← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13595

شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية

إيهاب سلامة

Полный текст (454 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

• مواضع استخدام القرينة النحوية: اعتمد أبوالعلاء على القرينة النحوية كقرينة سياق لغوي، وكان عدد مرات اعتماده على هذه القرينة اثنتي عشرة مرة. ومن ذلك قول أبي العلاء عند قول أبي تمام: أَطَلَّ عَلى كُلَى الآفاقِ حَتّى ... كَأَنَّ الأَرضَ في عَينَيهِ دارُ [بحر الوافر] ((... ومن روى ((كِلا الآفاقِ))، بكسر الكاف، وهويريد كل الآفاق فروايته خطأ؛ لأن ((كلا)) يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع كلا القوم، ولا كلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين)) (١). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: تَرى حَبلَهُ غَرثانَ مِن كُلِّ غَدرَةٍ ... إِذا نُصِبَت تَحتَ الحِبالِ الحَبائِلُ [بحر الطويل] ((... ومن أنشد ((عُرْيَان)) فهو جدير بالتصحيف؛ لأن ((الغَرْث)) أحسن في الاستعارة هاهنا من ((العري))؛ ولأن ((عريانًا)) يجب أن يصرف إذ كان لا مانع له من الصرف)) (٢). وفي النص السابق إشارة مهمة إلى كيفية استغلال العلامة الإعرابية في رد الرواية المصحفة، وبذلك يقدم أبو العلاء استخداما آخر للعلامة الإعرابية، غير كونها كاشفة عن المعاني ومميزة بينها، ألا وهو إمكانية استخدامها كأداة للحفاظ على النص من التحريف. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

стр. 282

وَكَأَنَّما آثارُها مِن مُزنَةٍ ... بِالميثِ وَالوَهَداتِ وَالأَخيافِ [بحر الكامل] ((... ومن روى ((مُزْنِه)) على الجمع فهي رواية ضعيفة؛ لأن قوله ((آثارها)) تشهد بتوحيد ((مُزْنَةٍ)))) (١). اعتمد أبو العلاء هنا على إحدى القرائن اللفظية وهي الربط بالضمير العائد الذي تبدو فيه المطابقة على متأخر لفظا. **** • مواضع استخدام القرينة الصرفية: وقد استخدمها أبوالعلاء في اثني عشر موضعا، ومن ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لَقَد أَخَذَت مِن دارِ ماوِيَّةَ الحُقبُ ... أَنُحلُ المَغاني لِلبِلى هِيَ أَم نَهبُ [بحر الطويل] ((الحُقْب: الدهر، واختلفوا في تفسيره، فقالوا ثلاثون سنة، وقالوا ثمانون (...) والصحيح أن الحقب برهة طويلة لا حد لها، وأُنِّثَ على معنى البرهة والمدة؛ لأن تذكير الحُقب غير حقيقي، وهذا أوجه من أن يقال الحقب جمع حِقبة؛ إذا أراد بها السنة؛ لأن ((فِعْلَة)) قلما تجمع على ((فُعْل)))) (٢). والقرينة الصرفية التي لجأ أبو العلاء هنا يمكن أن نسميها بقرينة الاستعمال الصرفي؛ فهو لم يلجأ لقرينة صرفية من داخل بنية الكلمة لتحديد معناها بل لجأ للاستعمال الصرفي لتحديد المعنى المناسب والأوجه. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: خَفَّت دُموعُكَ في إِثرِ الحَبيبِ لَدُن ... خَفَّت مِنَ الكُثُبِ القُضبانُ وَالكُثُبُ [بحر البسيط]

стр. 283

((.. أصل ((الخفوف)) من قولهم: خَفَّ القوم؛ إذا تحركوا، وهوراجع إلى الخفة التي هي ضد الثقل، إلا أنهم يفرقون بالمصادر بين الأفعال التي أصلها واحد في الاشتقاق؛ فيقولون: خَفَّ الشيء خِفَّةً، إذا كان خفيف الزِّنَة، وخَفَّ القوم خفوفا إذا ارتحلوا، وخف في حاجته؛ إذا أسرع)) (١). وعبارة أبو العلاء ((يفرقون بالمصادر بين ....))، إشارة إلى أسلوب اللغويين في شرح معاني الألفاظ، حيث درجوا على ذكر مصدر الفعل بعد الفعل ليكون هذا وسيلة لتحديد لمعناه، ورفع الالتباس عنه إذا اشترك معه فعل آخر في أصل الاشتقاق مثلما أشار أبو العلاء هنا. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ضَمِنَت لَهُ أَعجاسُها وَتَكَفَّلَت ... أَوتارُها أَن تُنقَضَ الأَوتارُ [بحر الكامل] ((... و ((الأعجاس)): جمع عَجْس، وهوحيث يقبض الرامي من القوس، يقال: عَجْسٌ، وعِجْس، وعُجْس، والأحسن أن يكون أعجاس جمع عِجْس بكسر العين أوعُجْس بالضم؛ لأن ((فَعْلا)) لا يجمع على أفعال كثيرا)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ما سَرَّني بِخِداجِها مِن حُجَّةٍ ... ما بَينَ أَندَلُسٍ إِلى صَنعاءِ [بحر الكامل] ((... يقال: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها ناقصَ الخَلْق، وإن كانت شهورها تامة، وخدجت إذا ألقته لغير تمام، وقال قوم: خدجت وأخدجت سواء؛ وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فَعَلَ وأفعل يشتركان كثيرا. و ((الأندلس)) بناء مستنكر إن فتحت الدال وإن ضمت، وإذا حملت على قياس التصريف، وأجريت مجرى غيرها من العربي فوزنها ((فَعْلَلُلُ))،وهذا بناء مستنكر، ليس في كلامهم مثل ((سَفْرَجَل)) ولا

стр. 284

((سَفْرَجُل))، فإن ادعى مدع أنها ((فَنْعَلُل)) فقد خرج من حكم التصريف؛ لأن الهمزة إذا كان بعدها ثلاثة أحرف من الأصول لم تكن إلا زائدة)) (١). لكن في العربية ((فَيْعَلُول)) لا يمتنع أن تختلس مدته هكذا ((فَيْعَلُل))؛ فتكون أندلس معربة على هذا الوجه، ولا يدعي أحد أنها غير عربية. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا غازَلَ الرَوضُ الغَزالَةَ نُشِّرَت ... زَرابِيُّ في أَكنافِهِم وَدَرانِكُ [بحر الطويل] ((... ((الزرابي)) جاء ذكرها في القرآن، وهي الطنافس ونحوها، وأجدر بأن تكون عربية الأصل)) (٢). وحكم أبي العلاء بجدارة لفظة طنافس بأن تكون عربية الأصل لابد أن يكون ناتجا عن قياس ذهني قام به لألفاظ مشابهة في اللغة العربية، وإلا ما ساغ له أن يطلق هذا الحكم وهنا يبرز أهمية التعمق في دراسة اللغة التي تحدثنا عنها في الباب الأول. **** • مواضع استخدام القرينة العروضية: وقد استخدم أبوالعلاء هذه القرينة في أربعة عشر موضعا، ومن ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: جَديرٌ بِأَن يَستَحيِيَ اللَهَ بادِيًا ... بِهِ ثُمَّ يَستَحيي النَّدى وَيُراقِبُه [بحر الطويل] ((و ((يستحيي)) الثانية رفعها لمكان القافية؛ ولأنه لا يمكن فيها غير ذلك، ولوجعلها في موضع نصب لكان قد أسكن الياء في موضع التحريك وذلك ردىء، والكوفيون

стр. 285

يرون أن الناصب إذا لم يصحب الفعل فرفعه جائز، ورفعه يستحيي أوكد لرفع ((يراقبه))؛ لأن المرفوع يكون تابعا لمثله)) (١). هذا الاقتباس أعمل فيه أبو العلاء ثلاثة قرائن: قرينة صوتية، ونحوية، وعروضية. أـ فأما القرينة الصوتية فعدم ظهور الضمة على آخر ((يستحيي)) لـ ((الثقل)) الذي يُعنى ((به في النحو مانع من موانع ظهور الحركة الإعرابية على آخر الكلمة وذلك في الكلمات التي آخرها ياء لازمة مكسور ما قبلها، إذ لا تظهر الضمة ولا الكسرة على هذه الياء نظرا لثقل النطق بهما)) (٢). مما يفسح المجال لاحتمال وضع الفتحة. ب ـ والقرينة النحوية تتمثل في العلامة الإعرابية، فعدم وجود الفتحة نفسها على الياء الثانية، مع إمكانية ظهورها يؤكد أن الكلمة في حالة رفع. ج ـ وأما القرينة العروضية فهي ((مكان القافية)) التي أوجبت ((رفع يسحيي)) كما قال أبو العلاء. والنص السابق أيضا يعطينا لمحة من أبي العلاء عن سلطان القافية في البيت الشعري وأنها مع الوزن لهما ((دور فعال في صياغة الجملة)) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَوما تَراها ما تَراها هِزَّةً ... تَشأى العُيونَ تَعَجرُفًا وَذَميلا [بحر الكامل] ((.. ومن روى ((تَشأى العُيونَ أولقًا))؛ صار في البيت زحافٌ يكره، وهوالذي يسمى الوقص (٤))) (٥).

стр. 286

عبارة أبي العلاء ((زحاف يكره)) عبارة مهمة، فكأنه بها ينزه أبا تمام الشاعر الفحل أن يأتي بمثل هذا الزحاف النادر، وكأنه من طرف خفي يريد أن يقول إن ((استمتاع القارئ أو السامع بالعمل الشعري وتقديره إياه، أن يشعر من خلاله بقدرة الشاعر على تشكيل مادته وتوجيهها وجهة معينة تبعا لإرادته، فالإبداع الشعري صورة من صور الإرادة الإنسانية وقدرتها على التأثير. والنسق نظام، ولابد من إرادة وراء كل نظام، والشعور بإرادة الشاعر وقدرته من أسباب المتعة التي يبعثها النسق الشعري في نفس المتلقي)) (١). وجدير بالذكر أن الخليل وآخرون من العروضيين قاموا بتصنيف الزحافات إلى حسن وصالح وقبيح. وقد اتفقوا على استقباح الزحافات المزدوجة ((وذلك لخروجها الحاد على النسق)) (٢). أما الزحافات المفردة فـ ((أكثرها ـ في تصنيفاتهم ـ إما حسن وإما صالح، وقليل منها وصف القبح)) (٣) مثل الوقص كما قال أبو العلاء. وننبه أن الحكم على الزحاف ((لا يكون مطلقا، فثمة عوامل تؤثر في وضوحه أو خفائه (...) [وأنه] قد يكون مقبولا إذا أحسسنا أنه يقوم بوظيفة تعبيرية)) (٤). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: صَمّاءُ سَمُّ العِدى في جَنبِها ضَرَبٌ ... وَشُربُ كاسِ الرَدى في فَمِّها شُهُدُ [بحر البسيط] ((... إن رويت ((في فَمِها))، بالتخفيف، صار في البيت زحاف، وقلما يستعمل الشعراء مَثْلَه، وهوعندهم جائز، وإن شددت الميم بَطَلَ الزحاف؛ إلا أن التخفيف أجزل في اللفظ (٥))) (٦).

стр. 287

ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: اِجعَلي في الكَرى لِعَيني نَصيبا ... كَي تَنالَ المَكروهَ وَالمَحبوبا [بحر البسيط] ((يجب أن يكون الطائي لم يقل في النصف الأول ((نصيبًا))؛ لأنه إن جعله على حكم المصرع فقد أوطأ، والأشبه أن يكون قال ((اجعلي في الكرى لعيني حظا)) أونحو ذلك، والتقفية والتصريع إنما يلجأ لهما في أوائل ما كثر من الأبيات في العدد، فأما فيما جرى هذا المجرى، فترك التصريع فيه أعرف (١))) (٢). والثقة التي نلمحها هنا في كلام أبي العلاء من أن أبا تمام يجب ألا يكون قد قال هذا ثقة نابعة من أنه شاعر قال فيه الصولي: ((كان واحد عصره في ديباجة لفظه، وفصاحة شعره)) (٣). وقال: ((إن أبا تمام أشعر أهل زمانه)) (٤). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: يَقولُ فَيُسمِعُ وَيَمشي فَيُسرِعُ ... وَيَضرِبُ في ذاتِ الإِلَهِ فَيوجِعُ [بحر الطويل] ((هذا البيت من عجيب ما جاء في شعر الطائي؛ لأنه أتبع العينَ الواو في غير قافية (٥)، وإنما آنسه بذلك أن العين في آخر النصف الأول وفي آخر النصف الثاني،

стр. 288

ولا ريب أنه كان يتبع العين واوا في ((يسمعو))، وقد يمكنون الحركة حتى تصير حرفا ساكنا، مثل ما حكي أن بعض العرب يقول: قام زيدو، فيثبت الواو، ومررت بزيدي، فيثبت الياء، وذلك ردىء مرفوض (...) ويجب أن يكون الطائي لم يفعل ذلك؛ لأنه معدوم في شعر العرب، والغريزة له منكرة؛ لأنه يجمع بين أربعة أحرف متحركة في وزن (١) لم يستعمل ذلك فيه)) (٢). ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: خُذها فَما نالَها بِنَقصٍ ... مَوتُ جَريرٍ وَلا البَعيثِ [بحر: مجزوء البسيط] ((وذكر ((البعيث)) للقافية)) (٣). • مواضع استخدام القرينة الصوتية: واستخدم هذه القرينة في موضعين: قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: تَؤُمُّ شِهابَ الحَربِ حَفصًا وَرَهطُهُ ... بَنوالحَربِ لا يَنبوثَراهُم وَلا يُكدي [بحر الطويل] ((... ((تؤم شهاب الأزد)) (٤)، وذكر ابن السكيت أن الأُسْد بالسين أجود، وغيره يقولها بالزاي، ويجب أن يكون الأصل بالسين؛ لأن الدال إذا وقعت قبلها السين

стр. 289

الساكنة فبعض العرب يحولها إلى الزاي، وكذلك الصاد، وكذلك قالوا في المثل: لم يُحْرَمْ مَنْ فُزْدَ له؛ إذا سكنوا صاد ((فُصِدَ)) على لغة ربيعة)) (١). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مُحَمَّدُ يا ابنِ الهَيثَمِ بنِ شُبانَةٍ ... أَبي كُلِّ دَفّاعٍ عَنِ المَجدِ ذائِدِ [بحر الطويل] ((((شُبَانَة)) اسم لم يذكر أهل اللغة الموثوق بهم له اشتقاقا؛ لأن الشين حرف مُمَات)) (٢). ويفهم من النص السابق أن لفظ ((شُبانة)) الذي يبدأ بحرف الشين وما يليه من حروف مُمات. والذي يفهم من تلك اللفظة ((ممات)) عنده أنها تعني: اللفظ الذي ليس له أصل تسمح القوانين الصوتية للحروف اللغوية بتكوينه، وهو بهذا يخالف مفهوم هذا المصطلح عند اللغويين. فكلمة ((ممات)) هي مصطلح لغوي يساوي في معناه عند قدامى اللغويين المصطلحات: المنكر والمتروك والمجهول ولغة مرغوب عنها. وعبر عنها اللغويون المعاصرون بمصطلح: انقراض الكلمات، والمهجور Obsolete أو Archaic ، وعرف السيوطي المتروك بقوله: ((ما كان قديما من اللغات، ثم ترك واستعمل غيره)) (٣). • مواضع استخدام قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية: كان أبوالعلاء يلجأ إلى قرينة سياق لغوية يمكن أن نسميها ((قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية))، أو ((قرينة مذهب الشاعر))، فقد اعتمد أبوالعلاء على الخصائص الأسلوبية للشاعر والتي كان ملمًّا بها إلماما تاما في إيضاح معاني بعض الأبيات. وقد استخدم هذه القرينة في أربعة وعشرين موضعا، وفيما يلي أهمها: أـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مُوَضَّحٌ لَيسَ بِذي رُجلَةٍ ... أَشأَمَ وَالأَرجُلُ مِنها بَسوس [بحر السريع]

стр. 290

((قوله: ((بسوس))، أراد به مشئوم مثل البسوس، التي كانت لأجلها الحرب، فحذف الألف واللام، وله عادة بذلك، كما قال: ((ما بين أندلس إلى صنعاء))، و ((وجد فرزدق بنوار)))) (١). ب ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: قَد نَبَذوا الحَجَفَ المَحبوكَ مِن زُؤُدٍ ... وَصَيَّروا هامَهُم بَل صُيِّرَت حَجَفا [بحر البسيط] ((يروى: ((قد نَبَذُوا)) على التخفيف والزحاف، و ((نَبَّذُوا)) بتشديد الباء، والتخفيف أشبه بمذهب الطائي)) (٢). ج ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَكرِم بِنِعمَتِهِ عَلَيَّ وَنِعمَتي ... مِنها عَلى عافٍ جَدايَ وَمُرمِلِ [بحر الكامل] ((ومن روى: ((عافي جَدايَ)) على إضافة ((العافي))، فلا يجوز أن يروى إلا ((مُرْمِلي)) بالياء إذا حُمل ذلك على ما يعرف من مذهب الطائي)) (٣). د ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مَلَكَتهُ الصَّبا الوَلوعُ فَأَلفَتـ ... ـهُ قَعودَ البِلى وَسُؤرَ الخُطوبِ [بحر الخفيف] ((و ((وَسُؤرَ الخُطوبِ)) بقيتها، ومن عرف مذهب الطائي لم يَعْدِل عن هذه الرواية)) (٤). هـ ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: شَجًا في الحَشى تَردادُهُ لَيسَ يَفتُرُ ... بِهِ صُمنَ آمالي وَإِنّي لَمُفطِرُ [بحر الطويل]

стр. 291

((.. يبين في كلام الطائي أنه كان يختار إظهار علامة الجمع في الفعل، مثل قوله: ((صُمنَ آمالي))، ولوقال: ((صام آمالي)) لاستقام الوزن، وقد جاء بمثل ذلك في غير هذا الموضع، وهوعلى منهاج قول الفرزدق: ((يَعْصِرن السليط أقاربه)))) (١). وـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: عالي الهَوى مِمّا تُعَذِّبُ مُهجَتي ... أُروِيَّةُ الشَّعفِ الَّتي لَم تُسهِلِ [بحر الكامل] ((.. وبعضهم يروى: ((مما ترقص هامتي))؛ أي: تلعب بعقلي حتى تُرَقِّص مني الهامة، وهذه الرواية أشبه بمذهب الطائي؛ لأنه يُؤْثِر الاستعارة)) (٢). ز ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِكُلِّ فَتى ضَربٍ يُعَرِّضُ لِلقَنا ... مُحَيًّا مُحَلًّى حَليُهُ الطَّعنُ وَالضَّربُ [بحر الطويل] ((الأشبه بصناعة الطائي أن يكون ((فتى)) منونا)) (٣). وتستوقفنا عبارات مهمة في نصوص أبي العلاء السابقة، وهي: ((وله عادة بذلك))، ((ومن عرف مذهب الطائي))، ((يبين في كلام الطائي أنه يختار))، ((والتخفيف أشبه بمذهب الطائي)) ... كل هذه العبارات وغيرها تدل على وقوف أبي العلاء على تكرار بعض السمات اللغوية عند أبي تمام، منها على سبيل المثال: ((إظهار علامة الجمع في الفعل)).

стр. 292

والسمات اللغوية ((حين تحظى بنسبة عالية من التكرار، وحين ترتبط بسياقات معينة على نحو له دلالة تصبح خواصًا أسلوبية Stylistic Markers)) (١) . ومن الطريف أن الخصائص الأسلوبية التي وقف عندها أبو العلاء مقسمة إلى ثلاثة مستويات: · خصائص أسلوبية على المستوى الصرفي، مثل الاقتباس أ، ب. · خصائص أسلوبية على المستوى النحوي، مثل الاقتباس هـ. · خصائص أسلوبية على المستوى الدلالي، مثل الاقتباس و. **** • مواضع استخدام قرينة الخصائص الأسلوبية للغة الشعر عامة: وقد اعتمد عليها أبوالعلاء في سبعة مواضع، من أهمها: ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: هَذا أَمينَ اللَهِ آخِرُ مَصدَرٍ ... شَجِيَ الظَّماءُ بِهِ وَأَوَّلُ مَورِدِ [بحر الكامل] ((مَدَّ ((الظَّمَاء)) وهومهموز مقصور، وذلك جائز، إلا أن ترك المد أحسن، وهوفي الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: حَتّى إِذا ضَرَبَ الخَريفُ رِواقَهُ ... سافَت بَريرَ أَراكَةٍ وَكَباثا [بحر الكامل] ((و ((سافت)): شَمَّت .. والأشبه أن يكون سَفَّت؛ لأن الشعراء كذا يذكرون)) (٣). ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

стр. 293

فَما صُقِلَ السَّيفُ اليَماني لِمَشهَدٍ ... كَما صُقِلَت بِالأَمسِ تِلكَ العَوارِضُ [بحر الطويل] ((... و ((العوارض)) جمع عارض، وهوالناب والضرس الذي يليه، يريد أن ثغرها واضح، والأجود ألا يجعله صُقِلَ بالبشام وعيدان السواك .. إلا أن قوله ((بالأمس)) يدل على أنه أراد السواك، والأحسن في حكم الشعر أن يَدَّعي صقالها بالفطرة لا بالتصنع)) (١). الشعر ـ كما رسم صورته أبو العلاء في النصوص السابقة ـ تسوغ فيه بعض الأمور لا تسوغ في النثر، ويتعارف الشعراء فيما بينهم على بعض الأمور فيه، كما أن له ((حكمًا)). والحكم ـ بمعنى القضاء ـ لا يصدر إلا عن قواعد ومبادئ. والشعر ولا ريب يصطنع من الوسائل اللغوية التي تجعله ((كلاما غير الكلام العادي، أو لغة داخل اللغة، أو ـ إن شئنا الدقة والاختصار معا ـ تجعله شعرا)) (٢). كما أنه يقوم على المجاز الذي يقوم بدوره على ((مفارقة التركيب للمألوف في الاستعمال في اللغة غير الفنية بكسر قوانين الاختيار بين الكلمات)) (٣). **** • مواضع استخدام قرينة الاستعمال اللغوي: التمييز بين مستويين من ((السمات اللغوية)) أمر واضح وجلي في أقوال أبي العلاء، تبرزه بوضوح وجلاء تعليقاته المتناثرة هنا وهناك، ويمثل المستوى الأول منها ((السمات النمطية)) التي يمثلها الاستعمال اللغوي العام، والمستوى الثاني ((السمات الفردية المتغيرة)) التي يمثلها استخدام أبي تمام. ومن الباحثين المعاصرين من أقر وأكد وجود مثل هذين المستويين، إذ يقول: ((وإذا نظرنا إلى السمات اللغوية في لغة ما على أنها مجموعة من الثوابت Constants والمتغيرات Variables كانت السمات الثوابت هي القواعد العامة التي

стр. 294

تشكل النظام الأساسي للغة، مثل تركيب الجملة الاسمية والجملة الفعلية، والمضاف والمضاف إليه والصفة والموصوف. أما المتغيرات فتمثل السمات التي يمكن للمنشئ أن يتعامل معها بقسط أوفر من الحرية ومن أبرزها المفردات)) (١). ومن القرائن التي اعتمد عليها أبوالعلاء قرينة ((الاستعمال اللغوي))، فقد وظفه ـ بمستواه الأول ـ في شرح الأبيات، واستخدمه كقرينة يستدل بها على المعاني في الأبيات. وقد استخدم هذه القرينة في خمسة وعشرين موضعا، منها: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَوَاللهِ ما آتيكَ إِلّا فَريضَةً ... وَآتي جَميعَ الناسِ إِلّا تَنَفُّلا [بحر الطويل] ((في هذا الكلام حذف، وتمام اللفظ أن يكون: ((وما آتي جميع الناس)) أو ((ولا آتي جميع الناس))، وحذف مثل هذا قليل؛ لأن الجملة الأولى قد حال بينها وبين الجملة الثانية حرف الاستثناء وما بعده، والكلام محمول على ((ما)) ولوأن ((لا)) موضوعة موضعها لكان ذلك أسوغ؛ لأن العرب كثر في ألفاظهم حذف ((لا)) في القسم، كقولهم: والله أدخل المدينة إلا راكبا)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: هَل أَورَقَ المَجدَ إِلّا في بَني أُدَدٍ ... أَواجتُنِي مِنهُ لَولا طَيِّئٌٌ ثَمَرُ [بحر البسيط] ((إذا كان آخر الفعل الماضي ياء وقبلها كسرة؛ فطيئ تقلبها ألفا؛ فيقولون: ((اجتُنَى)) في ((اجتُنِيَ))، و ((اقتُدَى)) في ((اقتُدِي))، ومن العرب من يسكن الياء هاهنا، ولم يستعمل (؛ أي: الطائي) اللغة الطائية)) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَثَناياكِ إِنَّها إِغريضُ ... وَلِآلٍ تومٌ وَبَرقٌ وَميضُ [بحر الخفيف]

стр. 295

((... ويقال للؤلؤة العظيمة تُؤْمة، والجمع: تُؤَم، وهذا الوجه أجود (١) من أن تجعل ((تُوم))، جمع تؤام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا ما رَأَتهُ العيسُ ظَلَّت كَأَنَّما ... عَلَيها مِنَ الوِردِ اليَمامِيِّ نافِضُ [بحر الطويل] ((... ويقوي رواية من روى ((اليمامي)) بميمين، أن ((اليمانيَّ)) بتشديد الياء ليس باللغة العالية)) (٣). ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: باسِطًا بِالنَّدى سَحائِبَ كَفٍّ ... بِنَداها أَمسى حَبيبٌ حَبيبا [بحر الخفيف] ((.. ويجوز أن يكون ((حبيبا)) الثاني، هو ((حبيب)) الأول، كما تقول: بك صار فلان فلانا؛ أي: عرف واشْتُهِرَ وصار له موضع، ويكون من نحوقولهم: أنتَ أنتَ وعمرٌو عمرو)) (٤). ويمكن أن ندرج تحت قرينة الاستعمال قرينتين فرعيتين هما: ١) قرينة المصاحبة اللفظية. ٢) قرينة الألفاظ المولدة. أما قرينة المصاحبة اللفظية فقد استخدمها أبوالعلاء في موضعين، وفي أحد هذين الموضعين سمى أبوالعلاء هذه المصاحبة باسم: ((المحالفة))، والموضعان هما: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لَولَم تَكُن مِن نَبعَةٍ نَجدِيَّةٍ ... عَلوِيَّةٍ لَظَنَنتُ عودَكَ عودا [بحر الكامل]

стр. 296

((.. قوله: ((لظننت عودك عودا))، أصل العودين واحد، وإنما فرق بينهما كثرة الاستعمال؛ لأنهم يريدون هذا عود طيب؛ فيحذفون ((طيبا))؛ فصار ذلك كالاسم المُحالف لهذا اللفظ، فكأنه قال: لظننت عُودَك قُطْرًا أوألُوَّة أويَلَنْجوجا، أوغير ذلك من أسماء العود)) (١). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذ لا نُعَطِّلُ مِنها مَنظَرًا أَنِقًا ... وَمَربَعًا بِمَها اللَّذاتِ مَأنوسا [بحر البسيط] ((... ولما كانت ((المها)) تستعمل في الدر والأسنان وبقر الوحش والبلور والنساء وغير ذلك مما يحسن ويصفوـ استحسن أن يقول: ((بِمَها اللَّذاتِ))؛ لِيَخُصَّ بها الإنس)) (٢). إما بالنسبة لقرينة الألفاظ المولدة فقد استخدمها في موضعين أيضا هما: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لَئِن نَقِموا حوشِيَّةً فيكَ دونَها ... لَقَد عَلِموا عَن أَيِّ عِلقٍ تُناضِلُ [بحر الطويل] ((الرواية ((حُوشيَّة))، من قولهم: إبل حُوش؛ أي: متبرزة لا تربع إلى الإنس (...) ومن روى: ((حَشْويَّة))، فهومن قولهم: فلان حَشْوي؛ أي: يأخذ بأخلاق الحَشومن الناس، وهم الذين لا يعتد بهم، وهذه الكلمة مولدة، ويجب أن تكون الرواية الصحيحة ((حوشية)) لا غير)) (٣). والمُوَلَّد في اصطلاح العلماء هو ((لفظ استخرجه المولدون من اللغة الأصلية مع شيء من التصرف وليس مستعملا في كلام الأعراب (...) ويقال لهذا أيضا: المستحدث والعامي)) (٤). والألفاظ المولدة التي استحدثها ((المولدون)) في العربية لا

стр. 297

يحتج بها (١). وقد ربط السيوطي الألفاظ المولدة بـ ((العامة))، وجعلها من فعلهم، فقال: ((في أمالي ثعلب: سئل عن التغيير، فقال: هو كل شيء مولد، وهذا ضابط حسن يقتضي أن كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة بهمز أو تركه أو تسكين أو تحريك أو نحو ذلك مولد، وهذا يجتمع منه شيء كثير)) (٢). وإشارة أبي العلاء أن كلمة ((حشوية)) مولدة، بمعنى: محدثة، أو عامية، أو محرفة عن بنية أخرى إشارة إلى ((تاريخ الكلمة)) ـ إن صح التعبير ـ وإشارة إلى أهمية هذا التاريخ في خدمة النص الشعري وغيره من النصوص، على الأقل في مجال رد الروايات المصحفة والمحرفة التي تأتي في كلمة ما، في نص ما. ومن هنا أيضا تبرز أهمية المعجم التاريخي للغة العربية الذي يمكن الاعتماد عليه في الكشف عن صحة كثير من النصوص الأدبية والدينية وغيرهما. ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: جَمَعتُ شَعاعَ الرَّأيِ ثُمَّ وَسَمتُهُ ... بِحَزمٍ لَهُ في كُلِّ مُظلِمَةٍ فَجرُ [بحر الطويل] ((... ((شَعَاع الرأي)): بفتح الشين هي الرواية الصحيحة؛ أي: متفرقة .. ويدلك على أنه ((شَعَاع)) قوله: ((جَمَعَتْ))، ومن روى ((شُعَاع)) بالضم فهومعنى صحيح؛ إلا أنني أظنه وُلِّدَ بعد موت الطائي)) (٣). • مواضع استخدام قرينة التناص: التناص أو التناصية Intertextuality / éL?intertextualit ـ كمصطلح أدبي حديث ـ يشير إلى ((علاقة الوجود المشترك بين نصين أو عدة نصوص بطريقة

стр. 298

الاستشهاد أو السرقة أو الإلماع)) (١). أو هي: ((الاستشهاد بالنص؛ أي: الطرق التي يستعملها الناس في الانتفاع بالنصوص المشهورة، أوفي الإحالة إليها)) (٢). وقد لعب التناص دورا مهما مع أبي العلاء سواءً في شروحاته أو إبداعه الشعري الخاص به. فعلى مستوى شروحاته فقد استخدم التناص كقرينة لتوضيح بعض معان عند أبيات أبي تمام، منها: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لَهُ خُلُقٌ نَهى القُرآنُ عَنهُ ... وَذاكَ عَطاؤُهُ السَّرَفُ البِدارُ [بحر الوافر] ((من روى ((السَّرَفُ البِذَارُ)) بالذال معجمةً فهومُصَحِّف، وإنما يتعلق بقوله تعالى: چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ [الإسراء، ٢٦]، وليس في الآية ذكر السرف لفظا، وإنما فيها نَهْيٌ عنه في المعنى. و ((البذار)) ليس مصدر ((بَذّر))، وإنما بنى الطائي المعنى على الآية الأخرى، وهي قوله تعالى:چ? ? ? ? ? ? چ [النساء، ٦]؛ فدلَّ ذلك على الدال غير المعجمة، وبين اللفظين في القوة تفاوت، وبون بعيد)) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَلَم يَكُ مِنكَ إِضرارٌ وَلَكِن ... تَمادَت في سَجِيَّتِها البِحارُ [بحر الوافر]

стр. 299

((((ولم يك ذاك إضرارا)) الأحسن أن يروى ((إضرارا)) بالضاد؛ لأنه لما بنى المعنى على الآية (١)، وكان المُسْرفُ المُبادِرُ في أكل مال اليتيم مُضرًّا به؛ حسُنَ أن يذكر الإضرار بعد السرف والبدار)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بُدُورُ قُيولٌ لَم تَزَل كُلُّ حَلبَةٍ ... تَمَزَّقُ مِنهُم عَن أَغَرَّ مُحَنَّبِ [بحر الطويل] ((ويروى: ((ذَوونَ قُيولٌ))، وهوجمع قولك: ذومَرْحَب، وذوجَدَن، وذويَزَن، وذلك في حمير كثير، وهم الأذواء، وقلما يقولون الذَّوون، وإنما تبع الطائي في ذلك الكُمَيت؛ لأنه قال: وَمَا أعنِي بِذلك أَسفَليكُم ... وَلَكِنِّي عَنيْتُ بِهِ الذَّوينَا [بحر الوافر])) (٣). أما على مستوى إبداعه الشعري الخاص به نجد التناص حاضرا عنده فيما عبر عنه د. يوسف نوفل بـ ((البناء على الحكاية))، وهي تسمية ((تنصب ـ في الأساس ـ على لون من ألوان التناص، كما فهمه القدماء)) (٤). **** • مواضع استخدام القرينة البلاغية: ولها موضعان أحدهما: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح أبا دُلَف القاسم بن عيسى العِجلي: وَلَوكانَ يَفنى الشَّعرُ أَفناهُ ما قَرَت ... حِياضُكَ مِنهُ في العُصورِ الذَّواهِبِ [بحر الطويل]

стр. 300

((((ما قَرَت حِياضُكَ)) ما جمعت، يقال: قَرَى الماء في الحوض يقريه؛ إذا جمعه، والمعنى: أنك رجل ملك شريف الآباء، قد مُدِح أجدادك بشعر كثير، فلوكان الشعر يفنى لفني من أجل ما مدحتم به في الدهر القديم، فهذا هوالوجه، وقيل: إنما أراد أن أبا دُلَف كان شاعرا، وقد يحتمل هذا، ولكن الأول أجود وأبلغ في المدح)) (١). ***** قرينة السياق غير اللغوي أو سياق الحال عند أبي العلاء: استخدم أبوالعلاء هذه القرينة في مواضع قليلة بلغت ثلاثة عشر موضعا، ويمكن أن نميز من هذه القرائن، ما يأتي: • القرينة الشرعية: وقد استخدمها في موضعين هما: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام في مدح مالك بن طوق التغلبي: بِكرًا تُوَرِّثُ في الحَياةِ وَتَنثَني ... في السِّلمِ وَهيَ كَثيرَةُ الأَسلابِ [بحر الكامل] ((.. ((بِكر)): يعني القصيدة؛ فكأنه جَعَلها بنتًا للشاعر، فهي تُورثه وهي حية لم تَمُتْ، أي يأخذ الجائزة عليها، والأجود كسر الراء في ((تُورِّث))؛ لأن معنى الميراث يصح على ذلك لأبيها، وإن فُتِحت الراء جُعِل الميراث لها؛ ولا معنى لذلك؛ لأنه لم تجر العادة بأن يرث الإنسان إلا وهوحي)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: بِسُنَّةِ السَّيفِ وَالخَطِّيِّ مِن دَمِهِ ... لا سُنَّةِ الدينِ وَالإِسلامِ مُختَضِبِ [بحر البسيط] ((.. أي خُضِبَ شَعْرُه بسُنَّة السيف؛ أي: بما سنه وحكم به، لا بسنة الإسلام؛ لأن الصحابة والتابعين كانوا يرون السنة أن يخضبوا شعورهم بالحناء والكَتَم .. ويكرهون الخضاب بالسواد ويؤثرون الحمرة)) (٣). ****

стр. 301

• القرينة التاريخية: ومن أمثلتها: قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح أبا الحسين محمد بن الهيثم بن شُبانَة: بِهِ أَسلَمَ المَعروفُ بِالشامِ بَعدَما ... ثَوى مُنذُ أَودى خالِدٌ وَهومُرتَدُّ [بحر الطويل] ((يعني خالد بن يحيي البرمكي؛ لأنه كان فارسيا؛ فتقرب إلى الممدوح بذكره؛ لأن الممدوح أيضا من فارس، وهذا أشبه من أن يعنى خالد بن يزيد، أوخالد بن عبد الله القسري، أوخالد بن يزيد بن معاوية)) (١). ***** • القرينة العرفية: وقد استخدمت في ثمانية مواضع، منها: [١] قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام في مدح المعتصم والأفشين: أَما وَأَبيهِ وَهومَن لا أَبا لَهُ ... يُعَدُّ لَقَد أَمسى مُضيءَ المَقاتِلِ [بحر الطويل] ((أقسم بأبي المنهزم على معنى الهُزْء والعكس؛ لأن أصل هذا القسم إنما هولمن يُكرم أبوه)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَلِلكَذَجاتِ كُنتَ لِغَيرِ بُخلٍ ... عَقيمَ الوَعدِ مِنتاجَ الوَعيدِ [بحر الكامل] ((جعله: عقيم الوَعْد، ولا وعد هناك؛ إذ كان يستعمل في الخير، ولوكان هناك وعد لكان البيت ذمًّا للممدوح؛ لأن الرجل يعاب بإخلاف الوعد)) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

стр. 302

أَلقى إِلَيكَ عُرى الأَمرِ الإِمامُ فَقَد ... شُدَّ العِناجُ مِنَ السُّلطانِ وَالكَرَبُ [بحر البسيط] ((... ((والسلطان)) هاهنا مراد به العز والقوة، من قولهم لفلان سلطان في بلد كذا، ولا يجوز أن يُحمل على أن السلطان آدميٌّ؛ لأنه يخرج إلى لفظ لا يليق بالسلاطين (١))) (٢) • القرينة الطبيعية: ولها موضعان: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَنكِد بِأَريِ النَّوالِ ما لَم ... يَحلُ مِنَ العُشبِ وَاللَّوِيثِ [بحر: مجزوء البسيط] ((.. ومن روى: ((وَالجُثوثِ))؛ فإن المعنى يَخْلُصُ لعسلِ النحل؛ لأن الجَثَّ ما يكون في موضع النحل من الشمع الذي لا عسل فيه وما يموت من النحل ويجتمع من أوساخها)) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: نَورُ العَرارَةِ نَورُهُ وَنَسيمُهُ ... نَشرُ الخُزامى في اخضِرارِ الآسِ [بحر الكامل] ((.. وإنما ذكر الآس؛ لأنه يُوصَف بدوام الخضرة)) (٤). • القرينة العقلية: قال عند قول أبي تمام: حَذّاءُ تَملَأُ كُلَّ أُذنٍ حِكمَةً ... وَبَلاغَةً وَتُدِرُّ كُلَّ وَريدِ [بحر الكامل]

стр. 303

((قوله: ((تَملَأُ كُلَّ أُذنٍ حِكمَةً)) يعني كل أذن سمعتها؛ إذ كان لا يمكن أن تمر بآذان الخلق كلهم)) (١). **** وظائف أخرى لقرينة السياق عند أبي العلاء: لم يستخدم أبوالعلاء قرينة السياق في تحديد معني البيت الشعري عند أبي تمام فقط بل كان يستخدمها لبيان أمور أخرى منها: أرد الروايات المصحفة غير الصحيحة. ب ترجيح رواية على رواية. ت ترجيح معنى على معنى آخر. أـ رد الروايات المصحفة (٢): استخدم أبوالعلاء القرينة في رد الروايات المصحفة فيما يقرب من اثني عشر موضعا، منها ما يأتي: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ضَعُفَت جَوارِحُ مَن أَذاقَتهُ النَّوى ... طَعمَ الفِراقِ فَذَمَّ طَعمَ العَلقَمِ [بحر الكامل] ((ويقع في النسخ: ((ضعفت جَوَانحُ))،والصواب: ((جَوَارح))، والتفسير يدل عليه)) (٣). ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: غَصَبَتها نَحيبَها عَزَماتٌ ... غَصَبَتني تَصَبُّري وَاغتِماضي [بحر الخفيف] ((الرواية الصحيحة ((نَجِيَّهَا)) ... ومن روى: ((نحيبها))؛ فهي رواية ضعيفة؛ لأن أول القصيدة يدل على خلافة)) (٤).

стр. 304

ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: صَدَفَت لُهَيّا قَلبِيَ المُستَهتَرِ ... فَبَقيتُ نَهبَ صَبابَةٍ وَتَذَكُّرِ [بحر الكامل] ((.. ومن روى: ((صَدَّعتِ لَهْبَى قلبي))؛ فروايته تصحيف، ويدل على ذلك أن جاء في البيت الثاني بما يدل على أنه يخبر عن غائب)) (١). ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَصفَرُ مِنه كَأَنَّهُ مُحَّةُ الـ ... بَيضَةِ صافٍ كَأَنَّهُ عَجسُ [بحر المنسرح] ((والرواية الصحيحة: ((أصفر منها))؛ أضمر قبل الذكر؛ لأن المعنى دالٌٍّ على ذلك)) (٢). **** ب ـ ترجيح رواية على رواية: في حالة تعدد الرواية أوالروايات للبيت الواحد، وفي حالة غياب القرينة الفاصلة المحددة التي تحدد الرواية المقصودة، كان أبوالعلاء يجتهد في ترجيح الرواية المرادة بناء على القرينة التي لديه، مع استبعاد الرواية الأخرى. وقد لجأ أبوالعلاء إلى الترجيح في أحد عشر موضعا، منها ما يلي: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَمَجهولَةِ الأَعلامِ طامِسَةِ الصُّوى ... إِذا اعتَسَفَتها العيسُ بِالرَّكبِ ضَلَّتِ [بحر الطويل] ((وقوله: ((إِذا اعتَسَفَتها العيسُ)) هذه الرواية أثبت من الرواية الأخرى التي هي ((الريح))؛ لأن قوله: ((الركب)) يشهد بأنه قال ((العِيس)))) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:

стр. 305

رِيمٌ أَبَت أَن يَريمَ الحُزنُ لي جَلَدًا ... وَالعَينُ عَينٌ بِماءِ الشَّوقِ تَبتَدِرُ [بحر البسيط] ((.. ومن روى: ((خلدا)) بالخاء؛ فالخلد: الصدر، ومعناه: أبت أن يفارق الحُزْنُ صدري، وهذه الرواية هي الجيدة)) (١). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مُزَمجِرُ المَنْكِبَينِ صَهصَلِقٌ ... يُطرِقُ أَزلُ الزَّمانِ مِن صَخَبِه [بحر المنسرح] ((ويروى: ((مُجْرَمِّزُ المنكبَين))؛ أي: مجمعهما، اجرمَّز الرجل؛ إذا اجتمع في جلسته .. والرواية الأولى هي الوجه)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: هَبَّت لِأَحبابِنا رِياحٌ ... غَيرُ سَواهٍ وَلا ديوثِ [بحر: مجزوء البسيط] (([يروى: ((رُيُوث))] و ((ريوث)) من الرَّيْث وهوالإبطاء ... و ((دُيُوث)) جمع: دَيْث، وهواللين ... والرواية الجيدة ((رُيُوث)) بالراء)) (٣). ج ـ ترجيح معنى على معنى: كان أبوالعلاء يقدم كل المعاني المحتملة للبيت؛ ولكنه كان يرجح معنى على معنى في وجود قرينة، ولكنه في نفس الوقت لا يستبعد المعنى الآخر، واستخدم القرينة لترجيح معنى على آخر في سبعة مواضع، منها: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: لَوتَجافى إِبليسُ عَن لَحظِ عَينَي ... ها تَقَرّا عِبادَةً إِبليسُ [بحر الخفيف]

стр. 306

((.. ((تَقَرّا)): يحتمل وجهين: أن يكون من تَقَرّى الشيء؛ إذا تتبعه، فهذا غير مهموز، والآخر أن يكون من تقرا القرآن؛ إذا طلب حفظه، وتشبه بالقراء، فهذا أصله الهمز، وحمله على هذا الوجه أليق)) (١). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: وَلَرُبَّما استَبكَتهُ نَكبَةُ حادِثٍ ... نَكَأَت بِباطِنِ صَفحَتَيهِ نُدوبا [بحر الكامل] ((و [أشكته] (٢) .. أحوجته إلى الشكية، وقد يكون في معنى أزالت شكيته، وهذه الكلمة تذكر في الأضداد، والبيت يحتمل المعنيين إذا لم يُشْفَع بالبيت الثاني، وحمله على إزالة الشكاية أحسن في حكم الشعر؛ لأن المراد أنه يصبر على النكبات؛ فيعقب صبره خيرا ونجحا، وهذا المعنى يتردد في شعر الطائي وغيره)) (٣). ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: ماذا عَسَيتَ وَمِن أَمامِكَ حَيَّةٌ ... تَقِصُ الأُسودَ وَمِن وَرائِكَ عيسى [بحر الكامل] ((.. وهذا البيت يدل على أن ((عيسى))، مراد به اسم هذا الرجل، وكونه في معنى المسيح معنى صحيح، وهوأبلغ في المدح)) (٤). ... ـ العنصر الثالث من عناصر المنهج: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره: كان أبوالعلاء يوظف خصائص البيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان، وكانت خصائص تلك البيئة المستقرة نسبيا والموجودة في عصره بمثابة المعيار الذي يلجأ إليه في شرح الديوان؛ بمعنى أن تلك الخصائص كانت ((المعيار))

стр. 307

أو ((المستوى)) الثابت الذي يلجأ إليه، ويسجل على هديه في شرحه مدى اقتراب أبي تمام أوابتعاده عنه. وقبل المضي في توضيح الكلام السابق يرى الباحث أنه من الواجب تقديم تصور أبي العلاء للغة الذي اعتمد عليه في شرحه. اللغة عند أبي العلاء: يحاول البحث هنا استجلاء طبيعة اللغة عند أبي العلاء، وذلك من خلال دراسة النصوص المتفرقة التي جمعها الباحث من خلال دراسته للديوان. من خلال تلك النصوص نقول: إن نظرة أبي العلاء للغة كانت تنقسم إلى قسمين: • قسم أطلق عليه ((لغة العامة)) (١). • وقسم أطلق عليه ((لغة أهل العلم وأهل اللغة))، أولغة ((الطبقة الراقية)) (٢). أما القسم الأول الذي يمثل لغة العامة فقد قال عنه يوهان فك: ((هي لهجة دارجة بين سواد الشعب العريض)) (٣)، لهجة ((تتفاهم بها الطبقات الوسطى والدنيا من سكان المدن منذ نشوئها في عصر الفتوحات الإسلامية الأولى وقد أخذت هذه العربية المولدة تكتسب مناطق جديدة بسبب التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية)) (٤) ومن أمثلة هذا القسم قول أبي العلاء:

стр. 308

ـ ((وطَيْبَة: اسم من أسماء النساء أيضا مخفف من طَيّبة. فأما قول العامة: الطِّيبة في مصدر الشيء الطيِّب؛ فأهل اللغة ينكرون ذلك، ويختارون حذف الهاء؛ فيقولون: هذا شيء طيب بين الطيب)) (١). وأبوالعلاء يقر أن للغة العامة استعمالها الخاص، وأنها لغة لها ألفاظها الخاصة، ولها ألفاظ مشتركة بينها وبين لغة أهل العلم واللغة، ولكنها ذات دلالات خاصة عندها، ولها أيضا أساليبها. يقول أبوالعلاء: ((جاء بـ (الإشلاء) في معنى الإغراء، وكذلك تستعمله العامة، يقولون: أشليت الكلب إذا أغريته)) (٢). ـ ويقول: ((.العامة يقولون دابة أشعل (...) وأهل العلم يذكرون ذلك في الذنب خاصة)) (٣). ـ ويقول: ((والعامة يسمون ضربا من النبت إذا أصاب الجسد أذي به قراصا؛ كأنهم أخذوه من القرص باليد)) (٤). ـ ويقول: ((قال أبوتمام: لَوكانَ كَلَّفَها عُبَيدٌ حاجَةً ... يَوماً لَأُنسِيَ شَدقَمًا وَجَديلا [بحر الكامل] ((هذا البيت يختلف في روايته، وكان الناس ينشدون في أول الأمر (لزنَّى شدقما وجديلا)؛ فاستضعفوا هذه الكلمة؛ لأنها عامية فغيرت بغيرها)) (٥). ـ ويقول: ((قال أبوتمام: ذَهَبَت بِمَذهَبِهِ السَّماحَةُ فَالتَوَت ... فيهِ الظُّنونُ أَمَذهَبٌ أَم مُذهَبُ [بحر الكامل] وقوله: (أمذهب أم مذهب) من قول العامة: بفلان مذهب إذا كان يلج في الشيء ويغرى به)) (٦).

стр. 309

ـ ويقول: ((والمعروف في الحدائق أن تستعمل في النخل والكرم، ولا يمتنع أن يعني بالحدائق التي هي معروفة عند العامة)) (١). ـ ويقول: ((وبعض أصحاب اللغة يزعم أن الصلف الذي تضعه العامة موضع التيه كلمة مولدة)) (٢). ـ ويقول: ((قال أبوتمام: نَعاءِ إِلى كُلِّ حَيٍّ نَعاءِ ... فَتى العَرَبِ احتَلَّ رَبعَ الفَناءِ [بحر المتقارب] العامة يثبتون الياء في بيت الطائي، كأنهم يعتقدون الإضافة، وذلك ردىء جدا في القياس)) (٣). أما لغة أهل العلم فهي تلك اللغة التي وصفها يوهان فك فقال إنها: ((لغة الطبقة الراقية (...) احتفظت بالتصريف الإعرابي، وبقواعد الإعراب والتصريف احتفاظا تاما، ولم تزل من حيث بناؤها الحقيقي ـ على الرغم من السمات المولدة ـ تعد من اللغة الفصحى)) (٤). أما لغة أهل العلم، أوأهل اللغة، أولغة الطبقة الراقية فإنها ((كلام)): ١. منه الفصيح ومنه غير الفصيح. ٢. ومنه القديم (الذي انتهى استعمال بعضه)، ومنه الحديث المولد. ٣. ومنه الجيد، ومنه غير الجيد. ودليل ذلك قول أبي العلاء:

стр. 310

ـ ((يقال: هَمَرَ كلامه همرا، إذا جاء بكلام كثير، وأفصح الكلام أن يقال: أرْتَجَ الباب إذا أغلقه)) (١). ـ وقوله: ((وقال: (كم تعذلون)؛ فخرج من خطاب الواحد إلى خطاب الجميع، ومثله كثير في القرآن والكلام القديم)) (٢). ـ وقوله عند قول أبي تمام: وَمِثلُ قُوى حَبلِ تِلكَ الذِّراعِ كانَ لِزازًا لِذاكَ الرِّشاءِ [بحر الكامل] ((وحبل الذراع: أعظم عروقه، وهوكلام قديم ليس مما استعاره الطائي)) (٣). وهذا الكلام يتكون من لغات، وهذه اللغات عنده على درجات: منها العالي، ومنها الجيد، ومنها القبيح، ومنها الردىء المرفوض، ومن ذلك: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا ظُلُماتُ الرَّأيِ أُسدِلَ ثَوبُها ... تَطَلَّعَ فيها فَجرُهُ فَتَجَلَّتِ [بحر الطويل] ((المعروف (سُدِل) وهي اللغة العالية، ويجوز أسدل)) (٤). ـ وقال عند بيت أبي تمام: إِذا ما رَأَتهُ العيسُ ظَلَّت كَأَنَّما ... عَلَيها مِنَ الوِردِ اليَمامِيِّ نافِضُ [بحر الطويل] ((ويقوي رواية من روى (اليماميّ) بميمين أن (اليماني) بتشديد الياء ليس باللغة العالية)) (٥). ولم يورط أبو العلاء نفسه في تحديد لمن هذه اللغة، ونأى بها عن التناقض الذي وقع فيه علماء اللغة قبله، فلا هو جعلها لغة قريش ولا لغة بني سعد مثلا (٦).

стр. 311

ـ وقال عند بيت أبي تمام: لَهُ زِئبِرٌ يُدفي مِنَ الذَّمِّ كُلَّما ... تَجَلبَبَهُ في مَحفِلٍ مُتَجَلبِبُ [بحر الطويل] (((له زئبر)؛ أي للشكر، وخفف الهمزة (يدفي)، وهي لغة جيدة)) (١). ـ وقال: ((و (اللَّذْ) لغة في الذي، وقد جاءت في (الذي) لغات أجودها (الذي) بإثبات الياء)) (٢). ـ وقال أبوالعلاء عن بعض العرب: ((... وقد يمكنون الحركة حتى تصير حرفا ساكنا مثل ما حكي أن بعض العرب يقول: قام زيدو؛ فيثبت الواو، ومررت بزيدي؛ فيثبت الياء، وذلك ردىء مرفوض)) (٣). ومن اللغات ما هوأكثر استخداما من غيرها، يقول: ((يقال: ينعت الشجرة، وأينعت، وهذا على يَنِعَتْ، فإن أخذ من أينع فجائز، والحمل على اللغة الأخرى أكثر)) (٤). واللغة عند أبي العلاء تعني فيما اصطلح عليه اللهجة: من ذلك قوله: ـ ((خفف الهمزة في (يَهْنِي) على لغة من قال: (هَنَاك) في الماضي)) (٥). ـ وقال: ((وسكن الهاء في (مُهْراق) على لغة من قال: أَهْرقْتُ)) (٦). ـ وقوله: ((إذا كان آخر الفعل الماضي ياء وقبلها كسرة فطيئ تقلبها ألفا، فيقولون: اجتُنَى في اُجتُنِيَ ... ومن العرب مَنْ يسكن الياء ها هنا؛ ولم يستعمل اللغة الطائية)) (٧).

стр. 312

والألفاظ التي تتكون منها تلك اللغات منها ما قد انتهى استعماله في عصر أبي العلاء، قال: ((و (الدرانك): واحدها دُرْنُوك. ويقال: إن أصله غير عربي، إلا أنهم قد استعملوه قديما)) (١). ومنها ما وصل إلى مرحلة الابتذال، قال: (((تسحبنا): استطالتنا، كأنه من السَّحب، والتَّسحب كلمة مبتذلة)) (٢). كما أنه يقر بتطور البنية الصرفية لبعض ألفاظها، يقول: ((أصل (اليافوخ): الهمز، والجمع يآفيخ)) (٣). وألفاظها متفاوتة في الفصاحة، قال: ((ومضاض على قولهم مضَّني، وأمضني عندهم أفصح)) (٤). ومما ينبغي الإشارة إليه أن أبا العلاء المتوفي سنة ٤٤٩هـ كان يلجأ إلي لغة العامة أحيانا في توضيح شرح ديوان أبي تمام (٥). ويمكن إجمالا أن نلخص تصوره للغة كالتالي: ? لغة أهل العلم واللغة / لغة الطبقة الراقية ومن خلال حديثنا التالي سنجد أن تلك ((اللغة العالية)) تتمتع بالآتي:

стр. 313

· لها خصائص ثابتة نسبيا على المستوى الصرفي. · لها خصائص ثابتة نسبيا على المستوى النحوي. · لها خصائص على مستوى الاستعمال الكلامي للألفاظ، ومصاحبة ألفاظ لألفاظ، وشيوع ألفاظ وقلة شيوعها على حساب ألفاظ ودلالات أخرى. · خصائص عامة بعيدة عن الخصائص النحوية والصرفية والاستعمالات الخاصة بألفاظها (١). ولا أدل على لجوء أبي العلاء للغة الطبقة الراقية بكل خصائصها التي أثبتناها سابقا من كثرة ترديده لكلمة ((يقال)) ومشتقاتها عند شرحه لألفاظ الديوان، وقد أحصى البحث ما يقرب من مائتين وواحد وثلاثين موضعا (٢٣١) ذكر فيه أبوالعلاء هذا اللفظ صراحة، منها على سبيل المثال: ـ قال أبوالعلاء: ((.. يقال: ناقة وَسَاع إذا كانت واسعة الخطو)) (٢). ـ وقال: ((... ويقال: ضيف مُدَفَّع إذا تدافعه الناس فلم يضيفوه)) (٣). ـ وقال: ((يقال: ظن أنْ سيكون، وظن بأن سيكون، وحذف الباء أكثر)) (٤).

стр. 314

ـ وقال: ((يقال: نَفِهَت المطية إذا أعيت)) (١). ـ وقال: ((يقال: نهشته الحية ونهسته، وقيل: النهس بمقدم الفم، والنَّهشُ أكثر منه)) (٢). **** بعد الانتهاء من استجلاء نظرة أبي العلاء للغة نعود لعنصرنا الثالث من عناصر المنهج عنده وهو: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان: ونبدأ بأولى تلك الخصائص: [أ] توظيف السمات الصرفية: وأول هذه السمات والخصائص التي كان يعتمد عليها أبوالعلاء السمات الصرفية، حيث قام أبوالعلاء بتوظيف السمات الصرفية الثابتة للغة الراقية؛ أي أنه عول على الفصيح الراقي منها في شرح الديوان، وبيان مدى خروج أبي تمام على هذه السمات أوالاتفاق معها، وقد أحصى البحث أكثر من ستة وثلاثين موضعا استخدم فيها أبوالعلاء السمات الصرفية في الشرح، وفيما يلي أهمها: ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَيُّها الغَيثُ حَيَّهَلَّا بِمَغداكَ وَعِندَ السُّرى وَحينَ تَؤوبُ [بحر الخفيف] ((((أيها الغيث حَيَّهَلاَّ)): شدد حَيَّهَلَّا، ولا تعرف إلا مخففة اللام)) (٣). ـ وقال: ((والحِنْدِيس مثل الحِنْدس، وزيادة الياء في مثل هذه المواضع جائزة؛ لأن ((فِعْللا وفِعْليلا)) متقاربان، وكذلك: فِنْعِل وفِنْعيل)) (٤).

стр. 315

ـ وقال: ((والأحسن أن يكون أعجاس جمع: عِجْس بكسر العين أوعُجس بالضم؛ لأن (فَعْلا) لا يجمع على أفْعَال كثيرا)) (١). ـ وقال: ((ويقال للؤلؤة العظيمة (تُؤْمَة)، والجمع تُؤَم، وهذا أجود من أن تجعل توم جمع: تُؤَام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل)) (٢). ـ وقال: ((ومضَّاض على قولهم: مَضَّني، وأمضَّني عندهم أفصح، وفَعَّال يَقِِلُّ في أفعل، إلا أنهم قالوا جبار وهوعندهم من أجبرته على الأمر إذا أكرهته عليه، إلا أن هذه الأشياء تحمل على حذف الزوائد)) (٣). ـ وقال: ((وأصل همزة التعجب أن تدخل على الأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها، مثل: ضرب، وعلم، وكَرُمَ، ودخولها على ما في أوله الهمزة قليل، إلا أنه جاء وكثر ... ولا يستعملون عطوت إلا في معنى تناولت، وأفعل التي للتعجب تجري مجرى أفعل التفضيل)) (٤). ـ وقال: ((... وقال قوم خَدجَتْ وأخْدَجَتْ سواء؛ وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فَعَلَ وأفْعَلَ يشتركان كثيرا)) (٥). ... [ب] توظيف الخصائص النحوية للغة الراقية: اعتمد أبوالعلاء على الخصائص النحوية في شرحه للديوان، وقد أحصى البحث خمسة وعشرين موضعا وظف فيها أبوالعلاء هذه السمة، ومنها ما يلي: ـ قال أبوتمام:

стр. 316

وَتَعَلَّم بِأَنَّهُ ما لِأَنوائِكَ إِن لَم تُرَوِّها مِن خَلاقِ [بحر الخفيف] ـ قال أبوالعلاء: ((... يقال ما له خلاق: أي نصيب في الخير، ولا يكادون يستعملون هذه الكلمة إلا في النفي)) (١). ـ وقال: ((أكثر ما يستعمل (زَعَمَ) مع أَنَّ)) (٢). ـ وقال: ((ومن روى (كلا الآفاق) بكسر الكاف، وهويريد كل الآفاق فروايته خطأ؛ لأن: كِلا يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع كلا القوم، وكلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين، ونحوذلك)) (٣). ـ وقال عند قول أبي تمام: هُما أَظلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أَجلَيا ... ظَلامَيهِما عَن وَجهِ أَمرَدَ أَشيَبِ [بحر الطويل] ((جعل (أظلم) هاهنا متعديا، وذلك قليل في الاستعمال، وهوفي القياس جائز)) (٤). ـ وقال: ((يقال: ظَنَّ أن سيكون، وظن بأن سيكون، وحذف الباء أكثر)) (٥). ـ وقال عند قول تمام: سُعُمٌ حَثَّ رَكبَهُنَّ أَمانٍ ... فيكَ تَترى حَثَّ القِداحِ المُفيضُ [بحر الخفيف] ((.. وأضاف الحث إلى القداح؛ لأن المصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول)) (٦). ـ وقال عند قول تمام: غَدَت مُغتَدى الغَضبى وَأَوصَت خَيالَها ... بِحَرّانَ نِضوالعيسِ نِضوالخَرائِد [بحر الطويل] ِ

стр. 317

((من روى: (نِضْوالعيش) بالشين أراد أن عيشه قد أنضاه فهوشاك له؛ وأصل النضو: البعير الذي قد أنضاه السفر، يريد أن العيش قد أنضاه لصعوبته، وأن الخرائد قد فعلن به مثل ذلك، ويكون (نضوالعيش) معرفة؛ لأن انفصال الإضافة هنا لا يكثر، وإنما يحسن الانفصال إذا كان المضاف إليه يمكن فكه من الأول وإضافته إلى المضمر)) (١). ـ وقال: ((كان النحويون المتقدمون يرون أن (إِيَّاك) ينبغي أن تستعمل مع الواومثل قولهم: إِيَّاك وزيدا، وينكرون مجيئها على غير ذلك، إلا أن تستعمل بـ (أن)، كقولك: إياك أن تقوم، وإياك أن تذهب، ولكن الواوحذفت كحذف الباء مع (أن) في مواضع كثيرة، وكذلك تحذف معها حروف الخفض، يقال: نهيتك أن تفعل؛ أي: عن أن تفعل، وأمرتك أن تفعل؛ والمراد: بأن تفعل، فإذا عُدِمَتْ قبح عندهم الحذف إلا في ضرورة الشعر)) (٢). ونلمح في هذا الاقتباس إشارة مهمة من أبي العلاء على أن التطور اللغوي قد يقع في قواعد اللغة. ـ تعليق على توظيف الخصائص الصرفية والنحوية: من خلال الاقتباسات السابقة يتبين أن أبا العلاء اعتمد على الخصائص الصرفية والنحوية التي أسماها د. سعد مصلوح بـ ((السمات الثابتة Constant)) والتي من خلالها أوضح انحرافات أبي تمام، ويمكن أن نلخص هذه السمات كما وردت في الاقتباسات السابقة كالتالي: السمات الصرفية الثابتة نسبيا ... السمات النحوية الثابتة نسبيا ـ فِعْلل وفِعْليل متقاربان وكذلك فِنْعِل وفِنعيل. ... ـ كلمة ((خَلاق)) لا تستعمل إلا في النفي. ـ فَعْل لا يجمع على أفعال كثيرا. ... ـ لفظ ((كلا)) يستعمل للاثنين لا للجمع. ـ فَعَّال يقل في أفعل. ... ـ المصدر يجوز أن يضاف للفاعل وإلى المفعول. ـ يحسن انفصال الإضافة إذا كان المضاف إليه يمكن فكه من الأول وإضافته إلى المضمر.

стр. 318

ـ أصل همزة التعجب أن تدخل على الأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها. ... ـ فَعَل وأفعل يشتركان كثيرا. والجدول السابق يشير إلى الملحوظتين التاليتين: أـ وجود تمايز واضح عند أبي العلاء بين قواعد اللغة واستعمال الشاعر، وهذا التمايز يذكرنا بما اصطلح عليه اللغويون المحدثون من تفرقة بين اللغة والكلام، أو القدرة والأداء. ب ـ إذا قمنا بتأصيل نظري لقواعد علم الأسلوب في تراثنا العربي فإننا يمكن أن نعتبر أبا العلاء بحق رائدا من رواد علم الأسلوب العربي. [ج] الاعتماد على سمات الاستعمال اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ، والألفاظ المصاحبة، والألفاظ والدلالات الأكثر أو الأقل شيوعا: كان أبوالعلاء يعتمد على المستعمل من الألفاظ في اللغة (أوالكلام)، وينبه على غير المستعمل منها، ويوضح أي الألفاظ أكثر شيوعا في الاستعمال، وأيها أقل، كما يوضح الألفاظ التي تأتي في العادة مصاحبة لألفاظ أومعان أوأشياء أخرى. وقد أحصى البحث أكثر من ثمانية وتسعين موضعا استخدم فيها أبوالعلاء الاستعمال اللغوي، والمصاحبة والشيوع. وهذه المواضع مقسمة كما يلي: • أربعة وأربعون موضعا للاستعمال اللغوي. • ثلاثة وثلاثون موضعا للمصاحبة. • واحد وعشرون موضعا للشيوع أوالقلة في الألفاظ أو الدلالات. ـ توظيف الاستعمال اللغوي: أـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: إِذا كانَتِ الأَنفاسُ جَمرًا لَدى الوَغى وَضاقَت ثِيابُ القَومِ وَهيَ فَضافِضُ [بحر الوافر]

стр. 319

((فَضَافِض: جمع فَضْفاض وهوالواسع، وإنما المستعمل ثوب فَضفاض؛ فجاء هذا على فَضْفَض، ومثله كثير)) (١). ب ـ وقال: ((الوسنان: الناعس، واستعاره هاهنا للهوى، ولم يستعمل ذلك من قبل الطائي)) (٢). ج ـ وقال: ((الإقراب: أكثر ما يستعمل في الإناث، يقال: فَرَس مُقْرَبَة؛ أي: تُشَد قريبا من بيت مالكها ... وربما استعمل ذلك في الذكور)) (٣). د ـ وقال: ((((أغاض)): قليلة في الاستعمال؛ وإنما يقال: غاض الماءُ وغاضه غيره، ويجوز أن يكون الطائي سمع أغاض في شعر قديم، وإن لم يكن قد سُمِع فالقياس يطلقه)) (٤). وعبارة أبي العلاء السابقة: ((القياس يطلقه)) عبارة أصولية مهمة في تصور تفكير أبي العلاء، وهو ينحى هنا منحى ابن جني الذي أجل القياس أيما إجلال. ـ وقال: ((والصامت من المال ما كان من فضة أوذهب، ويجوز أن يعني به كل ما لا ينطق، إلا أن أعرف ما يستعمل في الذهب والورق)) (٥). ـ وقال: ((و ((السُّدْس)):جمع سَديس، ولا يستعمل ذلك في الخيل ولكن في الإبل)) (٦).

стр. 320

ونصوص أبي العلاء السابقة تثير الملحوظات التالية: ١ـ لجوء أبي العلاء إلى الاستعمال اللغوي يبرز أهميته في توضيح المعنى الأساسي للكلمة، وإمكانية استغلاله للوقوف على مخالفات الشعراء. واتكاؤه على فكرة الاستعمال اللغوي في حد ذاتها يذكرنا بقول اللغوي المعاصر فيرث الذي يرى ((أن الكلمة ليست بذات معنى مستقل قائم بذاته وأن وجودها ومعناها شيئا نسيبا يمكن ملاحظة كل منهما في سياق غيرهما من الكلمات والمعاني أو عن طريق التقابل بينهما)) (١). ٢ـ لم يكن أبو العلاء بدعا بين العلماء في استناده إلى الاستعمال اللغوي للوصول لمأربه وبغيته، بل نجده مسبوقا بغيره من علماء البلاغة، فها هو ابن سنان الخفاجي (المتوفى: ٤٦٦هـ) يضع شروطا للفصاحة من بينها ((أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره فإذا أوردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت)) (٢). ٣ـ نلاحظ ثالثا أنه لم يخطئ أبا تمام في استعمالاته التي انفرد بها، وهو بهذا ليس من هؤلاء العلماء التقليديين ((الذين جعلوا القواعد ((الرسمية)) وحدها أساس الحكم بالصواب والخطأ [والذين] أهملوا في الوقت نفسه النظر إلى الاستعمال الواقعي وقيمة هذا الاستعمال)) (٣). ـ التنبيه على المصاحبة: اعتمد أبوالعلاء في شرحه على خاصية المصاحبة؛ أي: الألفاظ التي تأتي مصاحبة لألفاظ أومعان أوأشياء أخرى، فقد كان حريصا في شرحه على إبراز هذه المصاحبة. ولعل هذا الاستخدام والبيان قريب من نظرية ((الرصف Collocational Theory)) التي أشار إليها د. أحمد مختار عمر في كتابه ((علم الدلالة))،تلك النظرية التي تعتبر امتدادا لنظرية السياق أوتطورا عنها.
следующие страницы →