← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13595

شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية

إيهاب سلامة

Полный текст (454 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَتَعَلَّم بِأَنَّهُ ما لِأَنوائِكَ إِن لَم تُرَوِّها مِن خَلاقِ [بحر الخفيف] ـ قال أبوالعلاء: ((... يقال ما له خلاق: أي نصيب في الخير، ولا يكادون يستعملون هذه الكلمة إلا في النفي)) (١). ـ وقال: ((أكثر ما يستعمل (زَعَمَ) مع أَنَّ)) (٢). ـ وقال: ((ومن روى (كلا الآفاق) بكسر الكاف، وهويريد كل الآفاق فروايته خطأ؛ لأن: كِلا يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع كلا القوم، وكلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين، ونحوذلك)) (٣). ـ وقال عند قول أبي تمام: هُما أَظلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أَجلَيا ... ظَلامَيهِما عَن وَجهِ أَمرَدَ أَشيَبِ [بحر الطويل] ((جعل (أظلم) هاهنا متعديا، وذلك قليل في الاستعمال، وهوفي القياس جائز)) (٤). ـ وقال: ((يقال: ظَنَّ أن سيكون، وظن بأن سيكون، وحذف الباء أكثر)) (٥). ـ وقال عند قول تمام: سُعُمٌ حَثَّ رَكبَهُنَّ أَمانٍ ... فيكَ تَترى حَثَّ القِداحِ المُفيضُ [بحر الخفيف] ((.. وأضاف الحث إلى القداح؛ لأن المصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول)) (٦). ـ وقال عند قول تمام: غَدَت مُغتَدى الغَضبى وَأَوصَت خَيالَها ... بِحَرّانَ نِضوالعيسِ نِضوالخَرائِد [بحر الطويل] ِ

стр. 317

((من روى: (نِضْوالعيش) بالشين أراد أن عيشه قد أنضاه فهوشاك له؛ وأصل النضو: البعير الذي قد أنضاه السفر، يريد أن العيش قد أنضاه لصعوبته، وأن الخرائد قد فعلن به مثل ذلك، ويكون (نضوالعيش) معرفة؛ لأن انفصال الإضافة هنا لا يكثر، وإنما يحسن الانفصال إذا كان المضاف إليه يمكن فكه من الأول وإضافته إلى المضمر)) (١). ـ وقال: ((كان النحويون المتقدمون يرون أن (إِيَّاك) ينبغي أن تستعمل مع الواومثل قولهم: إِيَّاك وزيدا، وينكرون مجيئها على غير ذلك، إلا أن تستعمل بـ (أن)، كقولك: إياك أن تقوم، وإياك أن تذهب، ولكن الواوحذفت كحذف الباء مع (أن) في مواضع كثيرة، وكذلك تحذف معها حروف الخفض، يقال: نهيتك أن تفعل؛ أي: عن أن تفعل، وأمرتك أن تفعل؛ والمراد: بأن تفعل، فإذا عُدِمَتْ قبح عندهم الحذف إلا في ضرورة الشعر)) (٢). ونلمح في هذا الاقتباس إشارة مهمة من أبي العلاء على أن التطور اللغوي قد يقع في قواعد اللغة. ـ تعليق على توظيف الخصائص الصرفية والنحوية: من خلال الاقتباسات السابقة يتبين أن أبا العلاء اعتمد على الخصائص الصرفية والنحوية التي أسماها د. سعد مصلوح بـ ((السمات الثابتة Constant)) والتي من خلالها أوضح انحرافات أبي تمام، ويمكن أن نلخص هذه السمات كما وردت في الاقتباسات السابقة كالتالي: السمات الصرفية الثابتة نسبيا ... السمات النحوية الثابتة نسبيا ـ فِعْلل وفِعْليل متقاربان وكذلك فِنْعِل وفِنعيل. ... ـ كلمة ((خَلاق)) لا تستعمل إلا في النفي. ـ فَعْل لا يجمع على أفعال كثيرا. ... ـ لفظ ((كلا)) يستعمل للاثنين لا للجمع. ـ فَعَّال يقل في أفعل. ... ـ المصدر يجوز أن يضاف للفاعل وإلى المفعول. ـ يحسن انفصال الإضافة إذا كان المضاف إليه يمكن فكه من الأول وإضافته إلى المضمر.

стр. 318

ـ أصل همزة التعجب أن تدخل على الأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها. ... ـ فَعَل وأفعل يشتركان كثيرا. والجدول السابق يشير إلى الملحوظتين التاليتين: أـ وجود تمايز واضح عند أبي العلاء بين قواعد اللغة واستعمال الشاعر، وهذا التمايز يذكرنا بما اصطلح عليه اللغويون المحدثون من تفرقة بين اللغة والكلام، أو القدرة والأداء. ب ـ إذا قمنا بتأصيل نظري لقواعد علم الأسلوب في تراثنا العربي فإننا يمكن أن نعتبر أبا العلاء بحق رائدا من رواد علم الأسلوب العربي. [ج] الاعتماد على سمات الاستعمال اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ، والألفاظ المصاحبة، والألفاظ والدلالات الأكثر أو الأقل شيوعا: كان أبوالعلاء يعتمد على المستعمل من الألفاظ في اللغة (أوالكلام)، وينبه على غير المستعمل منها، ويوضح أي الألفاظ أكثر شيوعا في الاستعمال، وأيها أقل، كما يوضح الألفاظ التي تأتي في العادة مصاحبة لألفاظ أومعان أوأشياء أخرى. وقد أحصى البحث أكثر من ثمانية وتسعين موضعا استخدم فيها أبوالعلاء الاستعمال اللغوي، والمصاحبة والشيوع. وهذه المواضع مقسمة كما يلي: • أربعة وأربعون موضعا للاستعمال اللغوي. • ثلاثة وثلاثون موضعا للمصاحبة. • واحد وعشرون موضعا للشيوع أوالقلة في الألفاظ أو الدلالات. ـ توظيف الاستعمال اللغوي: أـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا كانَتِ الأَنفاسُ جَمرًا لَدى الوَغى وَضاقَت ثِيابُ القَومِ وَهيَ فَضافِضُ [بحر الوافر]

стр. 319

((فَضَافِض: جمع فَضْفاض وهوالواسع، وإنما المستعمل ثوب فَضفاض؛ فجاء هذا على فَضْفَض، ومثله كثير)) (١). ب ـ وقال: ((الوسنان: الناعس، واستعاره هاهنا للهوى، ولم يستعمل ذلك من قبل الطائي)) (٢). ج ـ وقال: ((الإقراب: أكثر ما يستعمل في الإناث، يقال: فَرَس مُقْرَبَة؛ أي: تُشَد قريبا من بيت مالكها ... وربما استعمل ذلك في الذكور)) (٣). د ـ وقال: ((((أغاض)): قليلة في الاستعمال؛ وإنما يقال: غاض الماءُ وغاضه غيره، ويجوز أن يكون الطائي سمع أغاض في شعر قديم، وإن لم يكن قد سُمِع فالقياس يطلقه)) (٤). وعبارة أبي العلاء السابقة: ((القياس يطلقه)) عبارة أصولية مهمة في تصور تفكير أبي العلاء، وهو ينحى هنا منحى ابن جني الذي أجل القياس أيما إجلال. ـ وقال: ((والصامت من المال ما كان من فضة أوذهب، ويجوز أن يعني به كل ما لا ينطق، إلا أن أعرف ما يستعمل في الذهب والورق)) (٥). ـ وقال: ((و ((السُّدْس)):جمع سَديس، ولا يستعمل ذلك في الخيل ولكن في الإبل)) (٦).

стр. 320

ونصوص أبي العلاء السابقة تثير الملحوظات التالية: ١ـ لجوء أبي العلاء إلى الاستعمال اللغوي يبرز أهميته في توضيح المعنى الأساسي للكلمة، وإمكانية استغلاله للوقوف على مخالفات الشعراء. واتكاؤه على فكرة الاستعمال اللغوي في حد ذاتها يذكرنا بقول اللغوي المعاصر فيرث الذي يرى ((أن الكلمة ليست بذات معنى مستقل قائم بذاته وأن وجودها ومعناها شيئا نسيبا يمكن ملاحظة كل منهما في سياق غيرهما من الكلمات والمعاني أو عن طريق التقابل بينهما)) (١). ٢ـ لم يكن أبو العلاء بدعا بين العلماء في استناده إلى الاستعمال اللغوي للوصول لمأربه وبغيته، بل نجده مسبوقا بغيره من علماء البلاغة، فها هو ابن سنان الخفاجي (المتوفى: ٤٦٦هـ) يضع شروطا للفصاحة من بينها ((أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره فإذا أوردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت)) (٢). ٣ـ نلاحظ ثالثا أنه لم يخطئ أبا تمام في استعمالاته التي انفرد بها، وهو بهذا ليس من هؤلاء العلماء التقليديين ((الذين جعلوا القواعد ((الرسمية)) وحدها أساس الحكم بالصواب والخطأ [والذين] أهملوا في الوقت نفسه النظر إلى الاستعمال الواقعي وقيمة هذا الاستعمال)) (٣). ـ التنبيه على المصاحبة: اعتمد أبوالعلاء في شرحه على خاصية المصاحبة؛ أي: الألفاظ التي تأتي مصاحبة لألفاظ أومعان أوأشياء أخرى، فقد كان حريصا في شرحه على إبراز هذه المصاحبة. ولعل هذا الاستخدام والبيان قريب من نظرية ((الرصف Collocational Theory)) التي أشار إليها د. أحمد مختار عمر في كتابه ((علم الدلالة))،تلك النظرية التي تعتبر امتدادا لنظرية السياق أوتطورا عنها.

стр. 321

وقد نقل د. أحمد مختار عمر تعريف المصاحبة أوالرصف عن Ullmann قائلا: ((هوالارتباط الاعتيادي لكلمة ما في لغة ما بكلمات أخرى معينة))، أو: ((استعمال وحدتين معجميتين منفصلتين، استعمالهما عادة مرتبطتين الواحدة بالأخرى)) (١). وفيما يلي أمثلة على ذلك: ـ ((((الذَّرَابة)) الحدة، وقلما يقولون رجل ذَرِب حتى يقولوا ذرب اللسان)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أولِعنَ بِالمُردِ الغَطارِفِ بُدَّنا ... غيدًا أَلِفنَهُمُ لِدانًا غيدا [بحر الكامل] ((إذا رويت ((لُدَّنًا)) فهوجمع لادنة، وذلك لفظ لا يستعمل، وإنما يقال: غَضٌّ لَدْن، وشباب لدن، وهوالناعم المنعطف ... وإذا رويت ((بُدّنا لُدْنا)) فهوأعرف؛ لأن قولهم: امرأة بادن، كلام معروف)) (٣). ـ وقال: ((... و ((الوَخْد)) و ((الوَسْجُ)) ضربان من السير، وأكثر ما يستعملان في الإبل والنعام، وقد يستعاران لغيرهما)) (٤). ـ وقال أبوالعلاء عند قوله: نَدَّ عَنكَ العَزاءُ فيهِ وَقادَ الدَّمعَ مِن مُقلَتَيكَ قَودَ الجَنيبِ [بحر الخفيف] ((استعار: ((نَدَّ)) للعزاء، وإنما هو للإبل ونحوها)) (٥). ـ وقال: ((.والبلاء يستعمل في الفعل الحسن وفي القبيح، وفي الاختبار)) (٦). ـ وقال: ((والفأل أكثر ما يستعمل في الخير، وربما استعمل في الشر كالمستعار)) (٧).

стр. 322

ـ وقال: ((... ولم تجر العادة بأن يقال: كَسَفَ الكوكب، إنما المعروف: كَسَفت الشمسُ وخسف القمر)) (١). ـ وقال: ((.ولما كانت ((المها)) تستعمل في الدر والأسنان وبقر الوحش والبلور والنساء وغير ذلك مما يحسن ويصفو؛ استحسن أن يقول: ((مها اللذات)) ليخص بها الإنس)) (٢). ـ وقال: قوله: ((أدهم فيه كمتة)) لم يستعملوا مثله؛ لأنهم لم يقولوا: أدهم كميت)) (٣). ولم ينفرد أبو العلاء بالإشارة إلى المصاحبة اللفظية هذه، بل نجد قبله الثعالبي يشير إليها ويعتبرها من ((خصائص من كلام العرب)) يقول: ((وهاج الفحل والشر والحرب والفتنة، ولايقال: هاج لما يؤدي إلى الخير (...) ومن ذلك قوله تعالى: چ ں ں چ؛ أي مثلنا بهم، ولا يقال: جُعِلُوا أحاديث إلا في الشر، ويقال: نفشت الغنم ليلا، وهملت نهارا)) (٤). ـ توظيف الشائع والأقل شيوعا من الألفاظ والدلالات: كان أبوالعلاء يعتمد على الشائع والأقل شيوعا من الألفاظ، وكان ينبه على هذا، ومن أمثلة ذلك: ـ ((... وغارة شعواء؛ أي: متفرقة، وقلما يصرفون منه الفعل، ولا يقولون للذكر أشعى)) (٥).

стр. 323

ـ ويقول: ((المتعارف بين الناس ((الإسكندر)) بالألف واللام، فحذفهما منه (؛ أي: أبوتمام)، وقد فعل ذلك في غير موضع، كقوله: ((ما بين أندلس إلى صنعاء)) .. ولم تجر العادة أن يستعمل ((الفرزدق ولا الأندلس)) إلا بالألف واللام)) (١). ـ ويقول: ((... وإذا أُدخْل النفي على ((كاد)) أخرجها إلى معنى الإيجاب في معظم كلامهم، كقوله تعالى: چ ? چ چ چ چ چ [البقرة ٧١]؛ أي: قد فعلوا بعد إبطاء .. ولها معنى آخر إلا أنه قليل التردد، وإنما يكون كاللغز؛ لأن المعروف سواه، تقول: ما كاد يقوم أخوك؛ أي: لم يقم، ولم يقارب .. ومثل هذا قلما يستعمل)) (٢). ـ ويقول: ((... وقد يقال: ثوب فُضُل إذا لم يكن على اللابس غيره، فإن ثبت أنه قال: فاضلا وهويريد الفضل فهي كلمة لا تعرف في كلام المتقدمين، وإنما المعروف تفضلت المرأة إذا كانت فُضُلا)) (٣). ـ ويقول: ((... و ((العيرانة)): الناقة التي تشبه العير الوحشي في صلابتها، .. ودلوث: مثل دلاث، وهي الجريئة على السير، وقلما يقولون في صفة الناقة دَلُوث، وإنما يقولون: دلاث)) (٤). ـ ويقول: ((المَرَطى: ضرب من العدوسهل، وقلما يُستعمل في الإبل)) (٥). ـ ويقول: ((وشحب كلمة قليلة، وإنما الكلام شاحب؛ أي: متغير)) (٦). ـ ويقول: ((والفَلَج: أراد به تلفج الأسنان، وقلما يقولون: ثغر أفلج، وإنما يقولون: مفلج)) (٧).

стр. 324

ـ ويقول: ((.. ويقال: ((ظبية عوهج))؛ إذا كانت طويلة العنق، وقلما يستعملونه في صفة المذكر)) (١). ومن أمثلة توظيفه للخصائص الدلالية للغة الراقية، وإيضاح مدى اقتراب أوابتعاد أبي تمام عنها، التالي: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مَن مُبلِغٌ أَفناءَ يَعرُبَ كُلَّها ... أَنّي ابتَنَيتُ الجارَ قَبلَ المَنزِلِ [بحر الكامل] ((جعل الجار يبتنى كما تبتنى الدار، وهذا مجانس لقوله تعالى: چ ? ? ?? ? ? ? ? چ [آل عمران: ٥٤]، لأنه جعل جزاءهم على المكر مكرا، وكذلك الجار لما كان حالا إلى الدار؛ جاز أن يستعار له ما هولها في الحقيقة، وذلك مثل قولهم للرجل إذا رأوه يخيط ثوبه وقد انهدم له بيتٌ: خياطة بيتك أوجب من خياطة ثوبك، والبيت لم تجر العادة باستعمال الخياطة فيه، ومثل هذا كثير، يستعار ما هوللشيء المقارب غيره؛ فينقل إلى ما قاربه)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لا يَأسَفونَ إِذا هُمُ سَمِنَت لَهُم ... أَحسابُهُم أَن تُهزَلَ الأَعمارُ [بحر الكامل] ((استعار ((السمن)) للأحساب، وهي استعارة قديمة،.وقابل سِمَن الحسب بهُزال الأعمار، ولم يستعمل ذلك في العمر قبل الطائي إلا أن يكون شيئا غير مشهور)) (٣). ـ وقال: ((وقوله: ((رَضِيْعَي لبان))،يستعمل في الإنس، وكأن اللِّبان مصدر لابنه لبانا؛ إذا رضع من لبن أمه، وربما أخرج إلى غير الإنس على التوسع والمجاز)) (٤).

стр. 325

ـ وقال: ((و ((المعاقل)): جمع مَعْقِل، وأصل ذلك في الجبل، يقال: قد عَقَلَ الوعلُ إذا حصل في موضع عالٍ لا يوصل إليه فيه، ثم قيل لكل حصن مَعْقِل، ثم كثر ذلك حتى قيل فلان مَعْقِلي؛ أي: الذي أمتنع به، وكذلك سيف فلان معقله؛ أي: يقوم له مقام المعقل)) (١). ـ وقال: ((.. ((أشباه))؛ أي: كفاه .. وقال قوم: يقال أشبى الرجل إذا وُلد له أولاد أذكياء، وهومأخوذ من الشبا؛ أي: الحد، وقد استعملوا أشبى في غير هذا المعنى، قالوا أشبى عليه إذا أشفق)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِيَومٍ كَطولِ الدَهرِ في عَرضِ مِثلِهِ ... وَوَجدِيَ مِن هَذا وَهَذاكَ أَطوَلُ [بحر الطويل] ((.. لما جعل للدهر طولا وصله بالعرض على معنى الاستعارة، ولا حقيقة بأن يوصف الدهر بذلك، وإنما هو طويل لا غير، فأما العرض فإنما هوعلى الأماكن وما جرى مجراها، فأما الدهر فطويل، ما عُلِم أن أحدا قبل الطائي وصفه بالعرض، ولكنه لما تقدم ذكر الطول استجاز أن يجيء بضده)) (٣). ويمكن من خلال مبدأ ((الإعلامية Informativity)) الذي يقول به علم النص أن نعلل اهتمام أبي العلاء بالتنبيه على استعمال أبي تمام لألفاظ شائعة أو ألفاظ أقل شيوعا، فإبرازه لدرجة الإعلامية في ألفاظه وتراكيبه إشارة درجة فحولة الشاعر ومدى شاعريته. [د] الاعتماد على الخصائص الأسلوبية العامة للغة العربية: اعتمد أبوالعلاء على الخصائص الأسلوبية العامة التي تحفل بها اللغة، وبيان مدى اتفاق أبي تمام معها أوابتعاده عنها ومثال ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

стр. 326

وَقَرِّب أَنتَ تِلكَ فَإِنَّ هَمًّا ... عَراني بِاشتِجارٍ وَارتِفاقِ [بحر الوافر] ((خاطب المرأة ثم انصرف عنها إلى مخاطبة رجل يأمر بتقريب العيس للسير، وهم يفعلون ذلك كثيرا، يتركون خطاب الأول المذكر إلى المؤنث، وخطاب المؤنث إلى المذكر، ومنه الآية: چ ? ? ? ?? ? ?? ? ? ? ? ? چ [يوسف:٢٩])) (١). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: قَدكَ اتَّئِب أَربَيتَ في الغُلواءِ ... كَم تَعذِلونَ وَأَنتُمُ سُجَرائي [بحر الكامل] ((.. وقال: ((كم تعذلون))؛ فخرج من خطاب الواحد خطاب الجميع، ومثله كثير في القرآن والكلام القديم، ومنه قوله: چ ? ? ? ? ? چ [الطلاق: ١])) (٢). ـ وقال: ((من كلامهم إذا أكثر الرجل من الشيء وألفه أن يقولوا هو أبو كذا وأمه وابنه، كما يقال: هوأبوالأضياف، وأم العيال وابن الهيجاء وأخو رغائب)) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِنتُ الفَضاءِ مَتى تَخِد بِكَ لا تَدَع ... في الصَّدرِ مِنكَ عَلى الفَلاةِ غَليلا [بحر الكامل] ((يعني الناقة؛ أي أنها معاودة للسير في الفضاء من الأرض على مذهب قولهم: ابن قفر وابن ليل، وهو كثير في كلامهم)) (٤). ـ وقال: ((((الراقصات)): الإبل، والرقص ضرب من السير، وقد كثر في كلامهم القسم بالراقصات إلى منى)) (٥).

стр. 327

ـ العنصر الرابع من عناصر المنهج عند أبي العلاء: توظيف خصائص الصنعة الشعرية: من الأمور التي اعتمدها أبوالعلاء عند شرحه لديوان أبي تمام الاتكاء على توظيف الصنعة الشعرية وخصائصها. والصنعة أو الصناعة كمصطلح عام يقصد به ((كل علم مَارسه الرجل سواء كان استدلاليا أو غيره حتى صار كالحرفة له، وقيل: كل عمل لا يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه)) (١)، وقد ((تفسر بملكة يقتدر بها على استعمال مصنوعات ما لنحو غرض من الأغراض صادرًا عن البصيرة بحسب الإمكان)) (٢). والشعر أيضا ((صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم)) (٣). والمراد بصنعة الشعر تحديدا ((معرفة الشاعر بالأصول والقواعد التي تجعل الشعر حسناً (...) وغاية هذه الصناعة تجويده وتحسينه، قال قدامة: إن للشعر صناعة وإن كان جاريًا على سبيل سائر الصناعات مقصودًا فيه وفيما يحاك ويؤلف منه إلى غاية التجويد)) (٤). وقد كان أبوالعلاء جِدَّ خبير بخصائص تلك الصنعة وما يميزها، ومدى اتفاقه أواختلافه معها. وقد أحصى البحث اثنين وعشرين موضعًا وظف فيها أبوالعلاء خصائص الصنعة الشعرية، وفيما يلي أهمها: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

стр. 328

ما في النُّجومِ سِوى تَعِلَّةِ باطِلٍ ... قَدُمَت وَأُسِّسَ إِفكُها تَأسيسا [بحر الكامل] ((.. كان الشعراء في القديم إذا جاءوا بالفعل جاءوا بمصدره في القافية .. ثم كثرت الصناعة، وتشدد فيها القالة حتى صاروا يعيبون ذلك، فأما أبوالطيب فقلما يجيء به، ولا ريب أنه كان يتعمد تركه، وإخلاء الكلام من مثله أحسنُ وأقوى؛ لأنه يجيء بعدما استغنى الكلام، وعُلِمَ الغرض، وإنما يتوصل به إلى تقويم القافية، وصلاح الوزن)) (١). ـ وقال عند قول أبي تمام: صَمّاءُ سَمُّ العِدى في جَنبِها ضَرَبٌ ... وَشُربُ كاسِ الرَّدى في فَمِّها شُهُدُ [بحر البسيط] ((إن رويت: ((في فمها)) بالتخفيف صار في البيت زحاف، وقلما يستعمل الشعراء مثله، وهوعندهم جائز، وإن شددت الميم بَطَلَ الزحاف، إلا أن التخفيف أجزل في اللفظ)) (٢). ـ وقال عند قول أبي تمام: هَذا أَمينَ اللَهِ آخِرُ مَصدَرٍ ... شَجِيَ الظَّماءُ بِهِ وَأَوَّلُ مَورِدِ [بحر الكامل] ((مد ((الظماء)) وهومهموز مقصور؛ وذلك جائز، إلا أن ترك المد أحسن، وهوفي الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور)) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا تَذَكَّرتُكَ ذَكَّرتَني ... قَد ذَلَّ مَن لَيسَ لَهُ ناصِرُ [بحر السريع] ((هذا من التضمين (٤) الذي يعرفه المحدثون. كانوا أول الأمر يسمونه ((استزادة))، وهذا المصراع في شعر قديم ينشده النحويون ... وقد كانت الشعراء في القديم يأخذ أحدهم

стр. 329

البيت المشهور من شعر غيره فيزيده في شعر نفسه على المعنى الذي يسمى التضمين)) (١). وعبارات أبي العلاء: ((وقد كانت الشعراء في القديم))، ((وهو في الشعر أسوغ)) و ((وقلما يستعمل الشعراء)) ... توحي بأن القصيدة ـ في نظر لغويينا القدامى ـ كانت ((بناء تدخل في تكوينه عناصر نمطية مختلفة ومتكررة، ولكنها نمطية لا تجعل بالضرورة من أبنية القصائد المختلفة صيغة شعرية ذات معنى واحد)) (٢). ـ العنصر الخامس من عناصر المنهج: تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين: كان أبوالعلاء يقدم للبيت كل المعاني (٣) الممكنة، وذلك في غياب القرائن (٤) المحددة لمعنى محدد أوالمرجحة لمعنى على معنى؛ إذ إن ((تعدد المعنى يكشف عن عدم كفاية القرائن)) (٥). ففي حالة غيابها كان يذكر كل المعاني الممكنة (٦). وكان يعتمد في إثراء معنى البيت على الأمور الآتية: أـ توظيف المعاني المعجمية المختلفة للفظة الواحدة في تأويل البيت: فالكلمة التي لها أكثر من معنى معجمي كان أبوالعلاء يوظفها في إثراء معنى البيت طالما أن المعنى أوالسياق يسمحان بذلك. وقد وظف هذا الأسلوب في عشرين موضعا منها:

стр. 330

١ ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح أبا عبد الله أحمد بن أبي دواد، ويعتذر إليه: عامي وَعامُ العيسِ بَينَ وَديقَةٍ ... مَسجورَةٍ وَتَنوفَةٍ صَيخودِ [بحر الكامل] ((((الوديقة)): شدة الحر، ودنوالشمس من الأرض، و ((مسجورة))؛ أي: مملوءة بالسراب، ويجوز أن يعنى بمسجورة: من سجر التنور، يصفها بشدة الهجير .. و. ((صيخود)) يجوز أن يعني به صلابة الأرض، من قولهم: صخرة صيخود؛ ويجوز أن يعني به شدة الحر، من قولهم: صَخَدته الهاجرة إذا آلمت دماغه)) (١). ٢ ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِأَبي هَوًى وَدَّعتُهُ ... تاهَت بِصُحبَتِهِ الرِّفاقُ [بحر: مجزوء الكامل] ((... وقوله ((تاهت)) يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون من التيه الذي هوتكبر وإعجاب؛ كأنها لحقها تيه لما صحبها، والآخر أن يكون من تاهَ في الأرض إذا حار وضل؛ أي: أنهم يحارون لحسنه ونوره)) (٢). ٣ ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ذَريني وَأَهوالَ الزَّمانِ أُفانِها ... فَأَهوالُهُ العُظمى تَليها رَغائِبُه [بحر الطويل] ((.. إذا رويت: ((أُفانها)) بالفاء، فهويحتمل وجهين: أحدهما أن تكون المفاعلة من الفناء؛ والآخر أن يكون من الفِناء؛ أي: تنزل بفنائي وأنزل بفنائها)) (٣). ٤ ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مِن كُلِّ قَرمٍ يَرى الإِقدامَ مَأدُبَةً ... إِذا خَدا مُعلِمًا بِالسِّيفِ أَووَسَجا [بحر البسيط]

стр. 331

((.. ((يَرى الإِقدامَ مَأدُبَةً)): يحتمل أن يكون من المأدبة التي هي تأديب؛ أي: يرى إقدامه من الأدب الذي ينبغي أن يستعمل، ويجوز أن يكون من المأدبة إلى الطعام، فهويسيرٌ عليه)))) (١). والنصوص الأربعة السابقة تشير إلى: أـ أهمية التقيد بدلالات اللغة وألفاظها في التفسير، ورفض أي تفسير يأتي بدلالة جديدة للفظ لم تأت مرتبطة بهذا اللفظ، ولذلك قال علماء تفسير القرآن إنه من الأهمية ((فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة)) (٢). وأنه مما أوقع كثيرا من الفرق الإسلامية في البدع ((حمل ألفاظ القرآن على معان اعتقدوها لتأييدها به)) (٣). ب ـ تأثر أبي العلاء بأقوال المعتزلة من أنه من ((الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر أن يذكر كل ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني)) (٤). ج ـ كلام أبي العلاء يؤكد أن ((الكلام إذا فقد دلالته اللغوية فليس له أي اعتبار)) (٥). وأصبح مَن شاء يقول ما شاء فيما شاء (٦).

стр. 332

د ـ يقدم أبو العلاء دائما في شرحه ما نسميه بالمعنى الحقيقي الذي ينطلق منه المعنى المجازي، ومن المعروف وجود علاقة جامعة بين المعنيين، ولابد ((أن يكون الانتقال إلى المجاز ذا قرينة دالة، وهذا لا ينازع أحد في قبوله)) (١). ولكن كل مجاز يبتعد عن الحقيقة بدون قرينة أو علاقة ((مجاز سقيم لا يعتد به)) (٢). والتأويل عن طريق المجاز الشاطح بدون التقيد بالقرائن أو العلائق المتصلة بالمعنى الحقيقي السليم مطية أصحاب الأهواء، وهو ((المركب الذلول لمن يدعون الاجتهاد الديني أو الابتكار الأدبي دون هدى منير)) (٣). **** ب ـ استغلال البنية الصرفية: كان أبوالعلاء يستغل البنية الصرفية وضبطها (٤) في إثراء المعني، ومثال ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَن سَوفَ تُهدى إِلى أثآرِهِ بُهُمًا ... يُمسي الرَّدى مُسرِيًا فيها وَمُدَّلِجا [بحر البسيط] ((.. ((الأثآر)) جمع ثأر، والمعنى أن هذا المقتول قد علم أنك ستُهْدِي إلى القوم الذين قتلوه جيشا يطلب ثأره , ويجوز أن يكون ((تُهْدِي)) من الهدية، و ((تَهْدِي)) بفتح التاء، من هديتُ القوم إذا تقدمتهم)) (٥).

стр. 333

ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: نُحِرَت رِكابُ القَومِ حَتّى يَغبُروا ... رَجْلَى لَقَد عَنُفوا عَلَيَّ وَلاموا [بحر الكامل] ((.. دعا عليهم بأن تنحر ركابهم حتى يغبروا، وإن شئتَ جعلت ((رَجْلَى)) جمع رجلان فلم تُنَوِّن. وكذلك ينشده الناس، يقال: رَجْلان ورَجْلى، كما يقال: سَكران وسَكْرى (...) ولونونت فَجُعِلَت جمع راجل ورَجْل، مثل: صاحِب وصَحْب كان ذلك حسنا)) (١). ومما يتصل بهذه الجزئية استغلال أبي العلاء كون الكلمة جمعا للفظتين مختلفتين في المعنى، ويوظف معنى كل لفظة في إثراء معنى البيت الإجمالي، طالما أن معنى البيت يسمح بذلك، ومثال ذلك ما يلي: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: قَد بورِكَت تِلكَ البُطونُ وَقُدِّسَت ... تِلكَ الظُهورُ بِقُربِهِ تَقديسا [بحر الكامل] ((يجب أن يعني: بـ ((الظهور)) هاهنا جمع ((ظَهر))، من الأرض وهوما ظهرَ منها، و ((البطون)) جمع بطن، وإذا كانت الأرض غير مسكونة فظهورها ما ارتفع منها وبطونها ما كان واديا أو وهدا، وإذا كانت مسكونة فظهورها ما ظهر من جدرانها وبطونها ما بطن من الدور والبيوت. وقد يحتمل أن يعني بـ ((الظهور)) جمع ظَهْر الرجل، و ((البطون)) جمع بطن المرأة، يريد أن أهل هذه المحلَّة قوم طاهرون مُباركون، والأول أحسن وأشبه بالغرض)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَغَدَت بُطونُ مِنى مُنىً مِن سَيبِهِ ... وَغَدَت حَرًىمِنهُ ظُهورُ حِراءِ [بحر الكامل]

стр. 334

((.. إن ضممت الميم من ((مُنًى)) فهوجمع: مُنْية، والمعنى يصح على ذلك، وإن رويته: ((مَنًى)) فهو حسن، من قولهم: أصابه مَنًى؛ أي: مقدار؛ أي: غدت بطون مِنًى مقدرة لسيبه؛ أي: عطائه، ويحتمل أن يكون من قولهم: دارى بِمَنَى داره؛ أي: بحذائها)) (١). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: رَأَوا مِنهُ لَيثًا فَابذَعَرَّت حُماتُهُم ... وَقَد حَكَمَت فيهِ حُماةُ العَوامِلِ [بحر الطويل] ((و ((حُماتُهُم)): جمع حام، أي الذي يحميهم، و ((حُماةُ العَوامِلِ)) يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون جمع حام مثل الأول، كأنه جعل العوامل تحمى، والآخر أن يكون جمع: حُمَة، يراد بها: السَّمُّ وسورته، وهذا أشبه بمذهب الطائي من الوجه الأول، والوقف في هذا القول على التاء؛ لأنها مثل تاء ثُبات، والوقف في الوجه الأول على الهاء؛ لأنها مثل قضاة، إلا على رأي من قال رحمت ونعمت في الوقف على رحمة ونعمة)) (٢). ويبدو أن أبا العلاء هنا متأثر بشدة بما قاله ابن جني في ((باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية)) حيث أوضح في هذا الباب خطورة تداخل أصول الكلمات وأثر ذلك على المعنى، وأعطى مثالا على ذلك من أقوال أبي تمام نفسه فقال: ((وعليه قال الطائي الكبير: أَلَحدٌ حَوى حَيَّةَ المُلحِدينَ ... وَلَدنُ ثَرىً حالَ دونَ الثَّراءِ [بحر المتقارب] (...) فجاء به مجيء التجنيس , وليس على الحقيقة تجنيسًا صحيحًا. وذلك أن التجنيس عندهم أن يتفق اللفظان ويختلف أو يتقارب المعنيان؛ كالعقل والمعقل والعقلة والعقيلة ومعقلة. وعلى ذلك وضع أهل اللغة كتب الأجناس. وليس الثرى من لفظ

стр. 335

الثراء على الحقيقة , وذلك أن الثرى ـ وهو الندى ـ من تركيب: ث ر ي؛ لقولهم: التقى الثريان. وأما الثراء ـ لكثرة المال ـ فمن تركيب: ث ر و؛ لأنه من الثروة، ومنه الثريّا؛ لأنها من الثروة لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها, فكأنها كثيرة العدد بالإضافة إلى ضيق المحل. ومنه قولهم: ثَرَوْنا بني فلان, نثروهم ثروة , إذا كنا أكثر منهم. فاللفظان ـ كما ترى ـ مختلفان, فلا تجنيس إذًا إلّا للظاهر)) (١). إلا أن هذا كان عنده على سبيل التنبيه، أما أبو العلاء فقد استغل هذا الأمر لإثراء معنى البيت. **** ج ـ توجيه ألفاظ البيت إعرابيا بكل الأوجه الممكنة: عمل أبو العلاء على توجيه ألفاظ الأبيات التي يشرحها أعرابيا بكل الأوجه الممكنة إن تيسر له ذلك، مكتفيا به وسيلة للشرح، ولاشك أنه في ذلك يوافق النحويين والبلاغيين أيضا على أن النحو ((العامل الأساسي في تأدية أصل المعنى)) (٢). وإذا كان الإعراب على أواخر ألفاظ اللغة ((لإبانة معانيها)) (٣)، وليكون ((فارقا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين والمعنيين المختلفين)) (٤)، فإن كل توجيه إعرابي لابد أن يحمل معه معنى يختلف عن الآخر، وفي هذا ولاشك إثراء لمعنى البيت. وقد استغل أبوالعلاء الإمكانات النحوية والأوجه الإعرابية المختلفة والممكنة في إثراء معنى البيت، وقد استغل هذه الإمكانات في ٢٩ موضعا، نذكر منها على سبيل المثال التالي:

стр. 336

ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح الحسن بن رجاء ويطلب منه فرسا: وَمِثلُهُ ذو العُنُقِ السَّبطِ قَد ... أَمطَيتَهُ وَالكَفَلِ المَرمَريس [بحر السريع] ((يجوز رفع مثله على الابتداء، وخفضه على معنى رب)) (١). والتوجيه الإعرابي لكلمة ((مثله)) يضعنا أمام المعنيين التاليين مع الأخذ في الاعتبار أن البيت السابق جاء في سياق مدح وطلب بعض العطايا: أـ رفع ((مثله)) على الابتداء يجعل ((قد أمطيته)) خبرا جملة فعلية، يضعنا أمام جملة اسمية تفيد الثبوت والتحقق، والخبر الجملة الفعلية المؤكدة بـ ((قد)) يفيد التوكيد على تحقق معناه للمبتدإ، وفي هذا قمة المدح للممدوح. ب ـ أما الجر فموجبه ((رب)) وهي للقليل، وإن كان كذلك فقد وصف الشاعر الممدوح بقلة العطاء. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ذَريني مِنكِ سافِحَةَ المَآقي ... وَمِن سَرَعانِ عَبرَتِكِ المُراقِ [بحر الوافر] ((.. ونصب ((سافِحَةَ المَآقي)) على وجهين: أحدهما أن يكون على النداء، والآخر أن يكون على الحال؛ لأن ((سافحة)) لا تتعرف بالإضافة إلى ما فيه الألف واللام، وكلا الوجهين: النداء والحال، يحتمل فيه ((المآقي)) أمرين: إن شئت كانت في تأويل الفاعل، كأنه قال: يا سافحة مآقيها، أوأراد: ذريني منك سافحة مآقيك، وإن شئت كانت في تأويل المفعول، كأن المخاطبة من النساء سفحتها؛ لأنه يجوز أن يقال: سفح الباكي ماءَ عينه، وسَفَحَ عينه على تقدير حذف المضاف)) (٢).

стр. 337

وهذا الشرح بالإعراب يذكرنا بقول عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز: ((إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتي يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يُعْرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه)) (١). د ـ إعمال الرويات المختلفة: كثرت في الشعر العربي تعدد الرواية لأبيات أو ألفاظ في القصائد المروية لكبار الشعراء، ويلاحظ أن ((تغيير الرواية أو التصحيف أو التحريف في الشعر القديم لا يعد من مسؤولية الشاعر؛ لأن الشاعر قال كلمته على الوجه الذي أنشأها به ومضى، ولكنها مسؤولية الرواة)) (٢). وتعدد الرواية في الشعر القديم ((يدور في معظمه حول استخدام لفظ مرادف بدلا من آخر، بحيث لا يُحدث تغيرا في العلاقات النحوية، وهذا إذا كان اللفظان متوازنين صيغة، ومتقاربين دلالة، ومتفقين علاقة)) (٣). وكانت كثير من أبيات أبي تمام تروي بروايات متعددة (٤)، وكان من منهج أبي العلاء إعمال كل الروايات المختلفة للبيت وعدم رَدِّ أية رواية ما لم توجد أية قرينةٍ ترد الرواية الأخرى، من سياق أو زحاف (٥) أوغيرهما. وبطبيعة الحال قد تكون الرواية الأخرى لفظة مختلفة ذات معنى مختلف، وإعمال هذه المعاني يثري معنى البيت بدرجة عظيمة، وقد أحصى البحث سبعة وثلاثين موضعا أعمل فيها أبوالعلاء الروايات المختلفة، وفيما يلي أمثلة: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

стр. 338

وَأَكثَرُ حالاتِ اِبنِ آدَمَ خِلقَةٌ ... يَضِلُّ إِذا فَكَّرتَ في كُنهِها الفِكرُ [بحر الطويل] ((المعنى يصح على ((خِلقة)) و ((خِلْفة))، فإذا رويت بالقاف فالمعنى أن حالات ابن آدم طبعه وخِلقتُه التي جُبِل عليها يَضِلُّ المعقولُ في كنهها؛ أي: في معناها، وإذا رويت ((خِلفة)) بالفاء فالمعنى أن حالات ابن آدم مختلفة)) (١). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لا يَجوزُ الأُمورَ صَفحًا وَلا يُر ... قِلُ إِلّا عَلى سَواءِ الطَريقِ [بحر الخفيف] ((... و ((صفحًا)): من قولهم أضرب عن كذا صفحا: إذا لم ينظر فيه، يريد أنه يتدبَّر الأشياء، ولا يتركها إغفالا، ومن روى ((يُرْقِل)) بالقاف فهو من إرقال السير ... ومن روى ((يَرْفُل)) فهومن رفَلَ في ثوبه: إذا جرَّ ذيله)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: فِدًى لَهُ مُقشَعِرٌّ حينَ تَسأَلُهُ ... خَوفَ السُّؤالِ كَأَن في جِلدِهِ وَبَرُ [بحر البسيط] ((.. إذا رويت: ((وَبَرُ))؛ فالمعنى أنَّ هذا المذموم كأنه ذو وَبَرُ. وإن رويت ((الإبَرُ))؛ فالمعنى أن يقشعرّ؛ فيقوم شعره كأنه الإبر ..)) (٣). والجمع بين الروايات المختلفة منهج إسلامي أصيل، أخذ به الفقهاء والمُحَدِّثُون عند تعاملهم مع الحديث النبوي؛ فقرروا أن ((المنهج الصحيح في النظر أن يجمع بين

стр. 339

هذه الروايات، وذلك بحسن توجيهها في الموضوع الذي وردت فيه ـ بلا تعسف ـ ودون أن يهمل رواية منها، فالجمع بينها مقدم؛ لأن إعمال النص الصحيح خير من إهماله)) (١). بل كان إعمال القراءات القرآنية المختفلة للآية الواحد مسلك المذاهب الفقهية أوعلى الأقل بعضها (٢). وأبوالعلاء بحكم نشأته في بيت علم لم يكن بعيدا عن التأثر بهذا المنهج (٣). هـ ـ وكان أبوالعلاء يميل ألا تكون المعاني المتأولة بعيدة عن الاستعمال اللغوي: ومثال ذلك التالي: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَلِهَت فَأَظلَمَ كُلُّ شَيءٍ دونَها ... وَأَنارَ مِنها كُلُّ شَيءٍ مُظلِمِ [بحر الكامل]

стр. 340

((.. يريد أنه لما أصابها الوَلَهُ اشتد عليه ذلك؛ فأظلم كل شيء بينها وبينه، وهذا كلام مستعمل، يقال: فلان قال كذا وفعل كذا؛ فاسودَّت الدنيا في عيني، ويقال: كان كذا من فلان؛ فاسودَّ ما بيني وبينه، وقد يؤدي لفظ الطائي معنى آخر، وهوأن الأشياء أظلمت دونها؛ أي: غيرها)) (١). وـ تأويل البيت بما يناسب السياق الغير لغوي: كان أبوالعلاء في تأويله للأبيات يراعي السياق غير اللغوي (سياق الحال)، ويحاول أن يأتي بتأويله منسجما مع هذا السياق، ومثال ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: يَتَساقَونَ في الوَغى كَأسَ مَوتٍ ... وَهيَ مَوصولَةٌ بِكَأسِ رَحيقِ [بحر الخفيف] ((هذا يحتمل غير وجه، من ذلك أن المسلمين الذين يقاتلون الكفار يدخلون الجنة؛ فيسقون من الرحيق المختوم، ولا يمتنع أن يريد سبي نسائهم، وتمتع الذين يقاتلونهم بهن؛ فيجعل الريق مثل الرحيق، وقد يمكن أن يكون الطائي علم أن الممدوح يستعمل الشراب؛ فقال هذه المقالة؛ أي: إنه إذا تفرغ عن قتال الأعداء رجع إلى حالة السلم)) (٢). ـ العنصر السادس من عناصر المنهج: الاهتمام بالجوانب الدلالية للكلمة المشروحة: كان أبوالعلاء يهتم بالكلمة دلاليا، ويسعى لتوضيح الجوانب الدلالية للكلمة ويتجلى هذا الاهتمام الدلالي في الاهتمام بتتبع التطور الدلالي للفظة وتحديد استعمالها، وما يصاحبها من ألفاظ أخرى. ـ الاهتمام بتتبع التطور الدلالي للفظة: اهتم أبوالعلاء بتتبع التطور الدلالي للفظة، والمواضع والنصوص التي جمعها البحث تثبت أنه كان على علم بهذا التطور وبمظاهره التي تتمثل في ثلاثة مظاهر وهي: تخصيص الدلالة، تعميم الدلالة، تغيير مجال استعمال الكلمة.

стр. 341

أي أن معنى الكلمة يحدث فيه تضييق أواتساع أوانتقال. فهناك تضييق عند الخروج من معنى عام إلى خاص، وهناك اتساع عكس ما سبق؛ أي: عند الخروج من معنى خاص إلى معنى عام، وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان، أوإذا كانا لا يختلفان من جهة العموم والخصوص، كما في ((حالة انتقال الكلمة من المحل إلى الحال، أومن السبب إلى المسبب ... ولسنا في حاجة إلى القول بأن الاتساع والتضييق ينشآن من الانتقال في أغلب الأحيان، وأن انتقال المعنى يتضمن طرائق شتى، يطلق عليها النحاة (١) أسماء اصطلاحية)) (٢)، و ((من هذه الأسماء الاصطلاحية: المجاز المرسل والاستعارة)) (٣). ويظهر التطور الدلالي عند أبي العلاء في مظهرين فقط: الاتساع والانتقال. فأما عن المظهر الأول للتطور الدلالي ـ الاتساع الدلالي ـ فيظهر نظريا في قول أبي العلاء: ((المعاني تحدثُ في الأسماء لأغراض تقع لم تكن قديمة)) (٤). وتظهر تطبيقا في الأمثلة التالية: ـ مَعْقِل: ((أصل ذلك في الجبل، يقال: قد عَقَلَ الوعْلُ؛ إذا حصل في موضع عال لا يوصل إليه فيه، ثم قيل لكل حصن معقل، ثم كثر الكلام حتى قيل: فلان معقلي؛ أى: الذي أمتنع به، وكذلك سيف فلان معقله؛ أي: يقوم له مقام المعقل)) (٥).

стр. 342

ـ وقال: الإياب: ((أصل الإياب أن يجيء الرجل مع الليل، وكثر ذلك حتى قيل للغائب إذا قدم قد آب)) (١). ـ وقال: اللِّبان: ((مصدر لابنه يُلابِنُه لِبانًا؛ إذا رضع من لَبن أمه، وربما أخرج إلى غير الإنس على التوسع والمجاز)) (٢). ـ وقال: اغلولب: ((أصل اغلولب في غلظ العنق، ثم استعمل في غيره؛ فقالوا: نخل مغلولب؛ أي: غلاظ، ونبت مغلولب؛ أي: كثر واتصل بعضه ببعض)) (٣). ـ وقال: الصعبة: ((يراد بالصعبة: كل أمر مستصعب، وأصل ذلك في الإبل، ثم استعمل في جميع الأشياء)) (٤). ـ وقال: تَشَاجَرَ: ((تشاجرت الخطوب؛ أي: لقي بعضها بعضًا وتشابكت، ومن ذلك تشاجرت الرماح؛ إذا دخل بعضها في بعض عند الطعان ومنه اشتقاق الشجر لاشتباك الأغصان، ثم كثر ذلك حتي قيل شجره بالرمح؛ إذا طعنه)) (٥). ـ وقال: الوشيج: ((أصل الوشيج كل ما وشج بعضه في بعض؛ أي: اتصل، وأكثر ما يستعمل ذلك في أصول الرماح، ثم يقال لكل ما اتصل وشيج)) (٦). ـ وقال: الفَرْج: ((الفرج موضع المخافة، كأنهم يريدون أن المكان قد حفظ إلا ذلك الموضع، وهومأخوذ من فرج الدُّرَّاعة والقميص)) (٧). ـ وقال: المعين: ((الماء الذي يجري على وجه الأرض، وقد كثر ذلك حتى صار الناس يسمون الماء الذي يستقي من الآبار معينا؛ لأنه ينبع من الأرض؛

стр. 343

فيفرقون بينه وبين المختزن من ماء المطر وغيره)) (١). ومما يتعلق بهذا المظهر أيضا تنبيه أبي العلاء المتكرر على الأصل الدلالي المأخوذ منه الكلمة، وقد أحصى البحث ٣٨ موضعًا، نص فيه أبوالعلاء على الأصل الدلالي، وفيما يلي بعضها: ـ وقال: الخداج: ((النقصان، وأصله في الولد أن يخرج ناقصًا)) (٢). ـ وقال: الفينان: ((الشعر الطويل، وكأنه أخذ من الفنن وهوالغصن المتشعب)) (٣). ـ وقال: الخبت: ((موضع بعينه، وأصل الخبت كل موضع اطمأن، وهومع ذلك سهل)) (٤). ـ وقال: التوجين: ((أصل التوجين تليين الشيء ودَقُّهُ، ومنه قيل لمدقة القَصَّار الميجنة)) (٥). ـ وقال: النياط: ((يستعملون النياط في معنى البُعْد، وأصل النياط من ناطَ الشيءَ بالشيء؛ إذا علقه به)) (٦). ـ وقال: الترهات: ((الأمور المشكلة، وأصله في الطرق المتشعبة عن الطريق الأعظم)) (٧). ـ وقال: سَوْرَة الغضب: ((حدته، وأصله من سار يسور؛ إذا وثب)) (٨). ـ وقال: أضغاث الأحلام: ((هوالمختلط منها المشتبه، وأصله من الضغث، وهو أن يقبض الرجل ملء كفه من النَّبْت؛ فيكون منه ضروب مختلقة)) (٩).

стр. 344

أما المظهر الثاني من مظاهر التطور الدلالي ـ وهومظهر الانتقال ـ فيتمثل في تنبيه أبي العلاء على استعارات أبي تمام سواء التي تفرد بها أوالتي اتفق فيها مع غيره من الشعراء. والانتقال الدلالي ـ كما سبق وأن أشرت ـ يتضمن طرائق شتى يطلق عليها النحاة أسماء اصطلاحية: المجاز المرسل والاستعارة. فالمجاز هو: ((اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما ... والمجاز إما مرسل، أواستعارة؛ لأن العلاقة المصححة له إما أن تكون مشابهة المنقول إليه بالمنقول عنه في شيء، وإما أن تكون غيرها، فإن كان الأول يسمى المجاز: استعارة)) (١). وهوأيضًا: ((ما جاوز وتعدى عن محله الموضوع له إلى غيره لمناسبة بينهما، وإما من حيث الصورة، أومن حيث المعنى اللازم المشهور، أومن حيث القرب والمجاورة)) (٢). وباعتبار أن المجاز المرسل والاستعارة نوعان من التطور الدلالي نجد أن أبا العلاء كان متنبها لهذا الأمر ومنبِّها عليه في مواضع كثيرة في شرحه قولا وتطبيقا، أما القول فقوله: ((.. يستعار ما هوللشيء المقارب غيره؛ فينقل إلى ما قاربه)) (٣). أما التطبيق فيظهر في ستة وخمسين موضعا، منها اثنا عشر موضعا نص أبوالعلاء فيها على تفرد أبي تمام بهذه الاستعارات، وفيما يلي أمثلة لبعض الانفرادات الاستعارية عند أبي تمام: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مَنَعَ الزِّيارَةَ وَالوِصالَ سَحائِبٌ ... شُمُّ الغَوارِبِ جَأبَةُ الأَكتافِ [بحر الكامل]

стр. 345

((.. استعار: ((الشمَّ)) في صفة السحاب، وما يعرف ذلك لأحد قبله)) (١). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لا يَأسَفونَ إِذا هُمُ سَمِنَت لَهُم ... أَحسابُهُم أَن تُهزَلَ الأَعمارُ [بحر الكامل] ((.. قابل سِمَنَ الحسب بهزال الأعمار، ولم يستعمل ذلك في العمر قبل الطائي، إلا أن يكون شيئا غير مشهور)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: فَإِذا نِعمَةُ امرِئٍ فَرِكَتهُ ... فَاهتَصِرها إِلَيكَ وَلهى عَروبا [بحر الخفيف] ((.. ((فَرِكَتهُ)): من فَرْك النساء، وهوبغضهن لأزواجهن، وما أَخرج الفِرْك من الحيوان إلى غيره أحد قبل الطائي)) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لا يُسعِدُ المُشتاقَ وَسنانُ الهَوى ... يَبِسُ المَدامِعِ بارِدُ الأَنفاسِ [بحر الكامل] ((الوسنان: الناعس واستعاره هاهنا للهوى، ولم يستعمل ذلك من قبل الطائي)) (٤) .. تعليل اهتمام أبي العلاء بالتنبيه على التطور الدلالي للكلمات المشروحة: بعد أن أوضحنا اهتمام أبي العلاء (٥) بالتطور الدلالي للألفاظ المشروحة، قد يثور سؤال: لماذا كان اهتمام أبي العلاء بهذا التطور؟ وللإجابة عن هذا السؤال نمهد بالحقائق اللغوية الآتية:

стр. 346

١ـ أن المفردات لا تستقر على حال، وذلك لأن ((الحياة تشجع على تغير المفردات؛ لأنها تضاعف الأسباب التي تؤثر في الكلمات، فالعلاقات الاجتماعية والصناعات، والعُدد المتنوعة تعمل على تغير المفردات، وتقصي الكلمات القديمة، أوتحور معناها، وتتطلب خلق كلمات جديدة)) (١). ٢ـ إن كل جماعة لغوية تترابط لغويا، وتتحول إلى جماعة ثقافية متميزة تصوغ بين الحين والآخر مدلولات جديدة للكلمات بحكم استخدامها للأشياء ومرورها بتجارب مختلفة، ولهذا كانت المدلولات سابقة لدوالها (٢). ٣ـ اللغة ليست هامدة أوساكنة بحال من الأحوال، بالرغم من أن تقدمها قد يبدو بطيئا في بعض الأحايين، فالأصوات والتراكيب والعناصر النحوية وصيغ الكلمات ومعانيها معرضة كلها للتغير والتطور (٣). ٤ـ تزداد سرعة التطور اللغوي بازدياد انتشار اللغة بين غير أهليها، وبازدياد عدد الذين يتكلمونها وتنوعهم (٤). ٥ـ لغة الشعر ((تنحو إلى استعمال كلمات قديمة؛ لأن الشعر يمتد تاريخيا في ثقافات متنوعة، ويعتمد على التعلم، وعلى شعر سابق)) (٥). ٦ ـ تتميز اللغة ((بأنها تستطيع أن تضفي على نفسها شكلا من أشكال عدة من خلال تعدد وظائفها: البلاغية، القانونية، الطقوسية، العاطفية ... ومن الطبيعي أن الانتقال من المفاهيم إلى الرؤيا يؤسس إزاحة ما داخل اللغة، وكلما اتسعت تلك الإزاحة اقترب النص خطوة أخرى من الشعرية)) (٦). ومن الطبيعي أن ((الإزاحة اللغوية، بمعنى الخروج على العرف اللغوي للوظيفة الإبلاغية للغة، لا بد وأن يتبعها نوع من الغموض يتسع كلما اتسعت مساحة تلك

стр. 347

الإزاحة)) (١). إذا علمنا هذه الحقائق، وأضفنا إليها حقيقة أن الفاصل الزمني بين أبي تمام وبين أبي العلاء هو مائتان وثمانية عشر عاما (٢١٨) (٢) أدركنا مدى التطور اللغوي الذي قد يصيب ألفاظ اللغة، ومدى سوء الفهم الذي قد يقع فيه قارئ ديوان أبي تمام بعد هذه الفترة التاريخية الكبيرة؛ لذلك وحرصا من أبي العلاء على الفهم الصحيح للديوان كان يقوم بالتحديد الدلالي للألفاظ المشروحة، وتتبع هذا التطور. وقد أحسن أبوالعلاء صنعا لأهل عصره، ومن أتى بعده لفهم الديوان. ولم يفتأ تلميذه التبريزي أن اقتفي أثره في هذا الأمر. وقد نبه علماء التفسير على أهمية مراعاة التطور الدلالي للألفاظ بمرور الزمن؛ ((فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد (...) فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله)) (٣).

стр. 348

وننتقل الآن إلى العنصر التالي (١).

стр. 349

ـ العنصر السابع من عناصر المنهج عند أبي العلاء: الشرح بالإعراب: الاعتماد على الإعراب كوسيلة من وسائل الشرح والإبانة عن المعنى أمر اعتمد عليه أبو العلاء، وهو بالطبع لم ينفرد به، فقد اهتم مفسرو القرآن بإعرابه اهتماما بالغا، ((والكتب المؤلفة في هذا العلم كثيرة جدا، مختلفة ترتيبا وحدا)) (١). واستعانوا بالنحو ((في توضيح الآيات في كتبهم المفسرة)) (٢). إيمانا منهم بقيمته البيانية، يقول العُكْبَري: ((وأقوم طريق يُسلك في الوقوف على معناه، ويتوصل به إلى تبيين أغراضه ومغزاه معرفة إعرابه)) (٣). وقد اعتمد أبوالعلاء في بعض مواضع الديوان (٤) على الإعراب فقط كوسيلة للشرح؛ بمعنى أن أبا العلاء كان يكتفي فقط في شرح البيت بذكر الوظائف النحوية لألفاظ البيت، من ابتداء، أوخبرية، أوفاعلية، أومفعولية ... ومن ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

стр. 350

هَذا إِلى قِدَمِ الذِّمامِ بِكَ الَّذي ... لَوأَنَّهُ وَلَدٌ لَكانَ وَصيفا [بحر الكامل] ((((هذا)):في موضع نصب بفعل مضمر؛ كأنه قال: أذكر هذا الشيء أوأعُدُّه، أونحوذلك من المضمرات، ويجوز أن يكون في موضع رفع، ويكون المعنى: هذا الذي أذكره إلى قِدَم الذمام أومعه، فيكون ((هذا)) مبتدأ، والخبر قوله ((إلي قدم الزمام)))) (١). ـ وقال عند قول أبي تمام: يَقولونَ إِنَّ اللَّيثَ لَيثُ خَفِيَّةٍ ... نَواجِذُهُ مَطرورَةٌ وَمَخالِبُه [بحر الطويل] ((... والأجود أن يكون ((لَيثُ خَفِيَّةٍ)) مرفوعًا على خبر ((إنَّ))، ويكون على تقدير قولهم: الرجل فلان؛ أي: الرجل الذي حقه أن يُذْكَر ويُوصف، والمعني: الليث الذي يُرهَب صولته لَيثُ خَفِيَّةٍ، فإنْ نصب ((لَيثَ خَفِيَّةٍ)) على البدل ضَعُف المعنى؛ لأن الغرض يصير أنه أخبر عن ليث خفية بأن نواجذه مطرورة ومخالبه، وهذا معلوم لا يفتقر إلى الإخبار عنه، إلا أنه على ضعفه قد يحتمل أن يقال)) (٢). وأبوالعلاء في هذين الموضعين وغيرهما يشير من طرف خفي إلى النحو كأداة للتفسير والإبانة عن ((المعنى الدلالي)) (٣)، حيث إنه ((يساعد على تفسير لغة المتكلم)) (٤)، ويساعد على ((كشف العلاقات بين الكلمات، وترابطها داخل التركيب)) (٥). فللنحو ((طاقة مبدعة في إضاءة النص وتفسيره)) (٦). ********

стр. 351

ـ العنصر الثامن من عناصر المنهج عند أبي العلاء: دعم الشرح وتأييده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال العربية وأقوال الأدباء: من الأمور التي كان يستند إليها أبوالعلاء في شرحه الاعتماد على القرآن الكريم والأحاديث النبوية والشعر والأمثال العربية، وأقوال الأدباء. فقد استند إلى كل هذا عند شرحه لأبيات أبي تمام، وأدلة على صحة ما وصل إليه من المعاني التي يرمي إليها أبوتمام، والتي يقصدها. وكان للشعر نصيب كبير في دعم الشرح عنده، ولم يقتصر في استشهاداته الشعرية على شعراء عصر معين بل تنوعت استشهاداته من شعراء من العصر الجاهلي (١)، والأموي (٢)، والعباسي (٣). أما بقية الاستشهادات، فتتمثل في: · ستة مواضع للآيات القرآنية. وثلاثة مواضع لقراءاته. مثال ذلك قول أبي العلاء عند قول أبي تمام: قَد حَلَّ في صَخرَةٍ صَمّاءَ مُعنِقَةٍ ... فَانحِت بِرَأيِكَ في أَوعارِها دَرَجا [بحر البسيط]

стр. 352

((وانحت بكسر الحاء أفصح من فتحها، وقد حكي الفتح، وقرأ الحسن البصري ﵀: چ تَنْحَتُون چ [الشعراء ١٤٩])) (١). · وسبعة مواضع للحديث النبوي. مثال ذلك قوله عند قول أبي العلاء: خَوَّلتَهُ عَيشًا أَغَنَّ وَجامِلاً ... دَثرًا وَمالاً صامِتًا وَأَثاثا [بحر الكامل] ((والدَّثْرُ الكثير، وجمعه دثور، وفي الحديث: ذهب أهل الدثور بالأجور)) (٢). · وثمانية مواضع للأمثال العربية. ومن أمثلة دعم الشرح بالأمثال قوله عند قول أبي تمام: فَما قِدحاكَ لِلباري وَلَيسَت ... مُتونُ صَفاكَ مِن نُهَزِ المُرادى [بحر الوافر] ((... ويحتمل أن يريد بقوله: ((فَما قِدحاكَ لِلباري))؛ أي: أنك لا تترك قدحك لمن يبريه؛ فيفسده بالبَرْي الزائد على الحد، كما قالوا في المثل: ((هومُغْرًى بنحت أثلته))؛ إذ كان ينقصه ويعيبه)) (٣). وقوله عند قول أبي تمام: وَنَحنُ نُزَجّيهِ عَلى الكُرهِ وَالرِّضا ... وَأَنفُ الفَتى مِن وَجهِهِ وَهوأَجدَعُ [بحر الطويل] ((... نُزَجّيهِ: نحمله ونسوقه على أن يسير. يقول: نحن على سخط راضون به؛ لأنه لا بد منه، وإن كنا نبغضه، فمثله مثل الأنف الأجدع، يعلم الفتى أنه قبيح، وقد ثبت أنه من وجهه، وهذا مثل قديم، يقولون: منك أنفك وإن كان أجدع، ومنك عيصك وإن كان أشِبا)) (٤).

стр. 353

· موضع لقول أحد التابعين. قال عند قول أبي تمام: غادَرتَ أَرضَهُمُ بِخَيلِكَ في الوَغى ... وَكَأَنَّ أَمنَعَها لَها مِضمارُ [بحر الكامل] ((المضمار: الغاية التي تُجْرى إليها الخيل، وفي حديث الحسن البصري ﵁: إن الله جعل الصوم مضمارا لعباده)) (١). · موضع لقول أحد الأدباء: قال عند قول أبي تمام: أَلَهفي إِذا ما ارتَدى لِلرَّدى ... أَلَهفي إِذا ما احتَبى لِلحِباءِ [بحر المتقارب] ((ارتدى افتعل من الرداء وهو السيف في هذا الموضع، وفي كلام لبعضهم: العرب أفضل الناس، العمائم تيجانها، والسيوف أرديتها، والحُبى حِيطانها)) (٢). ******

стр. 354

الفصل الثاني منهج التبريزي في شرح ديوان أبي تمام ويشتمل على: ١) توثيق الرواية. ٢) توظيف القرائن. ٣) توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان. ٤) الاعتماد على الاستعمال اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ. ٥) الاهتمام الدلالي بالكلمة. ٦) الحرص على ذكر غرض القصيدة وسبب قولها قبل الشروع في شرحها. ٧) الحرص على ذكر بحر ووزن القصيدة ولقب القافية. ٨) دعم الشرح بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبالأبيات الشعرية، والأمثال.

стр. 355

سنقوم بإذن الله في هذا الفصل بعرض منهج التبريزي في شرح ديوان أبي تمام، الذي يوافق في معظمه مع منهج أبي العلاء. ١) العنصر الأول من عناصر المنهج: توثيق الرواية: كان التبريزي يهتم بتوثيق الرواية على نهج أستاذه، ويتمثل ذلك في رواية الروايات المختلفة للبيت قيد الشرح، وذكر الروايات الفردية أوالثنائية أوالثلاثية أوالرباعية للبيت الذي يشرحه، وفيما يلي هذا الإحصاء الذي قام به البحث (١). الأبيات التي شرحها التبريزي ... الرواية الأحادية ... الرواية الثنائية ... الرواية الثلاثية ... الرواية الرباعية ... الرواية سداسية ٢٢٨٨ ... ١٩٦ بالإضافة إلى ٧ أبيات لمعظم ألفاظ البيت. ... بيتا ... أبيات ... بيتا ... ١ المجموع الكلي للأبيات ذات الروايات المختلفة: ٢٦٦ ونلاحظ أن: • التبريزي في بعض الأبيات يقدم رواية أخرى فقط بدون أي شرح آخر (٢). • وكان التبريزي في بعض الأحيان يقدم الرواية الأخرى بقوله: ((والرواية الصحيحة)) (٣). • وفي بعض المواضع يقول: ((والرواية المعروفة ....)) (٤).
следующие страницы →