لأنّ المستحب لا يُحرِّم المباح» (١).
تنبيه: اتفق العلماء على تخصيص عموم ضمير الجمع في قوله ﴿فَاسْعَوْا﴾ بالمرأة والمريض والصّبي.
واختلفوا في المسافر والعبد هل يخرجان من العموم السابق؟ وتفصيل ذلك كتب الفقه.
تنبيه آخر: النّداء هنا لصلاة الجمعة، وهذا معلوم بالإجماع، واختلفوا بدل عليه اللفظ؟
قال ابن العربي: «وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وذلك يفيده؛ لأنّ النّداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة؛ فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة» (٢).
تنبيه ثالث: حرّم بعض العلماء السّفر يوم الجمعة إذا زالت الشّمس، إذ إنّ ظاهر الآية أنّه ليس بين الزوال قدر يراعى، وقد أمر الله تعالى عند النّداء بالسّعي إلى الجمعة، وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسّعي وعصى.
• الحكم الثاني: مشروعية الأذان لصّلاة الجمعة، وقد سبق في باب الأذان والإقامة.
• الحكم الثالث: وجوب السّعي للجمعة عند سماع النّداء للمقيم والرّاحل.
قال المهلب: نص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على كل من سمع
стр. 177
النّداء، وإن كان خارج المصر. قال ابن الفرس: وهو أصحّ الأقوال (١).
ومأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ يعمّ الرّاحل والمقيم وقد علق بالسّماع، والشّرط اللغويّ يثبت المشروط عند ثبوته؛ ولأنّه سبحانه جعل النداء علمًا لها.
تنبيه: لا يشترط في وجوب صلاة الجمعة سماع الندّاء على من كان في البلد، بلا خلاف؛ لأنّه أمر بالسّعي للجمعة بمجرد النّداء.
• الحكم الرابع: أنّ الأذان الذّي يتعلق به ترك البيع ووجوب السّعي، هو الأذان الثّاني، الذّي يرفع حين يجلس الإمام على المنبر، وهو قول الجمهور.
مأخذ الحكم: أنّ الأحكام تنزل على العرف الشّرعيّ أثناء التّنزيل، والنّداء الثّاني هو الذّي كان مشروعًا حين نزول الآية فتعلق الحكم به.
• الحكم الخامس: يجب إقامة الجمعة جماعة، واختلفوا في العدد الواجب.
ومأخذ القائل بأنهم ثلاثة: أن الجمع في قوله ﴿فَاسْعَوْا﴾ أقله ثلاث، وقيل: إنّ الآية تقتضي مناديًا، وذاكرًا وهو المؤذن والإمام والإثبات يسعون، فقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ لا يتناول المثنى، بل هو خطاب للجمع الذّي يسمعون النّداء.
تنبيه: قال ابن القصار بعد ذكر الأقوال في العدد الواجب قال: «ليس أحد هذه الأقوال أولى من صاحبه، فيجب الرجوع إلى صفة من خوطب في الآية، وأمروا بالسّعي إليها، وهم قول لهم بيع وشراء، فيجب طلب قدم هذه صفتهم، وليسوا إلا من كان لهم مسجد وسوق يطلق عليهم اسم جماعة، فالجمعة واجبة عليهم، كانوا خمسة أو عشرة أو أربعين» (٢).
стр. 178
• الحكم السادس: وجوب الخطبة ووجوب السماع لها.
مأخذ الحكم: تفسير الصحابي الجليل ابن عباس ﵄ ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بخطبة الإمام والصّلاة معه، والأمر بالسّعي لها في الآية للوجوب، فتكون الخطبة واجبة أداءً على الإمام استماعًا على المأموم.
• الحكم السابع: تحريم البيع وقت الأذان للجمعة، وعدم صحته وسيأتي في كتاب البيع.
ومأخذه النّهي: وهو يقتضي التحريم والفساد.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: اشتراط قيام الإمام على المنبر إذا خطب ووجوب ذلك عليه.
مأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿قَائِمًا﴾ حال، أي: حال قيامه خطيبًا، وفيها بيان للهيئة التي يجب أن يكون عليها خطيب الجمعة أثناء خطبته. وبينت ذلك سنته ﵊ ومواظبته على ذلك.
تنبيه: ظاهر الآية أن القيام للخطبة كلها، فلا يجلس بين الخطبتين، وبه أخذ قوم، والجمهور على الجلوس بينهما، لفعل النبي ﷺ وهو بيان للمراد بالآية.
• الحكم الثاني: اشترط الخطبة في انعقاد صلاة الجمعة، فلا تصح الصّلاة إلا بها، وهو قول الجمهور.
ومأخذ الحكم: ذمّ المولى من ترك الخطبة، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعًا. كما أنّ النّبي ﷺ لم يصلها إلا بخطبة، ومواظبته ﷺ على ذلك دليل وجوبها.
стр. 179
باب صلاة الخوف
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠١ - ١٠٢]
سبق في باب صلاة المسافر، ذكر قول العلماء في أن قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ متعلقة بما بعدها لا بما قبلها، وسبب نزولها.
أمّا ما يتعلق بصلاة الخوف من أحكام مستنبطة من هذه الآية فمنها:
• الحكم الأول: أجمع العلماء على مشروعية صلاة الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وقوله في آية البقرة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] كما سيأتي في الآية الثانية.
ومأخذ الحكم من الآيتين: تعليق الصّلاة بالخوف، بأداة الشرط (إِنْ) والسياق في الخوف من العدو حال القتال، والمشروط يثبت عند ثبوت الشرط.
ومأخذ آخر: الأمر بصيغة (ليفعل) في قوله ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، وهذا أمر بأداء فريضة الصّلاة، في حال الشّدة والبأس وتشريع منه - سبحانه - لصلاة الخوف.
• الحكم الثاني: مشروعية إقامة صلاة الخوف باقية إلى يوم القيامة وهو قول
стр. 180
الجمهور، خلافًا لمن قال لا تشرع إلّا مع النّبي ﷺ .
مأخذ القائل إنّها لا تشرع إلا مع النبي ﷺ مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، ومفهوم الشرط يقتضي تخصيصه ﷺ .
وأجيب عنه: بأن اشتراط كونه ﷺ فيهم إنّما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بيّن لهم بفعلك؛ لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره.
قال الشّيخ الشنقيطي: «وردّ عليهم بإجماع الصحابة بعده ﷺ وبقوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١) وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم» (٢).
وقال ﵀ قبل ذلك: «والاستدلال على خصوصها به ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، استدلال ساقط، وقد أجمع الصحابة ﵃ والمسلمون على ردّ مثله في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]». وسيأتي شيء من التفصيل في هذا في كتاب الزكاة.
• الحكم الثالث: استدل بالآية على مشروعية إقامة صلاة الخوف جماعة، على خلاف بين العلماء، فمن قائل: إنّها واجبة، وقائل: إنّها مستحبة.
ومأخذ القائل بالوجوب هو: قوله ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فالأمر في قوله ﴿فَلْتَقُمْ﴾ مع حرف المعية ﴿مَعَكَ﴾ الذي يقتضي الجمعية، وسبق ذكر شيء من ذلك في باب صلاة الجماعة.
стр. 181
قال الشيخ محمد الأمين ﵀: «آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة; لأنّ الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم; إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف; لأنه عذر ظاهر» (١).
أمّا القائل بالاستحباب، فقالوا: ليست واجبة في الأمن، فمن باب أولى عدم وجوبها حال الخوف، والصارف عندهم لأوامر الشارع بإقامة الصّلاة جماعة، أحاديث منها قوله ﵊ (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة) (٢).
• الحكم الرابع: دلّت الآية الكريمة على كيفية صلاة الخوف.
مأخذ الحكم: أمر الله المولى نبيه ﷺ بكيفية معينة، بقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية، فدلّ الأمر ﴿فَلْتَقُمْ﴾ على مشروعية الصّلاة بصفة خاصّة، وجاءت السّنة وفعله ﵊ بيانًا لها.
قال ابن العربي: «ثبت عن النّبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف مرارًا عدّة بهيئات مختلفة، فقيل في مجموعها أربع وعشرون صفة ثبت فيها ست عشر صفة» (٣).
قال الشيخ محمد الأمين: «وهيئات صلاة الخوف كثيرة، فإن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة، وتارة إلى غيرها، والصلاة قد تكون رباعية، وقد تكون ثلاثية، وقد تكون ثنائية، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم القتال، فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى رجالا وركبانا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، وكل هيئات صلاة الخوف الواردة في الصّحيح جائزة، وهيئاتها، وكيفياتها مفصّلة في كتب
стр. 182
الحديث والفروع» (١).
• الحكم الخامس: دلّت الآية على وجوب حمل السلاح.
مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾.
ومأخذ آخر: لم يرخص المولى وضع السلاح إلّا للمريض ومن كان به أذى، ونفي الحرج والإثم عن واضع السلاح دليل على أن الأصل هو وجوب حمله.
تنبيهان:
الأوّل: اختلف العلماء في الوجوب السابق في حمل السلاح على من يكون؟ هل هو على الطائفة التي تحرس، أو على المصلية أو عليهما جميعًا؟
وسبب الخلاف: في عود الضمير في قوله ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ يعود على مَنْ؟
الثاني: قال الموزعي: «وليس المراد بأخذ السلاح ملازمة حمله وتناوله، بل المراد إما حمله أو وضعه قريبا بحيث يمكن المجاهد تناوله على قرب وسهولة، ويكون حذرًا، كما قال الله تعالى عند وضع السلاح للعذر: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾» (٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]
سبق ما يتعلق بمشروعية صلاة الخوف، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية.
• الحكم الأول: لا يشترط التوجه للقبلة حال المسايفة وشدّة القتال.
مأخذ الحكم: لم يذكر المولى الشّرط في هذه الآية
стр. 183
ومأخذ آخر: القراءة الواردة عن عمر بن الخطاب وهي قوله: (فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا مستقبل القبلة أو غير مستقبليها) (١)، وهي قراءة شاذة، وهي حجة، إذا قرأها قارئها على أنها قرآن وحجة إذا قالها تفسيرًا؛ لأنّ تفسير الصّحابي حجة.
وقيل: إنّها ملحقة بخبر الآحاد على تفصيل عند الأصوليين، وجعلها الموزعي من تفسير ابن عمر ﵄، وقال: بأنّ أكثر العلماء على العمل بهذا التّفسير (٢)، ونقل عن نافع قوله: (لا أرى عبد الله ذكر ذلك إلّا عن رسول الله ﷺ . رواه البخاري عند تفسير الآية (٣).
• الحكم الثاني: جواز ترك الجماعة والصّلاة فردى، ورجالًا أو ركبانًا، حال شدّة الخوف.
رجالًا: أي: مشاة على أقدامكم. وركبانًا: على ظهور دوابكم.
ومأخذ الحكم: منطوق الآية، ومفهوم شرطها (إن خفتم) أن ذلك لا يجوز إلّا في حال الخوف وشدّته.
فوائد:
الأولى: ذهب بعض العلماء إلى أن صلاة الخوف لا تختص بخوف القتال بل تعمّ كل خوف؛ لأنّه علّق صلاة الخوف على مطلق الخوف فيؤخذ بعمومه.
قال ابن الفرس: «وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ يقتضي أنواع الخوف، خوف عدو يتبعه، أو خوف سبع يطلبه، أو خوف سيل يحمله، وبالجملة فكل أمرٍ يخاف منه على وجه يبيح ما تضمنت هذه الآية» (٤).
стр. 184
الثانية: استدل الأصوليون بالآية على جواز النسخ إلى الأثقل، وهو جواز نسخ القرآن للسّنّة.
وبيان ذلك: أنّ السّنّة بينت أن الصّلاة حال الخوف تؤخر، كما في تأخير النّبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق حتى غربت الشمس، والآية ناسخة لها عند من يقول ذلك، كما أن الجمع بين الصّلاتين، وتأخير الصّلاة الأولى أسهل من الصّلاة حال شدّة الخوف.
الثالثة: جعل بعض الشّافعية الصّلاة ركبانًا ورجالًا من مستثنيات قاعدة: النادر إذا لم يَدُم يقتضي الفساد، وحال المسايفة لن تدوم، ومن ثَمَّ الأصل فيها الخوف أنّها مفاد اختلاف أركانها، على أنّ الشّافعي ﵀ كان يقول: إذا تابع الطعن والضرب فسدت الصّلاة؛ لأنّها لا تكون حينئذ صلاة، وإنّما تكون محاربة.
قال ابن العربي: «يا حبذا الفرضان إذا اجتمعا» (١).
الرابعة: قال بعض العلماء لا يجوز لمن ولى دبره أن يترخص برخص المقبلين بأرواحهم للدّفاع عن الدّين؛ فالرخص لا تناط بالمعاصي.
باب صلاة العيدين
قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]
استدل بها أبو حنيفة على وجوب صلاة العيدين.
ومأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَصَلِّ﴾ وهو يقتضي الوجوب
وذهب الجمهور أن الأمر بالصّلاة مطلق، فيدخل فيه فيتناول المكتوبة والنافلة، وللعلماء أقوال أخرى.
стр. 185
ويؤيد ما ذهب إليه الحنفية الأمر بالنّحر بقوله ﴿وَانْحَرْ﴾ ولا يستقيم تفسير النحر في الآية بغير الذّبح؛ لأنّ وقوع الأمر بعد الأمر بالصّلاة دلالة على أن المراد به نحر الأضحية بعد صلاة العيد.
قال ابن كثير: «والصّحيح القول الأول أن المراد بالنّحر ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: (من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك)» (١). والحديث في الصحيح، وتمامه (ومن نسك قبل الصّلاة فلا نسك له) (٢).
قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]
استدل جمهور أهل العلم على التّكبير في آخر رمضان.
قال القرطبي: «ومعناه الحض على التّكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل» (٣).
ومأخذ الحكم: هو أن الحض من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على الطّلب.
وقد نقل القرطبي قولًا فيه احتمال أن تكون اللام لام الأمر، والتقدير: فعل الله ذلك ليسهل عليكم ولتكملوا العدّة (٤).
إذًا مأخذ المشروعية عطف الأمر على الأمر؛ ولذا ورد عن ابن عباس ﵄ قوله: (حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبِّروا) (٥).
стр. 186
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]
وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]
استدل به من قال بمشروعية التّكبير يوم العيد.
قال ابن العربي: «والحقيقة فيه أن يوم النّحر معدود بالرمي معلوم بالذبح» (١). فأدخل يوم العيد في الأيام المعدودات، والأيام المعلومات الواردة في الآية.
ومأخذ الحكم: هو الأمر في قوله ﴿وَاذْكُرُوا﴾ وهو دليل المشروعية، ولا خلاف بين العلماء في أن يوم النّحر، وهو يوم عيد الأضحى من الأيام المعلومات، وهو المراد بآية الحجّ، وكذا بعده يومان، أمّا الرّابع فليس فيه ذبح، فلا يدخل في الأيام المعلومات الواردة في الآية؛ لقوله ﵊ (أيام منى ثلاثة) (٢) فكانت هي المعلومة.
فائدة: والخلاف في المراد بالأيام المعدودات، والأيام المعلومات مذكور في كتب التّفسير مع الاتفاق على أن الأيام المعدودات في آية البقرة هي: أيام منى، وهي أيام التّشريق.
واختلفوا في يوم النحر هل هو معدود؟
قال القرطبي: « … وليس يوم النّحر منها؛ لإجماع النّاس أنّه لا ينفر أحدٌ يوم
стр. 187
النفر، وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر؛ لأنه قد أخذ يومين من المعدودات» (١).
والآية ذكرت ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ونقل عن نافع عن ابن عمر ﵄ قوله: (أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات، يجمعها أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده؛ فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم).
باب صلاة الاستسقاء
الاستسقاء في اللغة هو: استفعال من طلب السُّقيا.
وفي الشّرع: طلب سقيا العباد من الله تعالى عند حاجتهم إليها
قال القرطبي: «الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر» (٢).
قال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]
مشروعية الاستسقاء، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنّما الخلاف في هل تسنُّ له صلاة أم لا؟ أو يكتفى بالدّعاء فقط، كما سيأتي.
ومأخذ المشروعية: كونه شريعة من قبلنا، وجاء في شريعة محمد ﷺ ما يدلّ على ذلك، وقد وقع الجماع على ذلك كما سبق.
كما أنّه نصّ استسقاء موسى ﵇، ولم يتعقبها بشيء، مما يدلّ على موافقتها لشرعنا؛ إذ لو كان فيها شيء غير موافق لشرعنا لبيّنه ، وهي من حجج
стр. 188
من قال: بأنّ شريعة من قبلنا شريعة لنا.
يقول ابن القيم: في قصة موسى ﵇ عند استدلال الشّاهد بقرينة قدِّ القميص من دبرٍ على صدقه وكذب المرأة: « … وحكاه الله حكاية مقرر له غير منكر، والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له، وعدم إنكاره، لا في مجرد حكايته؛ فإنه إذا أخبر به مقرًا عليه، ومثنيًا على فاعله ومادحًا له، دلّ على رضاه به وأنّه موافق لحكمه ومرضاته، فليتدبر هذا الموضع، فإنه نافع جدا» (١).
قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢] ونحوه في [نوح: ١٠ - ١١] وهو قوله سبحانه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١].
استدل أبو حنيفة بالآيتين على عدم سنية صلاة الاستسقاء، بل المشروع فيها الدعاء، مستدلين بعدم ذكر الصّلاة، بل الأمر بالاستسقاء فقط، وأيدوا ذلك
-أيضًا- بالأحاديث التي جاء فيها استسقاء النبي ﷺ بدون ذكر الصّلاة، ومنها ما أخرجه البخاري في باب الاستسقاء وخروج النبي ﷺ ، وفيه: (خرج النبي ﷺ يستسقي وحوَّل رداءه) (٢) وكذا استسقاؤه وهو على المنبر.
وأمّا الجمهور فقد استدلوا بما ورد في الصّحيحين من صلاته ﷺ ركعتين، وفيه: (خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو وحوَّل رداءه، ثمّ صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة) (٣).
ولذا قال العلماء لا تشترط الصّلاة في الاستسقاء، فقد يكتفى بالدّعاء فقط.
стр. 189
مأخذ الحكم: إذا علم بأنّ الدعاء استسقاء، فيكون مأخذ المشروعية الأمر بقوله ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾ كما أن جعل الفعل -وهو الدّعاء والاستسقاء- سببًا في حصول مطلوب المكلف ومرغوبه، وهو -نزول الغيث- هذا الأسلوب من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على المشروعية والدائرة بين الوجوب والنّدب.
قال العزّ بن عبد السّلام: « … أو وعد عليه بخير عاجل، أو أجل فهو مأمور به، لكنه مردد بين النّدب والايجاب» (١).
فالواجب والمندوب هما اللذان يثاب عليهما المكلف، وقد جعل إرسال الماء سببًا من أسباب الاستغفار. وقد جُزِم الفعل (يرسلْ) في الآيتين؛ لكونه جواباً للأمر.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
استدل بالآية على مشروعية الاستسقاء، وأن الإيمان والتقوى وأعمال الخير، سبب لنزول المطر، وأن المعاصي سبب للقحط.
ومأخذ الحكم: الجملة الشّرطية في الآية، وثبوت المشروط عند ثبوت الشّرط.
قال الهرري: «﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية، (لو) حرف شرط … ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ اللام: رابطة لجواب (لو)» (٢).
قال القرطبي: «وهذا في أقوام على الخصوص جرى ذكرهم؛ إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيرًا لذنوبهم. ألا ترى أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١] وعن
стр. 190
هود ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢]. فوعدهم المطر والخصب على التّخصيص. يدلّ عليه ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي كذبوا الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا» (١).
قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]
قال القرطبي: «﴿مَاءً غَدَقًا﴾ أي: واسعًا كثيرًا، وكانوا قد حبس عنهم المطر سبع سنين» (٢).
وقد استدل بالآية على مشروعية الاستسقاء، وأن الاستقامة على الطّريقة - طريق الحق والإيمان والهدى - سببٌ من أسباب نزول المطر.
ومأخذ الحكم: ما سبق في الآية السّابقة من ثبوت المشروط عند ثبوت شرطه.
وأداة الشّرط (لو) وجوابه (أسقيناهم).
فائدة: قيل: إنّ قوله: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ المراد به «لَوَسَّعْنَا عليهم الدّنيا، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلًا؛ لأنّ الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم مقامه». قاله القرطبي (٣).
ونقل قبل ذلك عن عمر بن الخطاب قوله في هذه الآية: (أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة) (٤). اه.
وقد قال في الآية التي تليها ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم.
стр. 191
باب اللباس
اللباس - بكسر اللام - ما يُلبس، وجمعه لُبُس، ككتاب، وكُتُب. ولباس كل شيء: غشاؤه.
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]
استدل بالآية على مشروعية ستر العورة، والتّزين باللباس، والتّجمل به.
مأخذ الحكم: ورد لفظ ﴿لِبَاسًا﴾ منكرًا في سياق الامتنان، والامتنان دليل المشروعية، فلا يمتن على عباده إلا بما هو مشروع مباح لهم.
كما أن النكرة في سياق الامتنان تعمّ، فتعمّ كل ما يقصد به اللباس من منافع، وقد ذكرت الآية مقصدين وهما: ستر العورة، والتزين، وذكر في أية النّحل الوقاية من الحر.
كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، والمراد بالسرابيل هنا: القُمص، واحدها سرابيل.
قال الرّازي: «الريش: لباس الزينة، استعير من ريش الطائر؛ لأنه لباسه وزينته، أي: أنزلنا عليكم لباسين، لباسًا يواري سوآتكم، ولباسًا يزينكم؛ لأن الزينة غرض صحيح كما قال تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وقال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦]» (١).
تنبيه: ذكر في الآية نوعين من أنواع اللباس، اللباس الحسيّ، وهو: الثياب، واللباس المعنويّ وهو: التقوى.
стр. 192
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]
استُدل بالآية على جواز كشف الأمة رأسها في الصّلاة، حيث أمر الحرائر بأن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وعلل ذلك بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: لأجل أن يُعرف أنهن حرائر، ولسن إماء، فلا يتعرض لهن الفساق بالأذى.
ومأخذ الحكم: مفهوم ما سبق، ومفهومه أن الإماء لهن إلقاء الجلابيب وكشف شعورهن ووجوههن مطلقًا، أي: داخل الصّلاة وخارجها.
ونوقش: بأن هذا المفهوم يصحّ لو صح تخصيص قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالحرائر، وتخصيصها بالحرائر ليس له دليل. والأصل دخول الإماء في الخطاب الموجه للحرائر.
ثمّ إنّ التعليل المذكور ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ يشمل الحرائر والإماء.
قال أبو حيان في تفسيره: «والظاهر أن قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر؛ لكثرة تصرُّفهن، بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح» (١).
وقد حمل العلماء قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: أن يعرفن بأنّهن من العفائف المحصنات الطيبات، ويتميزن عن سمات الجاهلية، فلا يتعرض لهن الفساق بالأذى.
ثمّ إنّه يلزم من المفهوم السابق، بحمل الآية على الحرائر دون الإماء، يلزم منه
стр. 193
جواز إطلاق الفساق على إماء المسلمين، وتعرضهم لهن بالأذى، ولا خلاف بين العلماء أن تحريم الزّنا بالأمة كتحريمه بالحرّة، وأنّ الحدّ على الزّاني بالأمة كالحدّ على الزّاني بالحرّة، وأن تعرض الأمة بالأذى محرم كتعرض الحرّة بالأذى.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]
استدل بالآية على جواز استعمال ما يرد إلينا من بلاد الكفار من الثياب والمفارش والأغطية والبسط وغيرها، مما يصنع من الصّوف أو الشّعر أو الريّش (١).
مأخذ الحكم: أن السياق سياق امتنان، ولا يمتن إلّا بما هو طاهر وجائز الانتفاع به، كما أن سياق الامتنان يقتضي التّعميم، فيعم شعر المذكاة والميتة إلا ما منعه الدليل (٢).
والقول بأن الشعر والصوف والريش من الميتة طاهر إذا جُزَّ، هو قول الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)؛ لكون الأصل طهارتها قبل الموت بإجماع، فيستصحب هذا الأصل، ومن زعم أنه انتقلت إليها النجاسة فعليه الدليل (٤).
وعلى هذا الأصل، وكون الأصل في الأشياء الإباحة يمكن استصحاب ما يرد إلينا من بلاد الكفر من الثياب والمفارش والأغطية والبسط وغيرها.
стр. 194
قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: مشروعية أخذ الزّينة في الصّلاة، سواء كان في المسجد أو في بيته، وهذا مبني على أنّ الزينة بقوله ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: عند كل موضع سجود، فالمراد إذًا عند كل صلاة؛ إذ الصلاة هي المقصود الأعظم من حضور المسجد، وقد ورد في الحديث: (إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإنّ الله أحق من تُزين له) (١).
مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿خُذُوا﴾ والأمر بأخذ الزّينة يتناول الأمر بستر العورة، وستر ما جرت العادة بستره من البدن.
تنبيه: اختلف العلماء في الزّينة المقصودة بالآية. فقيل: المراد بها ستر العورة، وحمل الأمر على الوجوب، وهذا ما سبق ذكره في شروط الصلاة.
وقيل: إنّ المراد بها الزّينة الظاهرة، من الرّداء والإزار، وما زاد على ستر العورة من اللباس، وحملوا الأمر في الآية على الوجوب، وبعضهم على النّدب، كما سيأتي.
تنبيه آخر: سبب قصر بعض العلماء الزّينة في الآية على ستر العورة؛ لأجل سبب النزول، وما كان من عادة العرب في الجاهلية من التّعري في الطّواف، كما أن الأصل في الأمر حمله على الوجوب، والواجب هو ستر العورة فقط.
وغيرهم: أخذ بعموم اللفظ، فالزّينة تشمل كذلك الملبس الحسن، ويجوز عند العلماء حمل الأمر الواحد على الوجوب والندب معًا، كقوله ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، والخير منه الواجب ومنه المندوب.
стр. 195
وهذا الأمر أريد به الواجب في الواجبات، والمستحب في المستحبات، فالأمر عامّ في كل ما يتناوله لقيام المقتضى للعموم - قاله ابن تيمية (١).
• الحكم الثاني: على القول بأن لفظ الزينة في الآية يشمل ما زاد على ستر العورة في الصلاة - من الثياب الساترة، أو ما يتجمل به - فقد وقع الخلاف في حكم هذه الزينة.
فذهب قوم إلى وجوب أخذها، أي الثياب الساترة، أو ما يتجمل به، حتى أوجبوا على المرأة أن تصلي بالقلادة والقرطين.
ومأخذ القائلين بالوجوب: ظاهر الأمر في قوله ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ مع تفسير الصحابة للزينة بما يشمل ستر العورة وغيرها.
وذهب جمهور أهل العلم إلى كون ما زاد على ستر العورة مندوباً وليس بواجب.
ومأخذ الحكم: كون الأمر مصروفاً من الوجوب إلى الندب، والصارف في ذلك كونه من باب الحمل على الآداب ومكارم الأخلاق، وقد سبق.
• الحكم الثالث: ذهب جمهور أهل العلم إلى القول بأن أخذ الزينة الوارد في الآية مشروع، وجوباً أو ندباً للصلاة - على الخلاف السابق - سواء كان في مسجد أو غير مسجد.
ومأخذ الحكم: هو أن المراد بقوله ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي عند كل صلاة، فالأمر بأخذها للمسجد هو لأجل ما يقام فيه، ومنها الصلاة، وإذا وجبت الزينة للصلاة في المسجد وجبت لكل صلاة.
стр. 196
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]
استدل بها على وجوب تطهير الثياب، وسبق ذكر الخلاف في المقصود بالثياب، وكون طهارة الثياب الحسيّة من شروط الصّلاة في باب شروط الصّلاة.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ والأصل حمله على الوجوب.
стр. 197
كتاب الجنائز
قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
وقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].
والآيتان مرتبطتان ببعضهما حكمًا؛ لذا أحال القرطبي أحكام الأولى إلى الآية الثانية.
وقد ثبت في الصّحيحين (أنّه لما توفي عبد الله بن أبيّ بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنّما خيرني الله تعالى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وسأزيده على السبعين.
قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فترك الصلاة عليهم (١).
стр. 198
وقد استنبط العلماء من الآيتين أحكامًا:
• الحكم الأول: عدم جواز الصّلاة على الكافر.
مأخذ الحكم: النهي بقوله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ والنهي يقتضي التّحريم، وفساد العبادة، وعدم جواز الصلاة عليهم حكم مجمع عليه.
تنبيه: يؤخذ من مفهوم النهي عن الصلاة على الكافر، جواز الصّلاة على المؤمن فتكون مشروعية صلاة الجنازة ثابتة بالقرآن، وذلك عند من يقول بحجية مفهوم المخالفة.
ولا خلاف بين العلماء في مشروعية الصّلاة على المؤمن، وهي ثابتة بالسّنة والإجماع.
• الحكم الثاني: أن صلاة الجنائز صلاة شرعية كسائر الصلوات؛ وهو مذهب الشافعية والحنابلة، بخلاف من قال: إنّها ليست صلاة شرعية، وإنّما هي الدعاء؛ وهو مذهب الحنفية والمالكية.
ومأخذ القائلين بأنّها صلاة شرعيّة: هو ورود المصطلح (صلاة) في سياق النهي، وما كان كذلك، فإنّه ينصرف إلى العبادة الشّرعية، بخلاف ورودها في سياق الإثبات، فيحتمل إرادة المعنى اللغوي وهو: الدعاء والاستغفار.
فصلاة الجنازة داخلة في عموم الصّلاة الشّرعية، فتكون كذلك.
ويترتب على هذا الخلاف مسائل: منها: اشتراط قراءة الفاتحة فيها.
قال ابن قدامة: «ثم هو داخل في عموم قوله ﵇: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن) (١)(٢).
стр. 199
ويترتب على الخلاف كذلك مشروعية التّسليم لها، سواء تسليمتان أو واحدة، وكذلك النهي عن صلاتها في أوقات النّهي، وأنّ المسبوق يُكبِّر حين يحضر ويكون مدركًا للتكبيرة التي أدركها الإمام عليها، ويصلي عليها في المسجد، وهل يشترط لها الطهارة الحقيقية والحكمية، واستقبال القبلة وستر العورة أو لا، كل ذلك قياسًا على سائر الصلوات.
стр. 200
كتاب الزكاة
قال تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب الزكاة، وكونها ركناً من أركان الإسلام، ومن الأمور المعلومة من الدّين بالضرورة.
مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿وَآتُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب اتفاقًا.
تنبيه: الإيتاء: الإعطاء. أتيته: أعطيته، قال تعالى: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥].
• الحكم الثاني: الأمر بالآية يعم جميع أنواع الزكوات من مال، ومن ذهب وفضة وعروض تجارة، وبهيمة أنعام سائمة، وزروع على تفصيل وشروط بينتها السنة، وعلى هذا فالزكاة في كتاب الله مجملة بينها النّبي ﷺ .
ومأخذ الحكم: صيغة العموم، وهي التّعريف بأل غير العهدية في قوله: ﴿الزَّكَاةَ﴾.
ويدخل في العموم أيضًا: صدقة الفطر، وقد حمل الإمام مالك الآية عليها.
والجمهور على أن المراد بها الزكاة لمقارنتها بالصّلاة قاله القرطبي (١).
• الحكم الثالث: استدل بعض الحنفية بالآية على عدم وجوب الزكاة في مال الصّبي.
стр. 201
ومأخذ الحكم: دلالة الاقتران، حيث قرن المولى هنا بين الصّلاة والزّكاة، والصّلاة لا تجب على الصّبي فكذا الزّكاة.
وهذا القول مبني على القران بين الجملتين لفظًا يقتضي التّسويّة في غير المذكور حكمًا؛ لأنّ العطف يقتضي الشّركة.
والجمهور على أنّه لا يقتضي التّسويّة في غير المذكور حكمًا؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فعطف واجبًا على مباح.
تنبيه: الذّي في كتب الحنفية تخصيص ذلك بالجمل النّاقصة نحو قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فهما كجملة واحدة، والإشهاد في المفارقة غير واجبة، وكذا الإمساك والمفارقة بمعروف، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فإنّ كلًا من الجملتين مستقلة بنفسها، فلا يقتضي ثبوت الحكم في إحداهما ثبوته في الأخرى.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ مجمل من جهة مقدار المخرج، وقد بينه النّبي ﷺ بقوله (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (١)، وبقوله (ليس في أقل من خمس أواق صدقة) (٢)، وبقوله (في كل أربعين شاة شاة) (٣)، فبينت السنة أنصبة الزكاة، وسيأتي ذكر بعضها.
стр. 202
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: الانفاق منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، وقد اختلف العلماء في المراد بالإنفاق الوارد في الآية.
فقيل: هو الزّكاة المفروضة. وقيل: صدقة التطوع. وقيل: لهما جميعًا.
ومأخذ الخلاف: يرجع في دلالة صيغة الأمر ﴿أَنْفِقُوا﴾ فمن قال بأنّها على أصلها وظاهرها، فقال بوجوب الإنفاق، والواجب هو الزّكاة المفروضة، وتحمل الآية عليها.
وأيدوا قولهم بالنّهي الوارد في سياق الآية عن الإنفاق من الرّديء -كما سيأتي- والنّهي خاص بالواجب، فنهى عن إنفاق الرّديء فيها بدل الجيد.
أمّا التّطوع فللمرء أن يتطوع بالنازل في القدر.
أمّا القائل بأنّ الأمر للنّدب، فصرفه عن الوجوب بسبب نزول الآية، -كما سيأتي-.
قال القرطبي: «والرّديء منهي في النفل كما هو منهي عنه في الفرض، والله أحق من اخْتِيرَ له» (١).
ومأخذ القائل بأنّ الإنفاق للفرض والتّطوع: عموم اللفظ في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ و ﴿مَا﴾ اسم موصول دالّ على العموم، والعبرة به لا بسبب النّزول.
стр. 203
وما كسب العبد منه ما يجب فيه الزّكاة، ومنه ما لا يجب فيه الزكاة، وما لا يجب فيه الزّكاة، يستحب الإنفاق من الطيب منه.
• الحكم الثاني: إيجاب الزّكاة في عروض الكسب.
مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ وظاهره للوجوب.
• الحكم الثالث: وجوب الزكاة، مما أخرجت الأرض من غير المقتات وغيره، أي: من النّبات والمعادن والرّكاز.
مأخذ الحكم: العطف الوارد في قوله: ﴿وَمِمَّا﴾ وهي معطوفة على الأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ والعموم في صيغة (ما) الموصولة.
• الحكم الرابع: أنّ الزّكاة تجب في الخارج القليل من الأرض والكثير، وفي سائر الأصناف.
مأخذ الحكم: ما سبق من العموم الوارد بصيغة (ما) الموصولة، ثم إنّ السّنة بيَّنت مقدار الزّكاة في الخارج، كما سيأتي في آية الأنعام.
• الحكم الخامس: وجوب الإنفاق من الطّيب، وحرمة الإنفاق من الخبيث.
وفُسِّر الطّيب بالجيد، والخبيث بالرّديء، وعليه الجمهور ويدلّ عليه سبب نزول الآية.
قال البراء بن عازب ﵁: (نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرّجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرّجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصّفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله ﵎:
стр. 204
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قالوا: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى، لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده) (١).
مأخذ الحكم: أمّا وجوب الإنفاق من الطّيب فللأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ مع مفهوم الصفة في قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ وهو أنّه لا يجوز الإنفاق من غير الطّيب، وهو الرّديء على ما سبق تفسيره.
وأمّا حرمة إنفاق الخبيث، فللنهي الوارد بقوله ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
ومفهومه: أن المال إن كان جميعه رديئًا جاز الإنفاق منه؛ لعدم حصول التيمم في ذلك، أمّا إن كان بعضه جيدًا وبعضه رديئًا، فلا يجوز القصد للخبيث.
هذا إذا حُمِل النهي على أصله وهو التّحريم، وقيل: هو للكراهة؛ لأنّ الخبيث فيه الرديء لا الحرام.
وقيل: إنّ السياق يدلّ عليه؛ لأنّه حثهم على إنفاق أطيب أموالهم، لا أنه يحرم عليهم إنفاق الخبيث من التّمر أو الشّعير من القوت، وإن كانوا يقتاتون ما فوقه، وهذا إنما نزل في الأقناء التي كانت تعلق في المسجد فكانوا يعلقون، الحشف. قال الصيرفي: بعد أن ذكر ما سبق: فالمراد بالخبيث هنا الأردأ.
قلت: ولا يستبعد أن يكون الصارف هنا من التّحريم للكراهة؛ كونه من الآداب ومكارم الأخلاق.
стр. 205
قال الموزعي: «ولما أمرنا الله سبحانه بالإنفاق من طيبات ما كسبنا، ونهانا عن تيمّم الخبيث، استدللنا بهذا على أن كل خبيث ومعيب لمرض أو هزال أو غيره لا يجوز إنفاقه، إلا أن يكون جميع المال المزكى خبيثاً، أو معيباً؛ فإنا ننفق منه؛ لأنا لم نتيمم الخبيث للنفقة، وإن كان المال طيباً وخبيثاً، فلا يجوز لنا أن ننفق إلا من الطيِّب؛ لأمر الله سبحانه بالإنفاق منه، لكن يجب مراعاة العدل والقسط. وتفصيل ذلك مذكور في كتب الفقه» (١).
• الحكم السادس: أنّ الزكاة على صاحب الزّرع، لا على ربّ الأرض.
مأخذ الحكم: قال السيوطي في الإكليل: «وفيه أن من زرع في أرض اكتراها، فالزكاة عليه لا على رب الأرض لأنّ قوله ﴿أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾ يقتضي كونه على الزّارع» (٢). ا. هـ.
قلت: وهذا - والعلم عند الله - مبني على كون اللام للملك أو الاختصاص.
وذهب جمع من المفسرين إلى: أنّ اللام هنا للتّعليل، وهي متعلق ب ﴿أَخْرَجْنَا﴾، أي: من أجل ما أخرجنا من الأرض.
استدل بالآية على وجوب زكاة أنواع التجارات؛ لأنّ التجارة نوع من الكسب. وقد روي من عدة طرق عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، أنه قال: من التجارة (٣).
وقال الرازي: «ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، وزكاة الذهب … » (٤).
стр. 206
وعليه فيستدل على وجوب الزكاة في كثير من أنواع التجارات العصرية، كربح المحطات، والنفط الخارج بواسطة عقد الامتياز .... إلخ.
مأخذ الحكم: عموم الكسب الطيب، أو عموم الطيبات المكتسبة، والتي دلّت عليها صيغة العموم، وهي الإضافة في قوله: ﴿طَيِّبَاتِ﴾ بما بعدها، أو عموم (ما) الموصولة في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾، وكل ما سبق مأمورون أن ننفق منه بالأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]
دلّت الآية على تحريم البخل بمنع الزّكاة.
قال القرطبي: «والسّين في ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ سين الوعيد، أي سوف يطوَّقون، قاله المبرد. وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة. وهذه كقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين، منهم ابن مسعود وابن عباس … » (١).
ومأخذ الحكم: يؤخذ من كلام القرطبي السّابق بالتّفصيل الآتي:
الأوّل: أن الوعيد بسبب الفعل يقتضي التّحريم، بل جعلها كثير من العلماء من علامات الكبيرة، إذا لم يقرن به ما يصرفه عن التّحريم.
الثّاني: تفسير الصّحابي حجة، فقد جعل الوعيد بسبب الفعل، كالنّهي الوارد فيه، جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس ﵃.
стр. 207
قلت: ومأخذ ثالث: وهو أن وصف الفعل بأنّه شرّ لهم، من الأساليب الشّرعية الدّالة على التّحريم؛ وذلك لأنّه وصف لازمٌ، والذّم لا يكون إلا بسبب فعل المحرّم.
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]
قبل البدء في بيان مأخذ أحكام الآية، يحسن الوقوف على هذه المقدمة؛ لأجل تعلق الأحكام بها فأقول:
اختلف النّاس اختلافًا كثيرًا في هذه الآية، وسبب اختلافهم هو: اتفاقهم أن سورة الأنعام نزلت بمكة، وأنّ الزّكاة فرضت بالمدينة وأنّه لا حق في المال غير الزّكاة.
ولذا ذهب قوم إلى كون الآية منسوخة بالزكاة، وهو مذهب ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم.
وقيل: بل هي محكمة، وهؤلاء اختلفوا:
فقيل: ليس المراد بالحق في الآية ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ الزكاة، بل المراد: ترك شيء للمساكين غير الزّكاة، أي: حق في المال سوى الزكاة، أمر الله به ندبًا.
قلت: وهذا يُشكل عليه القول بأنّه ليس هناك حق في المال سوى الزّكاة.
وقيل: بل المراد بالحق في الآية الزكاة، وهؤلاء منهم من ذهب أن ما وجب في مكة هو اعتقاد وجوبها، ووقت العمل بها على بيان الجنس والقدر والوقت.
стр. 208
ومنهم من ذهب إلى أن الآية بخصوصها مدنية، وإن كانت السورة مكية، وهو قول الزّجاج.
وهناك مناقشات، وردود حول هذه الأقوال، مبسوطة في كتب التفسير.
هذا وقد استنبط العلماء من الآيات أحكامًا متعلقة بالزّكاة:
• الحكم الأول: أن الزكاة تجب في كل زرع وثمر، وخصوصًا الزيتون والرّمان المنصوص عليها في الآية، واستثنت الحنفية: الحشيش والحطب والقصب.
وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم الزّكاة في كل ثمر، ولا زكاة في الزّيتون والرّمان.
ولهم فيما تجب الزكاة من الخارج من الأرض من الزّرع ضوابط منها: أن يكون مقتاتاً مدّخراً، أمّا الزيتون فليس كذلك؛ لأنّه إدام.
ومأخذ الحكم: أمّا القائلون بوجوب الزكاة في كل ثمر وخصوصًا الزيتون والرمان، فقالوا: إنّ الضّمير في قوله ﴿حَقَّهُ﴾ يعود عليهما؛ لأنّ المذكور عقيب جملة ينصرف إلى الأخير بغير خلاف.
أمّا القائلون بعدم دخولهما، فمأخذهم من الآية: أن الحصاد يطلق على الحبوب حقيقة، ويدخل في حصاده الجذاذ في النّخل، أمّا الزّيتون والرّمان الواردان في الآية فلا يطلق عليهما الحصاد حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة، فيكونان غير مرادين بالإيتاء.
تنبيه: قال الموزعي: «فإن قالوا: أصل الحصاد ذهاب الشّيء عن موضعه الذي هو فيه، بدليل قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥]، وذلك غير مختص بالزرع.
стр. 209
قلنا: عرف اللسان قاض باختصاص الزرع به، ولهذا يقال: حصادُ الزرع، وجُدادُ النخل -بالدَّال المهملة-، وجذاذ البقل -بالمعجمة- فتخصيصه بالزرع حقيقة عرفيّة، وتعميمه حقيقة لغوية، والعرفية أولى من اللغوية … » (١).
• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال: إنّ الزّكاة لا يجب أداؤها قبل الحصاد.
مأخذ الحكم: مفهوم ظرف الزّمان في قوله: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فدلّ على أن الإيتاء المأمور لا يجب قبله.
وذهب الجمهور إلى أن وجوب التّعلق هو عند بدو الصّلاح؛ لأنّ النبي ﷺ كان يخرص النخل حين يبدو صلاحها، ويضمِّنها أربابها؛ ولأنّه وقت اقتياته الذي منّ الله به علينا، فهو واجب موسّع كالصلاة، والإيتاء يوم الحصاد بيان لما قد وجب يوم الحصاد.
فائدة: قال السيوطي في الإكليل: «واستدل بالآية على أن الاقتران لا يفيد التّسوية في الأحكام لأنّ الله تعالى قال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فقرن - الأكل وليس بواجب اتفاقاً - بالإتيان وهو واجب اتفاقًا» (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وتفصيل مقدار ذلك بينته
стр. 210
السّنة، ومبسوط في كتب التّفسير والفقه.
مأخذ الحكم: التوعد بالعذاب على التّرك، وهذا من خاصة الواجب؛ إذ لا يعاقب على ترك شيء إلا إذا كان واجبًا.
تنبيه: الآية محكمة، وأمّا القائلون بالنّسخ فباعتقاد عموم الإنفاق في جميعهما، والصّواب أن الواجب الإنفاق منها، ولم يرد إنفاق جميعها.
تنبيه آخر: قال القرطبي: «قال علماؤنا: ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنز ولا ينفق في سبيل الله ويتعرّض للواجب وغيره، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة، فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله، فلا بد وأن يكون كذلك، إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عُرفًا؛ فلذلك خص الوعيد به. والله أعلم» (١). اه.
• الحكم الثاني: استدل قوم بالآية على وجوب زكاة الحلي.
ومأخذ الحكم: العموم الوارد في الآية، فيشمل عموم الذهب وعموم الفضة، وأيدّوا قولهم بما رُوي (أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنتها، وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال ﷺ : «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال ﵊: «أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار؟»، فخلعتهما فألقتهما إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: هما لله ولرسوله) (٢).
ومنع الشّافعي ﵀ التمسك بعموم الآية في وجوب زكاة الحلي.
ومأخذه: أن العامّ إذا تضمن مدحًا أو ذمًا فلا يتمسك بعمومه، وقال بأنّ القصد إيجاب الذّم بالكنز دون العموم، أي: إنّ العموم لم يقع مقصودًا في الكل بل للذّم فقط. واللفظ إذا سبق لمعنى فلا يستدل به في غير ذلك المعنى؛ لأنّ المتكلم
стр. 211
لم يتوجه عليه.
وقالوا: القصد: المبالغة في الحث والزّجر.
والأكثرون على جواز التّمسك بالعموم فيما سبق للمدح أو الذّم؛ إذ لا منافاة فيحمل الذهب والفضة على العموم؛ إذ لا صارف عنه، ولا تنافي بين العموم والذّم. وإذا كان القصد المبالغة في الحث والزّجر فالعموم أبلغ في ذلك.
قال أبو الحسين: «اعلم أن بعض الشافعية يمنع من عموم قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ وأحالوا التّعلق به في ثبوت الزكاة في الحلي.
قالوا: لأنّ المقصد بذلك إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة، وليس القصد به العموم. والجواب: أن الذم إنما كان مقصودا بالآية؛ لأنه مذكور فيها، وهذه العلة قائمة في العموم؛ لأن اللفظ عامّ فوجب كونه مقصودا، وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما … » (١).
استدل بالآية من قال بوجوب الزكاة في الأوراق النّقديّة (٢).
مأخذ الحكم: استنباط كون العلّة فيما يزكى (النّقديّة) أي: كونها نقودًا، والأوراق تكون نقودًا فتجب فيها الزكاة.
стр. 212
ووجه استنباط العلّة من الآية: هو أن قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ إيماء إلى أنّ المراد بالذهب والفضة في الآية نقودهما؛ لأنها المعدّة للإنفاق، والآلة المباشرة له، والضّمير عائد عليهما باعتبارهما دراهم ودنانير، أي: باعتبارهما نقودًا؛ ولهذه الخاصيّة نصّ عليها في الآية لا لنفاستهما في نفسيهما (١)؛ لأنّه وجدت معادن لا تقل غلاء ونفاسة عن الذهب والفضة، بل قد تزيد كالألماس، واليورانيم، ولا زكاة فيهما؛ لأنّها ليست نقودًا (٢).
ثمّ إنّ كون الزّكاة واجبة دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا عقاب إلا على ترك واجب، فدلّ على أن الانفاق واجب.
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب الزكاة.
ومأخذ الحكم: إذا فُسرت الزكاة هنا بزكاة الفرض، وبه قال عكرمة.
وقيل: المراد بالصّدقة: الطّهارة من الذّنوب؛ وبه قال الحسن ﵀.
стр. 213
ومأخذه: سبب نزول الآية، وهو قطعي الدّخول، وقد ورد في سبب نزول الآية عن ابن عباس ﵄ قوله: (لما تخلف عشرة من المسلمين بلا نفاق، منهم أبو لبابة، ومرداس، وأبو قيس، واعتذروا، فلم يُعذورا حتى أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد باكين متضرعين، وحلف أبو لبابة لا يُحله إلا رسول الله ﷺ ، نزل قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] فلما نزلت الآية، أطلقهم، فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا، فأبى رسول الله ﷺ أخذها، فنزلت: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فأخذ الثلث) (١).
وذهب الجمهور إلى عموم الصدقتين؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب، ويدلّ على العموم قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارة إلى الصدقة المطهِّرة من الذنوب، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ إشارة إلى الصدقة الواجبة المزكيّة.
تنبيه: الدعاء للفاعل المدلول عليه بقوله ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ من الأساليب الشّرعيّة التي يستند إليها إلى إثبات مشروعية الأحكام - والصدقة هنا - دائرة بين الوجوب والنّدب. فتحتاج الفرضية إلى دليل آخر يعتمد عليه.
• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال: بأنّ الزّكاة يجب أن تدفع إلى الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾؛ ولذا لو فرّق المالك زكاته دون الإمام ضمن، وهو مذهب الإمام مالك.
وذهب الشّافعي في الجديد إلى أن ربّ المال مخيّر بين أن يفرقها بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام فيفرقها.
стр. 214
ومأخذ الحكم: أن قوله ﴿خُذْ﴾ خطاب للنّبي ﷺ ، ويقتضي بظاهره اقتصاره عليه، فلا يأخذ الصّدقة سواه، وينزل الحاكم منزلته في ذلك.
وقيل: لا يأخذها إلا النّبي ﷺ ، ولا ينزل أحد منزلته، وتسقط بموته ﷺ .
ومأخذهم: أن الخطاب موّجه له، واستدلوا كذلك بسياق الآية في قوله ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾.
وقالوا: لم تكن الزكاة إلّا مع صلاة النبي ﷺ التي كانت سكنًا لنا، وصلاة غيره ليست كذلك، وبهذا استدل مانعوا الزّكاة على أبي بكر الصّديق ﵁.
قال ابن العربي في رده على من قال بأنّ الخطاب موجه للنبي ﷺ : «أمّا قولهم: إنّ هذا خطاب للنّبي ﷺ فلا يلتحق غيره فيه به، فهذا كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة، متلاعب بالدّين، متهافت في النظر؛ فإنّ الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا، ولكن اختلفت موارده على وجوه، منها في غرضنا هذه ثلاثة:
الأول: خطاب توجه إلى جميع الأمة، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ونحوه.
الثاني: خطاب خُصَّ به النبي ﷺ ، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
الثالث: خطاب خُصَّ به النبي ﷺ قولاً ويشركه فيه جميع الأمة معنى وفعلًا؛ كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية. وقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة، وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة، وكذلك كل
стр. 215
من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة، ومن هذا القبيل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فإنه ﷺ الآمر بها والداعي إليها، وهم المعطون لها، وعلى هذا المعنى جاء قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (١).
• الحكم الثالث: استدل بالآية من قال بوجوب الدعاء لدافع الصدقة.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقولهم: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وهو على ظاهره للوجوب.
وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الدعاء للدافع، وجعلوا الصّارف له هو ما ورد عنه ﵊ عندما بعث معاذًا أو غيره؛ لأخذ الزّكاة، ولم يأمرهم بالدّعاء.
وأيدّوا ذلك أيضَا بأنّ لدعاء النّبي ﷺ خصوصية يتحقق بها السّكن والطّمأنينة.
تنبيهان:
الأوّل: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لفظ عامّ في الأموال المأخوذ منها الصّدقة، وعامّ فيمن تؤخذ منه العباد من المكلفين وغير المكلفين، وقد خصّ منها بالسّنّة والإجماع، وتفاصيل ذلك كتب التفسير والفقه.
الثّاني: قوله تعالى: ﴿صَدَقَةً﴾ لفظ مجمل في القدر المأخوذ، بينتها السّنة.
المطلب الأول: الزكاة في جميع ما يملكه الإنسان من مال.
استدل بها من قال: بأن الزكاة تجب في جميع ما يملكه الإنسان من مال، كالراتب الشّهري، وأجرة العمل، والمهن الحرّة، وكذا المستغلات، كأجرة الدور، وغلة المصانع سواء كان في يده أو في يد غيره.