وداع رمضان
أيها الأخوة .. أنا أحبكم في الله ..
ها هو الضيف الكريم يلوح بالرحيل، تمضي أيامه مسرعةً وكأنها حلمٌ جميل.
فيأيها الضيف الكريم على رِسلك؛ فقلوبنا لازالت مشتاقةً إلى وَصْلِك.
انتظر .. تمهل فما أجمل مقامك، وما أحلى أيامك .. وما أمتع صيامك!!
لقد ذقنا فيك لذةً في غيرك ما ذقناها, لقد عشنا فيك عيشةً في غيرك ما عشناها!
فكيف ترحل عنا بعد أيام لنا حُلوة قضيناها؟!، إن رحيلك عنا مصيبةٌ أبدًا لن ننساها ..
ولكن تلك مقادير ربي قدرها وسواها، فاللَّهم أجرنا في مصيبتنا يا رب ..
إخوتاه ..
ولَّت أيامُ رمضانَ مسرعة، ولم يبقَ منه إلا أيامٌ قلائل، ووجب علينا التنبيه، والتنويه لما فات ولما بقي .. بقي إخوتاه عشرة أيام .. فانتبهوا فسوف تمر هي الأخرى كلمح البصر.
ألا فشمروا عن ساعد الجد في هذه العشر، واهجروا لذيذ المنام، واقتدوا بنبيكم ﷺ ، فقد كان يخص العشر الأواخر بأعمال لا يعملها في بقية الشهر؛ يخصها بالاعتكاف والقيام، والاغتسال كل ليلة بين العشاءين، والتنظف والتطيب، وإحياء الليل كله، فعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ -
стр. 317
يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره" (١)، وروي عنه ﷺ أنه "كان يخلط العشرين الأُوَل بصلاةٍ ونوم، فإذا دخل العشر؛ لم يَذُق غَمْضًا" (٢)، طوى فراشه، واعتزل نسائه، وأحيا ليله، واجتهد في دعاء ربه.
وقد كان السلف إذا دخلت العشر؛ رفعوا الهمة إلى منتهاها، وبذلوا كل الطاقة، وكيف لا والعشر هي آخر السباق.
قال طلحة بن عبيد الله: إن الخيل إذا قاربت رأس مجراها؛ أخرجت كل ما عندها.
فالسعيد من اغتنم موسم العمر قبل ذهابه، وحاسب نفسه قبل قراءة كتابه، وراقب مولاه مراقبة من يعلم أنه يراه في ذهابه وإيابه.
فينبغى إخوتاه أن نراعي هذا الفضل مدةَ عمرنا, ولا نضيِّع هذه الليالي المباركات، التي أخبر النبي ﷺ قطعًا أن ليلة القدر فيها؛ فلعل أحدنا يكون قد مات قبل أن يدرك العشر الأواخر في العام القادم: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٧]، أو تقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣].
إخوتاه ..
الله يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
الله يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
стр. 318
وهذه الأيام في آخر الشهر نحتاج للمناقشة حتى يستطيع الإنسان الحصول على أعلى الدرجات، وتحتاج إلى المسارعة بل ومسابقة الأنفاس لأنها تمر مَرَّ السحاب، وكل لحظة مرت لا تعود ولا تعوض؛ فسابق أخي الحبيب أجلك، وأدرك رضا الله بعملك، واشحذ همتك؛ فهذا أوان جِدَّك.
وظائف آخر الشهر:
أولًا: وقفة صادقة مع الله ومع النفس:
لا بد أيها الإخوة من وقفة صادقة دون كذب أو خداع أو مواربة، لم يبق من الشهر إلا القليل فماذا أنت صانعٌ فيه؟
في هذه الوقفة تنظر فعليًّا وبعد تفرغ تام:
* هل أديت العبادات على وجهها؟
* هل عشت رمضان حقيقةً كما يحب ربنا ويرضى؟
* هل ذاق قلبك طعم العبادات؟
* هل حصلت التقوى المنشودة المقصودة من وراء هذا الصيام؟
* هل تلوت القرآن وسمعته وأحيا الله به مَوَاتَ قلبك؟
* هل تغير البيت وتحول نمط الحياة عندك فصرت عبدًا ربانيًّا؟
* هل أحسست بتغييرٍ فعلي في قلبك فرأيت نورًا جديدًا؟
* هل بعد هذا التغيير عازمٌ على الثبات فلن تعود إلى المعاصي؟
* هل تظن بعد هذه الليالي الطويلة أنك قد أعتقت رقبتك من النار؟
* هل بعد كل تلك الليالي وفيها من فرص المغفرة ما فيها؛ تظن أنك قد غفر لك ما تقدم من ذنبك؟
стр. 319
أيها الحبيب المحب، لا تجامل .. ولا تتجاهل ..
قف وقفةً صمقة واستعن بالله على نفسك واصدقني، لا؛ بل أصدق الله يصدقك وأجب عن الأسئلة، ومازالت أمامك فرصة، هيا ركز في الأيام الباقية واعملْ عملَ رجلٍ يريد أن يستدرك ما فات.
هيا انطلق وتخلص من قيودك، وتبرأ من عيوبك، والتمس رضا ربك ..
هيا اعمل ودعك من الكسل، وودع الأمل، وسارع الأجل، ولا تترك فرصةً للعمل إلا وعملت بها ..
اعتكف كل الباقي، وداوم على العبادة، واجتهد في البكاء وطلب العفو ..
أيها الإخوة .. كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
قال علي بن أبي طالب: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، أنت قد عملت، ولكن هل قُبِل عملك؟، هذا هو الأخطر، قبول العمل، فكم من عملٍ يتقنه صاحبه ويحسنه ويزينه ثم يرده الله عليه ولا يقبله، وذلك بسوء نية صاحبه، اللَّهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
لذلك قال بعض السلف: الخوف على العمل ألا يتقبل أشد من العمل، وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا، هذا هو فقه السلف وفهمهم، فكم من مغرورٍ بعمله وليس له منه شيء، كم من معجبٍ بصلاته وليس له فيها حسنة!!
стр. 320
ولذلك خرج عمر بن عبد العزيز على الناس في يوم عيد الفطر، فق الذي خطبته: أيها الناس، إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم .. فاللَّهم تقبل منا يا رب.
وكان عبد الله بن مسعود يقول في آخر ليلة من رمضان: من هذا المقبول منا فنهنيه، ومن هذا المحروم منا فنعزيه، أيها المقبول هنيئًا لك، أيها المردود جَبَرَ الله مصيبتك.
فيا أرباب الذنوب العظيمة، الغنيمةَ الغنيمة، في هذه الأيام الكريمة، فما منها عِوضٌ ولا قيمة، فمن يعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة، والمنحة الجسيمة، يا من أعتقه الله من النار، إياك أن تعود بعد أن صرت حرًّا إلى رِق الأوزار، أيبعدك مولاك عن النار وتتقرب منها!!، وينقذك منها وأنت توقعُ نفسك فيها ولا تحيد عنها!! .. ويا أيها العاصي، لا تقنط من رحمة الله بسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك؛ فأحسن الظن بمولاك وتب إليه؛ فإنه لا يهلك على الله إلا هالك.
ثانيًا: ملازمة الاستغفار:
أيها الأخوة، لقد رأيت أن الله أمر عباده بعد الحج بالاستغفار فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وذكر الله عن العابدين المتهجدين أنهم كانوا يختمون صلاتهم بالاستغفار، فقال : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨].
قال الحسن: مَدُّوا الصلاة إلى السَّحرَ ثم جلسوا يستغفرون.
وكان من هدي النبي محمَّد ﷺ إذا انتهى من الصلاة أن يستغفر ثلاثًا فيقول: أستغفر الله .. أستغفر الله .. أستغفر الله ..
стр. 321
لذلك نقول: أكثِر من الاستغفار في نهاية صيامك، استغفر الله كثيرًا ترتق ما انفتق من صيامك.
كان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه، سبحان الله!، إذا كان هذا حال السلف الذين أحسنوا عبادتهم وأتقنوها وأخلصوا فيها، فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم!!
وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه إلى الأمصار بمناسبة آخر رمضان: قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقولوا كما قال موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقولوا كما قال ذو النون ﵇: ﴿لًا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
ويروى عن أبي هريرة ﵁ قال: الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل.
وعن ابن المنكدر قال: الصيام جُنَّةٌ من النار ما لم يخرقها، والكلام السئ يخرق هذه الجُنَّة، والاستغفار يرقع ما تخرَّقَ منها.
فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفارٍ نافع، وعمل صالح له شافع، كم نخرق صيامنا بسهام الكلام، ثم نرقعه وقد اتسع الخَرْق على الراقع، كم نرفو خروقه بمخيط الحسنات ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع.
يا رب، ارحم من حسناته كلها سيئات، وطاعاته كلها غفلات. وقريب من هذا أمر النبي ﷺ لعائشة ﵂ في ليلة القدر بسؤال العفو؛ فإن المؤمن يجتهد في شهر رمضان في صيامه وقيامه، فإذا قرب فراغه وصادف ليلة القدر لم يسأل الله تعالى إلا العفو كالمسيء المقصر.
стр. 322
كان صِلَةُ بنُ أَشيَم يُحيي الليل ثم يقول في دعائه عند السحر: اللَّهم إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة؟!
أنفع الاستغفار ما قارنته التوبة وهي حل عقدة الإصرار، فمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر؛ فمردود، وباب القَبول عنه مسدود، قال كعب: من صام رمضان وهو يحدِّث نفسه أنه إذا أفطر بعد رمضان أنه لا يعصي الله؛ دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان عصى ربه فصيامه عليه مردود.
عباد الله .. شهر رمضان قد أوشك على الانتهاء، فمن منكم حاسب نفسه فيه لله وانتصف، من منكم قام في هذا الشهر بحقه الذي عَرَف، من منكم عزم قبل غلق أبواب الجنة أن يبنيَ له فيها غرفًا من فوقها غرف، ألا إن شهركم قد أخذ في النقص؛ فزيدوا أنتم في العمل فكأنكم به وقد إنصرف، فكل شهر عسى أن يكون منه خلف، وأما شهر رمضان فمن أين لكم منه خلف؟!!
ثالثًا: سؤال الله العفو، والتركيز على هذا السؤال، والانشغال بذلك: قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ : أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟، قال: "قولي اللَّهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (١).
العفوُّ من أسماء الله تعالى، وهو يتجاوز عن سيئات عباده، الماحي لآثارها عنهم، وهو يحب العفو فيحب أن يعفو عن عباده، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه، وعفوه
стр. 323
أحب إليه من عقوبته، وكان النبي ﷺ يقول: " أعوذ برضاك من سَخَطِك وبمعافاتك من عقوبتك" (١).
قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحبَّ الأشياء إليه؛ لم يبتل بالذنب أكرمَ الناس عليه، يشير إلى أنه ابتلي كثيرًا من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب، ليعاملهم بالعفو فإنه يحب العفو، قال بعض السلف الصالح: لو علمت أحبَّ الأعمال إلى الله تعالى، لأجهدتُ نفسي فيه، فرأى قائلًا يقول له في منامه: إنك تريد ما لا يكون، إن الله يحب العفو، أن يعفو، وإنما أحبَّ أن يعفوَ، ليكون العباد كلهم تحت عفوه، ولا يُدِلُّ أحدٌ منهم بعمل.
وقد جاء في حديث ابن عباس مرفوعًا أن الله ينظر ليلة القدر إلى المؤمنين من أمة محمَّد ﷺ فيعفوَ عنهم ويرحمَهم إلا أربعة: مدمن خمر، وعاقًّا، ومشاحنًا، وقاطعَ رحم.
لما عرف العارفون بجلاله خضعوا, ولما سمع المذنبون بعفوه طمعوا، ما ثَمَّ إلا عفو الله أو النار، لولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم باليأس من الرحمة، ولكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه.
كان بعض المتقدمين يقول في دعائه: اللَّهم إن ذنوبي قد عظمت، فجلت عن الصفة، وإنها صغيرة في جَنْبِ عفوك فاعف عني.
وقال آخر منهم: جُرمي عظيم، وعفوك كثير، فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم .. اللَّهم اعف عنا.
يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر, أكبر الأوزار في جنب عفو الله يصغر؛ وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي
стр. 324
ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر، قال يبيح بن معاذ: ليس بعارف من لم يجعل غاية أمله من الله العفو.
كان مُطَرِّفُ يقول في دعائه: اللَّهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا فاعف عنا، من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا، وكان غاية أمله أن يطمع في العفو، ومن كملت معرفته لم يرَ نفسه إلا في هذه المنزلة.
رابعا: بذل أقصى حدِّ في الاجتهاد:
في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره".
أخي الحبيب، ينبغى أن يكون الاجتهاد في أوأخر الشهر أكثر من أوله لشيئين:
أحدهما: لشرف هذه العشر، وطلب ليلة القدر.
والثاني: لوداع شهرٍ لا يدرى هل يلقى مثله أم لا.
وقد يحصل من بعض الناس العكس، أنك تجد في أول رمضان شيئًا من النشاط والهمة في العمل، ثم يصاب بالفتور بعد ذلك، أو ينشغل بتفاهات تشغله عن إكمال الشهر كما ينبغي.
رغم أن المفروض هو العكس لو كان للعمل ثمرة؛ فإنه كلما زاد من الطاعات والعبادات التي يؤديها كل يوم في رمضان يترقى درجة إن كان من المقبولين، فتزداد طاعاته وقرباته في اليوم التالي حتى يصل إلى أقصى علو همة عند نهاية الشهر، كما كان هذا شأن النبي ﷺ وأصحابه، فإنه كما مر معنا كان ﷺ إذا دخل العشر شدَّ المِئْزَر, وأيقظ أهله, وأحيا الليل كُلَّه.
стр. 325
وقد ذُكر عن بعض السلف أنه حين أتاه الموت وفي سياق السكرات، كان يقوم ويقعد -يعني يصلي- فقيل له: في مثل هذه الحال؟، أرح نفسك، فقال: إن الخيل إذا بلغت إلى رأس مجراها، أخرجت أقصى ما عندها، وأنا أسابق بأنفاسي، فأنت الآن -أيها الحبيب- تسابق الساعات، فرمضان على وشك الانتهاء، فابذل أقصى ما تستطيع، ولتمضِ هذه الأيام العشر إن مضت بغير أكل ولا شرب ولا نوم وليكن ما يكون.
قيل لبعض السلف: لا تبكِ، فإنك إن بكيت عميت، قال: ذلك لعيني شهادة، فبكى حتى عمي، افهم ما قصدتُ الإشارة إليه، وارغب فيما عند الله، واستعن بالله.
خامسًا: إياك والعجب والغرور:
عن أبي بَكْرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم: صُمْتُ رمضانَ كُلَّه، ولا قمتُ رمضانَ كُلَّه" (١)، فلا أدري أكره التزكية أم لا بد من غفلة.
أخي الحبيب، إياك والأمراض القلبية؛ إنما شرع الصيام والقيام وتلك الأعمال التي أديتها في رمضان لتزكية النفس وإصلاح القلب؛ ولكن هناك بعض الأمراض المستوطنة التي يصعب اقتلاعها بسهولة، منها هذا الداء الدفين والمرض الخبيث: العجب ورؤية النفس.
قال ابن القيم -عليه رحمة الله: بين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قُطَّاع طرق تقطع الطريق على العمل أن يصل إلى القلب، فتجدُ الرجلَ كثيرَ الصلاة كثيرَ الصيام، كثيرَ الذكرِ وتلاوةِ القرآن ولم يَصِلْ إلى قلبه من عملهِ شيء، لا خوف، ولا رجاء، ولا محبة. ولا يقين، ولا رضا، وقد تستولي
стр. 326
النفس على العمل الصالح فتصيِّره جندًا لها فتصول به وتطغى، فترى الرجلَ أعبدَ ما يكون، أزهدَ ما يكون، وهو عنِ اللهِ أبعدُ ما يكون.
الشاهد من هذا الكلام أن النفس قد تستولي على العمل الصالح فتصول به وتطغى فاحذر من ذلك، أن تستولي نفسك على مشاق الأعمال في رمضان، من صيام وقيام وقرآن وذكر واعتكاف وغيرها، وتصول بها على سبيل الفخر، وتنتفخ بها بالزهو والتعالي على الآخرين، فتخسر كل ذلك، وتفقد ثواب العمل، ونتيجة العمل، فالحذرَ الحذر.
إن من علامات القبول أن يزداد الإنسان انكسارًا وذُلًّا وخضوعًا للرب ﷻ .. فازدد ذُلًّا؛ تزدد قُربًا.
عبادَ الله .. إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فعليه بالتمام، ومن فرط فيه فعليه بالحسن والعمل بالختام، اغتنموا منه ما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملًا صالحًا يشهد لكم عند الملك العلام، وودعوه عند فراقه بأزكى تحيةٍ وسلام.
إخوتاه .. قلوبُ المتقين إلى هذا الشهر تحِنّ، ومن ألم فراقه تئِنّ، كيف لا تجري للمؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع.
يا حسرةَ مَنْ فاته الخيرُ في رمضان، كم نُصِحَ المسكين فما قبل النصح، كم دُعِيَ إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح، كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد، كم مرت به زُمَرُ السائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاق به الوقت، وخاف المَقْت ندم على التفريط حيث لا ينفع الندم، وطلب الاستدراك في وقت العدم.
стр. 327
إخوتاه ..
أيام العشر أيام الحياة .. فيها الخيرات والبركات، والأجور الكثيرة، والفضائل الجزيلة، فيها تزكو الأعمال، وتُنال الآمال، كيف لا والنبي ﷺ كان يسهر ليلَه، ويحمِلُ كَلَّه، ويقوم الليلَ كُلَّه.
هذه العشر تُملأ فيها المساجد، ويخشع فيها الراكع والساجد، وينهض إلى الخيرات كل قاعد، ويصير الراغب كالزاهد، شرَّف الله أوقات رمضان على سائر الأوقات، وخَصَّ العشر الأواخر بمزيدِ فضلِ وإكرام، فأجزَلَ فيها الإفضال والإنعام، ودليلُ فضله أن فيها ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر.
стр. 328
ليلة القدر
فضلها عظيم، وخيرها عميم، وكيف لا وقد شهدت نزول القرآن الكريم، الذي يقود من اعتصم به إلى جنات الخلد والنعيم، كفى بقدر ليلة القدر أنها خيرّ من ألف شهر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥].
ليلةٌ مباركة، من حُرم خيرَها فقد حُرم الخيرَ كُلَّه؛ ولذلك يستحب للمسلم الحريص على طاعة الله أن يحييها إيمانًا وطمعًا في أجرها العظيم، بالقيام والذكر والقرآن والدعاء، ومن فعل ذلك غفر له كل ما مضى من ذنوبه، قال رسول الله ﷺ : "من قام ليلة القدر إيمانًا وإحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه" (١).
ويستحب فيها الدعاء والإكثار منه، وخاصة بما جاء عن السيدة عائشة ﵂ قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدر؛ ماذا أقول؟، قال ﷺ : "قولي: اللَّهم انك عَفُوٌ تحب العفو فاعف عني" (٢).
وقد كان السلف يخصون ليلة القدر بمزيد اهتمام؛ فكان ثابت البُناني يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب، ويطيِّب المسجد بالنُّضُوح والدُخْنَة في الليلة التي يُرجى فيها ليلة القدر.
وكان لتميم الداري ﵁ حُلَّهٌ اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القمر.
стр. 329
وكما كانوا يستعدون لها بالتزين الظاهر؛ فإنهم علموا أنه لا يكمل تزيين الظاهر إلا بتزيين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها؛ فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئًا.
فلا يصلح لمناجاة الملوك في الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه، وطهرهما؛ خصوصًا لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى، فمن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس وباطنه بلباس التقوى.
روي عن مالك بن أنس أنه إذا كانت ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيب، ولبس حلة وإزارًا ورداء، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلا مثلها من قابل.
فعلى المسلم إذًا أن يتحرى هذ الليلة، فهي فرصة عمره وحياته، ومعلوم من السنة أن معرفتها رُفعت؛ لأن الناس تخاصموا: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: خرج النبي ﷺ بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين (أي: تخاصما)، فقال: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" (١).
وعن أبي هريرة قال: قاله رسول الله ﷺ : "أُريتُ ليلة القدر، ثم أيقظني بعضُ أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر" (٢).
وورد أيضًا عن رسول الله ﷺ أنه التمسها في الوتر من العشر الأواخر، فقال ﷺ : "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان في وتر؛ فإني قد رأيتها فأُنسيتها" (٣).
стр. 330
قال البغوي: وبالجملة، أبهم الله هذه الليلة على الأمة؛ ليجتهدوا في العبادة ليالي العشر طمعا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة .. وأخفى رضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة؛ ليجتهدوا في الطاعات حذرًا من قيامها.
فخلاصة القول: أن المسلم يتحرى ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر: ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، فإن ضعف وعجز عن طلبها في الوتر الأواخر؛ فليطلبها في أوتار السبع البواقي: ليلة خمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، والله تعالى أعلم.
قال ابن رجب الحنبلي ﵀: كل زمان فاضل من ليل أو نهار فإن آخره أفضل من أوله، كيوم عرفة ويوم الجمعة، وكذلك الليل والنهار عمومًا آخره أفضل من أوله، وكذلك عشر ذي الحجة والمحرم آخرهما أفضل من أولهما.
ولقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ اعتكف في العشر الأوسط من رمضان، قبل أن يعتكف العشر الأواخر التماسًا لليلة القدر قبل أن يتبين له ﷺ أنها في العشر الأواخر، ثم لما تبين له ذلك اعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله .
وعن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله" (١)، وشد مئزره أي اعتزل النساء، ويحتمل أن يريد به الجد في العبادة، ولم يكن النبي ﷺ إذا بقي عشرة أيام من رمضان يدع أحدًا
стр. 331
من أهله يطيق القيام إلا أقامه، وتأكد إيقاظهم في آكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر.
وسميت ليلةُ القَدْر؛ لأنها أُنزل فيها كتابٌ ذو قَدْر، على لسانِ مَلِكٍ ذي قَدْر، على رسولٍ ذي قَدْر، وعلى أمةٍ ذاتِ قَدْر.
أخي ..
يهون العمر كله إلا هذه الليلة، الليلة التي نزل فيها القرآن جملة إلى السماء الدنيا، الليلة التي يُقَدَّرُ فيها أحكامُ تلك السَّنة، وتكتب فيها الملائكة الأقدار، الليلة التي تتنزل فيها الملائكة.
لقد كان رسولكم ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها، ويعتكف التماسًا لتلك الليلة، كان يواصل ابتغاءً لتلك الليلة، فيا من ضاع عمره في لا شيء, استدرِك ما فاتك في ليلة القدر، فإنها تُحسَبُ بالعمر.
ليلة .. يقبل الله فيها التوبة من كل تائب، يكتب فيها من أُمِّ الكتاب ما يكون في سنتها عن موت وحياة ورزق ومطر.
وعن مجاهد: صيامها وقيامها أفضل من: صيام ألف شهر وقيامه ليس فيها ليلة القدر.
وعن كعب الأحبار: نجد هذه الليلة في الكتب حطوطًا تحط الذنوب.
وهي ليلة مباركة تشرف فيها الأرض بالملائكة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليلة القدر ليلة السابعة، أو التاسعة والعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى" (١).
ومن علامات ليلة القدر أنها تكون ليلة لا باردة ولا حارة، وتشرق الشمس
стр. 332
يومها بلا شعاع: قال رسول الله ﷺ : "ليلة القدر ليلة سمحة، طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء" (١)، وقال ﷺ : "تطلع الشمس صبيحة تلك الليلة ليس لها شعاع، مثل الطست حتى ترتفع" (٢)، ولها علامات أخرى تظهر أكثرها بعد انقضاء الليلة.
ومن حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "في ليلة القدر لا يحل لكوكب أن يرمى به حتى يصبح، وأن أمارتها أن الشمس تخرج صبيحتها مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ" (٣)، وروي عن ابن عباس أن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم إلا ليلة القدر؛ وذلك أنها تطلع لا شعاع لها.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: سلام أن يحدث فيها داء أو يستطيع شيطان أن يعمل فيها شيء، وعن الضحاك عن ابن عباس قال: في تلك الليلة تصفد مردة الجن، وتغل عفاريت الجن، وتفتح فيها أبواب السماء كلها، ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب.
ابن آدم .. لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي، أنت المختار من المخلوقات، ولك أُعِدَّت الجنة إن اتقيت فهي أقطاع المتقين والدنيا إقطاع إبليس، فهو فيها من المنظرين، فكيف رضيت لنفسك بالإعراض عن أقطاعك ومزاحمة إبليس على أقطاعه، وأن تكون غدًا معه في النار من جملة أتباعه، إنما طردناه عن السماء لأجلك حيث تكبر عن السجود لأبيك، وطلبنا قربك لتكون من خاصتنا وحزبنا، فعاديتنا وواليت عدونا ..
стр. 333
وتحزن النساء لفوات قيام ليلة القدر بسبب حيض أو نفاس، ولكن عليهن بإحسان العمل طوال الشهر لكي يتقبله الله منهن، قال جويبر: قلت للضحاك: أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنائم لهم في ليلة القدر نصيب؟، قال: نعم، كل من تقبل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر، ومعنى هذا أن الذي أحسن العمل في شهر رمضان يتقبل الله منه، والذي يتقبل الله منه لم يحرمه نصيبه من ليلة القدر.
إخوتاه ..
ليلة القدر .. ليلة يفتح فيها الباب، وُيقرَّب فيها الأحباب، ويُسمع الخطاب، وُيرد الجواب، وُيعطى للعاملين عظيمُ الأجر.
ليلةٌ .. ذاهبة عنكم بأفعالكم، وقادمةٌ عليكم غدًا بأعمالكم، فياليت شعري ماذا أودعتموها، وبأي الأعمال ودعتموها، أتراها ترحل حامدةً لصنيعكم .. أو ذامةً تضييعكم.
ليلة القدر .. عند المحبين ليلة الحَظْوة بأنس مولاهم وقربه، وإنما يفرون من ليالي البعد، ففيها تنزل الأملاك بالأنوار والبر.
إخوتاه ..
في العشر الأواخر، احترسوا من الغفلات القواتل، وتيقظوا فيها قبل لحاق الأواخر بالأوائل، واعتذروا فيها فإنها قلائل، قبل أن يرد اعتذار العاصي بتكذيبه، عظموها فإنها عظيمة الأمر، وانتظروا وارتقبوا فيها بحسن اليقظة ليلة القدر؛ فإنها غريبةٌ غريبة، وعجيبةٌ عجيبة.
إخوتاه ..
هذه فرصتكم الأخيرة في هذا الشهر للنجاة .. فتأهبوا للعشر بالعزم
стр. 334
الصادق على الخير، واجعلوا هممكم مصروفةً إلى حراستها لا غير؛ فإنها عشرٌ بالبركات الوافرة قد حُفَّت، وبالكرامة الظاهرة قد زُفَّتِ، فأعدوا لقدومها عُدَّة، واسألوا الله فيها التوفيق إلى أن تكملوا العِدَّة، والحذرَ الحذرَ من التفريط والإهمال والتكاسل فيها عن صالح الأعمال.
قال الله : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
إخوتاه .. يا مؤمنون ..
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
إخوتاه ..
إن شهر رمضان قد قَرُبَ رحيلُهُ وأَزَف، وهو ذاهبٌ عنكم بأفعالكم، وقادمٌ عليكم غدًا بأعمالكم، فياليت شِعري ماذا أودعتموه، وبأي الأعمال ودعتموه، أتراه يرحل حامدًا صنيعكم أو ذامًّا تضييعَكم، ما كان أعظم بركات ساعاته، وما كان أحلى جميع طاعاته، كانت لياليه عتقًا ومباهاة، وأوقاته أوقات خَدَمٍ ومناجاة، ونهاره زمان قربة ومصافاة، وساعاته أحيان اجتهاد ومعاناة، فبادروا البقية بالتقية قبل ذوات البر ونزولِ البرِّيَّة وتخلى عنك جميع البرِيَّة.
أين المخلصُ المتعبد، أين الراهبُ المتزهد، أين المنقطعُ المتفرد، أين العاملُ المجوِّد، هيهات .. بقى عبدُ الدنيا وماتَ السيد، وهلكَ من خطؤه خطأ وعاش المتعمد، وصار مكان الخاشعين كلُّ منافقٍ متمرد .. رحل عنك شهر الصيام، وودعك زمانُ القيام، وألح النصيحُ وقد لام، أفتشرق شمسُ
стр. 335
الإيقاظ وتنام؛ فاستدرك ما قد بقيَ من الأيام، قد رأيناك توانيت في الأولى والثانية والثالثة؛ فما بعد أن دنا الصبح.
أَتتركُ مَن تحُبُّ وأَنتَ جَارٌ ... وتَطلُبُهم وقَدْ بَعُدَ المَزَارُ
وَتَبكِي بعدَ نَأْيُهِمُ اشتياقًا ... وتَسْأَلُ فِي المنازلِ أينَ ساروا
تَرَكْتَ سُؤَالَهُمْ وهُمُ حُضُورٌ ... وتَرْجُو أن تُخَبِّرَكَ الدِّيَارُ
فَنَفْسَكَ لُمْ ولَا تَلُمِ المَطَايَا ... ومُتْ كَمَدًا فَليسَ لَكَ اعْتِذَارُ
حَنَانَيكَ يا شهرَ الصيام .. إيهٍ يا شهرَ الشهور .. مررتَ كالطيفِ وأسرعتَ الخُطا .. فكنتَ كالحُلم لا كبقيةِ الآماد .. وعليكمُ السلامُ يا شهرَ الإيمان ..
السَّلامُ عليكَ يا شهرَ رمضانَ، السلامُ عليكَ يا شهرَ الصيام والقيام وتلاوةِ القرْآنِ، السلامُ عليك يا شهر التجاوز والغفرانِ، السلامُ عليك يا شهر البركةِ والإحسانِ، السلامُ عليك يا شهرَ التحفِ والرضوانِ، السَّلامُ عليكَ يا شهرَ الأمان، كنت للعاصين حبسًا، وللمُتقينَ أنْسًا، السلامُ عليكَ يا شهرَ النسك والتعبد، السلامُ عليك يا شهر الصيام والتهجد، السلامُ عليك يا شهرَ التراويح، السلامُ عليك يا شهرَ الأنوارِ والمصابيح، السلامُ عليك يا شهرَ المتجر الربيح، السلامُ عليك يا شهرًا يُتركُ فيه القبيحُ، السلامُ عليك يا أنسَ العارفين، السلامُ عليك يا فخْرَ الواصفين، السلامُ عليك يا نورَ الوامقين، السلامُ عليك يا روضةَ العابدين، السلامُ عليكَ يا شهرًا يتسابقُ فيه المتقون، السلامُ عليكَ من فؤادٍ لفِراقِكَ محزُون.
فيا ليتَ شعري: هل تعودُ أيامُك أو لا تعودُ، ويا ليتنا تحققنا ما تشهدُ به علينا يوم الورود، ويا ليتنا علمنا مَن المقبولُ منّا ومن المطرودُ، وهل إذا عادتْ أيامُك فنحن في الوجود، وننافسُ أهل الركوع والسجودِ، أمْ قد انطبقت علينا اللُّحودُ، ومَزَّقنا البِلى والدودُ، فيا أسفًا لتصرُّمك يا شهر السُّعُودِ.
стр. 336
وإِذا عَزَمْتَ عَلَى الرَّحِيلِ فإنَّمَا ... حُزْنُ الفِرَاقِ يَحُزُّ في الأكَبَادِ
فيا شهرَنا غير ومُوَدَّعِ ودعناك، وغير مَقْلِىَّ فارقناكَ، كان نهارُكَ صدقةً وصيامًا, وليلُك قراءةً وقيامًا، فعليك منا تحيةً وسلامًا، أتراكَ تعودُ بعدَها علينا، أو يُدْرِكُنا المَنونُ فلا تؤولُ إلينا، مصابيحنا فيكَ مشهورةٌ، ومساجدُنا منكَ معمورةً، فالآن تُطفأُ المصابيحُ، وتنقطعُ التراويحُ، ونرجعُ إلى العادة، ونفارقُ شهرَ العبادةِ.
يا شهرَ رمضانَ تَرفَّق، دموعُ المُحِبين تَدَفَّق، قلوبهم من ألم الفراق تُشقق، عسى وقفةٌ للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام ما تخرَّق، عسى منقطعٌ عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسيرُ الأوزار يُطلَق، عسى من استوجب النار يُعتق.
اللَّهم أعتقنا من النار يا رب، اللَّهم تقبل منا رمضان، اللَّهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام وسائر الأعمال؛ إنك سميع عليم .. اللَّهم سلِّمْنا لرمضانَ، وسَلِّمْ رمضانَ لنا، وتسلَّمْهُ منا مُتقبلًا .. اللَّهم أَعِدْ علينا رمضانَ أعوامًا عديدة، وأزمنةً مديدة.
اللَّهم لك الحمد على أن وفقتنا لصيام رمضان وقيامه .. لك الحمد يا رب على أن وفقتنا لقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا .. لك الحمد بالإيمان، ولكَ الحمدُ بالإِسلام، ولكَ الحمدُ بالقرآن، ولكَ الحمدُ بالصلاة والصيام والقيام والصدقة والإحسان وقراءة القرآن .. لكَ الحمدُ أولًا وأخيرًا .. لكَ الحمدُ لا نُحصي ثَنَاءً عليك؛ أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك .. نحمَدُكَ حَمدًا يُوَافِي نِعمَك وُيكافِئُ مَزِيدَك .. ونستغفرك ربنا من جميع الذنوب والخطايا والطاعات ونتوب إليك؛ إنك أنت التَّوابُ الغفور الرَّحيم.
стр. 337
وماذا بعد رمضان
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
стр. 338
وماذا بعد رمضان؟!
جاء رمضان .. ومضى رمضان ..
سوق قام ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، ويتوجع المسلم لفراق رمضان ويظل يتذكر أيامه ولياليه كيف كانت عامرة بالخيرات، ممتلئة بالعبادات، منيرة بالطاعات ..
وينتهي رمضان وإذا بالمساجد تعود مرةً أخرى خاويةً على عروشها إلا من أهلها الذين هم أهلها، ويتباكى الدعاة إلى الله على جهدٍ على مدار شهر بذلوه؛ وإذا هم في نهاية الأمر لم يجدوا له الأثر الذي ظنوه وانتظروه ..
لماذا ينتكس الناس بعد رمضان وينشغلون مرة أخرى بدنياهم بعد أن ذاقوا حلاوة القرب من مولاهم؟
لما مات رسول الله ﷺ وقف أبو بكر يقول: من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت ..
وهأنذا أقول: من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد انقضى، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨].
أحبتي في الله ..
قال ربكم ﷻ : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] .. هل رأيت امرأة تغزل ثوبًا وتغزل ثم تغزل، وبعد أن تم لها ذلك قامت فنقضت غزلها .. أعادت الثوب خيطًا كما كان، فهل هذا
стр. 339
فعل إنسانٍ عاقل ..
هكذا حالك: إنك بعد أن كنت تقوم الليل إحدى عشرة ركعة يوميًّا في رمضان؛ تريد أن تترك هذا كله فلا تقوم الليل ولو بأربع ركعات، فأين أثر القيام فيك إذًا؟!
ألست قد وجدت لذةً في قيام رمضان؟، فلماذا تحرم نفسك من هذه اللذة؟، لماذا تحرم نفسك من الأجر؟، لماذا تترك سوسة الكسل تنخر في إيمانك؟!
إخوتاه .. إن ديننا هو دين الاستقامة لا يصلح فيه التلون والتفلت والزوغان، قال الله لرسوله ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]، فاستقم على أمر الله .. استقم على طاعة الله حتى تلقاه فيكون ذلك يوم عيدك الحقيقي، قال ربنا ﷻ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، واليقين: الموت، فكن ربانيًّا ولا تكن رمضانيًّا.
استقم على طاعة الله ولا تتلون.
لما جاء حذيفةَ بنَ اليمان الصحابيَّ الجليلَ ﵁ الموتُ جلس عبد الله بن مسعود عند رأسه فقال: أوصني، فقال له: ألم يأتك اليقين؟، قال ابن مسعود: بلى وعزةِ ربي، فقال له حذيفة: فإياك والتلون؛ فإنه دين الله واحد.
إنك لا بد أن تخرج من رمضان بقلبٍ قد أَلِفَ الطاعة وأحبها واعتادها حتى صارت له كالهواء والماء للإنسان، فإياك أن تقتل إيمانك بالتثاقل إلى الأرض، والإخلاد إلى الكسل، والرضا بالقعود والنكوص.
إننى أريدك أيها الحبيب أن تكون شخصيةً ربانية مدى حياتك، لا على
стр. 340
فترات متقطعة في حياتك فتكون رجلَ المناسبات، إياك أن تهجر الطاعة، لا تهجر حفظ القرآن وتلاوته .. فالأعمال لم تنقطع بعد انتهاء رمضان، لم يُرفع عنك القلم بعد رمضان، قيل لأحد الصالحين: أيهما أفضل: رجب أم شعبان؟، فقال: كن ربانيا ولا تكن شعبانيًّا!!، لا بد أن تثبت وتصطبر وتربي نفسك وتُلزمها.
إن أول خطوات طريق الفشل والضياع أن تتحكم فيك نفسك وتسيِّرك كيف شاءت، قم تقوم، اخرج تخرج، ثم تنام، كل تأكل، لا بد أن تمتلك أنت زمام المبادرة، لا بد أن تتحكم أنت في نفسك وتذللَّها لطاعة الملك ﷻ .
أيها الإخوة، لازالت الأعمال بعد رمضان لم تنقطع.
فالقرآن لا يهجر بمجرد انتهاء رمضان، بل حافظ على وِردك الثابت فيه، دُمْ على ذلك فالقرآن هو الذي يزكِّي نفسك ويصلح قلبك، ويثبتك على طريق الحق، فلتستمر في قراءة القرآن جزءين في اليوم على الأقل، ثم زد إلى ثلاثة ثم إلى خمسة لتختم كل أسبوع كما كان يفعل الصحابة.
كذلك القيام لم ينقطع، قم كل ليلة بإحدى عشرة ركعة، فالنبي ﷺ كان لا يترك قيام الليل، فإذا فاته يومًا من وجع أو غيره صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة، وذُكر أن الحسن بن صالح باع جاريةً له، فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل البيت، الصلاة .. الصلاة، قالوا: طلع الفجر؟، قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟!!، ثم جاءت إلى الحسن فقالت: بعتني إلى قومٍ لا يصلون إلا المكتوبة؟!! .. رُدَّني.
والصيام لم ينقطع، فعليك أن تبادر بصيام ستة أيام من شوال حتى تكون كأنك صمت السنة كلها، رمضان ثلاثون يومًا، والحسنة بعشر أمثالها فيكون ثلاثمائة، وستة أيام بعشر أمثالها إذًا ستون يومًا، فتكتمل السنة، كأنك صمت
стр. 341
سنةً كاملة، قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان ثم أتبعه سِتًا من شوال؛ كان كصيام الدهر" (١)، وهناك ثلاثة أيام في كل شهر كان النبي ﷺ يصومها ويأمر بصيامها هي الأيام البيض: ثالث عشر، ورابع عشر وخامس عشر من كل شهر عربي.
قال أبو هريرة ﵁: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لن أدعهن ما عشت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وألا أنام حتى أوتر" (٢)، وأريدك أن تنتبه جيدًا إلى قوله ﵁: لن أدعهن ما عِشت.
وهناك غير ذلك صيام الاثنين والخميس، قال ﷺ : "تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم" (٣).
وهناك الصوم في المحرم، فيستحب فيه الصيام استحبابًا عظيمًا، قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم" (٤).
باع قومٌ من السلف جارية، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان!، لقد كنتُ عند قوم كُلَّ زمانِهم رمضان، رُدوني عليهم ..
وأنواع الصيام كثيرة كصيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام شعبان؛ بل كان رسول الله ﷺ يصوم حتى يقول الصحابة: لا يفطر، ويفطر حتى
стр. 342
يقولوا: لا يصوم، فالصيام مدرسة لتزكية النفس، وهي وصيتي الخاصة للشباب وخصوصًا في هذه الأيام التي امتلأت بالفتن، أسال الله أن ينجيني وإياكم منها.
والأعمال الصالح؛ كلها لم تنقطع بانقطاع رمضان.
قيل لبشر: إن قومًا يتعبدون ويجتهدون في رمضان فقط، فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في رمضان.
إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنن؛ كلها، فأكثِر من الصدقة والإنفاق في سبيل الله، كلما مَنَّ الله عليك بفضله، وأكثر من ذكر الله وتسبيحه في كل أحوالك وفي كل أحيانك.
حتى الاعتكاف لم ينقطع بانتهاء رمضان، فالاعتكاف مشروع طيلة السنة.
إخوتاه .. بادروا بالأعمال الصالح؛ فطوبى لمن بادر عمره القصير، فعمَّر به دار المصير، وتهيأ لحساب الناقد البصير، قبل فوات القدر؛ وإعراض النصير.
كان الحسن يقول: عجبتُ لأقوام أُمروا بالزاد، ونودي فيهم بالرحيل، وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون!!
وكان يقول: يا ابن آدم، السكِّينُ تُشحَذ، والتَّنور يُسجر، والكَبشُ يُعتلف.
وقال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها؛ فإنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إلى قليلٍ ولا كثير.
وكان عون بن عبد الله يقول: كم من مستقبلِ يوم لا يستكمله، وكم من مؤملٍ لغدٍ لا يدركه، إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره؛ لأبغضتم الأمل وغروره.
стр. 343
وكان أبو بكر بن عياش يقول: لو سقط من أحدكم درهمٌ لظل يومه يقول: إنا لله .. ذهب درهمي، وهو يذهب عمره ولا يقول؛ ذهب عمري، وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات، ويحفظون الساعات، ويلازمونها بالطاعات.
هذا الفاروق عمر ﵁ ما مات حتى سَرَدّ الصوم.
وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تسرد، وسرد أبو طلحة بعد رسول الله أربعين سنة.
وقال نافع: ما رأيت ابن عمر صائمًا في سفره، ولا مفطرًا في حضره.
وقال ثابت البُناني: ما تركت في المسجد سادِنةً إلا وختمتُ القرآن عندها.
وقيل لعمرو بن هانئ: لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم؟، قال: مائة ألف، إلا ما تخُطئ الأصابع.
وصام المنصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها، وكان الليل كله يبكي، فتقول له أمه: يا بني، قتلت قتيلًا؟، فيقول: أنا أعلمُ بما صنعتُ بنفسي.
قال الجماني: لما حضرتْ أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته، فقال: لا تبك، وأشار إلى زاوية في البيت، إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة.
كان بعض السلف يقول: صم الدنيا واجعل فطرك الموت، الدنيا كلها شهر صيام المتقين يصومون فيه عن الشهوات المحرمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم.
وقَدْ صُمْتُ عَنْ لذاتِ دَهْرِي كُلِّها ... ويَوْمَ لِقَاكُمْ ذَاكَ فِطرُ صِيامِي
من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجل ما حُرَّمَ عليه
стр. 344
قبل وفاته؛ عوقب بحرمانه في الآخر؛ وفواته، قال الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
كان الإمام علي يقول في آخر ليلة من رمضان: ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه.
وكذلك كان يقول ابن مسعود ﵄: من هذا المقبول منا فنهنيه؟، ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟
وكأن المستفاد من ذلك أولًا أن قبول الأعمال غيب، وأن غاية ما كان من سعي المكلفين إنما هو في تحصيل صور الأعمال ومظاهرها، وأما المعول والذي عليه المدار في القبول؛ إنما هو حقائق الأعمال ومقاصدها.
فليت شعري من هذا المقبول فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه؟
إن ذلك غيب، لا يدري أحدٌ أين المقبول؟، وأين المحروم؟
واستفدنا كذلك أنه لا بد بعد إنقضاء العمل من وقفة المحاسبة للنفس، والنظر فيما كان فيه هذا العمل، وهل وقع هذا العمل من الله تعالى موقع القبول، أو كان هذا العمل في محل الرد والحرمان؟
فاكتسبت النفس لذلك وَجَلًا بعد ما ظنت انقضاء زمان السعي والمجاهدة، جاءها زمان آخر .. زمان المحاسبة للنفس، والمعاقبة على تقصيرها، والمجاهدة لشكر نعم الله عليها.
قال بعض السلف: كانوا يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم: أيقبل منهم أم لا، فما ينفكون من وجلهم وإشفاقهم في أثناء أعمالهم، وما يذهب عنهم وجلهم ولا إشفاقهم بعد انقضاء تلك الأعمال، لا يدرون قبلت منهم أعمالهم أم ذهبت تلك الأعم الذي غير محل القبول؟
стр. 345
واستفدنا كذلك من قول الصحابيين الجليلين أن لايزال العبد واقفًا بباب الله، فهذا المقبول لا ينقضي بعمله المقبول سعيُه، بل يقتضي هذا العمل المقبول سعيًا موصولًا في شكر نعمة الله التي آتاه، وفي القيام بحق الله في التوفيق للعمل الصالح، وفي مزيد التنعم بما أذاقه الله من حلاوة الطاعة.
وكذلك ذلك المحروم، لا ينقطع به الرجاء من ربه الكريم ﷻ ؛ بل إن حرمانه ذلك يعني ذهاب جولة من جولات السعي بسبب سوء فعله ومرذول قصده، فإذا حصل له التنبه لذلك فلابد أن تكون جولة سعيه الأخرى أحظى بالقبول وأرجى لاستحقاق رحمة أرحم الراحمين.
مَنْ هذا المقبول الذي أُعين على الصيام والقيام، وعلى إصلاح وظائف الأعمال من الصلوات المكتوبات والجمعات.
مَنْ هذا المقبول الذي أُعين على وظيفة الصدقة ووظيفة تلاوة القرآن، وختم له رمضان بالسداد في الأعمال الصالحات؟
مَن هذا المقبول فنهنيه؟
مقتضيات القبول:
أولًا: الانكسار لعظمة الله:
وتهنئتنا له وتهانينا إليه بفضل الله الذي آتاه، وأن ذلك يعني منه مزيد إنكسار لعظمة الله، وعرفان بنعمة الله ، ومزيد سعي لشكران تلك النعم.
فعن أبي عمران الشيبانى: قال موسى يوم الطور: يا رب .. إن أنا صليتُ فمن قِبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن أنا بلَّغتُ رسالاتك فمن قِبلك، فكيف أشكرك؟، فقال الله تعالى لموسى: الآن شكرتني.
стр. 346
فهذا قول الكليم .. كليم الله .. وهو قول العارف بفضل الله المقر بإحسانه، قال: يا رب، إن أنا صليت فمن قِبلك، لا من سعي نفسي، ولا من تحصيلها، فلو وُكِلْتُ إلى نفسي، ولو وُكِلَتْ النفسُ إلى ما فيها؛ لما كان من العبد إلا العجز والتقصير، والتواني والذنب، والخطيئة والسيئات.
يا رب .. إن أنا صليتُ فمن قِبلك، وإن أنا تصدقتُ فمن قِبلك؛ فكذلك ليس المال من تحصيلي؛ بل هو من رزقك وفضلك وعطائك، ولو شئتَ لم أكتسب شيئاً من ذلك المال، وقد أُحضرت الأنفس الشُّح، وجُبلت على الإمساك والبخل، فلولا أن تجود عليَّ بمباعدة شُحِّ نفسي؛ ما كان مني صدقة ولا إنفاق.
فيا رب، إن أنا تصدقت فمن قِبلك، فليس لي من ذلك العمل أيُّ شيء أنسبه لنفسي.
ويا رب، إن أنا بلغتُ رسالاتك فمن قِبلك، فليس ذلك البيان، ولا الشفقة على المكلفين، ولا الإعانة على البلاغ، ولا إيصال ذلك إلى قلوب المكلفين، ولا حركة المكلفين بموجب ذلك، وليس شيءٌ من ذلك من سعي العبد ولا من تحصيله؛ بل كل ذلك بفضل الله وإحسانه.
وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك؛ فكيف أشكرك؟
فلو كانت الصلاة شكرًا، فما هي من سعيي، والشكر فعل ينسب إلى العبد لا إلى صاحب الإنعام والإكرام.
وإن كانت الصدقة شكرًا، فهي كذلك من فضلك؛ فليس ينسب إلى العبد شيء من ذلك.
وإن كان البيان عن الله والبلاغ لرسالته شكرًا؛ فهو كذلك من الله لا من المخلوقين.
стр. 347
ذهبت حيل السعاة في شكر الله، وعجزوا عن شكر الله على نعمه، فأصبح إقرارهم بالعجز هو إعلانهم بالشكر لله على نعمائه.
فكان جواب الكريم للكليم: الآن شكرتني.
إقرارك بعجزك عن الشكر هو حقيقة ذلك الشكر، فإن شكر نعمة الله يكون بنعمةٍ أخرى من الله وفضلٍ وإحسان، يستوجب شكرًا آخر، حتى يكون الشكر الآخر نعمةً أخرى تستوجب شكرًا آخر، وهكذا.
فيُفضي الحال إلى الإقرار بالعجز، والإعلان بالقصور، وأن شكر نعمة الله هو الإعلان بالعجز عن شكره.
ثانيًا: شهود مِنَّةِ الله:
فليت شِعري مَنْ هذا المقبول فنهنيه، على فضل الله الذي آتاه، وأن ذلك يقتضي الإعلان بشكر نعمة الله، والإعلان بالعجز عن القيام بذلك، وأن ذلك يقتضي مع تلك التهنئة الالتفات للعمل والنظر إليه، حتى يشهد منة الله فيما كان، وحتى يرى تقصير نفسه في كل عبادة يرى فيها أوجه عجزه وأبواب قصوره وضعفه وتوانيه وتباطئه مع فضل الله السابق، وإحسان الله تعالى الغالب عليه.
ثالثَا: مطالعةُ عيبِ النفسِ والعمل:
وتهنئة المقبولين تعني التفاتًا إلى نعمة رب العالمين، وتعني رجوعًا إلى هذه الأعمال التي كانت، بالنظر إليها، والتفتيش في أوجه القصور والنقص فيها، وأنه كان ينبغي أن تكون هذه الأعمال أفضل مما تأدت، وأن حق الله أعظم من ذلك، وأن حق خطايا هؤلاء المقبولين وسيئاتهم يقتضي عملًا أكثر، فما يُزيل أدرانَ قلوبهم أضعاف أضعاف ما قدموا؛ بل إن هذه السيئات والعيوب
стр. 348
تقتضي منهم سعيًا موصولًا وعبادةً غيرَ منقطعة وشغلًا دءوبًا بذكر الله ومحبته إلى الممات، لا يقوم حق الله بدون ذلك.
فليت شِعري مَنِ المقبول؟، حتى يستحق تلك التهاني، وينال مع تلك التهاني تنبيهات على سعيه.
رابعًا: استقامة القلب:
ليت شِعري مَن هذا المقبول فنهنيه؟، حتى تكون تهنئتنا له على ما نال قلبه من ذلٍّ لله وتعظيم لأمره، وانكسارٍ من ذلك القلب، ورقةٍ على الخلق ليستديم ذلك الحال، وليتحول إلى شخصٍ آخر بعد منحة الله له في رمضان، وعطائه إليه وإحسانه.
خامسًا: الثبات على العمل الصالح:
ليتَ شِعري مَن المقبول فنهنيه؟، بأن يرجو موسم رمضان آخر بينهما عبادة موصولة، وشغلٌ بالله وطاعته وخدمته ومحبته، شغلٌ دائمٌ غيرُ منقطع.
ليتَ شِعري من هذا المقبول فنهنيه؟، حتى تكون تهنئتنا له سببًا لثباته على ما وفَّقهُ الله له من العمل الصالح.
فما ينقضي مع انقضاء رمضان صيامه ..
وما يذهب مع ذهاب ليالي رمضان قيامه ..
وما يعود إلى ما كان منه من وحشةٍ بينه وبين مصحفه وورِد قرآنه ..
ليتحول إلى شخصٍ مقتدٍ بالنبي ﷺ "فقد كان عمله ﷺ دِيْمَةً" (١).
стр. 349
وأخبر ﷺ : "إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (١)، فأحب العمل أدومه وإن قل، فيكون تهنئتنا للمقبولين سببًا لدوامهم على ما آتاهم الله من أسباب التوفيق، فيقتدون في ذلك بسنة النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
تهانينا .. تهانينا
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن لا تغتر، إنما قبلتَ بتوفيق الله، وتسديد الله، وفضل الله ورحمته، وليس منك؛ فليتعلق قلبك بالله شكرًا لله.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن لا تفرح بعملك؛ فإن الله يستحق أكثر من ذلك.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احرس قلبك حترل لا تضيِّع لذة الطاعة التي حصلتها في رمضان.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر المشي والقعود مع البطالين والاغترار بهم.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن اعلم أن علامة القبول الازدياد كل يومٍ من الطاعة.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن سل نفسك: هل قوة الاندفاع للعبادة ضعفت عندك أم لا؟
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن هل لو مت الآن ستجد الله راضيًا عنك.
стр. 350
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن سل نفسك: هل عملي يبلغني أعلى الجنان أم يكفي لمجرد نجاتي من النار؟
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر الفتور والقعود عن طاعة الله.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن إذا لعبت أو لهوت بعد رمضان فهذه علامة الخسران.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر أن يعود قلبك لقساوته بعد أن انجلى في رمضان.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر أن تهدم ما بنيته، وتعبت فيه وسهرت من أجله.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر أن تكون رمضانيًّا، تتعامل مع الله شهرًا وتتركه أحد عشر.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر أن تزوغ بقلبك بعد أن ذقت وعرفت، حتى لا تثبت على نفسك الحُجَّة يوم القيامة.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن اعلم أن واجب الشكر لله يحتم عليك أن تشكر نعمة الطاعة التي وفقك الله إليها وأعانك عليها بالعمل، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن لا تُهِنْ نفسك بعد أن أكرمك الله بالعبودية له وحده.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر أن تعصي ربك وتهجر كلامه.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر جمود العين وسوء الأخلاق.
стр. 351
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر تضييع الأوقات، فكما كنت حريصًا على الوقت في رمضان حافظ عليه بعده.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن حافظ على الشحنة الإيمانية الكبيرة التي معك وزد عليها ولا تنقص.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن هل أنت حزين بانتهاء الشهر أم فرحان؟
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن أريدك أن تقارن بين قلبين: قلبك في رمضان، وقلبك بعد رمضان .. انظر وتأمل.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن سل نفسك: هل أنا بعد رمضان مقبلٌ على الدنيا بقلبي وعقلي أم أن الآخرة مازالت أكبرَ همي؟
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر أن ينتهي الصيام بانتهاء رمضان.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن السعيد من استعد ليوم الوعيد.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر من الاعتماد على ما قدمت؛ فإن من يحب مولاه يواصل السير إليه.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر الالتفات والمكر؛ فالله معك يسمعك ويراك.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن اعلم أن الحقيقة، حقيقة القلب لا الظاهر فحسب، قال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا في نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥].
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر ضياع التقوى التي حصلتها.
أيها المقبول، تهانينا؛ ولكن احذر أن يقال لك: تعازينا ..
стр. 352
وليت شِعري من هذا المحرو فنعزيه؟
حتى يرى أن مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا، وأن التفسير الذي يكون في عمله الصالح ينبغي أن يكون أشد عليه من ضره في بدنه أو ماله، وأنه مهما أصابه من مصائب الدنيا، فحق جبرانها وتعويضها مضمون، وأما مصيبة الدين فحظه من الله قد ذهب، وحظه من الآخرة قد ولَّى.
مقتضيات الحرمان:
فليت شِعري كيف يستدرك ذلك، وقد فات وذهب بذهاب أيامه وأزمانه؟
أولًا: الإقرار بظلمه لنفسه:
ليت شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، وكلنا ذلك المحروم، حتى يعلم أن ما أصابه بكسبه ومرذول عمله وسيئاته في قصده ووجهته، وأن ذلك مع إحسان الله وفضله غيرُ لائقٍ منه، وغيرُ مناسبٍ لعقله وإيمانه، وأن الله تعالى لم يظلمه شيئًا، ولكن ظلم نفسه.
قال سبحانه في الحديث القدسي: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (١).
ثانيًا: التنبه لشؤم السيئات:
ليت شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، ويعلم أن هذه السيئات والتفريطات إنما هي نتاجُ سابقِ السيئاتِ والتفريطات، وأن جزاء الحسنةِ التوفيقُ لحسنةٍ بعدها، وأنَّ عقوبة السيئة الخذلان حتى يقع في سيئةٍ تتلوها وتكون بعدها.
стр. 353
ثالثًا: لزوم الوقوف بالباب:
ليت شِعري من هذا المحروم حتى نعزيه؟، ويكون عزاؤنا أن فضل الله الواسع يقتضي لزوم الوقوف بالباب، وألا يفارق العبد باب ربه مهما كان من ظلم العبد أو سوء فعله، فلا يزال من الله الكرم والجود، وإن كان من العبد البخل والإمساك، ولايزال من الله الإحسان والعطاء، وإن كان من المكلفين الإساءة وسوء الفعل.
رابعًا: لزوم التوبة:
ليتَ شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، ويعلم أنَّ الله يبسط يده بالله ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلع الشمس في مغربها، ويعلم أن باب الله لا يزال مفتوحًا، وأن الله تعالى لا يرد توبة التائب "لله أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " (١).
فلا تزال التوبة متاحة ما لم تبلغ روحك أيها المحروم حلقومك، فمتى أمدك الله وأفسح في أجلك فلا تزال مدةُ تراجعِك قائمة، لايزال أمرُ توبتِك لازمًا غير معفيِّ أنتَ منه.
خامسًا: إصلاح العمل:
ليتَ شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، حتى يعلم أنه لا بد له من أن يصلح عمله؛ حتى يكون عمله ذلك بالنية الخالصة لرب العالمين ..
وحتى يكون عمله ذلك وَفْقَ سنة النبي ﷺ ..
стр. 354
وحتى يكون عمله ذلك خاليًا من آفة الغرور وآفة العجب، فلا يرى عملًا يُعجبُ به؛ بل يرى فضل الله الذي يستوجب انكساره وذله لربه، صاعلانه بالعجز عن شكره، ولا يرى نفسه التي تأدى منها العمل، بل يرى نفسه التي هي أسباب القصور في العمل والعجز عن القيام بحق الله تعالى.
سادسًا: إنما يتقبل الله من المتقين:
قال علي ﵁: "كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتمامًا بالعمل، ألم تسمعوا الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقال بعضهم: لأن أكون أعلم أن الله يتقبل مني مثقال حبَّة من خردل أحب إلى من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقال بعضهم: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم رمضان.
كل ذلك يعني أن رمضان بذهاب أيامه ينقض، وأن وظائف رمضان لا تزال قائمة، وأن ما كان من عمل في رمضان فلا يزال ينادي على المكلفين ويستتبع اهتمامهم بقبول ذلك العمل، بعد ما وقع منهم العمل، فقد كانوا يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا، وكان خوفهم ألا يقبل منهم عملهم أشد عليهم من العمل نفسه، فما يذهب بذهاب مواسم الطاعات الإقبال على الله ، ولا الاهتمام بالأعمال الصالحات.
بل إذا ذهبت مواسم الطاعات؛ بقي بعد ذلك استكمال حقوق هذه الطاعات، واستتمام ما يكون من لوازمها، من النظر فيها، والتفتيش في آفاتها، والحذر من إفشائها؛ حتى تكون أبعدَ عن الرياء.
стр. 355
تعازينا .. تعازينا
أيها المحروم، تعازينا؛ أيها المحروم جَبَرَ الله مصيبتك؛ ولكن لم تنته الدنيا بانتهاء رمضان ومازال في العمر بقية، ومازال ربنا ﷻ يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فتب وقد تاب الله عليك.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن لا تيأس: ﴿أَلًا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، إذا كان في الصوم دعوة مستجابة؛ ففي كل ليلة ربك يقول في الثلث الآخر: "هل من سائل فأعطيه"، ما زالت أمامك فرصة لم تنته، القضية أنك لن تُخَلَّد في جهنم مادمت مُوحَّدًا، مازالت أمامك فرص.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن قف لتنظر من أين أُتيت، لم خُذِلت، بمَ انتكست، لا شك أنه من عند نفسك ﴿رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، الفرص كانت أمامك متاحة وأنت خَذلت نفسك، أنت أوكستَ نفسَك، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]؛ فلذلك قف لتتخلص من النفس الأمارة بالسوء، قف لتتأمل كيف ضاع منك رمضان كما ضاع سنين، قف فالمؤمن لا يُلدغ من جُحْرٍ واحدٍ مرتين.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن إن كان قد ضاع منك رمضان؛ فإن الله الحيَّ باقٍ معك على الدوام، يدعوك للإقبال عليه والإنابة إليه؛ فأقبل تُقبل.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن اعلم أن أبواب الرحمات مفتوحة طوال العام، قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقبل توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها" (١).