• الحكم الحادي عشر: أن الحلق أفضل من التقصير، وهو محل اتفاق.
ومأخذه: وروده في كتاب الله في قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية ولم يقل تقصروا.
• الحكم الثاني عشر: عدم جواز تقديم الحلق على الهدي.
قال القرطبي: «لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وكذلك فعل رسول الله ﷺ ، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك» (١).
ومأخذ الحكم: النّهي ومفهوم الغاية فيه أنّه إذا بلغ الهدي محله، فللمحرم أن يحلق رأسه.
وقد ورد في السّنة من حديث عبد الله بن عمرو جواز تقديم الحلق على الهدي، وعدم وجوب الدم للناسي والجاهل، ففي الحديث: ( … فما سمعته سئل يومئذ عن أمر شيء، مما ينسى المرء ويجهل، من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله ﷺ : «افعلوا ذلك، ولا حرج») (٢).
قال الموزعي: «وأمّا حديث عبد الله بن عمرو فإنّه وإن ورد في الناسي والجاهل، فلا يدل على منعه في العامد، والله أعلم» (٣).
قلت: وذلك أن ما خرج مخرج الجواب عند سؤال لا مفهوم له كما هو مقرر في علم أصول الفقه، كما أن الحديث يكون صارفًا للنّهي الوارد في الآية عن التّحريم وربما كان للكراهة هنا.
стр. 317
قال الشاطبي: « … فلذلك إذا قال الشارع في أمر واقع: «لا حرج فيه»؛ فلا يؤخذ منه حكم الإباحة، إذ قد يكون كذلك، وقد يكون مكروها، فإن المكروه بعد الوقوع لا حرج فيه؛ فليتفقد هذا في الأدلة» (١).
أمّا الدّم فلو كان واجبًا لبيّنه النّبي ﷺ ؛ لأنّه وقت الحاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
• الحكم الثالث عشر: أن المكي هل له متعة.
فذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا متعة له، وذهب الجمهور إلى أن له متعة.
ومأخذ الحكم: الخلاف في رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فقال أبو حنيفة: إنّ الإشارة تعود إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفارة، فلا يصح لحاضري المسجد الحرام تمتع ولا قران.
ومأخذ الجمهور ظاهر عموم الآية، في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ و (من) من ألفاظ العموم - وأما اسم الإشارة فإنه يعود للدم وليس للتمتع كما سيأتي - فالآية لم تفرق بين المكي وغيره.
• الحكم الرابع عشر: أن المكي المتمتع لا هدي عليه عند الجمهور.
ومأخذ الحكم: رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يرجع إلى الهدي، وجعلوا اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ بمعنى (على)، أي: وجوب الدّم على من لم يكن من أهل مكة، كما أن الجمهور يرون أن دم المتمتع دم جبران؛ لترك الإحرام بالحجّ من الميقات.
تنبيه: الحنفية كما سبق يرون أن المكر له لا مشقة له، ولا قران، فإنّ تمتع
стр. 318
وجب عليه الدّم، وهو دم جناية لا يأكل منه.
قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]
استدل العلماء بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: أن فرض الحج والعمرة ينعقدان بالنّية دون النطق.
ومأخذه: أن معنى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ ألزم نفسه، وبالنية يتحقق ذلك وعليه لا يشترط معها نطق أو سوق هدي.
• الحكم الثاني: وجوب أخذ الزاد للحج، حتى لا يحتاج إلى سؤال الناس.
مأخذ الحكم: سبب النزول قطعي الدخول، وقد نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: نحن المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف يحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠]
استدل بالآيات على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: جواز التجارة في الحج، وقد قرأ ابن الزبير ﵄: (في مواسم الحجّ).
стр. 319
مأخذ الحكم: يدل عليه نفي الحرج في الفعل - وقد سبق في حكم الطواف بين الصفا والمروة - ويؤكده جوازه ما ورد عن ابن عباس ﵄ في سبب نزول الآية حيث قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج﴾ أخرجه البخاري (١).
• الحكم الثاني: وجوب الوقوف بعرفة، وهو ركن من أركان الحج باتفاق.
دلّ عليه قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ ثم قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وفيها دليل أن المولى قد أمرهم بالوقوف بعرفة قبل إفاضتهم منها.
وقال الموزعي: عن قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ «وهذه الآية أصرح وأبين في الدّلالة على الوجوب من التي قبلها؛ فإنّ الله أمرنا بالإفاضة من حيث أفاض الناس، فأوجب الحصول في مكان ابتداء الإفاضة الذي يفيض منه النّاس، وهو عرفات» (٢).
مأخذ الحكم: هو الأمر الوارد بقوله: ﴿أَفِيضُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب، والمراد بالإفاضة هنا: الإفاضة من عرفات، وهو قول جماهير المفسرين، بل حكى فيه الطبري الإجماع، ولم يخالف فيه إلّا الضّحاك، وهو محجوج بالإجماع، وكان الناس، وهم العرب ما خلا قريشًا تتجاوز المزدلفة، وتقف بعرفات، وتفيض منها.
стр. 320
تنبيه: لم يذكر المولى في كتابه وقت الوقوف، ولا وقت الإفاضة، وبيّنه ﷺ بفعله، فوقف بها إلى أن غربت الشمس، ثم دفع فجمع بين الليل والنهار.
تنبيه آخر: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بعد قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ يدل عند بعضهم أن (ثمّ) في الآية ليست لترتيب الحكم، بل هي للتّرتيب الذّكري، وعليه فلم تخرج (ثم) هنا عن موضوعها.
وقيل: ليست (ثمّ) في هذه الآية للترتيب، وإنّما هي لعطف جملة كلام على جملة كلام، هي منقطعة منها. ففي الكلام تقديم وتأخير.
وذكر ابن العربي أجوبة منها: «أن معناه ثم ذكرنا لكم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيرجع التعقيب ب (ثم) إلى ذكر وجود الشيء لا إلى نفس وجوده» (١). ويرجع إلى تفاصيل ذلك في كتب التفسير.
• الحكم الثالث: مشروعية النزول بالمزدلفة باتفاق إلّا أن الخلاف في كونه المبيت بها ركنًا أو واجبًا أو سنة، بل حُكِيَ عن بعض السّلف أنّه ليس بنسك، وإنّما هو منزلٌ إن شاء نزله، وإن شاء تركه، والأخير ضعيف جدًا، بل غلط ظاهر؛ لمخالفة الكتاب والسنة.
قال الموزعي ورجّح كونه واجبًا قال: «لموافقته القرآن، ولحديث عروة بن مضرس ﵁» (٢). وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ والعندية هنا لبيان الظرف المكاني.
стр. 321
• الحكم الرابع: مشروعية الذّكر في المشعر الحرام، وهو أمر مجمع عليه.
قال الموزعي: «قال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام: جميع المزدلفة وذكر الله سبحانه يقع على التلبية والصلاة والمبيت، إن لم يصحبه ذكر؛ لأنّه من مناسك الحج، والمناسك ذكر؛ لأنّها انقياد وتسليم لله » (١).
ومأخذ الحكم الوارد في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ودار الأمر هنا بحسب تفسير الذكر إلى واجب وهو الأصل، وذلك كالصلاة، والمبيت عند أكثر أهل العلم.
وأمّا التلبية: فهي مشروعة نطقًا ولا تختص بمكان دون مكان، إلّا أن أكثر أهل العلم على كونها سنة، وكذا الدعاء صبيحة يوم العيد بالمزدلفة قطعاً.
تنبيه: ورد الأمر بذكر الله أيضًا عند انقضاء المناسك بقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ونقل ابن عباس ﵄ في سبب نزولها أن العرب كانت إذا قضت مناسكها، أقاموا بمنى يقوم الرجل فيقول: (اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القُبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت لأبي فنزلت الآية، وأمروا بذكر الله عوضًا من ذلك) (٢)
وورد الذكر مقيدًا في أيام معدودات وسيأتي في الآية الآتية.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
стр. 322
• الحكم الأول: مشروعية ذكر الله في الأيام المعدودات، وهي: ثلاثة أيام بعد يوم النحر على خلاف بين أهل العلم، وتسمى أيام التّشريق، وأيام منى. وأمر الله ﷻ بذكره فيها لشرفها.
مأخذ الحكم: صيغة الطلب ﴿وَاذْكُرُوا﴾ وهي هنا دائرة بين الوجوب والنّدب.
فإذا فسر الذكر في هذه الأيام بالرّمي فهي للإيجاب، وإن كان مطلق الذكر كالتّكبير فهو للنّدب.
• الحكم الثاني: مشروعية التعجل في يومين للمكي وغيره.
ومأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ونفي الإثم من الأساليب الدالة على الإباحة.
وكونه للمكي وغيره: أخذًا من عموم (من) في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ وهي من ألفاظ العموم.
• الحكم الثالث: مشروعية ذكر الله في الأيام المعلومات؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ وهي معطوفة على قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وسبق القول أنّ اللام هنا للتعليل.
والمعنى: فأذن بالنّاس لأجل أن يشهدوا منافع لهم؛ ولأجل أن يذكروا اسم الله في هذه الأيام على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
ومأخذ المشروعية: ما سبق أن الأمر بالإذن للناس يدل على المشروعية، والتي من ثمرتها ومنافعها ذكر الله.
стр. 323
واختلف العلماء في المراد بذكر الله هنا، قال ابن الفرس: «واختلف في ذكر اسم الله ما هو؟ فقيل: هو بمعنى حمده وشكره على نعمته في الرزق، ويؤيده قوله ﵊ (إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى) (١) وقيل: المراد ذكر الله على النحر والذبح» (٢).
كما أنهم اختلفوا في المراد بالأيام المعلومات، فقيل: أيام العشر، وقيل: أيام الحج، وهو يوم عرفة والنّحر وأيام التّشريق، وقيل: يوم التّروية وعرفة، ويوم النحر، وقيل: يوم النحر ويومان بعده، وكل يستدل لقوله ببعض الآثار.
• الحكم الرابع: الذّبح والنحر لا يكون إلّا في هذه الأيام، وأجمعوا على أنّه لا يجوز الذبح في هذه الأيام حتى يكون النحر.
ومأخذ الحكم: مفهوم الظرف حيث دلّ اختصاص هذه الأيام المعلومات بالذكر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام بمفهومه على أنّه لا يكون في غيرها. وسيأتي مزيد في باب الأضحية.
• الحكم الخامس: ذهب بعض العلماء إلى أن الليالي لا تدخل، فلا يجوز الذّبح بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ﴾
ومأخذ الحكم: مفهوم اليوم، يدل على عدم دخول الليل، إذا قيل إنّ اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا يعتبر مفهوم ظرف زمان.
ومن قال: بأن الليل يدخل في اليوم أجاز الذبح فيها.
стр. 324
• الحكم السادس: مشروعية الأكل من الهدي والأضاحي والإطعام.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهو أمر ندبٍ عند الجمهور.
قال القرطبي: «أمر معناه الندب عند الجمهور … وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية» (١).
وقال ابن الفرس: «قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة بالأكل من الهدايا». ثم ذكر خلاف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجب مما لا يؤكل، ثم نقل عن مالك قوله: أنه يؤكل منها كلها، إذا بلغت محلها إلّا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، ثم قال: «واحتج ابن القصار لمالك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ولم يخص واجبًا من واجب ولا تطوع فهو عامّ في جواز الأكل إلّا ما قام الدّليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة؛ لأنّها وجبت للمساكين، فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات (٢).
• الحكم السابع: أن الهدي والأضاحي لا يكون إلّا من بهيمة الأنعام، وقد أجمع العلماء على ذلك.
ومأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أن غير بهيمة الأنعام لا تجزئ، وهو مفهوم صفة، - وسيأتي مزيد أحكام في باب الأضاحي بإذن الله - كالتسمية عند الذّبح، وقد قيل: إنّ المراد بذكر الله في الآية هو: التّسمية عند الذبح، وكالإجزاء من بعد الفجر، أي: قبل طلوع الشمس؛ لإضافة التّحريم إلى اليوم، ومقدار ما يطعم ويأكل ويتصدق إلى غير ذلك من أحكام.
стр. 325
• الحكم الثامن: مشروعية قضاء التفث، كالحلق ورمي الجمار وإزالة الشعث ونحوه، وغير ذلك على خلاف في التّعميم والتّخصيص ببعضها.
ومأخذ الحكم: الطلب الوارد بصيغة الأمر ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ والطلب دليل المشروعية.
• الحكم التاسع: أن الحلق نسك.
مأخذ الحكم: على التفسير بأنّه التفث الوارد بالآية، فيكون مأموراً به.
• الحكم العاشر: مشروعية الحلق بعد الذبح، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم: من يرى وجوب ذلك. ومنهم: من يرى استحبابه.
ومأخذ الحكم: ترتيب قضاء التّفث في الآية على الذّبح.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]
تضمنت الآية منع المشركين - ككفار مكة وغيرهم - من الحجّ بعد هذا العام الذي بعث فيه النّبي ﷺ أبابكر ثم أردف ﷺ بعليٍّ فأمره أن يؤذن بسورة براءة؛ لإعلام النّاس بألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (١).
مأخذ الحكم: النهي الوارد بقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ووصفهم بالنّجس مما يدل على وجوب اجتنابهم للمسجد الحرام.
стр. 326
قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٦ - ٢٩]
سبق الحديث عن أحكام هذه الآيات المتعلقة بالحج وبقي الحديث عن آيتين منهما:
الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].
وقد استدل بعض المعاصرين بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: استدل بها من قال بأن تحديد نسبة الحجاج الصدّ عن سبيل الله؛ لما فيه من منع بعض المسلمين الذين يريدون أداء الفريضة مع الاستطاعة (١).
مأخذ الحكم: قرن المولى الصدَّ عن المسجد الحرام بالكفر، ودلالة السياق تقتضي المشاركة في الإثم، واستحقاق العذاب الأليم، الذي ختمت به الآية، ولا يستحق العقاب إلّا على ترك واجب، أو ارتكاب محرّم، فدلّ على عدم جواز تحديد النّسبة لما فيها من صدّ بعض المستطعين عن فريضة حجهم.
تنبيه: سبق مناقشة هذا القول في المطلب الثالث، من المبحث السابق (الرابع).
стр. 327
• الحكم الثاني: استدل بالآية على عدم جواز تأجير المخيمات بمنى (١).
مأخذ الحكم: أنّ تأجير المخيمات يتسبب في الصدّ عن المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة.
ثمَّ إنه جعل المسجد الحرام ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، ومثله بقية المشاعر.
تنبيه: رأت هيئة كبار العلماء في المملكة بالأغلبية: أنه يجوز للدولة أنْ تؤجّر هذه الخيام بقيمة متناسبة مع ما كلّفه هذا المشروع حتى تحصل على قيمة التكلفة، وبعد ذلك لا يجوز الأخذ إلا بقدر تكاليف الصيانة فحسب، مع وجوب مراعاة الأسبقية في تأجيرها؛ لأنّ منى مناخ من سبق، فإنْ تعذّر مراعاة الأسبقية فيرجع إلى الاقتراع؛ لأنّ القرعة يلجأ إليها عند التزاحم ولا مميّز لأحدهم، أو إذا علمنا أنّ الشيء لأحدهم وجهلناه (٢).
ولعل القول به مبني على الاستحسان، واعتبروا التأجير معدولًا به عن الأصل للمصلحة المترتبة على المشروع من سلامة الحجاج، وحفظ أرواحهم. وإلا فالأصل أن حكم منى حكم نظائرها من أراضي المشاعر، فيشملها الحكم العام، وهو حكم المساجد - الوارد في الآية - في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].
• الحكم الثالث: استدل بالآية على عدم جواز إلزام الناس الحج عن طريق الحملات.
مأخذ الحكم: أنّ إلزام الناس الحج عن طريق الحملات يتسبب في الصدّ عن
стр. 328
المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة.
ويقال هنا ما قيل في المطلب السابق - تأجير المخيمات - من التنبيه.
يقول الشيخ العثيمين: «أنّ لوليّ الأمر أنْ يلزم الناس بالحجّ عن طريق الحملات إذا رأى أنّ المصلحة تقتضي ذلك» (١).
وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وقد استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: ذهب جمهور أهل العلم أن المراد بالطواف في هذه الآية، طواف الإفاضة، ويسمى بطواف الزّيارة، بل ونقل بعض العلماء الإجماع على كونه هو المراد.
واستنبط العلماء من الآية كون طواف الإفاضة ركنًا من أركان الحجّ، وهذا الحكم مجمع عليه.
ومأخذ الحكم من الآية: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل) وهو الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
تنبيه: ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالطواف هنا: طواف الوداع، ويرده ما قاله الجصاص في أحكامه حيث قال: «ظاهره يقتضي الوجوب; لأنه أمر والأوامر على الوجوب. ويدل عليه أنه أَمَرَ به معطوفا على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت - وهو يوم النحر بعد الذبح - إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة» (٢).
стр. 329
ثم إنّه على القول بأنّه طواف الإفاضة، أو الوداع فكلاهما واجب، فالأوّل: باتفاق، والثاني: عند من قال بأنّه المراد بالآية؛ إذ إنّ الأمر غير مصروف.
• الحكم الثاني: لا يصح الطواف بغير طهارة عند الجمهور، وهي شرط في صحة الطواف. وذهب الحنفية: إلى كونها واجبة وليست شرطًا في صحة الطواف، والواجب يمكن جبره بالدّم في الحجّ؛ ولذا قالوا: بصحة الطواف بدون طهارة.
وقالوا: إنّ الطّواف اسم للدوران بالبيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر.
مأخذ الحكم: يتكلم أهل الأصول عن هذا الفرع تحت قاعدة: مطلق الأمر هل يتناول المكروه أم لا؟
فعند الجمهور: لا يتناول المكروه خلافًا للحنفية.
وذكر ابن السمعاني أن فائدة الخلاف تظهر في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فلا يتناول عندنا الطواف بغير طهارة، وعلى مذهبهم يتناوله؛ فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنّه دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشّرعي، ونحن لا نقول إنّه طواف مكروه، بل لا طواف أصلًا؛ لقيام الدليل على أن الطّهارة شرط فيه كالصّلاة (١).
• الحكم الثالث: استدل بها من قال بعدم جواز الطواف في الطّابق العلوي؛ لأنّ ظاهر الآية لزوم كون الطواف بنفس البيت لا بفضائه (٢).
الاستنباط: على المعنى اللغوي، واللغة حجة، حيث إنّ معنى الطواف جعل المكان في وسطه، لا فوقه لا تحته.
стр. 330
يمكن أن يناقش بأنّ الهواء له حكم القرار (١)، فيتحقق الطواف حكماً، وحقيقة شرعية، لا حقيقة لغوية، والحقيقة الشرعية مقدَّمة، وسبق أن قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ مطلق؛ لأن الأفعال نكرات، وهو في سياق إثبات، والمطلق يجري على إطلاقه، سواء كان أسفل أو في الهواء، فيجري على إطلاقه ما لم يأت دليل التقييد.
• الحكم الرابع: استدل بها على جواز الطواف من المحدث (٢).
مأخذ الحكم: أخذ من المعنى اللغوي؛ إذ إنّ الطواف هو الدوران حول الكعبة، وهذا يتحقق من المحدث والطّاهر.
أو يقال بأن الطواف مطلق، والمطلق يجري على إطلاقه، فلا يتقيد بكونه على طهارة أو على غير طهارة، إلّا بدليل يقيد ذلك.
• الحكم الخامس: يستدل بالآية على جواز الطواف على العربة أو السير (٣).
ومأخذ الحكم: على ما سبق من أن المطلق يجري على إطلاقه.
تنبيه: هذا الحكم مبني على القول بأن المشي في الطواف مع عدم العذر سنّةٌ، وبهذا قال الشافعية (٤)، واختاره المجد (٥)، وابن قدامة (٦)، والشنقيطي (٧)، وابن باز (٨).
стр. 331
يقول الشيخ العثيمين: «لو تحذلق متحذْلِقٌ، وقال: إنّ من المهم عمل مشروع، وهو: أنْ يجعل المطاف متحرِّكًا بحركة الكهرباء كالدّرج، فهناك درجٌ الآن لا تترجّل فيه، وإنما تصعد عليه ويسير هو بك بالكهرباء، قال: تسهيلاً للناس، يدور بالناس وهم واقفون؛ لأنّ هذا أهون عن التزاحم، فنقول: أما على رأي من يرى أنّ الركوب في الطواف جائزٌ ولو بلا عذر، فهذا سائغٌ، وأما على رأي من يرى أنه لا يجوز، فهذا لا يجوز، على أنه ينبغي أنْ يمنع مطلقًا؛ لأنّ هذا يخرج مكان الطواف عن الطواف في الحقيقة، هذا رجلٌ واقفٌ لا يتحرّك، والأرض تدور به، فهذا المشروع ينبغي أن يردّ جملةً وتفصيلاً، والحجّ لا بدّ فيه من تعبٍ» (١).
• الحكم السادس: يستدل بالآية على جواز الانتقال من طابق إلى طابق أثناء الطواف والسعي.
ومأخذ الحكم: على ما سبق من كونه مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، فيتحقق الطواف والسعي في جميع الحالات السابقة، فدلَّ على جواز ذلك (٢).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]
استنبط من الآية وجوب الأخذ من شعر الرأس كله حلقًا، أو بعضه تقصيرًا.
ومأخذ الحكم: تكنية الشارع عن العبادة ببعض ما شرع فيها يدل على وجوبه، وعليه فيدل قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ على فرضية الحلق أو التقصير في الحج؛ لأنّ العرب لا تكني إلّا بالأخص بالشّيء.
стр. 332
قال المجد: إذ عبر عن العبادة بمشروع فيها دلّ على وجوبه، مثل تسمية الصلاة قرآنًا بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وتسبيحًا بقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وكالتعبير عن الإحرام والنسك بأخذ الشعر، بقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ذكره القاضي وابن عقيل ولم يحك خلافًا» (١).
باب الفوات والإحصار
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
قال ابن العربي عن آية البقرة إنّها: «مشكلة عُضْلةٌ من العُضْلِ» (٢) وقد استدل العلماء بالآيتين على بعض الأحكام:
• الحكم الأول: أنّ الإحصار يكون بالعدو وبالمرض.
ومأخذ الحكم: كونه راجعًا إلى الإحصار بالعدو الراجع إلى سبب نزول الآية حيث إنّها نزلت بالحديبية حين أحصر رسول الله ﷺ بالحديبية، وحلق ورجع ولم يصل إلى البيت، ويؤيده من الآية قوله بعد ذلك ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ ثم ذكر المرض بعد ذلك بحكم مستقل ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية.
стр. 333
أمّا كون الحصر يكون بالمرض فمأخذه: اللغة حيث إنّ الفعل الرباعي (أحصر) يقال في المرض، فيقال: «أحصره المرض» أمّا الثّلاثي (حصر) فإنّه للعدو، فيقال: حصره العدو، وهو قول الأخفش وابن السِّكيت من علماء اللغة (١).
وقال بعض أهل اللغة كالأزهري (٢) والزجاج (٣): إن الرباعي «أحصر» يقال لمن منعه خوف أو مرض من التصرف فهو محصر، ويقال لمن حُبس: حُصر، فهو محصور.
وقال ثعلب والفراء: أُحصر وحُصر لغتان (٤).
إذا تبين ما سبق فقد حمل بعض العلماء الإحصار في الآية على العدو، مؤيدين قولهم من خارج الآية - أيضًا -: (لا حصر إلّا حصر العدو) (٥).
ومن العلماء من حمل على الجميع لما سبق، ويؤيده من خارج الآية حديث ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب عند ما قالت لرسول الله ﷺ : إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ قال: (أهلي بالحج، واشترطي أن محلي حيث حبستني) (٦).
• الحكم الثاني: أن الإحصار يكون في الحج والعمرة.
стр. 334
قال القرطبي: «لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عامٌّ في الحج والعمرة. وقال ابن سيرين: لا إحصار في العمرة، لأنها غير مؤقتة، وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر، وفي ذلك نزلت الآية» (١).
فمأخذ الحكم: أن الإحصار في العمرة كان سبباً لنزول الآية، وسبب النزول قطعي الدّخول، وقاس العلماء الحجّ عليه؛ لأنّه بمعناه.
• الحكم الثالث: أن المحصر ممنوع من حلق شعره حتى يبلغ الهدي محله، ومفهومه أنه: إذا بلغ الهدي محله فللمحرم أن يحلق رأسه.
مأخذ الحكم: مفهوم الغاية الوارد في الآية بحرف (حتى).
قال أبو حيان ﵀: «هذا نهي عن حلق الرأس مغيا ببلوغ الهدي محله، ومفهومه: إذا بلغ الهدي فاحلقوا رؤوسكم» (٢).
• الحكم الرابع: الخلاف في المحصر المكي هل يجب عليه الهدي كالأفاقي.
قيل: إنّه كغيره، فيجب عليه الهدي.
ومأخذ الحكم: عموم الضمير في قوله ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ يشمل المكي وغيره.
وقيل: ليس عليه هدي، استدلالًا في الظاهر بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
قلت: وهذا الاستثناء يرجع الإشارة فيه إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفارة أو راجع إلى سقوط الدّم عن المتمتع كما سبق.
стр. 335
• الحكم الخامس: أن المحصر إذا تحلل بالهدي؛ فإنّه لا يجب عليه قضاء حجه أو عمرته.
ومأخذ الحكم: أن الله لم يذكر قضاء، والقضاء لا يجب إلّا بأمر ثانٍ عند الأكثرين من أهل العلم بالنظر وشرائط الاستدلال قاله الموزعي (١).
стр. 336
كتاب البيوع
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [١٩٨].
يستدل بالآية على إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب (١).
وقد ورد في سبب نزول الآية ما نقله البخاري عن ابن عباس ﵄ حيث قال: «كانت عكاظ ومجنَّة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج) (٢).
مأخذ الحكم: رفع الجناح من الأساليب الدالة على الإباحة. والآية وإن كانت في الحج إلا أن جوازها في خارجه أولى.
قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾
ويستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: إباحة البيع بأنواعه إلا ما دل دليل على تحريمه، والآية أصل في ذلك (٣).
مآخذ الحكم: إخباره عن الحكم المختص بالحل والإباحة بقوله: ﴿وَأَحَلَّ﴾ ويشمل حِلَّ البيوع بأنواعها لدخول «أل» غير العهديَّة على المفرد
стр. 337
المشتق (١)، في لفظ ﴿الْبَيْعَ﴾ فيعمّ الحِلّ كل بيع إلّا ما دلّ الدليل على تحريمه.
واشترط بعض الشافعية للعموم في «أل» الداخلة على المفرد المشتق، عدم مخالفته لأصل، فعمَّ في البيع؛ لأنه موافق للأصل من حيث إن الأصل في المنافع الحل، فمهما حرم البيع فهو على خلاف الأصل.
• الحكم الثاني: كون الحل الوارد في عموم البيع مخصوصاً ببيوعات محرمة، أي أنَّه من العام المخصوص.
مأخذ الحكم: تخصيص الكتاب بالسنة - ولو كانت آحادية - هو قول جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة (٢).
قال السيوطي: «ومن أمثلة ما خُصَّ بالحديث: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ خُصَّ منه البيوع الفاسدة، وهي كثيرة في السنة» (٣).
قال الجصاص: «﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ عموم في إباحة سائر البياعات … ثُمَّ منه جائز، ومنه فاسد … وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات، وإنما خُصَّ منها بدلائل» (٤).
• الحكم الثالث: جواز بيع المعاطاة (٥).
مأخذ الحكم: عموم الآية، فيدخل بيع المعاطاة (٦) في عمومها.
стр. 338
فائدة: الأسماء التي علق عليها الشارع أحكاماً - كالبيع علَّق عليه الحِلَّ - إذا لم يبين الشارع له لفظاً، فإنَّ المرجع فيها إلى العرف، وقد جرى العرف على جواز بيع المعاطاة.
قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الإشهاد على البيع، على ما ذهب إليه بعض العلماء (١).
مأخذ الحكم: حمل الأمر في قوله ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ على الوجوب، لعدم الصارف عندهم.
وذهب الجمهور إلى أن حكم الإشهاد على البيع هو الندب (٢)، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك، وجعلوا من صوارف الأمر عن الوجوب إلى الندب القرائن الآتية:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فدلَّ سياق الإشهاد على الدين والبيع أن الرهن كاف في ذلك؛ لأجل الائتمان، فيكون الإشهاد دلالة على الحث، لا أنه واجب.
الثانية: فعل النبي ﷺ حين اشترى فرساً من أعرابي ولم يشهد عليه (٣)، وفعله
стр. 339
من صوارف الأمر من الوجوب إلى الندب؛ إذ لو كان واجباً لأشهد عليه النبي ﷺ ، ولما تركه (١).
الثالثة: لقيام الإجماع السكوتي، أو الإجماع العملي على جواز ترك الإشهاد، فالناس على مر العصور يتبايعون من غير إشهاد مع علم الناس من غير نكير، ولو كان واجباً لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به.
• الحكم الثاني: كون الإشهاد يشمل البيع والشراء، فالبائع مأمور بأن يشهد على بيعه، والمشتري مأمور بأن يشهد على شرائه، على جهة الوجوب أو الندب كما سيأتي.
مأخذ الحكم: حمل المشترك - وهو لفظ (البيع) في قوله: ﴿تَبَايَعْتُمْ﴾ - على معنييه وهما: البيع والشراء.
باب شروطه وما نُهي عنه
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٨].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم أكل المال بغير وجه شرعي، وله صور كثيرة (٢).
стр. 340
قيل: تنحصر في: جحد ما يجب على الانسان بذله من وديعة أو زكاة، ودعوى ما ليس من حقه.
وقيل: إنّ أصول المعاملات المحرمة: الربا، والظلم، والغرر (١).
والمقصود هو: أن من صور البيوع المنهي عنها والمحرمة شرعاً، أكل المال بالباطل، بالظلم أو الغرر، وغير ذلك.
مأخذ الحكم: النهي الوارد بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، والعموم في قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾، بدخول الألف واللام على اسم الجنس، فيعم كل باطل، وجماعها ما ذكر.
• الحكم الثاني: تحريم الرشوة (٢).
وهذا الحكم وإن كان داخلاً في العموم السابق إلا أن في قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، حاجة لتخصيصها بالذكر؛ إذ إن الإدلاء هنا فُسِّر بالرشوة (٣).
مأخذ الحكم: عطف الإدلاء بها على النهي في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، أي: ولا تدلوا بها إلى الحكام.
كما أن في وصف الفعل بالإثم في قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، دليلاً على التحريم؛ إذ هو أسلوب من أساليب التحريم، وفيه ذمٌ للفعل بوصف كونه إثماً.
стр. 341
قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: اشتراط البلوغ وإيناس الرشد، لصحة البيع (١).
وفُسِّر الرشد بأنه: حسن التصرف بالمال. وإنما يحصل من العاقل دون السفيه.
وعليه فلا يصح بيع ولا شراء الصبي غير المميز، ولا المجنون.
مأخذ الحكم: تعليق المولى سبحانه دفع المال لليتامى بشرطين: بلوغ النكاح، وذلك بالبلوغ، وإيناس الرشد. والمعلَّق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما (٢).
تنبيه: قال ابن الفرس: «والفاء في قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ للشرط لا للتعقيب» (٣).
قلت: وهو مقيِّد للشرط الأول، وهو البلوغ.
• الحكم الثاني: جواز بيع وشراء الصبي المميِّز فيما أذن له الولي فيه.
مأخذ الحكم: الحكم بظاهر الآية، وهو أن الاختبار يكون قبل البلوغ (٤).
قال ابن قدامة للدلالة على هذا الحكم: «لوجهين: أحدهما: أنَّه سمَّاهم يتامى، وإنَّما يكونون يتامى قبل البلوغ. والثاني: أنَّه مدَّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظ (حتى)
стр. 342
فدلَّ على أنَّ الاختبار قبله .. » (١).
ومأخذ آخر: كون الاختبار واجبًا قبل دفع المال، ولا يتم إلَّا بالإذن لهم بالبيع والشراء، فدلَّ على مشروعية ذلك وجوازه؛ لأن ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، وكل واجب فهو جائز.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: اشتراط رضا المتعاقدين في صحة عقود المعاوضات المالية (٢)، وفساد بيع المكره (٣).
مأخذ الحكم:
أولاً: دلالة الاستثناء المنقطع في الآية؛ حيث إن ﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن، وهو استثناء من النفي (٤)، فيدلّ على جواز الأكل حال التراضي. والتقدير: إلَّا أن تكون تجارة عن تراض منكم فيكون الأكل جائزاً.
قال الرازي: «قوله: ﴿إِلَّا﴾ فيه وجهان: الأول: أنه استثناء منقطع؛ لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل، فكان ﴿إِلَّا﴾ ههنا بمعنى (بل)،
стр. 343
والمعنى: لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض.
الثاني: أن من الناس من قال: الاستثناء متصل، وأضمر شيئاً، فقال: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وإن تراضيتم، كالربا وغيره، إلا أن تكون تجارة عن تراض» (١).
ثانياً: مفهوم الشرط في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، ومفهومه ما لم تكن عن تراض فالبيع فاسد، وبيع المكره عن غير رضا.
تنبيه: لا يرى الحنفية وابن حزم مفهوم المخالفة حجة، وقد استدلُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ على فساد بيع المكره، وليس هذا احتجاجاً منهم بدليلِ الخطابِ من الآية، بل بِمَنطوقها، وذلك أنهم رأوا أن صدر الآية -وهو النهي عن أكل الْمَالِ بالباطل- عامٌّ، استُثْنِيَ منه البيع عن تراض، والبَيعُ مع الإكراه خَالٍ عن التراضي، فبقي داخلاً في عموم الْمُسْتَثْنَى منه، أي في عموم النهي عن أكل المال بالباطل (٢).
• الحكم الثاني: عدم اشتراط الصيغة (القبول والإيجاب) في البيع (٣).
مأخذ الحكم: أن قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ مطلق، والمطلق يجري على إطلاقه، أي لا يتقيد بالألفاظ التي ذكرها الفقهاء: بعت، وقبلت، ونحوها.
قال الشوكاني: «أما كون المعتبر مجرد التراضي، ولو بإشارة من قادر على النطق فلكونه لم يرد ما يدل على ما اعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة،
стр. 344
وأنه لا يجوز البيع بغيرها، ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: بعتك، وبعت منك، فإنَّا لا ننكر أنَّ البيع يصح بذلك، وإنَّما النزاع في كونه لا يصح إلا بها، ولم يرد في ذلك شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾، فدلَّ على أنَّ مجرد التراضي هو المناط، ولابد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كناية، بأي لفظ وقع، وعلى أيِّ صفة كان، وبأيِّ إشارة مفيدة حصل» (١).
تتمة: من قال: لا ينعقد بيع المعاطاة، وإنما يحتاج في البيع إلى الصيغة؛ قالوا: «لما كان الرضا أمر يتعلق بالباطن، ولا يطلع عليه أحد في الظاهر إلا ببيان اللسان، اشترطنا النطق، واكتفينا به دليلاً على الرضا، صريحاً كان النطق أو كناية؛ لقيام الكناية بالدلالة على الرضا» (٢).
• الحكم الثالث: عدم اعتبار خيار المجلس (٣).
قال السيوطي: «لأنه اعتبر التراضي في تمام التجارة، دون التفرق» (٤).
مأخذ الحكم: شرط التراضي في جواز التجارة، وأطلقه - سبحانه - والمطلق يبقى على إطلاقه، وبيَّن ذلك ابن العربي بقوله: « .. إنما يدل مطلق الآية على التجارة على الرضا، وذلك ينقضي بالعقد وينقطع بالتواجب، وبقاء التخاير (٥) في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقاً ولا تنبيهاً، وكل آية وردت في ذكر البيع والشراء
стр. 345
والمداينة والمعاملة إنما هي مطلقة لا ذكر للمجلس فيها، ولا لافتراق الأبدان» (١).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
قال السيوطي عن المراد ﴿بِالْعُقُودِ﴾: «وقيل: ما عقده الإنسان على نفسه من بيع وشراء … فيدخل تحتها من المسائل ما لا يحصى» (٢).
ومما يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز خيار الشرط (٣)، ولو طالت مدَّته (٤).
مأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿بِالْعُقُودِ﴾، فهو جمع محلى بأل فيعم كل عقد، ومنه العقد الذي اشترط فيه الخيار.
• الحكم الثاني: نفي خيار البيع والمجلس، وعدم صحتهما (٥).
مأخذ الحكم: حمل الأمر في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ على الوجوب، فيجب الإيفاء بعقد البيع، والعقد هو الإيجاب والقبول، فدلَّ على أنَّ خيار المجلس لا يثبت؛ لأن إثباته ينافي الإلزام بوفاء العقود، وهو خلاف مقتضى الآية، وسبق قول ابن العربي.
стр. 346
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: من شروط البيع المتعلقة بالمبيع أن يكون مالاً، ويعبر عنه بعض الفقهاء بالنفع أو الانتفاع. والخمر والأنصاب والأزلام لا نفع فيها، فلا تكون مالاً، وما ليس بمال لا تجوز المبادلة به (١).
مأخذ الحكم: في الآية أساليب دالة على التحريم: ﴿رِجْسٌ﴾، و ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، و ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فهو نهي بصيغة الأمر.
والتحريم هنا لأجل كونها ﴿رِجْسٌ﴾، سواء كان ذلك حسياً أو معنوياً، فيدل على عدم النفع بها، ومعلوم أنَّ النهي إنما يكون لحسم مادة الفساد، لذا قيل إنه يقتضي الفساد.
• الحكم الثاني: تحريم بيع الخمر والأنصاب والأزلام (٢).
قال السيوطي: «أصل في تحريم الخمر» (٣).
مأخذ الحكم: سبقت الإشارة إليه في المأخذ الأول.
تنبيه: التحريم -هنا- مضاف إلى عين -الخمر والأنصاب- والتحريم لا يضاف إليها، وإنما يضاف إلى فعل المكلَّف، لذا لا بد من تقدير فعل للمكلَّف، فيقدَّر لفظ: التصرف، أو الاستعمال، أو الفعل. أي: تصرفكم وفعلكم بالخمر والميسر رجس فاجتنبوه، ويشمل التصرف والفعل: الأكل، أو الشرب، أو البيع،
стр. 347
أو الاتخاذ.
• الحكم الثالث: تحريم الميسر، وهو القمار، وهو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن يكون غانماً إن أخذ، أو غارماً إن أعطى، ويدخل فيه صور كثيرة، منها: بيع الملابسة، واللعب بالشطرنج والنرد، .... الخ
وذكر السيوطي أنَّ الآية أصل في تحريم القمار بأنواعه (١).
مأخذ الحكم: ما سبق في مأخذ الآية، ومنه قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وهو أمر بمعنى النهي، مثل: دع، وذر، واترك … الخ
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
يستنبط من الآية: إباحة جميع ما سكت عنه الشرع، ولم يرد فيه نص بالتحريم (٢).
مأخذ الحكم: يؤخذ ويستنبط من العموم الوارد بصيغة اسم الموصول (ما) في قوله: ﴿مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، ويدلُّ على أنَّ جميع المحرمات قد فصَّل الشارع حكمها وبيَّنه. ومفهومه أن ما لم يفصل تحريمه فهو حلال.
قلت: ما لم يفصَّل يبقى كذلك تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.
стр. 348
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
يستنبط من الآية: تحريم وعدم صحة البيع والشراء ممن تلزمه الجمعة بعد الشروع في ندائها الثاني (١).
مأخذ الحكم يتبيَّن بالمآخذ الآتية:
المأخذ الأول: دلَّ النهي على التحريم وفساد البيع بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، وهو أمر بمعنى النهي (٢).
المأخذ الثاني: كون التحريم للبيع والشراء؛ إذا حمل المشترك على معنييه؛ إذ إن لفظ ﴿الْبَيْعَ﴾ مشترك يتناول المعنيين البيع والشراء.
ولما كان علَّة تحريم البيع -وهي: الاشتغال عن صلاة الجمعة- موجودةً في الشراء أيضاً. استدلَّ بعضهم بدليل سد الذرائع لذات المعنى؛ لأنه وإن كان مباحاً في أصله إلا أنه قد يكون ذريعة إلى فوات الخطبة، أو الصلاة أو بعضها.
المأخذ الثالث: في قصر الحكم على من تلزمه الجمعة؛ لأن الحكم معللٌ بما يحصل به الاشتغال عن الجمعة، وهذه العلة معدومة في حق من لم تلزمه الجمعة.
تنبيه: من العلماء من جعل المخاطب بالآية الجميع؛ لعموم النهي.
وذهب قوم إلى أن «البيع جائز في ذلك الوقت، وأن الآية على الندب لا على الإلزام، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾» (٣).
стр. 349
تكملة: الأمر بعد ذلك في قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] للإباحة؛ لكونه أمراً بعد حظر. أو يقال: يرجع إلى حكمه قبل الحظر، وفيه الخلاف في حكم البيع.
باب الرِّبا
قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: أن الآية أصل في تحريم الربا بأنواعه إلا ما خصه دليل (١)
مأخذ الحكم: ورود التحريم على جهة العموم.
وقد ورد التحريم بأساليب متنوعة، منها:
(١) إخباره عن الحكم المختص بالتحريم بقوله: ﴿وَحَرَّمَ﴾ وهو صريح في الدلالة على التحريم.
(٢) وبالوعيد لمن عاد عليه بالنار، بقوله ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
(٣) وبالإخبار بمحق الربا، بقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ وهو نوع عقوبة، لا تكون إلا على فعل محرم.
(٤) وبعدم محبة الله لفاعله، وذم فاعله بأنه كفَّار أثيم، كما في ختم الآية.
стр. 350
أما العموم فهو المستفاد من دخول «أل» غير العهدية على المفرد المشتق، وهو لفظ ﴿الرِّبَا﴾ في الآية، ومن ثمَّ يعم حرمة كل ربا إلا ما خصَّه الدليل.
المأخذ الثاني: العمل بظاهر الآية، والعمل بالظاهر حجة.
ولما قيل بأن لفظ ﴿الرِّبَا﴾ متردد بين معنييه الشرعي واللغوي، حمل على المعنى الشرعي؛ لأن شأن الشرع أن يبين أحكام الشرع لا أحكام اللغة.
المأخذ الثالث: كون العبرة بعموم اللفط، حيث قيل في سبب نزول الآية إن ثقيفًا كانوا أكثر العرب ربًا، فلما نهوا عنه قالوا: كيف ننهى عن الربا وهو مثل البيع، فحكى الله تعالى ذلك عنهم، ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع، فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١).
فيقال العبرة بعموم اللفظ، فيحرم جميع أنواع الربا، ومنها الربا الذي يعامل به أهل الجاهلية، إذا حَلَّ دينُهُ على غريمه طالبة، فيقال: زدني في الأجل وأزيدك في المال، وهو ربا النسأ، واللفظ يعمه ويعم ربا الفضل.
• الحكم الثاني: أن العقود الواقعة في دار الحرب لا تُتْبَع بعد الإسلام بالنقض، سواء كانت عقود بيع أو نكاح (٢).
مأخذ الحكم: لقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، فأضاف المولى المال له بلام التمليك، وبصيغة العموم (ما) في قوله ﴿مَا سَلَفَ﴾، وذلك مشروط بالانتهاء ﴿فَانْتَهَى﴾، الواقع في جواب الشرط ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.
أما المسلم فلا يدخل في هذا الحكم؛ لأن الموعظة قد جاءته من قبل، وعصى، وكان الواجب عليه الامتثال.
стр. 351
قال ابن الفرس: «والآية كلها في الكفار المُرْبِين نزلت، ولهم قيل: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يُؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية» (١).
• الحكم الثالث: أنَّ من استحلَّ ما حرم الله سبحانه مما اتفقت عليه الأمة، وشاع تحريمه فيها، أنه يكفر بذلك، بخلاف الجاهل (٢).
ومأخذ هذا: أنَّ المولى - سبحانه - لما علَّق استحقاق النار على من عاد بعد مجيء الموعظة - ففيه نوع استحلال منه - ثم ختم المولى حكم الربا بعد ما سبق بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾، وأما الجاهل فلا يكفر؛ لأن الخطاب يدل على أنَّ ما لم يأته موعظة من ربه فلا حرج (٣).
وقال القرطبي: «قال كثير من المفسرين: وهذا وعيد لمن استحل الربا، ومن استحل فإنَّه يكفُر، ويكفَّر» (٤).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم ربا الجاهلية وإبطاله (٥).
стр. 352
وهذه الآية تتحدث عن ربا الجاهليَّة، وقد اتفق المسلمون على إبطال هذا الربا، تبعاً لإبطال المولى له (١).
وربا الجاهلية هو ما كانت العرب تفعله من تأخير الدَّين بزيادة منه، فيقول أحدهم لغريمه: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصير الطالب عليه (٢).
مأخذ الحكم من الآية: ورود النهي الدال على التحريم والإبطال بأساليب، وهي:
الأول: النهي بقوله: ﴿وَذَرُوا﴾، وهو أمر بمعنى النهي.
الثاني: نصب المولى سبحانه للمرابي العداوة، في قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وفيه إخبار بعظم معصيته، وأنَّه يستحق بها المحاربة عليها.
وبيَّن العز بن عبد السلام أنه راجع إلى الذم والوعيد، والذم والوعيد لا يكونان إلا على محرم (٣).
الثالث: وصف التارك بأنه تائب، والتوبة لا تكون في الأصل إلا من الذنب (٤).
قال العز بن عبد السلام: «ولا توبة في الأغلب إلا عن ذنب» (٥).
• الحكم الثاني: أن المقيم على الربا يستتاب وإلا يقتل.
стр. 353
مأخذ الحكم: قول ابن عباس: (من أقام على الربا فعلى إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلَّا ضرب عنقه) (١)، استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾. أخرجه ابن جرير.
• الحكم الثالث: أن مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلا بعد القبض.
مأخذ الحكم: قال ابن عاشور: «دلَّت الآية على أن مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلا بعد القبض، ولذلك جاء قبلها ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، وهنا ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾، وهذه الآية أصل عظيم في البيوع الفاسدة، تقتضي نقضها، وانتقال الضمان بالقبض، والفوات بانتقال الملك» (٢).
والمقصود بالفوات: تضييع منفعة العين المملوكة، كإمساك عين لها منفعة، يستأجر لها.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
يستنبط من الآية تحريم رِبا الفضل.
قال السيوطي: «فيه النهي عن ربا الفضل، وآية البقرة عامة في ربا الفضل والنسيئة» (٣).
стр. 354
مأخذ الحكم: من الأساليب الدالة على التحريم:
الأول: ورد الحكم بصيغة النهي الصريحة، وهي قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾
الثاني: ذم الفعل وبيان شناعته. يقول القرطبي « … فدلَّت العبارة على شُنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حالة التضعيف خاصَّة» (١).
فوائد: الأولى: قال ابن الفرس: «وخصت لفظة الأكل؛ لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال؛ ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كلَّه، فاللباس والسكنى والإدخار، والإنفاق على العيال، وغير ذلك، كلُّه داخل تحت قوله ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]» (٢).
الثانية: قال القرطبي: « .. وإنما خصَّ الربا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب» (٣).
تنبيه: نقل العلماء الإجماع على تحريم الربا، كثيره وقليله، وهما في التحريم سواء، ولا حجة لبعض المعاصرين الذين أجازوا الربا اليسير الذي ليس فيه مضاعفة، احتجاجاً بمفهوم الآية.
وذلك لأن من شرط المفهوم: (ألا تظهر فائدة من تخصيص الشيء بالذكر غير نفي الحكم عما عداه)، وقد تخلف هذا الشرط هنا؛ لوجود ف
وائد أخرى من تقييد النهي عن الربا غير نفي الحكم حال المضاعفة، ومن تلك الفوائد:
الأولى: إنَّما خُصَّ حال المضاعفة بالذِّكر؛ لبيان شناعة فعلهم؛ لأن الواحد منهم كان يستزيد في الدَّين مرَّة بعد أخرى، فيبلغ الحال به إلى أن يستغرق بالنزر
стр. 355
اليسير مال المَدين كلَّه، وكأن الله تعالى يقول لهم موبِّخاً ومُشَهِّراً بسوء صنيعهم: لقد بلغ بكم الأمر في استحلال أكل الربا أنكم تأكلونه أضعافاً مضاعفة، فلا تفعلوا ذلك (١).
الثانية: إنما خُصَّ الأضعاف المضاعفة بالذِّكر؛ لبيان حادثة واقعة، أي نزلت الآية بياناً لحكم حالة جرى التعامل بها وانتشر آنذاك، وما كان كذلك لا مفهوم له؛ لأن من موانع المفهوم كون المنطوق ذُكر لبيان الواقع.
قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
يستنبط من الآية: تحريم الربا.
مأخذ الحكم يتبين بالأساليب الآتية:
الأول: ورود الحكم في سياق بيان الظلم الذي فعلوه، واستحقوا به تحريم طيبات ما أحل الله لهم.
قال القرطبي: «كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده» (٢).
الثاني: وصف الفعل بأنه ظلم من الأساليب الدالة على التحريم.
قال ابن القيم في مقام سرده للأساليب الدالة على التحريم: «أو وصفه بصفة ذم، مثل كونه ظلماً، أو بغياً، أو عدواناً» (٣).