قال الجصاص: «وأما قول من قال: إنه حرّم وحلف أيضاً، فإنَّ ظاهر الآية لا يدل عليه، وإنما فيها التحريم فقط، فغير جائز أن يُلحق بالآية ما ليس فيها، فوجب أن يكون التحريم يميناً؛ لإيجاب الله تعالى فيها كفارة يمين بإطلاق لفظ التحريم» (١).
• الحكم الثالث: تحريم الزوجة هل يُعدُّ يمينا أو ظهاراً؟
صورته: أن يقول الزوج: إن فعلتِ كذا، فأنتِ عليَّ حرامٌ، يقصد الحنث، أو المنع، اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب متعددة.
ومنهم: من ذهب إلى أنها يمين يكفِّرها كفارة يمين؛ مستدلاً بالآية.
مأخذ الحكم: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فتعمُّ الآيةُ كلَّ ما حرَّمه الانسانُ على نفسه مما أباحه الله، ولا عبرة بخصوص السبب الوارد في سبب نزولها.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].
استدل بها الحنفية على أن يمين الكافر لا يكون يميناً.
ويشترط عند الحنفية والمالكية في الأيمان، أن يكون الحالف مسلماً (٢)، والمخاطَب بآيات الأيمان: المؤمنون (٣).
стр. 667
مأخذ الحكم: قلت لعل مأخذهم هو: أن النفي الداخل على الأسماء الشرعية يحمل على نفي الصحة، والله أعلم، وقد نفى الله الأيمان عنهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾.
قال الرازي مبيِّناً الحكم عند الحنفية، ويتمسَّك الشافعي بالآية على خلاف قول الحنفية فقال: «به تمسك أبو حنيفة ﵀ في أنَّ يمين الكافر لا يكون يميناً، وعند الشافعي ﵀ يمينهم يمين، ومعنى هذه الآية عنده [أي: أبي حنفية]، أنهم لَمَّا لم يفوا بها، صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان، والدليل على أنَّ أيمانهم أيمان، أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ ولو لم يكن منعقداً، لما صحَّ وصفها بالنكث» (١).
قلت: ويؤيد مذهب الشافعي القراءاة ﴿لا إيمان لهم﴾.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].
استدل بالآية بالأحكام الآتية:
• الحكم الأول: أن إضافة العهد ونحوه، كالميثاق إلى الله يعتبر يمينا، وتلزم الكفارة، إذا حنث.
مأخذ الحكم: سمَّاه الله أيماناً، ونهى نقضه.
ويؤيد كونه يميناً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].
стр. 668
وكذا سبب نزولها، وقد روى البخاري «أنَّ رجلاً أقام سلعة وهو في السوق، فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعط؛ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت الآية» (١).
• الحكم الثاني: وجوب الوفاء بالعهد، والبر في الأيمان (٢).
مأخذ الحكم: الأمر بالوفاء في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، والنهي عن نقض الأيمان في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ والنهي عن النقض أمرٌ بالبر والوفاء.
قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥].
دلّت الآية على أن الخطأ مرفوع، ولا إثم على المخطئ (٣).
قال القرطبي: «أي: وليس عليكم جناح في شي أخطأتم، وكانت فُتيا عطاءٍ وكثيرٍ من العلماء على هذا، إذا حلف رجلٌ ألا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقَّه، فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير، فوجدها زيوفاً أنه لا شيء عليه، وكذلك عنده إذا حلف ألَّا يُسلِّم على فلان فسلَّم عليه وهو لا يعرفه، أنه لا يحنث؛ لأنه لم يتعمد ذلك» (٤).
مأخذ الحكم: الإخبار برفع الجناح عن الخطأ في ذلك، ثم التصريح بموطن المؤاخذة ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
стр. 669
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: عدم الكفارة في لغو اليمين، وقد أجمع العلماء على ذلك (١).
مأخذ الحكم: نفي المؤاخذة عليها، وهذا يقتضي رفع حكمها، وعدم لزوم الكفارة فيها، فالآية صريحة في الحكم المذكور في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
ولغو اليمين: ما جمعت أمرين: ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد، واليمين التي يحلفها يظن صدق نفسه، سواء كان ذلك في الماضي أو الحال، أو المستقبل، وهو مذهب الحنابلة.
وقيل: هي الأمر الأوّل كما عند الشافعية، أو الأمر الثاني كما عند الحنفية والمالكية (٢).
• الحكم الثاني: وجوب الكفارة في الحنث في اليمين المنعقدة.
مأخذ الحكم: قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وهو استدارك من نفيٍ، فيكون إثباتاً للكفارة، وهو شبيه بالاستثناء من النفي في كونه إثباتا.
قال القرافي: «لكن للاستدراك بعد النفي، وتوجب للنافي ما في الأول، وإلا
стр. 670
كذلك فتشابها؛ لأنَّ كليهما يجمع بين النفي والإثبات» (١).
قال ابن هبيرة موضحاً اليمين المنعقدة وحكمها: «وأجمعوا على أنَّ اليمين المنعقدة، هو أن يحلف على أمر من المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، فإذا حنث وجبت عليه الكفارة» (٢).
وقد تردد العلماء في دخول اليمين الغموس في اليمين المنعقدة، فيجب فيها الكفارة، أو لا تدخل فلا تجب الكفارة فيها.
فمن قال: لا يجب فيها الكفارة.
قالوا: إنَّ عقد اليمين ما التزم فعلاً مستقبلاً، يتردَّد بين حنث وبرٍّ، فخرجت اليمين الغموس من الأيمان المعقودة؛ إذِ الحلف فيها، يكون على أمر ماض كاذباً عالماً (٣).
كما أنَّ الأيمان أمرنا بحفظها في قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، واليمين الغموس لا يتصوَّر حفظها؛ لعدم الحنث فيها، وعليه فلا تجب الكفارة فيها.
ومن قال: تجب الكفارة فيها، قال: هي يمين منعقدة؛ لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى (٤).
• الحكم الثالث: عدم انعقاد اليمين بما لم يقصده، وإنَّما سبق لسانُه إليه.
مأخذ الحكم: كون معنى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: قصدتم، ويُفسِّره قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، كما في
стр. 671
الأخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضا.
• الحكم الرابع: صحة يمين الكافر (١).
وعلى القول بصحة يمينه يترتب عليها آثارها، ومن ذلك الكفارة.
مأخذ الحكم: العموم في ضمير الجمع ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وظاهره استواء المسلم والكافر.
• الحكم الخامس: وجوب الكفارة باليمين المحرّمة، كما لو حلف على شرب خمر ونحوه بالكفارة (٢).
مأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، «والأيمان» جمع معرَّف، فيعمُّ اليمين على بِرٍّ، واليمين على إثمٍ.
• الحكم السادس: كفارة اليمين، هي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وهي على التخيير هنا، فإن لم يجد أو عجز عنها، فصيام ثلاثة أيام (٣).
مأخذ الحكم: نص الآية وهو ظاهر، وسيأتي تفاصيل أحكامها.
تنبيه: ورد في قراءة شاذة ﴿أو كإسوتهم﴾.
قال الهروي في تفسيره: «وقرأ سعيد بن جبير، وأبو العالية، ومعاذ بن الحارث القارئ وأبو نهيك ﴿أو كإسوتهم﴾، بكاف الجر الداخلة على إسوة؛ أي: قرؤوا بفتح الكاف، وكسر الهمزة وكسر التاء والهاء» (٤).
стр. 672
وقرأ محمد ابن السميقع اليماني، وأبو عمران الجوزي مثلهم إلا أنهما فتحا الهمزة.
قال ابن الجوزي: «ولا أرى هذه القراءة جائزة؛ لأنها تسقط أصلاً من أصول الكفارة».
• الحكم السابع: لا يجزئ إخراج القيمة في الكفارة (١).
مأخذ الحكم:
(١) أن الله جعل الواجب في عين الإطعام والكسوة، فلو دفع غيرهما لم يؤد الواجب المأمور به؛ لأن الواجب المخير لا يخرج من عهدة إلا بأداء أحدهما.
(٢) أن الله حصر الكفارة في هذه الأنواع، ولو جاز دفع القيمة لم يعد للحصر في التخيير في أحد هذه الأوصاف الثلاثة معنى.
ولعل ذلك داخل في مفهوم الحصر، فلما جعل سبحانه الكفارة محصورة في المذكور دلَّ أن غيرها لا يجزئ، والله أعلم.
• الحكم الثامن: يجود دفع الكفارة للحرِّ والرقيق والمسلم والكافر.
مأخذ الحكم: لأن لفظ: «مساكين» مطلقٌ، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يقيد، والله أعلم.
فيدخل فيه ما ذكر، فدخل الرقيق عند الحنفية، وكذا الكافر عندهم مع وجه عند الحنابلة (٢).
• الحكم التاسع: يكون الإطعام من أوسط ما يطعم به الأهل قدراً ونوعاً
стр. 673
بحسب العرف (١).
مأخذ الحكم: كون الآية أطلقت ولم تقدر الإطعام، وما لم يقدرِّه الشارع ولا اللغة التي نزل بها كلامه فيرجع في تقديره إلى العُرف.
• الحكم العاشر: يجب استيعاب العشرة، ولا يكون الإطعام على بعضهم (٢).
مأخذ الحكم: مفهوم العدد المضاف إلى المساكين، يدل على عدم الإجزاء إن نقص عن ذلك، ومن أطعم واحداً أو اثنين لم يطعم عشرة، فلم يكن ممتثلا للأمر، فلا تجزئ الكفارة.
• الحكم الحادي عشر: عدم اشتراط التمليك للطعام بل يكفي التمكين، وهو: ما يسمى بالتغذية والتعشية (٣).
مأخذ الحكم: إن اسم الإطعام يطلق ويتناول إباحة الطعام لهم للأكل من غير تمليك.
قال الجصاص: «ويقال: فلان يُطعم الطعام، وإنما مرادهم دعاؤه إيَّاهم إلى أكل طعامه، فلما كان الاسم يتناول الإباحة، وجب جوازه» (٤).
• الحكم الثاني عشر: عدم اشتراط الإيمان في الرقبة المكفّر بها.
مأخذ الحكم: لأن الآية أطلقت الرقبة ولم تقيدها بشيءٍ.
ومن قال باشتراط كون الرقبة مؤمنة بما يكفره، حمل المطلق الوارد في هذه الآية على المقيد في كفارة القتل السابقة، في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
стр. 674
[النساء: ٩٢]، وقد اتَّحد الحكم، وهو موجب الحمل المطلق على المقيد عند كثير من الأصوليين، وان اختلف في السبب (١).
• الحكم الثالث عشر: الخلاف في التكفيير بالمكاتب، وأمِّ الولد، والمدبَّر، لأنَّ عتقهم مستحق بسبب آخر (٢).
وذكر السيوطي الخلاف فيمن أجاز التكفير في كفارة الخطأ، بعتق كتابي صغير، أو مجوسي كبير أو صغير، وولد الزنى، وقال: «لدخوله في مسمى الرقبة» (٣).
ومأخذ من أجاز: كون الآية أطلقت الرقبة المحرّرة، والمطلق يجري على إطلاقه.
ويدخل في هذا المأخذ: ما يُذكر في بعض العيوب غير المضرة بالعمل ككون العبد، خُصي أو أعور … إلخ (٤).
• الحكم الرابع عشر: وجوب عتق رقبة كاملة، لشخص واحد، فإذا اعتق نصفي رقبتين لم يجزئه.
مأخذ الحكم: أن المأمور به في ظاهر الآية، إعتاق رقبة كاملة لشخص واحد، ومن أعتق نصف رقبة من شخص، لا يقال: إنه أعتقه، والظاهر لا يُعدل عنه.
• الحكم الخامس عشر: وجوب التكفير بالصيام عند عدم وجود ما يطعم، أو يكسو، أو يُعتَق به.
стр. 675
مأخذ الحكم: اللفظ المقدر في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: فعليه صيام ثلاثة أيام، أو الواجب عليه صيام ثلاثة أيام، والمقدر كالملفوظ.
وكونه بعد الإطعام أو الكسوة، أو العتق بنص الآية، بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.
• الحكم السادس عشر: وجوب التتابع في صيام الكفارة (١).
مأخذ الحكم:
أولاً: حمل المطلق الوارد هنا في كفارة اليمين ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ على المقيَّد في كفارة القتل والظهار في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]؛ لاتحاد الحكم.
ثانياً: لحجية القراءة الشاذة في الأحكام، وهي قراءة ابن مسعود: ﴿فصيام ثلاثة أيّام متتابعات﴾.
• الحكم السابع عشر: عدم سقوط الكفارة بالعجز عنها، بل تستقر في ذمته إلى أن يقدر عليها (٢).
مأخذ الحكم: عموم أدلة وجوب الكفارة، فهي تشمل المعسر والموسر.
стр. 676
كتاب القضاء
القضاء: هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات (١).
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
استدل بالآية على مشروعية الحكم بين الناس، ووجوب العدل فيه (٢).
مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم الشرعي بقوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ الدال على المشروعية والوجوب.
وكذا الوعد والوعيد المستفاد من ختم الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
قال الرازي: «أي: إذا حكمت بالعدل، فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك، ولا شك أنَّ هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي».
ثم ذكر أن «أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان، هو وقت حكم الولاة والقضاة، فلما كان هذا الموضع مخصوصاً بمزيد العناية، لا جرم قال في خاتمة هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾» (٣).
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
стр. 677
استدل بالآية على وجوب التحاكم إلى النبي ﷺ فيما شجر بينهم مع التسليم لحكمه وقضائه.
قال ابن قدامة: «الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع» (١)، وذكر الآية المذكورة ضمن أدلة المشروعية.
مأخذ الحكم: أن نفي الإيمان لا يكون إلا على ترك واجب، وقد علق في الآية على أمرين: التحاكم إليه والتسليم بالقضاء، والمعلق على أمرين لا يخرج المكلف من عهدتهما إلا إذا أتى بهما جميعاً.
والحكم عام: والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ إذ سبب نزولها في مخاصمة الزبير بين العوام مع الأنصاري، فقضى النبي ﷺ للزبير، فقال الأنصاري -غفر الله له- «أن كان ابن عمك»، فغضب النبيُّ ﷺ ثم قال: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» (٢).
والعموم في الآية مستفاد من ضمير الجمع في قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ ويعمُّ جميع شؤونهم لعموم قوله: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، و «ما» اسم موصول من ألفاظ العموم.
قال الرازي في الآية: «تصريح بأنه لا يحصل الايمان، إلا بأن يستعينوا بحكم النبي ﷺ في كل ما اختلفوا فيه … » (٣).
وقال في قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾: «واعلم أن
стр. 678
ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك، بل المراد أن يحصل الجزم واليقين في القلب، بأن الذي يحكم به الرسول ﷺ هو الحق والصدق» (١).
ثم قال: «﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ والمراد منه: الانقياد في الظاهر والله أعلم» أ. هـ.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
استدل بالآية على وجوب الحكم بالعدل في الشهادة.
مأخذ الحكم: كون قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ خبراً بعد خبر، وليست نعتاً ل: ﴿قَوَّامِينَ﴾ ولا حالاً.
أي: كونوا قوامين، وكونوا شهداء، فهو خبر ثانٍ ل «كان» منصوب.
قال ابن عطية: «والحال ضعيفة في المعنى؛ لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط» (٢).
أي: كونوا قوامين بالقسط في شهادتكم ولو على أنفسكم.
وسيأتي في باب الشهادة زيادة بيان لهذه الآية.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
стр. 679
استدل بالآية على وجوب العدل في القضاء.
مأخذ الحكم: حذف المفعول في قوله: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾، يدل على العموم، أي: يعمُّ القضاء وغير القضاء، والله أعلم.
قال الرازي في تفسير الآية: «أي: لا يحملنكم بغض قومٍ على أن لا تعدلوا، وأراد: أن لا تعدلوا فيهم، ولكنه حُذف للعلم، وفي الآية قولان: الأول: أنها عامة … ، والثاني: أنها مختصة بالكفار، فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام … ، فنهاهم أولاً عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديداً» (١).
قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]
استدل بالآية على أحكام الآتية:
• الحكم الأول: أنه لا يجب على المسلم الحكم بين الكفار إلا أن تكون الخصومة قد ارتبطت بينهم وبين مسلم.
مأخذ الحكم: للتخيير الوارد بلفظ «أو» بقوله: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وهي نازلة في اليهود، بل وقد وادعهم النبي ﷺ لما قدم المدينة، فيدخلون دخولاً قطعياً.
أما أهل الذمة: فيدخلون باعتبار عموم اللفظ لا خصوص السبب، والخطاب الموجَّه للنبي ﷺ خطاب لأمته، ودخول الجميع مبني على كون الآية محكمة غير منسوخة.
стр. 680
أما إذا ارتبطت الخصومة بمسلم فيجب الحكم فيها باتفاق (١).
قال القرطبي: «وقال النحاس في الناسخ والمنسوخ له، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ منسوخ؛ لأنَّه إنما نزل أوَّل ما قدم النبي ﷺ المدينة، واليهود فيها يومئذ كثير، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يُرَدُّوا إلى أحكامهم، فلما قوي الإسلامُ، أنزل الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي، وهو الصحيح من قول الشافعي، قال في كتاب الجزية: ولا خيار له إذا تحاكموا إليه؛ لقوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال النحاس: وهذا من أصح الاحتجاجات؛ لأنه إذا كان معنى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أن تجري عليهم أحكام المسلمين، وجب ألا يُرَدُّوا إلى أحكامهم، فإذا وجب هذا، فالآية منسوخة» (٢).
• الحكم الثاني: إذا حكم بين الكفار يجب أن يحكم بالعدل.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، أي: بالعدل، وثناء الله على الفاعل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
стр. 681
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
دلت الآيات على تغليظ الحكم بخلاف المنصوص (١).
قال الرازي: «قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إنما يتناول من أنكر بقلبه، وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقرَّ بلسانه كونه حكم الله، إلَّا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية»، ونسبَ هذا القول لعكرمة واختاره» (٢).
وقال القرطبي: «وقيل: فيه إضمار، أي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ رداً للقرآن، وجحداً لقول الرسول ﵊ فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية عامَّة على هذا.
وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي: معتقداً ذلك ومستحلاً له.
فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرماً، فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له … » (٣).
مأخذ الحكم: جواب الشرط بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وهي وصف للفاعل بما فيه تغليظ بسبب عدم الإتيان بالمشروط، وهو الحكم بما أنزل الله.
стр. 682
قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
دلت الآيتان على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية القضاء.
قال ابن قدامة: «الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع» (١)، وذكر منها آية المائدة الثانية، كذا القرطبي جعلها أصلاً في الأقضية (٢).
مأخذ الحكم: الأمر الوارد فيها بصيغة: «افعل» ﴿فَاحْكُمْ﴾، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾، وهو على الوجوب، وكونه للوجوب مما لا خلاف فيه، وفيه دلالة أخرى من الآية، وهو تعقيب المولى سبحانه الحكم بالنهي عن اتباع أهوائهم بقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قال القرطبي: «يعني: لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحق، يعني: لا تترك الحكم بما بيَّن الله تعالى من القرآن، من بيان الحق وبيان الأحكام» (٣).
• الحكم الثاني: وجوب الحكم بين الكفار بحكم الإسلام، إذا تحاكموا إلينا (٤).
وهذه الآية ناسخة للتخيير الوارد في قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، وسبق الحديث عن نسخها في الآية المنسوخة، والخلاف في كون النسخ ثابتاً.
стр. 683
ومما يقوي إحكام الآية وعدم النسخ، وهو أن النسخ إنَّما يصار إليه عند عدم إمكان الجمع، وهنا أمكن الجمع، وفي ذلك يقول القرطبي: «وقيل: ليس هذا وجوباً، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت» (١).
أي: فاحكم بينهم بما أنزل الله، إن شئت الحكم بينهم، وعليه فله الإعراض عن الحكم بينهم.
وفي فائدة تكرار الأمر بالحكم بينهم بما أنزل الله كما في الآيتين.
قال الرازي: «أعيد ذكرُ الأمر بعد ذكره في الآية الأولى، إمَّا للتأكيد، وإمَّا لأنهما حكمان أُمِر بهما جميعاً؛ لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن، ثم تحاكموا في قتيل كان فيهم» (٢).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٨ - ٥١].
دلت الآيات على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الحضور على من دُعي لحكم الشرع، وتحريم الامتناع (٣).
مأخذ الحكم: الذّم الوارد على ترك الحضور في قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾،
стр. 684
والاستفهام للإنكار والاستقباح لإعراضهم المذكور (١)، وختم الآية بذم الفاعل بقوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، فدلّ على تركهم للواجب عليهم.
• الحكم الثاني: استحباب أن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
مأخذ الحكم: مدح الفاعل لذلك، ووصفه بالإيمان وبالفلاح.
قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز طلب الولاية كالقضاء ونحوه، لمن وثق من نفسه القيام بحقوقها (٢).
مأخذ الحكم: كونه فعل نبي، وهو من شرع من قبلنا، فيكون شرعاً لنا.
وعورض بكونه شرعاً لنا ما لم يرد في شرعنا خلافه، وقد ورد في حديث عبد الرحمن بن سمرة النهي عن سؤال الإمارة، وللعلماء أجوبة في ذلك:
قال القرطبي: «فالجواب … ، الرابع: أنه رأى ذلك [أي: يوسف ﵇ فرضاً متعيناً عليه؛ لأنه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم» (٣). أ. هـ.
وقال الرازي: «التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأيِّ طريق»، ثم قال: «وما لا يتم الواجب إلَّا به، فهو واجب، فكان هذا الطريق واجباً عليه» (٤) ا. هـ. وهذا هو المأخذ لهذا الحكم.
стр. 685
• الحكم الثاني: جواز التولية عن الكافر والظالم.
قال القرطبي: «قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعلٍ لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك» (١).
مأخذ الحكم: كونه فعل نبي، وهو شرع من قبلنا، فيكون شرعاً لنا.
قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] إلى قوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
قدّم ابن قدامة هذه الآية الثانية على جميع الآيات التي جُعلت أصلًا للقضاء، من الكتاب، وكذا القرطبي عند حديثه عن الأصل في الأقضية من الكتاب، واستدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية القضاء في المسجد، حيث تسوروا المحراب عليه وقضى بينهم.
مأخذ الحكم: كونه من شرع من قبلنا، وهو شرع لنا.
قال الطاهر ابن عاشور: «وأُخِذ من الآية مشروعية القضاء في المسجد، قالوا: وليس في القرآن ما يدل على ذلك، سوى هذه الآية؛ بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه الكتاب أو السنة» (٢).
стр. 686
• الحكم الثاني: وجوب الحكم بين الناس بالعدل.
مأخذ الحكم: الأمر بالحكم بالحق، وهو العدل.
قال القرطبي: «قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾، أي: بالعدل، وهو أمرٌ على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله؛ وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها، وليس ذلك بعدل، فقيل له بعد هذا، فاحكم بين الناس بالعدل» (١).
ثم تكلَّم عن سياق الآية بما يؤكد الحكم السابق، فقال: «﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، أي: لا تعقد بهواك المخالف لأمر الله ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: عن طريق الجنة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يحيدون عنها ويتركونها ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في النار … » (٢).
ولا شك أنَّ هذا ذم ووعيد، ولا يكون إلَّا على من ترك واجباً، وهو هنا: العدل في الحكم.
باب الشهادات
الشهادات: جمع شهادة، والشهادة: هي الإخبار بحق للغير في مجلس القضاء (٣).
قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ
стр. 687
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الإشهاد عند البيع (١).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾، فقيل: هو للندب، وقيل: للوجوب. وسبق في كتاب البيع بيان ذلك.
• الحكم الثاني: اشتراط العدد في الشهادة (٢).
مأخذ الحكم: النص على العدد في قوله: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
• الحكم الثالث: لا يقبل في الشهادة صبي ولا كافر (٣).
مأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فلا يدخل الصبي ولا الكافر، وكذا بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وهما غير مرضيين.
• الحكم الرابع: بيان من تقبل شهادة من العبيد وغيرهم (٤).
قال السيوطي: «واستدل بعمومه من يقبل شهادة العبيد، والأصول للفروع وعكسه، وأحد الزوجين للآخر، والصديق، والصِّهر، والعدو، والأعمى، والأخرس، وأهل الأهواء، وولد الزنا، والبدوي على الحضري، والقراء بالألحان،
стр. 688
ولاعب الشطرنج، والبخيل المؤدي زكاته، والشاعر، والأغلف، وآكل الطين، والصيرفي، ومكاري الحمير، وناتف لحيته، والبائل قائماً» (١).
مأخذ الحكم: دخولهم تحت عموم قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾؛ إذ ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ جمع معرف فيعمّ ما يدخل تحت مسماه.
تنبيه: قال ابن الفرس في: «وأصل النزاع في هذه المسائل عموم الآية المتقدم ذكرها، والتخصيص بالتهمة لقوله ﷺ : (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين) (٢)، أي: (متهم) فمن لم ير التهمة مؤثرة أخذ بعموم الآية فأجاز الشهادة، ومن رأى التهمة مؤثرة خصص عموم الآية بالحديث المذكور على اختلاف بين الأصوليين في مثل هذا التخصيص» (٣).
والحديث المذكور قال عنه الألباني في الإرواء: «وأما حديث عمر فلم أقف على إسناده، ولا مرفوعاً، وقد ذكره مالك في الموطأ أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين»، وهذا موقوف معضل» (٤) أ. هـ.
ونقل عن ابن حجر في التلخيص الحبيرقوله: «ليس له إسناد صحيح، لكن له طرق يقوي بعضها بعضا» (٥)
وقال السيوطي: «ومن رد الجميع أو بعضهم قال إنهم ممن لا ترضى وقد قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾» (٦).
стр. 689
ولكل شخص منهم مسألة مستقلة، وأسباب رد الشهادة متعددة، وهي مذكور في كتب الأحكام والفقه.
• الحكم الخامس: قبول شهادة النساء في الأموال ونحوها، كالمواريث والودائع والوكالات (١).
مأخذ الحكم: ظاهر الآية، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، حيث شرع سبحانه البديل عند عدم وجود الرجلين من الشهداء.
قال السيوطي: «وقصرها الزهري ومكحول على الدَّين خاصة لظاهر الآية» (٢).
قلت: لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾.
• الحكم السادس: منع شهادة رجل وامرأتين مع وجود رجلين (٣).
مأخذ الحكم: ظاهر الآية، كما قال السيوطي.
وهذا -المأخذ- مبني على اختلاف العلماء في الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ فقيل هو للترتيب، وعليه لا يجوز شهادة النساء إلّا عند عدم الرجال.
وقيل للتقسيم، أي: فإنّ لم تستشهدوا رجلين، فلتستشهدوا رجلًا وامرأتين، وقالوا: بأنّه سبحاته وتعالى لم يقل: فإن لم تجدوا الدّالة على الترتيب.
قال الموزعي: «والحق الذي عليه الجمهور أن الشرط للتقسيم لا للترتيب. والمعنى: فإن لم تستشهدوا رجلين، فليستشهدوا رجلاً وامرأتين، فقال ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا
стр. 690
رَجُلَيْنِ﴾، ولم يقل: فإن لم تجدوا، ولو كان الترتيب مراداً لقال: فإن لم تجدوا» (١).
تنبيه: إن كان معهن رجل فقبول الشهادة محل إجماع.
• الحكم السابع: منع قبول الشاهد واليمين (٢).
مأخذ الحكم: لعدم ذكره في الآية مع ذكره فيها أنواع التوثيق، قاله السيوطي.
قلت: ولأنّها زيادة على مقتضى الآية، والزيادة على النص عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بخبر الآحاد، الذي أثبت قول الشاهد مع يمينه.
كما أنّ مفهوم الحصر في الآية يقتضي حصر الحجة في ذلك، والشاهد مع يمينه غير داخل فيها.
وأجاب الجمهور بأن الزيادة على النص لا تقتضي النسخ، كما أن النسخ يشترط منه المنافاة، ولا منافاة بين الحكمين، والمفهوم ليس بحجة -إن قيل به- لأنّه معارض بمنطوق حديث الآحاد.
• الحكم الثامن: يشترط في الشاهد أن يكون عدلاً (٣).
مأخذ الحكم: كون لفظ الرضى في قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ يدل عليه، ومن العلماء من جعل الرضى والعدالة بمعنى واحد.
وعليه: لا يقبل الشاهد المجهول حاله، وهو الذي لا يعرف بعدالة ولا فسق؛ لعدم معرفة عدالته (٤).
стр. 691
• الحكم التاسع: لا يكفي في الشاهد مجرد الإسلام (١).
مأخذ الحكم: لأنّ الرضى أمر زائد على الإسلام.
• الحكم العاشر: لابد من التزكية أن يقول هو عدل رِضي (٢).
قال السيوطي مبيناً الحكم والمأخذ: «واستدل بالآية مع قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] على أنه لابد من التزكية أن يقول هو عدل رِضي؛ لأنهما الوصف المعتبر في الشاهد، فلا يكفي ذكر أحدهما، ومن أكتفى به قال: إنه تعالى ذكر كل لفظ على حدة ولم يجمعهما، فدلَّ على أن أحدهما يغني عن الآخر» (٣).
• الحكم الحادي عشر: لا تجوز الشهادة لمن رأى خطه حتى يتذكر، أي: رأى خطه وعرفه ولم يشك فيه، ومع ذلك (٤).
مأخذ الحكم: حيث لم يعتبر المولى نسيان المشهود عليه حتى يتذكر ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
واستدل من قال بالجواز بقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: لا تشكوا.
قلت: وقد علم أن النّاس ينسون وبهذا أمرهم، وأمره سبحانه بالكتابة والإشهاد ظاهره يدل على اعتبار الكتابة، حتى ولو نسي الكاتب، ولو كان الكتاب
стр. 692
إذا رآه الشاهد لا يشهد حتى يعرف الشهادة لم يكن للكتاب معنى، وصار وجوده وعدمه سواء.
وقيل في هذا الاستدلال نظر؛ لأنّه لعله إنّما أراد بالكتاب لعله يتذكر به.
• الحكم الثاني عشر: أن الشاهد إذا قال لا أذكر، ثم ذكر يقبل قوله، ويجوز له إقامة الشهادة (١).
مأخذ الحكم: أنّه سبحانه قبل شهادة المرأة التي نسيت إذا ذكرتها الأخرى.
• الحكم الثالث عشر: تحريم المنع من تحمل الشهادة، أو أدائها (٢).
مأخذ الحكم: النهي مع الخلاف في تفسير قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، قال قتادة: إلى تحمل الشهادة، وقال مجاهد: إلى أدائها. والأداء يدخل في معنى الشهادة ويؤكده قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقال الحسن: إليهما معاً، ففيه وجوب التحمل والأداء (٣).
قلت: لأنّ النّهي عن الشيء أمر بضده، فحرم الامتناع من الشهادة تحملًا وأداءًا ممن دُعي إليها؛ لما في ذلك من ضياع الحقوق.
وقيل: إنّ الآية نزلت في الرجل يطوف على القوم الكثير يطلب من يشهد له، فيتحرجون من الشهادة.
والشهداء حقيقة فيمن قد تحمَّل فيطلب منه الأداء، فيكون حقيقة فيمن طلب منه الأداء.
стр. 693
فجاز فيمن طلب منه التحمل باعتبار ما سيؤول إليه، ويحتمل أن يراد الجميع، فيكون من باب حمل المشترك على حقيقته ومجازه (١).
• الحكم الرابع عشر: لا مدخل للعبد في الشهادة.
مأخذ الحكم: قال السيوطي: «لأنه غير متمكن من الإجابة إذا دعي إلا بإذن السيد» (٢).
أي: ليست واجبة عليه الشهادة تحملًا وأداءً؛ لأنّ الإجابة معلقة بإذن واختيار غيره.
• الحكم الخامس عشر: تحريم مضارة الشاهد (٣).
قال السيوطي: «فيه النهي عن مضارتهما بأن يجبرا على الكتابة والشهادة ولهما عذر، وإن كان المرفوع فاعلاً ففيه النهي عن مضارتهما صاحب الحق بالامتناع أو تحريف الحق، ويؤيده قراءة عمر: ولا يضارِر بكسر الراء أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور».
مأخذ الحكم: للنهي الوارد بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣].
استدل بالآية على تحريم كتم الشهادة وأنه من الكبائر (٤).
مأخذ الحكم: النهي، وهو على أصله للتحريم؛ لعدم الصارف، ويؤيده لقوله:
стр. 694
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠].
قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].
المراد بالفاحشة في هذه الآية الزنا، قال الموزعي: «مقتصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]» (١).
واستدل بالآية على أن نصاب الشهادة على هذه الفاحشة أربعة رجال مؤمنين عدول، فهذه ثلاثة أحكام:
الأول: نصاب شهادة الزنا أربعة.
الثاني: أن يكونوا رجالاً.
الثالث: أن يكونوا عدولاً.
قال السيوطي: «وفي الآية اشتراط شهادة أربعة رجال في الزنا، فلا يقبل فيه شهادة النساء، ولا أقل من أربعة، خلافاً لمن أجاز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين» (٢).
مأخذ الحكم الأول: الأمر في قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، والأعداد نصوص لا تقبل التأويل، فدلّ على أنه لا يجزئ أقل من هذا العدد.
стр. 695
ومأخذ الحكم الثاني: لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، أي: من رجالكم، فدل على الضمير المختص بالذكور (١).
ومأخذ الحكم الثالث: وهو اشتراط العدالة في الشهود؛ وذلك بحمل المطلق في هذه الآية على التقييد في الشهادة على البيع، والوصية والرجعة (٢).
قال القرطبي: «وأن يكون (أي: الشهود) عدولاً؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة، وهذا أعظم، وهو بذلك أولى، وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل» (٣)، أي: بدليل مفهوم الموافقة الأولوي.
قال الموزعي: «وقيّد بالإضافة إلى المؤمنين، وأطلق صفتهم هنا، وقيّدها في موضع آخر، فقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال أيضاً: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]» (٤).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
стр. 696
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب القيام بالقسط والعدل في الشهادة.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾ مع المبالغة في ذلك من وجهين:
الأولى: من حيث اللفظ والصيغة، وفي هذا يقول القرطبي: «﴿قَوَّامِينَ﴾؛ بناء مبالغة، أي: ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم» (١).
قلت: وقد بيَّن القرطبي أن ﴿شُهَدَاءَ﴾، نصبت إما على النعت ل: ﴿قَوَّامِينَ﴾، وهذا يؤيد ما سبق، أو أنها خبر ثان ل «كان»، «كونوا قوامين، وكونوا شهداء».
فقال ﵀: «قوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، نصب على النعت ل «قوامين»، وإن شئت كان خبراً بعد خبر» (٢).
الثاني: قيام القسط والعدل حتى على النفس أو الوالدين أو الأقربين، فالأجنبي أولى بذلك؛ لعدم المانع القلبي أو العاطفي أن يقام عليه ذلك.
قال القرطبي: «وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها، ثم الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنَّى بالأقربين؛ إذ هم مظنة المودَّة والتعصب، فكان الأجنبي من الناس أحرى، أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه» (٣).
ومن مأخذ الحكم قول الرازي: «ونهاهم عن العدول عن القسط، واتباع الهوى، والإعراض عن القيام بأدائها، سواء كان المشهود عليه غنياً أو فقيراً، قريباً أو بعيداً، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين» (٤).
стр. 697
وقال السيوطي: «ووجوب العدل في الشهادة بين القريب والبعيد والغني والفقير، واجتناب الهوى» (١).
• الحكم الثاني: جواز الشهادة على النفس، وعلى الوالدين لا الشهادة لهما، فإنَّ الآية لم تتعرض لذلك.
قال السيوطي: «فيه قبول شهادة الرجل على والديه وأقاربه، ووجوب العدل في الشهادة» (٢).
ومأخذ الحكم: مشروعية ما سبق، شريطة أن يكون بالعدل، و «لو» هنا شرطية بمعنى: «إن».
قال أبو حيان: «ومجيء «لو» هنا؛ لاستقصاء جميع ما يمكن فيه الشهادة، لما كانت الشهادة من الإنسان على نفسه بصدد أن لا يقيمها لما جبل عليه المرء من محاباة نفسه ومراعاتها، فنبَّه على هذه الحال، وجاء هذا الترتيب في الاستقصاء في غاية من الحسن والفصاحة، و «لو» شرطية بمعنى: «إن» وقوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق بمحذوف، وحذف «كان» بعد «لو» كثير» (٣).
• الحكم الثالث: لا يلزم العبد تحمل الشهادة وأدائها.
مأخذ الحكم: عدم دخوله في القوامة بها؛ لنقصه في ذلك.
قال السيوطي: «استدل به على أن العبد لا مدخل له في الشهادة؛ إذ ليس قوَّاماً بذلك؛ لكونه ممنوعاً من الخروج إلى القاضي» (٤).
стр. 698
فائدة: شهادة النفس على نفسه، هي: الإقرار (١).
واختلف العلماء في شهادة المرء على نفسه في الزنا، فهل يشترط فيها أربع شهادات كسائر الأصول المختصة بالزنا؟ أو يكفي مرة واحدة كسائر الأصول في الإقرار بالحقوق؟
قال الموزعي: «فالجواب أنه يحتمل الأمرين، وبالأول: قال أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وبالثاني: قال الشافعي، ومالك، والراجح إلحاق أبي حنيفة؛ لأن إلحاق الشيء بالأصول التي من جنسه أولى من غير جنسه، ويعضده الحديث وظاهر القرآن» (٢)، ثم بيَّن ذلك.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: يشترط في الشهادة على الوصية اثنان ذوا عدل.
مأخذ الحكم: الأمر الوارد في الآية بصيغة المصدر: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مع التنصيص على العدد ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾.
• الحكم الثاني: جواز شهادة الكافر على وصية المسلم في السفر إذا لم يكن غيرهم (٣).
стр. 699
مأخذ الحكم: سبب نزول الآية، وهي قطعية الدخول، وقد ورد في سبب نزولها روايات، ومنها ما رواه ابن عباس أن رجلاً من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن بدَّاء، وكانا نصرانيين، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فأوصى إليهما، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ بالله ما كتمتماها .. الخ (١).
وقيَّد بعضهم جواز شهادة الكافر في هذه الآية فيما إذا كان وصياً، أمَّا إذا كان غير وصي فلا تُقبل شهادته؛ بدليل قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وللخلاف في معنى الشهادة في الآية اختلاف كبير في أثر حكمها.
قال القرطبي: «وشهد بمعنى: «وصى»، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، وقيل: معناها هنا: الحضور للوصية، يقال: شهدت وصية فلان، أي: حضرتها» (٢).
• الحكم الثالث: أجاز أبو حنيفة شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم (٣).
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أي: من غير أهل دينكم.
وذهب آخرون إلى أن معنى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أي: من غير عشيرتكم.
قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
стр. 700
استدل بالآيتين على تحريم شهادة الزور.
قال القرطبي عن آية الحج: «هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور» (١).
مأخذ الحكم: من الآية الأولى: النهي الوارد بصيغة الأمر في قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا﴾، وهو يقتضي تحريم ما نُهي عنه.
وفي الآية الثانية: ورد النهي بصيغة الخبر، والمعنى: «لا تشهدوا الزور إن كنتم تتصفون بصفات المؤمن».
تنبيه: «الزور» لفظٌ عامٌّ في كل باطل، فيدخل فيه الكذب في الشهادة.
قال ابن الفرس: «الزور لفظ عام في كلِّ باطل من كذب وكفر وغيرهما» (٢).
ومثله السيوطي (٣)، ومثَّل له في آية الفرقان فقال: «هو شامل لكل باطل، فمنه الشرك، وبه فسره الضحاك، واللهو والغناء، وبه فسره ابن الحنفية، والكذب، وبه فسره قتادة، والنياحة، وبه فسر الحسن» (٤).
وقال القرطبي: «والزور: الباطل والكذب؛ وسمي زورا؛ لأنه أميل عن الحق … وكل ما عدا الحق، كذب وباطل وزور» (٥).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥].
стр. 701
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣].
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: يشترط في الشهادة على الزنا أربعة رجال عدول، لا مرأة معهم، ولا يقبل أقل من ذلك.
قال ابن قدامة: «أجمع العلماء على أنَّه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود للنص» (١).
وقال القرطبي: «الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو: الزنا، رحمة بعباده وستراً لهم» (٢).
مأخذ الحكم: سبق في آية النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
• الحكم الثاني: تقبل شهادة الشهود مجتمعين ومتفرقين.
مأخذ الحكم: لإطلاق الآية القبول دون ذكر للاجتماع أو الافتراق.
• الحكم الثالث: قبول شهادة المحدود بالقذف إذا تاب (٣).
مأخذ الحكم: رجوع الاستثناء المتعقب جملاً إلى جميع تلك الجمل، فيعود الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إلى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ وهذا استثناء من النفي فيكون إثباتاً، أي: إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم.
стр. 702
قال القرطبي: «وقال الجمهور: الاستثناء عامل في ردِّ الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته» (١).
وقال: «والاستثناء إذا تعقب جملاً معطوفة عاد إلى جميعها عند مالك والشافعي وأصحابهما، وعند أبي حنيفة وجُلِّ أصحابه يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور، وهو الفسق؛ ولهذا لا تقبل شهادته؛ فإنَّ الاستثناء راجعٌ إلى الفسق خاصّة، لا إلى قبول الشهادة» (٢).
ومأخذ الحكم من الآية الثانية: توبيخ المولى لمن لم يأت بهذا العدد في قذفه بالفاحشة، ولا يُوبخ الله إلا على ترك واجب أو فعل محرم، فدلّ على أن الأربعة شرط في إثبات حد القذف.
ويدل عليه في سياق الآية: ذم من رمى إنساناً، وليس عنده أربعة شهود، حيث سمّاه المولى كاذباً ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، والذم على فعل أو ترك واجب كما سبق.
قال القرطبي: «﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، هذا توبيخ لأهل الإفك، و «لولا» بمعنى: «هلّا»، أي: هلّا جاءوا بأربعة شهداء على ما زعموا من الافتراء» (٣).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٦ - ١٠].
стр. 703
استدل بالآية على أن شهادة أحد الزوجين على الآخر بالزنا أربع شهادات عند الملاعنة.
مأخذ الحكم: نص الآية مع اعتبار المقدّر.
قال القرطبي: «والتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات» (١).
أو يقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ هو مصدر نائب عن فعله، وهو أحد صيغ الأمر الصريحة.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الشهادة على الطلاق أو الرجعة والنكاح (٢).
مأخذ الحكم: للأمر في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾، وسياق الآية في الطلاق أو الرجعة أو فيهما.
قال القرطبي: «﴿وَأَشْهِدُوا﴾ أمرٌ بالإشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء، وقيل: المعنى: واشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعاً» (٣).
стр. 704
وقال أيضًا: «والاشهاد عند أكثر العلماء على الرجعة ندب … ، أوجب الإشهاد في الرجعة أحمد بن حنبل في أحد قوليه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إنَّ الرجعة لا تفتقر إلى القبول، فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق» (١).
قلت: والقياس المذكور هو الصارف للأمر من الوجوب إلى الندب عندهم.
أما مشروعية النكاح، فقال السيوطي في الإكليل «واستدل بالآية من أوجب الإشهاد على الرجعة، وإذا وجب فيها، ففي أصل النكاح من باب أولى» (٢).
فبيَّن مأخذ الاستدلال من الآية بدلالة مفهوم الموافقة الأولوي.
• الحكم الثاني: يشترط في الإشهاد على ما سبق أن يشهد به مسلمان عدلان (٣).
قال السيوطي في الإكليل: «وفي الآية أنه لا يقبل في النكاح والطلاق إلا الرجال المحضُ» (٤).
ومأخذ الحكم: في قوله: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فدلّ على العدد، ومفهومه عدم الإجزاء عن الإثنين.
ومفهوم الوصف بالعدالة، أن غير العدل لا يقبل.
وأما كونهم رجالاً، فيؤخذ من الآية بطريقتين:
الأول: لأن ﴿ذَوَيْ﴾ مذكر، كما قال القرطبي، ثم قال «ولذلك لا مدخل للنساء فيما عدا الأموال» (٥).
стр. 705
الثاني: مأخوذ من ضمير الجمع ﴿مِنْكُمْ﴾، كما نبَّه عليه ابن الفرس (١).
• الحكم الثالث: عدم جواز أخذ الأجرة على أداء الشهادة إذا تعينت (٢).
مأخذ الحكم: لعل ذلك لأجل «اللام» في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾، وما كان لله فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، أو لكونه واجبا متعينا، يجب عليه القيام به.
• الحكم الرابع: وجوب تحمل الشهادة وأدؤها.
ماخذ الحكم: للأمر في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾، وإقامتها بتحملها ثم أداؤها.
قال ابن الفرس عن الآية: «أمرٌ بالشهود بأن يشهدوا إذا استشهدوا، وهو عند أهل العلم أمر وجوب» (٣).