← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1359

فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (711 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لم يتوجه عليه. وقالوا: القصد: المبالغة في الحث والزّجر. والأكثرون على جواز التّمسك بالعموم فيما سبق للمدح أو الذّم؛ إذ لا منافاة فيحمل الذهب والفضة على العموم؛ إذ لا صارف عنه، ولا تنافي بين العموم والذّم. وإذا كان القصد المبالغة في الحث والزّجر فالعموم أبلغ في ذلك. قال أبو الحسين: «اعلم أن بعض الشافعية يمنع من عموم قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ وأحالوا التّعلق به في ثبوت الزكاة في الحلي. قالوا: لأنّ المقصد بذلك إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة، وليس القصد به العموم. والجواب: أن الذم إنما كان مقصودا بالآية؛ لأنه مذكور فيها، وهذه العلة قائمة في العموم؛ لأن اللفظ عامّ فوجب كونه مقصودا، وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما … » (١). استدل بالآية من قال بوجوب الزكاة في الأوراق النّقديّة (٢). مأخذ الحكم: استنباط كون العلّة فيما يزكى (النّقديّة) أي: كونها نقودًا، والأوراق تكون نقودًا فتجب فيها الزكاة.

стр. 212

ووجه استنباط العلّة من الآية: هو أن قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ إيماء إلى أنّ المراد بالذهب والفضة في الآية نقودهما؛ لأنها المعدّة للإنفاق، والآلة المباشرة له، والضّمير عائد عليهما باعتبارهما دراهم ودنانير، أي: باعتبارهما نقودًا؛ ولهذه الخاصيّة نصّ عليها في الآية لا لنفاستهما في نفسيهما (١)؛ لأنّه وجدت معادن لا تقل غلاء ونفاسة عن الذهب والفضة، بل قد تزيد كالألماس، واليورانيم، ولا زكاة فيهما؛ لأنّها ليست نقودًا (٢). ثمّ إنّ كون الزّكاة واجبة دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا عقاب إلا على ترك واجب، فدلّ على أن الانفاق واجب. قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] استدل بالآية على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: وجوب الزكاة. ومأخذ الحكم: إذا فُسرت الزكاة هنا بزكاة الفرض، وبه قال عكرمة. وقيل: المراد بالصّدقة: الطّهارة من الذّنوب؛ وبه قال الحسن ﵀.

стр. 213

ومأخذه: سبب نزول الآية، وهو قطعي الدّخول، وقد ورد في سبب نزول الآية عن ابن عباس ﵄ قوله: (لما تخلف عشرة من المسلمين بلا نفاق، منهم أبو لبابة، ومرداس، وأبو قيس، واعتذروا، فلم يُعذورا حتى أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد باكين متضرعين، وحلف أبو لبابة لا يُحله إلا رسول الله ﷺ ، نزل قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] فلما نزلت الآية، أطلقهم، فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا، فأبى رسول الله ﷺ أخذها، فنزلت: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فأخذ الثلث) (١). وذهب الجمهور إلى عموم الصدقتين؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب، ويدلّ على العموم قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارة إلى الصدقة المطهِّرة من الذنوب، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ إشارة إلى الصدقة الواجبة المزكيّة. تنبيه: الدعاء للفاعل المدلول عليه بقوله ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ من الأساليب الشّرعيّة التي يستند إليها إلى إثبات مشروعية الأحكام - والصدقة هنا - دائرة بين الوجوب والنّدب. فتحتاج الفرضية إلى دليل آخر يعتمد عليه. • الحكم الثاني: استدل بالآية من قال: بأنّ الزّكاة يجب أن تدفع إلى الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾؛ ولذا لو فرّق المالك زكاته دون الإمام ضمن، وهو مذهب الإمام مالك. وذهب الشّافعي في الجديد إلى أن ربّ المال مخيّر بين أن يفرقها بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام فيفرقها.

стр. 214

ومأخذ الحكم: أن قوله ﴿خُذْ﴾ خطاب للنّبي ﷺ ، ويقتضي بظاهره اقتصاره عليه، فلا يأخذ الصّدقة سواه، وينزل الحاكم منزلته في ذلك. وقيل: لا يأخذها إلا النّبي ﷺ ، ولا ينزل أحد منزلته، وتسقط بموته ﷺ . ومأخذهم: أن الخطاب موّجه له، واستدلوا كذلك بسياق الآية في قوله ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. وقالوا: لم تكن الزكاة إلّا مع صلاة النبي ﷺ التي كانت سكنًا لنا، وصلاة غيره ليست كذلك، وبهذا استدل مانعوا الزّكاة على أبي بكر الصّديق ﵁. قال ابن العربي في رده على من قال بأنّ الخطاب موجه للنبي ﷺ : «أمّا قولهم: إنّ هذا خطاب للنّبي ﷺ فلا يلتحق غيره فيه به، فهذا كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة، متلاعب بالدّين، متهافت في النظر؛ فإنّ الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا، ولكن اختلفت موارده على وجوه، منها في غرضنا هذه ثلاثة: الأول: خطاب توجه إلى جميع الأمة، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ونحوه. الثاني: خطاب خُصَّ به النبي ﷺ ، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. الثالث: خطاب خُصَّ به النبي ﷺ قولاً ويشركه فيه جميع الأمة معنى وفعلًا؛ كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية. وقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة، وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة، وكذلك كل

стр. 215

من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة، ومن هذا القبيل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فإنه ﷺ الآمر بها والداعي إليها، وهم المعطون لها، وعلى هذا المعنى جاء قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (١). • الحكم الثالث: استدل بالآية من قال بوجوب الدعاء لدافع الصدقة. ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقولهم: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وهو على ظاهره للوجوب. وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الدعاء للدافع، وجعلوا الصّارف له هو ما ورد عنه ﵊ عندما بعث معاذًا أو غيره؛ لأخذ الزّكاة، ولم يأمرهم بالدّعاء. وأيدّوا ذلك أيضَا بأنّ لدعاء النّبي ﷺ خصوصية يتحقق بها السّكن والطّمأنينة. تنبيهان: الأوّل: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لفظ عامّ في الأموال المأخوذ منها الصّدقة، وعامّ فيمن تؤخذ منه العباد من المكلفين وغير المكلفين، وقد خصّ منها بالسّنّة والإجماع، وتفاصيل ذلك كتب التفسير والفقه. الثّاني: قوله تعالى: ﴿صَدَقَةً﴾ لفظ مجمل في القدر المأخوذ، بينتها السّنة. المطلب الأول: الزكاة في جميع ما يملكه الإنسان من مال. استدل بها من قال: بأن الزكاة تجب في جميع ما يملكه الإنسان من مال، كالراتب الشّهري، وأجرة العمل، والمهن الحرّة، وكذا المستغلات، كأجرة الدور، وغلة المصانع سواء كان في يده أو في يد غيره.

стр. 216

ومن ذلك المال المودع في الحساب الجاري، وكذا الحقوق المعنوية للأسهم التجاري، إذا عرضت للبيع، ومواد الخام، - على القول بأنّها من عروض التجارة، والمواد المصنعة، وجمعيات الموظفين، ومحطات الوقود - من قال بأنها: من العروض. أمّا ربحها فلا خلاف في ذلك. ويدخل في عموم الآية المنافع على اعتبار كونها مالًا، كما يدخل الدّين المقسَّط. تخرج الأحكام السابقة: كلها يعود إلى عموم قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ وهي جمع مضاف، يفيد العموم، فكل ما يطلق عليه مال، فتجب فيه الصّدقة، ومأمورون بالأخذ منه، والأمر يقتضي الوجوب، فتجب الزكاة في جميع ما سبق. وكونه مالاً أو غير مال مرجعه للعرف؛ إذ إن المال من المسميات التي علَّق الشرع بها حكماً، ولم يرد لها حدٌّ لها في الشرع أو اللغة، فيكون مرجعه للعرف. • الحكم الرابع: استدل بالآية على عدم زكاة المال العامّ. والمقصود بالمال العامّ: المال الذّي رصد للنّفع العامّ دون أن يكون مملوكاً لشخص أو جهة معيَّنة (١). وعُرِّف بأنه: كل مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه بل هو لهم جميعا (٢). وبذلك أفتى كثير من المعاصرين بعدم الزّكاة في أموال الجمعيات الخيرية،

стр. 217

والأوقاف الخيريّة (١)، وريعها حتى لو استثمرت (٢)، وأدخل فيها البعض أموال التأمين التّعاوني (٣)، أو الاجتماعي (٤)، كالضّمانات العمالية، ومعاشاة التقاعد. ووجه كون المال العامّ لا زكاة فيه: هو كونها ليست مملوكة لمعين، ومن شرط الزّكاة تمام الملك للمال، وكونه مملوكًا لمعين (٥). وبيان ذلك: أن المولى أضاف الأموال إليهم بقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذه

стр. 218

الإضافة تدلّ على ملكهم إيّاها، واختصاصهم بالتّصرف والانتفاع بها، والمال العامّ ليس كذلك، فلا تجب فيه الزّكاة. فالإضافة المذكورة استنبط منها العلماء كون الملك المعيَّن شرطًا في المال الذي هو وعاء الزكاة، والمال العامّ ليس ملكًا لمعين فلا زكاة فيه. ومأخذ الحكم: كان على أصل حجية الشّرط الشّرعيّ، والشّرط الشّرعي يلزم من عدمه العدم، فيلزم من عدم الملك المعيَّن عدم الزكاة. • الحكم الخامس: استدل بالآية من قال لا زكاة في المال المحرم كالسّيجارة (١). مأخذ الحكم: أن المال إذا أطلق فإنّه ينصرف إلى الكامل وهو الحلال بخلاف مطلق المال فإنّه يدخل فيه الحلال والحرام. عليه فلا يدخل المحرم فيما أمر بزكاته من الأموال. كما أنّ المولى جعل الزّكاة من المال؛ لأجل الطّهرة والتّزكية به، والحرام خبيث فلا يطهر (٢). تنبيه: السيجارة محرَّمة لذاتها، والمحرَّم لذاته لا يعتبر مالاً زكوياً، ويجب التخلص منه بإتلافه، والإمساك به إثم وعصيان، وأما المحرم لغيره، كالمغصوب أو المسروق، فهذه يتعين ردُّها إلى أصحابها، وهم يقومون بإخراج زكاتها بعد قبضها (٣).

стр. 219

ويقول د. عبد الله الغفيلي: « … وإن كان المال حراماً بوصفه لا بأصله كالأموال الربوية فيده عليه يدُ تمليك، فيجب عليه إخراج زكاته؛ لأنه مال منسوب إلي مسلم متعبد بجميع أحكام الإسلام … الخ» (١). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] وقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] السورتان مكيتان، والزكاة إنّما فرضت بالمدينة؛ لذا اختلف العلماء في الحق المعلوم، هل هو في الزكاة المفروضة أو في غير الزّكاة. قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ مدح ثالث، قال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا: الزكاة المفروضة. وقيل: إنّه حق سوى الزكاة يصل به رحمًا، أو يقري به ضيفًا، أو يحمل به كلًّا، أو يغني محرومًا. وقاله ابن عباس، لأنّ السّورة مكيّة وفرضت الزكاة بالمدينة» (٢). قال ابن العربي: والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة، لقوله تعالى في سورة سأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، والحق المعلوم هو الزكاة التي بيَّن الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم؛ لأنّه غير مقدر ولا مجنس ولا مؤقت» (٣). اه. ومأخذ الحكم: أولًا: مدح الفاعل على الفعل، وهو من الأساليب الدّالة على مشروعية الفعل، الدائر بين الوجوب والنّدب.

стр. 220

ثانيًا: قوله: ﴿حَقٌّ﴾ وهو مطلق لغة بمعنى: الشيء الثّابت. ويطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثّابت أعمّ من أن يكون واجبًا أو مندوبًا. فالحق يطلق على ما لا ينبغي تركه، ويكون فعله إمّا واجبًا أو مندوبًا ندبًا مؤكدًا شبيهًا بالواجب الذّي لا ينبغي تركه. باب صدقة الفطر قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: مشروعية زكاة الفطر، وقد فُسِّرت الآية بتفسيرات عدّة، منها: تفسير ابن عباس وابن عمر ﵃ بأنّ المقصود: أدّى زكاة الفطر. وورد في السّنة - بأحاديث فيها كلام في صحتها - عن النبي ﷺ أنّه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي العيد، ويتلو هذه الآية (١). ومأخذ المشروعية من الآية: ورود المدح للفاعل، ووصفه بالفلاح، ولا يمدح إلّا فاعل الواجب أو المندوب. وثبوت أحدهما هنا يتوقف على أدلة أخرى من السّنة. تنبيه: حكم الآية على القول بأنها محكمة، وقيل: إنّها منسوخة بالزّكاة المفروضة، وهؤلاء الذين لا يرون زكاة الفطر واجبة. • الحكم الثاني: على القول بمشروعية زكاة الفطر، فهل يجب أو يندب دفعها ممن تحل له الصّدقة كالفقير؟ ذهب الإمام مالك والشّافعي أنّها على الفقير. مأخذ الحكم: العموم الوارد في الآية بصيغة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، وظاهر تعمُّ من

стр. 221

تحل له. • الحكم الثالث: مشروعية تقديم زكاة الفطر على صلاة العيد. مأخذ الحكم: تقديمها ذكراً في الآية، وفعله ﵊ بيانًا للقرآن، حيث إنّه كان يُقدم صدقة الفطر حين يغدو، ثم يتلو هذه الآية. باب صدقة التّطوع قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. استدل بالآية من قال: إنّ في المال حقًا سوى الزكاة، وبها كمال البرّ. وأيدّوا صحة هذا المعنى بسياق الآية، في قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ فذكر الزّكاة مع الصّلاة، وذلك دليل على أنّ المراد بقوله ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ليس الزكاة المفروضة، فإنّ ذلك يكون تكرارًا والله أعلم، قاله القرطبي (١). ومأخذ الحكم: مدح الفعل بوصفه من البر، ومدح الفعل من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على الأحكام، والأصل فيه أنه دائر بين الوجوب والنّدب. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] استدل بالآية من قال: بإباحة صرف الزكاة للوالدين والأقربين، وهذا على القول بأنّ الآية نزلت في الزّكاة المفروضة مع الإحكام وعدم النّسخ، وقيل: بالنّسخ،

стр. 222

وقيل: بأنّ الآية إنّما هي لبيان مصارف المال الذّي يتعلق به الثّواب، فتدخل صدقة التطوع فيها. ومأخذ الحكم: فيمن قال بجواز صرف الزّكاة للوالدين هو: كون السؤال معاد في الجواب، فكأنه قيل لهم: (أنفقوا على الوالدين والأقربين). وهذا أمر بعد سؤال، والأمر بعد السؤال، كالأمر بعد الحظر، وفيه الخلاف في حمله على الوجوب أو النّدب أو الإباحة. وقسَّم بعض أهل العلم الأمر بعد الاستئذان إلى قسمين: الأوّل: ما كان متعلقًا بمصلحة أخروية، أو دنيوية متعديّة - مثل مسألتنا هنا - وهذا لا يكون إلا واجبًا أو مندوبًا، والقرائن هي التي تفصل في ذلك. ويمكن أن يقال بالحمل هنا على النّدب؛ لأنّه المتيقن، وما زاد عليه فهو مشكوك فيه يحتاج إلى قرينة. الثّاني: ما كان متعلقًا بمصلحة دنيوية عادية قاصرة، وهذا يحمل على الإباحة. تنبيه: السّؤال في هذه الآية عن مصرف النّفقة، فكان الجواب على وفق السؤال للوالدين والأقربين … إلخ. فهي مبينة لمصارف صدقة التّطوع، فالواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك، قاله القرطبي (١). وقد قيل: إنّها نزلت في عمرو الجموح، وكان شيخًا كبيرًا، وعنده مال عظيم فسأل النبي ﷺ : ما ذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت الآية.

стр. 223

قال الموزعي: «قال كثير من أهل التفسير: هذا كان قبل أن تفرض الزكاة، فلما فرضت الزكاة بالآية التي في (براءة)، نسخت هذه الآية» (١). والمقصود بآية براءة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الدُّنْيَا .. ﴾ [التوبة: ٦٠] قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] استدل بالآية على تحريم الصدقة بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته، أو على منع أن يهب الرجل ماله بحيث لا يبقى له ما يكفيه. مأخذ الحكم هو: أن السؤال معاد في الجواب، فكأنّه قيل لهم: أنفقوا ما فضل عن الأولاد، وهذا أحد تفاسير كلمة ﴿الْعَفْوَ﴾ وعليه كثير من العلماء، وحملوا الأمر - المقدّر- هنا على النّدب. ومنهم من فسَّر ﴿الْعَفْوَ﴾ بأنّه الزكاة المفروضة، وهؤلاء ممن لا يرون في المال حق سوى الزكاة المفروضة. تنبيه: السؤال في هذه الآية عن قدر الإنفاق، فجاء الجواب مطابقًا له، ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. وقيل في سبب نزولها: أن عمرو بن الجموح لما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] قال: كم أنفق؟ فنزل قوله ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال القرطبي: «العفو: ما سهل وتيسر وفضل، ولم يشق على القلب

стр. 224

إخراجه … ، فالمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة، هذا أَوْلى ما قيل في تأويل الآية … » (١). قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] دلّت الآيتان على التّرغيب والنّدب في أعمال البرّ والإنفاق في سبيل الخير. مأخذ الحكم: ورود الحكم بأسلوب الاستفهام الدّال على التّخصيص والتّرغيب. كما أن ترتيب الثواب على الفعل - وذلك بمضاعفة الأجر أضعافًا كثيرة - من الأساليب الدائرة بين الوجوب والنّدب، وتحمل هنا على النّدب؛ لأنّ الإقراض للمولى مندوب إليه في كل وقت. قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]. استدل بالآية على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: إنّ إخفاء الصّدقات أفضل من إظهارها، وفي كل خير. مأخذ الحكم: مدح الفعل بقوله ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ دليل على المشروعية الدائرة بين الوجوب والنّدب، ثم قوله ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فهو مدح للفعل بأنّه خير مع التّفضيل بدلالة ﴿خَيْرٌ﴾ أي: أخير، والأصل في وصف ﴿خَيْرٌ﴾ أخير: الحمل على النّدب.

стр. 225

تنبيه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالصّدقة هنا: صدقة التّطوع، أمّا صدقة الفرض فإظهارها أفضل، وحكى الطبري الإجماع على ذلك، والخلاف موجود. قال القرطبي: «قال ابن العربي: وليس في تفضيل صدقة العلانية على السّر، ولا تفضيل صدقة السّر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت، فأما صدقة النّفل فالقرآن ورد مصرحا، بأنها في السِّر أفضل منها في الجهر، بَيْد أن علماءنا قالوا: إنّ هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المُعطِي لها، والمُعطَى إياها والناس الشاهدين لها. أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السُّنة وثواب القدوة. قلت: هذا لمن قويت حاله وحسنت نيَّته وأَمِنَ على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل. وأما المُعطَى إياها فإنّ السّر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المُعطِي لها بالرِّياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل» (١). • الحكم الثاني: صدقة النّفل على الفقير أفضل. مأخذ الحكم: الإتيان ب (أفعل) التّفضيل ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وأصلها (أخير) و ﴿خَيْرٌ﴾ لفظها ومعناها يدل على المراد، وسبق القول: إنّ من الأساليب الدّالة على الوجوب والنّدب وصف الفعل بأنه خير، والجمهور على أن الأصل فيه النّدب.

стр. 226

• الحكم الثالث: يجوز لربّ المال تفريق الزكاة بنفسه؛ لأنّ الآية تدل على أنّه إذا أعطاها الفقراء وأخفاها فهو خير له. مأخذ الحكم: ما سبق من وصف الفعل بالخيرية، وهو صفة مدح تدل على المشروعية والجواز. تنبيه: قيل: لا تمنع دلالة الآية من أنّ للإمام أخذها، فيكون معنى قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: خير لكم لحصول الصّدقة مرتين. • الحكم الرابع: استدل بالآية ربيعة شيخ الإمام مالك على كراهة إظهار جميع أعمال البرّ، وأجاز ذلك الإمام مالك دون كراهة. مأخذ القائل بالكراهة: لعله لسد ذريعة الرياء، أو لتعارضها مع الأدلة الأخرى كقوله ﷺ في الصّدقة (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) (١). ومأخذ القائل بالجواز دون الكراهة: ثناء المولى على الفعل بقوله ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ والثناء والمدح للفعل يدلّ على مشروعيته بلا خلاف، وهو من الأساليب الدائرة بين الوجوب والندب. • الحكم الخامس: استدل بالآية على جواز التّصدق على الأغنياء في صدقة التّطوع. ونقل بعضهم الإجماع على ذلك. قال النووي: «تحل صدقة التطوع للأغنياء بلا خلاف، فيجوز دفعها إليهم، ويثاب دافعها عليها» (٢). ولعل ذلك لأن الخيرية ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الأمرين: إيتاءها وإخفاءها، وكما أنه

стр. 227

يجوز له إظهارها فكذلك يجوز إعطاءها للغني، ومقتضى الخيرية أن في كل خيرًا، لكن كونها للفقراء أخير. قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] استدل بالآية على التّرغيب والنّدب بالتّصدق أو إبراء المعسر، وكونه أفضل من إنظاره. مأخذ الحكم: جعل ابن حزم الاستثناء من الواجب يدل على النّدب، وجعله من القرائن التي تصرف الأمر عن مقتضاه. قال ابن حزم: «ومما تحمل به الأوامر على النّدب أن يرد استثناء يعقبه في تخيير المأمور مثل قوله تعالى في الدّيات ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وفي وجوب الصداق ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وفي قضاء الدّين ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وما أشبه ذلك، وهذا معلوم كله بموضوع اللغة ومراتبها» (١). والمثال الذي ذكره ابن حزم ﵀ وإن لم يشتمل على أداة الاستثناء، إلّا أنّه يفهم بالتّقدير، وتقديره: (فنظرة إلى ميسرة إلّا أن تصدقوا فذلك خير لكم). ومما يؤيد كونه محمولًا على النّدب هنا سياق الآية، وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾، وسبق أن الأصل في هذا الأسلوب حمله على الندب.

стр. 228

قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] استدل بعض العلماء بالآية على جواز تصدق الرجل بجميع ما يملكه. قال القرطبي: «فإن قيل: وردت أخبار صحيحة في النّهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء. قيل له: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه. فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم، فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك. والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار» (١). ومأخذ الجواز هو: ثناء المولى على الفعل، والثناء على الفعل من الأساليب الشّرعية الدّالة على الجواز والمشروعية، والأصل فيه أنّه دائر بين الوجوب والنّدب، وهو هنا محمول على النّدب فيمن يصبر على البأساء والضراء. قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] استدل بالآية على استحباب إطعام المسكين واليتيم والأسير الكافر، وأن إطعام الأخير مما يتقرب به إلى الله، وذلك مخصوص بصدقة التّطوع. مأخذ الحكم: مدح المولى الفعل، ووصفه أنّه من أفعال الأبرار كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٨].

стр. 229

ويمكن القول بأنّه جعل الفعل سببًا في حصول مطلوب المكلف وهو هنا أن يكون من الأبرار وارثي الجنان، أو جعله من ترتب الثواب على الفعل، أي: هذه الأفعال ومنها الإطعام رُتِّب عليها دخول الجنّة، وكل ما سبق من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على مشروعية الفعل، وكونه دائرًا بين الوجوب والنّدب؛ وهو هنا على النّدب؛ لكون الصّدقة على الكافر، لا تكون إلّا من صدقة التّطوع، وصدقة التّطوع مندوب إليه. ومن قال بجواز إطعام الأسير الكافر، أيدّوا قولهم بقوله ﵊ (في كل كبد رطب صدقة) (١). قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤ - ١٦] في الآية الحض على إطعام الأيتام والمساكين والحنو عليهم، وقيّد المولى تعالى الأيتام بالقرابة؛ لتجتمع فيها الصّدقة وصلة الرحم. ويرجع في تفسير معانيها، والخلاف في ذلك إلى كتب التّفسير. ومأخذ الحكم: إذا حُمل قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ على معنى الاستفهام الاستنكاري، وتقديره: أفلا اقتحم العقبة؛ أو هلا اقتحموا العقبة، أي هلا أنفق ماله في فك الرقاب وإطعام المساكين؛ ليجاوز به العقبة فيكون خيرًا له من إنفاقه في عداوة محمد ﷺ ، والاستفهام الانكاري هنا على تركه للإنفاق بالخير، وإذا كان كذلك فيدل على مشروعيته وطلب الشّارع له.

стр. 230

قال العزّ بن عبد السّلام: «التّوبيخ والانكار إن تعلقا بفعل دلّا على النّهي عنه، وإن تعلقا بترك دلّا على الأمر بالمتروك» (١). وهذا الأسلوب قد يحمل فيه الإنكار على ترك الفعل على وجوب الفعل؛ إذ لا إنكار إلّا في ترك الواجب. وقيل: لا يتعين الإنكار في ترك الواجب، بل يقع على ترك السّنة كذلك، قاله جمع من العلماء. وقد يكون الوجوب هنا مصروفاً إلى النّدب بقرينة، وهي هنا: كون استنكار ترك الفعل ليس هو المقصود، بل المقصود إنّما هو الإنكار على الفعل، وهو إنفاقه المال على عداوة النبي ﷺ . ومأخذ آخر لحكم المسألة وهو: أن يحمل قوله ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ على الدعاء؛ أي: فلا نجا ولا سَلِم من لم ينفق ماله في كذا وكذا. والدعاء للفاعل من الأساليب الشرعيّة التي يستند إليها في مشروعية الأحكام، وهو دائر بين الوجوب والنّدب، وهو هنا كما سبق يحمل على النّدب في حق الأسير للإجماع. قال أبو العباس القرطبي في المفهم: «قوله ﷺ (اللهم أعط منفقًا خلفًا) (٢) … وهذا يعم الواجبات والمندوبات» (٣).

стр. 231

فائدة: قال القرطبي: «وقيل: شبّه عظم الذنوب وثقلها وشدّتها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحًا، كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله» (١). باب قسم الصدقات قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. استدل بالآية على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: إباحة الصّدقات لهؤلاء الأصناف. ومأخذ الحكم: إضافة المولى الزّكاة لهم بلام التّمليك، أو لام الاختصاص، واللتان تقتضيان إباحته لمن أضيفت له. قال السيوطي: « … ملكوا قدر الزكاة بمجرد حولان الحول، وصاروا شركاء للمالك لإتيانه تعالى بلام التمليك» (٢). • الحكم الثاني: أن المستحق للزّكاة هم الأصناف الثمانية. مأخذ الحكم: مفهوم الحصر يدل على عدم إباحة الزكّاة لغيرهم. • الحكم الثالث: اختلف العلماء في اشتراط استيعاب الأصناف الثمانية بالزّكاة. وسبب الخلاف هو: هل المقصود من الآية بيان كونها لا تخرج عنهم، أو لبيان المصرف والاستيعاب معًا، أي: هل هي لبيان محل الصّدقات فقط؛ لحقيقة

стр. 232

الاستحقاق مع التّعيين. قال بالأوّل الإمام أبو حنيفة، وبالثّاني الإمام الشّافعي. مأخذ القول الأوّل: لعله الالتفات إلى المعنى الذي شرعت له الزكاة، وهو أن المقصود بها سدّ الخُلة، ودفع حاجة الفقير، وهذا المعنى موجود في الصنف الواحد، قاله الموزعي، ثم رجح مذهب الشافعي، وبعدها بيَّن أن مأخذ القول الثاني مبني من ثلاثة أوجه (١): «قال: أحدها: اتباع موضوع الخطاب، فاللام موضوعة للتّمليك حقيقة، والواو موضوعة للتّشريك حقيقة، وحملهما على التّخصيص والتخيير (أي: على صنف واحد) مجاز، والحقيقة خير من المجاز. وأجاب عن هذا بأنّ اللام ليست للاستحقاق؛ لأنها لو كانت حقيقة في التمليك لوجب إذا فُقد صنف من هذه الأصناف أن يكون نصيبه لبيت المال، ولا يرد على بقية الأصناف؛ لأن لهم حظًا معلومًا، فلا يعطون شيئا لا يملكونه، وَلَوَجَبَ إن فضل على صنف سهمهم، ونقص على الآخرين سهمهم ألا يردّ عليهم، وهم لا يقولون بجميع ذلك. أمّا المأخذ والوجه الثّاني: لمذهب الشافعي، فهو قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ والفرض هو التّقدير، قالوا: وهذا يدلّ على التقدير بين الأصناف. وأجاب عنه الموزعي بأنّه يجوز أن يكون فريضة تفسيرًا لحصر الصدقات في المذكورين في الآية دون غيرهم، فقد حصرها الله سبحانه لهم، وفيهم، لا بينهم (٢). أمّا المأخذ والوجه الثّالث: فهو من السّنة، وفيه: أن رجلًا سأل النّبي ﷺ أن يعطيه من الصّدقة، فقال له رسول الله ﷺ : (إنّ الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في

стр. 233

الصّدقات، حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك) (١). قال الموزعي: «ولكنه يدخله التأويل، فلقائل أن يقول: إنما أراد النبي ﷺ أن الله جزأ الصدقات إلى ثمانية أجزاء، حتى يخرج من الصدقة من ليس من تلك الأجزاء، فيقطع طمعهم فيها كما قطع طمعهم رسول الله ﷺ ، فقال: (لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي) (٢)» (٣). ا. هـ تنبيه: على القول الأوّل والذّي فيه النّظر؛ لسدّ خلة المحتاج، لو اجتمع في شخص واحد معان من الأصناف الثمانية، كأن كان فقيرًا مجاهدًا؛ فإنه لا يستحق إلا على معنى أو صنف واحد. • الحكم الرابع: استدل بالآية من قال بوجوب إعطاء ثلاثة من كل صنف. ومأخذ الحكم: مراعاة للفظ الجمع في الآية، وأقله ثلاثة. • الحكم الخامس: فرّق العلماء بين الفقير والمسكين، وموضع ذلك كتب التّفسير. ومأخذ الحكم: هو كون العطف يقتضي المغايرة. • الحكم السادس: استدل بالآية من أجاز دفع الزّكاة للفقير القادر على الاكتساب، والذّي لا تلزمه نفقته، ولسائر القرابة، وللزوج، ولآله ﷺ ، وكذا العامل - الساعي

стр. 234

لجمع الزّكاة - والغزاة، وأبناء السّبيل، والمؤلفة قلوبهم، وإن كانوا أغنياء. مأخذ الحكم: العموم الوارد في الآية بالجمع المحلى ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ فالفقير وإن كان قادرًا أو زوجًا … إلخ، وكذا بقية الأصناف. خُصَّ عموم ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بالسنة من ألا يكون من بني هاشم، أو ألا يكون ممن تلزم المقصود نفقته. قال القرطبي: «وهذا لا خلاف فيه، وشرط ثالث: ألا يكون قوياً على الاكتساب … » (١). • الحكم السابع: استدل بالآية على جواز صرف الزّكاة لكل ما يتعلق بالجهاد من مصالحة عدو. مأخذ الحكم: العموم في قوله ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو التّعريف بالإضافة. • الحكم الثامن: استدل بالآية في مقام -التعضيد- من قال بجواز نقل الزكاة عن موضعها. مأخذ الحكم: أنّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ولم يفصل بين فقير بلدٍ وفقير آخر. • الحكم التاسع: استدل بالآية من قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ جواز إعطاء كل ما كان من فروض الكفاية من الصّدقات. • الحكم العاشر: وجوب الزكاة؛ لقوله في ختم الآية ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ بالنّصب على المصدر عند سيبويه. قال القرطبي: «أي: فرض الله الصدقات فريضة» (٢).

стр. 235

ومأخذ الحكم: الإتيان بالمصدر، وهو من صيغ الوجوب، كما أن لفظ (الفرض) يدلّ على الإيجاب في كلام الشّارع. تنبيه: العموم الوارد في صرف الزكاة للفقراء مخصوص بما ورد في السّنة من: ألّا يكون من بني هاشم، أو ألّا يكون المتصدق عليه ممن تلزم المتصدق نفقته. قال القرطبي: «وهذا لا خلاف فيه، وشرط ثالث: ألّا يكون قويًا على الاكتساب … » (١). • الحكم الحادي عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز الإقراض من مال الزكاة (٢)، أي: لمن ليس من أهل الزكاة. مأخذ الحكم ما يأتي: أولًا: أن المال هو مال للفقير والمسكين يملكونه بنص الآية، حيث أضاف المولى سبحانه الصّدقات لهم بلام الملك، وهذا يقتضي عدم جواز التّصرف بغير إذن مالكه. ثانيًا: صدرت الآية بأداة الحصر ﴿إِنَّمَا﴾ ومفهوم الحصر عدم جواز أخذها لغير الأصناف الثمانية (٣). ثالثًا: إنّ لفظ ﴿الصَّدَقَاتُ﴾ جمع محلى ب (أل)، وهو يفيد العموم، وهذا يقتضي أن جميع الصّدقات تعطى لهؤلاء المذكورين في الآية، وإذا كان جميعها يعطى لهم، فلا يجوز إقراض غيرهم منها (٤).

стр. 236

• الحكم الثاني عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز استثمار أموال الزكاة من قبل المالك أو وكيله (١). ومأخذ الحكم: ما سبق من كون اللام للتّمليك، فهي خرجت من ملكه إلى ملك الفقير، ومن ثمَّ لا يجوز له التّصرف بها. وأيدوا قولهم: بأنّ الأصل دفع الزّكاة للفقير على الفور؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والأمر يقتضي الفور (٢). تنبيه: إذا تأخر المالك عن إخراج الزكاة واستثمرها مع ماله، هل يشاركه الفقير والمسكين في الربح والخسارة أو لا؟ خلاف يتوقف على كون الزكاة متعلقة بالعين (المال) أو الذّمة؟ (٣). • الحكم الثالث عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز صرف الزكاة في حفر الآبار العامّة للفقراء (٤). مأخذ الحكم: أن اللام في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ لام الملك والاختصاص، وتقتضي التمليك، والآبار يردها الفقير والغني، فليس فيها تمليك خالص للفقراء. كما أن مفهوم التمليك هو أن يخلي بين المالك - الفقير هنا - وماله، يتصرف

стр. 237

به كيف شاء، ويؤيده قوله سبحانه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والإيتاء الإعطاء. ولذا رأت الهيئة الشرعيّة في بيت الزكاة الكويتي إنّه يجوز شرعًا تمليك مال الزكاة لأهل المنطقة الفقراء، ثم يوجهون إلى وضعه في حفر بئر يبيحون الانتفاع بها لهم ولغيرهم (١). ويرى بعض المفسرين (٢) أن الفقير والمسكين والعامل والمؤَّلف قلبه، الذين دخلت عليهم لام التّمليك في الآية، إنّما هو تمليك لما عساه أن يدفع إليهم، ويأخذونه تملكًا؛ لذا كان دخول اللام لائقًا بهم. أمّا الأصناف الأربعة الأواخر، الذين دخل عليهم حرف (في) في قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فلا يملكون لما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم. تنبيه: أمّا حفر بئر في ملك فقير معين، فحكمه يتخرج على مسألة مقدار ما يُعطاه الفقير والمسكين؛ فإن قيل لا يعطى أكثر من كفاية السنة فإنّه يمنع ذلك، أمّا على القول يُعطى كفاية العمر فيجوز، كما يجوز شراء بيت ومسكن له (٣). وينبه - أيضاً -: أن بعض المتأخرين استثنى إذا لم يمكن حفر الآبار إلا بمال الزكاة فإنه يجوز حفرها به؛ للضرورة، والضرورة تبيح المحظور (٤). • الحكم الرابع عشر: استدل بها من أجاز شراء الكتب المدرسيّة ونفقة الزواج للفقراء من مال الزكاة … إلخ (٥)، مما يحتاجه الفقير والمسكين.

стр. 238

قال الشيخ العثيمين: «والمعتبر ليس فقط ما يكفيه للأكل والشرب، والسكنى، والكسوة، فحسب، بل يشمل حتى الاعفاف، أي: النكاح، فلو فرض أن الإنسان محتاج إلى الزواج، وعنده ما يكفيه لأكله، وشربه، وكسوته، وسكنه، لكن ليس عنده ما يكفيه للمهر، فإنّنا نعطيه ما يتزوج به ولو كان كثيرًا» (١). مأخذ الحكم: أن المولى سبحانه حدد المصرف، وأطلق في وجوه الصّرف، والمطلق يجري على إطلاقه، فيشمل كل ما يحتاجه. ثمّ إنّ المقصد هو سد حاجة الفقير والمسكين، والفقر قد يكون في الطعام أو المسكن أو غير ذلك، فيشمل جميع الحاجات من جهة المعنى (٢). قال الشيخ العثيمين ﵀: «وإذا كان رجل عنده ما يكفيه، لأكله، وشربه، وسكنه، وكسوته، ولكنه طالب علم يحتاج إلى كتب تُشترى له، فإننا نعطيه ما يحتاج إليه فقط من الكتب؛ لأنه إذا كان يعطى لغذائه البدني، فيعطى أيضاً لغذائه الروحي والقلبي، ولكن لا يعطى ليؤثث مكتبة كبيرة، بل لسد حاجته في طلب العلم فقط» (٣). تنبيه: هذه المسألة مبنية على مقدار ما يُعطاه الفقير والمسكين، والجمهور على أن مقدار ما يُعطاه هو كفاية السنة، وعليه فإنه لا يجوز صرف الزكاة لبناء أو شراء بيت للفقير والمسكين. وأما على القول بجواز إعطائه كفاية العمر فيجوز ما سبق (٤).

стр. 239

• الحكم الخامس عشر: استدل بقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ من قال بأن الموظفات في المؤسسات الزكوية (١) لا يدخلن في مصرف العاملين عليها (٢). ومأخذ الحكم: أن لفظ ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾ لفظ مذكر يصرف على الذكور دون الإناث، وأكدّوا ما ذهبوا إليه من كونها نوعًا من أنواع الولايات، فلا يجوز أن تتولاها؛ لقوله ﷺ : (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) (٣). نوقش: بعدم التسليم بأن اللفظ يختص بالذكور، بدليل ألفاظ باقي المصارف، كالفقراء، والمساكين، والعاملين، وهي شاملة للمذكر والمؤنث (٤). يقول القرضاوي: «والحق أنّه ليس في المسألة دليل خاص يمنع المرأة من الاشتغال بالعمالة على الزّكاة، لكن القواعد العامّة التي توجب … » (٥). • الحكم السادس عشر: استدل بالآية على جواز صرف سهم العاملين للموظفين في المؤسسات الخيريّة (٦)؛ والأصل في العامل هو: الذّي يعينه الإمام لجباية الزكاة وصرفها، وهذا أمر متفق عليه. ولا شك في دخول المرخص لهم من قبل الإمام من المؤسسات. ومأخذ الحكم: يمكن أن يكون على قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد، وذكر : ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ مطلقة دون أن يقيد ذلك بنوع من العمل.

стр. 240

كما يخُرَّج على قاعدة تحقيق المناط. وبيانه: أن تعليق الاستحقاق بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾، وهو الحكم، على وصف العمل في قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾، إيماء بأن علة الاستحقاق هي كونه عاملاً عليها، وهذه العلة متحققة في الموظفين في المؤسسات الخيرية، فيدخل فيه العاملون على الزكاة في المؤسسات الخيرية الزّكويّة على اختلاف أنواع أعمالهم (١). تنبيهان: الأول: لا يحق للموظفين الجمع بين الأخذ من المؤسسة الخيرية - من سهم العاملين عليها - ومن بيت المال (٢). الثاني: ذكر العلماء ضوابط في استحقاق الموظفين في المؤسسات الخيرية من مصرف العاملين عليها، ومن تلك الضوابط: (١) أن يكون العمل الذي يقوم به الموظف مما يحتاج إليه في جمع الزكاة وتوزيعها. (٢) أن يراعى في ذلك إعطاء العامل بقدر عمله (٣). • الحكم السابع عشر: إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ليدفع المخاطر عن المسلمين وقد استدل بعض العلماء بقوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ على جواز إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ليدفع المخاطر عن المسلمين (٤). المؤلفة قلوبهم: «قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ قد أسلموا، وكان رسول الله ﷺ

стр. 241

يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه» (١)، قاله ابن عباس ﵁ تفسيرًا للآية. واستدل العلماء بالعموم السابق على مسائل أخرى منها (٢): (١) إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد يصرف لها من سهم المؤلفة قلوبهم. ومن منع ذلك احتج بعدم وجود التّمليك للأفراد، والذي دلّت عليه لام التمليك في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ وما عطف عليها، ومنها ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. (٢) إعطاء رؤساء الدول الفقيرة والقبائل الكافرة لتأليف قلوبهم للإسلام. وقد جاء في قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، في بيان أهم المجلات التي يصرف عليها هذا السهم «تأليف من يرجى إسلامه، وبخاصة أهل الرأي والنفوذ ممن يظن أن له دورًا كبيرًا في تحقيق ما فيه صلاح المسلمين» (٣). (٣) القيام بحملات دعائية؛ لتحسين صورة الإسلام والمسلمين، يُصرف لها من هذا السهم؛ لكونه من معاني تأليف القلوب على الإسلام، فيدخل في العموم، ومن منع ذلك احتج بعدم وجود التمليك لمعينين. وبعضهم: جعله من مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لكونه نصرة للإسلام. ومأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وكلام ابن عباس ﵄، وإن كان في قوم قد أسلموا، إلا أن عموم النّص يشمله.

стр. 242

فائدة: ذكرت الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة ضوابط لصرف سهم المؤلفة قلوبهم (١)، وتلك الضوابط هي: (١) أن يراعى في الصرف المقاصد ووجوه السياسة الشرعية، بحيث يتوصل به إلى الغاية المنشودة شرعاً. (٢) أن يكون الإنفاق بقدر لا يضر بالمصارف الأخرى، وألا يتوسع فيه إلا بمقتضى الحاجة. (٣) توخي الدِّقة والحذر في أوجه الصرف؛ لتفادي الآثار غير المقبولة شرعاً، أو ما قد يكون له ردود فعل سيئة في نفوس المؤلفة قلوبهم، وما قد يعود بالضرر على الإسلام والمسلمين. • الحكم الثامن عشر: استدل بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ بعض العلماء على جواز فك الأسرى، وهو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). مأخذ الحكم: عموم اللفظ، والأسير رقبته مقيدة بالأسر، فيصرف عليه من هذا السهم؛ لفكاكها. نوقش: بأن المقصود فك الرِّقاب، وليس من ذلك فكاك الأسرى؛ لأنهم أحرار، فالمراد بالرِّقاب: الأرقاء (٣). وأجيب: بأن النص جاء بلفظ ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، ولم ينص فيه على الأرقاء، أو العبيد، وهذا يدل على عموم اللفظ وشموله للعبيد، والمكاتب، والأسير، والأخير -كما سبق- رقبته مُقيَّدة بالأسر، ويكون الصرف عليها بفكاكها من الأسر (٤).

стр. 243

قال ابن قدامة: «فصل: ويجوز أن يشتري من زكاته أسيراً مسلماً من أيدي المشركين؛ لأنه فك رقبته من الأسر، فهو كفك قيد العبد من الرِّق، ولأن فيه إعزازاً للدين، فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم، ولأنه بدفعه إلى الأسير في فكِّ رقبته فأشبه ما يدفعه إلى الغارم لفكِّ رقبته من الدَّين» (١). • الحكم التاسع عشر: استدل بها بعض المعاصرين على جواز فكاك الشعوب المسلمة المحتلة من الكافرين (٢). ومأخذ الحكم: النظر إلى المقصد والمعنى؛ إذ إن استرقاق الشعوب في عقائدها وأموالها وسلطانها وحرياتها أشدّ وأخطر من استرقاق الفرد في حريته. وإن شئت قلت بقياس الأولى. جاء في فتيا الشيخ محمود شلتوت ﵀ وبعد ذكره انقراض الرِّق قال: «ولكن حلَّ محلَّه الآن رقٌّ هو أشد خطراً منه على الإنسانية، ذلكم هو رق الشعوب في أفكارها، وأموالها، وسلطانها، وحريتها في بلادها .... فهو رقٌّ عام دائم، وهو أجدر وأحق بالعمل على التخلص منه، ورفع ذله عن الشعوب، لا بمال الصدقات فقط، بل بكل المال والأرواح» (٣). نوقش: بأن احتلال الكافرين لبلاد المسلمين ليس داخلًا في دلالة لفظ الرقاب لغة ولا شرعًا (٤). فالرقبة لغة وشرعاً تحمل على المعروف في العهد النبوي، وهو الرِّق الفردي، وهو الذي كان سائداً قبل الإسلام. وجاء الإسلام متشوفاً للتخلص منه، وألفاظ

стр. 244

الشارع تحمل على عرفه (١). كما أن المقصود المذكور يتحقق بالموارد الأخرى للزكاة، كمصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). • الحكم العشرون: استدل بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من قال بصرف الزكاة للمقاتلين في سبيل الله دون غيرهم (٣)، وصرفه لهم لا خلاف فيه بين العلماء. ويخرج الحكم: على قاعدة: تقديم الحقيقة الشرعيّة على الحقيقة اللغويّة، إذا تعارضتا، فإن لفظ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني لغة: كل طريق يؤدي إلى مرضات الله، وهذا عامّ في كل معروف، لكن الشارع نقل هذا اللفظ العامّ على معنى خاص وقصره على الجهاد، فقدمت الحقيقة الشّرعية؛ لأنها مقصود الشارع في خطابه غالبًا. تنبيه: من مصارفه العصريّة: إنشاء وتمويل المصانع الحربيّة، التي تصنع مختلف أنواع الأسلحة الثّقيلة والخفيفة، وشراء تلك الأسلحة عند الاحتياج، وإنشاء معاهد التّدريب على الأسلحة، والقتال للمؤهلين للدّفاع عن ديار الإسلام، وطبع الكتب والمجلات العسكريّة والتّوجيهيّة للمقاتلين المسلمين مما يحتاجونه في جهادهم، وإنشاء مراكز للدّراسات المختصّة بمواجهة خطط الأعداء (٤). قال الدكتور عبد الله بن منصور الغفيلي: «وهذه الصور المذكورة إنّما يجوز صرف الزكاة فيها، إذا قرر علماء الأمّة انطباق الوصف الشّرعيّ عليها» (٥).

стр. 245

الحكم الحادي والعشرون: استدل بالآية على تعميم هذا المصرف في وجوه البر والخير، سواء كان جهاداً بالنّفس أو المال أو الحج والعمرة، أو الوقف، أو طلب العلم، أو بناء المساجد والقناطر، وتعبيد الطرق، وتكفين الموتى، وكفالة الأيتام والأرامل، والدّعوة إلى الله بنشر الكتب العلميّة وبناء المدارس والمستشفيات ومراكز الإغاثة … إلخ (١). ومأخذ الحكم السابق: وهو توسيع مفهوم ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على أعمال البرّ ووجوهه. أولاً: تحقيق مناط المصرف، باعتبار انطباق الوصف الشّرعيّ عليها. ثانيًا: تفسير بعض الصّحابة لهذا المصرف؛ منهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وحذيفة (٢). ثالثًا: ويمكن القول بعموم اللفظ، في كل تلك الوجوه؛ لأنها داخلة في معنى سبيل الله. رابعاً: المقصد الشّرعيّ، أو تعميم الحكم لتعميم علته، وبيان ذلك: أن القصد من الجهاد في سبيل الله في الإسلام هو: أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا القصد يتحقق بإعداد الدعاة، وفتح المدارس والمعاهد .... إلخ. الحكم الثاني والعشرون: استدل بقوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ صرف الزكاة على المهاجرين الفارين بدينهم، ومنهم من قصره على المسافر المنقطع.

стр. 246

والأصل أن ابن السبيل: هو المسافر، مهما كانت مسافة سفره الذي طرأت عليه الحاجة؛ بسبب ضياع ماله، أو نفاد نفقته، وإن كان غنيًا في بلده (١). مأخذ الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فمن عممّه جعله شاملاً للمهاجر الفارين بدينهم وغيرهم (٢)، ومن قصره على حقيقته الشرعية، وهو المسافر المنقطع الغريب. بناء على تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية. وأدخل بعض المعاصرين في هذا المصرف المبعدون عن بلادهم التي بها أموالهم، مع رجاء عودتهم لبلادهم، بخلاف من لا يرجو ذلك فهو في حكم الفقير (٣). وأدخل بعضهم في هذا المصرف: المغتربين عن أوطانهم لطلب العلم أو العمل، إن لم يستطيعوا أن يصلوا إلى أموالهم التي في بلادهم، ولم يقصدوا الإقامة والاستقرار في بلد الغربة، وغلب على الظن رجوعهم قريباً، حتى لا يدخلوا في مصرف الفقراء (٤). الحكم الثالث والعشرون: استدل بالآية من أجاز صرف الزكاة على المحرومين من المأوى في بلادهم لظروفهم المعيشية الصعبة (٥). مأخذ الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ومناط ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وقالوا يدخل هؤلاء فيه بمعنى السؤال، كما نص عليه بعض الحنابلة (٦).

стр. 247

أو لكونهم أبناء الطريق؛ لسكنهم في الطرقات والتجائهم إليها، فيأخذون حكم المسافر المنقطع عن ماله (١). نوقش: بعدم التسليم بأن ابن السبيل بمعنى السؤال لا لغة ولا شرعاً. وكما سبق فإن ألفاظ الشارع تحمل على عرفه، وعرفه في ابن السبيل هو المسافر المنقطع عن ماله كما سبق. الحكم الرابع والعشرون: استدل بالآية من أجاز صرف الزكاة على المسافرين لمصلحة عامة يعود نفعها للمسلمين. مأخذ الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ومناط ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، على القول بجواز إعطاء من يريد سفراً ولا يجد نفقة، فإنه يعطى من هذا المصرف (٢). نوقش: «بعد التسليم، فابن السبيل، فابن السبيل هو المسافر فعلاً، لا المنشيء للسفر، كما هو مذهب الجمهور، مع كون القائل بذلك أخذ بقول الشافعي فيما إذا كان في سفره مصلحة للمسلمين، ولم يأخذ بإطلاق الشافعي في حق كل من أنشأ سفراً وهو لا يجد نفقة، وفي ذلك تجزئة للقول على خلاف مراد الإمام؛ لأنه مبني على أصل واحد، وهو أن الأخذ لحاجته وهو يريد سفراً ممن لا مال عنده يُعدُّ ابن سبيل؛ لأنه سينفق المال في سفره، فكل من كان هذا حاله جاز له الأخذ، فالقول بجواز الأخذ في حال دون حال غير متَّجه» (٣).

стр. 248

كتاب الصيام قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. استدل بالآيات الكريمة على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: استدل بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ على فرضية الصيام، وهوأمر مجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة. مأخذ الحكم: هو الإخبار بالحكم، ويُراد به الطّلب، وهو نصٌ في الوجوب مأخوذ من (كتب الشيء) إذا حتمه وألزم به، ولذا سميت الصلوات الخمس بالمكتوبات. وأكّد الوجوب بقوله ﴿عَلَيْكُمُ﴾ ولا خلاف بين العلماء أن «على» من الألفاظ الدّالة على الوجوب، واعتبرها البعض من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب. تنبيه: قوله: ﴿الصِّيَامُ﴾ اختلف هل هو مجمل أم من العامّ؟ فذهب بعضهم إلى أنه مجملٌ لكن السّنة بينته.

стр. 249

وذهب بعضهم إلى أنّه عامّ؛ لأنّ الصوم الإمساك، لكن الشرع قد خصصه بإمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة، في أوقات مخصوصة على وجه مخصوص، ورجّح كل فريق مذهبه. وسبق بيان القاعدة والأصل الذي بسببه ويقع الخلاف في حمل الأسماء الشّرعيّة التي علق الشارع عليها أحكامًا على الإجمال وعدمه. تنبيه ثان: قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ اختلف العلماء في معنى التشبيه في الآية أي: في الذي كان مفروضا، ثم فرض علينا كما فرض عليهم، وذكر أهل التفسير عددًا من الاحتمالات، وادعى بعضهم عدم ترجح أحد الاحتمالات، وعليه فهذا لفظ مجمل عنده، ومن تلك الاحتمالات: (١) المقصود بالذي كتب علينا كما كتب عليهم، صفة الصيام في الامتناع من الأكل أو الجماع بعد النوم، أو أن من صلى العتمة لم يأكل، ولم يقرب النساء بقية ليلته ويومه حتى يمسي، وقد كتب علينا هذا في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية. (٢) ويحتمل أن الذين كتب: العدد، أي: صيام شهر. وهذا محكم غير منسوخ إن أريد به شهر، وقيل: غير ذلك. (٣) ويحتمل أن يريد به: العدد والوقت، أي: شهر رمضان وهذا محكم غير منسوخ. (٤) ويحتمل أن يريد به جميع ما سبق. (٥) ويحتمل أن يريد به تعَيُّن الصيام خاصّة، أي: الإمساك، لا على الصّفة، ولا على العدة، وإن اختلف الصيامان بالزيادة أو النقصان. قال ابن الفرس: «وقد ذكر أهل التفسير هذه الاحتمالات، فذهب كل فريق

стр. 250

منهم إلى ما هو الأظهر منها عنده» (١). وقال ابن العربي: «وجه التّشبيه فيه محتمل لثلاثة أوجه: الزمان، والقدر، والوصف، ومحتمل لجميعها، ومحتمل لاثنين منها» (٢). ثم قال: «والمقطوع به أن التشبيه في الفرضية خاصة؛ وسائره محتمل» (٣). تنبيه ثالث: مما سبق عُلِم ما نسخ وما لم ينسخ، وتبقى أمور متعلقة بالنسخ منها: الأوّل: على القول بالنسخ في الصفة، اختلف أهل العلم هل يكون ذلك نسخا لبقية الآية، بناء على اختلافهم في العبادة إذا نُسخ شرطٌ من شروطها هل يقال: إنّه نسخ لبعض العبادة لا لأصلها؟ أم يقال إنّه نسخ لأصلها؟ فمن رأها نسخًا لأصلها أطلق القول بأن الآية كلها منسوخة، ومن لم ير ذلك لم يطلق القول بذلك. الثاني: ذهب بعض أهل العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة لصيام يوم عاشوراء، أو ناسخة لما كان كتب عليهم قبل أن يفرض رمضان وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وكلاهما من نسخ السنة بالقرآن. وقد فُسّر قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ بأنّه: ثلاثة أيام، وقيل: الأيام البيض، وقد روي عن معاذ أن ذلك كان واجبًا ثم نسخ، وقيل: المراد بها رمضان. أمّا قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دلّ بعمومه الوارد في اسم الموصول ﴿الَّذِينَ﴾ والمعرَّف بالإضافة ﴿قَبْلِكُمْ﴾ أن الصيام كان مفروضا على الناس كلهم، وقيل المراد بهم أهل الكتاب، وقيل النصارى. والله أعلم.
следующие страницы →