← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13595

شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية

إيهاب سلامة

Полный текст (454 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الشَّرقُ غَربٌ حينَ تَلحَظُ قَصدَهُ ... وَمَخالِفُ اليَمَنِ القَصِيِّ شَآمُ [بحر الكامل] ((... وقد تردد مجيء ((الشآم)) في شعر الطائي على ((فَعال))، وقد جاء ذلك في الشعر القديم إلا أنه شاذ)) (١). **** الإجماع، ونظرية العامل عند التبريزي: نجد في لمحة سريعة ما يفيد وعي التبريزي بـ ((الإجماع))، وإن لم يستخدم هذا الاصطلاح صراحة: ـ قال: شَتّانَ بَينَهُما في كُلِّ نازِلَةٍ ... نَهجُ القَضاءِ مُبينٌ فيهِما جَدَدُ [بحر البسيط] ((وأهل اللغة يحكون أن الاختيار ((شتان زيدٌ وعمرو))، ويكرهون: ((شتان ما بينهما))، وإذا كرهوا: ((شتان ما بينهما)) فهم ((لشتان بينها)) أكره)) (٢). ـ وقال: ((... وواحدُ ((الشمائل: شمال))، والنحويون يذهبون إلى أن ((شِمالا)) يكون واحدًا وجمعًا)) (٣). ونلمح وجود وعي للتبريزي بـ ((نظرية العامل)) في بعض المواقع القليلة: وَأَينَ بِوَجهِ الحَزمِ عَنهُ وَإِنَّما ... مَرائي الأُمورِ المُشكِلاتِ تَجارِبُه [بحر الطويل] ((يقول أين يُعدَل عنه بوجه الحزم؟ وتضمر الفعل، أي كيف يبهم عليه وجه الرأي)) (٤). وقال: لَمّا استَحَرَّ الوَداعُ المَحضُ وَانصَرَمَت ... أَواخِرُ الصَّبرِ إِلّا كاظِمًا وَجِما [بحر البسيط]

стр. 107

((... و ((وجَمَ)) على هذا الوجه منصوب بوقوع الفعل عليه، والذي عَمِلَ فيه اسم الفاعل، وهوكاظم)) (١). ... المذهب النحوي للتبريزي: باستقراء شرح التبريزي يمكن أن نقول: إنه كأستاذه لم يكن ينتمي للمدرسة ((البصرية)) أو ((الكوفية))، ودليل ذلك أنه عند مناقشته لقضية ((نحوية)) أو ((صرفية)) يصدرها بقوله: ((والنحويون)) أو ((وأصحاب النحو)): ـ ((والنحويون يذهبون إلى أن ((شِمالا)) يكون واحدًا وجمعًا)) (٢). ـ ((وأصحاب النحو يختلفون في اشتقاق ((الإنسان)))) (٣). وفي بعض الأحيان عند بسطه لقضية نحوية أوصرفية يذكر رأي البصريين ورأي الكوفيين، ولا يرجح رأيا على رأي: ـ قال عند قول أبي تمام: نِعَمٌ إِذا رُعِيَت بِشُكرٍ لَم تَزَل ... نِعَمًا وَإِن لَم تُرعَ فَهيَ مَصائِبُ [بحر الكامل] ((قياس النحويين البصريين يُوجِب ألا تهمز ((المصايب))، وأن يقال: ((مصاوِب)) بالواو؛ لأنها من صاب يصوب، وقد حكي بعضُ العلماء ((مَصَاوب)) و ((مصايب)) بالواووالياء. وقال قوم يقال: صاب السهم يصيب، وإذا أخذ من ذلك جاز أن يكون من قولهم مصايب بالياء، ويكون من باب ((مَعايش))، إلا أن الكوفيين يسهلون الهمز في مثل هذا الموضع على التشبيه، ويجعلون الأصلي كالزائد، ويُشبهونه بـ ((صحايف))، وقد قالوا: مزادة ومزايد، والمزادة الغالب عليها أن تكون من الزاد، والزادُ من ذوات الواولقولهم: زودتُ الرجل، وقالوا: مزود؛ لأنه يكون فيه الزاد، فإن كانت

стр. 108

المزادة من الزاد فهي من ذوات الواووقد جُمِعَت بالياء، وقد يمكن أن يدعي لها أنها من زاد يزيد، كأنها زيادة على الزاد الذي يؤكل؛ لأن أكثر ما يُستَعمل الزادُ في المأكول)) (١). المبحث الرابع: الأصول النحوية بين أبي العلاء والتبريزي اعتمد أبو العلاء والتبريزي على السماع والقياس بدرجة كبيرة في شرح الديوان. وكان الاعتماد على السماع له النصيب الأكبر في هذا الشرح، خاصة عند التبريزي. ودائرة السماع التي تحرك فيها الرجلان واسعة ممتدة من العصر الجاهلي حتي عصرهما. واللغة عندهما ـ كما سنبين في الباب التالي ـ تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ((اللغة العالية (٢)، أولغة أهل العلم))، والقسم الثاني: ((اللغة العامية)). وكان القسم الأول هوالذي تحركت فيه ((دائرة السماع)) عندهما ذهابا وإيابا، من العصر الجاهلي إلى عصرهما، بداية القرن السادس الهجري. ولم يحدد أبوالعلاء ولا التبريزي ((فترة زمنية محددة بشكل مؤكد وحاسم)) (٣) يردان إليها ((سماعهما))، أو ((قياسهما))، بل اللغة على طول هذا الامتداد الزمني هي لغة ((مقبولة)). إذن فكرة ((تحديد زمان ومكان معينين للاحتجاج اللغوي)) لم تكن مؤكدة تماما عند أبي العلاء والتبريزي؛ إذ نجد لديهما استشهادات لغوية شعرية لشعراء بعد عام

стр. 109

١٥٠هـ. ولكنها كانت استشهادات قليلة (١)، فمعظم الاستشهادات الشعرية لشعراء كانوا قبل عام ١٥٠هـ. لقد لقيت فكرة تحديد نُطُق معينة للاحتجاج ((احترامًا كبيرا تمثَّل في الاعتراف بها، والأخذ في تحديد طبقات الشعراء وغيرهم بها، كما تمثل في التزام علماء اللغة بها إلى درجة كبيرة من حيث تجنب الاحتجاج بكلام المولدين)) (٢). وكان من تبعات هذا التحديد الزماني والمكاني أن ((حُرِم النحو من صور رفيعة من التركيب اللغوي كانت دراستها أجدى على العربية ولاشك من تلك الآراء والنوادر التي شُغلوا بالتقاطها. وكان جل قيمتها أن تمثل شواذ أواستثناءات وتفريعات تضفي على القواعد النحوية بظلال كثيفة من الاضطراب والتهويش)) (٣). أما جانب اللغة فقد كان الأمر أفدح؛ إذ إن اللغويين ((أخذوا بتلك المعايير بصورة شبه كاملة أيضا؛ إذ أعرضوا عن نتاج مئات ومئات من الشعراء والناثرين ذوي الحس العربي الأصيل؛ فحرموا اللغة من ثروة من الإضافات في المفردات والتعبيرات لا يمكن جمعها الآن إلا بجهود كثيرة متضافرة قد لا تتيسر)) (٤).

стр. 110

إن ((الوقوف عند مفردات وتراكيب وعبارات لغوية بعينها ورفض الزيادة عليها كَمًّا، ورفض ما قد تتطور إليه دلالة بعضها أمرٌ مخالف لطبيعة اللغة ووظيفتها في الامتزاج بخواطر العقل وسبحاته وأفكاره، وفي بلورتها والتعبير عنها. بالإضافة إلى ما في هذا الرفض من خسارة تتمثل في حرمان اللغة من صياغات جديدة ومن التعبير عن معانٍ جديدة)) (١). إن أبا العلاء والتبريزي يريدان الإشارة ـ ولوعلى استحياء ـ لفتح زمن الاحتجاج اللغوي، فهذا هوالأولى لطبيعة اللغة. ولا ننسى هنا أن نشير إلى أن التبريزي أقر استخدام المحدثين للغة، سواء كانوا شعراء أم ناثرين، دون نكير (٢). أما القياس فقد كان له دور إيجابي عندهما؛ فقد كان طريقهما لتبرير كثير من خروجات أبي تمام الأسلوبية. وهما بذلك يشيران إلى دور مهم يمكن أن يلعبه القياس في إثراء اللغة بتراكيب جديدة من ابتكار الشعراء. *****

стр. 111

الفصل الثاني الدراسة الصرفية والنحوية لشرحي أبي العلاء والتبريزي ويضم المباحث التالية: - المبحث الأول: الدراسة الصرفية لشرح أبي العلاء. - المبحث الثاني: الدراسة الصرفية لشرح التبريزي. - المبحث الثالث: دراسة المادة النحوية في شرح أبي العلاء. - المبحث الرابع: دراسة المادة النحوية في شرح التبريزي. - المبحث الخامس: الموازنة بين المادة الصرفية والنحوية عند أبي العلاء والتبريزي.

стр. 112

المبحث الأول الدراسة الصرفية لشرح أبي العلاء تناثرت آراء صرفية متعددة لأبي العلاء في ثنايا شرحه على ديوان أبي تمام، ولدراسة هذه الآراء توجَّب على الباحث جمعُها وتصنيفها ومعالجة كل تصنيف على حدة. وقد قسم الباحث هذه الآراء الصرفية إلى مجموعتين رئيسيتين: (١) الأولى: تتعلق بكل ما قاله عن الاشتقاق، وما قاله متعلقا بالبنى والأوزان. (٢) الثانية: كل ما كان متعلقا بالحرف صوتا وإعلالا وإبدلا وغيره. ـ المجموعة الأولى: دراسة الآراء الصرفية المتعلقة بالاشتقاق (١) والبنى الصرفية عند أبي العلاء: • التعمق في اللغة وفوائده: إن أول انطباع يتولد لدى الباحث بعد جمعه للآراء الصرفية المتناثرة لأبي العلاء هو أن لغويينا القدماء ـ ومنهم أبوالعلاء ـ وقفوا أمام كل لفظة من ألفاظ اللغة دراسة وفهما وتحليلا ومعرفة لأصلها الذي اشتقت منه، وأنهم لم يألوا جهدا، ولم يدخروا وسعا في هذه الدراسة (٢). ونشعر أنه من خلال تعمق أبي العلاء واللغويين في اللغة، ودراستهم لألفاظها ((ترسبت)) في أذهانهم ((الأبنية)) المختلفة التي يمكن أن تأتي فيها هذه الألفاظ. وأن كل لفظة يمكن أن تُرد إلى ((بناء)) معلوم ومحدد في ذواكرهم.

стр. 113

وقد قامت هذه ((المعرفةُ السابقةُ بالبنى الموجودة في اللغة عند أبي العلاء)) بعدة وظائف، منها التالي: ١ـ معرفة الألفاظ ذوات ((البنى المستنكرة)): قال أبوالعلاء: ((.. و ((الأَنْدَلُس)) بناء مستنكر إن فتحت الدال وإن ضمت. وإذا حملت على قياس التصريف، وأجريت مجرى غيرها من العربي فوزنها ((فَعْلَلُل)) (١) ، وهذا بناء مستنكر، ليس في كلامهم مثل: سَفْرَجَل ولا سَفْرَجُل)) (٢). ٢ـ من خلال معرفة أبي العلاء بهذه ((الأبنية)) ومعرفة ((المستعمل)) منها و ((غير المستعمل)) قام بتوجيه ((البنى)) التي قد تبدو شاذة وغريبة عند أبي تمام. قال أبوالعلاءعند قول أبي تمام: بِالقائِمِ الثامِنِ المُستَخلَفِ اِطَّأَدَت قَواعِدُ المُلكِ مُمتَدًّا لَها الطِّوَلُ [بحر البسيط] ((ينبغي أن يكون اشتقاق ((اطّأَدَتْ)) من ((الطَّوْد))، بني على ((افتَعَلت)) من ذلك، فقيل: ((اطَّأدَت)) ثم همزت للضرورة؛ لأن تاء ((الافتعال)) إذا كان قبلها طاء قلبت إليها، وليس في كلامهم ((الطَّاد)) بالهمز، وإنما قالوا: وطد، ولوبُنى ((افتعل)) من وَطَدَ لقيل: ((اتَّطَدَ)) ... ولوبُنِى ((افتعل)) من الطادي لقيل ((اطَّدَى))، ويجوز أن يكون الطائي سمع ((اطأد)) في شعر قديم فاستعمله)) (٣). ٣ـ وكانت أيضا بمثابة ((قواعد محكمة)) تُوجِبُ أن يكون أيُّ اشتقاق للفظةٍ محكوما ومقيدا بما هوموجود ومسموع من البنى والأوزان الصرفية التي سمعت عن العرب، كما أنها كانت وسيلة لمعرفة العربي من الألفاظ من غير العربي.

стр. 114

ـ قال أبوالعلاء: ((والإسكندر اسم ليس بعربي، ولو وافق ألفاظ العرب لوجب أن يكون اشتقاقه من ((سين وكاف ودال وراء)). وتكون الهمزة في أوله والنون زائدتين، ويجعل من باب ((احرنجم)) على المقاربة)) (١). ـ دراسة اشتقاق الكلمة وسيلة لفهم معناها: في مواضع كثيرة من شرح أبي العلاء كان ينبه على اشتقاق الكلمة التي يشرحها. وكان هذا الأمر ـ بلا جدال ـ وسيلة من الوسائل التي يتخذها لتوضيح ((معنى الكلمة))، والوقوف على ((دلالتها الدقيقة)). ـ قال عند قول أبي تمام: وَإِذ طَيرُ الحَوادِثِ في رُباها ... سَواكِنُ وَهيَ غَنّاءُ المَرادِ [بحر الوافر] ((... وسواكن من السكون، لا من السكنى التي هي الإقامة في الموضع)) (٢). ـ قال عند قول أبي تمام: لَن يَعدَمَ المَجدَ مَن كانَت أَوائِلُهُ ... مِن آلِ كِسرى البَهاليلُ المَراجيحُ [بحر البسيط] ((البهاليل: جمع بهلول (...) والاشتقاق يدل على أن البهلول الذي أبهل وشأنه، لا يعترض عليه)) (٣). وقد نبه العلامة ابن جني إلى أهمية البحث الاشتقاقي للكلمة للوقوف على المعنى الدقيق لها، فقد عقد بابا أسماه ((باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية))، قال فيه: ((نعم, وقد يعرض هذا التداخل في صنعة الشاعر فيرى أو يُرِي أنه قد جنَّس وليس في الحقيقة تجنيسًا وذلك كقول القطامي: . ... مستحقبين فؤادًا ما له فاد [بحر البسيط]

стр. 115

ففؤاد من لفظ ((ف أد))، وفادٍ من تركيب ((ف د ى)) , لكنهما لما تقاربا هذا التقارب دَنَوَا من التجنيس. وعليه قول الحِمْصِيّ [عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن]: وتسويف العِدات من السوافي [بحر الوافر] فظاهر هذا يكاد لا يشك أكثر الناس أنه مجنس, وليس هو كذلك، وذلك أن تركيب تسويف من: س وف، وتركيب السوافي من س ف ي، لكن لما وجد في كل واحد من الكلمتين سين وفاء وواو, جرى في بادي السمع مجرى الجنس الواحد)) (١). ومن الباحثين المعاصرين من أشار إلى نفس هذه الفكرة فقال: ((إن العودة إلى الجذر الأصلي root للكلمة قد يساعد إلى حد كبير في الكشف عن معالمها ومعرفة الجذر تتصل اتصالا وثيقا بالاشتقاق وطرقه في اللغة)) (٢). والمعجميون ((يجعلون حروف هذا الجذر مدخلا Entry form إلى شرح معاني ودلالات الكلمات التي ترجع إلى جذر أو أصل واحد ثابت، هو في الحقيقة يشكل البنية الأساسية)) (٣). إذن كان البحث عن اشتقاق الكلمة وسيلة للوقوف على معناها (٤) (٥).

стр. 116

وإذا كان البحث في اشتقاق الكلمة يحدد معناها، فإنه من جهة أخرى يمكن للمعنى أن يحدد الأصل الذي اشتقت منه الكلمة. قال أبوالعلاء: ((غَيْلانُ بنُ عقبة هوذو الرُّمَّة، واشتقاق غيلان يجوز أن يكون من ((الغَيْل))، وهوالساعد الريان الممتلئ ... وأن يكون من ((الغِيل)) وهوالشجر الملتف، فأما إذا أخذ من ((الغَيْل)) فهو فعلان، وإن أخذ من ((الغِيْل)) جاز أن يكون من ذوات الواو؛ لأن ((الغِيل)) إذا أريد به الشجر الملتف فالغالب عليه أن يكون من غال يغول؛ إذا هلك)) (١). ... ـ اشتقاق الفعل من الاسم الجامد: المشتق: هو ((ما أخذ من غيره، ودل على ذات مع ملاحظة صفة، كعالم وظريف)) (٢). ونقل السيوطي عن شرح التسهيل: ((الاشتقاق أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما معنى وصيغة أصلية، وهيئة تركيب لها؛ ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة لأجلها اختلفا حروفا وهيئة)) (٣). ويُقِرُّ الصرفيون أن الاشتقاق يكون من ((أسماء الأجناس المعنوية كفهم من الفهم، ونصر من النصر)) (٤). و ((ندر الاشتقاق من أسماء الأجناس المحسوسة؛ كأورقت الأشجار، وأسبعت الأرض: من الورق والسبُع. وكعقْربت الصُّدغَ، وفلفلت الطعام ونرجست الدواء: من العقرب، والنرجس والفلفل)) (٥). قال السيوطي: ((اشتقاق العرب من الجواهر قليل جدا، والأكثر من المصادر)) (٦).

стр. 117

هذه هي حال معظم الصرفيين من الاشتقاق من الاسم الجامد إلا أننا نجد أبا العلاء (١) يقر هذا الأمر بلا غضاضة، وبلا نكير. قال عند قول أبي تمام: حَضرَمتُ دَهري وَأَشكالي لَكُم وَبِكُم ... حَتّى بَقيتُ كَأَنّي لَستُ مِن أُدَدِ [بحر البسيط] ((.. ((حضرمتُ دهري))؛ أي: جعلته بحضرموت. فكأنه اجترأ على بنية هذه الكلمة لما كانت العرب تقول: رجل حضرمي؛ إذا نسبوه إلى حضرموت؛ فبني الفعل على ذلك، وهذا كما يقال: ((مَضَّرتُ فلانا))؛ إذا نسبته إلى مُضَر، و ((قيَّسته))؛ إذا نسبته إلى قيس)) (٢). ـ قال عند قول أبي تمام: جَلَّيتَ وَالمَوتُ مُبدٍ حُرَّ صَفحَتِهِ ... وَقَد تَفَرعَنَ في أَوصالِهِ الأَجَلُ [بحر البسيط]

стр. 118

((تفرعن كلمة ليست بالعربية المحضة، وذلك أنهم لما كانوا يسمون الجبابرة الفراعنة، تشبيها بفرعون موسى؛ حملت الكلمة على ذلك؛ فقيل: تفرعن؛ أي: صار كأنه من الفراعنة)) (١). ويوافق أبا العلاء في إمكانية الاشتقاق من أسماء الأعيان ابنُ جني إذ يقول في بعض أقواله: ((وكأن ذوات الخمسة وإن لم يكن فيها فِعل؛ فإن دخول التحقير والتكسير فيها كالعوض من منع الفعلية فيها، ألا ترى أنك تقول في تحقير سفرجل: سُفَيْرج، وفي تكسيره سَفارج، فجرى هذان مجرى قولك: يُسَفْرجُ سفرجة، فهو مُسَفْرِج، وإن كان هذا لا يقال فإنه لو اشتق منه فعل لكانت هذه طريقته)) (٢). بل إنه يشير إلى جواز الاشتقاق من الحرف كـ ((اشتقاق قوَّف من القاف، وكوَّف من الكاف ودوَّل من الدال)) (٣). وهذا الاشتقاق وافق عليه مجمع اللغة العربية لاحقا؛ إذ قرر ((يشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب الثلاثي على وزن ((فعَّل)) بالتشديد متعديا، ولازمه ((تَفَعَّل)). ويشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب غير الثلاثي على وزن ((فَعْلل))، ولازمه ((تَفَعْلل)))) (٤). وفي بحث قيم للأستاذ محمد خليفة التونسي بعنوان: ((الاشتقاق من الكلمات العربية والمعربة))، ناقش فيه موضوع الاشتقاق من الاسم الجامد، وذكر أمثلة لهذا الاشتقاق مثل: بَسْتَر، بلور، جبس (...) يجيب عن سؤال مهم، وهو: ما الذي يحذف عند اشتقاق الفعل من الاسم الجامد؟ ويجيب قائلا: ((إذا رجعنا إلى حروف الزيادة في الكلمات العربية الأصل ومشتقاتها وجدنا أن هذه الحروف عشرة وإذا رجعنا إلى أصول الكلمات في اللغات ((العروبية السامية)) جميعها ومنها لغتنا العربية

стр. 119

وجدناها ثلاثية الأصول (ولوأن ذلك تم في طور متأخر)، ووجدنا أن العناية فيها تنصب على الحروف الساكنة، وهي التي تراعى في كتابة هذه اللغات جميعا دون الحروف اللينة أوحروف المد (وهي ألف، وواو، وياء)، أوأن العناية بالأولى أشد من العناية بالثانية على الأقل، وهذا عينه ما يحدث في الاشتقاق من الكلمات المعربة، أي حذف الحروف اللينة والإبقاء ما أمكن على ما عداها)) (١). وإذا كان مجمع اللغة أقر هذا الاشتقاق إلا أنه لا ينبغي أن يجترئ ((على هذا الصوغ والتكثر منه إلا الأديب الطلعة الذي يسبق عصره في ارتياد المجاهيل لاستخراج صيغ غير مستعملة يجيد وضعها في الموضع المناسب من شعره أو نثره، فتجري على الألسن وتستحسنها الطباع)) (٢). ـ بعض معان لصيغ صرفية ذكرها أبوالعلاء: أثناء شرح أبي العلاء للديوان ذكر عرضا بعض معان لصيغ صرفية، نلخصها فيما يلي: (١) تَفَاعَلَ: من معاني هذا الوزن التي ذكرها: ((إظهار الإنسان شيئا ليس من خلقه ولا غريزته)). قال: ((التفاعل يقع من الإنسان إذا أظهر شيئا ليس من خلقه ولا غريزته. يقال: ((تَكَارَمَ)) الإنسان؛ إذا فعل فعلا يوهم أنه كريم. وكذلك قوله: ((تَطَاوَلَ)) أي: أظهر أنه من أهل الطَّوْل؛ أي: الفضل)) (٣).

стр. 120

واسم الفاعل من هذه الصيغة يتضمن أيضا نفس الدلالة. قال عند قول أبي تمام: تَعَفَّينَ مِن زادِ العُفاةِ إِذا انتَحى ... عَلى الحَيِّ صَرفُ الأَزمَةِ المُتَماحِلُ [بحر الطويل] ((... المتماحل الطويل، وليس هومن المحل الذي هو ((جَدْب))؛ لأنهم لم يستعملوا هذا اللفظ في المحل؛ ولأن الغالب على هذا البناء أن يكون لمتظاهر بشيء ليس من أهله، كالمتغافل والمتكارم)) (١). وصاغ ابن الحاجب نفس المعنى الذي ذكره أبو العلاء وهو في معرض حديثه عن معاني صيغة تفاعل بقوله أنه: ((يدل على أن الفاعل أظهر أن أصله حاصل له وهو منتفٍ، نحو: تجاهل، وتغافل)) (٢). (٢) تَفَعَّل: من معاني هذا الوزن التي ذكرها أبوالعلاء: • الإتيان بالفعل. • الوصول إلى المكان أوالإقامة فيه أوالانتساب إلى أهله. قال: ((.. يقال: ((تَكَلَّم))؛ إذا أتى بالكلام، و ((تَعَمَّم))؛ إذا لبس العمامة)) (٣). وقال: ((... ويحتمل أن يكون قوله: ((تَبَطَّحت))؛ أي: حلت بالأبطح، كما يقال: ((تَبَصَّر))؛ إذا أتي البصرة، أوأقام بها أوانتسب إلى أهلها)) (٤). وجمع ابن الحاحب معاني صيغة تَفَعَّل، وذكر من بينها المعاني التي قالها أبو العلاء فقال: ((تفعل لمطاوعة فَعَّل، نحو: كسرته فتكسر، وللتكلف، نحو: تشجع،

стр. 121

وتحلم، وللاتخاذ، نحو: توسد، وللتجنب، نحو: تأثم، وتحرج، وللعمل المتكرر في مهلة، نحو: يجرعته، ومنه تفهم، وبمعنى استفعل، نحو: تكبر وتعظم)) (١). (٣) أَفْعَل: من معانيها التي ذكرها: التمكين، الإلجاء والإحواج، الدخول في شيء مكانا كان أوزمانا. قال: ((يقال: أطلبت الرجل؛ إذا بَلَّغْتُه مطلبه، وأطلبته؛ إذا أحوجته إلى أن يطلب)) (٢). وقال: ((يقال أسهلنا؛ إذا وقعنا في السهل، وأوعثنا؛ إذا وقعنا في الوعث، وهي أرص تسُوخ فيها القدم)) (٣). (٤) اِسْتَفْعَلَ: من المعاني التي ذكرها: الصيرورة والتحول والطلب. قال: ((يقال: استنسر البُغَاثُ؛ أي: صار كالنسر ... ويقال: استعطاني فلان؛ أي: طلب عطائي، واستفهمني؛ أي: طلب إفهامي)) (٤).

стр. 122

(٥) الافتعال: الافتعال من الوزن افتعل، ومن معانيه: حدوث الفعل بين شيئين أوأكثر. قال: ((... ولوقيل: ((اصطك الحجر والخشبة))؛ لم يجز الاقتصار على الاسم الأول؛ لأن الافتعال إنما يكون في هذا الباب من اثنين فما زاد)) (١). (٦) فُعُلَّة: من الأبنية التي ذكرها دالة على الكثرة: قال ((الغُضُبَّة: الكثير الغضب)) (٢). وهذا الوزن من ((أوزان صيغ المبالغة غير القياسية، ومن أمثلته أيضا كُذُبَّة)) (٣). (٧) فَاعِل (٤): قال أبوالعلاء: ((وقد يجوز أن يقال: ((خَابِث)) على غير الفعل؛ أي ذو خبث، كما يقال: ((تامر)) و ((لابن)))) (٥). وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: كَم أَسيرٍ مِن سِرِّهِم وَقَتيلٍ ... رادِعِ الثَّوبِ مِن دَمٍ كَالخَلوقِ [بحر الخفيف] ((يجوز أن يكون قوله ((رادع الثوب)) في معنى الملوَّن؛ كأنه قال: رادعٌ ثوبه. ويكون رادع جاريا مجرى ((لابن)) و ((تامر))؛لأن الثوب في الحقيقة هوالمردوع)) (٦).

стр. 123

وتكون هذه الصيغة ((لما كان صاحب شيء من غير مزاولة وكثرة معالجة، فالذي صنعته النَّبْل يقال له: نبَّال، وصاحبُ النبل من غير صنعة ((نَابِل))، وتقول لمن صنعته اللبن والتمر؛ أي: يبيعهما لبَّان وتمَّار، وتقول لصاحب اللبن والتمر من غير صنعة أومزاولة لابنٌ وتامر)) (١). قال سيبويه: ((وأما ما يكون ذا شيء وليس بصنعة يعالجها فإنه مما يكون فاعلا، وذلك قولك لذي الدرع: دارع، ولذي النبل: نابل، ولذي النُّشاب: ناشب، ولذي التمر تامر، ولذي اللبن: لابن)) (٢). ـ أوزان ترد بمعاني أوزان أخرى في بعض الأحيان: - فَعُول في معنى مَفْعُولة: قال ((... رغُوث أي مرضعة، وهي فَعُول في معنى مَفْعُولة)) (٣). - فَعِيل في معنى فَاعِل: قال عند قول أبي تمام يمدح أبا سعيد محمد بن يوسف الثَّغري: في مَكَرٍّ لِلرَّوعِ كُنتَ أَكيلا ... لِلمَنايا في ظِلِّهِ وَشَريبا [بحر الخفيف] ((الأكيل والشريب هاهنا ((فعيل)) بمعنى ((فاعل))، كما تقول: فلان جليس فلان، ومُجَالِسه، وصديقه، ومُصَادقه)) (٤). وإنما كانت أكيل وشريب بمعنى فاعل من حيث كان الممدوح غالبا ظافرا؛ إذ لو كانا بمعنى مُفاعل؛ لكان الممدوح غالبا مرة ومغلوبا مرة، وظافرا مرة ومظفورا به مرة؛ فلم يستقم فيه المدح. وقال: ((مكيث في معنى ماكث)) (٥). - فَعِيل في معنى مفْعول:

стр. 124

((وحبيب الثاني في معنى محبوب)) (١).و ((... ورفيض في معنى مرفوض)) (٢). وصيغة فعيل مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، بـ ((.شرط أن يكون بمعنى مفعول، وذلك فيما عرف به الموصوف نحو: هذا رجل قتيل، وهذه امرأة قتيل)) (٣). ومن علماء اللغة من أبدى على صيغة فعيل بمعنى مفعول بعض الملحوظات الدلالية المهمة الطريفة، فقال: ((فعيل بمعنى مفعول يختلف عن ((مفعول)) في ثلاثة أمور: ١ـ الدلالة على أن الوصف قد وقع على صاحبه على وجه الثبوت أوقريب من الثبوت؛ فأصبح فيه كأنه خِلْقة وطبيعة؛ فيكون فعيل على هذا أبلغ من مفعول في الوصف، فكحيل أبلغ من مكحول، ودهين أبلغ من مدهون، وحميد أبلغ من محمود؛ لأنه أثبت. ٢ـ لا يطلق وصف فعيل إلا إذا اتصف به صاحبه فلا يقال: أسير؛ إلا إذا أُسِر، ولا جريح؛ إلا إذا جرح، في حين أن مفعولا قد يطلق على ما اتصف به صاحبه أولم يتصف بمعنى أنه سيتصف به، فقد تطلق مأسور على مَن لم يؤسر بمعنى أنه

стр. 125

سيؤسر، ومقتول على من لم يقتل؛ بمعنى أنه سيقتل، ونحوه قوله تعالى: چ ? ? ? ? ? چ (١)؛ أي: ستُثْبر وهكذا. ٣ـ أن الوصف بفعيل أشد من مفعول، كما في جريح ومجروح، وكسير ومكسور)) (٢). - فَعِيل في معنى مُفْعَل: قال: ((... ولا يمتنع أن يكون ((فَعِيلا)) في معنى ((مُفْعَل))، مثل: أسلمته؛ فهومُسْلَم وسَلِيم، وأعتقته؛ فهومُعْتَق، وعَتِيق)) (٣). - فَعِيل بمعنى مُفَاعِل: قال عند قول أبي تمام: نَعاءِ نَعاءِ شَقيقَ النَّدى ... إِلَيهِ نَعِيًّا قَليلَ الجَداءِ [بحر المتقارب]. ((شقيق الندى لأنه شق نسبه منه فهوأخوه. وفعيل هاهنا في معنى مُفاعل، كأنه شقيق ومُشاقٍّ، كما يقال جليس ومُجالس، وقعيد ومقاعد)) (٤). وقال أبوالعلاء: ((سُجَرَائِي؛ أي: أصدقائي، واحدهم سجير، ويحتمل أن يكون مأخوذا من السجر الذي هوحنين الإبل ... كأن كل واحد منها يساجر الآخر؛ فصار ((المُفَاعِل)) ((فَعِيلا))، كما يقال: نادم؛ فهومُنَادِم ونَديم)) (٥). - فَعْل (وزن مصدر) في معنى فَاعِل: قال أبوالعلاء: ((طريق لَحْب؛ أي: واضح، وهوفي معنى لاحب)) (٦). والتبادل بين اسم الفاعل والمصدر أمر أشار إليه اللغويون. قال الزمخشري في تفسير كلمة ((غَوْرا)) في قوله تعالى: چ ? ? ? ? ? ? چ [الملك:٣٠]، قال: ((غورا

стр. 126

أي: غائرا ذاهبا في الأرض)) (١).وقال عند قوله تعالى:چ ? ? چ [الحاقة: ٥]: ((... وقيل: الطاغية مصدرٌ كالعافية؛ أي: بطغيانهم)) (٢). وقال في قوله تعالى:چ ? ? ? ? ? ? چ [الحاقة: ٨]: ((من بقية، أومن نفس باقية، أومن بقاء؛ كالطاغية بمعنى الطغيان)) (٣). - فوَاعِل في معنى مفعولات: قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: فَما زِلنَ يَستَشرينَ حَتّى كَأَنَّما ... عَلى أُفُقِ الدُّنيا سُيوفٌ رَوامِضُ [بحر الطويل] ((فكأن روامض في معنى مفعولات. كما قالوا: عيشة راضية في معنى مرضية)) (٤). ـ أوزان صرفية متساوية في المعنى: - فَعَل وأَفْعَل: أشار أبوالعلاء في بعض المواضع إلى أن الصيغتين السابقتين تشتركان في المعنى كثيرا. قال: ((... وقال قوم: خَدَجت وأخْدَجَت سواء، وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فعل وأفعل يشتركان كثيرا)) (٥). وقال: ((أغاض: قليلة في الاستعمال، وإنما يقال: غاض الماءُ (...) ويجوز أن يكون الطائي سمع أغاض في شعر قديم، وإن لم يكن قد سمع فالقياس يطلقه)) (٦).

стр. 127

واستضافة بعض الأوزان الصرفية لمعاني أوزان أخرى، أو القول بتساوي بعض الأوزان الصرفية في دلالتها أمر أشار إليه التبريزي (١)، كما أشار إليه ابن الحاجب وأبو منصور الثعالبي، فقال ابن الحاجب على سبيل المثال: ((استفعل بمعنى فَعَل)) (٢) و ((تفاعل بمعنى فَعَل)) (٣)، ((تَفَعَّلَ بمعنى استفعل)) (٤). وقال الثعالبي: ((تَفَعَّل بمعنى فَعَّل، نحو: تخلصه إذا خلصه)) (٥). وقال: ((افتعل يكون بمعنى فعل، نحو: اشتوى، أي شوى)) (٦). ويمكن أن نجمع ونلخص ما قاله العلماء الأربعة في الجدول التالي: م ... الوزن ... الوزن الذي يساويه في المعنى ... القائل ١ ... فَعُول ... مَفْعُولة ... أبو العلاء ٢ ... فَعِيل ... فَاعِل ... أبو العلاء ٣ ... فَعِيل ... مفعول ... أبو العلاء ٤ ... فَعِيل ... مُفْعَل ... أبو العلاء ٥ ... فَعِيل ... مُفاعل ... أبو العلاء ٦ ... فَعْل (وزن مصدر) ... فَاعِل ... أبو العلاء ٧ ... فَواعِل ... مفعولات ... أبو العلاء ٨ ... فَعَل ... مُفْعَل ... التبريزي ٩ ... فَعَل ... مفعول ... التبريزي ١٠ ... فِعْل ... مفعول ... التبريزي

стр. 128

١١ ... مُفْتَعل (من المضعف) ... فاعِل أو مفعول ... التبريزي ١٢ ... تفاعل ... فَعَل ... ابن الحاجب ١٣ ... تَفَعَّل ... استفعل ... ابن الحاجب ١٤ ... تَفَعَّل ... فَعَّل ... الثعالبي ١٥ ... افتعل ... فَعَلَ ... الثعالبي ١٦ ... استفعل ... فَعَل ... ابن الحاجب وأهم ما يمكن أن نقرأه ونستشفه من هذا الجدول السابق وكلام أبي العلاء قبله أننا أمام ما يمكن أن نسميه بـ ((التداخل الدلالي لمعاني الصيغ الصرفية))، هذا التداخل الدلالي يأخذ بأيدينا إلى الأمور التالية: ١ـ هذا التداخل الدلالي يدل على أن الدلالة ((ناتجة عن تواضع اجتماعي، وهذا التواضع عرضة للتغيير والتطوير؛ ولذا جاز تغير الدلالة لتغير المواضعة وفق ما تمليه الظروف المستجدة في حياة الجماعة اللغوية)) (١). ٢ـ ويدل أيضا ((أنه مهما اتسع مخزون اللغة اللفظي فهي قاصرة عن الوفاء بمطالب التعبير اللغوي في مجال الأفكار المجردة والصور والظلال)) (٢). ٣ـ إمكانية تطوير معاني الأوزان الصرفية لاستيعاب ألفاظ الحضارة، على أن يكون هذا للعلماء المتخصصين. ٤ـ هذا التداخل الدلالي أيضا يعني أنه في الإمكان ظهور دلالات جديدة للأوزان الصرفية. وهذا أمر بدهي ومنطقي: فدلالات الأوزان الصرفية مأخوذة من دلالات الألفاظ التي يمثلها هذا الوزن، وبما أن دلالات الألفاظ متطورة (٣) لأسباب كثيرة؛ فهذا

стр. 129

يعني بالضرورة أن دلالات الأوزان الصرفية متطوره، وهذا يعني بدوره دينامية التطور الدلالي للأوزان الصرفية، مما يعنى أيضا أن البحث يجب أن يكون مستمرا للوقوف على الدلالات الجديدة لهذه الأوزان. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من تطور دلالة البنية الصرفية ما قام به أحد الباحثين المعاصرين الأستاذ محمد خليفة التونسي من تتبع دلالة بنية ((تَفَاعَل)) ووقوفه على بعض الدلالات التي لم تذكرها كتب الصرف، ومنها (١): - أولا التفاعل من واحد: • تكلف الفعل عن اعتقاد به، مثل: تتباهى الفتاة بجمالها، وتتفاخر بنسبها، وتتواجه بثرائها، وتتعاظم بثقافتها، وتتفاصح في كلامها، وتتعالى في معاملتها، وتتمايل في سيرها. • المشابهة، مثل: تكالب على الشهوات؛ أي أشبه الكلب في الحرص عليها، وتذاءبت الريح؛ أي أشبهت الذئب في إقباله من جهة مرة، ومن غيرها أخرى. • حدوث الفعل متتابعا، مثل: تماوج صوت أم كلثوم، وتقاطر المطر، وتناقص الماء بالتبخر، وترادف الرزق، ويتهالك على الدروس، ويتحامل على خصمه، وتقادم العهد، وتنامى الطفل، وتهاوى البناء، وتراجع في سعيه، وتراخت الحملة، وتسارعت الحركة، وتواتر الحديث، وترامى إلينا الخبر، وتمادى الضلال. • الدخول في شيء، أو الميل إليه، مثل: تيامن الطريق، وتياسر في سعيه، وتباشر بالصباح، وتفاءل بالوجوه الحسان، وتشاءم بنعيق البوم، وتكاسل في عمله، وتساهل في حقه.

стр. 130

• طلب الفعل، مثل: تقاضاه الدين؛ أي طلب منه قضاءه، تحاكم الشاعر إلى الناقد؛ أي طلب حكمه، ذهب إلى الطبيب ليتداوى؛ أي يطلب الدواء. • مطاوعة فعل سابق من أي وزن؛ أي التأثر به، مثل: نثرت الحب فتناثر؛ أي انتثر. • القيام بالفعل ابتداء؛ أي دون تأثر بفعل سابق، فهو كالفعل الثلاثي، مثل: تنازل عن حقه؛ أي نزل، وتساءل عن أخيه؛ أي سأل، وتجارأ عليه؛ أي جرأ، وتجاسر عليه؛ أي جسر، وتجاوز الحد؛ أي جاز، وتوانى في العمل؛ أي وني. • اعتقاد صفة الشيء، مثل: أعطيته في الكتاب دينارا فتقاله؛ أي عده قليلا، وتعاظمت الذنب؛ أي عددته عظيما. - ثانيا: تفاعل من اثنين أوجمع: • مجرد التشارك أو الاشتراك في الفعل، مثل: تنادم الرجلان، وتصاحبا، وتجالسا. • التبادل، مثل: تآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر؛ أي: تبادلوا ذلك، فأمر بعضهم بعضا بالمعروف ونهاه عن المنكر، وتتجاذب الكواكب والنجوم، وتعامد الخطان، يتقارضان الثناء، تعارفا بعد أن كانا متناكرين، تقابض المتبايعان ثم تفارقا. • المغالبة في الفعل وهي تشمل التشارك والتبادل بين طرف وآخر مع رغبة كل طرف أن يغلب الآخر، مثل: تفاخر الشاعران، ثم تهاجيا، تبارى الفريقان في الكرة، تتسابق الخيل، يتساقى المتحاربون الموت. ***

стр. 131

ـ علاقات بين صيغ صرفية: - فَعَّال يقل في أفعل: أوضح أبوالعلاء أن أخذ صيغة ((فَعَّال)) من وزن الفعل ((أَفْعَل)) قليلة. قال: ((فَعَّال يقل في أفعل، إلا أنهم قالوا: جبار، وهوعندهم من أجبرته على الأمر؛ إذا أكرهته عليه. وقالوا رجل دراك بالذُّحُول. وهومن أَدْرك، إلا أن هذه الأشياء تحمل على حذف الزوائد)) (١). وأيد هذا السيوطي فقال: ((قال في ديوان الأدب: قليل أن يأتي فَعَّال من أفْعل يُفْعِل , ومنه: الدرّاك؛ للكثير الإدراك. وقال ابن خالويه في كتاب ليس: ليس في كلامهم فَعَّال من أفعل، إلاّ جبَّار من أجْبَر، ودرّاك من أدرك، وسآر من أسأر.)) (٢). - قلما يستعملون في أَفْعَل مُفْتَعِلا: قال أبوالعلاء: ((وأفصح الكلام أن يقال: أرتج الباب؛ إذا أغلقه، وقد حُكي ((رَتَج)) بغير همز، وإذا صح أنهم قالوا: رتج فمُرْتَتِجٌ منه؛ لأنهم قلما يستعملون في أفعل مفتعلا)) (٣). - أوزان متقاربة: من الجائز زيادة الياء في ((فِعْلل)) لتصبح ((فِعْليل))، وفي ((فِنْعِل))؛ لتصبح ((فِنْعيل))؛ لتقارب هذه الصيغ. قال: ((الحِنْدِيس مثل الحِنْدس (٤)؛ وزيادة الياء في مثل هذه المواضع جائزة؛ لأن فِعْللا وفِعْليلا متقاربان، وكذلك فِنْعِل وفِنْعِيل)) (٥). ـ الشرح من خلال الوزن:

стр. 132

من الأمور الطريفة التي كان يقوم بها أبوالعلاء توضيح معنى الكلمة من خلال ذكر وزنها؛ أي أنه يذكر الكلمة ثم يذكر وزنها، معتبرا هذا الذكر نوعا من الشرح، ومثال ذلك: - و ((أصدت: ((أَفْعَلت)) من الصدى)) (١). - ((المناغاة: ((المُفاعَلة))، من قولهم: ما سمعت له نُغْيةً؛ أي: كلمة. ويستعمل ذلك في تكليم الصبي الذي لم يفصح)) (٢). - ((العرمرم: الجيش العظيم، وهو ((فَعَلْعَل)) من العُرام والعرامة)) (٣). - ((ادَّريت ... يجوز أن تكون في معنى ((افْتَعَل))؛ من دريته؛ إذا ختلته)) (٤).

стр. 133

وشرح الكلمة من خلال وزنها يساهم في توضيح معنى الكلمة من خلال أمرين هما: [أ] بيان أصول الكلمة، وبالتالي توضيح الأصل أوالجذر اللغوي الذي أُُخذت منه الكلمة. وقد مر بنا أن البحث في اشتقاق الكلمة يساهم في توضيح معناها. ونقل السيوطي عن أبي حيان قوله: ((فإن قلت مَا فائدة وزن الكلمة بالفعل؟ قلت: فَائِدَته التَّوَصل إِلَى معرفَة الزائد من الأصلي على سبيل الاختصار فإِن قَولك وزن اسْتِخْرَاج استفعال أخصر من أَن تَقول الألف وَالسين وَالتاء والألف فِي اسْتِخْرَاج زَوَائِد)) (١). [ب] أن هذا يضيف إلى معنى الكلمة المعجمي أوالسياقي ((المعنى الصرفيَّ)). فمعنى كلمة ((قَاتَل)) ـ من غير وجودها في سياق ما ـ تساوي المعنى المعجمي لكلمة ((قتل)) بالإضافة إلى المعنى الصرفي للوزن ((فَاعَل)) الذي يفيد التشارك بين اثنين فأكثر. قال ابن جني: ((إذا كانت الألفاظ أدلة المعاني؛ ثم زيد فيها شيء؛ أوجبت القسمة له زيادة المعنى به)) (٢). ـ المصادر: سيستقل هذا الجزء من البحث بالحديث عن المادة الصرفية المتعلقة بالمصادر والتي أوردها أبوالعلاء في شرحه على الديوان. - إقامة المصدر مقام الاسم: الاسم ((كلمة تدل بذاتها على شيء محسوس أوشيء غير محسوس يعرف بالعقل. وهوفي الحالتين لا يقترن بزمن)) (٣). أما المصدر الصريح الأصلي فهو ((الاسم الذي يدل ـ في الغالب ـ على الحدث المجرد؛ أى أن المصدر يدل على أمر معنوي محض، لا صلة له بزمان ولا بمكان

стр. 134

ولا بذات ولا بعلمية ولا بتذكير أوتأنيث، ولا بإفراد أوتثنية، أوجمع أوغيره، إلا أن يكون دالا على مرة أوهيئة)) (١). من خلال التعريفين السابقين نقول إن الاسم أعم في مدلوله من المصدر؛ فكل مصدر اسم، وليس كل اسم مصدرا. وقد أشار أبوالعلاء إلى أن المصادر قد تحل محل الاسم؛ فقال تعليقا على بيت أبي تمام: وَلا تُمكِنِ الإِخلاقَ مِنها فَإِنَّما ... يَلَذُّ لِباسُ البُردِ وَهُوجَديدُ [بحر الطويل] ((استعمل ((اللِّباس)) في معنى المصدر، والمعروف أن ((اللِّباس)) هو ((الملبوس))، يُقال: عليه لِبَاسٌ حسن. وقد يستعيرون الأسماء فيقيمونها مقام المصادر)) (٢) (٣).

стр. 135

ومن المنطقي ألا يكون هذا الإحلال مقبولا أو منطقيا إلا إذا كان الاسم دالاـ في هذه المواضع التي يقع فيها الإحلال ـ على شيء محسوس، أومعنى غير مصدري. ولكن لماذا يلجأ الأديب أو الشاعر لإقامة المصدر مقام الاسم؟ يمكن أن نفسر ذلك بأن هذا التبادل فيه كسر لرتابة اللغة وخروج عن الأنماط اللغوية المألوفة، وهذا فيه لفت للانتباه وإثارة الذهن ودفعه لإعمال العقل للوصول إلى المعنى. كما أن التعبير بـ ((المصدر)) فيه خروج بالتعبير من الخصوصية المقيدة بالمكان أو الزمان إلى العمومية المطلقة، ولا شك في أنه بهذه العمومية تخلد الفكرة المعبر عنها للسماح لها بالانتقال عبر الزمان والمكان؛ لكون المصدر غير مرتبط بزمان أو مكان. أو على حد تعبير ابن جني ((المصدر كل اسم دل على حدث وزمان مجهول)) (١). - تثنية المصدر: سبق أن أوضحنا أن المصدر بدلالته على المعنى المجرد لا صلة له بتثنية أوغيرها، إلا أن أبا العلاء يُقر إمكانية تثنيته، ويقر أيضا في نفس المقام أن ذلك قليل، قال عند قول أبي تمام: يُجاهِدُ الشَّوقَ طَورًا ثُمَّ يَجذِبُهُ ... جِهادُهُ لِلقَوافي في أَبي دُلَفا [بحر البسيط] ((... هذا البيت مختلف في روايته، فأكثر النسخ يوجد فيها: ((مُجاهَديه القوافي))؛ فكأنه ثَنَّى المصدر على هذه الرواية. وتثنيته قليلة، فكأنه جَاهَد مُجاهدًا؛ ثم جعل النوع مختلفا باختلاف السر والجهر؛ فثنى لذلك)) (٢).

стр. 136

وتعليل النحاة لعدم تثنية المصدر ولا جمعه لأنه ((اسم جنس، ويقع بلفظه على القليل والكثير، فجرى لذلك مجرى الماء والزيت والتراب)) (١). وإشارة أبي العلاء لقلة تثنية المصدر في النص السابق يقصد بها المصدر المؤكد لعامله (٢). والمصدر إذا كان مؤكدا لفعله كان هو المطلق حقا، فلا وجه لتثنيته أو جمعه، ((ولكنه حين يكون مبينا لنوعه أو عدده لم يكن هو المطلق، بل يكون مقيدا بنوعه أو عدده، وهذا يدل على أن لهذا المصدر أكثر من نوع وأكثر من مرة، فكلا هذين المصدرين ـ إذن ـ قد خرج من الاطلاق والشمول إلى التقييد والتحديد، وتنوعه وتعدده يجعلانه قابلا للتثنية والجمع)) (٣). - جمع المصدر المؤكد لعامله المذكور: المصدر المؤكد لعامله المذكور في الجملة تأكيدًا محضًا ((لا يجوز ـ في الرأي الشائع ـ تثنيته ولا جمعه، ما دام المراد منه في كل حالة هوالمعنى المجرد، دون تقييده بشيء يزيد عليه؛ أي: ما دام المصدر مُبْهمًا)) (٤). وسبب امتناع التثنية والجمع أن المصدر المؤكد مقصود به ((معنى الجنس لا الإفراد فهو يدل بنفسه على القليل والكثير؛ فيستغنى بهذه الدلالة عن الدلالة العددية في المفرد والتثنية، والجمع؛ لأن دلالته تتضمنها، ومثل المصدر المؤكد ما ينوب عنه)) (٥). إلا أن أبا العلاء يصرح بإمكانية ((جمع المصدر)) إذا دل على أنواع مختلفة. ـ قال عند قول أبي تمام:

стр. 137

لَئِن جَحَدتُكَ ما لاقَيتُ فيكَ فَقَد ... صَحَّت شُهودُ تَباريحي وَتَعذيبي [بحر البسيط] ((.. والتباريح: جمع تبريح، كما قالوا التكاليف في جمع التكليف، والتباشير في جمع التبشير، وأصل المصادر ألا تجمع، وربما استحسنوا فيها ذلك إذا اختلفت الأنواع)) (١). فتعليل جواز جمع المصدر في بيت أبي تمام اختلاف الأنواع؛ أي: تبريح مختلف عن تبريح، وتبشير مختلف عن تبشير، ولعل لهذا غرضا بلاغيا، بل إن له لغرضا بلاغيا حقا؛ فقد دل على مبلغ ما تحمل فيه؛ إذ تعاورته واختلفت عليه أنواع التباريح؛ فمن خفيف إلى ثقيل، ومن ضعيف إلى قوي، ومن قصير إلى طويل. - مصادر الأفعال وسيلة لتحديد معناها: أشار أبوالعلاء إلى أن المصادر قد تكون وسيلة لتحديد معنى الفعل. وقد تكون أيضا وسيلة من الوسائل التي تتخذها اللغة ((لأمن اللبس)). قال: ((إنهم يفرقون بالمصادر بين الأفعال التي أصلها واحد في الاشتقاق؛ فيقولون: ((خَفَّ الشيء خِفَّة))؛ إذا كان خفيف الزنة، و ((خَفَّ خُفُوفًا))؛ إذا ارتحلوا)) (٢). ـ الجموع: كان من عادة أبي العلاء أن يذكر مفردات الجموع التي تقابله، وكان هذا ولا شك يسهم كثيرا في توضيح المعنى. قال عند قول أبي تمام: ضَمِنَت لَهُ أَعجاسُها وَتَكَفَّلَت ... أَوتارُها أَن تُنقَضَ الأَوتارُ [بحر الكامل] ((الأوتار الأولى: جمع وَتَر القوس. والأوتار الثانية: جمع وَتْر من الذَّحْل. وهوتجنيس التساوي والتوافق)) (٣). ومن خلال دراسة الجموع عند أبي العلاء نخرج ببعض الحقائق التالية:

стр. 138

ـ الكلمة التي على وزن ((أَفْعَل)) ومؤنثه ((فَعْلاء)) تجمع على ((فُعل))، بتحريك العين أوتسكينها، ((إلا أن التسكين في جمع أفعل وفعلاء هوالوجه المختار)) (١) عند أبي العلاء. ـ تحذف ((الياء)) من وزن ((فعاليل)) لطول الكلمة وضعف الحرف. قال أبوالعلاء: ((قيل للفقير صُعْلُوك، والقياس أن يقال في جمعه: صعاليك ويجوز صعالك؛ بحذف الياء)) (٢). - الجمع قد يبنى على النسب: أشار أبوالعلاء إلى أن هناك جموعا قد تبنى على النسب؛ بمعنى أن تكون الكلمة، ثم يؤتى بالمفرد منسوبا إليها، ثم يؤتى بالجمع بحذف ياء النسب. قال عند قول أبي تمام: بِزُهرٍ وَالحُذاقِ وَآلِ بُردٍ ... وَرَت في كُلِّ صالِحَةٍ زِنادي [بحر الوافر] ((وقال الحُذاق؛ لأنه بناه على النسب. يقال: رجل حُذَاقِي؛ فيُشبه بقولهم رُوميّ وزَنْجِي، ثم يقال للجمع: الزَّنْج والرُّوم؛ فتحذف الياء)) (٣). ويؤخذ من النص السابق أن ياء النسب يمكن أن تستخدم في ((تمييز الواحد من الجمع))، وهذا ما صدق عليه بعض العلماء فقال: ((وكما أشركوا بين هاء التأنيث وياء النسب في المبالغة أشركوا بينهما في تمييز الواحد من الجمع فحبشي وحبش، وزنجي وزنج، وتركي وترك بمنزلة تمرة وتمر ونخلة ونخل)) (٤).

стр. 139

- فَعِيل لا يجمع على فَعَلَة. قال: ((... وهذا أوجه من أن يقال سراةٌ جمع سري؛ لأن فعيلا لا يجمع على فَعَلَة)) (١). - فِعْلَة قلما تجمع على فُعْل. قال عند قول أبي تمام: لَقَد أَخَذَت مِن دارِ ماوِيَّةَ الحُقبُ ... أَنُحلُ المَغاني لِلبِلى هِيَ أَم نَهبُ [بحر الطويل] ((وأنث على معنى البرهة والمدة؛ لأن تذكير الحُقْب غير حقيقي، وهذا أوجه من أن يقال الحقب جمع حقبة؛ إذا أريد بها السنة؛ لأن فِعْلة قلما تجمع على فُعْل)) (٢). - فَعْل لا يجمع على أَفْعال كثيرا. قال: ((والأحسن أن يكون أعجاس جمع عِجْس بكسر العين، أوعُجْس بالضم؛ لأن ((فَعْلا)) لا يجمع على أفعال كثيرا)) (٣). - ربما جمعوا فُعْلَة على فِعَال. قال: ((وربما جمعوا ((فُعْلَة)) على ((فِعَال))، كما قالوا: نُقْرة ونِقَار، وجُفْرة وجِفَار)) (٤). - جمع ((فَعْلَة)) على ((فَعَائِل)) غير مشهور. قال: ((وأشبه الأمر بالطائي أن يريد بالحلائب جمع: حَلْبة من الخيل، جمعها على فعائل؛ كأن الواحدة حليبة، إلا أن ذلك غير مشهور)) (٥). - قد يقتضي القياس أن يكون الجمع على وزن معين ولكن المستعمل غيره. وقد يوجد الجمع وليس له مفرد مستخدم. قال: ((أصبية جمع صَبيّ على القياس، والمستعمل صِبْية)) (٦). وقال: ((وأعزال جمعٌ، وواحده غير مستعمل)) (٧).

стр. 140

- من المصطلحات التي تطلق على جمع القلة مصطلح ((أدنى العدد)). قال: ((وجمع ذَنُوب في أدنى العدد ((أَذْنِبَة)) على رأي من ذكره)) (١). وقد تردد هذا المصطلح عند سيبويه في عدة مواضع منها، قال في إحداها: ((واعلم أن لأدنى العدد أبنية هي مختصَّة به، وهي له في الأصل، وربَّما شركه فيه الأكثر، كما أنَّ الأدنى ربَّما شرك الأكثر. فأبنية أدنى العدد ((أَفْعُلٌ))؛ نحو: أكلبٍ وأكعبٍ. و ((أَفْعَال))؛ نحو: أجمالٍ وأعدالٍ وأحمالٍ، و ((أَفْعِلَة)) نحو: أجربةٍ وأنصبةٍ وأغربةٍ. و ((فِعْلَة))؛ نحو: غلمةٍ وصبيةٍ وفتيةٍ وإخوةٍ وولدةٍ. فتلك أربعة أبنية، فما خلا هذا فهوفي الأصل للأكثر)) (٢). وينبغي التنبيه على أن عدم تحديد المصطلحات العلمية يؤدي إلى لبس شديد، وضياع المعاني من القارئ، ولعل من أبرز الصعوبات التي تواجه الباحثين في النحو العربي ((استخدام المصطلحات وتحديد مدلولاتها، ومدى ما أصابها من تطور عبر الزمان والمكان جميعا)) (٣). • التذكير والتأنيث عند أبي العلاء: الألفاظ من حيث التذكير والتأنيث كما أشار أبوالعلاء تنقسم إلى أربعة أقسام: (أ) قسم يذكر. (ب) قسم يؤنث. (ج) قسم يذكر ويؤنث ولكن الغالب عليه التذكير. (د) قسم يذكر ويؤنث ولكن الغالب عليه التأنيث (٤). ومن أمثلة القسم الأول عنده: ((السيفانة: الضامرة البطن، والذكر: السيفان)) (٥).

стр. 141

ومن أمثلة القسم الثاني عنده: ((الدلو: من النجوم مؤنثة، مثل الدلو المعروفة)) (١). ومن أمثلة القسم الثالث عنده الغالب عليه التذكير: • ((العاتق يذكر ويؤنث والأكثر التذكير)) (٢). • ((السلطان المعروف فيه التذكير، وقد حكي تأنيثه)) (٣). ومن أمثلة القسم الرابع عنده الغالب عليه التأنيث: • ((الذراع: مؤنثة في معظم كلامهم، وذكر الفراء أن تذكير الذراع لغة عُكلية، واستشهد على أن التذكير جائز بقولهم في اسم البلد أَذْرِعات؛ لأن أذرعات جمع ((أَذْرِعة))، وأذرعة جمع ((ذِراع)) في حال التذكير. مثل: حمار وأحمرة، ولوجُمِع مؤنثا لقيل: ((أَذْرُع))؛ فوجب أن يقال في الجمع أَذْرُعات بضم الراء)) (٤). • ((كداء: موضع بمكة، والغالب على كداء التأنيث)) (٥).

стр. 142

والتقسيم السابق الذي لفت أبو العلاء النظر إليه يدل على أن ((ظاهرة التذكير والتأنيث لا تجري في اللغة العربية على قياس مطرد، وأن المعول عليه في ذلك هو السماع)) (١)، كما أنه دليل على عدم وجود ((صلة عقلية منطقية بين الاسم وما يدل عليه من تذكير أو تأنيث)) (٢). وأن هذا ((هو السر في أن كثيرا من الكلمات التي تسمى بالمؤنثات السماعية في اللغة العربية ـ وهي التي تخلو من علامات التأنيث ـ قد روي لنا فيها التذكير كذلك، وينسب ذلك في بعض الأحيان إلى القبائل العربية)) (٣). **** ـ القول في عبدون وحمدون: ـ قال عند قول أبي تمام يهجو فيها شخص يسمى عبدون: أَعَبدونُ قَد صِرتَ أُحدوثَةً ... يُدَوَّنُ سائِرُ أَخبارِها [بحر المتقارب] ((مذهب بعض الناس في ((عَبْدون)) و ((حَمْدون)) وما كان مثلهما أنهما أسماء محرفة عن العربية، فهي جارية مَجْرى الأعجم لا تنصرف في المعرفة وتنصرف في النكرة، فينبغي أن يُنْشَد على هذا ((أعبدون)) بضم النون لأنه منادى علم، ومن ذهب إلى أن ((عبدون)) جمع عبد سُمي به، فيجب أن يُنْشِد أعبدون بفتح النون؛ لأنه اسم عَلَم والواو للجمع، والذي حكاه النحويون في مثل هذا النحووجهان: أحدها أن تقول إذا

стр. 143

سميت الرجل بجمع عبد جاءني عبدون كما تقول جاءني الزيدون، وتقول في النصب والخفض، لقيتُ عبدين ومررت بعبدين فتجعله تاليا وتُجرى نون الجمع، والآخر أن تجعله بياء في كل وجه وتعرب النون بوجوه الإعراب، فتقول هذا عبدين ورأيت عبدينا ومررتُ بعبدين، وقد أجاز بعض المتأخرين أن تُقر الواوعلى كل حال، ويلزمه على هذا الوجه أن يعرب النون، إلى هذا المذهب يميل من زعم أن زيتونًا جمع زيت وأنه على فَعْلون)) (١). يلخص أبو العلاء موقف العلماء من ((عبدون)) وما شابهها كالتالي: - قسم من العلماء ذهب أنها أسماء محرفة عن العربية. - وقسم ذهب أنها جمع ((عبد)) سمي به. ويلخص الموقف الإعرابي بأنه: - من العلماء من أعربها إعراب جمع المذكر السالم. - ومنهم من ألزمها الياء والنون، وأجرى العلامة الإعرابية على النون. - ومنهم من ألزمها الواو والنون، ويلزم من قال بهذا الرأي ـ كما قال أبو العلاء ـ أن يعرب النون. والباحث يرجح أن عبدون وما شابهها محرفة عن العربية، ودليل الترجيح أن معظم الأعلام التي ختمت بـ ((ون)) معظمها أعلام ((أندلسيين))، وقد قام الباحث بالرجوع إلى فهرس الأعلام الذي قام به د. شوقي ضيف لكتاب ((المُغرب في حُلى المغرب)) (٢)، والفهرس الذي صنعه الأستاذ إحسان عباس لكتاب ((نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب)) (٣)، وفهرس د. أحمد مختار العبادي على كتاب ((نُفاضة الجراب في عُلالة الاغتراب)) (٤) واستخرج منه الأعلام التالية (٥):

стр. 144

أردون ... حنون ... زرهون ... ضيفون ... غلبون أرغون ... حيون ... زنون ... طولون ... فتحون الفكون ... خزرون ... زيتون ... عبدون ... فحلون بدرون ... خلدون ... زيدون ... عزون ... فرحون تحقون ... خلصون ... سحنون ... عفيون ... فركون حزمون ... خيرون ... سعدون ... علون ... لاطون حسون ... دحون ... سمنون ... عمرون ... دمعون حفصون ... ذنون ... شبطون ... عيشون ... ميمون حمدون ... زرقون ... شلبون ... غزلون ... وهبون ومن أسماء الأعلام الأندلسية العربية أيضا التي تنتهي بالواو فقط: أبو خدو (١)، أبو حمو (٢). وأيضا: نقشابو (لقب مغن) (٣)، رحو (٤)، برميخو (٥) ومن أعلام النساء: قسمونة، ومن أعلام الأماكن: برشلونة، بلكونة، ركونة، شذونة، طرسونة ... تلك الأعلام السابقة ظهرت على أرض الأندلس، ومن الطبيعي أن يحدث تأثر بالبيئة اللغوية الموجودة سلفا في هذا المكان التي تسيطر عليه اللغة الأسبانية التي تتميز بانتهاء عشرات الكلمات فيها بالمقطع الصوتي: [أوو / O/] ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر (٦):

стр. 145

اتفاف ... acuerdo ... كامل / مطلق ... absoluto ... بَقَّال ... abacero تقدم ... adelanto ... منهمك ... absorto ... تحت ... abajo خلال ... adentro ... معتدل ... abestemio ... كئيب ... abatido صفة ... adjetivo ... جد ... abuelo ... يفتح ... abierto مزين ... adorno ... ينهي ... acabado ... خليج ... abismo بالغ ... adulto ... فرصة ... acaso ... محام ... abogado مطار ... aeropuerto ... دخول ... acceso ... أسلاف ... abolengo مشهور ... afamado ... يؤكد ... acento ... سماد ... abono حزين ... afligido ... نشيط ... activo ... إخفاق ... aborto يمسك ... agarro ... فعل / حدث ... acto ... معطف ... abrigo ومن أسماء الأعلام الأسبانية: [Pedro Antonio de Alarcon ، أحد أشهر الروائيين الأسبان]، [Leopoldo Alas ناقد وروائي]، [Mateo Aleman روائي]، [Pedro Calderon de la Baraca كاتب مسرحي] (١). والعرب تُزيد ((النون في بعض الصفات فقيل: غضبان وفرحان وجوعان، وفي مثل: سعدون، خلدون، حسنون، شقرون، شيخون، وفي بعض المصادر مثل غفران، شكران، قرآن، وفي آخر بعض جموع التكسير، مثل ذؤبان، جرذان، بل زادوها في آخر بعض الأفعال، مثل: سلطن، برهن، حلقن، شيطن)) (٢). فليس من المستبعد أن يكون ختام الأعلام: عبدون، عمرون، فتحون وغيرها من التأثير الصوتي الموجود في اللغة الأسبانية، ولاسيما إذا علمنا أن احتكاك العرب بالأراضي الأندلسية بدأ تاريخيا عام ٩٢هـ أيام الخلافة الأموية وقائدها موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد، مع الأخذ في الاعتبار أن أبا تمام توفي عام ٢٣١هـ، أي أن الاحتكاك قبله امتد لأكثر من ١٣٠عاما.
следующие страницы →