← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1359

فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (711 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال ابن الفرس: «والآية كلها في الكفار المُرْبِين نزلت، ولهم قيل: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يُؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية» (١). • الحكم الثالث: أنَّ من استحلَّ ما حرم الله سبحانه مما اتفقت عليه الأمة، وشاع تحريمه فيها، أنه يكفر بذلك، بخلاف الجاهل (٢). ومأخذ هذا: أنَّ المولى - سبحانه - لما علَّق استحقاق النار على من عاد بعد مجيء الموعظة - ففيه نوع استحلال منه - ثم ختم المولى حكم الربا بعد ما سبق بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾، وأما الجاهل فلا يكفر؛ لأن الخطاب يدل على أنَّ ما لم يأته موعظة من ربه فلا حرج (٣). وقال القرطبي: «قال كثير من المفسرين: وهذا وعيد لمن استحل الربا، ومن استحل فإنَّه يكفُر، ويكفَّر» (٤). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: تحريم ربا الجاهلية وإبطاله (٥).

стр. 352

وهذه الآية تتحدث عن ربا الجاهليَّة، وقد اتفق المسلمون على إبطال هذا الربا، تبعاً لإبطال المولى له (١). وربا الجاهلية هو ما كانت العرب تفعله من تأخير الدَّين بزيادة منه، فيقول أحدهم لغريمه: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصير الطالب عليه (٢). مأخذ الحكم من الآية: ورود النهي الدال على التحريم والإبطال بأساليب، وهي: الأول: النهي بقوله: ﴿وَذَرُوا﴾، وهو أمر بمعنى النهي. الثاني: نصب المولى سبحانه للمرابي العداوة، في قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وفيه إخبار بعظم معصيته، وأنَّه يستحق بها المحاربة عليها. وبيَّن العز بن عبد السلام أنه راجع إلى الذم والوعيد، والذم والوعيد لا يكونان إلا على محرم (٣). الثالث: وصف التارك بأنه تائب، والتوبة لا تكون في الأصل إلا من الذنب (٤). قال العز بن عبد السلام: «ولا توبة في الأغلب إلا عن ذنب» (٥). • الحكم الثاني: أن المقيم على الربا يستتاب وإلا يقتل.

стр. 353

مأخذ الحكم: قول ابن عباس: (من أقام على الربا فعلى إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلَّا ضرب عنقه) (١)، استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾. أخرجه ابن جرير. • الحكم الثالث: أن مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلا بعد القبض. مأخذ الحكم: قال ابن عاشور: «دلَّت الآية على أن مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلا بعد القبض، ولذلك جاء قبلها ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، وهنا ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾، وهذه الآية أصل عظيم في البيوع الفاسدة، تقتضي نقضها، وانتقال الضمان بالقبض، والفوات بانتقال الملك» (٢). والمقصود بالفوات: تضييع منفعة العين المملوكة، كإمساك عين لها منفعة، يستأجر لها. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]. يستنبط من الآية تحريم رِبا الفضل. قال السيوطي: «فيه النهي عن ربا الفضل، وآية البقرة عامة في ربا الفضل والنسيئة» (٣).

стр. 354

مأخذ الحكم: من الأساليب الدالة على التحريم: الأول: ورد الحكم بصيغة النهي الصريحة، وهي قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ الثاني: ذم الفعل وبيان شناعته. يقول القرطبي « … فدلَّت العبارة على شُنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حالة التضعيف خاصَّة» (١). فوائد: الأولى: قال ابن الفرس: «وخصت لفظة الأكل؛ لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال؛ ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كلَّه، فاللباس والسكنى والإدخار، والإنفاق على العيال، وغير ذلك، كلُّه داخل تحت قوله ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]» (٢). الثانية: قال القرطبي: « .. وإنما خصَّ الربا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب» (٣). تنبيه: نقل العلماء الإجماع على تحريم الربا، كثيره وقليله، وهما في التحريم سواء، ولا حجة لبعض المعاصرين الذين أجازوا الربا اليسير الذي ليس فيه مضاعفة، احتجاجاً بمفهوم الآية. وذلك لأن من شرط المفهوم: (ألا تظهر فائدة من تخصيص الشيء بالذكر غير نفي الحكم عما عداه)، وقد تخلف هذا الشرط هنا؛ لوجود ف وائد أخرى من تقييد النهي عن الربا غير نفي الحكم حال المضاعفة، ومن تلك الفوائد: الأولى: إنَّما خُصَّ حال المضاعفة بالذِّكر؛ لبيان شناعة فعلهم؛ لأن الواحد منهم كان يستزيد في الدَّين مرَّة بعد أخرى، فيبلغ الحال به إلى أن يستغرق بالنزر

стр. 355

اليسير مال المَدين كلَّه، وكأن الله تعالى يقول لهم موبِّخاً ومُشَهِّراً بسوء صنيعهم: لقد بلغ بكم الأمر في استحلال أكل الربا أنكم تأكلونه أضعافاً مضاعفة، فلا تفعلوا ذلك (١). الثانية: إنما خُصَّ الأضعاف المضاعفة بالذِّكر؛ لبيان حادثة واقعة، أي نزلت الآية بياناً لحكم حالة جرى التعامل بها وانتشر آنذاك، وما كان كذلك لا مفهوم له؛ لأن من موانع المفهوم كون المنطوق ذُكر لبيان الواقع. قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. يستنبط من الآية: تحريم الربا. مأخذ الحكم يتبين بالأساليب الآتية: الأول: ورود الحكم في سياق بيان الظلم الذي فعلوه، واستحقوا به تحريم طيبات ما أحل الله لهم. قال القرطبي: «كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده» (٢). الثاني: وصف الفعل بأنه ظلم من الأساليب الدالة على التحريم. قال ابن القيم في مقام سرده للأساليب الدالة على التحريم: «أو وصفه بصفة ذم، مثل كونه ظلماً، أو بغياً، أو عدواناً» (٣).

стр. 356

الثالث: التعبير بالنهي عنه في قوله: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهو من الأساليب الصريحة في التحريم. تنبيه: هذا الحكم مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ولا خلاف في الحكم هنا لدلالة شرعنا عليه، كما سبق في الأدلة السابقة. أبواب السَّلَم والقرْض والرَّهن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: إباحة السلم، والاستدانة مطلقاً؛ لأن الله أجاز التداين إلى أجل بشرط الإشهاد (١). قال الموزعي: «والمداينة من الدَّين، مفاعلة، وهي اسم لكل دين في الذمة، فيدخل في ذلك بيع السلعة المعيَّنة بثمن إلى أجل مسمَّى، وبيع السلعة في الذمة إلى

стр. 357

أجل مسمَّى، وهو السلم والسلف» (١). وعليه فمعنى قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ «أي: تعاملتم بالدين، وهو يعم كل دين من قرض، أو بيع (السلم)، أو غير ذلك»، فتتناول «جميع المداينات إجماعاً». كما قاله ابن عطية (٢). مأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾، وهي نكرة في سياق شرط؛ لأن الفعل ينزل منزلة النكرة، والنكرة في سياق الشرط تعم، فتعم كل دين على ما سبق، والعبرة بعموم اللفظ لا خصوص سبب نزولها، حيث إن الآية نزلت فيما كان يتعامل به أهل المدينة من السلم خاصة، لحديث: (قدم النبي ﷺ وهم يسلفون السنة والسنتين … ) (٣). نقل ابن الفرس عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في السلم خاصة، ثمَّ قال: «يعني سلم أهل المدينة كان سبب الآية، وقد اختلف الأصوليون في الكلام المستقل بنفسه، الوارد على سبب، هل يقصر على سببه، أو يحمل على عمومه؟، وقد قال مالك في الآية: وهذا يجمع الدَّين كله أ. هـ. أي: حمل اللفظ على عمومه» (٤). تتمة إيضاح: البيوع الجائزة المتعلقة بالدين نوعان: الأوّل: بيع السلعة في الذمة إلى أجل مسمى وهو السلم وهو: تعجيل الثمن وتأخير المثمن، أو بيع الدين بالعين، أو بيع عاجل بآجل. والنوع الثاني: بيع السلعة المعينة بثمن إلى أجل مسمى، ومنها: الاستدانة،

стр. 358

وهي: بيع العين بالدين، أو بيع آجل بعاجل. • الحكم الثاني: استدل بها مالك على جواز تأجيل القرض (١). مأخذ الحكم: قال سبحانه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات، فدخل في عموم المداينات، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقبلهما ابن عمر وجماعة من السلف. تتمة: خالف في ذلك جمهور أهل العلم، ومحل الخلاف فيما إذا اتفق الطرفان على تأجيله، فهل يلزم التأجيل أو لا يكون ملزمًا؟ فقال الجمهور بعدم اللزوم؛ لأنّ القرض عبارة عن إرفاق وتبرع، والتأجيل عبارة عن وعد، والوعد ليس بملزم. أمّا من قال باللزوم فاستدل بقوله ﵇: (المؤمنون على شروطهم) (٢). • الحكم الثالث: بطلان كل بيع وسَلَم وعقد كان الأجل فيه مجهولاً (٣) مأخذ الحكم: أولاً: تفسير الصحابي، وهو ظاهر قوله: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وفسَّره ابن عباس بالمعلوم. ثانياً: لما فيه من غرر عظيم، وما يؤدي إليه من تنازع. • الحكم الرابع: قال ابن الفرس: وفيها دليل على أن السلم لا يكون إلا مؤجلاً،

стр. 359

ولا يجوز أن يكون حالاً (١). مأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ﴾. حيث علَّق الله الحكم إلى الأجل بصيغة الشرط. • الحكم الخامس: يشترط أن يكتب صفة الدَّين وقدره (٢). قال ابن الفرس: «فالآية دليل لمن أجاز السلم في كل ما يضبط بالصفة على الشروط المعروفة» (٣). مأخذ الحكم: القياس على الأجل، وهو أحد الأوصاف؛ فحكم سائر أوصافه بمنزلته. كما يفهم كذلك من كتْب الصغير والكبير، كتابة الأوصاف من الصفة والقدر. • الحكم السادس: مشروعية كتابة الدَّين (٤). مأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾. فقيل: للوجوب على أصله، وقيل: للندب (٥). أما الصارف فقالوا: قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، حيث أسقط المولى الكتابة عند الأمن من ضياع الحق. ومن صوارف الأمر من الوجوب إلى الندب، كذلك فعله ﷺ حيث ابتاع بلا كتابة ولا إشهاد، وكذا جريان العمل على عدم الكتابة في جميع ديار المسلمين (٦).

стр. 360

• الحكم السابع: الرخصة في ترك الكتابة في بيع الحاضر. مأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾، ونفي الجناح من الأساليب الدالة على الإباحة. • الحكم الثامن: اشتراط التقابض في البيع الحاظر (١). قال القرطبي: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض (٢). مأخذ الحكم: بدلالة الإشارة؛ إذ نظم الآية غير مساق لهذا الحكم، بل مساق إلى الكتابة في البيع، وذلك بعد قوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ فاستثنى من ذلك التجارة الحاضرة بينهم، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]. يستنبط من الآية استحباب القرض. ذكر الرازي أن من العلماء من حمل القرض في الآية على إنفاق المال، ثمَّ ذكر أن لهم ثلاثة أقوال، والأول: أنَّ المراد من الآية ما ليس بواجب من الصدقة. ثمَّ بين دليله، وهو مأخذ الحكم. مأخذ الحكم: قال الرازي في دليل الحكم السابق بعد أن نسبه للأصم: «واحتج عليه بوجهين: الأول: أنَّه تعالى سمَّاه بالقرض، والقرض لا يكون إلا تبرعاً. والحجة الثانية: سبب نزول الآية، قال ابن عباس ﵄: نزلت الآية في أبي

стр. 361

الدحداح، قال: يا رسول الله إن لي حديقتين، فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنَّة؟ قال: نعم»، وذكر القصة، ثمَّ قال الرازي: «إذا عرفت سبب نزول هذه الآية ظهر أن المراد بهذا القرض ما كان تبرعاً لا واجباً». ثمَّ نقل القول الثاني: في حمل القرض على الإنفاق الواجب. والقول الثالث: في الحمل على الجميع، وقال بأنه الأقرب (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: مشروعية الرهن، وكونه مندوباً إليه، حال السفر وعدم وجود الكاتب (٢). والرهن: مؤنثة،، وهو بيعٌ، دين بعين، يمكن استيفاء الدين أو بعضه من تلك الدين أو من بعضها. مأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَرِهَانٌ﴾، وهو مصدر مقرون بالفاء في محل الجزاء، والمعنى: ارهنوا رهناً، وصُرِف الأمر من الإيجاب إلى الندب بالإجماع. قال ابن قدامة: «والرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفاً … وقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ إرشاد لنا لا إيجاب، بدليل قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]» (٣). كما أن الرهن بدل الكتابة والشهادة - وهما غير واجبين - والبدل يأخذ حكم المبدل منه.

стр. 362

• الحكم الثاني: اشتراط القبض في الرهن. أي: قبض الرهن للمرتهن، والمعنى رهان تقبض (١). قال الموزعي: «واتفق أهل العلم على اشتراط قبض الرهن، لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فيصح الرهن حيث يتصور القبض من المرتهن، ويبطل حيث يمتنع القبض .... قال الشافعي: لم يجعل الله تعالى الحكم إلا برهن موصوف بالقبض، فإذا عدمت الصفة، وجب أن يعدم الحكم» (٢). مأخذ الحكم: قوله: ﴿فَرِهَانٌ﴾ مصدر مقرون بالفاء في محل الجزاء، وهو من صيغ الأمر، وقوله: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ صفة لرهان، ولما كان الرهن غير واجب؛ لصرف الأمر عن الوجوب بالإجماع - كما سبق - بقي الوجوب متعلقاً بوصفه الذي هو القبض، ومن ثمَّ كان القبض شرطاً في لزوم الرهن. قال الزيلعي: «ولنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، والمصدر المقرون بحرف الفاء في جواب الشرط يراد به الأمر، والأمر بالشيء الموصوف يقتضي أن يكون ذلك الوصف شرطاً فيه؛ إذ المشروع بصفة لا يوجد بدون تلك الصفة» (٣). وقال ابن الفرس: «وقالوا: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ لا يخلو إما أن يكون خبراً أو أمراً، فإن كان خبراً كان شرطاً فيها لامتناع أن يقع الخبر بخلاف مخبره، وإن كان أمراً فهو على وجوبه» (٤).

стр. 363

تتمة: استدل بعضهم بمفهوم قوله: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ أنَّ الرَّهن الذي لم يقبض لا يلزم، بمعنى عدم ترتب أحكامه عليه حتى يقبض (١). ونوقش المفهوم: بعدم حجيته؛ لوجود مانع من ذلك، وهو ظهور فائدة أخرى غير نفي الحكم عن المذكور. ولذا قال بعضهم: إنه شرط للصّحة، أو لبيان حقيقة التوثيق التام، وأنّه يحصل بالقبض، وخاصة إذا كان العقد في السفر وليس ثمة كاتب (٢). وقال ابن الفرس: «﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فجعل القبض من صفاتها، فدلَّ على أنها تكون رهناً قبل القبض؛ لأن وصف الشيء بصفة يجب أن يكون معنى زائداً على وجوده» (٣). • الحكم الثالث: استدل بظاهر الآية على أن الرهن لا يجوز إلا في السفر (٤). مأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ومفهومه إن لم يكن على سفر فلا رهن. وعورض بالمنطوق من حديث أنس ﵁: (لقد رهن النبي ﷺ درعًا بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيراً لأهله) (٥)، كما أن تخصيصه بالسفر؛ لأنّه مظنة عدم وجود الكاتب. تتمة: استدل بالآية الضحاك على أنه لا يجوز الرهن في السفر إلا عند فقد

стр. 364

الكاتب لقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ (١). قلت: ومأخذه: أن الحكم عُلِّق الحكم على شرطين: السفر وعدم وجود الكاتب، والمعلَّق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما. وقال ابن الفرس: «وقال ابن الفرس: «ولا حجة لهم فيها؛ لأن ذكر الرهن في السفر ليس دليلاً على منعه في الحضر، بل أراد الله تعالى أن ينبه على جواز الرهن إذا مَنَع عذر من الانتقاد فذكر السفر؛ إذ قد يكون أحد الأعذار المانعة من الانتقاد تنبيهاً على سائر الأعذار، فالرهن في الحضر أيضاً مشار إليه بالآية على هذا الوجه» (٢). ثمَّ ذكر الحديث السابق من رهنه ﵊ درعه. • الحكم الرابع: مشروعية الرَّهن في السفر، والرد على من منع ذلك (٣). مأخذ الحكم: قال ابن قدامة: «والحجة فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ واللفظ عامّ، فيدخل السلم في عمومه؛ لأنه أحد نوعي البيع (٤). • الحكم الخامس: استدل بالآية على أن القابض أمين فيما قبضه، فيكون القول قوله، وهذه قاعدة تحتها فروع كثيرة (٥). والمقصود بالقابض: المدين الذي أخذ المال. مأخذ الحكم: أنّ الله جعل الرهن بدلًا عن الكتابة والشهود، فكان الرهن ناطقًا

стр. 365

بقدر الحق. ولم يكن وثيقة بالدين ولا بدلًا … فدلالة الحال أنّه إنّما رهنه على قيمة ما يقاربها. ولو كان القول قول الراهن لم يكن للرهن فائدة. تتمة: قال الموزعي: «ويستنبط من الآية أن صاحب الدَّين إذا لم يكن له شاهد أنه يجوز له أخذ حقه من الرهن من غير إذن السلطان، سواء كان الرهن من جنس حقِّه، أو من غير جنس حقه، إذ هو فائدة الرهن، لا فائدة له في هذا المكان غير الاستيفاء» (١). باب التَّفليس والحجْر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]. يستنبط من الآية أحكام التَّفليس الآتية: • الحكم الأول: وجوب إنظار المعسر (٢). مأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أي: فعليكم إنظاره. أو لكونه مصدراً، أي فانظروه نظرة. • الحكم الثاني: تحريم حبسه وملازمته (٣). مأخذ الحكم: وهو مبني على وجوب إنظاره أي: وتحريم مطالبته؛ لأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضده، وإذا حرمت مطالبته فحبسه أولى. • الحكم الثالث: يجوز مطالبة الموسر بالدين الحال.

стр. 366

مأخذ الحكم: مفهوم الشرط المخالف، حيث أثبتت الآية بمنطوقها أنَّ من ثبت إعساره وجب إنظاره إلى حين يصير موسراً، في قوله: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، ومفهوم المخالفة إذا لم يكن معسراً بل كان موسر الحال لا يجب إنظاره، بل يجوز لغرمائه مطالبته. قال العمراني: «فإن كان موسراً .. جازت مطالبته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، فأوجب إنظار المعسر، فدل على: أن الموسر لا يجب إنظاره» (١). • الحكم الرابع: لا يجوز بيع الحر في الدين (٢). مأخذ الحكم: أنّ المولى سبحانه جعل له الإنظار، وهذه الآية ناسخة لما كان من قبل من بيع الحر بالدين، وهذا إن ثبت أنّ النّبي ﷺ أمر به في صدر الإسلام، كما ذكر ابن عطية وغيره (٣). • الحكم الخامس: لا يكلف المديون الكسب لوفاء دينه (٤). مأخذ الحكم: أنَّ الله تعالى حكم بالإنظار ولم يوجب كسباً ولا غيره. تنبيه: من خالف في ذلك قال: إن الآية نزلت في الربا. أي: خاصة بها دون سائر الديون، فأمر الذي يتعاملون به في الجاهلية أن يأخذوا رؤوس أموالهم بلا زيادة، وينظروا المعسر حتى يوسر. كما أن الأصل الوفاء بالدين، والوفاء به لا يتم إلّا بالكسب، فكان الكسب

стр. 367

واجبًا. وحملوا الآية على من لا صنعة له (١). تتمة: قال ابن الفرس: «قُرئ (وإن كان ذا عسرة) قال بعضهم: على هذا تختص الآية بالربا، ومن قرأ: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ فهي عامة في جميع مَنْ عليه الدين. وهذا الذي ذكروه غير لازم، بل القراءتان كل واحدة منهما محتملة للتأويلين» (٢). • الحكم السادس: الحث على الإبراء وأنه مع كونه مندوباً أفضل من الإنظار الذي هو واجب (٣). مأخذ الحكم: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بعد الحكم بوجوب الإنظار. ولا خلاف بأن التصدق والإبراء ليس واجباً، وكيف يجب والوجوب ينافي التخيير الوارد في الآية، ومع الحث عليه لم يبق إلا الندب. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. يستنبط من الآية الحكم الآتي من أحكام الحجر: أن السفيه يحجرُ عليه وتلغي أقواله وتصرفاته وإقراره، وأنه لابد له من ولي يلي أمره (٤). مأخذ الحكم: جعل الشارع التصرف لوليه، وهذا يفيد الحجر عليه (٥). ولأنّ حفظ ماله واجب، ولا يتم حفظ ماله إلّا بولي، فالولي واجب.

стр. 368

تتمة: فسر الضحاك والسدي السفيه هنا: بالصغير. وفسر مجاهد الضعيف: بالأحمق وهو الناقص العقل، ففيه الحجر على المخبَّل والمجنون (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٥ - ٦]. يستنبط من الآية أحكام الحجر الآتية: • الحكم الأول: يجوز الحجر على من بلغ سفيهاً، أو عاوده السفه، فصار مبذراً لماله (٢). مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿السُّفَهَاءَ﴾؛ لأنه جمع معرف ب (أل) فيشمل كل سفيه، بالغاً أو دون ذلك. وإن ثبت الحجر على السفيه، فالمجنون من باب أولى. • الحكم الثاني: لا يدفع المال إلى الصبي حتى يختبر. فللولي أن يدفع إلى موليه شيئاً من ماله، ويأذن له في التصرف فيه؛ لاختباره والوقوف على رشده (٣). مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، والابتلاء هو الاختبار. • الحكم الثالث: يختبر اليتيم قبل بلوغه (٤).

стр. 369

مأخذ الحكم: دلَّ منطوق الآية أن الاختبار قبل البلوغ إلى البلوغ، ومفهوم الغاية المخالف: أن ما بعد البلوغ لا يكون محلاً للاختبار، وسيأتي قول ابن قدامة في الحكم الآتي. تنبيه: اعتبر بعضهم قوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ مجازاً، باعتبار ما كان، ولا مفهوم له. • الحكم الرابع: يدفع المال للصبي إذا أنسَ منه الرشد وبلغ، ولا يدفع له إذا بلغ غير راشد (١). مأخذ الحكم: المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما، وقد عُلِّق دفع المال على شرطين: البلوغ، وإيناس الرشد، فلا يدفع المال حتى يحصل الشرطان. قال ابن قدامة للدلالة على هذا الحكم: «لوجهين: أحدهما: أنَّه سمَّاهم يتامى، وإنَّما يكونون يتامى قبل البلوغ. والثاني: أنَّه مدَّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظ (حتى) فدلَّ على أنَّ الاختبار قبله .. » (٢). • الحكم الخامس: يدفع المال للجارية بعد بلوغها وإيناس الرشد منها. مأخذ الحكم: أنَّ قوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع معرَّف ب (أل) فيعم الذكر والأنثى. • الحكم السادس: الحجر على الفاسق (٣). ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالرشد المانع من الحجر: هو الصلاح في الدين والمال، حتى يحجر على الفاسق، وقالوا: إن إفساده لدينه يمنع الثقة به في حفظ ماله.

стр. 370

ومأخذ الحكم: أنَّ قوله ﴿رُشْدًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم الرشد في المال والدين. ومن قال عمومها بدلي، أي أنها مطلقة لا عامة - وهو رأي بعض الأصوليين - قال بأن المطلق يصدق بأي فرد، وحملوه على المال؛ لسياق الآية، فسقط الاستدلال فيما عداها. قال العيني: «قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فإنه ذكر الرشد نكرة، والنكرة في موضع الإثبات تخص ولا تعم» (١). باب الصلح قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب بعث الحكمين للإصلاح؛ لأجل دفع الظلم، وإزالة الشقاق. قال الشافعي: «فإذا ارتفع الزوجان المخوف شقاقهما إلى الحاكم، فحق عليه أن يبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ومن أهل القناعة والعقل ليكشفا أمرهما، ويصلحا بينهما إن قدرا» (٢). مأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿فَابْعَثُوا﴾، والأصل حمله على الوجوب.

стр. 371

كما أنَّ الظلم والشقاق حرام، ولا يتم تركه إلا ببعث الحكمين للإصلاح، وترك الحرام واجب، فكان البعث للإصلاح واجباً. • الحكم الثاني: أن يكون الحكمان من أهلهما. قال الموزعي: «والتقييد بكونهما من أهلهما يقتضي أنه لا يجوز أن يكون من غير أهلها، وهو كذلك عند المالكية»، ثمَّ ذكر أنه مستحب غير واجب عند الشافعية (١). مأخذ الحكم: تقييد المطلق ﴿حَكَمًا﴾، بأن يكون ﴿مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. يستنبط من الآية: مشروعية الصلح والحث عليه (٢). مأخذ الحكم: أولاً: كون الاستثناء من النفي إثبات، فنفى المولى سبحانه الخيرة عن كثير من نجواهم، وأثبت بالاستثناء أموراً، وهي الصدقة والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس. ثانياً: قرن المولى سبحانه الإصلاح بالأعمال الصالحة المتفق على صلاحها بواو العطف، ودلالة الاقتران تقوى - هنا - فيكون حكم الإصلاح حكمها من حيث الحث والطلب فيها.

стр. 372

تنبيه: الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، اختلف فيه هل هو منقطع أو متصل؟ قال الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة: «إن كانت النجوى مصدراً كان الاستثناء منقطعاً، ويمكن اتصاله على حذف مضاف من الأول، أي ذوي نجوى، أو من الثاني، أي: إلَّا نجوى من أمر. وإن كانت النجوى جمع نجى، فيكون الاستثناء متَّصلاً من غير تقدير حذف» (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز الإصلاح بين المتخاصمين من الزوجين أو غيرهما. قال السيوطي: «وهو عام في كل صُلح، أصل فيه» (٢). مأخذ الحكم: أولاً: إذن المولى سبحانه بذلك، بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. ثانياً: العموم في قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، حيث عُرِّف الصلح بأل غير عهدية فيعم كل صلح.

стр. 373

• الحكم الثاني: جواز الصلح على الإنكار أو المجهول. قال السيوطي: « … واستدل بعموم الآية من أجاز الصلح على الإنكار أو المجهول» (١). والصلح على الإنكار: أن يدعي شخص على شخص آخر عيناً، أو ديناً، أو منفعة، فينكر المدعى عليه، وكل منهما يعلم صدق نفسه، ثم يصطلحان (٢). مأخذ الحكم: العموم الذي سبق بيانه في الحكم الأول؛ لأن ما فعلاه - على الإنكار أو المجهول - يسمى صلحاً. قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. يستنبط من الآية: الحث على إصلاح ذات البين. مأخذ الحكم: الأمر في الآية بقوله ﴿وَأَصْلِحُوا﴾. مع ما ورد في سبب نزولها؛ إذ هي نازلة في الإصلاح بين الصحابة، حين اختلفوا في بعض الغنائم يوم بدر، فيمن هو أحق بها، من حازها، أو من تبع آثار العدو المنهزم، أو من حرس رسول الله ﷺ حتى لا يصيبه العدو منه غِرَّة، فنزلت الآية (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].

стр. 374

يستنبط من الآيتين الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي (١). قال السيوطي: «فيه وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي» (٢). مأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا﴾، وقد وردت ثلاث مرات. فائدة: ذكر العلماء فائدة تكرار الأمر بالإصلاح، وأن لكل موضوع فائدة مقصودة. فقالوا: الأمر الأول: بعد اقتتالهم لوأد تلك الفتنة. والثاني: بعد امتناع الباغية وقتالها، وقرن الصلح فيها بالعدل ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾؛ إذ هو مظنة للتحامل عليهم. والأمر الثالث، وهو قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، أمر عام في الإصلاح في كل فتنة، مع بيان العلة باقترانها بالحكم، وتلك العلَّة لكونهم إخوة في الدين، تأكيداً لهذه الرابطة الإيمانية، وبيان لحقوقها. • الحكم الثاني: سقوط تباعات الجراح والدماء. مأخذ الحكم: إطلاق الآية، وعدم ذكر شيء يترتب على الصلح. قال الموزعي: «وأطلق سبحانه الصلح ولم يذكر تِباعةٌ في دم ولا مال. قال الشافعي: فأشبه هذا - والله أعلم - أن تكون التباعات في الجراح والدماء، وما كان من الأموال ساقطاً بينهم» (٣). قلت: وسيأتي مزيد تفصيل في أحكامها في باب قتال أهل البغي.

стр. 375

باب [الكفالة] والضمان [والجعالة] قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]. الكفالة هي إحضار المدين، والضمان إحضار الدَّين. والجعالة … يستنبط من الآية من أحكام الكفالة: جواز الكفالة والحمالة بالنفس. قال ابن الفرس: «والأصل في الكفالة بالنفس قوله تعالى في هذه السورة ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾، فهذه كفالة بالنفس» (١). وقال الماوردي: ﴿مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: «الموثق الكفيل، فامتنع يعقوب من إرسال ولده مع إخوته إلا بكفيل يكفل به» (٢). وتقدير الكلام كما يقول القرافي: «لتأتني به في كل حالة من الحالات إلا في حالة الإحاطة بكم، فإنني لا ألزمكم به فيها لقيام العذر» (٣). مأخذ الحكم: ثبت في شرع من قبلنا، وهو شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يمنعه، وقد ورد في شرعنا ما يدل على جوازه، ومن ذلك قوله ﷺ : (الزعيم (٤) غارم) (٥).

стр. 376

تتمة: قال ابن الفرس: «وفيها عندي حجة لمن يجيز الكفالة بالنفس في غير المال؛ لأن هذه الآية لم يتعرض فيها لذكر المال، إلا أن الأدلة التي نزع بها من لم يجز الكفالة بالنفس في غير المال أصح وأطهر، وليس هذا الكتاب بموضع بسطها» (١). قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: مشروعية الضمان - الكفالة على المال -؛ لأن الزعيم في الآية: الكفيل. قال السيوطي: «قوله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾: أصل في الضمان والكفالة» (٢). وقال ابن الفرس: «وأما الكفالة فمنها كفالة بمال، وكفالة بنفس، فأما الكفالة بالمال فلا خلاف في جوازها، وإنما اختلف في بعض شروطها، والأصل في جواز ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾: أي كفيل، يعني بما ذكره من حمل بعير» (٣). وقال ابن عطيَّة: « … وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ حمالة، وذلك أنَّه لما كان الطعام لا يوجد إلا عند الملك فهم من المؤَذِن أنَّه إنَّما جُعل عن غيره، فلخوفه ألا يوْثَق بهذه الجعالة - إذ هي عن الغير - تحمَّل هذه بذلك» (٤).

стр. 377

مأخذ الحكم: كونه شرعاً لمن قبلنا، ولم يرد في شرعنا ما ينسخه، بل ورد في شرعنا ما يقرر هذا الحكم. ذكر الموزعي ورده في شريعتنا، وذكر حديث أبي قتادة ﵁ قال: أُقبِل بجنازة على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: (هل على صاحبكم من دين؟)، فقالوا: عليه ديناران، فقال ﷺ : (صلوا على صاحبكم)، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يارسول الله، فصلى عليه رسول الله ﷺ (١). قال الموزعي: «هذا في الميت، وقسنا عليه الحي» (٢). نوقش: بأن يوسف ﵇ لم يكن يومئذ ذا شرع. قال الطاهر بن عاشور: «وهذه الآية قد جعلها الفقهاء أصلا لمشروعية الجعل والكفالة. وفيه نظر، لأن يوسف ﵇ لم يكن يومئذ ذا شرع حتى يستأنس للأخذ ب (أن شرع من قبلنا شرع لنا): إذا حكاه كلام الله أو رسوله. ولو قدر أن يوسف ﵇ كان يومئذ نبيئا فلا يثبت أنه رسول بشرع، إذ لم يثبت أنه بعث إلى قوم فرعون، ولم يكن ليوسف ﵇ أتباع في مصر قبل ورود أبيه وإخوته وأهليهم. فهذا مأخذ ضعيف» (٣). والجواب: كونها من القصص التي قصها المولى سبحانه، ولم يتعقبها. قال الشنقيطي عند ذكره لحجة الجمهور في حجية شرع من قبلنا: «ما ذكر لنا في شرعنا إلا لنعمل به، سواء علينا أكان شرعاً لمن قبلنا أم لا، وقد دلت على ذلك

стр. 378

آيات كثيرة كتوبيخه تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية كما في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]، وقد صرح تعالى بأن الحكمة في قصِّ أخبارهم إنما هي الاعتبار بأحوالهم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]» (١). • الحكم الثاني: يصح ضمان المجهول، إذا كان مآله إلى العلم، وضمان ما لم يجب إذا كان مآله إلى الوجوب (٢). مأخذ الحكم: المأخذ السابق من كون شرع مَنْ قبلنا شرعًا لنا، حيث دلَّت الآية على ضمان حمل بعير، وحمل البعير غير معلوم؛ لأنه يختلف باختلاف البعير، ولم يكن قد وجب حينئذ، لكنه يؤول إلى الوجوب. وقيل: إن الحمل كان معلوماً عندهم، كما سيأتي في حكم الجعالة الآتي. قال ابن تيميَّة: «ضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر من الديون وما يقبضه من الأعيان المضمونة ضمان صحيح، وهو ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول، وذلك جائز عند جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وقد دلَّ عليه الكتاب، كقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، والشافعي ﵀ يبطله» (٣). • الحكم الثالث: مشروعية الجعالة (٤).

стр. 379

قال السيوطي: «قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أصل في الجعالة» (١). فهي أصل من أصول جواز الجعالة، حيث التزم القائل فيها بجعل حمل بعير لمن يأتي بصاع الملك. وكان الحمل عندهم معلوماً كالوسق. مأخذ الحكم: شرع من قبلنا شرع لنا، وورد في شرعنا ما يقرِّره. قال الموزعي: «اشتملت هذه الآية على حكمين: الأول: جواز عقد الجعالة عند من كان قبلنا، وكذا جاءت به شريعتنا» (٢). ثمَّ حديث اللديغ، وهو حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن أناساً من أصحاب رسول الله ﷺ أتوا حيَّاً من أحياء العرب، فلم يَقْروهُم، فبينما هم كذلك إذ لُدِغ سيِّدُ أولئك، فقالوا: هل فيكم راق؟. فقالوا: لم تقْرونا، فلا نفعل، أو تجعلوا لنا جُعلاً، فجعلوا لهم قطع شاء، فجعل يقرأ رجلٌ بأم القرآن، ويجمع بُراقه ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله ﷺ ، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فضحك، وقال: (وما أدراك أنها رقية! خُذوها واضربوا لي فيها بسهم) (٣). • الحكم الرابع: لا يشترط حضور المتعاقدين؛ لأن يوسف ﵇ لما قال ذلك لم يكن العامل في عقد الجعالة حاضراً. مأخذ الحكم: العموم بصيغة (من) الشرطيَّة في قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾، فيعم الحاضر وغير الحاضر.

стр. 380

• الحكم الخامس: جواز ضمان الجعل قبل تمام العمل (١). مأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعاً لنا، وقد قال سبحانه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، ولم يبدأ بالعمل. • الحكم السادس: عدم اشتراط الأجل في العمل (٢). مأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعاً لنا، مع السكوت عن الحكم في معرض البيان، حيث لم يقدر في الآية أجلاً. قال ابن الفرس: « … لأنه تعالى قال: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ فسمَّى الجعل، ولم يقدِّر المدة» (٣). باب الشركة والوكالة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. يستنبط من الآية من أحكام الشركة: • الحكم الأول: مشروعية مخالطة الأولياء لليتامى، والمخالطة هي المشاركة. قال الموزعي: «وأباح الله تعالى خلطتهم ومشاركتهم مخالفة لتحريج الجاهلية بذلك» (٤). مأخذ الحكم: إخبار المولى في مقام الإقرار، ويدل عليه قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾.

стр. 381

• الحكم الثاني: مشروعية الشركة في الطعام، كما يفعل المسافرون، يخلطون طعامهم، وإن اختلف المقدار. مأخذ الحكم: مفهوم الموافقة؛ لأنه لما جاز في مال اليتيم فهو في مال البالغ بطيب نفسه أولى بالجواز (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. يستنبط من الآية: مشروعية الشركة بمعناها العام، وعلى شركة الأملاك على وجه الخصوص؛ إذ إنه جعل التركة شركة بين الورثة فقال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وهذه الشركة إنما كان بسبب الاجتماع في استحقاق، وما كان كذلك يسمى تركة أملاك (٢). مأخذ الحكم: ربط سبحانه الشرط بالجزاء، فقال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وهو جواب لما تقدمه من الشرط. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. يستنبط من الآية: مشروعية الشركة بوجه عام؛ إذ إن ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ هم الشركاء (٣). مأخذ الحكم: وردت في القصص القرآني مع عدم المنع رغم وجود البغي من

стр. 382

الكثير منهم، واستثنى القليل في مقام مدح لهم وإقرار ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. أما عموم أنواع الشركة، فمن قوله: ﴿الْخُلَطَاءِ﴾، حيث إنه يشمل شركة الملك، كشركة الماشية التي ورد الخطاب فيها، أو شركة العقد، أو غيرها من أنواع الشركة. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. يستنبط من الآية: جواز الوكالة في إملال الحق الذي عليه، وبيَّن المولى سبحانه هنا أنه يشرع قيام وليِّه بذلك نيابة عنه. مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾. قال الموزعي: «وأمر الولي أن يُملّ عن الموَلّى عليه إذا كان سفيهاً مبذراً للمال، أو ضعيفاً غبياً أحمقاً، أو لا يستطيع الإملال لجنون أو صغر أو عِيٍّ وأقام عليهم مقامهم» (١). تتمة: يؤخذ من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ عدم صحة وصاية الذمي والفاسق؛ لأنه لا يؤمر أن يمُل بالعدل إلا العدل (٢). قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. يستنبط من الآية: مشروعية الوكالة. مأخذ الحكم: استنبط الحكم بدلالة الإشارة؛ إذ بَعْث الحكمين لا يحصل إلا بطريق الوكالة، والآية وإن لم تسق إليه، لكن يلزم من بعث الحكمين للإصلاح أن

стр. 383

يكونا في حكم الوكيلين، وإلا لم يكن لفعلهما فائدة. لذا قال السيوطي: إنَّ الاستدلال بهذه الآية على الوكالة على القول بأن المأمور بالبعث هما الزوجان، ويشترط رضاهما بما يفعلانه من طلاق وغيره (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]. يستنبط من الآية: عدم جواز التوكيل عن المتهم بدعوى الباطل. قال السيوطي: «وفي الآية: أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق» (٢). مأخذ الحكم: النهي المقتضي للتحريم، وكون النكرة في قوله: ﴿خَصِيمًا﴾، في سياق النفي، فتعم كل من خاصم عن خائن. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]. يستنبط من الآية: عدم جواز أن يوكل المسلم ذميَّاً (٣). مأخذ الحكم: خبر بمعنى النهي، وكون النكرة في قوله: ﴿سَبِيلًا﴾ في سياق النهي فتعم؛ لأن الوكالة نوع ولاية وسبيل. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]. يستنبط من الآية: جواز ومشروعية الوكالة، حيث استخلف موسى هارون ﵉ في قومه بالقيام بما يقوم به.

стр. 384

قال ابن عطية في معنى الآية: «معناه كن خليفتي، وهذا استخلاف في حياة، كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو موته» (١). مأخذ الحكم: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولم يرد ما يمنع ذلك، بل ورد ما يدل على مشروعيتها، كما في الآية الآتية وغيرها. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]. يستنبط من الآية: مشروعية الوكالة؛ إذ العاملون هم الذين يقومون بتحصيلها، ويوكلَّون على جمعها. قال ابن قدامة: «فجواز العمل عليها يفيد حكم النيابة عن المستحقين في تحصيل حقوقهم» (٢). وقال الشنقيطي: «فإنه توكيل على جباية» (٣). مأخذ الحكم: استنبط بدلالة الإشارة؛ إذ الآية لم تسق إليه، وإنَّما سيقت لبيان مستحقي الزكاة، ويلزم من عملهم بها توكيلهم على أخذها. قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. يستنبط من الآية: جواز الوكالة عن الكافر أو الظالم (٤). مأخذ الحكم: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا، وليس هو بمخالف له. تتمة: قال ابن الفرس: «وذهبت طائفة أخرى إلى المنع من ذلك؛ لما فيها من

стр. 385

إعانة الظالمين وتزكيتهم بالتقليد لأوامرهم. وأجابوا على ولاية يوسف برأيين: أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحاً، وإنما الطاغي فرعون موسى. الثاني: أنه نظر له في أملاكه دون أعماله» (١). قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: مشروعية الشركة. وبيانه: أنَّ الآية تضمنت جواز الشركة؛ لأن الوَرِق كان لجميعهم (٢). مأخذ الحكم: ما قصَّه الشارع لنا، ولم يتعقبه بمنع وإبطال دليل جوازه، وسبق النقل عن المأخذ من كلام محمد الأمين الشنقيطي، في قوله: «أنه ما ذكر لنا في شرعنا إلا لنعمل به، سواء علينا أكان شرعاً لمن قبلنا أم لا، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة كتوبيخه تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية … » (٣). وقال ابن القيم في قصة قدِّ قميص يوسف من قبل امرأة العزيز: « .. وحكاه الله حكاية مقرر له غير منكر، والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له، وعدم إنكاره، لا في مجرد حكايته؛ فإنه إذا أخبر به مقِراً عليه، ومثنياً على فاعله، ومادحاً له، دلَّ على رضاه به، وأنه موافق لحكمه، ومرضاته» (٤). وعليه فإقراره يعرف من السياق، وما كان منكراً فإنه يتعقبه - سبحانه - بالذم أو الوعيد، وقد يعرف من سباق الآية أو لحاقها.

стр. 386

كما قال ابن تيمية: «تأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعنى» (١). • الحكم الثاني: مشروعية الوكالة. قال السيوطي: «هذا أصل في الوكالة والنيابة» (٢). وقال ابن العربي: «هذا يدل على صحة الوكالة، وهو عقد نيابة، أذن الله فيه للحاجة إليه، وقيام المصلحة به، إذ يعجز كل أحد عن تناول أموره إلا بمعونة من غيره، أو بترفه فيستنيب من يريحه»، ثمَّ قال: «وهو أقوى آية في الغرض» (٣). والمقصود أنه سبحانه لما أضاف الوَرِق إلى جميعهم، وحلَّ لهم استنابة أحدهم دلَّ على جواز الوكالة. مأخذ الحكم: ما قصَّه الشارع لنا، ولم يتعقبه بمنع وإبطال، بل ورد شرعنا بها. باب الإقرار قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. يستنبط من الآية: نفي إقرار المكره. مأخذ الحكم: دخول أفعال المكره، وأقواله ومنها الإقرار في عموم الآية، حيث ورد لفظ ﴿إِكْرَاهَ﴾ نكرة - وهي مبنية على الفتح - في سياق النفي، فيعم نفي ما يترتب على كل قول أو فعل للمكرَه، ومنه الإقرار.

стр. 387

مع التنبيه إلى أن النهي فيه ورد بصيغة الخبر، والنهي يقتضي الفساد، فيقتضي عدم الاعتداد بما أكره عليه فيها، ومنه الإقرار (١). قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: العمل بالإقرار (٢). مأخذ الحكم: جعل الشارع ما يمليه المدين -الذي عليه الحق، وليس الدائن الذي له- إقرار منه واعتراف بالحق الذي عليه. فالكتب والشهادة إنّما هي بحسب إقراره، وما أُمر بذلك إلا ليعمل به، وإلا لما كان لإملاله معنى. • الحكم الثاني: أن الولي يقبل إقراره عليه (٣). قال ابن الفرس: «وهذا يدلّ على أن كل من أقرَّ بشيء لغيره، فالقول قوله فيه» (٤). مأخذ الحكم: لأنّ الله ما أمره أن يمل في قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ إلّا ليقبل قوله. تتمة: قال الطاهر بن عاشور: «ومعنى ﴿بِالْعَدْلِ﴾: أي بالحق، وهذا دليل على أن إقرار الوصيِّ والمقدَّم في حق المولّى عليه ماض إذا ظهر سببه،

стр. 388

وإنَّما لم يعمل به المتأخرون من الفقهاء سداً للذريعة، وخشية التواطؤ على إضاعة أموال الضعفاء» (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]. يستنبط من الآية: جواز الإقرار. مأخذ الحكم: الاستدلال بفعل المولى سبحانه؛ حيث أوقف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وأخذهم عهد الله فيه. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] يستنبط من الآية: جواز إقرار المقِرِّ على نفسه، ووجوب ذلك إذا طالبه صاحب الحق. قال الجصاص: «﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ لأن شهادته على نفسه هو: إقرار بما عليه لخصمه، فدلَّ على جواز إقرار المقرِّ على نفسه لغيره، وأنَّه واجب عليه أن يُقرَّ إذا طالبه صاحب الحق». وقال السيوطي: «قوله تعالى ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، قال سعيد بن جبير: هو الإقرار» (٢).

стр. 389

مأخذ الحكم: الأمر بالشهادة بقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، ثمَّ عطف عليها قوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، والمعطوف ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق ب ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، قال القرطبي: «هذا هو الظاهر الذي فَسَّر عليه الناس، وأنَّ الشهادة المذكورة هي في الحقوق، فيقرُّ بها لأهلها» (١). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. يستنبط من الآية: عدم صحة إقرار المكرَه. قال السيوطي في الإكليل: «واستدل العلماء بالآية على نفي طلاق المكره وعتاقه، وكل قول أو فعل صدر منه إلا ما استثني» (٢). مأخذ الحكم: مفهوم الموافقة الأولي. قال القرطبي: «لما سمح الله بالكفر به، وهو أصل الشريعة عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) الحديث (٣)، والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء» (٤).

стр. 390

باب العارية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. يستنبط من الآية: وجوب رد العارية. قال السيوطي: «فيه وجوب رد كل أمانة، من وديعة، أو قِراض، وقرْض، وغير ذلك» (١). مأخذ الحكم: كون العارية أمانة قبضت بإذن صاحبها، فتدخل في عموم قوله: ﴿الْأَمَانَاتِ﴾؛ لأنه جمع معرف، والوجوب مستفاد: من إخبار الله بالحكم بقوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾. قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]. يستنبط من الآية: مشروعية العارية، والحث عليها. قال السيوطي: «فيه الحث على العارية» (٢). ثمَّ نقل آثاراً. مأخذ الحكم: ذم الله من منع الماعون وتوعده، وهو عدم إعارته،؛ إذ الآية معطوفة على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، والتوعد على الفعل دلالة على تحريمه والنهي عنه، والنهي عن الشيء أمر بضده. كما أنه ورد في سبب نزولها أن المسلمين كانوا يستعيرون من المنافقين الدَّلو، والقدر، والفأس، وشبهه، فيمنعونهم، فنزلت الآية (٣)، وسبب النزول قطعي الدخول.
следующие страницы →