاص. أيها المحروم، تعازينا؟ ولكن اقتنص كل فرصة بعد ذلك تأتيك في طاعة الله. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن قل: قَدَّرَ الله وما شاءَ فعل، وتعلَّم من أخطائك حتى تتقدم بعد ذلك. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن في لحظة تستطيع أن تكون وليًّا حقًّا .. تقيًّا حقًّا، بالتوبة والإقبال على الله، والندم على ما فات، والعزم على الإصلاح. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن لا تيأس؛ فإنه ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن معك سلاح قوي تستطيع أن تفتح به كل مغلق وهو الدعاء، فالزم التضرع والافتقار.

стр. 357

أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن ندمك على ما فاتك يُرضي الله عنك فيرحمك، فأبشر مادمتُ نادمًا عازمًا. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أبشر فأنت مسلمٌ موحد تصلي وتذكر الله وتحب نبيك محمدًا ﷺ فيرجى لك ومنك الخير. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن حاول مرة أخرى، وتأسَّ بالنمل، المخلوق الضعيف الذي يحاول مرات ومرات؛ حتى يسلك الطريق الذي يريده. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أبشر؛ فإن لك ربًّا هو الله، الغني القوي الحنَّان المنَّان الملك الرحمن الرحيم الودود اللطيف يقول: "من تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا". أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أبشر بجنةٍ عرضها السموات والأرض إن استقمت وعُدْتَ إلى الله. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن لازالت معك الجوهرة العظيمة، والمعجزة الخالدة، تراها وتمسكها بيدك: القرآن الكريم، فاسعد به واتْلُهُ ليلًا ونهارًا. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أبشر وتفاءل بندمك وتوبتك وتحسرك على ما فات منك، فتلك علامة صحة قلبك، وادع الله أن يبلغك الخير. أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن انتظر أن نقول لك: تهانينا. ليت شِعري من المحروم فنعزيه؟، حتى يحبس نفسه على طاعة الله ويمنعها من مألوفاتها ومحبوباتها وشهواتها، ويعلم أن ذلك الحرمان إنما أصابه لاستغراقه في تحصيل شهواته، ولتركه سنن النبي ﷺ حتى قعدت به عاداته ومألوفاته عن فوزٍ عظيم. يا حسرةً على ما فاته!! .. من صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن لا يعصي الله تعالى؛ فإنه

стр. 358

مقبولٌ بغير حساب ولا عذاب، ومن صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن يعصي الله تعالى، فصومه مردود عليه، وعمله غير مقبول منه. فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه؟، حتى يكون عزاؤنا له إلزامًا له ببداية توبته واستكمال استقامته، وحذره من أن لا يأتيه رمضان آخر، حتى يكون ذلك تحذيرًا له من أن يأتيه الموت بغتة، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٩]. وقد يسأل: كيف أعرف أنني من المقبولين ؟ والجواب والله أعلم: (١) أن يجد قلبه أقرب إلى الله، وآنس به وأحب إليه، فهذه ثمرة الطاعة وعلامة القبول. (٢) أن يحب الطاعات ويقبل عليها، ويشعر أن أبوابها تتفتح له وييسر له فعلها، ويشعر أن أبواب المعاصي تغلق عنه ويصرف عنها، ويكرهها ويستنكف عن فعلها. (٣) أن لا يفقد الطاعات التي كان يقوم بها في رمضان، بل يواظب عليها، بل ويستحدث بعد رمضان أعمالًا لم تكن له قبل رمضان. (٤) أن لا يعود إلى الذنوب التي تاب منها في رمضان، فقد تكلم العلماء فيمن تاب من ذنب ثم عاد إليه، أن هذا دليل على أن توبته لم تقبل؛ لأنها لو قبلت لما عاد إلى الذنب مرةً أخرى، لذلك ثبت في الحديث أن "من أساء في

стр. 359

الإِسلام أخذ بالأول والآخر" (١)، أي عوقب بذنوبه السابقة أيضًا؛ لأن في الإساءة بعد التوبة حبوط للتوبة، ولعل من أسرار هذا، الأمر بالعمل الصالح بعد التوبة، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وقال رسول الله ﷺ : "وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحها" (٢)، فاشتراط العمل الصالح بعد التوبة حزمُ في منع الرجوع إلى الذنب. (٥) استشعار المنة، وعدم الإدلال بالعمل: قد يبتلى العبد بعد رمضان بشعور غامر أنه أدى ما عليه، وحبس نفسه في رمضان عن أشياء كثيرة مما يشتهيه، فتجده يوم العيد عاصيًا!!، وهذه من علامات عدم القبول، أن ينقلب على عقبيه بعد رمضان مباشرة، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ولذلك من علامة القبول أن تجده خائفًا على العمل وجلًا ألا يتقبل، مستشعرًا فضل الله ونعمته عليه، متحدثًا بذلك، شاكرًا لأنعم الله، مواصلًا للذكر. (٦) ذكر ابن رجب -عليه رحمة الله وبركاته- أن من علامات قبول رمضان: صيام ستٍّ من شوال، وذكر لصيام الست فوائد عظيمة لا أستطيع أن أغفلها، فخذها هنيئًا مريئًا، وافرح إن صمت الأيام الست بهذه النيات، ولعل فهمك لهذه الفوائد وعملك بها رزق ساقه الله إليك ليقبلك، فهيا أيها المقبول أبشر بعد أن تعمل:

стр. 360

فوائد صيام ستٍّ من شوال بعد رمضان: (١) تحصيل ثواب صيام الدهر: وذلك أن صيام الدهر -والله يجزي على الحسنة عشر أمثالها-يعني أن يكتب للعبد صيام عشرة أشهر مقابل صيام شهر رمضان، ويكون صيام الستة أيام قائما مقام ثواب صيام شهرين آخرين، فيكون العبد بذلك قد استكمل ثواب صيام دهره. (٢) صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرائض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، كما ورد عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، وأكثر النأس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن يقول الرجل: صمت رمضان كله أو قمت رمضان كله، قال الصحابي: لا أدري أَكرِهَ التزكية، أم لا بد من غفلة. وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: من لم يجد ما يتصدق به فليصم، يعني من لم يجد ما يخرجه صدقةً للفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر؛ فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في تكفير السيئات، كما يقوم مقامه في كفارات الأيمان وغيرها من الكفارات. (٣) معاودة الصيا بعد صيام رمضان علامةٌ على قبول صيام رمضان؛ فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبدٍ وفقه لعملٍ صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها؛ كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة، كان ذلك علامةَ رد الحسنة وعدم قبولها، فمن رام أن يعلم مدى قبول عمله من ذلك، فليعود نفسه على الصيام والقيام من جديد حتى يكون صيامه الثاني علامةً قبول صيامه الأول، وحتى يكون قيامه الآخر علامةً على قبول قيامه السابق عليه.

стр. 361

من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها، فعلامة قبولها أن يصلها بطاعةٍ أخرى، وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية .. ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها، وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها .. ذنبٌ واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبًا قبلها، النكسة أصعب من المرض وربما أهلكت، سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلب القلوب، ومن الحَوْر بعد الكَوْر، ما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة، وأفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة. (٤) صيام رمضان يستوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، وأن الصائمين لرمضان يوفَّوْن أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز، فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرًا لهذه النعمة، فإن شكر النعمة إنما يكون بفعلٍ من جنسها؛ حتى يكون الصيام نعمةً تستوجب شكرًا بصيام آخر، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، ألم تر أن رسول الله ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه، فيقال له: تفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، فيقول ﷺ : "أفلا أكون عبدا شكورا" (١)، فكان قيامه ﷺ ذلك القيام الطويل حتى تتورم قدماه .. ثم حتى تتفطر قدماه .. ثم حتى تتشقق قدماه بعد تورمها، كل ذلك شكرًا لله على مغفرته لذنوبه. وقد أمر الله عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره نقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرًا عقيب ذلك.

стр. 362

كان بعض السلف إذا وُفِّقَ لقيام ليلة من الليالي؛ أصبح في نهارها صائمًا، ويجعل صيامه شكرًا للتوفيق للقيام. وكان وهيب بن الورد يُسأل عن ثواب شيءٍ من الأعمال كالطواف ونحوه فيقول: لا تسألوا عن الثواب، ولكن سلوا ما الذي على مَنْ وُفِّقَ لهذا العمل من الشكر، للتوفيق والإعانة عليه. كل نعمةٍ على العبد من الله في دينٍ أو دنيا تحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدًا فلا يقدر العبد على القيام بشكر النعم، وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر. (٥) أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان؛ بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيًّا، وهذا معنى الحديث أن الصائم بعد رمضان كالكارّ بعد الفار، يعني كالذي يفر من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه، وذلك لأن كثيرًا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان؛ لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه، ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعًا، فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تَكَرَّهَ به. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل" (١)، وفُسر بصاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، كلما حل ارتحل، والعائد إلى الصيام سريعًا بعد فراغ صيامه، شبيةٌ بقارئ القرآن إذا فرغ من قراءته ثم عاد إليه، في المعنى، والله أعلم.

стр. 363

(٦) في صيام هذه الأيام الستة من شوال استدراكٌ لما فات العبد من وظائف الصيام، من وظائف إصلاح نفسه، وإقامتها على أمر الله ، ومن الوظائف المرجوة كذلك من الصيام من الإحسان إلى الفقراء، ومن إدراك نعمة الله في الأموال، ومن شكر نعم الله ، ومن تخلي العبد للذكر والفكر، فإن شأنه في الفطر أن يكون مشغولًا عن الذكر والفكر، والصيام معينٌ له على ذكر الله والتفكر في آخرته. (٧) في صيام أيام شوال إعلانٌ ببقاء وظائف العبادة ما بقى العبد دهرَه؛ فليست تذهب مع المواسم الطاعات؛ بل إن ذهبت المواسم فلا يزال الله أهل العفو وأهل المغفرة، ولاتزال مغفرة الله وعفوه يُرْجَوان بالعبادة من الصيام والقيام، فما تنقضي أبد الدهر وظيفةُ الصيام، وما تنقضي مدة حياة العبد وظيفة القيام وتلاوة القرآن. (٨) في صيام هذه الأيام من شوال، وفي إتباعها رمضان من غير مهلة ولا تراخ، إعلان بعدم سآمة العبد من العبادة، وأنه لم ينتظر ذهاب رمضان وانقضائه، وأنه ما مَلَّ وقوفه بباب ربه، وما سَئِمَ التعرض لفضله وعطائه ونواله، وأنه لايزال باقيًا مُصِرًّا، باقيا على وظيفة العبادة، مصرًّا على التعرض لفضل الله وعطائه. مسألة قضاء رمضان أولًا أم ست من شوال؟ عن أم سلمة أنها كانت تأمر أهلها: من كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفطر، فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوال؛ فإنه أسرع لبراءة ذمته، وهو أوْلى من التطوع بصيام ستٍّ من شوال، فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض، هل يجوزَ أن يتطوع قبله أم لا؟، وعلى قول من جوز التطوع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة أيام من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال.

стр. 364

فمن كان عليه قضاء من رمضان ثم بدأ بصيام ستٍّ من شوال تطوعًا لم يحصل له ثواب من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال؛ حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة أيام من شوال أجر صيام السنة بغير إشكال. ومن بدأ بالقضاء في شوال، ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ستٍّ من شوال بعد تكملة قضاء رمضان كان حسنًا؛ لأنه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال، ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان؛ لأن صيام الست من شوال إنما يكون بعد إكمال عدة رمضان. ومن علامات القبول أيضًا: ١ - إذا كنت بعد رمضان تسارع إلى الطاعات محبًّا لها، وتترك المعاصي أنفةً منها؛ فتلك من علامات القبول، وإذا رأيت أبواب الخير تفتح لك مثل البكاء، ورقة القلب، والسهر، وقلة النوم فهذه من ثمرات رمضان أيضًا، كما هي في رمضان أو أزيد، فهذه من علامات القبول. ٢ - إذا كنت بعد رمضان أفضل مما كنت عليه قبل رمضان، وتستشعر أن لك قلبًا جديدًا ينبض بحب الله، وتحس أنك تحب ربك أكثر، وتحب ذكره والقيام بين يديه، وتحب شكره وتحب الإقبال عليه، فهذه من علامات القبول. حراسة الطاعات: ثم إنه أيها الأحبة في الله إذا كان حَقٌّ كل عمل إذا صُحِب بالإخلاص، فكانت النية فيه غير مشوبة برياء أو سُمعة؛ كان لا بد في ذلك العمل من حراسة له؛ حتى لا يتطرق إليه ضرب من ضروب الخلل.

стр. 365

والحراسة تكون: أولًا: بالحذر من الإدلال بالطاعة: أول ذلك حراسة ذلك العمل من أن يحصُلَ من العبد به مَنٌّ على الله ، أو على خلقه، فما يرى ذلك العمل حتى ينتظر حقًّا يتقاضاه من الخلق، أو شيئًا يوجب له شيئًا آخر من الرب ، فهو وإن كان ثَمَّ عمل، فلا يزال يرى نفسه أقل إخوانه وأكثرهم ذنوبًا وأشدهم عيوبًا، فما له عليهم حَقُّ يتقاضاه بعمله. وهو كذلك لا يُدِلُّ بذلك العمل على ربه، لا يرى أنه صنع شيئًا له على الله به حق أو دلال، فما يرى ذلك العمل نعمة الله التي تستوجب منه شكرًا آخر، وسعيًا موصولًا، واجتهادًا غير منقطع إلى الممات. ثانيًا: بالحذر من العجب: حَقُّ العمل بعد إنقضائه الحذر من أن يدرك النفس به عجبٌ، ودفع العجب بشهود منة الله عليك، وتقصير نفسك، فتندفع رؤيتك لعملك، حين تكون مستغرقًا برؤية نعمة الله لا برؤية عملك. ثالثًا: بالحذر من الغرور: وحق ذلك العمل بعد انقضائه حذر النفس من الغرور، فغرورها مبنيٌّ على نسبة ما كان من السعي لكسبها، ومن العمل لتحصيلها، وهي نسبة كاذبة غير صحيحة، فما كان من سعي أو كسب؛ فذلك فضل الله ، عطاؤه ومنته، إحسانه وجوده، لا نسبة لشيءٍ من ذلك للعبد ألبتة. رابعًا: بالمداومة على الطاعات: وحق ذلك العمل بعد انقضائه أن يعلم المرء أن علامة قبوله إنما هي

стр. 366

التوفيق لنظائره وأمثاله بعد انقضائه، وأن يعلم أن انقضاء موسم ذلك العمل يعني استجماع عدوِّه قوتَهُ في حبسه عن المزيد من ذلك العمل، حتى يجمع العدو اللعين كل الموانع والقواطع عن الصيام والقيام وتلاوة القرآن، فيحصل بعد رمضان انحدار شديد لما كان من الأعمال الصالحة بذهابها وفواتها. خامسًا: بالاستعانة بالله لدفع الشواغل: فحق تلك الأعمال التي أوتيتموها وأعانكم الله عليها أن تحذروا لها من مكايد العدو المتربص بها، حتى إذا جمع الشواغل، وكَثَّر الهموم والموانع والقواطع؛ كان عندكم من استعانتكم بالله ، واستمدادكم لقوته، كان عندكم من ذلك ما يدفع الشواغل والموانع والقواطع، وإلا فإن أي استسلام لذلك يعني ذهاب رمضان وانقطاعه بأعماله الصالحات، ويعني رجوع العبد إلى مرذول عاداته وسئ مألوفاته التي هي حبسٌ عن الله ، وانقطاعٌ عن السير إليه، وتقصيرٌ في تحصيل أسباب النجاة. إخوتاه .. اعلموا أن الراحة لا تُنال بالراحة، ومعالي الأمور لا تُنال بالفتور، ومن زرع حصد، ومن جد وجد. لله دَرُّ أقوامٍ شغلهم تحصيلُ زادهم عن أهاليهم وأولادهم، ومال بهم ذِكرُ المآل عن المال في معادهم، وصاحت بهمُ الدنيا فما أجابوا شُغْلًا بمرادهم، وتوسدوا أحزانهم بدلًا من وسادهم، واتخذوا الليل مسلكًا لجهادهم واجتهادهم، وحرسوا جوارحهم من النار عن غيِّهم وفسادهم. أقبلت قلوبهم ترعى حَقَّ الحَقِّ؛ فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق. فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى، والقلوب في رياض الملكوت ترعى.

стр. 367

نازلهم الخوفُ فصاروا والِهين، وناجاهم الفكرُ فعادوا خائفين. وجَنَّ عليهمُ الليلُ فباتوا ساهرين، وناداهم منادي الصلاح: حيَّ على الفلاح، فقاموا متجهين. وهبَّت عليهم ريحُ الأسحار فتيقظوا مستغفرين، وقطعوا بند المجاهدة فأصبحوا واصلين. فرجعوا وقت الفجر بالأجر .. فيا خيبةَ النادمين. إخوتي في الله .. إن عمل الصالحات لا ينقطع عنك ما دامت فيك روح .. فعل الطاعات لا يسقط عنك ما دام يتردد فيك نَفَس .. وأيُّما وجدت خيرًا فسارع إليه وشارك .. اللَّهم ارزقنا فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين .. ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار .. اللَّهم خذ بنواصينا إلى ما تُحِبُّ وترضى؛ إنك على ما تشاء قدير .. وبالإجابة جدير. إخوتاه .. هذه الشهور والأعمال والليالي والأيام كلها مقادير للآجال، ومواقيت للأعمال، ثم تنقضي سريعًا، وتمضي جميعًا، والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل وأودعها باقٍ لا يزول، ودائمٌ لا يحول؛ هو في جميع الأوقات إلهٌ واحد، ولأعمال عباده رقيبٌ مشاهد. فسبحان من قلَّبَ عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخَدَم؛ ليسبغَ عليهم فيها فواضل النعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم. لما انقضت الأشهر الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام، وآخرها شهر

стр. 368

الصيام؛ أقبلت بعدها الأشهر الثلاثة، أشهر الحج إلى البيت الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه غُفر له ما تقدم من ذنبه؛ فمن حج البيت ولم يرفث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أمه. فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات؛ فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف، ويتقرب بها إلى مولاه وهو راجٍ خائف، والمحبُّ لا يَمَلُّ من التقرب بالنوافل إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه.