سبقت غضبه، وأن مؤاخذته سبقت عقابه، سبحانه فهو الكريم، فاشكر نعمة الله على ذلك، كم رآك على معصية طيلة السنة فسترك وعافاك وأمهلك وأخَّرك حتى أدركك رمضان، ومنحك الفرصة لتتوب فيتوب عليك ويكرمك ويعطيك ويمنحك ويغفر لك ما تقدم من ذنوبك طيلة عمرك؛ ولكن لا بد من الاستعداد لهذا الشهر قبل مجيئه، حتى تتروض النفس على الطاعة قبل الشروع فيها، لابد من إعداد العدة وأخذ الأهبة لرمضان.
قال : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]، فلما لم يعدوا العدة للخروج عُلم أنهم غير صادقين؛ لذلك عوقبوا بالتثبيط والخذلان، فإن كنت تريد العتق من النار في رمضان .. إن كنت تريد أن تقبل، وتمحي خطيئتك فلابد من إعداد العدة، يقول ابن القيم ﵀: "حذارِ حذار من أمرين: أن يأتي واجب الوقت وأنت غير مستعد له ومتهيء لفعله، فتعاقب بالتثبيط عن فعله والتخذيل عن تحصيله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ الله إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣].
وحذار من رد الأمر لأول وهلة لمخالفته هواك؛ فتعاقب بتقليب القلب، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] " اهـ.
من هنا عُلم أنه لا بد من الاستعداد لشهر رمضان قبل دخوله حتى لا تعاقب بالتثبيط عن أفعال الخير والتخذيل عن زيادة الطاعات في رمضان، وافهم الآية في ضوء هذا الكلام، أن كراهية الله انبعاثهم وتثبيطهم كانت نتيجة عدم استعدادهم أصلًا وعدم صدق رغبتهم في ذلك، إما إذا استعد الإنسان للعمل وتجهز لأدائه وأقبل على الله راغبًا إليه؛ فإن الله سبحانه أكرم من أن يَرُدَّ عبدًا أقبل عليه.
стр. 37
ولذلك كان السلف يستعدون لرمضان استعدادًا حقيقيًّا يبدأ ذهنيًّا، فيدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أخرى بعد رمضان أن يتقبل رمضان، فكأن السنة كلها رمضان، ومن الاستعداد أيضًا أن رسول الله ﷺ كان يكثر الصيام في شعبان حتى كان يصومه كله إلا قليلًا، وما رؤي في شهر هو أكثر صيامًا من شعبان، وما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان.
هؤلاء السلف كانوا يعرفون قدر رمضان، قال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللَّهم سلِّمْنِي إلى رمضان وسلِّم إليَّ رمضان، اللَّهم سلمنا لرمضان وسلم رمضان لنا، وتسلمه منا متقبلًا.
بلوغ رمضان نعمة من الله علينا:
أيها الإخوة، إن بلوغ شهر رمضان، وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، يدل على ذلك هذا الحديث: عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رجلان من بلى من قُضاعة أسلما مع النبي ﷺ ، واستشهد أحدهما وأُخِّر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله: فأُرِيت الجنة فرأيت فيها المؤخر منهما أُدْخِل قبل الشهيد فعَجِبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة أو كذا وكذا ركعة صلاة السُّنة؟ "، وفي رواية قال: "وأدرك رمضان فصامه، وصلى كذا وكذا سجدة في السَّنة؟ " قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : "إن الذي بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض" (١).
فبلوغ رمضان نعمة، ومن حرم من رمضان فهو المحروم، من حرم خيره فهو المحروم، ومن لم يتزود لاستقباله فهو ملوم ..
стр. 38
أتى رمضانُ مزرعةُ العبادةْ ... لتطهيرِ القلوبِ مِنَ الفسادِ
فأدِّ حقوقَهُ قولًا وفعلًا ... وزادَكَ فاتخذهُ للمعادِ
فمَنْ زرعَ الحُبوبَ وما سَقَاها ... تَأَوَّهَ نادمًا يومَ الحَصَادِ
وقد ذكر العلماء أن شهر رجب شهر البذر، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر جني الثمار، فلكي تجني الثمار في رمضان لا بد من بذر يبذر، وأن يسقى حتى تكون له ثمرة.
أيها الإخوة، إننا ينبغي ابتداء أن نستعد لرمضان وذلك بخطوتين:
الأولى: إثارة الشوق، بأن يثور من قلوبنا شوق لأن نستقبل رمضان فنرحم فيه وتعتق رقابنا من النار.
والثانية: إنك لو اشتقت لشممت ريح رمضان عن بعد كما شمَّ يعقوب ريح يوسف، فلو شممت ريح رمضان ولبست قميصه لعاد قلبك بصيرًا،
فالاستعداد لرمضان بخطوتين: الشوق، وبصيرة القلب.
أما الشوق فإنه عملية غليانٍ في القلب تحفُّزًا لاستقبال محبوب غائب طال انتظاره، وأما البصيرة والنور في القلب فإنها تجعل الإنسان يرى فضل الأيام وثمرة الأعمال ووعود الآخرة، فيكون ذلك دافعًا لعلو الهمة في الاستقبال والاستعداد.
إخوتاه، حريٌّ بنا أن نستعد استعدادًا حقيقيًّا لاستقبال شهر رمضان، أن نعلم كيف نصومه حقًّا. إنك في عبادة من ساعة نويت الصوم عند طلوع الفجر كأنك دخلت الصلاة بتكبيرة إحرام، فإياك أن يلتفت قلبك عن الله أثناء النهار، في أثناء النهار أنت صائم يعني عابد لله، فاحذر من التفات القلب، وهذه هي بصيرة القلب، أن ترى بعين قلبك طيلة نهار الصيام نفسك قائمًا بين يدي الله .
стр. 39
وشهر رمضان عند الله شهرٌ معظم، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا يكفي تعظيمًا له؛ أن القرآن أنزل فيه، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، فهو شهر عظيم تعظم فيه الطاعة وتعظم فيه كذلك المعصية، فافهم هذه القضية لتعلم خطورة الجناية على النفس بالمعاصي في رمضان.
قال العلماء: إذا قوي الداعي وتم الترك عظم الأجر، وإذا ضعف الداعي وتم الفعل عظم الوزر.
وقد استخرجوا هذه القاعدة من حديث النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "ورجلٌ دعته امرأة ذاتُ منصبٍ وجمال؛ فقال: إني أخاف الله" (١)، الداعي إلى المعصية هنا قوي؛ لأنها هي الطالبة، ولأنها ذات منصب وجمال، ولكنه ترك ذلك لله، فهو في ظل عرش الرحمن، "وشاب نشأ في عبادة الله" هذا في ظل عرش الرحمن أيضًا؛ لأن الداعي إلى المعصية الحامل عليها قوي، وتم الترك فعظم الأجر.
والعكس بالعكس، إذا ضعف الداعي وتم الفعل عظم الوزر، قال النبي ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذاب، وعائلٌ مستكبر" (٢)، شيخ زان أي رجل كبير السن ويقع في الزنا، فهذا إضافة إلى عقوبة الزنا أنه لا يكلمه الله، ولا يزكيه، ولا ينظر إليه، فكيف إذا جئت يوم القيامة فلم يكلمك الله؟، ولم ينظر إليك؟!
стр. 40
يا له من هجر!، لعلك تتمنى ساعتها أن تكون ترابًا، فليس ثمة عقوبة أشد من أن تحرم من رؤية الله، فكيف إذا أعرض عنك لا يكلمك، ولا يزكيك، ولا ينظر إليك، يا لها من عقوبة!، لو علمتها قلوبنا لانفطرت، اللَّهم لا تصرف وجهك في القيامة عنا ..
وفي رمضان يضعف -بلا شك- الداعي إلى المعصية؛ لأن المعين على المعصية مفقود، أبواب الجنة مفتحة، وأبواب النار مغلقة، والشياطين مسلسلة وأكثر المسلمين مشغولون بالطاعات، ثم تعصي الله!! فيكون العاصي في رمضان قد ارتكب عظيمًا اللَّهم عافنا من الذنوب والمعاصي.
أخي الحبيب:
إنه زمان طاعة، وقد يسر الله لك الأمر وأعانك عليه، بل وذكر سبحانه أيام الصيام فقللَّها بقوله جل وعلا: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فاحترم الشهر ولا تجترم الآثام في تلك الأيام، وأنا أحذرك من قطاع الطريق إلى الله، الداعين إلى معصيته في هذا الشهر من وسائل الإعلام المختلفة في الجرائد والمجلات، والراديو والتليفزيون، والمسارح والسهرات، إياك والمعاصي في هذا الشهر؛ فإنه كما تضاعف الحسنات فيه تضاعف أيضًا السيئات؛ لأنه ينضاف إلى المعصية الظاهرة من زنا العين بالنظر إلى الحرام وكذب اللسان بالزور والفحش والبهتان، ينضاف إلى ذلك معصية قلبية من الكبائر وهي عدم تعظيم حرمات الله؛ فاحذر أن ينزل بك بطش الرحيم الرحمن في شهر رمضان.
أيها المسلمون .. عباد الله المؤمنين .. شهر رمضان كله رحمات، وزيادة طاعات، ومضاعفة حسنات، فأبشروا يا معاشر المسلمين، فهذه أبواب الجنة الثمانية في هذا الشهر لأجلكم قد فتحت، ونسماتها على قلوب المؤمنين قد
стр. 41
نفحت، وأبواب الجحيم كلها لأجلكم مغلقة، وأقدام إبليس وذريته من أجلكم موثقة.
ففي هذا الشهر يؤخذ من إبليس بالثأر، وتستخلص العصاة من أسره، فما يبقى لهم عنده آثار، كانوا فراخه قد غذَّاهم بالشهوات في أوكاره، فهجروا اليوم تلك الأوكار، نقضوا معاقل حصونه بمعاول التوبة والاستغفار، خرجوا من سجنه إلى حصن التوبة والإيمان؛ فأمنوا من عذاب النار، قصموا ظهره بكلمة التوحيد، فهو يشكو ألم الانكسار، في كل موسم من مواسم الفضل يحزن، ففي هذا الشهر يدعو بالويل لما يرى من تنزل الرحمة ومغفرة الأوزار، غلب حزب الرحمن حزب الشيطان، فما بقي له سلطان إلا على الكفار، عزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لسلطان التقوى فاعتبروا يا أولي الأبصار.
إخوتاه ..
شهر رمضان شهر التيقظ، شهر التحفظ، إخوتاه .. بين أيديكم سفر، والأعمار فيها قصر، وكلكم والله على خطر، كونوا على حذر من الجبار وقد قدر، اعرفوا قَدْرَ من قَدَر، تذكروا كيف عصيتم وستر، وأيم الله لو قمتم على البصر، وسجدتم شكرًا لله سجدتم على الإبر، ما وفيتم شكر نعمة الله ولا على نعمة الستر، أما طوى القبيحَ والجميلَ نشر؟!، أما بعضُ نعمهِ السمعُ والبصر؟!!
إخوتاه .. آن الرحيل وما عندكم خبر!، إلى كم توعظون ولا تتعظون؟!، إلى كم توقظون ولا تبصرون، أكلفتم ما لا تطيقون، أكلمتم بما لا تفهمون؟، ما لكم عن مآلكم تعرضون؟، ما هذا الفتور وأنت سالمون؟!، ما هذا الرقاد وأنتم منتبهون؟!، إخوتاه .. أدركوا أنفسكم اليوم بتوبة قبل أن يدرككم الموت .. اللَّهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت راحة، وبعد الموت جنة ونعيمًا.
стр. 42
هذه تهيئة لرمضان، وتقول السيدة عائشة ﵁: "ما كان رسول الله ﷺ يصوم في شهر من السنة أكثر من صيامه من شعبان كان يصومه كله" (١)، وفي رواية: "كان يصومه إلا قليلًا"؛ فلذلك استعدَّ لرمضان بكثرة الصيام حتى تتعودَ النفس على الصيام .. قم الليل في شعبان، أكثر من تلاوة القرآن، وأكثر من ذكر الله تعالى .. تمهيدًا للدخول في رمضان.
قال السَّرِيُّ السَّقْطِي: السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفاس العبد ثمرتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها.
ويقول بعض السلف: رجب شهر الغرس، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر جني الثمار، فإذا أردت جني الثمار في رمضان؛ فلابد من الغرس في رجب وسقي ذلك الغرس في شعبان.
إننى عندما أقول لك: صم في رجب وشعبان، وقم الليل فيهما، وتصدق فيهما، واغرس الأعمال الصالحة في رجب وتعاهدها بالسقي في شعبان؛ إنما أقول ذلك لكي تستشعر بعد ذلك في رمضان لذة الصيام، ولذة القيام وقراءة القرآن، ولذة الصدقة وسائر اللذات؛ لأن الأمر يحتاج إلى صبر ومصابرة وطول مُكْث .. لا يأتي من أول وهلة، وأيام رمضان قليلة، ومرور أيامه سريعة؛ فلذلك لا بد من الاستعداد الجِدِّي قبله بفترة كافية.
فإذا كنت من أهل الصدق وأردت فعلًا الاستعداد؛ فإليك أيها الحبيب برنامجًا عمليًّا للتأهيل والاستعداد:
*هيا إلى العمل*
стр. 43
تمرينات الاستعداد
التمرين الأول: التدريب على تجويد التوبة:
إن أول واجب للاستعداد لرمضان: التوبة، اللَّهم تب علينا توبةً نصوحًا، اللَّهم تب علينا توبةً ترضيك ..
وذلك لأن التوبة وظيفة العمر، تلزم العبد في كل لحظة، قال الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وكان ﷺ يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وكان يُسمع منه في المجلس الواحد مئة مرة يقول: "رب اغفر لي وتب علي؛ إنك أنت التواب الرحيم" (١).
وليست التوبة كما تفعل دائمًا: تبت .. تقول: أستغفر الله بلسانك وقلبك غافل لاه .. أو تظن أن التوبة هي التوبة من النظر إلى المتبرجات، أو التوبة من الكذب والغيبة والنميمة فقط لا غير .. إنني أريد التوبة هذه المرة من حياتك .. التوبة من نمط الحياة التي نعيشها .. التوبة من نمط التفكير الذي تفكر به .. التوبة من الآمال العريضة التي نعيش لها .. التوبة من حياتنا ككل.
التوبة من هذه الحياة .. إننا نريد حقًّا أن نتوب، إننا نريد تجويد التوبة، نريد تدريبًا عمليًّا على توبةٍ جديدةٍ جيدة.
أخي .. قبل دخول شهر رمضان جدِّد التوبة .. حسِّن التوبة .. أتقِنِ التوبة .. اصدُقِ التوبة .. إنك بحاجة إلى أن تتوب أخي لا من الذنوب
стр. 44
والمعاصي فحسب -وإن كانت هي الأُوْلى والأَوْلى؛ ولكننا بحاجةٍ إلى توباتٍ أُخَر .. بعد التوبة من الكبائر الظاهرة والباطنة، والتوبة من المعاصي الملازمة والعارضة .. بحاجة إلى التوبة من أشياء أخر منها:
أولًا: التوبة من تضييع الأوقات:
(١) الليل:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]، وحين وصف عباد الرحمن قال عنهم : ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، فهذه وظيفة الليل في الإِسلام، السكون والراحة والخلوة مع الله والتعبد، هذا هو ليل المسلمين، ولكن مع شديد الأسف! انظر إلى ليل المسلمين هذه الأيام: يا حسرةً على العباد!!
تحول ليل المسلمين إلى لشعب ولهو ومعاص وغفلة، وحول بعضهم ليله نهارًا، ونهاره ليلًا، وضاع الليل .. ضمن الأوقات الضائعة .. ضاع الليل بساعاته الغالية وأوقاته النفيسة، ضاع الليل بفرصه الذهبية وفتوحاته الربانية .. ضاع الليل وهم يقولون: شهر رمضان شهر السهر!! .. هذه فرصتك .. فتقرب إلى الله تعالى وتب من تضييع ليلك في المعاصي واللَّهو، وأثبت صدق توبتك هذه بقيامك بين يديه تناجيه وتستجديه أن يغفر لك، فرصة لا تضيعها.
(٢) بالشرود الذهني في الفراغ:
أخي في الله، هل تمر بك أوقات تجلس صامتًا لا تفعل شيئًا، فقط تجلس شاخصًا ببصرك إلى الفراغ وتفكر في لا شيء، هذا هو التجسيد الحقيقي للغفلة .. غفلة مطبقة على القلب .. على العقل .. غفلة مستحكمة، وكلما
стр. 45
ازداد شخوصك هذا زاد تمكنها منك، تب من ذلك ولا تجلس فارغًا، اشغل لسانك وقلبك بذكر الله، واشغل عقلك بالتفكر في هذا الذكر .. توبة يتبعها عمل صالح.
(٣) مأساة المواصلات:
كم من الوقت يضيع منك يوميًّا في الموصلات أخي في الله؟، على الأقل ثلاث ساعات يوميًّا، وتضيع كلها في معصية الله، من الاختلاط بالنساء وإطلاق البصر، وغيرها، ولو شئت في هذه الساعات لذكرت الله .. اغتنم هذا الوقت ولا تضيعه، هذا الوقت يكفيك لآلاف من الذكر يوميًّا، أيضًا جوِّد هذه التوبة بيقينك أن هذه الفترة فرصة سانحة لذكر الله والانشغال به .. جوِّد التوبة.
(٤) النوم:
قلت لكم سابقًا: هذا الشهر يحتاج لهمة عالية، وأصحاب العشر ساعات نوم يوميًّا ليسوا ذوي همة عالية، بل هم أهل البطالة والكسل، فإذا قلت لي: إنك تحتسب نومك هذا لله، قلت: تحتسب عشر ساعات!! بل وثمان أيضًا، كيف تحتسبها؟ الاحتساب أن تقول: يا رب .. سأرقد فقط لأتقوى على طاعتك .. وهل تتقوى على طاعة الله بعشر ساعات نوم، لن أحدد لك عدد ساعات نومك، ولكن كل هذا وقت ضائع من عمرك .. حدِّد أنت ما يكفيك، والتوبة من ذلك أن تتوب من الخداع بأن تعلم أن الله الذي يراقبك يعلم سبحانه ما يكفيك، فجوِّد التوبة ولا تخادع.
ثانيًا: التوبة من اللسان:
قال رسول الله ﷺ : "وأعوذ بك من شر لساني" (١)، وفي حديث معاذ بن
стр. 46
جبل الطويل حين سأل رسول الله عن عمل يقربه من الجنة ويبعده عن النار؛ فقال له رسول الله ﷺ في نهاية الحديث: "ألا أدلك على رأسِ الأمرِ وعمودِه وذِروةِ سِنَامِه"، ثم قال: "هل أدلك على ملاك ذلك كلِّه"، قال: نعم، قال: "أمسك عليك هذا"، وأمسك بلسان نفسه، فقال معاذ: أوَمؤاخذونَ نحنُ بما نتكلمُ فيه؟، فقال رسول الله ﷺ : "وهل يَكُبُّ الناس على وجوههم في النار إلا حصادُ ألسنتهم" (١).
وهل يجرُّ لسانك عليك إلا كُلَّ شر، فأنت إن تركته أهلكك: كذب .. غيبة .. نميمة .. بهتان .. رياء .. عجيب .. احتقار .. زنا .. اللَّهم إنا نعوذ بك من شرور ألسنتنا. ومن مآسي اللسان في عصرنا:
(١) مأساة التليفونات:
لا شك أن ثورة الاتصالات التي حدثت في عصرنا لها فوائد ونفع الله بها المسلمين في جوانب، وخدمت الدعوة الإِسلامية في نواح متعددة؛ لكن مأساة التليفونات في عصرنا عجيبة، ولابد لها من وقفة شرعية أيها الإخوة، فأكثر الناس في هذه الأيام يحمل أكثر من تليفون في جيوبه، والسؤال لك أيها المسلم الملتزم السُّني، يا طالب الآخرة، يا حريصًا على رضا الله، ماذا تصنع بهذا التليفون؟
دعونا من المراوغة وتعالوا نتكلم في الصميم، إن وجود التليفون في يد كثيرٍ من الناس مجرد منظرة مثل الناس، تقليدٌ أعمى، فليس صاحبنا رجل أعمالٍ خطير، ولا شخصية مهمة، ولا يمثل التليفون بالنسبة له أي
стр. 47
دور ولا أثر، فما الذي كان؟، الآفات الثلاثة التي يكرهها الله، قال رسول الله ﷺ : "إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال" (١).
اجتمعت تلك الآفات الثلاثة في التليفون، فليس في هذه الاتصالات إلا القيل والقال، وفواتير التليفونات وثمن الكروت صار إرهاقًا للميزانية يُقتطع من فم الأولاد.
أخي الحبيب، تب إلى الله، وألق عنك هذا الجهاز قبل دخول رمضان، تستجمع شمل قلبك، وتفرغ همك للطاعة، ويقل الانشغال.
(٢) القصص والحكايات والمنامات، وكرة القدم والفن:
أيها الأحبة في الله، الكلام شهوة، حتى إنك تجد بعض الناس لا يكف عن الكلام، وإنك إذا جلست في مجلس -وجوب ذلك- ساكتًا صامتًا تتأمل، نقِّل بصرك وأذنك لتسمع الأطراف المتحاورة، تجد كلامًا فارغًا وحوارات سقيمة وحكايات عقيمة، قصص وحكايات، أخبار وروايات، كلها لا قيمة لها، تضر ولا تنفع.
ومما زاد الطين بلة كثرة الافتراءات في ذكر المنامات، فتجد الكل يؤلف ويحكي أنه رأى، والآخر يفتي ويؤَوِّل .. ومثله الكلام عن كرة القدم والفن وأكثره زور وبهتان ..
فتب إلى الله أيها الأخ الكريم من القصص والحكايات قولًا وسمعًا، واغتنم الوقت بذكر الله ..
стр. 48
(٣) الوصف والمبالغات والنفاق والمجاملات:
قال رسول الله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" (١)، وآفة الاختلاط بالناس وبدافع الفضول البشري والاستشراف للاطلاع على أسرار الخلق، يجعل كل ذلك شغف الناس بكثرة الكلام، ولكن المصيبة الأكبر أن يحصل نوع من المبالغات أو التوسع في الوصف الدقيق لموضوعات لا تحتاج ولا تحتمل ..
والأبشع من كل ما مر: المجاملات الزائفة الكاذبة والنفاق الاجتماعي المتبادل، فهل من توبة من هذا الخطر المستطير الذي يهدد بخسف ومسخ وقذف؟!
(٤) التهريج والمزاح، والفحش والبذاء:
قال رسول الله ﷺ : "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء" (٢)، وقال رسول الله ﷺ : "لا تكثروا الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب" (٣).
صار من سمات الباطل في عصرنا خفة الدم زعموا .. وليس ثمة أثقل من كذوبٍ فاحش يستضحك الناس بالباطل، والأخبث في الموضوع أن يشارك في هذا الأمر من يلتزمون بالدين ويظهرون حب الله ورسوله، فيحولون أكثر المواقف جدية إلى مزاح!!
فاتقوا الله يا قومنا، ونزهوا ألسنتكم عن فضول الكلام، فضلًا عن الفحش والبذاء والتهريج والمزاح.
стр. 49
ثالثًا: التوبة من العلاقات:
(١) معارف للظروف:
كثيرًا ما تسأل أحدهم: كم جزءًا قرأ من القرآن اليوم، ويكون الجواب: أنا أتمنى والله أن أقرأ؛ ولكن المشكلة .. ليس هناك وقت!، وحين تتساءل: أين ضاع الوقت؟، وكيف ضاع الوقت؟؛ فإنك ستجد أن من أخطر ما يضيع الوقت كثرة الاختلاط بالناس ..
إننا نستهين بمكالمة لمجرد المجاملة، قد يضيع فيها نصف ساعة، ومصافحة وكلمتين "ع الماشي" بعد الصلاة أمام المسجد يضيع فيها نصف ساعة أخرى، وهكذا، تضيع الأوقات بغير فائدة، والعبد مسئول عن عمره فيما أفناه.
أرجو أخي الحبيب قبل دخول رمضان أن تحجِّم علاقاتك .. أن تختصر معارفك .. ليس هناك مجال لأداء حقوق كل هؤلاء ..
والتوبة من هذا تكون بتحقيق الإخلاص في العلاقات، بإقامة صرح الحب في الله، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فتنضبط العلاقات بضابط الحب في الله والبغض في الله فتكون عبادة.
(٢) مجاملات بالحرام:
في العلاقات الكثيرة المتشعبة لا بد من المجاملة، وأحيانًا لا مجال للمجاملة إلا بالكذب، أو على حساب الآخرين وكلاهما حرام، فلابد من التوبة من المجاملات؛ قل الحق ولو كان مرًّا، والساكت عن الحق شيطانٌ أخرى فلا تجامل بالحرام، وكُفَّ لسانك.
стр. 50
(٣) الاختلاط المحرم:
أكبر آفات العلاقات أن تكون العلاقة آثمة بين رجل وامرأة مهما زعموا أنها علاقة بريئة، دعونا نكون صرحاء، ليست هناك علاقة بريئة، كلها علاقات محرمة، إننا يا قوم عبيد، يحكمنا دين يقوم على أمرٍ ونهي، وليس الحاكم في ذلك العادات والتقاليد أو الهوى والشهوات ..
فتجب التوبة قبل دخول رمضان من كل علاقة آثمة حتى يطهر القلب ..
رابعًا: توبة القلب:
(١) التوبة من الخواطر:
أحلام اليقظة متعة بعض الناس، أخي الحبيب: لا يقتلك الوهم، عش الحقيقة وإياك وأحلام اليقظة، إياك من الخواطر الرديئة، اجعل خواطرك تحت السيطرة، لا تدعها تخرج من تحت يدك، إنك إذا تركت الخواطر ترعى في قلبك وعقلك بغير ضابط ولا رابط؛ فستعيش الوهم وتصدقه، كم من أناسٍ قتلهم وَهْمُ المشيخة، وهم ليسوا على شيء، وآخرون قتلهم وهم طلب العلم وعاشوا أحلام اليقظة في ثياب فضفاضة ليست من ثيابهم.
أخي الحبيب .. قبل رمضان عش الحقيقة وأنس الوهم، وتب إلى الله، انشغالك بالعمل يخرجك من هذا الوهم.
(٢) التوبة من التعلق بغير الله:
قال الله : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، إياك أخي الحبيب والتعلق بغير الله، الكل سيخذلك ويتخلى عنك إلا الله العظيم، فلا تنشغل
стр. 51
بالآخرين، واجعل انشغالك بمن ينفعك انشغالك به، تب من التعلق بالأسباب والتعلق بغير الله.
(٣) التوبة من الأماني والتسويف وطول الأمل:
تلكم الثلاثة أمراض خطيرة تقتل الإيمان ..
إخوتي في الله: أحذركم من السين وسوف .. أحذركم من الاغترار بالأماني، قال الحسن البصري ﵀: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قومًا غرتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، قالوا نحسِنُ الظن بالله وكذبوا؛ لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
(٤) التوبة من العجب والكبر والغرور ورؤية النفس:
وهذه الأمراض أيضًا تقتل الإيمان، وتذهب بالعبد إلى الجحيم، فالمعجب محبط عمله، ولن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، والغرور قتال، ورؤية النفس تجعلك تختال، فاحذر يا مسكين، فإنك لا تدري بم يختم لك، تب من كل ذلك وانكسر واخضع وذل لربك لعل أحد هؤلاء الذين تزدريهم قد سبقك إلى الجنة بمراحل، ولله في خلقه شئون، فاحذر .. عجل بالتوبة، ومن تواضع للهَّ رفعه.
خامسًا: التوبة من الكسل:
(١) كم بين العلم والعمل:
ونحن على أبواب رمضان، والكل بلا استثناء يعرف فضائل رمضان، ويحفظ الوعود على الأعمال، ولكن ماذا أفاد هذا العلم؟، وبم نفع هذا الحفظ؟، أين العمل؟!
стр. 52
تب أيها المسكين من الكسل، فقد استعاذ النبي ﷺ منه، قال رسول الله ﷺ : "اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال" (١)، فاستعذ بالله وانتفض قائما، واعمل بما علمت، هذه توبة ..
(٢) ضعف اليقين في الوعد والوعيد:
قال رسول الله ﷺ : "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة" (٢)، أنا قلت الآن: سبحان الله وبحمده ونظرت في الساعة فإذا هي ثانية واحدة، لو ثبت يقينك في هذا الوعد أنك تكتسب بالثانية الواحدة نخلة في الجنة، وقد قال رسول الله ﷺ : "ما من نخلة في الجنة إلا وساقها من ذهب" (٣) فوزن ساق نخلة من ذهب مئات الكيلوات، هذا ثمن كل ثانية من عمرك، وأنت تضيعه شذر مذر .. لا تبالي ولا تذر، وإنما أتيت من ضعف يقينك، لو ثبت يقينك في ذلك الوعدة ما ضيعت لحظة من عمرك وما ركنت إلى الكسل وترك العمل .. اعمل يا كسلان.
(٣) الترخص المهين:
بعض الناس يريد التفلت من الدين ولكن بدين، فهو يبحث عن الرخص، ويتخذ الخلاف بين العلماء مسوغًا للهروب، فكل المسائل عنده فيها خلاف بين العلماء، وهو يرجح فيها بهواه، ويختار ما يوافق شهوته، ويظن أنه على شيء، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ
стр. 53
عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
تب أخي الحبيب من هذا الترخص المَهين واستعن بالله على الأخذ بالعزائم، والعمل الجاد المثمر، والله المستعان.
وقد جعلت الكسل آخر هذه العناصر؛ حتى لا نكسل في التوبة، فلنسارع الآن .. حالًا .. ونتوب إلى الله ..
إخوتاه .. هذه توبة لازمة .. ليست استعدادًا لرمضان فحسب؛ فلعلنا لا ندرك رمضان؛ ولكنها لازمةٌ استعدادًا للموت، فقد تموت الآن في هذه اللحظة؛ إذا فتب ولا تسوف.
التمرين الثاني: التدريب على تعظيم الشعائر:
غفلة القلب من أضر الأشياء على العبد؛ ولذلك لا بد في الاستعداد لرمضان من التدريب على يقظة القلب، ولا شك أن من يقظة القلب أن يراعي شعائر الله وأن يعطيها حظها من التوقير والتعظيم وحفظ الحرمة، وهذا مطلبٌ خطير يجب أن يراعى في الاستعداد لرمضان.
فيجب أن نكون من داخلنا خائفين قلقين؛ أن يفوتنا رمضان من غير أن نعتق من النار ونكتب من أهل الجنة .. أصحاب السبت لما لم يعظموا أمر الله في عدم الصيد يوم السبت؛ مسخهم الله قردة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
والله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فهذا أمر وفرض وشعيرة عظيمة، من عظَّمها فهو المتقي، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
стр. 54
التمرين الثالث: التدريب استقامة القلب:
لكي نستعد لرمضان لا بد من استقامة القلب، بأن يكون اللهُ أحبَّ إلينا من كل شيء، فنقدم محبته على كل شيء، وأن نعظم أمره ونهيه؛ لأن تعظيم الأوامر والنواهي من تعظيم الآمر الناهي، وأن نقوم بعملية تطهير ظاهري وباطني.
ويكون ذلك بأمور منها:
١ - التعلق بالله:
أن يتعلق القلب بالله وحده، وإنَّ من أكبر عوامل فساد القلب التعلق بالأسباب، لا تظن أنك بهذه الأسباب وحدها ستوفق لطاعة الله؛ بل لا بد من عون من الله لك، لا بد أن يتعلق قلبك بالله، فأنت لا حول لك ولا قوة، والحول والقوة لله وحده، ومن أخطر نتائج التعلق بالأسباب أن يحول الله بينك وبين قلبك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
لا بد لك من شوق محرق يأخذ بيدك إلى ربك، ولا يحصل لك ذلك إلا بأن تطالع أسماء الله وصفاته، وتشاهد منن الله عليك وفضله السابغ، وتطالع جنايتك فتتحسر على فوات الزمان في غير طاعة الله، فتتشوق لاستدراك الفائت، وتهفو نفسك إلى عمل صالح يكفر ما قد كان من فعالك، تذكر سبق السابقين وأنت لازلت قابع في شهواتك، تذكر يوم الوعيد وأنت تأكل يديك حسرةً وأهل الإيمان في الفردوس الأعلى قد تناءوا عن أمثالك.
стр. 55
٢ - استيعاب القلب لأسرار الطاعات:
واستلهام حلاوة الإيمان .. فإذا فقه القلب أسرار الطاعة، وذاق لذة الطاعة، انصلح حاله.
إن آفة الأعمال أيها الأحبة أن تجري على الشكليات .. على المناظر .. على ما يبدو في الظاهر .. هكذا نشأ أكثر أهل عصرنا، يتوضئُون ويصلون ويصومون ويعتمرون ويحجون، وكل العبادات يؤدون كما رأوا آباهم وأجدادهم يفعلون، هكذا يستمرون، كما يفعل الناس يفعلون، دون دراسة حقيقية لأسرارها أو فقه لروحها، وبالتالي ضاع أثرها.
وُعْدتَ ترى صلاةً بغير خشوع، وقرَآنًا بغير تدبر، وصيامًا بغير تبتل، وحَجًّا وعمرة بغير حُبٍّ وشغفٍ وشوق .. كل العبادات تؤدى شكليًّا أداءً للواجب؛ ولكن دون وعيٍ صحيح بأسرار العبادة؛ فكانت النتيجة أن تجد أعمالًا بغير نتيجة، ولا أثر لها على شخصية العبد ولا على حاله مع الله.
إننا أيها الأحبة .. إذا أردنا أن نذوق طعم العبادة، ولذة الطاعة فلابد من معرفة حقيقية لأسرار العبادة، ورمضان له أسرار، وأسرار الصيام أعظم، ولعلك إن قرأت هذا الكتاب بكامله تجمع لك من متفرقه أسرار هذه الطاعة العظيمة.
التمرين الرابع: تدريب القلب على الأنفة من المعاصي:
الأصل في القلب وجود هذه الأنفة بالفطرة، ولكن الفطرة تتبدل كما هو معلوم، وكما قيل: كثرة المساس تفقد الإحساس؛ فلذلك ينبغي على الإنسان أن يتحرى قبل رمضان إعادة هذه الحاسة إلى قلبه عند عدمها، أو تقويتها حال ضعفها، فيستنكف أن يعصي الله وخصوصًا إذا استشعر حالته الإيمانية أثناء الصيام. ولابد لكي تُدرِّب القلب على الأنفة من المعاصي قبل
стр. 56
رمضان من معايشة المعاني الروحية العليا، كي تعوِّد القلب على النفور من الكذب واستهجان الغيبة والنميمة وإنكار المعاصي والحذر منها، ولابد أن يعايش معاني تدبر القرآن وتفهم الأذكار، ويذوق لذة المناجاة والتضرع بين يدي الله، فمن ذاق الحلاوة أَنِفَ من مرارة المعاصي؛ فتصبح همته متطلعة إلى معالي الأمور وتكره سفسافها.
وفرصة الاستعداد لرمضان تدريب فِعلي على الأنفة من المعاصي بكثرة الصيام وتلاوة القرآن، وحال الانشغال بذلك لا يتصور عاقل أن يمارس المعصية حال أدائه للطاعة، والأمر يحتاج إلى استنكار عقلي، ثم رفض ذهني، ثم انصراف فعلي عن المعاصي.
التمرين الخامس: الترويض على الانكسار لله :
قال : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، إن رؤية الإنسان لنفسه بعين الغنى تجره إلى الطغيان ومجاوزة الحد، فلا يليق بالمؤمن إلا الفقر، وهو أصل خلقته، ولكن هذا الفقر الداخلي يحتاج إلى استشعار حقيقي ليظهر أثره على الجوارح وفي الفكر والتعبد.
ومعلومٌ أن الفقر وصفٌ ذاتيٌّ لكل مخلوق، وصفٌ لازم له، كما أن الغنى وصفٌ ذاتي للخالق ﷻ ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]؛ فلابد أن تُظهر فقرَك وذُلَّك وانكسارَك بين يديه .
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] .. وحينما تنظر في الفرق بين المسلمين يوم بدر ويوم أحد؛ ماذا تجد؟ .. يوم بدر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ .. يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] .. هناك فرق بين من
стр. 57
خرجوا للجهاد حفاة .. عراة .. جياعًا .. والرسول ﷺ يناجي ربه: "إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض" (١)، وبين: ليرينَّ اللهُ ما أصنع.
في الأولى كانوا فيها في قمة الذل والانكسار .. وفي الثانية كان هناك شيء من رؤية النفس .. لم ينكسروا تمام الانكسار فكسرهم .. سبحانه عزيز لا يغالب.
أيها الإخوة، الطاعات مدد وأرزاق .. وحينما تدخل على الملك وأنت فقير يعطيك، وإذا دخلت عليه وأنت مستعلٍ طردك؛ لا بد أن تدخل بفقرك وضعفك وحاجتك ومسكنتك.
وهذا الباب -باب الذل- بابٌ عظيم يوصل إلى رضا الرب الكريم ﷻ ، كما قال بعض السلف: أتيت الله من الأبوب كلها فوجدتها ملأى؛ فأتيته من باب الذل فوجدته خاليًا، وكان شيخ الإِسلام ابن تيمية يفتخر بفقره لربه، وبأنه عريق النسب في الفقر إلى الله، فيقول:
أنا المُكَدِّي وابنُ المُكَدِّي ... وهكذا كانَ أبي وَجَدِّي
إن إظهارك الافتقار لله يستجلب لك رحمة الله وعفوه، فأنت فقير إلى الله، والله غني عنك وعن عملك، وكل ما تعمل من عمل إنما هو لنفع نفسك: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]، فالله لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، ولو أن خلقه كلهم أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجلٍ منهم؛ ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منهم؛ ما نقص ذلك من ملكه شيئًا.
стр. 58
التمرين السادس: استئصال الأورام الخبيثة:
أيها الإخوة .. قد يتسرطنُ عيب .. وقد يتجدرُ ذنب .. وقد تتأصلُ عادة .. ولا يُجدي مع هذا أساليب العلاج التقليدية .. إنما هي عملية جراحية قبل دخول رمضان لاستئصال كل عيب.
أحد عشر شهرًا قضيناها في اللعب والتهريج، لذلك فإن علاج أمراض ومآسي وذنوب ومخالفات وغفلة سبعة أشهر ليس بالأمر السهل؛ لأنه من الممكن في هذه الفترة أن يظهر عيبٌ صغير، ولكن تركه سبعة أشهر كاملة يتسبب في انتشار سرطاني في الإيمان.
ومشكلة السرطان أنه يتفشى وينتشر ويملأ ما حوله .. فلابد من الإسراع في معالجة هذه العيوب والذنوب والعادات السيئة، لئلا تهيج وتقضي على القلب .. وعلاجها ليس تقليديًّا بالمهدئات والمسكنات .. لا .. بل تحتاج لاستئصال سريع لإسعاف الحالة الإيمانية .. والاستئصال يتطلب خطوات ثلاثة:
١ - همة عالية .. شحذتهَا بالأعمال:
قال الله ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٣ - ٤].
وقال رسول الله ﷺ : "لو كان الإيمان في الثريا؛ لناله رجال" (١).
وقال ابن القيم عليه ﵀: الوصول إلى المطلوب موقوفٌ على همةٍ عالية ونية صحيحة.
стр. 59
أحبتي في الله ..
الكلام سهل، والوصف والتوصيف غاية في البساطة، والوهم قاتل، والأماني تغر، والمَحَكُّ هو العلم، فأين الأعمال؟، كثيرًا ما نسمع كلامًا ونحصل على وعود ولا نرى عملًا حقيقيًّا مؤثرًا، كما قيل: أسمعُ ضجيجًا ولا أرى طحنًا.
كثير من الشباب في غاية الكسل، لا يعمل ولا يتحرك ثم يشتكي الفتور! .. ويشكو عدم الخشوع، ويشكو قسوة القلب، ودواؤه بين يديه، قم واعمل، قال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
إننا وبين يدي رمضان، نحتاج إلى همة عالية، نحتاج أن ندخل رمضان بنفسية التحدي، أكون أو لا أكون .. وكأني بالصحابي الجليل أنس بن النضر وكان قد غاب عن غزوة بدر، ونزل قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]، قال: والله لئن أشهدني الله مشهدًا ليرين ما أصنع .. إنني أتعجب من هذه العزيمة .. أنا في غاية الإعجاب بهذه الكلمة.
أخي الحبيب ..
كم فات في عمرك رمضان، لم تعتق رقبتك فيه على كثرة الفرص؟!
كم فات من عمرك رمضان لم تغفر ذنوبك المتقدمة على كثرة الفرص؟!
كم فات من عمرك رمضان، ولم تدرك ليلة القدر كما ينبغي على كثرة الفرص؟!
ليتك تصنع كما صنع أنس بن النضر فتقول كما قال: والله لئن بلغني الله رمضان .. ليرين ما أصنع ..
стр. 60
ولكن، القضية كما ذكرت لك سابقًا ليست كلامًا، إنها تحدٍّ وقوة وعزم .. لأننا رأينا من قالها قبل ذلك في أول رمضان ثم نام .. وإنما كانت صادقة من أنس بن النضر حتى إنه أشهد الله من نفسه البطولة في غزوة أحد بعدها مباشرة؛ لأنه انصدع قلبه عندما علم بأجر المجاهدين الذي فاته، فتحرق قلبه لنيل هذا الأجر، فاستعد له قبل دخوله؛ لذلك فإنني أريدك من الآن وقبل رمضان أن تستعد وتتهيأ.
فيلزمنا العزم .. والقوة .. والعمل المكثف المستمر .. مع الهمة العالية، حتى نبدأ في استئصال الأمراض القلبية التي تفشت مع الغفلة الإيمانية خلال السنة الماضية، فالخطوة الأول أن تكف عن الشكوى، وتترك الكلام، وتبدأ العمل.
٢ - لا تستعمل أي مخدر:
إننا نحتاج إلى بداية حقيقية، دعونا من الخدل، خداع النفس وخداع الآخرين، قال الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤٢ - ١٤٣]، بالمصارحة أقول: دعك من المسكنات، ودعك من حقن التخدير، وأطباء التخدير الذي يصفون العلاج المؤقت ويعالجون بالوهم.
إننا حين نريد أن نستقبل رمضان بنفسية التحدي التي اتفقنا عليها سابقًا -أكون أو لا أكون- لا يصلح أن أقول لك: تدرج في العبادات، في الصيام والقيام والذكر وتلاوة القرآن؛ فإن هذا الكلام لا يصلح اليوم، إنما يصلح في الأوقات العادية حينما يكون هناك متسع من الوقت، أما الآن وفي الاستعداد لرمضان .. ابدأ فورًا .. لا تستعمل المسكنات، ولا ترضى بالتخدير، وتحمل
стр. 61
ألم البتر، بتر البطالة والكسل، بتر الغفلة واللَّهو واللعب، بتر الأماني والخداع والجهل، بتر كل الأمراض ليصح الإيمان .. ابدأ فورًا.
٣ - ابدأ العملية الجراحة فورًا:
فورًا .. فورًا .. لا تسويف .. لك أسوة في أئمتك من الرسل والأنبياء، انظر إلى سيدنا موسى ﵇ كما جاء في الحديث: "أُرْسِلَ ملكُ الموت إلى موسى، فلما جاءه صكَّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عينه وقال: ارجع إليه وقيل له: يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم ماذا؟!، قال ثم الموت، قال: فالآن" (١). نعم إن كان الموت لا بد منه فالآن .. عزيمة ماضية.
وكذلك سيدنا النبي محمَّد ﷺ ، لما خير بين مفاتيح خزائن الأرض والخلد فيها وبين ما عند الله، اختار ما عند الله.
ولما استعد ﷺ للخروج إلى غزوة أحد ثم حاول بعض الصحابة أن يقنعوه بالمكث في المدينة، قال: "ما كان لنبي لَبِسَ لَأْمَةَ العرب أن يضعها حتى يفصل الله بينه وبين عدوه" (٢).
في الاستعداد لرمضان، لبست لأمة العرب وبدأت الاستعداد؛ فابدأ فورًا بدون تسويف وبدون تأجيل، لا تقل: سأحاول، قل: قررت، لا تقل شيئًا، ابدأ فعلا في التخلص من أمراضك القلبية ومعاصيك الظاهرة والباطنة، تخلص من الغفلة والجهل، تخلص من كل ما يحرمك من رضا الله ويحول بينك وبين دخول الجنة.
стр. 62
التمرين السابع: إجراء بعض تمارين العزيمة والهمة:
قال : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٦]، قالت السيدة عائشة ﵂: أنزل الله صدر سورة المزمل وفرض فيها القيام على رسول الله ﷺ وأصحابه، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه سنتين، حتى تورمت سوقهم حتى كأنها جذوع النخل، ثم أُنزِل آخرها وفيه التخفيف.
إنها تمارين العزيمة والهمة، في بداية أمر الدعوة والأمر شاق والحمل ثقيل، فلابد من تمارين العزيمة، بدأها جبريل ﵇ بغطة أو ثلاث غطات لرسول الله ﷺ كما وصفها صلوات الله وسلامه عليه حين قال: "فَغَطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني وقال اقرأ" (١)، ثم فُرِضَ القيام سنتين؛ تدريب وتربية.
كذلك لا بد من إجراء بعض تمارين العزيمة والهمة قبل دخول رمضان، لندخل رمضان بهمة عالية.
وكان أبو مسلم الخولاني قد عَلَّقَ سَوْطًا في مسجد بيته، يؤدب به نفسه، وكان إذا فترت رِجلُه عن القيام يضربها بالسوط وهو يقول: قومي فوالله لأزحفنَّ بك زَحْفًا، حتى يكون الكَلَلُ منكِ لا مني، ويقوم قائلًا: أيظن أصحابُ محمدٍ أن يستأثروا به دونَنا، كلا واللهِ لنزاحمنَّهم عليه، حتى يعلموا أنهم خَلفوا وراءهم رجالًا.
هيا يا رجال .. كونوا رجالًا .. زاحموا الأكابر .. لَا تَكَلُّوا ولَا تَمَلُّوا ..
وقال أبو الدرداء ﵁ لصُبَيح: يا صبيح؛ تعوَّد العبادة؛ فإن لها عادة، وإنه ليس على الأرض في شيءٌ أثقل عليها من كافر.
стр. 63
لا بد من استعداد حقيقي، استعداد عملي قبل رمضان، لا بد من تمارين العزيمة.
فليلة تصلى فيها ركعة بخمسة أجزاء كما فعل النبي ﷺ حين صلى في ركعة بالبقرة والنساء وآل عمران.
وليلة تقول: هذه ليلة الركوع، فيطول فيه التسبيح والتملق وتعظيم الرب.
وليلة تقول: هذه ليلة السجود، وتنقضي الليلة في سجود طويل يتسم بالذل والبكاء والخوف والرجاء ..
وليلة تقوم الليل كله بآية واحدة ترددها وتبكي وتتوسل بها حتى الصباح.
وهكذا تمارين، يوم للتسبيح، ويوم للتهليل، ويوم للصلاة على النبي ﷺ ، وتمارين سرد الصيام ووصال ليلة إلى السحر .. تمارين، وهكذا أخي الحبيب ابدأ تمارين العزيمة والهمة، استعن بالله ولا تعجز، واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن بعد العسر يسرًا.
التمرين الثامن: ترويض الحواس:
وذلك بأن تعود حواسك على الطاعة، فتعود عينك على النظر في المصحف، وتمنعها من النظر إلى المتبرجات، تعود أذنك على سماع القرآن، على سماع العلم، وتمنعها من سماع الأغاني والمسلسلات والكذب والفحش والزور، تعود لسانك على إدمان الذكر والإكثار منه، تعوده على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تروضه أن يقول الصدق، وأن يبذل النصيحة للمؤمنين؛ لأن هذه الحواس إنما هي منافذ للقلب، فالعين توصل إليه النظرات، والأذن توصل إليه الكلمات، واللسان يوصل إليه السيئات، والإنسان مسئول عن جوارحه وحواسه هذه يوم القيامة قال تعالى: ﴿إِنَّ اَلسَّمعَ
стр. 64
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فلابد من ترويضها استعدادًا؛ لأن تكون لينة منقادة لك في رمضان، ويسهل عليك فيه قيادها.
ولابد من الصبر على التمرين، واليقين من أن الله سيفتح عليك مع مداومة الوقوف ببابه، فالزم الباب واصطبر؛ فإنما هي ساعات .. والله كريم شكور، إذا رآك تجاهد فيه وتتدرب على طاعته فلن يُضَيِّعك بل سيعينك ويوفقك هذا هو الظن به وهو الكريم؛ فاستمر في الترويض والتدريب ولا تيأس إن تأخرت لذة الطاعة، طالما أنك في مقام التزلف إلى الله و"التليين" لرضاه، فهو القائل سبحانه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩]، ويقول رسول الله ﷺ : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل؛ يقول دعوت فلم أر يستجب لي" (١)، ويقول الله : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨]، ويقول سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥]، فمع الصبر والترويض تصل إلى ما تريد إن شاء الله.
التمرين التاسع: الاستحضار الذهني للعبادات قبل الشروع فيها:
هل رأيت نفسك وأنت ساجد؟
حاول أن تتخيل هذا المشهد؛ جبهتك على الأرض .. أنفك يضغط على الأرض .. بطنك تتدلى على الأرض .. خشوع عجيب غير مفتعل في العينين .. اليدين ترتكز بقوة على الأرض وكذلك الركبتين؛ لأنك لم تر هذا الوضع وتتأمله في نفسك لا تشعر به؛ لذلك أدعوك للتصور الذهني لأي عبادة قبل الشروع فيها، هذا يساعدك على تحصيلها كما ينبغي وإتقانها كما يجب.
فقبل أن تصلي بربع ساعة تفكر: من الذي ستقف أمامه؟ .. أغمض
стр. 65
عينيك وأستحضر أنني واقف أمام الله، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] .. وأستحضر عظمة الله، فينزعج القلب ويفزع، فيخاف ويخشع، والعلماء يقولون: الخشوع في العبادات قبل الشروع فيها؛ سببٌ للخشوع فيها، قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (١)، وفي الرواية الأخرى: "إذا أتيتم الصلاة- ائتوها بسكينة ووقار"،
قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: يستفاد منه أنه يعتمد للسير إلى الصلاة ما يعتمد في الصلاة .. كما يأتي المدد على قدر حضور القلب واستجماع الفكر والتركيز في العمل.
فلابد أخي الحبيب من فهم قضية الصيام والحكمة منه، واستشعار اللذة، خذ مثلًا للاستحضار الذهني من الآن مشهد إنسان قبل الأذان بدقيقة أو دقيقتين، هو في غاية الجوع والعطش والضعف والخور، وأمامه وبين يديه ملك يمينه جميع أنواع الأطعمة والمشروبات، ولا يرضى ولا يقبل أن يمد يده ليشرب أو يأكل، وإن قيل له: ما الفرق بين الآن وبعد دقيقتين؟
إن الاستحضار الذهني لهذا المشهد يجيبك أن الفرق كبير جدًّا جدًّا، وعظيم مجمله كلمة واحدة: حتى يأتي الإذن من الله.
إن الاستحضار الذهني لهذا المعنى هو الصيام، لا مجرد الترك، فافهم وجرِّب وقاوم وأنت في فترة الاستعداد.
التمرين العاشر: لزوم جناب الاحتشام ودوام الإطراق:
من أنت؟، هل تعرف نفسك؟، هل تعرف قدرك؟، هل تعرف
стр. 66
وضعك؟، اسمع معي هذا الحديث ثم قرر، قال رسول الله ﷺ : "أُذن لي أن [حدث عن ديك، قد مرقت رجلاه من الأرض، وعنقه مُنْثَنِ تحت العرش يُسبح الله فيقول: سبحانك ما أعظمك!، فيقول الله : ما عَلِم بهذا من حلف بي كاذبًا" (١).
وقال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة ما أسري بي جبريل وهو على هيئته، له ستمائة جناح كل جناح يسد الأفق" (٢)، تأمل معي هذه المخلوقات خَلْقٌ من خلق الله، وما بالك بالكواكب والنجوم والسموات والأرضين.
إن هذا التأمل يجعل الإنسان يتصاغر فيلزم الاحتشام ويديم الإطراق ولا يجرؤ على رفع رأسه، من أنت؟!، وماذا أنت؟!
ثم تسمع قول الله وفي وسط آيات الصيام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، إن استشعار هذا المعنى في الصيام خصوصًا في غاية الأهمية؛ لأن الصيام سر بين العبد وربه، فيحتاج إلى دوام المراقبة، ومع دوام المراقبة نصل إلى المعنى الأعمق، وهو استشعار المعية، فيطرق الإنسان حياء ويحتشم خجلًا، وخصوصًا حال ذكر الله، قال ربنا في الحديث القدسي: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (٣)، وأيضًا: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" (٤)، وقال سبحانه في كتابه العزيز: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ولما علت أصوات الصحابة بالتسبيح قال رسول الله ﷺ : "إنكم
стр. 67
لا تدعون أَصَمَّ ولا غائبًا؛ إنكم تدعون سميعًا قريبًا، أقربُ إلى أحدكم من عنق راحلته" (١).
إنني أريد أن تنزل النصوص السابقة على قلبك دواء نقطة نقطة، لعلاج الأمراض القلبية الخطيرة، قبل دخول رمضان مثل: الكبر، والعجب، والغرور، ورؤية النفس، والتعالي على الآخرين، والأنانية وحب الذات، والأثرة، والافتخار، والمَنّ، والتألي.
قال ابن الجوزي -عليه رحمة الله: "تضاعَفْ ما أمكنك؛ فإن اللطف مع الضعف أكثر".
أنت تحتاج إلى لطف الله بك ليعافيك ويعينك، فأظهر ضعفك وانكسارك ولا تشمخ بأنفك فيعرض عنك فتخسر الدنيا والآخرة.
التمرين الحادي عشر: ملاحظة المنة:
قال ابن القيم -عليه رحمة الله: "والعبد يسير إلى الله بين مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس والعمل".
وأنت تتمرن على الطاعات استعدادًا لرمضان؛ ينبغي أيضًا أن تلاحظ فضل الله عليك لنوالك شرف الطاعة والتوفيق لها .. ملاحظة المنة لنوالك شرف القيام بين يدي الله .. لنوالك شرف ذكره .. وكرامة ورود كلماته على لسانك .. لنوالك شرف جريان العبادة على جوارحك رغم كثرة معاصيك .. أدخلك بيته ومَنَّ عليك بالحج والعمرة، وعافاك وقوَّاك .. وسمح لك وهو العظيم، وزاد فضلُهُ عليك فاختارك واصطفاك؛ على الرغم من عدم استحقاقك ..
إذًا استشعرت أنه سبحانه الأول الذي يُبتدأ من عنده الخير والرحمة؛ فهو
стр. 68
المعد وهو الممد، فبداية طاعتك من الله ونهايتها إلى الله، قال سبحانه: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٤ - ١٠٥].
وقال : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وأنت تعيش بين هذين الاسمين الأول والآخر .. استشعر ذلك حتى يحدث لك التبري من الحول والقوة؛ وعندئذ لا ترى عملك، وإنما ترى فقط أن الكريم سبحانه هو الذي مَنَّ عليك وشغلك بطاعته .. وأكرمك عنده .. اللَّهم أكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا.
ملاحظة المِنة تطهر القلب من رؤية العمل، وحظ النفس، والرياء والسمعة .. اللَّهم ارزقنا شكر نعمتك وحسن عبادتك .. اللَّهم إنا نحمَدُك حمَدا كثيرًا يوافي نعمَك ويكافِئ مزيدَك.
التمرين الثاني عشر: تهدئة نمط الحياة:
تخفيف سرعة حركة الحياة تمهيدًا للتوقف في رمضان، والتخفف من أعباء الدنيا ومحاولة إزالة همومها العارضة، والحذر من الانشغال بها والتلهي بها عن طاعة الله، فلابد من روية .. لا بد من دقة في التوفيق بين أعمال الآخرة التي هي خير وأبقى وبين أعمال الدنيا التي هي ذاهبة زائلة.
إننا نعيش في هذا الزمان حياة مليئة بالحركة والسرعة، فعلًا نعيش في هذه الأيام سرعة التغيير ودوام التغيير ومفاجأة التغيير، فلا توجد فرصة حقيقية للإنسان للتفكير قبل التغيير، وهذه أكبر أخطار هذا العصر؛ لذلك قبل رمضان نحتاج أن يمهل الإنسان نفسه، يعطي نفسه فرصة للَّهدوء الذهني والقلبي، فرصة لمراجعة
стр. 69
نمط الحياة، وتهدئة هذه السرعة؛ ليحصل التروِّي والتعقل في أخذ القرار بإيثار الآخرة على الدنيا فيكون الاستمرار لأن القرارات السريعة تتغير بنفس السرعة.
هيا أيها الحبيب .. الهدوء .. الهدوء .. السكينة .. السكينة.
أيها الإخوة ..
هيَّا استعدوا لرمضان ولا يكن حظكم منه الخسران والخذلان، يا أيها المجتهد، هذا ربيع جِدِّك، أيها الطالب هذه أوقات رِفدك، تيقظ أيها الغافل من سِنَةِ البطالة، تحفظ أيها الجاهل من شُبَهِ الضلالة، اغتنم سلامتك في شهرك، قبل أن تُرتهَنَ في قبرك، قبل انقضاء مدتك، وعدم عدتك، وانقطاع صوتك، وعثور قدمك، وظهور ندمك؛ فإن العمر ساعات تذهب وأوقات تنهب، وكلها معدودة عليك، والموت يدنو كل لحظة منك.
يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، يا شموس التقوى والإيمان اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي، يا قلوب الصائمين اخشعي، يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي، يا عيون المتهجدين لا تهجعي، يا ذنوب التائبين لا ترجعي، يا أرض الهوى ابلعي ماءك، ويا سماء النفوس أقلعي، يا بروق الأنوار للعشاق المعي، يا خواطر العارفين ارتعي، يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي، قد مدت في هذه الأيام موائد الإنعام للصُّوَّام؛ فما منكم إلا قد دُعي، ويا همم المؤمنين أسرعي، فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويلٌ لمن طُرد عن الباب وما دُعِي.
﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ في ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢]،
اللَّهم أعنَّا ووفقنا للإعداد لرمضان .. بحولك وقوتك يا كريم.
стр. 70
كيف نستقبل رمضان
حفاوة الاستقبال
من كانت له بداية محرقة .. كانت له نهاية مشرقة
стр. 71
استقبال رمضان
"الوصايا العشر قبل دخول الشهر "
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أمر الملك سبحانه أن من شهد فليعمل، وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك، لا تجعلهما سواء"، لا بد من التغيير.
إنه بمجرد ظهور هلال رمضان في السماء تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين وينادي المنادي.
سبحان الملك!، تغير جذري عجيب في الكون كله، يجب أن يستشعره المؤمن صاحب العقل اليقظ والقلب الحي، ويحصل منه استقبال لهذا الشهر، استقبالًا حقيقيًّا، فيظهر أثر ذلك الاستقب الذي تغيير نمط الحياة؛ لأنه يتعامل مع الكون، فإذا تغير الكون يجب أن يتغير هو أيضًا؛ لذلك أول ما نستقبل به الشهر:
فُكَّ الشدَّ العصبي في العِراك مع الحياة لتحصل المصالحة ..
لا بد من عقد هدنة بين جميع الأطراف خلال هذ الشهر لنصل إلى الهدف المنشود بسلام: العتق من النار، فإليك هذه الوصايا العشر، اعمل بها يرحمك الله.
الوصية الأولى: هدنة مع المناقشات والجدال:
في المنزل مع الزوجة والأولاد، وتهيئة بيئة رمضانية إيمانية، قال سبحانه: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠]، ويكون ذلك بما يلي:
стр. 72
(١) محاولة فض جميع المشاكل والمنازعات قبل دخول الشهر، حتى لا تعكر عليك جوك الإيماني، وحتى لا تعرقل طاعاتك التي تريد القيام بها , لا بد أن تتخلص من هذه المشكلات وأن تضع لها حلولًا جذرية حتى لا تؤثر على عبادتك.
(٢) إجراء محاضر صلح بين أفراد الأسرة جميعًا، فتنقي البيئة من حولك من شائبة الاختلافات والخصومات، واعمل على أن تُوجِد جوًّا من المحبة والتواد والتقارب بين أفراد الأسرة؛ فإن ذلك مما ييسر السبيل أن يطيعوك ويطيعوا ربهم ، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣].
(٣) عقد اجتماع طارئ وعاجل مع جميع أفراد الأسرة للاتفاق على المبادئ والأصول التي سيتم السير في ظلالها خلال شهر رمضان، ومن هذه المبادئ:
* التخلي عن التلفاز ومشاهدته، وإقناعهم أنهم لن يخسروا شيئًا إذا فعلوا، وتعالوا نجرب أن نستبدل ذلك بأعمال إيمانية وقربات نافعة.
* إيقاف سيول الأغاني الجارفة التي تقتل الإيمان.
* ضبط اللسان والحذر من انحرافه إلى ما يغضب الله.
* إلغاء السهرات والعزومات والدعوات أو التقلل منها، قدر الإمكان
(٤) اتخاذ السبل الجادة لإنقاذ جميع أفراد الأسرة من النار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، قال ابن عباس ﵁: أي علِّموهم الخير وأدبوهم.
الوصية الثانية: إقامة هدنة في العمل الزملاء والمسؤلين:
وذلك يكون بالتجاوز عن الخصومات ومصالحة الجميع ونسيان الخلافات،
стр. 73
والبدء بصفحة نقية بيضاء، لا نريد زوبعة المشاكل في العمل، ولا نريد الانشغال بقيل وقال، لا نريد ضياع الأوقات في فضول الكلام، ولابد من الإصلاح بين المتخاصمين والوصول إلى حل وسط لإرضاء جميع الأطراف في غير معصية الله، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
نريد أن يكون تعاملك مع زملائك في العمل مبنيًّا على حصول المكاسب لك في الدين، وإن خسرت الدنيا, ولابد كذلك من إتقان العمل وإحسانه لا سيما وأنت صائم تراقب الملك سبحانه، قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" (١).
الوصية الثالثة: إقامة هدنة مع نفسك للتخلص من سموم القلب:
وسموم القلب خمسة: فضول الطعام، وفضول الكلام، وفضول النوم،
وفضول الاختلاط، وفضول النظر.
١ - هدنة مع الأكل، إنه شهر صيام وتقلل لا شهر أكل ونهم وتوسع:
الطعام وقود الشهوات، وامتلاء المعدة بالطعام سبب لكسل البدن عن العبادة، وإذا أكل المرء كثيرًا شرب كثيرًا، فنام كثيرًا وخسر كثيرًا، وتأمل كيف أن النبي ﷺ أمر الشاب العَزَب بالصيام؛ وعلل ذلك بأن الصيام "وِجاء" أي قاطع للشهوة، يقضي عليها ويهذبها، وقد علمنا النبي ﷺ فِقْهَ الطعام فقال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلًا، فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنَفَسِه" (٢)، نريد
стр. 74
هدنة مع الأكل، قال سبحانه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [طه: ٨١]، اكتف بلقيمات كما أمرت.
٢ - هدنة مع الكلام: رجاء .. أغلق فمك في رمضان:
قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت" (١)، كل كلمة تخرج من فمك فهي إما ثواب وإما عقاب، قال الله ﷻ : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وكثرة الكلام مَدعاة للخطأ.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "من صمتَ نجا" (٢)، وقد جعل الله لك لسانًا واحدًا وأذنين ليكون ما تسمع أكثر مما تتكلم، والبلاء موكلٌ بالنطق، فاحذر فضول الكلام، واحذر الاسترسال في الحديث عن الدنيا فإن ذلك يقسي القلب، وإن استطعت ألا ترد على الهاتف إلا لأمر ضروري فافعل، وأن تأمر زوجتك بالتوقف عن المكالمات التي تمتد لساعات بلا فائدة، والتي تضيع الوقت، وعادة ما تؤدي إما إلى الحديث في أمور الدنيا، وإما في الغيبة والنميمة فهكذا أحاديث النساء دائمًا.
فلا تستخدم الهاتف إلا لطاعة الله كأن تبر والديك أو تصل رحمك أو تنهي أعمالا مهمة أو تدل على خير، وألجم لسانك عن قول ما لا يرضي الله ، وقد سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: "الفم والفرج" (٣).
стр. 75
وهما أيضًا سبب لدخول الجنة، فقد قال رسول الله ﷺ : "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" (١)، وهذا يدلك على خطر اللسان وخطر كل ما يخرج منه.
الشاهد إخوتاه: لا بد أن تتخلص من فضول الكلام؛ فإنه من سموم القلب، واستقبل رمضان بالصوم أيضًا عن الكلام.
٣ - هدنة السرير .. دعه يستريح منك شهرًا:
النوم نعمة من الله على عباده، لكنها إذا تعدت حد الإفراط أفسدت القلب، سيأتي معنا في برنامج الصائم اليومي أنه يكفيك أن تنام أربع ساعات في اليوم في رمضان؛ لأنك تطلب شيئًا عظيمًا، بل تطلب أعظم شيء وهو جنة الله، اللَّهم إنا نسألك الجنة يا رب، فلابد أن تقلل من ساعات نومك؛ لأنك في حالة طوارئ، تتعب في تحصيل غاية كبيرة، بل هي أكبر غاية، فاحذر كثرة النوم حتى لا يضيع عمرك ويضيع دينك وقلبك.
كلما حدثتك نفسك بالنوم والتكاسل عن العبادة، أغمض عينيك وتخيل الجنة، وقل لنفسك: أترضين أن نخسر الجنة؟، أتنامين وهناك من يسبقنا الآن إليها، أما علمت أن فلانًا يتلو القرآن الآن، وفلانًا يصلي من الليل الآن، فماذا سيفيدك النوم إذا سبقك هؤلاء إلى الجنة بدرجات!!
لذلك أنصحك -أخي- أن تجعل لك صديقًا مخلصًا ذا همة عالية تتنافس معه في العبادات، تتنافسان من يختم القرآن أولًا وكم مرة، تتنافسان على قيام الليل، وعلى ذكر الله، ويوقظ كل منكما الآخر فإن ذلك يجلب لك همة ونشاطًا، قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].