استقبال رمضان
"الوصايا العشر قبل دخول الشهر "
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أمر الملك سبحانه أن من شهد فليعمل، وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك، لا تجعلهما سواء"، لا بد من التغيير.
إنه بمجرد ظهور هلال رمضان في السماء تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين وينادي المنادي.
سبحان الملك!، تغير جذري عجيب في الكون كله، يجب أن يستشعره المؤمن صاحب العقل اليقظ والقلب الحي، ويحصل منه استقبال لهذا الشهر، استقبالًا حقيقيًّا، فيظهر أثر ذلك الاستقب الذي تغيير نمط الحياة؛ لأنه يتعامل مع الكون، فإذا تغير الكون يجب أن يتغير هو أيضًا؛ لذلك أول ما نستقبل به الشهر:
فُكَّ الشدَّ العصبي في العِراك مع الحياة لتحصل المصالحة ..
لا بد من عقد هدنة بين جميع الأطراف خلال هذ الشهر لنصل إلى الهدف المنشود بسلام: العتق من النار، فإليك هذه الوصايا العشر، اعمل بها يرحمك الله.
الوصية الأولى: هدنة مع المناقشات والجدال:
في المنزل مع الزوجة والأولاد، وتهيئة بيئة رمضانية إيمانية، قال سبحانه: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠]، ويكون ذلك بما يلي:
стр. 72
(١) محاولة فض جميع المشاكل والمنازعات قبل دخول الشهر، حتى لا تعكر عليك جوك الإيماني، وحتى لا تعرقل طاعاتك التي تريد القيام بها , لا بد أن تتخلص من هذه المشكلات وأن تضع لها حلولًا جذرية حتى لا تؤثر على عبادتك.
(٢) إجراء محاضر صلح بين أفراد الأسرة جميعًا، فتنقي البيئة من حولك من شائبة الاختلافات والخصومات، واعمل على أن تُوجِد جوًّا من المحبة والتواد والتقارب بين أفراد الأسرة؛ فإن ذلك مما ييسر السبيل أن يطيعوك ويطيعوا ربهم ، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣].
(٣) عقد اجتماع طارئ وعاجل مع جميع أفراد الأسرة للاتفاق على المبادئ والأصول التي سيتم السير في ظلالها خلال شهر رمضان، ومن هذه المبادئ:
* التخلي عن التلفاز ومشاهدته، وإقناعهم أنهم لن يخسروا شيئًا إذا فعلوا، وتعالوا نجرب أن نستبدل ذلك بأعمال إيمانية وقربات نافعة.
* إيقاف سيول الأغاني الجارفة التي تقتل الإيمان.
* ضبط اللسان والحذر من انحرافه إلى ما يغضب الله.
* إلغاء السهرات والعزومات والدعوات أو التقلل منها، قدر الإمكان
(٤) اتخاذ السبل الجادة لإنقاذ جميع أفراد الأسرة من النار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، قال ابن عباس ﵁: أي علِّموهم الخير وأدبوهم.
الوصية الثانية: إقامة هدنة في العمل الزملاء والمسؤلين:
وذلك يكون بالتجاوز عن الخصومات ومصالحة الجميع ونسيان الخلافات،
стр. 73
والبدء بصفحة نقية بيضاء، لا نريد زوبعة المشاكل في العمل، ولا نريد الانشغال بقيل وقال، لا نريد ضياع الأوقات في فضول الكلام، ولابد من الإصلاح بين المتخاصمين والوصول إلى حل وسط لإرضاء جميع الأطراف في غير معصية الله، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
نريد أن يكون تعاملك مع زملائك في العمل مبنيًّا على حصول المكاسب لك في الدين، وإن خسرت الدنيا, ولابد كذلك من إتقان العمل وإحسانه لا سيما وأنت صائم تراقب الملك سبحانه، قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" (١).
الوصية الثالثة: إقامة هدنة مع نفسك للتخلص من سموم القلب:
وسموم القلب خمسة: فضول الطعام، وفضول الكلام، وفضول النوم،
وفضول الاختلاط، وفضول النظر.
١ - هدنة مع الأكل، إنه شهر صيام وتقلل لا شهر أكل ونهم وتوسع:
الطعام وقود الشهوات، وامتلاء المعدة بالطعام سبب لكسل البدن عن العبادة، وإذا أكل المرء كثيرًا شرب كثيرًا، فنام كثيرًا وخسر كثيرًا، وتأمل كيف أن النبي ﷺ أمر الشاب العَزَب بالصيام؛ وعلل ذلك بأن الصيام "وِجاء" أي قاطع للشهوة، يقضي عليها ويهذبها، وقد علمنا النبي ﷺ فِقْهَ الطعام فقال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلًا، فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنَفَسِه" (٢)، نريد
стр. 74
هدنة مع الأكل، قال سبحانه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [طه: ٨١]، اكتف بلقيمات كما أمرت.
٢ - هدنة مع الكلام: رجاء .. أغلق فمك في رمضان:
قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت" (١)، كل كلمة تخرج من فمك فهي إما ثواب وإما عقاب، قال الله ﷻ : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وكثرة الكلام مَدعاة للخطأ.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "من صمتَ نجا" (٢)، وقد جعل الله لك لسانًا واحدًا وأذنين ليكون ما تسمع أكثر مما تتكلم، والبلاء موكلٌ بالنطق، فاحذر فضول الكلام، واحذر الاسترسال في الحديث عن الدنيا فإن ذلك يقسي القلب، وإن استطعت ألا ترد على الهاتف إلا لأمر ضروري فافعل، وأن تأمر زوجتك بالتوقف عن المكالمات التي تمتد لساعات بلا فائدة، والتي تضيع الوقت، وعادة ما تؤدي إما إلى الحديث في أمور الدنيا، وإما في الغيبة والنميمة فهكذا أحاديث النساء دائمًا.
فلا تستخدم الهاتف إلا لطاعة الله كأن تبر والديك أو تصل رحمك أو تنهي أعمالا مهمة أو تدل على خير، وألجم لسانك عن قول ما لا يرضي الله ، وقد سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: "الفم والفرج" (٣).
стр. 75
وهما أيضًا سبب لدخول الجنة، فقد قال رسول الله ﷺ : "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" (١)، وهذا يدلك على خطر اللسان وخطر كل ما يخرج منه.
الشاهد إخوتاه: لا بد أن تتخلص من فضول الكلام؛ فإنه من سموم القلب، واستقبل رمضان بالصوم أيضًا عن الكلام.
٣ - هدنة السرير .. دعه يستريح منك شهرًا:
النوم نعمة من الله على عباده، لكنها إذا تعدت حد الإفراط أفسدت القلب، سيأتي معنا في برنامج الصائم اليومي أنه يكفيك أن تنام أربع ساعات في اليوم في رمضان؛ لأنك تطلب شيئًا عظيمًا، بل تطلب أعظم شيء وهو جنة الله، اللَّهم إنا نسألك الجنة يا رب، فلابد أن تقلل من ساعات نومك؛ لأنك في حالة طوارئ، تتعب في تحصيل غاية كبيرة، بل هي أكبر غاية، فاحذر كثرة النوم حتى لا يضيع عمرك ويضيع دينك وقلبك.
كلما حدثتك نفسك بالنوم والتكاسل عن العبادة، أغمض عينيك وتخيل الجنة، وقل لنفسك: أترضين أن نخسر الجنة؟، أتنامين وهناك من يسبقنا الآن إليها، أما علمت أن فلانًا يتلو القرآن الآن، وفلانًا يصلي من الليل الآن، فماذا سيفيدك النوم إذا سبقك هؤلاء إلى الجنة بدرجات!!
لذلك أنصحك -أخي- أن تجعل لك صديقًا مخلصًا ذا همة عالية تتنافس معه في العبادات، تتنافسان من يختم القرآن أولًا وكم مرة، تتنافسان على قيام الليل، وعلى ذكر الله، ويوقظ كل منكما الآخر فإن ذلك يجلب لك همة ونشاطًا، قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
стр. 76
٤ - هدنة مع الناس .. أنفاس الناس دخان القلوب:
ومخالطة الناس بلاء، قال بعض السلف: هذا أوان السكوت ولزوم البيوت.
إن الناس يثبطونك ويخذِّلونك عن الطاعة، وقلما تجد منهم ناصحًا أمينًا، فاحذر مخالطة أهل الدنيا، فإن خلائقَ السفهاء تُعدي، وكما يقول علماء التربية: "الطِّباعُ سَرَّاقة"؛ و"الإنسان ابن بيئته"، فإن كان لا بد من مخالطة فلتكن يسيرة، ولتكن بالصالحين، وعليك بذوي الهمم العالية منهم، من إذا دللته على خير سبقك إليه لا يثبطك عنه. ابحث عمن تعلم أن همته في الثريا وليست في الثرى.
وقد أُمِر رسول الله ﷺ بأن يصبر نفسه مع المؤمنين المجدين في السير إلى الله؛ فقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ﴾ [الكهف: ٢٨]، ثم أمره تعالى بأن يجتنب مخالطة الغافلين وطاعتهم فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقد حذرنا ربنا كذلك من الركون إلى الظلمة ومخالطتهم، وهذا يشمل العصاة المجاهرين بالعصيان كذلك، فرؤيتهم تقسي القلوب، كما أن رؤية الصالحين تذكر بالله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣].
٥ - هدنة مع العينين .. أغمض عينيك .. أرح بصرك:
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وفي الآية التي تليها مباشرة: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، والنظر إلى المتبرجات يفتت عزم القلب .. يشتت القلب ويهلكه لأنه سم، وإطلاق البصر سبيل لحصول الظلمة في القلب، كما
стр. 77
أن غض البصر سبيل لحصول النور والبصيرة في القلب، ولذا جاءت آيات النور بعد آيات الأمر بغض البصر، وليس غض البصر عن النساء فقط، وإنما كذلك غضه عن النظر إلى متاع الدنيا الذي يُنسي ويُلهي، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
لا بد من راحة للبصر لكي تنطلق البصيرة، وسبيل ذلك أن يسعك بيتك ولا تنطلق في الشوارع، اشغل نفسك ببعض الطاعات: لا تجد وقتًا للخروج، واشغل بصرك بالنظر في المصحف، لا ترى أحدًا.
الوصية الرابعة: عمل هدنة الأرحام والوالدين:
إن شعورك -مجرد شعورك- أن كل الناس يحبونك ويعجبون بك.
مجرد شعور أنك ليس لك أعداء ولا أحد يحقد عليك.
هذا الشعور بمجرده يجلب راحة نفسية وهدوءا قلبيًّا وراحة ضمير، وراحة بال مطلوبة يحتاج الإنسان إليها.
وأنت أحوج لأن تستشعر هذا الأمر من المحيطين بك، وأقرب الناس إليك، أن ترى رضاهم عنك وسرورهم بك وحبهم لك، إننا نطلب هذا لا لنعجب بأنفسنا ولا طلبًا لراحة قلوبنا فقط وهدوئنا النفسي فحسب ولكن:
لنستطيع أن نجمع الهم ويسكن روع القلب، كي نعبد ربنا كما ينبغي .. إن الأجواء الإيمانية تتسم بالهدوء والسكينة واللطف .. ولاستقبال رمضان كما ينبغي لا بد من تهيئة هذه الأجواء، ولكن كيف؟!! ..
الإحسان إلى الجميع .. إراحة الجميع .. ولو على حساب نفسك .. مسامحة الكل والتنازل عن الحقوق، وأداء جميع الواجبات تجاه الجميع، ابذل كل ما تستطيع لعقد هدنة مع كل من حولك من الأقارب.
стр. 78
طاعة الوالدين فرض واجب ما لم يأمرا بمعصية الله، فيجب عليك طاعتهما والإحسان إليهما والبر بهما , ولابد أن تصل رحمك وأن تحذر من قطع الأرحام، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، يعني واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق الرحم، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك" (١)، ومن وصل رحمه وصله الله ومن قطعها قطعه الله؛ لذلك لا بد من زيارة الأرحام والسؤال عنهم ومساعدتهم إذا استدعى الأمر، كي يصلك الله برحمته في هذا الشهر الكريم، فابدأ شهرك بصلة رحمك. قال سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] فلهؤلاء حق وليس تفضلًا منك يا مسلم.
وإذا كان حق المسلم على المسلم ست؛ فإن ذا الرحم يزداد حقه على ذلك بصفة الرحم، والوالدان حقهما أعظم، ولا بأس من حمل شيء من الهدايا، والهدية تذهب وَحْرَ الصدر، الهدية تكون سببًا في المودة، قال رسول الله ﷺ : "تهادوا تحابوا" (٢).
الوصية الخامسة: عمل هدنة النفس لترك الذنوب والمعاصى والسيئات:
(١) هدنة في الحرب مع الله:
قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 79
الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]، حاول أن تعقد اتفاقًا مع نفسك لكي تكف عن الحرب بترك الذنوب والمعاصي تمامًا .. ابدأ فورًا بإقامة العهد مع النفس بالإقلاع عن الذنوب، والتوبة إلى الله ﷻ .
ولابد أن تكون هذه التوبة نصوحًا، بأن تكون شاملة لكل الذنوب، وأن تندم على كل ما عملت، وأن تعزم وتنوي ألا ترجع إليها مرة أخرى.
والتوبة واجبة من كل ذنب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وتأمل كيف أمر الله المؤمنين جميعًا بالتوبة وعلق عليها فلاحهم فقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
لا بد أن تعاهد نفسك على ترك المعاصي والسيئات، لا بد أن تتوب، وإن لم تتب فأنت ظالم بنص كلام الله ﷻ ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، ولابد أن تتخلص من إصرار النفس على الذنوب؛ فإن الإصرار على الذنب ذنب آخر.
(٢) البعد عن أسباب المعاصي، فلابد أن تغلق باب المعصية عن نفسك، ابتعد عن أماكن الاختلاط، ابتعد عن التلفاز، ابتعد عن قراءة المجلات والجرائد التي تدعو إلى الفتن، ابتعد عن كل سبب من أسباب المعاصي، حتى تحافظ على إيمانك، فإن للمعصية ظلمة في القلب وسوادًا في الوجه وبغضًا في قلوب الخلق.
لماذا تضع نفسك بين الفتن ثم تحارب لتنجو منها.
ولماذا تقترب من أسباب المعصية مع علمك بأن أسلم طريقة للنجاة من الفتن البعد عنها؟، وأنت تعرف حديث قاتل المئة كيف أمره رسول الله ﷺ بترك أرضه التي كان يعيش فيها؛ لأنها أرض سوء .. أسباب المعصية فيها
стр. 80
متوفرة، وأمره أن يذهب إلى أرض كذا وكذا؛ لأن فيها قومًا صالحين ليعبد الله معهم، فأمره بالبعد عن سبب المعصية، والاقتراب من سبب الطاعة.
(٣) العزم على عدم العودة؛ أن تنوي نية حقيقية صادقة ألا تعود إلى الذنب؛ لأن في الرجوع إلى الذنب هلاكك؛ لأنه قد يكون في رجوعك إليه سقوطك من عين الله .. إنك إذا رجعت إلى الذنب قد تموت عليه فتلقى الله عاصيًا، فانهض إلى طاعة ربك وأتبع السيئات الحسنات، ولا تلتفت بقلبك إلى الذنب، واحذر أن تقع فيه؛ بل اعزم على عدم العودة إليه أبدًا.
الوصية السادسة: هدنة مع طول الغياب خارج المنزل وكثرة الارتباطات والمواعيد واللقاءات:
ابدأ في التقليل من الخروج وكثرة الارتباطات والمواعيد واللقاءات .. تفرغ في رمضان لعبادة ربك، لمعالجة نفسك والعمل على تهذيبها، أنت في فترة عناية مركزة للقلب، لماذا تكثر الخروج من البيت؟، تشتري كذا وتزور فلانًا وتكلم فلانًا، يمكنك أن تشتري حاجيات رمضان قبل دخوله حتى لا تنشغل بغير العبادة، يمكنك أن تشتري ملابس العيد قبل دخول رمضان وتتركها حتى العيد، الأشياء الأخرى التي تريدها في العيد اشترها من الآن.
سأل عقبة بن عامر رسول الله ﷺ عن النجاة فقال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (١) ..
الوصية السابعة: هدنة مع كثرة النفقات والتبذير:
شُرع الصيام للتقلل من الطعام والشراب؛ ولكن للأسف الشديد! تجد الناس ينفقدن في الطعام والشراب في رمضان ما لا ينفقون في غيره!! والتبذير
стр. 81
ليس من أخلاق المؤمنين، بل هو من صفات الشياطين، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧]، وقد أمرنا ربنا بالاعتدال في الإنفاق وحرم التبذير فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، ويمكن أن تتفق مع الأسرة على أمور:
(١) الاتفاق على صدقة:
والصدقة برهان على صدق المرء في إيمانه، قال رسول الله ﷺ : "الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" (١)، فاتفق على أن تتصدق كل يوم ولو بشيء قليل؛ فإن الله يضاعفه، قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقبل الصدقة من أحدكم فيربيها له كما يربي أحدكم مهره حتى تكون اللقمة مثل الجبل" (٢)، قالت السيدة عائشة ﵂ لما سألها رسول الله ﷺ : "ما بقي من الشاة؟ "، قالت: كتفها، قال ﷺ : "بقيت كلها إلا كتفها" (٣)، تصدق أنت مرة، وأعط زوجتك هي الأخرى، وأعط ولدك يتصدق؛ لكي يتعود على العطاء والبذل، والله يضاعف لمن يشاء.
(٢) إفطار الصائمين:
اجتهد أن تُفَطِّر صائمًا أو صائمين أو ثلاثة أو عشرة كل يوم قدر استطاعتك؛ فإن لك مثل أجره كل يوم، قال رسول الله ﷺ : "من فطَّر صائمًا فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء" (٤)، أبرم مع الله عقد
стр. 82
تأمين على الصيام، هل تريد أن يكتب لك رمضان ستمائة يوم؟، الأمر يسير جدًّا، ما عليك إلا أن تفطر كل يوم عشرين صائمًا فتكون في خلال ثلاثين يومًا قد فطرت ستمائة صائم؛ فكتب لك رمضان ستمائة يوم.
٣ - إطعام المساكين:
قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، وإطعام الطعام قربة يتقرب بها العبد إلى الله ، قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" (١)، وكان ابن عمر ﵄ يفطر كل يوم مع المساكين.
٤ - مساعدة المحتاجين:
تُرشِدُ ضالًّا، تعين ضعيفًا في طلب حقه، تؤازر مسكينًا، تنصر مظلومًا، من احتاج شيئًا تثبته له. ذهب جماعة إلى الحسن البصري في حاجة فقال: مروا على فلان في المسجد وخذوه معكم، فذهبوا إليه فقال: إني معتكف، فقال: ارجعوا وقولوا له: يا أعمش، أما علمت أن مشيك في حاجة أخيك حتى تثبتها له خير من اعتكافك، وقال رسول الله ﷺ : "واللهُ في عونِ العبدِ، ما كان العبد في عونِ أخيه" (٢).
الوصية الثامنة: هدنة مع العقول والقلوب من التفكير والتدبير للدنيا:
الدنيا لا تستحق أن تفكر فيها، الدنيا أهون من ذلك، وأحقر من أن تنشغل بها وتدبر لها؛ لذلك اجعل تفكيرك كله في الآخرة:
стр. 83
(١) فكر في حسنة جديدة تعملها، ابحث عن عبادة مهجورة لتقوم بها، ابحث عن ذكر مهجور لا يقوله كثيرٌ من الناس أو لم تقله أبدًا واذكر الله به، فكِّر كيف تجمع الحسنات وتدَّخِر الأجر عند الله ﷻ .
(٢) فكر في خدمة المسلمين كيف تخدمهم، كان أبو بكر الصديق ﵁ -وهو خليفة المسلمين يحلب للحي شياههم، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يذهب إلى عجوز مُقعَدَة ضعيفة ليخدمها، فوجد أن رجلًا سبقه إليها قد نظف بيتها وأزال عنها الأذى وملأ لها آنيتها؛ فتعجب من هذا الذي سبقه إليها وقام بهذا فوجد أنه أبو بكر الصديق ﵁!! كانوا يتسابقون في خدمة المسلمين وبذل الخير لهم.
(٣) التفكير في خدمة الدين: تفكر كيف تخدم دينك، وكيف تبذل في سبيله، تعطي شريطًا هدية، تقوم بإلقاء موعظة، تهدى، كتيبًا، تدعو رجلًا لترك التدخين، وتدعو آخر للمحافظة على الصلوات، تقوم بعمل مجلة حائط، تقوم على حلقة لتحفيظ القرآن وتجويده .. وتفكر في خدمة دينك، وديننا يحاج إلى كل يد تكتب عنه وتدافع عنه، وإلى كل لسان يبيِّن عظمته وحقيقته للناس، وإلى كل قلب ينبض بحبه.
(٤) التفكير في لذة أخروية: تفكر كيف تفوز غدًا بالجنة، كيف تستشعر قرب الله إذا ذكرته، كيف تحقق الخشوع في الصلاة، كيف تخلو بربك في ساعة النزول الإلهي، تبكي بين يديه وتتضرع إليه، فتشعر بقربه منك وقربك منه وحبه لك، قيل للحسن: مالنا نرى أهل الليل أحسن الناس وجوهًا؟، قال: خَلَوْا بالرحمن فألبسهم من نوره.
الوصية التاسعة. هدنة مع إستهلاك الأعضاء:
في رمضان أرح عينيك بعدم التطلع إلى الدنيا، بعدم النظر إلى
стр. 84
المتبرجات، تريحها بالنظر إلى كلام الملك ﷻ ، تريح عينك من عناء الذنوب، وتريح أذنك من ضجيج الكلام وصخب الهموم والغموم .. تريح أذنك من سماع الغيبة والنميمة والكذب، تريح أذنك من سماع الأغاني، وتريح رجليك من كثرة الانتقال هنا وهناك بغير فائدة، تريح رجلك بالاستقرار في بيتك أو مسجدك، تريح رجليك من كثرة السعي لتحصيل ما لا فائدة من ورائه.
وتريح عقلك من هموم الدنيا ونكدها .. تنشغل بالطاعات والأذكار والاستغفار فلا يبقى عندك مكان لهذه الهموم التي تنخر في جسمك وتؤذيك، وتريح معدتك بعدم دس الطعام فيها على الدوام، بل تبقى في نهار رمضان خالية مستريحة، تريحها من ثقل الطعام، وتريح أمعاءك كذلك، تريح قلبك من التعلق بالبشر والتعلق بالأسباب والانشغال بغير الله، اجمع همك وأرح جوارحك تستمتع بحب الله.
الوصية العاشرة: هدنة مع الهموم:
أريدك أن تطرح الهموم عن صدرك .. لا تشغل ذهنك بها، فهذا رجل طلب منه أولاده ملابس المدرسة، وكتب المدرسة، وكراريس المدرسة، فلم يدر من أين يأتي بالمال لكي يشتري لأولاده ما يريدون، وظل الهم في صدره، ونام وعقله مشغول بذلك، ولكنه استراح من ذلك الهم فجأة، أتدرون ماذا حدث؟، مات .. راحة أبدية من هذه الدنيا .. لذلك أقول: واللهِ .. إن هذه الدنيا لا تستحق أن تقتل نفسك من أجلها.
لذلك: اجعل الهم همًّا واحدًا، وهو رضا الله ، اجعل هذا همك: أن ترضي الله وحده، فلو رضي عنك لنالك كُلُّ خيرِ وبِرٍّ وبركةٍ
стр. 85
وفضل، هذا الهم لا يؤجل وجميع الهموم تؤجل، فليكن همُّكَ في رمضان هو عتق رقبتك من النار، والفوز برضوان الله .
إذا كانت هذه الهدنة التامة .. كانت الراحة التامة .. فكان الاستقبال
لرمضان بحفاوة بالغة .. وبداية موفقة .. وعناية مركزة .. فنعيش رمضان ..
هيا:
*كيف نعيش رمضان؟ *
стр. 86
كيف تعيش رمضان
برنامج عملي
للحفاظ على
الإشراقة الإيمانية
стр. 87
كيف تعيش رمضان؟
أيها الأحبة في الله ..
كيف يعيش المسلم يومًا من أيام رمضان؟، يأتي هذا الكلام؛ لأن الأمة -وللأسف الشديد- لم تذق طعم رمضان منذ أن ذاقت طعم الهزيمة، منذ أن عاشت معنى الذل للأعداء، منذ أن تخبطت وتلونت ولم تذق طعم النصر ولم تَتَوَجَّه إلى الله وحده، ولو صامت الأمة يوما كما ينبغي منذ جرى لها ذلك؛ لتغيرت، ولو تغيرت لغير الله حالها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
ولكي نعيش رمضان كما ينبغي ونصنع فيه صناعة الرجال، فلابد من السير على الخطوط الرئيسية الآتية:
أولًا: تحديد الأهداف:
أيها الأخوة، إننا بحاجة إلى تحديد الأهداف التي ندخل بها رمضان، ثم رسم الطريق لتحقيق هذه الأهداف، ثم وضع خطة للتقويم .. تقويم العمل، ثم متابعة تحصيل الثمار. إن الناس اليوم إذا أراد أحدهم أن يقوم بمشروع يستثمر فيه أمواله؛ فإنه قبل كل شيء لا بد أن يقوم بعمل دراسة جدوى، وقبل أن يجتمع المجتمعون في أي اجتماع ذي شأن لا بد أن يضعوا برنامج عمل أو جدول أعمال، هذا في عرف أهل الدنيا، هذا أصل عندهم، أفلا يكون هذا أصلًا عند أهل الآخرة، لا سيما وهم يطلبون أعلى شيء وهو الجنة؟!، فهم بهذا أولى.
نعم والله: أهل الآخرة أحق أن يقوموا بعمل دراسة جدوى لصيام
стр. 88
رمضان، هل ستكون له نتيجة حقيقية، هل سيكون له ثمرة فعلية، وما المطلوب أن أعمله لكي تأتي الثمرة المرجوة .. إن من يريد تقويم عمله؛ ينظر في ثمرته أولًا بأول، إذًا فلابد أن نقف في كل ليلة من رمضان مع أنفسنا لننظر، ولأن لله في كل ليلة عتقاء من النار؛ فلابد أن يكون في كل ليلة وقفة: هل أنا في هذا اليوم كنت ممن أُعتَق، وماذا أفعل لأتدارك ما فات من عتق ومغفرة، اللَّهم أعتق رقابنا من النار يا رب ..
أيها الإخوة، لكي تعتق رقابنا من النار، فلابد من تحديد الأهداف، لا بد من رسم خطة العمل، ووضع الوسيلة للوصول إلى هذه الأهداف، ووضع نموذج لتقويم العمل وتحصيل الثمار، وأولًا إليكم الأهداف:
الهدف الأول: تشوق القلب للرحمة:
لا بد أن تهدف لأن ينال قلبك رحمةُ الله، ولابد أن يسمو، ويتمنى، ويرجو، ويحب، ويأمل أن ينال من الله رحمة كما قال النبي ﷺ : "لن يدخل أحدكم الجنة عمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" (١)، سبحان الله!!، حتى رسول الله ﷺ الذي هو رسول الله .. حبيب الله .. إمام الخلق .. وحبيب الحق محمَّد ﷺ لن يدخل الجنة إلا برحمة الله.
إذًا فأنت محتاج لأن تُرحم، وعندما ينزعج قلبك لطلب الرحمة؛ هنا ستنزل عليك -إن شاء الله- رحمة الله، وخصوصًا أن لله في كل ليلة من رمضان رحمات يختص بها من يشاء من عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ في رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٢٩ - ٣١].
стр. 89
الهدف الثاني: استحضار نية المغفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة:
قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١)، هذا الحديث يحتاج إلى وقفة.
ينبغي أن تنتبه لتلاحظ أن النبي ﷺ اشترط أن تصوم إيمانًا واحتسابًا، فهل أنت تصوم إيمانًا واحتسابًا؟!
هل تعرف بدايةً ما معنى إيمانًا واحتسابًا؟، لعلك تصوم كما يصوم الناس فتمتنع عن الأكل والشرب والجماع من الفجر حتى المغرب، إذا أذن المغرب تفطر وإذا أذن الفجر تمسك "أتوماتيكيا"، أين النية؟!، أين الاحتساب؟!
إن من العجيب أن تجد بعض الناس يتساءل، هل لا بد أن تنوي لصيام رمضان؟، أقول: نعم، لا بد أن تُبَيِّتَ النية، قال رسول الله ﷺ : "من لم يبيِّتَ الصيامَ من الليل فلا صيامَ له" (٢)، لا بد من النية.
دعك من هذه الآلية في الحياة، قد يقال: سمعت بعض الناس يقولون: السحور نية، أقول لك: نحن لا نأمرك أن تقول: نويت أصوم يومًا من أيام رمضان فرضًا عليَّ لله العلي العظيم، هذا بدعة، لكن الذي أريده: أن يستحضر قلبك أنك ستصوم لله.
لماذا؟؛ إيمانًا: يعني استسلامًا للملك ؛ يا رب، أمرتني أن أصوم فصمت.
واحتسابًا: أن تحتسب الأجر عند الله.
стр. 90
وقد أوقعتني هذه المسألة في حيرة مدة من الزمان، واستشرت فيها كثيرًا من المشايخ وهي: هل الاحتساب شرط لحصول الأجر؟، أي لو أن رجلًا جلس في المسجد دون أن يستحضر نية الاعتكاف ونزول الرحمة وغير ذلك من النوايا؛ فهل هذا ليس له أجر؟، والراجح أنه ليس له أجر؛ لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١)، وهذا لم ينو شيئًا فليس له شيء.
فلابد أن تستحضر في كل عمل نية الاحتساب والاستسلام لأمر الله.
يا رب، تركت هذا لأجلك؛ لأحتسب عندك الأجر .. عندما تغمرك هذه النية وتملأ قلبك؛ حينها تحصل على الأجر، لذلك لا بد من استحضار نية المغفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، كي يغفر لك، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنك مطالب أن يكون قلبك يقظًا دائمًا متحفزًا سميعًا مجيبًا لأوامر الشرع.
الهدف الثالث: سمو الروح للعتق من النار:
لا بد من استشعار معنى العتق، أن تستشعر أنك قد تكون فعلًا من أهل النار.
* تصدَّقَ يونس بن عبيد يوم أضحى بلحم كثير ثم قال لغلامه:
والله ما أراه يتقبل مني شيئًا؛ وإني والله أخشى أن أكون من أهل النار.
قال الإِمام الذهبي في السير: كل من لم يخشَ أن يكون من أهل النار؛ فهو مغرور قد أَمِن مكر الله به.
стр. 91
فلا تأمن من أخي مكر الله وخصوصًا أنك كثير المكر واحذر أن تكون من أهل النار وأنت لا تشعر.
ولابد للتخلص من هذا أن تعتق رقبتك من النار، فإذا كان لله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار، فما أشد خسارتك إذا مرت عليك ليلة واحدة من رمضان ولم تعتق، وإذا علمت خطر النار وشدة حرها، وشدة عذابها , لهان عندك أن تقدم الأعمال الصالحات لكي تكون سببًا لعتقك منها؛ لو عرفت النار وأدركت خطرها وعرفت أن أمامك فرصة للعتق منها؛ لبذلت الغالي والنفيس للحصول على هذا العتق، ولصار هذا الأمر همك طيلة الشهر، اللَّهم أعتق رقابنا من النار يا رب.
الهدف الرابع: سمو الروح للارتفاع عن كثافة المادة وهم الفرج والبطن:
يقول ابن القيم في كتاب "زاد المعاد" في الطب النبوي: "إن الصوم جُنَّةٌ من أدواء الروح والقلب والجسد، وجنة يعني وقاية"، فلذلك لا بد أن تنوي بالصيام أن يشفى قلبك من حب الدنيا، وتجعل ذلك هدفًا لك في الصيام، وتتسامى روحك عن هم البطن والفرج .. عن الطين .. عن الأرض .. عن غذاء الجسم ..
الهدف الخامس: إقامة حاكمية الله على النفس:
إن الإنسان في حياته العادية يعيش في غفلة شديدة غالبًا، يتابع نفسه في كل ما تشتهيه: تطلب نفسه الطعام فيأكل، وتشتهي الشراب فيشرب، وتنزع إلى الخروج فيخرج .. وهكذا ... فتستأسد النفس وتطغى، فإذا جاء رمضان ومنعها الإنسان ملذوذ مباحها؛ فينبغي على الإنسان استشعار هذا المعنى: إقامة حاكمية الله على النفس.
стр. 92
يعني: أن يُشْعِر نفسه أنها ليست الآمرة الناهية الطاغية المستولية، إنما هي أَمَةٌ مأمورة خادمة مطيعة منقادة للملك الكبير سبحانه يقول: كُلْ ساعة كذا واترك ساعة كذا فتسمع وتطيع وليس لها أن تخالف .. إن استشعار هذا المعنى وإذاقة النفس مرارة الذل والطاعة المطلقة لله وأنها لا تطاع بل تطيع، وإنها يجب عليها أن تستجيب لكل ما تؤمر به غاية وهدف من رمضان وفرض صيامه ودوام ذلك لمدة ثلاثين يومًا، وينبغي أن يرصد هذا الهدف لنخرج به من هذا الشهر الفضيل.
الهدف السادس: إقامة دستور الأخلاق:
قال بعضهم: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وشهر رمضان شهر التقوى .. شهر الأخلاق، قال رسول الله ﷺ : "الصوم جنة، فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم؛ فلا يَرفُث، ولَا يَفْسُق، ولا يَصْخَب، ولا يَجْهَل، وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" (١).
المحافظة على دستور أخلاق الإِسلام شهرًا كاملًا بألا يلفظ بلفظ يخالف الشرع، وأن يتحكم في انفعالاته، ويتذكر دوما تلبسه بالعبادة بقوله لمن قاتله: "إني صائم"، مدرسة تربوية عظيمة، نجعلها هدفًا نخرج به من رمضان.
الهدف السابع: التدريب على المداومة:
قال رسول الله ﷺ : "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (٢)؛ ولذلك كان عمله ﷺ دِيمة. إن آفة الأعمال الانقطاع والاستحسار وترك العمل، وفي
стр. 93
هذا الشهر تدريب النفس على أن تستمر على العمل الصالح، فهذه ثلاثون يومًا صيامًا، وثلاثون ليلةً قيامًا؛ لتألف النفس العمل فتستمر عليه دائمًا.
هذه بعض الأهداف، وهناك حوالي خمسة وعشرين صنفًا من الأهداف، وإنما نختصر اختصارًا، هذه هي الأهداف إخوتاه، فما هو الطريق لتحقيق هذه الأهداف؟
ثانيًا: الطريق لتحقيق الأهداف:
أيها الإخوة، لا بد من إعداد العدة، ويكون ذلك بما يلي:
* أولًا: تقليل ساعات النوم.
* ثانيًا: تقليل كمية أكل ما أمكن.
* ثالثًا: تقليل الكلام.
* رابعًا: تقليل الخلطة بالبشر.
يعني إجمالًا: التخلص من سموم القلب الضارة. إن البرنامج الذي سنضعه لتحصيل هذه الأهداف لن يستطيع أن يقوم به من ينام في الليلة عشر ساعات أو ثمان ساعات أو ست في رمضان، إنما يكفيك في رمضان أن تنام أربع ساعات، وأنا وأنت نعرف أن كثيرًا من أهل الدنيا ينامون أقل من ذلك، سل أي طالب في الثانوية العامة كم ساعةً ينامها أيام الامتحانات؟، تجده يقول لك: ساعتين على الأكثر، هذا واقع.
وهذا كله من أجل الحصول على شهادة الثانوية العامة، وأنت تريد الجنة، فأيهما أغلى؟!، كم تدفع لتدخل الجنة؟، إننا لا نريد منك غير التضحية بيسير من النوم والطعام والكلام والاختلاط، ضَحِّ .. وإن لم تضح في رمضان؛ فلن تضحيَ أبدًا .. أليس كذلك؟!
стр. 94
لا بد أن تضحيَ بشيءِ من النوم، سنكتفي فقط بأربع ساعات من النوم في اليوم والليلة، وعشرون ساعة شغل مع الله، إذا كان عندك استعداد فهيا شمَّر عن ساعد الجِد، وإلا فلا تَبْرَحْ مكانَك، وانتظر مآل اللاعبين.
هذه الأهداف التي ذكرناها أهداف غالية، وبهذا تصنع الأمة في رمضان، وإن لم تصنع بهذا في رمضان فأبدًا لن تكون، إننا بحاجة إلى تجربة: هل آمتنا تصلح للتمكين أم لا، فهيا لنبدأ البرنامج بإذن الله، ولكن هل أنت مستعد لأن تبذل، هل أنت مستعد لأن تضحي بعمرك كله؟!، استعن بالله وقل: نعم .. إن شاء الله.
стр. 95
روحانيات صائم
خطة اليوم الرمضاني
وتهيئة الرقبة للعتق
стр. 96
خطة اليوم في رمضان
يوم في حياة صائم:
بدايةً: بركة اليوم.
التبكير إلى صلاة الصبح وسماع الأذان في المسجد:
والتبكير له فضل، وله بركته، ولكن للأسف الشديد! تجد كثيرًا الناس ولا سيما الإخوة الملتزمين لا يبكرون إلى المسجد إلا بسبب أن شيخًا مشهورًا سيستمعون إليه؛ فيضطر للتبكير ليراه وليقترب منه وليصافحه، ولكنه لا يبكر لوجه الله، أما المسجد الذي يصلي فيه في حيه فإنه يتأخر عن صلاة الجمعة والجماعة، يأتي في نصف الخطبة، أو يجلس قريبًا من الباب؛ لتكون مغادرته للمسجد سريعًا بعد إنتهاء الخطيب، أسال الله أن يهدينا ويهديهم ويتوب علينا وعليهم.
أيها الإخوة، انتبهوا .. نريد أن نبكر إلى صلاة الصبح، ونسمع الأذان ونحن في المسجد، وهناك فوائد كثيرة للتبكير إلى المسجد وانتظار الصلاة، منها:
(١) ترديد الأذان والدعاء بعده.
(٢) المحافظة على صلاة الجماعة.
(٣) المحافظة على تكبيرة الإحرام.
(٤) إدراك الصف الأول، قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (١)، وقال
стр. 97
النبي ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها" (١)، سبحان الله!! تصلي في الجماعة الأولى في المسجد وتكون من شر صفوف الرجال؟!؛ فلذلك ينبغي أن تسارع إلى الصف الأول.
قال النبي ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول" (٢)، وكان النبي ﷺ يستغفر للصف المقدم ثلاثًا، وللصف الثاني مرة (٣)، ثم يسكت ويلتفت ويصلي.
لذلك فإن مسألة الاحتساب تحتاج إلى بحث، ابحث عن فضائل الأعمال، وهناك كتاب في فضائل الأعمال للمقدسي ارجع إليه تجد خيرًا كثيرًا بإذن الله.
(٥) إدراك ميمنة الصف، قال النبي ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" (٤).
(٦) إدراك التأمين وراء الإِمام في الصلاة الجهرية، قال النبي ﷺ : "إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا آمين؛ فإن من وافق قولُهُ قولَ الملائكة؛ غُفر له ما تقدم من ذنبه" (٥).
قلت: يا لَلْخَيبة إنْ لم يَغفرِ اللهُ لنا!؛ لأنها مسألة سهلة جدًّا أنك بمجرد قولك: آمين منضبطة خلف الإِمام مع الإِمام يغفر لك فماذا يمنعك؟!، والوعود بمغفرة الذنوب المتقدمة كثيرة جدًّا، فبعد هذا كله إذا لم يغفر لك
стр. 98
فكيف ومتى يغفر لك؟!، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]، وقال ﷻ : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
اللَّهم إنا نسألك الجنة يا رب.
(٧) التبكير إلى المسجد تمكِّنك من الإتيان بالنوافل المشروعة بين الأذان والإقامة.
(٨) التبكير إلى الصلاة دليل على أن القلب معلق بالمساجد، فمن السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه "ورجلٌ قلبُهُ معلق بالمساجد" (١)، فإنه إذا اقترب موعد الصلاة فاذهب مسرعًا إلى المسجد، قال سعيد بن المسيب ﵁:
لي أربعين سنة لم يؤذن المؤذن لصلاة من الصلوات الخمس إلا وأنا في المسجد، سبحان الله!، أربعين سنة يا من لا تقدر على أربعين يومًا، إن للعمل الصالح ثوابًا وللمداومة ثوابًا، والقلب المعلق بالمسجد لا يفارقه، بل يحب المكث فيه ويسارع بالعودة إليه.
(٩) التبكير إلى المسجد وانتظار الصلاة سبب لحضور القلب، وإقبال المرء على صلاته، وهذا الأمر هو لب الصلاة، كلما طال مكثه في المسجد وذكر الله؛ زالت مشاغله ومتعلقاته الدنيوية، وأقبل على ما هو فيه من قراءة وذكر.
فمهما كان عندك من الهموم والمشاكل في العمل ومع الأهل والزوجة؛ فصل ركعتين ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، سترتفع عن الهموم الأرضية، وتحلق في سماء الطاعة، أما إذا جئت متأخرًا إلى الصلاة فاتك كل هذا الفضل والخير.
فأقبل على الصلاة مبكرًا، واقعد بين الأذان والإقامة؛ ليمحو الله همومك
стр. 99
بالذكر والصلاة وإقبالك بكليتك على الله، إن الذي يأتي إلى الصلاة متأخرًا سيظل قلبه مشغولًا بما هو فيه من هموم الدنيا أثناء الصلاة؛ ولذلك تلاحظ أن أول الناس دخولًا إلى المسجد هم آخر الناس خروجًا، والعكس صحيح، وما ذلك إلا لما ذكرته لك.
(١٠) المبكر إلى الصلاة يتمكن من قراءة القرآن بين الأذان والإقامة، لقد ذكرت لك مرارًا كيف تختم القرآن كل ثلاثة أيام، وذلك بأن تبكر إلى الصلاة وتقرأ جزءًا قبل الصلاة بين الأذان والإقامة، وبعد الصلاة تقرأ جزءًا آخر، إذًا تقرأ في كل صلاة جزئين، في الخمس صلوات تكون قد قرأت عشرة أجزاء؛ فتختم القرآن في ثلاثة أيام.
(١١) يتمكن المبكر إلى الصلاة من الدعاء بين الأذان والإقامة، قال النبي ﷺ : "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" (١)، وكذلك تتمكن من الإتيان بأذكار الصباح والمساء بعد الصبح وقبل المغرب.
(١٢) إن من يأتي إلى الصلاة مبكرًا يأتي غالبًا بسكينة ووقار فيكون ممتثلًا لأمر النبي ﷺ فيحوز حبه، قال ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتموا" (٢)، وفي الرواية الأخرى: "إذا أتيتم الصلاة ائتوها بسكينة ووقار"، من يأتي إلى الصلاة مبكرًا يأتي ماشيًا، ومن يأتي متأخرًا يأتي مسرعًا.
هذه بعض فوائد التبكير إلى الصلاة، والتبكير يكون في كل الصلوات، ولكني أخص بالذكر الفجر والمغرب، وأحب أن أنبهك أن تستيقظ لصلاة الفجر لله وليس للعمل أو للسحور والأكل والشرب أو غير ذلك، بل لله
стр. 100
وحده؛ لأن الله تعالى قال في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا وأشرك فيه غيري تركته وشركه" أو "فهو للذي أشرك" (١)، فالعمل قليله وكثيره إذا كان منه شيء لغير الله لم يقبله الله ﷻ ، فقم الفجر لله، ولا تقم لغير الله؛ لأن الله لا يتقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه.
واخرج إلى الصلاة لا تريد إلا الصلاة لتحصل على الأجر كاملًا، قال رسول الله ﷺ "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا ينزعه إلا الصلاة، لم تزل رجله اليسرى تمحو سيئة، وتكتب الأخرى حسنة حتى يدخل المسجد" (٢).
في صلاة الفجر بعد أن تصل إلى المسجد صل ركعتين فقط ولا تزد على ركعتين؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يصلى بين الأذان والإقامه في الفجر إلا ركعتي النافلة، ثم استحضر الخشوع والسكينة وعليك بالدعاء؛ لأن قرآن الفجر مشهود تشهده الملائكة، والله ينزل في الثلث الأخير من الليل نزولا يليق بجلاله حتى تنتهي صلاة الصبح.
وجمهور المفسرين على أن المراد بقرآن الفجر في قول الله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، أنه القرآن الذي يُقرأ في الصلاة، لتهيئ بذلك قلبك لقرآن الفجر.
احتفظ بحرارة الخشوع بعد الصلاة، وذلك بالمكث في المسجد أكبر فترة ممكنة بعد الصلاة، لا بد أن تعتكف حتى الشروق وبعد شروق الشمس بعشرين دقيقة تصلي ركعتين.
стр. 101
ماذا تصنع بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس؟
أولًا: تقول أذكار الصباح
ثانيًا: تقرأ وردك من القرآن.
ثالثًا: الكلمات الخمس.
لا بد أن توطن نفسك على هذا، على أن تمكث في المسجد أطول فترة ممكنة، كان شيخ الإِسلام ابن تيمية إذا قضى صلاة الصبح أقبل بوجهه إلى الحائط في محرابه حتى الضحى ولا يلتفت ويقول: هذه غَدوتي إذا تركتها سقطت قوتي، يعني هذا غذائي إن لم أفعله أموت.
لذلك أقول لك: إذا جلست في المسجد بعد صلاة الفجر فممنوع أن تتكلم، ممنوع التعامل مع أحد، ممنوع الانشغال بشيء غير الأذكار، لا تلتفت، لا تنظر إلى أحد، وجِّه وجهك إلى الحائط، وقيل الأذكار، واقرأ وردك من القرآن، قال رسول الله ﷺ : "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" (١)، ولا تنس الكلمات الخمس التي هي وصايا مهمة لا بد منها: المشارطة، المراقبة، المجاهدة، المحاسبة، المعاتبة، والمعاقبة.
أولًا: المشارطة:
أن تشترط على نفسك وتقول لها: يا نفس، إن معنا رأس مال وهو العمر، ومعنا أدوات وهي الجوارح، ومطلوب أن نتاجر مع الله ونحصل على أكبر ربح وهو الجنة، فإن استطعت -أيتها النفس- أن تأخذي رأس المال
стр. 102
والأدوات وتعطيني بعد ذلك الجنة فعلت وإلا فلا، فإذا استصعبتْ عليك نفسك فألزمها بالمكث في المسجد عقابًا لها. كان محمَّد بن المنكدر يجلس في المسجد يخاصم نفسه يقول لها: لماذا تحبين الخروج من بيت ربك؟!، تريدين أن تنظري إلى دار فلان ودار فلانة؟!، واللهِ ليس لكِ إلا هذه العجوز (يعني زوجته)، والله ليس لكِ طعام إلا هذه الكِسرة، وليس لك شرابٌ إلا هذه الشربة من ماء المسجد، أترضين أم تحبين أن تموتي؟، يقول: فأراها تقول: رضيتُ .. رضيتُ، فهكذا افعل مع نفسك، لكن النفس مخادعة أمارة بالسوء توافقك ظاهرًا، وتريد أن تخالفك وترفض ما تشترط عليها؛ فتأتي الكلمة الثانية وهي المراقبة.
ثانيًا: المراقبة:
راقب نفسك وكن رقيبًا على تصرفاتك، ولا تدع للنفس فرصة للتفلت منك، إنك قد تخرج من المسجد فتقع عينك على امرأة متبرجة، فتجاهد نفسك وتمنعها من النظر وتقول لها: ألم نشترط الجنة؟!، كان أحد السلف يمشي في الشارع فوقعت عينه على امرأة؛ فضرب عينه حتى نفرت (يعني تورمت) وجعل يقول: مالي أراك تتطلعين إلى ما لا يحل لك. فراقب نفسك وألجمها وامنعها مما لا يحل لها، خذ بزمامها وخطامها وألزمها الصراط المستقيم، ولا تغفل عنها لكي تنجو.
ثالثًا: المجاهدة:
وأشد شيء جهاد النفس، فهي مقيدة بقيد الجسم، مقيدة في هذا الجسم، ثم هي مقيدة بقيد العبودية، ثم أنت تتوعدها بقيد ثالث وهو قيد المكث في المسجد، فالنفس تحتاج إلى مجاهدة، وهذه المجاهدة لا بد لها من صبر وثبات أمام طغيان هذه النفس وتملصها، جاهدها لكي لا تضيعك وتسير في طريق جهنم، جاهدها ما استطعت.
стр. 103
رابعًا: المحاسبة:
لا بد من محاسبة النفس، قال الله : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠]، سترى عملك بعينك وتسمعه بأذنك؛ لذلك يجب أن تجلس مع نفسك وتنظر في أعمالك لتصلحها قبل أن تراها يوم القيامة، اكتب أعمالك وضعها أمامك، وقل لنفسك: أتحبين أن تقابلي ربك بهذه الصحيفة؟!، هل ستأخذين كتابك باليمين أم بالشمال؟، هل هذا تدخلين به الجنة أم تدخلين به النار؟، هل هذا يرضي الله عنك أم يسخطه عليك؟، وهذا هو توبيخ النفس وزجرها؛ لتعلم حقيقتها وقدرها.
خامسًا: المعاتبة والمعاقبة:
وذلك بأن تعاتب نفسك وتؤدبها وتعاقبها بأن تمنعها مثلًا من بعض المباحات تأديبًا وزجرًا، وتهذيبًا وتربية، أو تعاقبها بأن تلزمها وتفرض عليها استغفار عشرة آلاف مرة وتمنعها من النوم، تعاقبها بأن تأكل خبزًا جافًّا بغير إدام وتشرب بعد الخبز ماءً فقط. بعض السلف أراد أن يعالج نفسه من الغيبة فما استطاع أن يعالجها بعد أن جرب معها بعض العلاجات، ثم عاقبها بأنه إذا اغتاب إنسانًا تصدق، فكلما اغتاب إنسانًا تصدق، حتى قال: فغلبني حبُّ الدنانير فتركت الغِيبة، فعاقب نفسك لعلك تستطيع قيادة زمامها.
تتمة الأعمال:
ثم بعد ذلك هناك صلاة الضحى فصلها ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان، ثم انصرف من المسجد، إن كان ثمة وقت للنوم أو المضي إلى العمل فامْضِ، ثم المحافظة على الأذكار الموظفة كأذكار دخول المسجد والخروج
стр. 104
منه، ودخول البيت والخروج منه، أذكار النوم، دعاء الأكل والشرب، دعاء الركوب، وعليك في هذا الشأن بكتاب حصن المسلم للقحطاني، أو كتاب مختصر النصيحة في الأذكار والأدعية الصحيحة (١).
فإذا مضيت إلى عملك فاعلم أنك في عبادة من ساعة نويت الصوم عند طلوع الفجر، كأنك دخلت الصلاة بتكبيرة الإحرام؛ فإياك أن تلتفت بقلبك عن الله أثناء النهار.
نعم: إنَّ نية الصيام عند الفجر بمثابة تكبيرة الإحرام، فأنت منذ ذلك الوقت في هذه العبادة -أي الصيام- متلبث بها، فلا تنصرف بقلبك عنها، فلا يصح أن تكون في عبادة وتكذب أو تغتاب أو تنم أو تنظر إلى امرأة متبرجة؛ لذلك قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الطعام والشراب، وقال جابر بن عبد الله ﵁: إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك من الكذب، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
ليصم سمعك عن الحرام، ليصم عن الأغاني والغيبة، ليصم عن النفاق والنميمة، ليصم عن البذاءة والفحش، ليصم عن السب والشتم واللعان، ليصم سمعك عن سماع كل ما يغضب الله ، وليصم بصرك عن النظر إلى النساء المتبرجات في الشوارع، في المجلات، في الأفلام والمسلسلات، في الفوازير والمسرحيات، في الإنترنت والفضائيات، ليصم بصرك عن الحسد واحتقار الناس، ليصم بصرك عن النظر إلى متاع الدنيا، ليصم بصرك فلا يرى إلا الخير والنور .. لا يرى إلا القرآن .. لا يرى إلا صفحة الكون المنظورة التي تزيده إيمانًا ويقينًا وخوفًا وتعظيمًا لله ﷻ .
стр. 105
إنك قد تجد بعض الناس يصوم عن الحلال ويفطر على الحرام، يصوم عن زوجته الحلال ويفطر على النساء في الشوارع، يصوم عن الطعام الحلال ويأكل لحم أخيه ميتا بالغيبة والنميمة وهو حرام، يجلس أمام التلفاز فيرى النساء العاريات ويسمع الكذب والبذاءة، إخوتي، انتبهوا فإن المعصية في رمضان تختلف عن المعصية في غيره، والطاعة فيه تختلف عن الطاعة في غيره، فللأوقات المعظمة عظمة وحرمة، وقد قال الله تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، تعظيمًا لهذه الأشهر.
لذا كان من علامات التوفيق إقبال الطاعات وإدبار المعاصي، ومن علامة الخذلان إقبال المعاصي واستثقال الطاعات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمَّد: ١٧].
شهر القرآن:
ثم انتبه إلى أن رمضان شهر القرآن، فينبغي أن يكون العمل مضاعفًا في هذا الشهر، لا بد أن تكثف وتكثر في هذا الشهر من تلاوة القرآن.
أخي الحبيب، ألست تحب الله؟، فلماذا لا تكثر من تلاوة كلامه؟
لو أحببت الله لأطعته، وأنا أقول لك: نعم وليس شرط المحب العِصمة، ولكن شرطه كلما زل أن يتلافى تلك الوَصْمة.
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فكأن وجود القرآن قبل التكليف بالعبادة، فكأنه قيل: احتفلوا بالقرآن .. وتفرغوا لقراءة القرآن .. ولكن -للأسف الشديد- تفرغ المسلمون اليوم للدورات الرمضانية في كرة القدم، ومشاهدة المسلسلات، وصنع الطعام والكنافة، شيء عجيب!، الله فرغنا لتلاوة كتابه ونحن نعرض عنه!!
стр. 106
كان حال السلف في رمضان مع القرآن عجيبًا، أذكر لك حال الشافعي عليه رحمة الله، كان يختم في رمضان ستين ختمة، في اليوم يختم ختمتين، ختمة بالليل وختمة بالنهار، ولهذا علق الحافظ ابن رجب ﵀ على حديث أنه "نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث" (١)، بأنه يجوز في الأماكن الفاضلة والأزمنة الفاضلة أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث حيث ورد هذا عن كثير من السلف وعن الصحابة، فقد ورد عن عثمان ﵁ أنه ختم القرآن في ركعة أوتر بها في الحِجر.
قال ابن رجب: كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها.
كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان يختم في غير رمضان في كل ست ليال.
كان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.
قال النووى: روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا ﵀ كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل.
قال ابن الحكم: كان الإِمام مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.
وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.
стр. 107
وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.
قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.
قال أبو الحسين محمَّد بن علي صاحب الجنيد: صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدبا بآدابه، وكان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات.
أين نحن من هؤلاء!! ..
إذًا فليستحوذ القرآن على غالب وقتك بالنهار قراءًة وتدبرًا وترتيلًا ..
ولتحرص على الختمة دائمًا فلا تترك المصحف من يدك أبدًا، أما إذا كنت في عملك فالزم الذكر ولا تفتر مطلقًا.
احذر الذين يأكلون وقتك:
بعد أن تذهب إلى كليتك أو عملك ستجد من يقابلك فيقول لك: هل سمعت فزورة أمس؟، تعال نلعب لكي نسلي صيامنا .. هل رأيت المسلسل؟ .. هل رأيت المسرحية؟ .. يريد أن يضيع وقتك ويعطلك عن طاعة ربك؛ لأن قلبه فارغ فيريد منك أن تكون مثله، وأشر ما على القلب خلطة البشر، لذلك أريدك -أيها الحبيب- أن تحُول الحوار لصالح الدين، أن تحول مجلس الغيبة والنميمة واللغو إلى مجلس لذكر الله، إذا قال لك: هل رأيت المسلسل؛ فقل له: وهل سمعت أنت أن الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
стр. 108
هكذا يبتعد عنك أو تكون قد أفدته وعمَّمت الخير ودعوت إلى هدى، فإذا قرأ عشر آيات فكأنك قرأتها؛ لكني أريدك أن تنجو بنفسك .. أن تعبد الله وحدك بجد ونشاط؛ فقد فاتت سنين طويلة وأنت تسوف وتؤجل، فها هو رمضان قد جاء فلا تضيع وقتك، فليس هناك مجال لتضييع الوقت، وإذا مدت إليك فتاة يدها لتصافحك؛ فقل لها: "إني لا أصافح النساء" (١) كما قال النبي ﷺ ، فإذا قلت ذلك فسوف تتخلص من هذه المشكلة نهائيًا.
واحذر أن تضيع رمضان في المزاح, دعك من الضحك واللَّهو وتضييع الأوقات بالنكات الكاذبة الفجة المنكرة، إنما ينبغي أن يعلوك الحزن؛ لأنك تخاف ذنوبك، وتخاف يومًا تشيب فيه النواصي، فهل تستطيع أن تضحك في هذا اليوم والله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، أريد أن تمتنع عن الضحك والمزاح قليلًا .. خفف منه ما استطعت.
عكس المطلوب:
وكذلك تقلل من الأكل، والمصيبة أن الناس جعلوا رمضان موسمًا للأكل، شرع الله الصيام للامتناع عن الطعام بالنهار، فانفتح الناس فيه بالليل، وتجد تكلفة الطعام عنده في رمضان ضعف غيره من الشهور، لو قلت له: إنك تأكل في غير رمضان ثلاث وجبات، وفي رمضان وجبتين فقط، فلماذا لا تجعل الثالثة للفقراء؛ فيقول: ومن أين؟، إنني أقترض في رمضان من أجل الطعام ..
هذا هو الواقع عند كثير من الناس، صاموا عن الطعام بالنهار، وتوسعوا فيه بالليل .. صاموا عن شهوة الفرج في النهار، فسخر بهم شياطين الإنس
стр. 109
بالمسلسلات والأفلام والفوازير ليزيدوا لهم من هذه الشهوة في الليل، وهكذا حَصَّل الناسُ عكسَ المقصود من مشروعية الصيام في رمضام، فزادت الشهوات التي شُرِع رمضان لعلاجها وضبطها، وتلك عقوبة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]؛ لذلك أقول لك: انس الضحك والكلام في نهار رمضان، أغلق فمك واكتب عليه: (مغلق للتحسينات والافتتاح في آخر رمضان إن شاء الله) .. تعوَّد على المجاهدة، كان أبو بكر الصديق ﵁ يضع على لسانه حصاة يثقل بها لسانه حتى لا يتكلم.
اخرج للعمل وأنت ذَكَّار .. وأريدك أن تعد الأذكار حتى تتشجع، قل سيد الاستغفار خمسمائة مرة .. قلها مئة مئة .. قل مئة، فإذا شعرت بلذة الذكر فاستمر وأكمل، فلا تدري متى يغلق عنك باب هذه اللذة، وهكذا ينفتح لك باب الأذكار .. قل: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ألف مرة أو أكثر، قال رسول الله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان, حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" (١)، حبيبتان إلى الرحمن!، سبحان الله العظيم!!، الله يدلك على ما يحبه ثم أنت لا تقوله!!، قل: رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم، أو صَلِّ على النبي ﷺ بالصلاة الإبراهيمية أو بأي صيغة أخرى من صيغ الصلاة على النبي ﷺ .
صلينا الصبح في جماعة، وجلسنا في المسجد حتى شروق الشمس، ثم
стр. 110
صلينا الضحى، ثم ذهبنا إلى العمل، وفي العمل تنشغل بعملك فقط وتتقنه، وإن لم يكن هناك عمل فانشغل بالقرآن أو بالذكر، وحتى وأنت تعمل تستطيع أن تعمل بيدك، ولسانُك وقلبُك منشغلان بذكر الله، انشغل طوال يومك بالذكر في الطريق، في السيارة، في البيت، في كل وقت انشغل بذكر الله، لا تغفل .. لا تفتر.
متابعة أهل البيت:
أخي الحبيب، الآن عدت من العمل، عندما تدخل بيتك، قبل أن تسأل زوجتك عن الطعام سلها عن الصلاة: هل صليتِ العصر .. هل صليتِ الظهر .. هل قلتِ الأذكار .. كم مرة استغفرت اليوم؟، كم جزءًا قرأتِ في هذا اليوم؟، وتتابع أولادك: تعال يا بني ماذا حفظت اليوم؟، استغفرتَ اليوم كم مرة؟، صليت على النبي ﷺ كم مرة؟، بماذا دعوت الله اليوم؟، قل يا بني: من ربك؟، ما دينك؟، من نبيك؟، قل يا بني: ما معنى الإِسلام .. ما معنى اليقين .. ما معنى الإخلاص؟، تعلَّم وعلِّم ولدك وزوجتك .. هات المصاحف واجلسوا في حلقة تقرأ فيها معهم القرآن وتتدارسوه.
اللَّهم املأ بيوت المسلمين قرآنا وخيرًا وبركة، آمين.
البيوت اليوم مليئة بالمشاكل؛ لأنه لا يذكر الله فيها إلا قليلًا، البيوت مليئة بالمشاكل؛ لأن الزوجة ترى الزوج غافلًا فتزدادَ غفلة .. ترى الزوج يعصي الله فتزدادَ هي عصيانًا .. ترى الزوج لا يطيع الله فتجترىء عليه.
قال بعض السلف: إني لأرى ذنوبي في خُلُق دابتي وامرأتي .. اللَّهم أصلح زوجات المسلمين يا رب.
أخي الحبيب، لا تغفل عن السؤال عن الصلاة والصيام والذكر والقرآن ..