١) هذا المسموع متطور على المستوى الدلالي والصرفي والنحوي، وإن كان على المستوى الدلالي أوضح وأسرع.
ومثال التطور النحوي عنده قوله عند قول أبي تمام:
اُنظُر وَإِيّاكَ الهَوى لا تُمكِنَن ... سُلطانَهُ مِن مُقلَةٍ شَوساءِ [بحر الكامل]
((كان النحويون المتقدمون يرون أن ((إياك)) ينبغي أن تستعمل مع الواو مثل قولهم: إياك وزيدا، وينكرون مجيئها على غير ذلك إلا أن تستعمل بـ ((أن))؛ كقولك: إياك أن تقوم، وإياك أن تذهب، والواوعندهم مرادة، كأنه قال: إياك وأن تذهب، ولكن الواو حذفت كحذف الباء مع ((أَنْ)) في مواضع كثيرة، وكذلك تُحذف معها حروف الخفض، يقال: نهيتك أن تفعل؛ أي عن أن تفعل، وأمرتك أن تفعل، والمراد بأن تفعل ...)) (١).
وإذا كانت الحال كذلك عند أبي العلاء؛ فيصبح ((تحديد فترة للاحتجاج اللغوي)) أمرا فيه نظر؛ إذ كيف يحتج بأمر يظن أنه ثابت، وهوفي الأصل متطور غير ثابت.
٢) المسموع عنده درجات: ((لغة عالية)) (٢)، ((جيدة)) (٣)، وفصيحة، ورديئة غير مقبولة.
٣) ومنه كلام قديم وحديث (٤)، ومنه مشهور معروف، وغير مشهور وغير معروف (٥).
стр. 72
وقد قام المسموع عنده بعدة وظائف هي:
[أ] ((إقرار استخدام لغوي عند أبي تمام)) (١)، ((أومخالفته له)) (٢).
[ب] ((بيان الاتساع والمجاز الذي وقع في هذا المسموع نفسه)) (٣).
[ج] ((توضيح استعارية أبي تمام لبعض هذا المسموع من عدمه)) (٤).
[د] ((الرد على آراء لغوية غير صحيحة))،
ومن أمثلة ذلك:
ـ ((و ((أعزال)) جمع، وواحده غير مستعمل؛ لأن المعروف رجل أعزل)) (٥).
ـ ((وبعض الناس يدعي أن أول من قال: ((حَمِيَ الوطيس)) النبي ﷺ وما أحسب هذا إلا وهمًا؛ لأن الوطيس قد كثر في الشعر القديم)) (٦).
[هـ] ((بيان الألفاظ المولدة من غيرها)) (٧).
[و] ((كثرة تردد لفظة في فترة زمنية محددة)) (٨).
[ز] ((الاستخدامات الخاصة ببعض القبائل)) (٩).
[ح] ((توضيح عروبة لفظة أوأعجميتها)) (١٠).
هذا بالإضافة إلى الاستعمال الأساسي، وهوشرح الألفاظ الغامضة عند أبي تمام.
القياس:
стр. 73
من يتتبع شرح أبي العلاء يجد أن ((القياس)) أمر واضح وجَلِيٌّ عنده حاضر في ذهنه، يلجأ إليه في توضيح بعض المسائل الصرفية والنحوية، والعروضية، واللغوية عند أبي تمام، ومن ذلك قوله عند قول أبي تمام:
لا ذوالحُقودِ اللُقَّحِ اللاتي تَرى ... كَشحَ الصَديقِ وَلا العِداتِ الحُيَّلِ [بحر الكامل]
((و ((الحُيَّل)) جمع حائل؛ وهي التي لم تحمل، و ((الحُوَّل)) بالواو أجود؛ لأنه من ذوات الواو؛ فتظهر في جمعه، كما يقال: صائم وصُوَّم، قائم وقُوَّم؛ وقد قلبت إلى الياء استثقالا للتشديد مع الواو، كما قالوا: صُيَّم في جمع صائم، ونُيَّم في جمع نائم، وهما من الصوم والنوم)) (١).
ـ قال أبوتمام: الحَسَنُ بنُ وَهبٍ ... كَالغَيثِ في انسِكابِه
في الشَّرخِ مِن حِجاهُ ... وَالشَّرخِ مِن شَبابِه [بحر: مجزوء الرجز]
((هذا الوزن لم يذكره الخليل فيما ذكر، وإذا حمل على قياس ما قال فأشبه الأشياء به أن يكون من المنسرح)) (٢).
ـ قال أبوتمام:
نَعاءِ إِلى كُلِّ حَيٍّ نَعاءِ ... فَتى العَرَبِ احتَلَّ رَبعَ الفَناءِ [بحر المتقارب]
((العامة يثبتون الياء في بيت الطائي، كأنهم يعتقدون الإضافة، وذلك رديء جدا في القياس؛ لأن قولك ((حَذَار)) وما جرى مجراها لا تضاف إلا أن تخرج عن بابها؛ لأنها واقعة موقع الأمر إذ كان المفعول يقع بعدها، قال الفرزدق:
نَعاءِ ابنَ لَيلى للسَّماحة والنَّدى ... وأضياف ليلٍ مُقفَعِلِّي الأَنامِلِ (٣) [بحر الطويل]
стр. 74
وابن ليلى منصوب بنعاء)) (١).
ـ ((وبعض المولدين يظن الدجى واحدًا مثل هدى، وإنما هومثل: زُبْيَة وزبى)) (٢).
وأبوالعلاء لم يكن يقتصر على مصطلح القياس تحديدا في قياساته التي يستعملها، بل نجد عنده بعض الأقوال التي تساوي في معناها المقصود من القياس مثل: ((الخروج مخرج)) (٣)، ((المناسبة)) (٤)، ((الحمل على الغير)) (٥)، ((الشائع في الكلام)) (٦)، ((كما يقال)) (٧)، ((ذلك مثل قولهم)) (٨)، ((جاريا مجرى)) (٩)، ((سائغ في الكلام)) (١٠)، ((على حد قولهم)) (١١).
وقبل الاسترسال في الحديث عن القياس عند أبي العلاء يجب أن نقف على مدلول القياس عنده، وهذا يقتضي بداية أن ننبه على أن القياس في تراثنا النحوي كان ذا مدلولين يختلفان تمام الاختلاف، ((أما أولهما فيرتكز على مدى اطراد الظاهرة في النصوص اللغوية مروية أو مسموعة، واعتبار ما يطرد من هذه الظواهر قواعد ينبغي الالتزام بها وتقويم ما يشذ من نصوص اللغة عنها (...) وأما المدلول الثاني للقياس
стр. 75
فهو أنه عملية شكلية يتم فيها إلحاق أمر ما بآخر لما بينهما من شبه أو علة، فيعطي الملحق حكم ما ألحق به. ومن ثم فإن لهذه العملية أطرافا أربعة: المقيس، والمقيس عليه، والجامع بينهما، والحكم)) (١).
ويتضح من النصوص التي تجمعت لدى الباحث أن مدلول القياس الذي يستند إليه أبو العلاء هو المدلول الثاني الشكلي، ومن هذه النصوص:
أـ قال أبوتمام:
يَومٌ أَفاضَ جَوًى أَغاضَ تَعَزِّيًا ... خاضَ الهَوى بَحرَي حِجاهُ المُزبِدِ [بحر الكامل]
((... ((أغاض)): قليلة في الاستعمال؛ وإنما يقال: غاض الماءُ وغاضه غيره، ويجوز أن يكون الطائي سمع أغاض في شعر قديم، وإن لم يكن قد سُمِع فالقياس يطلقه)) (٢).
ب ـ قال أبوتمام:
يَحميهِ لألاؤُهُ أَولَوذَعِيَّتُهُ ... مِن أَن يُذالَ بِمَن أَومِمَّنِ الرَّجُلُ [بحر البسيط]
((اللألاء: النور، والرواية ((تحميه)) بالتأنيث، والقياس يوجب أنه ((لألاء)) مثل زلزال، من لألأ الشيء، وتلألأ، وإذا قيل إنه مثل الزلزال فما يمتنع من كسر أوله مثل: القلقال والسلسال؛ مصدر قلقل، وسلسل، وذلك مطرد في هذا الباب، وإذا قيل إن: ((اللألاء)) مؤنثة؛ وجب أن يكون اشتقاقها من ((اللأل))، كما قال:
دُرَّةٌ مِن عَقائِلِ البَحرِ بِكرٌ ... لَم تَنَلها مَثاقِبُ اللَّأَّال [بحر الخفيف] (٣)
فكأنها مبنية من اللأل ثم زيدت عليها الألف التي للتأنيث وبعدها الهمزة، وقولهم: ((اللَّأَّال)) كلمة شاذة، واشتقاق اللؤلؤ مثل اشتقاق اللألاء)) (٤).
стр. 76
في النصين السابقين أ / ب نجد هاتين العبارتين المهمتين: ((وإن لم يكن قد سُمِع فالقياس يطلقه))، ((والقياس يوجب)). فالعبارة الأولى تدل على أن أبا العلاء لا ((يُشِذُّ)) صيغة ((أغاض))، أي أنه لا يأخذ بالمدلول الأول للقياس الذي كان
((موجودا حتى أوائل القرن الرابع الهجري)) (١). أما عبارة ((والقياس يوجب)) تدل على مدى السلطة التي يتمتع بها القياس وأن لديه من القوانين الذاتية ما يحقق بها هذه السلطة وهو بهذا الفهم لابد أن يكون مدلوله المدلول الثاني.
وتفضيل أبي العلاء للقياس كمنهج في التعامل مع اللغة لابد أن يكون نابعا من موقف فكري التزم به، فليس المنهج ((مجموعة من القواعد الكلية والأسس العامة فحسب، بل هو قبل كل شيء موقف فكري محدد تجاه الأشياء والعلاقات ولا سبيل إلى استكناه حقيقة هذا الموقف أو استكشاف آماده إلا بربطه بالمؤثرات المختلفة فيه وعلى رأسها المؤثرات الفكرية المتصلة به)) (٢).
وبقليل من الاستقراء فيما تجمع لدى الباحث من أقوال أبي العلاء في شرحه للديوان، نجد أن القياس عنده ((يبنى على المطرد))، ونلمح ذلك في النصوص التالية:
ـ قال أبوتمام برواية أبي العلاء لهذا البيت:
تَؤُمُّ شِهابَ الأزد حَفصًا وَرَهطُهُ ... بَنوالحَربِ لا يَنبو ثَراهُم وَلا يُكدي [بحر الطويل]
((... وذكر ابن السكيت أن ((الأسْد)) بالسين أجود، وغيره يقولها بالزاي، ويجب أن يكون الأصل بالسين؛ لأن الدال إذا وقعت قبلها السين الساكنة؛ فبعض العرب يحولها إلى الزاي، وكذلك الصاد، وكذلك قالوا في المثل: ((لم يُحْرَمُ مَنْ فُزْدَ له)) إذا سكنوا صاد فُصِدَ على لغة ربيعة)) (٣).
ـ قال أبوتمام:
стр. 77
أَطَلَّ عَلى كُلَى الآفاقِ حَتّى ... كَأَنَّ الأَرضَ في عَينَيهِ دارُ [بحر الوافر]
((.. ومن روى ((كلا الآفاق)) بكسر الكاف، وهو يريد ((كل الآفاق)) فروايته خطأ؛ لأن ((كِلا)) يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع: كلا القوم، وكلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين، ونحوذلك)) (١).
ـ قال أبوالعلاء في استطراد لغوي عند قول أبي تمام:
ذَهَبَت بِمُذهَبِهِ السَّماحَةُ فَالتَوَت ... فيهِ الظُّنونُ أَمَذهَبٌ أَم مُذهَبُ [بحر الكامل]
((... وإذا ضُمَّت الميم فالمعنى: ذهبت بثيابه المُذهبة؛ أي: يخلعها، وقد ادعى قوم أن الذهب يسمى ((مُذهبًا))؛ وفسروا على ذلك قول الأخطل:
لَبّاسُ أَردِيَةِ المُلوكِ كأنما ... عُلَّت ترائبه بماء المُذهب [بحر الكامل]
قالوا أراد الذهب، والقياس يوجب أن المراد بماء الشيء المذهب ..)) (٢).
ـ ((الإقراب: أكثر ما يستعمل في الإناث، يقال: فرس مقربة؛ تُشَدُّ قريبا من بيت مالكها؛ لأنه يخاف أن ينزوعليها فحل لئيم. وربما استعمل ذلك في الذكور، وقياس كلامهم يوجب أن كل فرس يجوز أن يوصف بقرب؛ لأن من شأنهم أن يقربوه)) (٣).
ونلاحظ هذا الاطراد في القياس على مستوى الدلالة في بعض أقواله:
ـ ((أصل الوشيج: كل ما وشج بعضه في بعض؛ اتصل؛ ثم يقال لكل ما اتصل وشيج)) (٤).
ـ ((يقال نَطِفَ البعير؛ إذا هجمت الغدة على قلبه؛ ثم قيل لكل فساد نَطَف)) (٥).
ـ ((الجنى: اسم عام يقع على كل ما اجْتُنِي ...)) (٦).
стр. 78
ـ ((وأنف كل شيء أوله)) (١).
ـ ((... وبعض الناس يقول: إنما ((الفرس)) مركوض، وليس هذا القول بشيء لأن كل من ضرب برجله الأرض أوغيرها فهو راكض)) (٢).
ـ ((وكل صوت دقيق يقال له صريف)) (٣).
وأبوالعلاء يفضل أن يكون القياس مطردًا وبعيدًا عن القليل والشاذ:
قال أبوتمام: وَثَناياكِ إِنَّها إِغريضُ ... وَلِآلٍ تومٌ وَبَرقٌ وَميضُ [بحر الخفيف]
((ويقال للؤلؤة العظيمة ((تُؤْمَة))، والجمع تُؤَم، وهذا أجود من أن تجعل توم جمع: تُؤَام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل)) (٤).
وقد لعب القياس دورًا مهما مع أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام، فقد كان يلجأ إليه لـ ((إقرار استعمال لغوي أوأسلوبي لأبي تمام؛ من خلال قياسه على المستعمل في اللغة)):
ـ قال أبوتمام:
وَإِنَّ المَعالي يَستَرِمُّ بَناؤُها ... وَشيكًا كَما قَد تَستَرِمُّ المَنازِلُ [بحر الطويل]
((... ويَستَرِمُّ: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون في معنى ((صار كذلك))؛ كما يقال: استنسر البُغَاث؛ أي: صار كالنسر، والآخر: أن يكون في معنى طالب الشيء؛ فيكون قوله: ((يَستَرِمُّ بناؤها)): أن يطلب أن يُرَم؛ أي يصلح؛ كما يقال: استعطاني فلان؛ أي: طلب عطائي، واستفهمني؛ أي: طلب إفهامي)) (٥).
ـ قال أبوتمام:
стр. 79
مِن كُلِّ مُشتَهَرٍ في كُلِّ مُعتَرَكٍ ... لَم يُعرَفِ المُشتَري فيهِ وَلا زُحَلُ [بحر البسيط]
((من روى ((مُشتَهَرٍ)) على ما لم يسم فاعله، فهومقيس على قولهم: فلان مشهور، وقد شُهِر في الناس، كما يقال: كُتِبَ الكتاب واكتتب، وقضب الغصن واقتضب)) (١).
ـ قال أبوتمام:
أَبقَيتَ جَدَّ بَني الإِسلامِ في صَعَدٍ ... وَالمُشرِكينَ وَدارَ الشِركِ في صَبَبِ [بحر البسيط]
((الجد ها هنا الحظ، وبنوالإسلام: الذين يدخلون فيه (...) ومن كلامهم إذا أكثر الرجل من الشيء وألفه أن يقولوا: هوأبوكذا وأمه وابنه)) (٢).
ـ قال أبوتمام:
مِن مَتاعِ المُلكِ الَّذي يُمتِعُ العَينَ بِهِ ثُمَّ مِن رَقيقِ الرَّقيقِ [بحر الخفيف]
((... قصد الطائي بقوله: ((من رقيق الرقيق))؛ أي: من أحسنهم صورة، وأعلاهم قيمة، كما تقول: فلان كريم الكرام؛ أي: هوأعظم كرما)) (٣).
ـ قال أبوتمام:
سَيلٌ طَما لَولَم يَذُدهُ ذائِدٌ ... لَتَبَطَّحَت أولاهُ بِالبَطحاءِ [بحر الكامل]
((... وقوله: ((لَتَبَطَّحَت))؛ أي: لانبسطت، ويحتمل أن يكون قوله: ((تبطحت))؛ أي: حَلَّت بالأبطح، كما يقال: تَبَصَّر؛ إذا أتي البصرة، أوأقام بها أوانتسب إلى أهلها)) (٤).
ـ قال أبوتمام:
стр. 80
بِنتُ الفَضاءِ مَتى تَخِد بِكَ لا تَدَع ... في الصَّدرِ مِنكَ عَلى الفَلاةِ غَليلا [بحر الكامل]
((يعني الناقة؛ أي: أنها معاودة للسير في الفضاء من الأرض على مذهب قولهم: ابن قفر، وابن ليل، وهوكثير في كلامهم)) (١).
ـ قال أبوتمام:
وَقَرِّب أَنتَ تِلكَ فَإِنَّ هَمًّا ... عَراني بِاشتِجارٍ وَارتِفاقِ [بحر الوافر]
((خاطب المرأة ثم انصرف عنها إلى مخاطبة رجل يأمر بتقريب العيس للسير، وهم يفعلون ذلك كثيرا؛ يتركون خطاب الأول المذكر إلى المؤنث، وخطاب المؤنث إلى المذكر، ومنه الآية: چ ? ? ? ?? ? ?? ? ? ? ? ? چ [يوسف: ٢٩])) (٢).
وفي أحيان كثيرة يستخدم أبوالعلاء القياس لتوضيح بعض الأمور: صرفية أونحوية أكثر دقة عند أبي تمام:
ـ قال أبوتمام:
هَدَأَت عَلى تَأميلِ أَحمَدَ هِمَّتي ... وَأَطافَ تَقليدي بِهِ وَقِياسي
بِالمُجتَبى وَالمُصطَفى وَالمُستَرى ... لِلحَمدِ وَالحالي بِهِ وَالكاسي
[بحر الكامل]
стр. 81
((... جاء بالباء في قوله: ((بالمجتبى))؛ لأنه بدل من الهاء في قوله ((به))، وإذا كان الحرف متصلا بالضمير ثم أبدل منه وجب أن يعاد الحرف مع الاسم؛ كقولك: مررنا بهم بالقوم الصالحين، ونزلنا عليهم؛ على خيار الناس)) (١).
ـ قال أبوتمام:
بِالقائِمِ الثامِنِ المُستَخلَفِ اطَّأَدَت ... قَواعِدُ المُلكِ مُمتَدًّا لَها الطِّوَلُ [بحر البسيط]
((ينبغي أن يكون اشتقاق ((اطأدت)) من ((الطود))، بني على ((افتَعَلت)) من ذلك، فقيل: ((اطَّادَت)) ثم همزت للضرورة؛ لأن تاء ((الافتعال)) إذا كان قبلها طاء قلبت إليها، وليس في كلامهم ((الطَّاد)) بالهمز، وإنما قالوا: وطد، ولوبُنى ((افتعل)) من وطد لقيل: ((اتَّطَدَ)))) (٢).
ـ قال أبوتمام:
وَلَم أَرَ نَفعًا عِندَ مَن لَيسَ ضائِرًا ... وَلَم أَرَ ضَرًّا عِندَ مَن لَيسَ يَنفَعُ
يَقولُ فَيُسمِعُ وَيَمشي فَيُسرِعُ ... وَيَضرِبُ في ذاتِ الإِلَهِ فَيوجِعُ
[بحر الطويل]
((هذا البيت (٣) من عجيب ما جاء في شعر الطائي؛ لأنه أتبع العينَ الواو في غير قافية (٤)، وإنما آنسه بذلك أن العين في آخر النصف الأول وفي آخر النصف الثاني، ولا ريب أنه كان يتبع العين واوا في ((يسمعو))، وقد يمكنون الحركة حتى تصير حرفا ساكنا، مثل ما حكي أن بعض العرب يقول: قام زيدو، فيثبت الواو، ومررت بزيدي، فيثبت الياء، وذلك رديء مرفوض (...) فأدخل الياء بعد الكاف التي للمؤنث. فإن ادُّعي أن تلك لغة، فجائز أن يكون كذلك، وإلا فإن الكسرة مُكِّنت حتى صارت ياء، وبعض من يتكلم في العروض يذكر هذا البيت، ويجعله على أنه جاء بالعين متحركة
стр. 82
وليس بعدها واو ويجب أن يكون الطائي لم يفعل ذلك؛ لأنه معدوم في شعر العرب، والغريزة له منكرة؛ لأنه يجمع بين أربعة أحرف متحركة في وزن (١) لم يستعمل ذلك فيه)))) (٢).
ـ قال أبوتمام:
يَظَلُّ سَراةُ القَومِ مَثنًى وَمَوحَدًا ... نَشاوى بِعَينَيها كَأَنَّهُمُ شَربُ [بحر الطويل]
((((سراة القوم)) خيارهم وأماثلهم؛ أخذ من سراة الجبل والفرس وهي أعلاهما، وهذا أوجه من أن يقال سراة جمع سريِّ؛ لأن ((فَعيلا))، لا يُجْمَع على ((فَعَلة)))) (٣).
ـ قال أبوتمام:
أُصُلٌ كَبُردِ العَصبِ نيطَ إِلى ضُحًى ... عَبِقٍ بِرَيحانِ الرِياضِ مُطَيَّبِ [بحر الكامل]
((.. ((أُصُل)): جاء به موحدا، وقيل: ((أُصُل)): جمع أصيل، مثل رَغِيف ورُغُف، فمن نطق به على التوحيد فلا كلام فيه، ومن جعله جمع أصيلٍ: أجراه مجْرى الجموع التي تحمل على الجنس فتوحد)) (٤).
ـ قال أبوتمام:
وَيَومٍ أَمامَ المُلكِ دَحضٍ وَقَفتَهُ ... وَلَوخَرَّ فيهِ الدينُ لَانهالَ كاثِبُه [بحر الطويل]
((... من روى ((لانهد كاتبه)) جاز [أن] يكون من الكاثبة، وهي موضع يد الفارس بالرمح من ظهر الفرس، من قول النابغة:
لَهُنَّ عَلَيهِم عادَةٌ قَد عَرَفنَها ... إِذا عُرِّضَ الخَطِّيُّ فَوقَ الكَواثِبِ [بحر الطويل]
وتستعمل الكاثبة في الإنسان، وهي الكتد أونحوه، ولا يعرف إلا بالهاء، فإذا كانت اللفظة يراد بها ذلك؛ فيجوز أن يكون حذف الهاء لمكان الإضافة؛ لأنهم يجرؤون
стр. 83
على حذفها مع المضاف، كما قالوا: إلاح الرجل، يريدون إلاحته، وقام ولاها؛ أي: ولاتها)) (١).
ـ قال أبوتمام:
كَم أَسيرٍ مِن سِرِّهِم وَقَتيلٍ ... رادِعِ الثَّوبِ مِن دَمٍ كَالخَلوقِ [بحر الخفيف]
((... ((الرادع)): أصله، الذي يَتَلطخ بالطيب ... فيجوز أن يكون قوله: ((رادع)) في معنى الملون، كأن قال: رادع ثوبه، ويكون ((رادع)) جاريا مجرى ((لابن)) و ((تامر))؛ لأن الثوب في الحقيقة هوالمردوع)) (٢).
ـ قال أبوتمام:
لَقَد أَخَذَت مِن دارِ ماوِيَّةَ الحُقبُ ... أَنُحلُ المَغاني لِلبِلى هِيَ أَم نَهبُ [بحر الطويل]
((.. الحُقْب: الدهر، واختلفوا في تفسيره، فقالوا ثلاثون سنة، وقالوا ثمانون ... والصحيح أن الحقب برهة طويلة لا حد لها، وأُنِّثَ على معنى البرهة والمدة؛ لأن تذكير الحُقب غير حقيقي، وهذا أوجه من أن يقال الحقب جمع حِقبة؛ إذا أراد بها السنة؛ لأن ((فِعْلَة)) قلما تجمع على ((فُعْل)))) (٣).
ـ قال أبوتمام:
ضَمِنَت لَهُ أَعجاسُها وَتَكَفَّلَت ... أَوتارُها أَن تُنقَضَ الأَوتارُ [بحر الكامل]
((والأحسن أن يكون أعجاس جمع: عِجْس بكسر العين أوعُجس بالضم؛ لأن (فَعْلا) لا يجمع على أفْعَال كثيرا)) (٤).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ما سَرَّني بِخِداجِها مِن حُجَّةٍ ... ما بَينَ أَندَلُسٍ إِلى صَنعاءِ [بحر الكامل]
стр. 84
((... يقال: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها ناقصَ الخَلْق، وإن كانت شهورها تامة، وخدجت إذا ألقته لغير تمام، وقال قوم: خدجت وأخدجت سواء؛ وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فَعَلَ وأفعل يشتركان كثيرا ... و ((الأندلس)) بناء مستنكر إن فتحت الدال وإن ضمت، وإذا حملت على قياس التصريف، وأجريت مجرى غيرها من العربي فوزنها ((فَعْلَلُلُ))، وهذا بناء مستنكر، ليس في كلامهم مثل ((سَفْرَجَل)) ولا ((سَفْرَجُل))، فإن ادعى مدع أنها ((فَنْعَلُل)) فقد خرج من حكم التصريف؛ لأن الهمزة إذا كان بعدها ثلاثة أحرف من الأصول لم تكن إلا زائدة)) (١).
ومجمل القول إن أبا العلاء كان يُجِلُّ القياس، ويقدره، ويجعله في مكانة متساوية مع السماع إن لم تفقها وتتجاورها.
...
انحرافات أبي تمام اللغوية والأسلوبية بين القياس والسماع عند أبي العلاء:
ورد عن الخليل بن أحمد قوله: ((الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا، ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من: إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد المقصور، وقصر الممدود، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد، ويبعدون القريب، ويحتج بهم، ولا يحتج عليهم)) (٢).
стр. 85
ويبدو أن مضمون هذا المقولة كان مسيطرًا تماما على أبي العلاء؛ فنجد من أقواله ما يفيد إمرة الشعراء للكلام وتصرفهم فيه وما يفيد أيضا أن للشعر خصائصه العامة، وصنعته المستقلة (١)، وأن لكل شاعر خصائص أسلوبية معينة (٢).
وانطلاقا من هذا الكلام نقول: إن أبا العلاء كان لا يخطِّئ أبا تمام في
((انحرافاته)) أو ((عدولاته)) أو ((خروجاته)) الأسلوبية. ودائما يحاول أن يلتمس له مخرجا من السماع (٣) فإن لم يجد فمن القياس؛ فإن لم يجد فاستعارة (٤) يحملها عليها؛
стр. 86
فإن لم يجد سماعا أوقياسا أواستعارة صمت (١) أوقال: ((ولعل الطائي سمعه في كلام قديم))؛ فلم يكن أبوالعلاء يخطئه أويعيب عليه إلا نادرا جدا (٢).
ـ قال أبوتمام:
هُما أَظلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أَجلَيا ... ظَلامَيهِما عَن وَجهِ أَمرَدَ أَشيَبِ [بحر الطويل]
((جعل (أظلم) هاهنا متعديا، وذلك قليل في الاستعمال، وهوفي القياس جائز)) (٣).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِذا كانَتِ الأَنفاسُ جَمرًا لَدى الوَغى وَضاقَت ثِيابُ القَومِ وَهيَ فَضافِضُ [بحر الطويل]
((فَضَافِض: جمع فَضْفاض وهوالواسع، وإنما المستعمل ثوب فَضفاض؛ فجاء هذا على فَضْفَض، ومثله كثير)) (٤).
ـ قال أبوتمام:
صَلَتانٌ أَعداؤُهُ حَيثُ حَلّوا ... في حَديثٍ مِن عَزمِهِ مُستَفاضِ [بحر الخفيف]
((... وأهل اللغة يزعمون أن الصواب أن يقال: حديث مستفيض؛ والقياس لا يمنع أن يقال: مستفاض)) (٥).
ـ قال أبوتمام:
إِمراتُهُ نَفَذَت عَلَيهِ أُمورُها ... حَتّى ظَنَنّا أَنَّهُ إِمراتُها [بحر الكامل]
стр. 87
((لا يوجد في الشعر القديم (إِمراته)؛إلا أن القياس يطلق ذلك، وهذه اللفظة نادرة)) (١).
ـ قال أبوتمام:
مُبتَلُّ مَتنٍ وَصَهوَتَينِ إِلى ... حَوافِرٍ صُلَّبٍ لَهُ مُلُس [بحر المنسرح]
((.. وضم ((مُلُس)) والصواب تسكينها فيما كان جمع ((أفعل)) أو ((فعلاء))، مثل: حُمْر وصُفْر، والتحريك جائز)) (٢).
ـ قال أبوتمام برواية أبي العلاء:
شامَت بُروقَكَ آمالي بِمِصرَ وَلَو ... أَصبَحْت بِالطوسِ لَم أسْتَبعِدِ الطوسا [بحر البسيط]
((.. فأما ((الطوس)) فلم تجر العادة بدخول الألف واللام عليها، وإن كان دخولها جائزا)) (٣).
ومن أمثلة إقراره بتبحره في اللغة وعدم تخطئته:
قال أبوتمام:
نُسائِلُها أَيَّ المَواطِنِ حَلَّتِ ... وَأَيَّ دِيارٍ أَوطَنَتها وَأَيَّتِ [بحر الطويل]
قال أبوالعلاء:
((... وكان الذي سأل عن هذا البيت أبا نصر أحمد بن يوسف، فقال: إنما أراد (أيَّتْ) في معنى (تَأيَّت) من التَّأيي، وهذا قول حسن، وهويشبه مذهب أبي تمام في الصنعة، إلا أن المعروف من كلام العرب تأيَّيْتُ، ولم يجئ في أشعارهم أيَّيْتُ، ويجوز أن يكون أبوتمام سمعها في شعر قديم؛ لأنه كان مستبحرا في الرواية)) (٤).
*****
стр. 88
القياس الأسلوبي عند أبي العلاء:
من الأمور اللافتة للنظر في شرح أبي العلاء أنه كان يقوم بنوع من القياس يمكن أن يسمى ((القياس الأسلوبي))؛ بمعنى: أن أبا العلاء كان يحتفظ في ذهنه بالخصائص الأسلوبية لشعر أبي تمام، ويقيس عليها أي خروج له أتى به مخالفا هذه الخصائص، أوأية رواية لا تكون منسجمة مع هذه الخصائص.
ويكفى تدليلا على ذلك نقل العبارات التي تشير إلى هذا القياس:
- ((.. والأحسن على مذهب الطائي ..)) (١).
- ((.. ويجب أن يكون الطائي قال ...)) (٢).
- ((.. وهذا أشبه بمذهب الطائي من الوجه الذي تقدم ذكره ...)) (٣).
- ((.. ولورويت ... لكان ذلك مشابها لصنعة الطائي)) (٤).
- ((.. وقد كثر في شعره ..)) (٥).
- ((.. ومن عرف مذهب الطائي لم يعدل عن هذه الرواية ..)) (٦).
- ((.. الأشبه بصناعة الطائي أن يكون ...)) (٧).
- ((.. قد تردد في شعر الطائي وشعر غيره ..)) (٨).
- ((.. فله معنى يستحسن على مذهب الطائي ..)) (٩).
- ((.. وقد جاء بمثل ذلك في غير هذه المواضع)) (١٠).
стр. 89
- ((.. وله عادة بذلك)) (١).
- ((.. إذا حمل ذلك على ما يعرف من مذهب الطائي ...)) (٢).
- ((.. وهذا أشبه بمذهب الطائي؛ لأنه يؤثر الاستعارة ...)) (٣).
- ((... فقد لزم مذهب الطائي في العارية ...)) (٤).
- ((.. الوجه أن يحمل على مذهب الطائي، ويجعل من المستعار)) (٥).
- ((... ولم تجرِ عادة الطائي بذلك)) (٦).
كل هذه الأقوال كانت من الممكن ـ إذا وجدت من يدرسها ـ أن تكون بذورا جيدة لما عُرِف حديثا بـ ((علم الأسلوب)) أو ((الأسلوبية))، والتي تركز في دراستها على لغة ((الأديب كما يمثلها إنتاجه الأدبي، وذلك بإخضاعها لمناهج من التحليل، بهدف الوصول إلى معايير موضوعية تساعد الناقد على التفسير من خلال ثلاثة توجهات في التحليل اللغوي للنص .... أما التوجه الثالث فهو توجه إحصائي، ويسعى إلى رصد درجة تكرار ظاهرة لغوية معينة في أسلوب شخص معين رصدا علميا دقيقا، ينأى عن الملاحظة العابرة، ويرفض تجزئة الإحساس الصادر عن التقاط الظواهر، هنا تتقصى النظرية الأسلوبية تطبيق علم الإحصاء، واستخدام الجداول الإحصائية والأرقام)) (٧).
стр. 90
وفي ختام هذه الجزئية نقول: إذا كانت من وظائف القياس ((استنباط قاعدة أوتعليل ظاهرة، أورفض ظاهرة)) (١)، فإننا نضيف أن من وظائفه أيضا إثبات أسلوب شاعر أو نفيه.
******
الإجماع عند أبي العلاء:
لم يتجمع لدى الباحث قدر من المعلومات يستطيع بوضوح من خلالها أن يتبين وجهة نظر أبي العلاء في الإجماع.
وقد وقف البحث على نصين لأبي العلاء أحدهما يفهم منه ضمنا وعي أبي العلاء بهذا المصطلح، وآخر ينص صراحة على على هذا ((المصطلح)).
أما الموضع الأول، فيقول أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَم تَطلُعِ الشَّمسُ فيهِ يَومَ ذاكَ عَلى ... بانٍ بِأَهلٍ وَلَم تَغرُب عَلى عَزَبِ [بحر البسيط]
((أهل اللغة يختارون بنى فلان على أهله، ويكرهون: بنى بها، وأصل ذلك أنهم كانوا إذا أعرسوا بنوا القباب على العرائس، والمتعارف في كلامهم بنى على المرأة القبة، ولايمنع القياس دخول الباء في هذا الموضع)) (٢).
أما الموضع الثاني الذي ورد فيه مصطلح ((الإجماع)) صراحة فهو:
يقول أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَنا أَفدي ساجي الجُفونِ يُسَمّى ... وَيُكَنّى بِبَعضِ عَبدِ الحَميدِ [بحر الخفيف]
((.. وقوله: ((وَيُكَنّى)) إنما يعني الاسم الآخر من أسماء الكنية؛ فقد يجوز أن يُكنى بهذه الأسماء التي تقدم ذكرها، وغيرها مما يُستغنى عن الإتيان به، وقال في أبيات أخرى:
الحُسنُ وَالطيبُ إِذا استُجمِعا ... عَبدانِ عِندي لِأَبي عَبدِ [بحر السريع]
стр. 91
وهذا إجماع من أهل اللغة ....)) (١).
نظرية العامل عند أبي العلاء:
وقف البحث على بعض النصوص لأبي العلاء التي تفيد قبوله لنظرية العامل، بل واستخدامها في شرح الديوان، ومن ذلك قول أبي العلاء عند قوله:
ما رَبعُ مَيَّةَ مَعمورًا يُطيفُ بِهِ ... غَيلانُ أَبهى رُبًى مِن رَبعِها الخَرِبِ [بحر البسيط]
((... ونصب ((معمورا)) على الحال، والعامل في ((معمورا)) فعل مضمر ... والنحويون يجعلون المضمر في نحوهذا ((كان)) التي في معنى ((وقع))؛ ليخلص لهم معنى الحال، وإذا كان الأمر على ذلك جاز أن يُضمر كل ما هوفي معنى الوقوع. فإن زعم زاعم أن العامل في ((معمور)) قوله ((يُطيفُ)) فلا يمتنع ذلك، ولكن الوجه الأول أجود لما وقع في الوجه الثاني من التقديم والتأخير)) (٢).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
يَهني الرَّعِيَّةَ أَنَّ اللهَ مُقتَدِرًا ... أَعطاهُمُ بِأَبي إِسحاقَ ما سَأَلوا [بحر البسيط]
((خفف الهمزة في ((يهني)) على لغة من قال: هناك في الماضي، ونصب ((مقتدرا)) على الحال، والعامل أعطى)) (٣).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
هَذا إِلى قِدَمِ الذِّمامِ بِكَ الَّذي ... لَوأَنَّهُ وَلَدٌ لَكانَ وَصيفا [بحر الكامل]
((... ((هذا)) في موضع نصب على بفعل مضمر؛ كأنه قال: أذكر هذا الشيء أوأعُدُّهُ، أو نحوذلك من المضمرات)) (٤).
стр. 92
المذهب النحوي لأبي العلاء:
إن كان لابد للباحث أن يحدد لأبي العلاء مذهبا نحويا، فإن الباحث يرجح أن أبا العلاء كان يميل إلى المذهب ((البغدادي)) وهذا الترجيح يقوم على الأدلة التالية:
١ـ أن أبا العلاء لم يخرج من بلدته ((معرة النعمان من أعمال حلب)) إلا إلى طرابلس الشام، ثم رحل إلى بغداد سنة ٣٩٨هـ، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى بلده، ولزمها إلى أن مات؛ أي أن الرحلة العلمية الوحيدة التي قام بها أبوالعلاء كانت إلى بغداد.
٢ـ أن أبا العلاء إذا تناول مسألة نحوية أوصرفية، وعرض فيها آراء المذهب النحوية فإن أبا العلاء يذكر رأي البصريين، ثم رأي الكوفيين، ولا ينتصر لرأي منهما، ولا ينبه على أنه ضمن فريق من الفريقين. وندلل على ذلك بالآتي:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
قَدكَ اتَّئِب أَربَيتَ في الغُلواءِ ... كَم تَعذِلونَ وَأَنتُمُ سُجَرائي [بحر الكامل]
((((قَدْك)) في معنى حسبك، وهي كلمة تستعمل مع المضمرات كثيرا، ولا يعرف استعمالها مع الظاهر، وإذا جاءت مع المضمر فإنما يخاطب بها المواجه، ويعني بها المتكلم نفسه، فيقال: ((قَدْكَ يا رجل، وقدني)) .... وعند النحويين أن النون دخلت ها هنا لتبقى الدال على سكونها، وربما قالوا: ((قَدِي))، والفراء يجيز ذلك في غير الضرورة، وسيبويه يجعله من الضرورات ... فياء ((قدني)) عنده مثل ياء ((قدي))، وحذفت النون لإقامة الوزن)) (١).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
فَيا غالِبًا لا غالِبٌ لِرَزِيَّةٍ ... بَلِ المَوتُ لاشَكَّ الَّذي هُوغالِبُ [بحر الطويل]
стр. 93
((قوله: ((يا غالِبا)) نداء للذي يرثيه واسمه غالب، وتنوين العَلَم المُنادى محسوب من الضرورات، والنحويون فيه مختلفون، بعضهم يختار النصب، وبعضهم يختار الرفع ...)) (١).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مُسِفِّهِ ثَرِّهِ مُسَحسِحِهِ ... وابِلِهِ مُستَهِلِّهِ بَرِدِه
وَهَل يُساميكَ في العُلى مَلِكٌ ... صَدرُكَ أَولى بِالرُّحبِ مِن بَلَدِه
[بحر المنسرح]
((... و ((مُسَحسِح)): كثير الصب، وبعض الناس يذهب إلى أن ((مسحسحا)) مأخوذ من السح، وأصحاب القياس من أهل البصرة يزعمون أن ((سحسح)) من غير لفظ ((سَحَّ)). ووزن ((مُسَحسِح)) على رأي سيبويه، ((مُفَعْلِل))، وعلى رأي غيره من أصحاب النظر ((مُفَعْفِل))، وعلى ما ثبت في كتاب العين ((مُفَعْفِع)))) (٢).
٣ـ أن أبا العلاء كان يعتمد على السماع والقياس بنفس الدرجة:
قال أبوالعلاء: ((أهل اللغة يختارون بنى فلان على أهله، ويكرهون: بنى بها، وأصل ذلك أنهم كانوا إذا أعرسوا بنوا القباب على العرائس، والمتعارف في كلامهم بنى على المرأة القبة، ولايمنع القياس دخول الباء في هذا الموضع)) (٣).
وهذا هوما تتبعه المدرسة البغدادية التي اتبع نحاتها ((منهجا جديدا في دراساتهم ومصنفاتهم النحوية يقوم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية جميعًا)) (٤). فأبو العلاء لم يكتف بالسماع كما تقول المدرسة الكوفية، بل أطلق القياس كما تقول المدرسة البصرية.
*******
стр. 94
المبحث الثالث: الأصول النحوية عند التبريزي
أولا السماع:
أول ما يلفت نظر الباحث أن التبريزي كان مولعا باستخدام كلمة ((يُقَال)) التي كانت تتكرر مع كل بيت يشرحه من ديوان أبي تمام، بل أحيانا تتكرر في شرح البيت الواحد مرتين وثلاث مرات. فهويشرح البيت ثم يؤيده بما ((يُقَال)) في القرآن أوقراءاته أوفي الشعر (١) أوالأمثال أوالكلام المتمثل في اللغة الفصيحة القديمة أوالحديثة، بل كانت كلمة ((يُقَال)) تتناول وتطول اللغة العامية عند العوام (٢).
стр. 95
وهنا نشير إلى أن الفترة الزمنية التي تتحرك فيها كلمة ((يُقَال)) تشمل الفترة الزمنية قبل الإسلام وبعده حتى عصره. وكان التبريزي لا يجد حرجا أن تكون اللغة حتى عصره، وعلى كافة مستوياتها الفصيحة موضع استخدام عنده (١).
وتردد هذه الكلمة اللافت للنظر عند التبريزي يدل دلالة واضحة على تقيد التبريزي بـ ((السماع))، والاعتماد عليه بشدة في شرح الديوان. بل إننا نجد في أقواله ما يشير صراحة وضمنا لتفضيله ((السماع)) على ((القياس))، وهو بذلك يكون مخالفا لأستاذه أبي العلاء:
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
وَبَيَّتَّ البَياتَ بِعَقدِ جَأشٍ ... أَشَدَّ قُوًى مِنَ الحَجَرِ الصَّلودِ [بحر الوافر]
((... ومن روى: ((أَمَرَّ قوًى)): فالمعنى أشدَّ إمرارًا؛ أي: فتلا، و ((أَشَدّ قُوًى)) أجود الروايتين؛ لأن المعروف أمررت الحبل بالهمز، وهم يجتنبون أن يبنى فعل التعجب على ((أَفْعَلَ)) في التفضيل، إلا في أشياء مسموعة. وقد ذهب بعضهم إلى أن ذلك قياس مطرد في كل فعل ماض على ((أفعل))؛ والأخذ بالسماع أحسن)) (٢).
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
ما خالِدٌ لي دونَ أَيّوبٍ وَلا ... عَبدُ العَزيزِ وَلَستُ دونَ وَليدِ [بحر الكامل]
((و ((وليد)): يعني به الوليد بن عبد الملك، فحذف الألف واللام وهوجائز. وقد استعمل ذلك الطائي كثيرا في مواضع، وهوجائز، إلا أن تركه أحسن)) (٣).
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
يَقولُ مَن تَقرَعُ أَسماعَهُ ... كَم تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخِرِ [بحر السريع]
стр. 96
((جعل ((مَنْ)) في معنى الجمع؛ لأنها عامة، تقع على الواحد، والاثنين، والمذكر، والمؤنث والجمع ... ولولا ذلك لم يحسُن أن يقول ((أسماعه))؛ لأنه لا يجمع سمع الإنسان الواحد، وإن كان جائزا، فليس بحسن)) (١).
وكان السماع عنده هوالذي مهد الطريق لـ ((تحديد المستعمل)) في اللغة من ((غير المستعمل))، وأيها ((أكثر استعمالا وترددا في النثر والشعر))، وما هو من
((كلام العرب))، وما هومن غيره، وما بناه أبوتمام على هذا المسموع، وما لم يبنه، ومثال ذلك قوله:
ـ ((التنائف: جمع ((تَنُوفة))؛ وهي القفر من الأرض. ولم يستعملوها إلا
بالزيادة، ولم يقولوا ((التُّنُف)))) (٢).
ـ ((والهَفْواء: فعلاء؛ من قولهم: هفا، يهفو. وهي كلمة قليلة في الاستعمال)) (٣).
ـ ((يقال غدا الشيء وأغداه، جائز في القياس، وهومفقود في المسموع)) (٤).
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
وَلِذاكَ كانوا لا يُرأَّسُ مِنهُمُ ... مَن لَم يُجَرَّب حَزمُهُ مُرؤوسا [بحر الكامل]
((هذا البيت مبني على قولهم: فلان قد آل وإيل عليه؛ أي: ساس وسيس)) (٥).
ومن نافلة القول أن نثبت أن هذا الاطلاع الواسع على المسموع مكنه من شرح الديوان:
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
إِن رُمتَ تَصديقَ ذاكَ يا أَعوَرُ الدََّجالُ فَالحَظهُمُ وَلا تَذُبِ [بحر المنسرح]
стр. 97
((جعل ((أعور)) معرفة بالنداء، ثم نعته بالدجال، وبعض العرب يستوحش من هذه البنية، واستعمالها في كلامهم قليل، لا يكاد يوجد: يا غلامُ العاقلُ، أقبل)) (١).
وشمل المسموع عنده ((القراءات القرآنية)). وقد وظفها في شرحه لبعض أبيات الديوان، ومن ذلك قوله عند قول أبي تمام:
وَلَئِن أَرَدتَ لَأَعذِرَنَّكَ مُحمَلا ... وَالعَجزُ عِندي عُذرُ غَيرِ المُعذِرِ [بحر الكامل]
((يقال: أعذر فهومعذِر؛ إذا بلغ العُذر. وقرأ بعضهم: ﴿وَجَاءَ الْمُعَْذِرُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ﴾ (٢) [التوبة:٩٠])) (٣).
ـ قال عند قول أبي تمام
كَم حاجَةٍ صارَت رَكوبًا بِهِ ... وَلَم تَكُن مِن قَبلِهِ بِالرَّكوبْ [بحر السريع]
((أصل ((الركوب)) فيما يركب من الحيوان وقد قرئ: ﴿رَكُوبهم﴾ (٤) و ﴿رَكُوبتهم﴾ (٥))) (٦).
ـ قال عند قول أبي تمام:
وَإِذا مَشَت تَرَكَت بِصَدرِكَ ضِعفَ ما ... بِحُلِيِّها مِن كَثرَةِ الوَسواسِ [بحر الكامل]
стр. 98
((الحُلِيّ ـ بضم الحاء وكسر اللام ـ جمع ((حَلْي))، وقد قرئ بهما جميعا (١) في قوله تعالى: چ ? ? ? ? چ [الأعراف: ١٤٨])) (٢).
والمسموع عند التبريزي أمر قابل للتطور على المستوى الدلالي والنحوي، ومثال ذلك:
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
أَخلَبَت بَعدَهُ بُروقٌ مِنَ الله وَجَفَّت غُدرٌ مِنَ التَّشبيبِ [بحر الخفيف]
((وأخلب البرق غير مستعمل في الكلام القديم)) (٣).
ـ قال عند قول أبي تمام:
حَتّى كَأَنَّ جَلابيبَ الدُّجى رَغِبَت ... عَن لَونِها وَكَأَنَّ الشَمسَ لَم تَغِبِ [بحر البسيط]
((والدجية: الظلمة، وقال قومٌ: لايقال دُجية إلا لليل مع غيم، فأما المحدثون فيعبرون بالدجى عن الليل، ولا يفرقون بين المقمر وغيره)) (٤).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
يا مُوضِعَ الشَّدَنِيَّةِ الوَجناءِ ... وَمُصارِعَ الإِدلاجِ وَالإِسراءِ [بحر الكامل]
((يقال: وضع البعير، يضع، وضعا؛ إذا سار ذلك الضرب من السير، وأوضعه صاحبه؛ إذا حمله على الوضع. ثم استغنوا عن المفعول فقالوا: أخب فلان وأوضع)) (٥).
стр. 99
والمسموع عنده منقول عن ((أصحاب اللغة)) و ((أصحاب المعاني)) و ((أصحاب النقل)):
ـ قال التبريزي: ((وأصحاب النقل يرون تصغير الضحى ضُحي)) (١).
ـ وقال: ((أصحاب اللغة يختلفون في تفسير السميدع، إلا أنه مدح لا اختلاف فيه)) (٢).
ـ وقال: ((القَسِمَة ـ عن الأصمعي ـ: مجاري الدمع. وقال أبوعبيدة: القَسِمَة: أعلى الوجه، وقال الفراء: القَسِمَة: الوجه)) (٣).
********
ثانيا القياس عند التبريزي:
أول ما نلمح من أمر القياس عند التبريزي أنه يرادف مصطلح ((الاشتقاق))، وهذا ما نستشفه من أقوال التبريزي التالية:
ـ ((أكثر ما يفسرون ((البَلِيل)) ـ إذا كان من صفة الريح بالباردة، والاشتقاق يدل على أن البليل التي فيها شيء من المطر)) (٤).
ـ ((وفاقع من صفات الأصفر ... والاشتقاق لا يمنع أن يوصف الأبيض بالفاقع، إلا أنهم لم يستعملوه)) (٥).
ـ ((.. والأرسال: جمع رَسَل، فقال قوم هواسم للإبل .... والاشتقاق يوجب أن الأرسال التي يتبع بعضها بعضا في الإبل وغيرها)) (٦).
стр. 100
وقد لعب القياس مع التبريزي دورا مهما في الشرح، إذ نجد مواضع عديدة استخدمه فيها كوسيلة للشرح والإبانة عن المعنى:
ـ قال عند قول أبي تمام:
فَكَم لي مِن هَواءٍ فيكِ صافٍ ... غَذِيٍّ جَوُّهُ وَهَوًى وَبِيِّ [بحر الوافر]
((... ومن روى ((عَذِيٍّ)) بالعين غير معجمة؛ فإنه يأخذه من الأرض العَذِية، وهي الأرض طيبة التراب. إلا أن التشديد في ((العَذِيِّ)) و ((العَذِيِّة)) غير مستعمل، والقياس يجيزه؛ ((فَعِلا)) و ((فَعِيلا)) يشتركان كثيرا، كقولهم: سَقِمٌ وسَقِيم، وجَرِحٌ وجَريح)) (١).
ـ قال عند قول أبي تمام:
تُعطيكَ مَنطِقَها فَتَعلَمُ أَنَّهُ ... لِجَنى عُذوبَتِهِ يَمُرُّ بِثَغرِها [بحر الكامل]
((استعمل ((المنطق)) في معنى النطق على المجاز، ولوحمل على القياس لوجب أن يكون المنطق موضع النطق؛ أي: الفم)) (٢).
ونلمح في النص السابق ثَمَّ موضع التقاءٍ يجتمع فيه القياس والاشتقاق، هو معنى القياس على المشتق؛ فحمل منطق على القياس مثلا، يعني حمله على ما ينبغي أن يكون عليه اشتقاق اسم المكان من مادته.
ـ وقال: ((يقال: أغث الحديثُ؛ إذا صار غثا، والقياس لا يمنع أن يقال: غث يَغث)) (٣).
ـ قال عند قول أبي تمام:
كَأَنَّ عَلَيها الدَّمعَ ضَربَةَ لازِبٍ ... إِذا ما حَمامُ الأَيكِ في الأَيكِ غَنَّتِ [بحر الطويل]
стр. 101
((الأيك: الشجر الملتف، وأكثر ما يقولون غنى الحمام، والتأنيث جائز في كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، مثل: نخل ونخلة، وتمر وتمرة)) (١).
ـ قال عند قول أبي تمام:
وَإِن بَكَرَت في ظُعنِهِم وَحُدوجِهِم ... زَيانِبُ مِن أَحبابِنا وَعَواتِكُ [بحر الطويل]
((الزيانب: جمع زينب، هكذا يوجب القياس، فأما الشعر القديم فقلما يوجد فيه الزيانب)) (٢).
وقد لعب القياس عند التبريزي دورا في بيان مدى خروج أبي تمام على المألوف، أواستخدامه لأساليب رديئة:
ـ قال عند قول أبي تمام:
سَقاهُم كَما أَسقاهُمُ في لَظى الوَغى ... بِبيضِ صَفيحِ الهِندِ وَالسُّمُرِ الذُّبلِ [بحر الطويل]
((وحرك ((السُّمْر)).، والقياس تسكينها، ولكنه شبه الجمع بالواحد؛ فثقل الميم، كما يقال: الثُّكُل والثُّكْل و ((الذُّبل)) جمع ((ذَبُول))؛ لأن ((فعُولا)) بابه أن يجمع على
((فُعْل))، وجمع ((فاعل)) على هذا المثال قليل؛ فكان حمله على ((فَعُول)) أوجب)) (٣).
وجاء في شرح شافية ابن الحاجب لركن الدين الاستراباذي تعليقا على قول ابن الحاجب في جموع التكسير عند قوله: ((وما زيادته مدة ثالثة في الاسم)) قوله:
((وإن كانت تلك المدة واوا، نحو: فَعُول، يجمع على: فُعُل بضم الفاء والعين غالبا كـ ((صَبُور وصُبُر)))) (٤). وقد يدخل كلام التبريزي هنا في أن ((فعُولا)) بابه أن يجمع على ((فُعْل)) بسكون العين في الاستثناء الذي وضعه ركن الدين.
стр. 102
ـ قال عند قول أبي تمام:
غَيثٌ حَوى كَرَمَ الطَّبائِعِ دَهرَهُ ... وَالغَيثُ يَكرُمُ مَرَّةً وَيَلومُ [بحر الكامل]
((عادة العرب إذا خففوا الهمزة في مثل: ((يلؤُم)) أن يلقوا الحركة على اللام، ويحذفوا الهمزة؛ فيقولوا: ((يَلُم)) وفي ((يسأم)) ((يَسَم))، وفي: ينئِم ((يَنِم))، وبعضهم يقولون: يلوم، ويسام وينيم الليث؛ وذلك رديء، قليل في كلامهم)) (١).
وإذا كان القياس لعب دورا في كشف الأساليب الرديئة عند أبي تمام فقد لعب دورا في بيان ((موافقته للأساليب اللغوية)):
ـ قال عند قول أبي تمام:
وَيَجزيكَ بِالحُسنى إِذا كُنتَ مُحسِنًا ... وَيَغتَفِرُ العُظمى إِذا النَّعلُ زَلَّتِ [بحر الطويل]
((هذا مثل يضرب لمن قعد به الدهر وأصابته رزية، وليس ثم نعل، وإنما هوجار مجرى قولهم: ((استقدمت راحلته، وخفت نعامته)))) (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
وَلَيسَ امرُؤٌ يَهديكَ غَيرَ مُذَكَّرٍ ... إِلى كَرَمٍ إِلّا امرُؤٌ ضَلَّ ضُلُّهُ [بحر الطويل]
((يقال: ضَلَّ ضُلَّ الرجل، وضل ضلاله؛ إذا بولغ في وصفه بالضلال، وهو كقولهم: ((جُنَّ جنونه، وجاع جوعه)))) (٣).
القياس الأسلوبي لشعر أبي تمام:
قام التبريزي بما أسميناه عند أبي العلاء بالقياس الأسلوبي، بمعنى أنه اتخذ من الخصائص الأسلوبية لأبي تمام خلفية يقيس عليها استخداما لغويا له، أوـ من خلالها ـ يرد رواية لا تنسجم مع تلك الخصائص.
стр. 103
ـ قال عند قول أبي تمام:
أَإِلى بَني عَبدِ الكَريمِ تَشاوَسَت ... عَيناكَ وَيلَكَ خِلفَ مَن تَتَفَوَّقُ [بحر الكامل]
((استعار ((الخِلْف)) و ((والتفوق)) في هذا الموضع، يقول: هؤلاء رؤساء جِلة؛ فقد أخطأت في تعرضك لهم، كما تقول للرجل إذا سمعته يطعن في قوم: إِثْلَةَ من تَنْحِت، وورقَ أيِّ غُصْنٍ تَحُتُّ. ومن روى ((خَلْف)) بفتح الخاء، فهوبعيد من مذهب الطائي، وله مذهب في القياس)) (١).
ـ قال عند قول أبي تمام:
فَزِعوا إِلى الحَلَقِ المُضاعَفِ وَارتَدوا ... فيها حَديدًا في الشُّؤونِ حَديدا [بحر الكامل]
((هومثل قوله: ((لظننتُ عودك عودا)))) (٢).
...
خروجات أبي تمام الأسلوبية بين القياس والسماع:
نناقش هنا موقف التبريزي من ((الانحرافات الأسلوبية)). وقد سبق أن ناقشنا جزئيةً مماثلة عند أبي العلاء.
وبداية نقول: إن التبريزي يعطي لأبي تمام الحق في ((التصرف في اللغة)) مثله في ذلك مثل بقية الشعراء، وهو بذلك يوافق أستاذه أبا العلاء:
فَما أَبقَيتَ لِلسَّيفِ اليَماني ... شَجًا فيهِم وَلا الرُّمحِ الرُّدَيني [بحر الوافر]
((خفف ياء ((الرديني)) للضرورة، وذلك في القافية كثير. وهم (أي الشعراء) يحذفون الأصول في الفواصل، فما بال الفروع؟)) (٣).
وهويقبل منه ((انحرافه اللغوي)) طالما أن للكلام ((مَسَاغًا)):
стр. 104
كَم قَد دَعَت لَكَ بِالإِخلاصِ مِن مَرَةٍ ... فيهِم وَفَدّاكَ بِالآباءِ مِن رَجُلِ [بحر البسيط]
((.. إذا عَدِمَت ((المرأة)) الألف واللام فالأحسن أن يلزمها ألف الوصل ... ولم يحفل الطائي بذلك إذ كان سائغا في الكلام)) (١).
وكان التبريزي يحاول أن يلتمس ((تبريرا)) لانحرافات أبي تمام الأسلوبية: إما من سماع، أوتأييد بقولٍ لأحد العلماء، أوتوجيه بلاغي:
ـ قال عند قول أبي تمام:
عَنَّت فَأَعرَضَ عَن تَعريضِها أَرَبي ... يا هَذِهِ عُذُري في هَذِهِ النُّكَبِ [بحر البسيط]
((قوله: ((في هذه النُّكَب)) يروي بضم النون وفتح الكاف؛ كأنه جمع نُكْبة مثل ظُلْمَة وظُلَم، ولم يذكروا ((نُكْبة)) بضم النون، وإنما المعروف: ((أصابتهم نكبة))، بفتح النون؛ فإن كان الطائي قد سمعه في شعر؛ فيجوز أن يكون من باب ((نَوْبة ونُوَب، ودَوْلة ودُوَل)))) (٢).
ـ وقال:
قَسَمَ الزَّمانُ رُبوعَها بَينَ الصَّبا ... وَقَبولِها وَدَبورِها أَثلاثا [بحر الكامل]
((قيل في ((القَبول)) إنها الصَّبا، وقال النَّضْر بن شُمَيل: القَبُول: ريح بين الصَّبَا والجَنُوب، وقال ابن الأعرابي: القَبُول: كل ريح لينة طيبة المس تقبلها النفس؛ فليس للرد على أبي تمام وجه)) (٣).
ـ وقال:
فَما أَبقَيتَ لِلسَيفِ اليَماني ... شَجاً فيهِم وَلا الرُمحِ الرُدَيني
وَقائِعُ أَشرَقَت مِنهُنَّ جَمعٌ ... إِلى خَيفَي مِنًى فَالمَوقِفَينِ [بحر الوافر]
стр. 105
((وثنى ((الخَيْف)) وهوما ارتفع من المسيل، وانحدر عن الجبل؛ لأنه أراد إقامة الوزن، وذلك جائز على معنى الاتساع؛ وإنما يجئ في الشعر القديم خيفُ مِنًى)) (١).
فإذا لم يجد ((مبررا)) فإن يكتفي بذكر ((الانحراف الأسلوبي)) بدون تعليق منه:
ـ قال عند قول أبي تمام:
نَقولُ إِن قُلتُمُ لا لا مُسَلَّمَةً ... لِأَمرِكُم وَنَعَم إِن قُلتُم نَعَما [بحر البسيط]
((... ((لا))، ((نعم)) يُحكيان، وهما ينوبان عن جملتين .... والغالب عليها ألا يدركهما إعراب، وقد أعرب الطائي ((نعم)) في هذا البيت .. ونصب الطائيُّ ((نعم)) في القافية؛ لأنه أخرجها من بابها، وجعلها مفعولة للقول)) (٢).
ـ وقال:
سَقاهُم كَما أَسقاهُمُ في لَظى الوَغى ... بِبيضِ صَفيحِ الهِندِ وَالسُّمُرِ الذُّبلِ [بحر الطويل]
((.. وحرك ((السُّمْر))، والقياس تسكينها، ولكنه شبه الجمع بالواحد؛ فثقَّل الميم، كما يقال: الثُّكُل والثُّكْل و ((الذُّبل)) جمع ((ذَبُول))؛ لأن ((فَعُولا)) بابه أن يجمع على ((فُعُل))، وجمع ((فاعل)) على هذا المثال قليل؛ فكان حمله على ((فَعُول)) أوجب)) (٣).
وكان لا ينتقد أبا تمام إلا نادرا:
ـ قال:
أَيُّ كَريمٍ يَرضى بِشَتمِ بَني ... عَبدِ الكَريمِ الجَحاجِحِ النُّجُبِ [بحر المنسرح]
((الجَحَاجِح: جمع جَحْجَاح، وهوالسيد، يقال في جمعه: جَحَاجِحة، والقياس أن تُثْبِت فيه الياء)) (٤).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
стр. 106
الشَّرقُ غَربٌ حينَ تَلحَظُ قَصدَهُ ... وَمَخالِفُ اليَمَنِ القَصِيِّ شَآمُ [بحر الكامل]
((... وقد تردد مجيء ((الشآم)) في شعر الطائي على ((فَعال))، وقد جاء ذلك في الشعر القديم إلا أنه شاذ)) (١).
****
الإجماع، ونظرية العامل عند التبريزي:
نجد في لمحة سريعة ما يفيد وعي التبريزي بـ ((الإجماع))، وإن لم يستخدم هذا الاصطلاح صراحة:
ـ قال:
شَتّانَ بَينَهُما في كُلِّ نازِلَةٍ ... نَهجُ القَضاءِ مُبينٌ فيهِما جَدَدُ [بحر البسيط]
((وأهل اللغة يحكون أن الاختيار ((شتان زيدٌ وعمرو))، ويكرهون: ((شتان ما بينهما))، وإذا كرهوا: ((شتان ما بينهما)) فهم ((لشتان بينها)) أكره)) (٢).
ـ وقال: ((... وواحدُ ((الشمائل: شمال))، والنحويون يذهبون إلى أن ((شِمالا)) يكون واحدًا وجمعًا)) (٣).
ونلمح وجود وعي للتبريزي بـ ((نظرية العامل)) في بعض المواقع القليلة:
وَأَينَ بِوَجهِ الحَزمِ عَنهُ وَإِنَّما ... مَرائي الأُمورِ المُشكِلاتِ تَجارِبُه [بحر الطويل]
((يقول أين يُعدَل عنه بوجه الحزم؟ وتضمر الفعل، أي كيف يبهم عليه وجه الرأي)) (٤).
وقال:
لَمّا استَحَرَّ الوَداعُ المَحضُ وَانصَرَمَت ... أَواخِرُ الصَّبرِ إِلّا كاظِمًا وَجِما [بحر البسيط]
стр. 107
((... و ((وجَمَ)) على هذا الوجه منصوب بوقوع الفعل عليه، والذي عَمِلَ فيه اسم الفاعل، وهوكاظم)) (١).
...
المذهب النحوي للتبريزي:
باستقراء شرح التبريزي يمكن أن نقول: إنه كأستاذه لم يكن ينتمي للمدرسة ((البصرية)) أو ((الكوفية))، ودليل ذلك أنه عند مناقشته لقضية ((نحوية)) أو ((صرفية)) يصدرها بقوله: ((والنحويون)) أو ((وأصحاب النحو)):
ـ ((والنحويون يذهبون إلى أن ((شِمالا)) يكون واحدًا وجمعًا)) (٢).
ـ ((وأصحاب النحو يختلفون في اشتقاق ((الإنسان)))) (٣).
وفي بعض الأحيان عند بسطه لقضية نحوية أوصرفية يذكر رأي البصريين ورأي الكوفيين، ولا يرجح رأيا على رأي:
ـ قال عند قول أبي تمام:
نِعَمٌ إِذا رُعِيَت بِشُكرٍ لَم تَزَل ... نِعَمًا وَإِن لَم تُرعَ فَهيَ مَصائِبُ [بحر الكامل]
((قياس النحويين البصريين يُوجِب ألا تهمز ((المصايب))، وأن يقال: ((مصاوِب)) بالواو؛ لأنها من صاب يصوب، وقد حكي بعضُ العلماء ((مَصَاوب)) و ((مصايب)) بالواووالياء. وقال قوم يقال: صاب السهم يصيب، وإذا أخذ من ذلك جاز أن يكون من قولهم مصايب بالياء، ويكون من باب ((مَعايش))، إلا أن الكوفيين يسهلون الهمز في مثل هذا الموضع على التشبيه، ويجعلون الأصلي كالزائد، ويُشبهونه بـ ((صحايف))، وقد قالوا: مزادة ومزايد، والمزادة الغالب عليها أن تكون من الزاد، والزادُ من ذوات الواولقولهم: زودتُ الرجل، وقالوا: مزود؛ لأنه يكون فيه الزاد، فإن كانت
стр. 108
المزادة من الزاد فهي من ذوات الواووقد جُمِعَت بالياء، وقد يمكن أن يدعي لها أنها من زاد يزيد، كأنها زيادة على الزاد الذي يؤكل؛ لأن أكثر ما يُستَعمل الزادُ في المأكول)) (١).
المبحث الرابع: الأصول النحوية بين أبي العلاء والتبريزي
اعتمد أبو العلاء والتبريزي على السماع والقياس بدرجة كبيرة في شرح الديوان. وكان الاعتماد على السماع له النصيب الأكبر في هذا الشرح، خاصة عند التبريزي.
ودائرة السماع التي تحرك فيها الرجلان واسعة ممتدة من العصر الجاهلي حتي عصرهما.
واللغة عندهما ـ كما سنبين في الباب التالي ـ تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ((اللغة العالية (٢)، أولغة أهل العلم))، والقسم الثاني: ((اللغة العامية)). وكان القسم الأول هوالذي تحركت فيه ((دائرة السماع)) عندهما ذهابا وإيابا، من العصر الجاهلي إلى عصرهما، بداية القرن السادس الهجري.
ولم يحدد أبوالعلاء ولا التبريزي ((فترة زمنية محددة بشكل مؤكد وحاسم)) (٣) يردان إليها ((سماعهما))، أو ((قياسهما))، بل اللغة على طول هذا الامتداد الزمني هي لغة ((مقبولة)).
إذن فكرة ((تحديد زمان ومكان معينين للاحتجاج اللغوي)) لم تكن مؤكدة تماما عند أبي العلاء والتبريزي؛ إذ نجد لديهما استشهادات لغوية شعرية لشعراء بعد عام
стр. 109
١٥٠هـ. ولكنها كانت استشهادات قليلة (١)، فمعظم الاستشهادات الشعرية لشعراء كانوا قبل عام ١٥٠هـ.
لقد لقيت فكرة تحديد نُطُق معينة للاحتجاج ((احترامًا كبيرا تمثَّل في الاعتراف بها، والأخذ في تحديد طبقات الشعراء وغيرهم بها، كما تمثل في التزام علماء اللغة بها إلى درجة كبيرة من حيث تجنب الاحتجاج بكلام المولدين)) (٢).
وكان من تبعات هذا التحديد الزماني والمكاني أن ((حُرِم النحو من صور رفيعة من التركيب اللغوي كانت دراستها أجدى على العربية ولاشك من تلك الآراء والنوادر التي شُغلوا بالتقاطها. وكان جل قيمتها أن تمثل شواذ أواستثناءات وتفريعات تضفي على القواعد النحوية بظلال كثيفة من الاضطراب والتهويش)) (٣).
أما جانب اللغة فقد كان الأمر أفدح؛ إذ إن اللغويين ((أخذوا بتلك المعايير بصورة شبه كاملة أيضا؛ إذ أعرضوا عن نتاج مئات ومئات من الشعراء والناثرين ذوي الحس العربي الأصيل؛ فحرموا اللغة من ثروة من الإضافات في المفردات والتعبيرات لا يمكن جمعها الآن إلا بجهود كثيرة متضافرة قد لا تتيسر)) (٤).
стр. 110
إن ((الوقوف عند مفردات وتراكيب وعبارات لغوية بعينها ورفض الزيادة عليها كَمًّا، ورفض ما قد تتطور إليه دلالة بعضها أمرٌ مخالف لطبيعة اللغة ووظيفتها في الامتزاج بخواطر العقل وسبحاته وأفكاره، وفي بلورتها والتعبير عنها. بالإضافة إلى ما في هذا الرفض من خسارة تتمثل في حرمان اللغة من صياغات جديدة ومن التعبير عن معانٍ جديدة)) (١).
إن أبا العلاء والتبريزي يريدان الإشارة ـ ولوعلى استحياء ـ لفتح زمن الاحتجاج اللغوي، فهذا هوالأولى لطبيعة اللغة.
ولا ننسى هنا أن نشير إلى أن التبريزي أقر استخدام المحدثين للغة، سواء كانوا شعراء أم ناثرين، دون نكير (٢).
أما القياس فقد كان له دور إيجابي عندهما؛ فقد كان طريقهما لتبرير كثير من خروجات أبي تمام الأسلوبية. وهما بذلك يشيران إلى دور مهم يمكن أن يلعبه القياس في إثراء اللغة بتراكيب جديدة من ابتكار الشعراء.
*****