قال ابن الفرس: «وهذا يسميه الأصوليون التنبيه على العلّة، فنبَّه تعالى على أن علة تحريم الخمر كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء، وهذا المعنى بعينه موجود في كلِّ مسكر على حد سواء، لا تفاضل بين الأشربة فيه، فوجب أن يكون حكم جميعها واحدًا … ، فليست الخمر محرمة لعينها، وليست خاصة بعصير العنب» (١).
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: إباحة حيوان البحر.
قال السيوطي: «واستدل بعموم الآية على إباحة كل حيوان البحر؛ سواء أكل مثله في البر أم لا، وسواء أخذ منه حياً أو ميتاً» (٢).
مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بلفظ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، وهي من الأساليب الدالة على الإباحة، والإباحة عامّة لوردها بصيغة الإضافة في قوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، أي: جميع صيده، فيشمل ما ذكره السيوطي.
واختلف في معنى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾: «فقال قوم: طعامه ما طفا عليه ميتاً، وقال قوم: ما حُسر عنه الماء، وأخذه الناس، … والصحيح تحليلها مطلقا» (٣).
• الحكم الثاني: تحريم صيد البر على المحرم.
стр. 632
مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بلفظ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، وتقييده حال الإحرام ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
قال الموزعي: «أما صيد البر فحرم على المحرم أكله؛ لقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وهذا مطلقٌ في جميع الأحوال، سواء صاده محرم أو حلال.
وقد حُكي عن جماعة من السلف العمل بظاهر الإطلاق … ، وذهب أكثر الناس إلى تقييد هذا الإطلاق، فقال بعضهم -وأظنه أبا حنيفة-: يحرم عليه إن صاده، أو صيد بإذنه، أو دلالته، وإن صيد بغير إذنه ودلالته، حلَّ … » (١).
تنبيه: وردت الآية لبيان تحريم لحم الصيد لا الاصطياد، قال الموزعي: «لأنه مسوق لبيان الأكل، لا للاصطياد»، وبيَّن ذلك بأن الله لما وصف «صيد البحر وطعامه بأنه متاع لنا وللسيارة، ثم عطف عليه صيد البر، فله حكمه، والاصطياد ليس بمتاع» (٢)، ثم ذكر بيان النبي ﷺ عموم هذه الآية، فقال: (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يُصد لكم) (٣).
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٥ - ١٤٦].
стр. 633
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: حصر المحرمات في الأربع المذكورة، وإباحة ما عدا المذكور.
قال السيوطي: «احتج به كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكور، من ذلك الحُمُر الأهلية» (١).
مأخذ الحكم: دلالة الحصر في الآية على حصر المحرمات، ومفهومه ما عداه مباح.
قال ابن الفرس: «اقتضت أن المحرمات هي المذكورات، واقتضت عند قومٍ تحليل ما عداها وهم الجمهور؛ لأن دليل خطابها أقوى أدلة الخطاب» (٢). يقصد مفهوم الحصر.
ولم يرتض كثير من العلماء كون كل ما عداها حلالا، وحصر المحرمات في الأربع المذكورة في الآية، وأجابوا عن ظاهر الآية بأجوبة:
الأول: ذهب قوم إلى أنها منسوخة بالسنة؛ وذلك لما جاء عن النبي ﷺ من تحريم أشياء، كأكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ونحو ذلك (٣).
الثاني: ذهب من قال: بأنها محكمة إلى التأويل بما يأتي:
قال بعضهم: إن الآية تقتضي الحصر، وأن كل ما حرم الله تعالى محصور فيها، وأن ما عدا ذلك إنما تحريمه تحريم كراهة وتنزيه (٤).
وقال قوم: إن الآية خرجت على سبب؛ لأنها جواب لقوم سألوا عن أشياء، فاخبروا عنها، فقد لا تقتضي الحصر، وما جاء من سائر المحرمات مضموم إليها.
стр. 634
ويحتمل أن يكون تعالى إنما أخبر بأنه لا يجد محرماً في وقت ما ذكر.
• الحكم الثاني: أن المحرّم من الميتة هو أكلها؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، وعليه فإن جلدها غير محرم، ويطهر إذا دُبغ (١).
مأخذ الحكم: قوله ﵊ عندما مر بشاة ميتة فقال لأهلها: (هلَّا استمتعتم بإهابها؟ قالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها) (٢)، والسنة تبيَّن القرآن.
• الحكم الثالث: إباحة الدم الباقي في العروق، والكبد، والطحال (٣).
مأخذ الحكم: تقييد الدم المحرم النجس بكونه مسفوحاً، لقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾.
والدم الذي في العروق ليس مسفوحاً، وعليه: فخرج بمفهوم قوله ﴿أَوْ دَمًا﴾، ما كان في العروق.
• الحكم الرابع: من حلف لا يأكل الشحم حنث بأكل ما على الظهر.
قال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن من حلف لا يأكل الشحم، حنث بأكل ما على الظهر؛ لأنه تعالى استثناه من جملة الشحوم» (٤).
مأخذ الحكم: إن الاستثناء هنا متصل، فهو من جنس المستثنى منه، فدّل على كونه شحماً، وإلا لما صح استثناؤه في الآية.
стр. 635
قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩].
استدل بالآيتين على جواز الأكل من الأنعام.
مأخذ الحكم: سياق الامتنان في الآيتين، وكونه خلقها لنا، وجعلها لنا، والامتنان لا يكون إلا بمباح.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧].
استدل بالآية على إباحة الأكل من ثمر النخيل والأعناب، وما يتخذ منه من شراب غير مسكر.
مأخذ الحكم: امتنان المولى بها علينا، ولا يمتن إلا بحلال.
باب الصيد والذبائح
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧].
استدل العلماء بالآية على أن الأولى في البقر: الذبح.
مأخذ الحكم: أمر الله بذبحها، فهو الذي ذكره المولى في الآية.
قال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر، وقيل: الذبح أولى؛ لأنه الذي ذكره الله، ولقرب المنحر من المذبح» (١).
стр. 636
قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١].
استدل بالآية على تحريم الاصطياد للمحرم؛ أخذاً من قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾.
قال الموزعي: «أن قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، يحتمل أن المراد به الصيد أو الاصطياد، أما احتماله للصيد فقد مضى، وأما احتمال كونه بمعنى: الاصطياد استدلالاً بالآية التي بعدها: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾» (١).
ومأخذ الحكم: كونه استثناءاً من الحلال، فيكون حراماً.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
استدل بالآية على إباحة الاصطياد للمحرم بعد تحلله.
قال الموزعي: «وقد أجمع العلماء على أن الأمر في ذلك للإباحة، وعلى تحليل الاصطياد بعد التحلل» (٢).
مأخذ الحكم: كونه أمراً بعد حظر، والأمر بعد الحظر للإباحة عند كثير من العلماء.
وناقش ابن الفرس هذا المأخذ، وقال: «ومن يقول بتأثير الحظر يحتج بهذه الآية … ، ولا حجة في ذلك؛ لأن ما اقترن بهذا الأمر من القرائن دلَّ على أنه على الإباحة، وإنما كلامنا فيما لم تقترن به قرينة، ونص هذه الآية إباحة الصيد لغير المحرم، ودليل خطابها منعه للمحرم، فأما إباحته لغير المحرم، فلا خلاف فيه؛ إذ
стр. 637
اصطياده لحاجة إليه … » (١).
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب التذكية واشتراطها فيما له دم سائلة.
وقسَّم الشارع المحرمات في هذه الآية «إلى ثلاثة أقسام: ما حرم لعدم الذكاة، وهي الميتة وحدها، أو الميتة والمنخقة وأخواتها على ما يأتي من الخلاف في ذلك.
ومنها: ما حرم لوصم من الذكاة، وهي ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب، ومنها: ما حرم لعينه لا لعدم الذكاة ولا لوصم فيها، وهو الدم ولحم الخنزير» (٢).
مأخذ الحكم: الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ استثناء من التحريم، فيكون حلالاً، أي: ما ذكي. فجعل علّة تحليله الذكاة، فتكون واجبة لأجل ذلك.
قال الموزعي: «ولما حرم الله سبحانه الدم، وحرم هذه الأشياء، عقبها بذكر الذكاة، وجعل الذكاة علة التحليل، علمنا أن علة التحليل خروج الدم بالذكاة، وأن عدم خروج الدم علة التحريم، فاستدللنا بذلك على أن كل حيوان حلال لا دم فيه؛
стр. 638
كالجراد لا يحتاج إلى ذكاة … ، واستدللنا أيضا بذلك على أن كل حيوان تحل ميتته، لا يحتاج إلى ذكاة؛ كصيد البحر، وهذا إجماع بين المسلمين أيضاً» (١).
تنبيه: اختلف العلماء في رجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، وبسط شيئاً من ذلك، الموزعي قال: «رجوع الاستثناء على الجملة الأخيرة، وهي ما أكل السبع متصل؛ لصدق اسم الأكيل عليه عند حصول التذكية، وإن لم يزهق روحه.
وأما الأمور الأربعة، فمن لاحظ وقوع اسم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة عليها قبل الموت مجازاً، كان الاستثناء عنده متصلاً أيضاً، وهذا هو الأقرب - إن شاء الله - ومن لاحظ صدق الأسماء حقيقة؛ إذ لا تسمى هذه المحرمات قبل الموت منخنقة ولا موقوذة ولا متردية ولا نطيحة إلا على سبيل التجوُّز، منع عود الاستثناء إلا هذه الجمل الأربع، اللهم إلا أن يجوز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، فيحمل الاستثناء على الاتصال في أكيل السبع، وعلى الانفصال في الذي قبله، وفي ذلك خلاف عند أهل النظر.
وأما عوده إلى الخنزير، فلا يجوز قطعاً؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه شيئاً، وكذا لا يجوز عوده إلى ما أهل به لغير الله؛ لأنه استثناء منقطع؛ لاختلاف الحكم فيه» (٢).
• الحكم الثاني: عدم جواز ذبيحة الكتابي إذا ذبحها باسم الكنيسة أو اسم المسيح، وهي حرام لا يجوز أكلها.
مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، و «ما» اسم موصول يعمُّ.
قال الموزعي: « … وذهب الشافعي إلى التعميم؛ عملاً باللفظ والمعنى، أما اللفظ: فلعمومه. وأما المعنى: فلوجود التعظيم الذي هو علَّة التحريم حتى أطلق
стр. 639
أصحابه التحريم على ما يذبح للسلطان عند استقباله؛ إذ المقصود بذلك التعظيم لا التكريم» (١).
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الصيد بالجوارح المعلَّمة.
قال السيوطي: «وهي أصل في باب الأطعمة، وإباحة الصيد بالجوارح الشاملة للسباع والطيور، بشرط تعليمها وأن تمسك الصيد على صاحبها بأن لا تأكل منه، فإن أكلت منه فإنما أمسكت على نفسها لا على صاحبها» (٢).
وعليه: فيحل صيد المعلَّم، ويحرم صيد غير المعلَّم.
مأخذ الحكم: العطف على حل الطيبات، والعطف يقتضي المشاركة في الحكم.
وذكر ابن الفرس أن في الكلام مقدّرا محذوفا وهو «اتخاذ»، أي: اتخاذ ما علمتم من الجوارح على تقدير أن سبب الآية السؤال عما يحل من الكلاب، لا عما يحل من الصيد (٣).
وقال الموزعي: «ثمّ لما خصص الله سبحانه تحليل صيدها بكونه ممسكا علينا، فهمنا تحريم ما أمسكته الجائعة على غيرنا، وقد بيَّنه النبي ﷺ ، كذلك، فقال لعدي بن حاتم ﵁ لما سأله: «إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل، فإن أكل
стр. 640
منه، فلا تأكل منه؛ فإنما أمسك على نفسه» (١)» (٢).
ويبقى الإشارة إلى مأخذ التعميم في الجوارح؛ ليشمل الكلب وغير الكلب.
قال السيوطي: «واستدل بالآية على إباحة اتخاذ الكلب للصيد، ويقاس به الحراسة، وبقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من قال: لا يحل إلا صيد الكلب خاصة، ورُدَّ بعموم: ﴿الْجَوَارِحِ﴾» (٣).
ثم ذكرنا مأخذاً آخر ومفسراً لما سبق من تفسيرات الصحابة.
قال الموزعي: «ثم اختلف أهل العلم في اختصاص الجوارح بالكلاب، فقال فريق منهم: بالتخصيص، ومنعوا الصيد بغيرها من جوارح السباع والطيور، وبه قال مجاهد، وتمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، واعتقدوه للتقييد لا للتعريف ....
وقال جمهور العلماء: بالتعميم … ، وتمسكوا: إما بالقياس على الكلاب، فكل ما قبل التعليم فهو آلة لذكاة الصيد، وإما بأنه مشتق من الكلب الذي هو الشدة، لا من اسم الكلب، فيكون معناه: مُغْرين للجوارح على الصيد، وبهذا فسَّره ابن عباس ﵄» (٤).
وقال ابن الفرس: «فأما قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، معناه: معلَّمين، وأصله من التكليب وهو تعليم الكلاب الصيد، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل من علم شيئًا من الجوارح مكلباً، فتكليبها تعليمها الاصطياد» (٥).
стр. 641
خاتمة نقل السيوطي: مسائل متعلقة بالحكم السابق.
الأولى: ما يفيد اشتراط أن يكون الكلب من تعليم المسلم؛ أخذاً من ضمير الخطاب في قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾؛ استدلالاً بتفسير ابن عباس ﵄ عندما سُئل عن المسلم يأخذ كلب المجوسي، أو بازه أو صقره أو عقابه فيرسله، قال ابن عباس: «لا تأكله، وإن سميت؛ لأنه من تعليم المجوسي وإنما قال الله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾» (١).
الثانية: قال: «وفيها جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة؛ لأن التعليم قد يحتاج إلى ذلك».
الثالثة: قال: «واستدل بعموم الآية على إباحة صيد الأسود البهيم» (٢)، أي: الخالص السواد.
• الحكم الثاني: مشروعية التسمية عند الإرسال.
قال السيوطي: «وفي الآية مشروعية التسمية عند الإرسال … ، واستدل قوم بالأمر بالتسمية على أن ما لا يسمى عليه من الصيد لا يحل، واستدل بالاقتصار عليها، على أنه لا يذكر معها الصلاة على النبي ﷺ » (٣).
مأخذ الحكم: في مشروعية التسمية الأمر في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: على الاصطياد؛ إذْ لا يجوز عود الضمير على الأكل، قاله الموزعي مستدلاً بقوله ﵊: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل» (٤).
стр. 642
ثم قال الموزعي: «وقد أجمع المسلمون على مشروعية التسمية عند الإرسال على الصيد، وعند الرمي، وعند الذبح، وإنما اختلفوا هل ذلك على الوجوب أو على الندب؟» (١).
أما القائل بالوجوب فلظاهر الأمر، أما القائل بالندب فقد نقل ابن الفرس عن ابن القصار توجيه ذلك، وأن الضمير في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يعود إلى أقرب مذكور، هو: الأكل لا الإرسال، ثم ختم توجيهه بقوله: «وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التي كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها» (٢).
قلت: فيكون الأمر للتوجيه والإرشاد لا الوجوب، والله أعلم.
ثم جواز الأكل مما لا يسمى عليه من الصيد، ينبني على كون التسمية واجبة وشرطاً لصحة الذبح، وسيأتي بيانه بإذن الله عند آيتي الأنعام.
وأما الاقتصار على ذكر الله دون الصلاة على النبي ﷺ ؛ لتخصيص المولى واقتصاره عليه في مقام البيان.
• الحكم الثالث: إباحة الصيد لو أكل منه الكلب (٣).
مأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
قال ابن الفرس: «ظاهره: أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه» (٤).
стр. 643
تنبيه: خصص العلماء الآية بحديث: «قلت: فإن أكل؟ قال: فلا تأكل؛ فإنه لم يمسك عليك، إنّما أمسك على نفسه» (١).
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].
استدل بالآية على لأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية ذبائح أهل الكتاب.
مأخذ الحكم: الإخبار بالحكم في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مع تفسير الصحابي.
قال الموزعي: «قال ابن عباس ﵄: طعامهم: ذبائحهم» (٢).
ثم قال: «وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الآية، فأحلوا ذبائح أهل الكتاب كما أحلها الله تعالى، وإنما اختلفوا في بعض التفاصيل» (٣).
• الحكم الثاني: مشروعية الأكل من ذبائحهم، وإن لم يسموا الله عليها.
مأخذ الحكم: إطلاق الشارع جواز الأكل في الآية دون اشتراط التسمية.
قال الموزعي: «والذي عليه جمهور أهل العلم العمل بآية المائدة، وأن ذبائحهم حلال مطلقاً، كما أطلقه الله سبحانه، سواء سمّوا الله عليها، أم لا» (٤).
стр. 644
قلت: وذكر احتمال تقييدها بآية الأنعام ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]. وسياتي بيانه بإذن الله.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤].
يستدل بالآية على جواز الاصطياد بالآلات المحددة كالرمح والسهم (١).
مأخذ الحكم: بيَّن المولى سبحانه وسيلة الصيد الذي في أصله مباح، والأصل في وسيلة المباح، تكون مباحة، لا سيما مع عدم إنكار المولى لهذه الوسيلة وذمها، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥].
استدل بالآية على تحريم الصيد على المحرم، وعلى من دخل الحرم (٢).
مأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾، مع قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.، كما أن ترتيب الجزاء دلالة على كونه محرماً، وكذا التهديد والذم بقوله ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾، وفي قوله ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ يدل على ما سبق؛ إذ العفو لا يكون إلا عن ذنب، وكذا التهديد.
стр. 645
قال ابن الفرس: في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، قال: «وقد استدل أصحاب مالك بهذه الآية على أن صيد الحلال في الحرم يوجب عليه الجزاء؛ بناء على أن معنى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وأنتم محرمون، أي: داخلون في الحرم، يقال: أحرم الرجل إذا دخل في الحرم» (١).
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].
استدل بالآية على إباحة صيد البحر للمحرم والحلال، وأن الحرام على المحرم صيد البر خاصة (٢).
مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، بالنسبة لصيد البحر، وبقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بالنسبة لصيد البر ما دام محرماً (٣).
ومفهومه: أن غير المحرم يباح له صيد البر، وهو الأصل لما سبق.
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].
стр. 646
قال القرطبي: «المراد بذكر اسم الله: ذكر التسمية عند الذبح والنحر» (١).
دلت الآيات على مشروعية التسمية عند الذبح، على خلاف في جعلها شرط صحة.
قال السيوطي: في الآية الأولى: «وذهب عطاء إلى أن المراد بها التسمية على كل ما يؤكل من طعام وشراب وذبح، وكل مطعوم» (٢).
وقال في الثانية: «استدل بها من حرّم ما لم يسم عليه من الذبائح، عمداً تركت التسمية أو نسياناً» (٣).
ومأخذ المشروعية: الأمر في قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ في الآية الأولى، والنهي عن عدم الذكر في الآية الثانية، والنهي عن الشيء أمر بضده.
قال ابن الفرس عن الآية الأولى: «ودليل خطابه: النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وفي القول بدليل الخطاب اختلاف، إلَّا أنه تعالى قد صرح بدليل الخطاب بعد هذا فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فقوى ذلك الدليل» (٤).
أما من قال بعدم اشتراط التسمية، فمأخذه أن قوله: في الآية الثانية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وقوله: بعدها ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وتارك التسمية من المسلمين لا يسمى فاسقاً ولا مشركاً، بل المراد تحريم ما سمَّى عليه غير الله، وأيدوا ذلك بالسبب الذي نزلت فيه الآية، وهو مجادلتهم في تحريم الميتة، قاله ابن الفرس نقلاً عن ابن عباس، ونقل عن عطاء قوله: «نزلت في ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان،
стр. 647
وذبائح المجوس» (١).
فائدة: أطلق الله في آية المائدة حل ذبائح أهل الكتاب، ولم يقيده بذكر التسمية، فقال سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وسبق أن المراد بطعامهم: ذبائحهم.
وقيّد سبحانه حل الأكل في آيتي الأنعام بذكر اسم الله عليها، كما أن آيتي الأنعام مطلقة في أهل الكتاب وغيرهم.
قال الموزعي: «فيحتمل أن يقيد إطلاقه في المائدة بتقييده هناك، فلا تحل ذبائح أهل الكتاب إلا إذا سمَّوا الله عليها.
ويحتمل أن يقيد إطلاقه في الأنعام بتقييده هنا، ويكون المعنى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه من غير ذبائح أهل الكتاب. فقال فريقٌ بالأول، فجعل آية المائدة مقيدة بآية الأنعام، فلا تحل لنا ذبائح أهل الكتاب، إلَّا إذا علمنا أنهم سمّوا الله عليها … ، والذي عليه جمهور أهل العلم العمل بآية المائدة، وأن ذبائحهم حلال مطلقاً؛ كما أطلقه الله سبحانه، سمَّوا الله عليها أم لا. وادَّعى بعضهم الاتفاق عليه، ونسبه إلى علي ﵁» (٢).
قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
دلت الآية على مشروعية النحر لِما ينحر، وفُسِّر النحر في الآية بعموم الذبح، وفُسِّر بخصوص نحر البدن، والإبل، وفُسِّر بغير ذلك (٣).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ مع اعتبار أنه من الفعل «نحر»، ويؤيده
стр. 648
القول بأن الآية كانت يوم الحديبية حين حُصر النبي ﷺ ، فأتاه جبريل، فقال: انحر، وارجع، فقام النبي ﷺ فخطب خطبة الأضحى ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، قال سعيد بن جبير: «فذلك حين يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾» (١).
خاتمة: قال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر … ، قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً حرَّم أكلَ ما نُحر مما ذبح، أو ذُبح مما ينحر» (٢).
باب الأضاحي
الأضاحي بتشديد الياء، وهي جمع، مفردها: أُضحية، بضم الهمزة أو كسرها، وتشديد الياء.
ويقال لها: الضَّحية بفتح الضاد وتشديد الياء، وجمعها الضحايا، والمقصود بها شرعاً: «ما يذكى تقرباً إلى الله تعالى في أيام النحر بشرائط مخصوصة» (٣).
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
استدل بالآية على وجوب الذبح لله ، وقد فسر قتادة قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾، بضحيتي (٤).
وقيل: إن النسك: كل ما تقرب به إلى الله تعالى، إلا أن الغالب عليه في العرف الذبح.
стр. 649
قال الرازي عن الآية: «فقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يدلُّ على أنه يؤديه مع الإخلاص، وأكده بقوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾، وهذا يدلّ على أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت، بل يجب أن يؤتى بها مع تمام الإخلاص» (١).
مأخذ الحكم: قوله: ﴿لِلَّهِ﴾، وهذا اللام لام الاستحقاق، لوقوعها بين معنى (النسك)، وذات، بالإضافة إلى ما قاله الرازي في نقله السابق.
ويدل عليه فعل ﷺ حين كان يقرأ الآية حين يوجه أضحيته للذبح (٢).
قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: استدل من قال بإجزاء ذبح الأضاحي من بعد الفجر الثاني، ولا يشترط انتظار انقضاء الصلاة والخطبة أو ذبح الإمام، وخصّها بعضهم لأهل القرى والبوادي؛ ذلك لقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ﴾.
مأخذ الحكم: أضاف الشارع الحكم (النحر والذبح) إلى اليوم، واليوم يبدأ من طلوع الفجر (٣).
تنبيه: وهناك من يقول: إن اليوم يبدأ من طلوع الشمس.
قال الموزعي: «فمنهم من اعتبر وقت الأضحية بالزمان، وهم الشافعي،
стр. 650
وداود، وابن المنذر، وآخرون، وقالوا: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، سواء صلّى المضحي أم لا، وسواء صلى الإمام أم لا، وسواء ذبح الإمام أم لا، واعتبر الباقون وقتها بفعل الإمام» (١).
• الحكم الثاني: عدم دخول ليالي النحر مع الأيام، وعليه؛ فلا يجوز الذبح فيها.
مأخذ الحكم: أن الحكم وهو الذبح علق على الأيام (٢).
ومفهومه: أن الليل لا يدخل فيه.
قال القرطبي: «فذكر الأيام، وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز» (٣).
وقال الموزعي: «لأن اسم اليوم لا يتناول الليل؛ بدليل قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] (٤).
ثم ذكر من خالف في ذلك، ومأخذه منها: أن تعليق الحكم على اليوم مفهوم لقب، وهي دلالة ضعيفة، مع عدم التسليم بأن اسم اليوم لا يتناول الليل، بل يتناوله بدليل قوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥].
• الحكم الثالث: لا يجوز الأضحية بغير بهيمة الأنعام.
مأخذ الحكم: مفهوم الصفة حيث خصَّ جواز الذبح ببهيمة الأنعام، فدلّ على أن غيرها من البهائم لا يجوز، ولا يجزئ بها.
стр. 651
قال ابن قدامة: «ولا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام» (١).
وقال الموزعي: «خصَّ الله سبحانه بهيمة الأنعام بالذكر دون غيرها من البهائم، وقد أجمع المسلمون على ذلك» (٢).
• الحكم الرابع: مشروعية الأكل والإطعام من الأضحية (٣).
مأخذ الحكم: أمره بالأكل والإطعام منها.
قال الموزعي: «فأما الأكل فحمله جمهور أهل العلم على الاستحباب، وحكي عن بعض السلف أنه واجب الأكل منها؛ حملا للأمر على حقيقته … » (٤).
وبيَّن السيوطي صارف الأمر عن الوجوب، فقال: «حيث لم يكن الدم واجباً» (٥)، أي: ليست الأضحية في أصلها واجب.
قلت: وقد يقال إن الأكل إنما ورد لحكمة، قال الموزعي: «الحكمة فيه مخالفة الجاهلية في تحرجهم من أكل ذبائحهم» (٦).
• الحكم الخامس: استحباب تقسيم الأضحية إلى قسمين (٧):
مأخذ الحكم: أن الأمر في الآية شرع للأكل وإطعام البائس الفقير، وهما صنفان، فتقسم الأضحية بينهما نصفين، فأخذ هؤلاء بظاهر الآية.
стр. 652
قال ابن الفرس: «الجمهور وسعوا في ذلك، فله أن يأكل ما شاء، ومما شاء» (١).
قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الأضحية من قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾.
قال القرطبي: «والمنسك: الذبح وإراقة الدم» (٢).
وقال الموزعي: «المنسك ها هنا: -والله أعلم- هو المصدر، من نسك ينسك، إذا ذبح القربان» (٣).
مأخذ الحكم: بإخبار المولى وامتنانه علينا بأن شرع ذلك لنا.
قال الموزعي: «فأخبر الله سبحانه أنه مشروع لكل أمة، وليس من خصائص هذه الأمة، وقد أجمع العلماء على مشروعية التقرب بالهدي والأضحية» (٤).
قلت: وفي إحلال ما كان محرماً عليهم في الجاهلية امتنان لهم بذلك، ولا منّةَ إلَّا بمشروع.
• الحكم الثاني: لا يجزئ في الأضحية غير بهية الأنعام.
قال ابن قدامة في كتاب الأضاحي: «ولا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام … ، ولنا قوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، وهي: الإبل والبقر والغنم» (٥).
стр. 653
وسبق ذكر مأخذ الحكم في الآية السابقة.
قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: استحباب التضحية بالسمين.
يستدل بالآية على الحكم المذكور من قوله: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ [الحج: ٣٦].
قال القرطبي: «والبدانة السمن، وقيل: إن هذا الاسم خاص بالإبل، وقيل: البُدن جمع «بدن» بفتح الباء والدال، ويقال: بَدُن الرجل، بضم الدال، إذا سمن» (١).
مأخذ الحكم: مأخوذ من اللغة كما سبق، وعليه فلا تختص الآية على التأويل الأخير بالإبل؛ وقد نقل القرطبي بعد هذه المسألة الخلاف في إطلاق «البدن» على غير الإبل من البقر.
تنبيه: ذكر القرطبي قرائن من الآية وخارجية تؤيد أن المقصود بالبدن، هي الإبل، ومن الآية نفسها، قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، وقال: إنه وصف خاص بالإبل (٢)، أي: هي التي تنحر قائمة، ويتحقق فيها معنى السقوط كما سيأتي.
• الحكم الثاني: استحباب نحر الإبل قياماً، معقولة الركب.
ذكر المفسرون أن معنى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾، أي: انحروها، فصار ذكر الله كناية عن النحر والذبح.
стр. 654
وقال القرطبي: «فقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة، كنَّى عن ذكر الموت بالسقوط على الجنب، كما كنَّى عن النحر والذبح بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح» (١).
قال الجصاص: «إذا كانت باركة لا يقال أنها تسقط» (٢).
مأخذ الحكم: يدل عليه ما سبق من معنى الوجوب في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ والسقوط للقائم، كما يدل عليه، وعلى عقل الركب أو الأيدي قوله: ﴿صَوَافَّ﴾.
قال السيوطي في الإكليل: «وقُرئ ﴿صوافن﴾، قال قتادة: أي صوافن بالحبال معقولة، و ﴿صواف﴾ كما في القراءة المتواترة، أي: كونها قائمان قد صففن أيديهن وأرجلهن»، ثم نقل عن ابن عمر أنه كان يلي نحر بُدنه بيده، يصف أيديها بالقيود، وهي قائمة، ويتلو هذه الآية، ثم قال: فالقراءتان بمنزلة آيتين، كل واحدة تفيد حكماً» (٣).
فدلّ قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ مع قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، على نحرها، وهي قائمة معقولة.
• الحكم الثالث: مشروعية الأكل منها والإطعام.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.
قال الموزعي: «أمر الله بالأكل والإطعام منها، فمن الفقهاء من حمل الأمرين
стр. 655
على الوجوب، ومنهم من حملهما على الاستحباب، ومنهم من استحب الأكل، وأوجب الإطعام» (١).
أما القائل بالوجوب، فلظاهر الأمر، والقائل بالاستحباب؛ لكونه مصروفا، وسبق بيان الصارف.
تنبيه: قال الموزعي: «وقيَّد الله سبحانه حال الأكل بوجوب جنوبها؛ وذلك وقت خروج الروح منها، ومفهومه: أنه لا يحل الأكل منها قبل ذلك، وهو كذلك، فلا يحل الأكل منها، ولا القطع منها قبل خروج الروح منها إجماعا» (٢).
قلت: وسبق قول القرطبي: «قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة، كنَّى عن الموت بالسقوط على الجنب» (٣).
• الحكم الرابع: مشروعية تثليث لحم الأضحية إما وجوباً أو استحباباً (٤).
قال ابن قدامة: «والاستحباب أن يأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها»، ثم قال في دليل هذا القول: «ولأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، والقانع: السائل، يقال: قنع قنوعاً، إذا سأل، وقنع قناعة إذا رضي … ، والمعتر: الذي يعتريك، أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف، فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثا» (٥).
مأخذ الحكم: ما ذكره ابن قدامة مما يؤخذ من ظاهر تفسير الآية.
стр. 656
قال الموزعي: «ولا دليل فيه على التقدير، ولا سيما مع معارضة قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]» (١).
قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧].
استدل بالآية من قال: إن الأضحية بالغنم أفضل.
قال القرطبي: «في هذه الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر، وهذا مذهب مالك وأصحابه» (٢).
مأخذ الحكم: تفسير الصحابي ب «الذبح العظيم» بأنه كبش، منهم: علي ﵁، وابن عباس، وكونه اختاره سبحانه فداء لنبيه (٣).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].
استدل بالآية على عدم جواز الأضحية قبل أن يضحي الإمام (٤).
وقيل: في تفسيرها: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي ﷺ .
قال ابن الفرس: «نزلت في قوم، ذبحوا قبل أن ينحر النبي ﷺ ، وقبل أن يصلي، فأمرهم أن يعيدوا» (٥).
مأخذ الحكم: العموم المأخوذ من حذف المفعول، والمقدَّر بالقول: «لا تقدموا
стр. 657
الذبح أو غيره»، أو الفعل في قول: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ في سياق النفي، فيعمّ أي تقديم، ومنه: الذبح، وكون سبب النزول قطعي الدخول، فلا تصح الأضحية قبل الإمام.
قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الأضحية (١).
قال ابن قدامة: «الأصل في مشروعية الأضحية، الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقول الله سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، قال أهل التفسير: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد» (٢).
مأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾.
قال الفرس: «﴿وَانْحَرْ﴾، أمرٌ بنحر الهدي والنسك والضحايا» (٣).
وسبق الإشارة إلى الخلاف في كونه للوجوب لظاهر الأمر أو الاستحباب؛ لوجود الصارف.
• الحكم الثاني: كون وجوب الأضحية للنبي ﷺ خاصة.
قال السيوطي: «واستدل بالآية من قال بأن الأضحية كانت واجبة عليه ﷺ » (٤).
مأخذ الحكم: كون الخطاب موجهاً للنبي ﷺ بكاف الخطاب، ﴿لِرَبِّكَ﴾.
وفي كونه يعم أمته، قال ابن الفرس: «والأمر في الآية محتمل للوجوب،
стр. 658
وللندب، وقد جاء عن النبي ﷺ ما رفع احتمال الوجوب، قال ﷺ : (أمرت بالنحر وهو لكم سنة) (١)» (٢).
• الحكم الثالث: وقت الأضحية يكون يوم النحر، وبعد مضي وقت الصلاة خاصة.
قال ابن الفرس في كونها يوم النحر ضمن تعداده للأقوال: «وقيل: هي مخصوصة بصلاة العيد ثم النحر بعدها، وأن الآية نزلت بالمدينة، وفي الآية على هذا القول الأمر بالضحية يوم النحر» (٣).
وقال السيوطي عن الحكم الأخر: «واستدل بالآية … من قال إن وقتها بعد مضي قدر الصلاة خاصة، ولم يعتبر الخطبتين» (٤).
ومأخذ الحكم: أشار إليه ابن الفرس، فقال: «وفي الآية، أيضا على هذا القول - على قول من رأى أن الواو ترتيب- أن النحر لا يكون إلا بعد الصلاة، وإن لم ينقل بأن الواو ترتيب -وهو المشهور عن العرب- فقد بيّن ذلك بالإجماع على أنه لا يجوز النحر قبل الصلاة … » (٥)
قلت: ودلالة كونه لا يعتبر الخطبتين لظاهر الآية.
стр. 659
• الحكم الرابع: التضحية بالإبل أفضل.
مأخذ الحكم: للأمر به في الآية.
قال السيوطي: «واستدل بالآية … ومن قال: إن التضحية بالإبل أفضل، من البقر والغنم؛ لأنه تعالى أمر بالنحر، والنحر إنما يكون في الإبل ذكره ابن الفرس» (١).
قلت: والذي ذكره ابن الفرس هو قوله: «وفي ظاهر الآية أن الإبل والبقر أفضل من الغنم في الضحايا، وهو قول الشافعي؛ لأنه تعالى أمر بالنحر، والنحر إنما يكون فيهما» (٢).
стр. 660
كتاب الأيمان والنذور
الأيمان: جمع يمين.
قال الرازي في تفسيره: «والأيمان جمع يمين، بمعنى الحلف والقسم. وقيل: للحلف يمين، وهو اسم اليد؛ لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا. وقيل: سمي القسم يمينا ليمين البر فيه» (١).
والنذر: جمع نذر، وله تعاريف متعددة منها: «إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئاً غير لازم عليه بأصل الشرع» (٢).
ويلحق النذر باليمين، قال في المغني: «ولنا، أن النذر يمينٌ، فينعقد في الواجب موجباً للكفارة، كاليمين بالله تعالى» (٣).
وفي بدائع الصنائع: «ولأن النذر يمينٌ، وكفارته كفارة يمين» (٤).
قال الرازي في تفسيره عن النذر: «واختُصَّ هذا اللفظ في عرف الشرع بأن يقولَ لله علي كذا وكذا من الصدقة، أو يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله تعالى، مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو رد غائبي فعلي كذا كذا … » (٥).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤ - ٢٢٥].
стр. 661
• الحكم الأول: النهي عن كثرة الحلف (١).
قال السيوطي: «لأنه نوع جراءة على الله وابتذال لاسمه في حق أو باطل» (٢).
مأخذ الحكم: النهي الوارد عن جعل اسم الله عرضة للأيمان، ومن أكثر ذكر شيء فقد جعله عُرضة، وقد روى عن أمنا عائشة ﵂ أنّها نزلت في تكثير اليمين بالله، نهينا أن يحلف الرجل به بارًا، فكيف فاجرًا؟
• الحكم الثاني: استحباب الحنث والتكفير لمن حلف يميناً فرأى غيرها خيرًا منها (٣).
نقل السيوطي عن ابن عباس قوله: «يقول الله لاتجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك وأصنع الخير، أخرجه ابن أبي حاتم»، ثمَّ قال: ومعنى: ﴿عُرْضَةً﴾ مانع.
مأخذ الحكم: قول ابن عباس، وتفسيره.
وبيانه: أن قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ مفعول من أجله، فيقدر ما يقتضيه المعنى.
ونظم الآية: لأجل أن تبروا وتتقوا، ولا يكون ذلك إلّا بالحنث.
أي: إنَّ الإتيان بالخير، لا يكون إلّا بالحنث -وهو عدم الوفاء بيمينه- فيكون الحنث مستحبًا حينئذ، وما لا يتم المندوب إلّا به فهو مندوب.
وفي الصحيح: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه،
стр. 662
وليفعل) (١).
• الحكم الثالث: اعتبار القصد في اليمين، وأن من سبق لسانه إليها بلا قصد لا ينعقد (٢).
واستدل بقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ من قال: إن من حلف على غلبة ظنه لا إثم عليه ولا كفارة قصد اليمين أو لم يقصدها (٣).
مأخذ الحكم: رفع المؤاخذة باللغو؛ بناء على التفسيرات الواردة عن الصحابة لمعنى اللغو (٤).
فورد عن عائشة ﵂ أن اللغو: «قول الرجل لا والله وبلى والله»، أي دون قصد وعقد للقلب.
وورد عن ابن عباس في تفسيره للغو: أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقاً وليس بحق.
وغير ذلك من التفسيرات، وقد اختلف العلماء في المقصود بالمؤاخذة هل هي في الآخرة، أو في الدنيا وهي الكفارة؟ بناء على الخلاف في تفسير يمين اللغو (٥).
قال ابن الفرس: «إنّما يقوي بعض هذه الأقوال ويضعف بحسب ما ذكره الله في الآية من اللغو والكسب، وذلك أن للغو ما لم يتعمد أن يسقط، وما حقه أن يسقط، وكسب ما قصده ونواه» (٦).
стр. 663
• الحكم الرابع: انعقاد اليمين بالقصد (١).
مأخذ الحكم: الاستدراك بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، مع تفسير الصحابة لمعنى كسب القلب. والكسب ما قصده ونواه.
• الحكم الخامس: عدم وجوب الكفارة باليمين الكاذبة الغموس (٢).
قال السيوطي: «وفسَّره قوم بأن يحلف وهو يعلم أنه كاذب» (٣).
مأخذ الحكم: بُني على من فسَّر اليمين المكتسبة بالقلب باليمين الكاذبة، وأن المؤاخذة في الآخرة.
ونقل عن ابن عباس قوله: «أن ذلك اليمين الصبر الكاذبة»، وأنه لا كفارة لها بل المؤاخذة في الآخرة؛ لأن اليمين التي تجب فيها كفارة هي المعقودة ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ويمين الغموس محلولة غير منعقدة.
ويمين الصبر هي التي يكون فيها متعمدًا للكذب، قاصدًا لإذهاب مال المسلم، كأنّه يصبر النفس على تلك اليمين، أي: يحبسها عليها.
وفي الحديث المتفق عليه: (من حلف علي يمين صبر، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله يوم القيامة، وهو عليه غضبان) (٤).
стр. 664
قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
• الحكم الأول: دلَّت الآية على وجوب الوفاء بالنذر.
مأخذ الحكم:
قال الرازي: «هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأنه تعالى عقبه ب: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفاً من شر ذلك اليوم، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجباً».
ثم قال: «وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وبقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فيحتمل ليوفوا أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم» (١).
قلت: ولعل من المأخذ كذلك كونها: خبراً بمعنى الأمر، أي: ليوفوا نذورهم وليخافوا يوما كان شره مستطيراً. والله أعلم.
• الحكم الثاني: أن الوفاء بالنذر يجب وجوبا عاماً مطلقاً من غير فصل بين المطلق والمعلق بشرط.
وبيانه: أن نذر الطاعة الذي يجب الوفاء به على قسمين: نذر مطلق، كقوله: «لله عليَّ أن أصلي الضحى».
ونذر معلق على حصول منحة، أو زوال كربة، كقوله: «إن شُفي مريضي، فلله عليَّ أن أصلي ركعتين» (٢).
مأخذ الحكم: دخول الألف واللام المقرّر في قوله: ﴿بِالنَّذْرِ﴾ فيعمُّ أنواع
стр. 665
وأقسام نذر الطاعة، وغير الطاعة يخرج بأدلة أخرى، على خلاف في وجوب الكفارة فيها.
قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية حل اليمين بالكفارة.
قال السيوطي: «عدم التحريم مع لزوم كفارة اليمين» (١).
مأخذ الحكم: فرض الله وقدر التحلة للأيمان، والمراد بالتَّحلة، هي: الكفارة مثل الحنث؛ لأنها تحل اليمين.
• الحكم الثاني: الحلف بالتحريم فيه كفارة، كما أن الحلف بالإيجاب فيه كفارة.
مأخذ الحكم: سبب النزول قطعي الدخول، وقد ورد في سبب نزول الآية قول أمنا عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : «كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيتُ أنا وحفصة: أنَّ أَيَّتَنَا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريحَ مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: (لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له) فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤] لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]؛ لقوله: «بل شربت عسلاً»، وقال إبراهيم بن موسى: عن هشام: (ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري بذلك أحدا)» (٢).
стр. 666
قال الجصاص: «وأما قول من قال: إنه حرّم وحلف أيضاً، فإنَّ ظاهر الآية لا يدل عليه، وإنما فيها التحريم فقط، فغير جائز أن يُلحق بالآية ما ليس فيها، فوجب أن يكون التحريم يميناً؛ لإيجاب الله تعالى فيها كفارة يمين بإطلاق لفظ التحريم» (١).
• الحكم الثالث: تحريم الزوجة هل يُعدُّ يمينا أو ظهاراً؟
صورته: أن يقول الزوج: إن فعلتِ كذا، فأنتِ عليَّ حرامٌ، يقصد الحنث، أو المنع، اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب متعددة.
ومنهم: من ذهب إلى أنها يمين يكفِّرها كفارة يمين؛ مستدلاً بالآية.
مأخذ الحكم: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فتعمُّ الآيةُ كلَّ ما حرَّمه الانسانُ على نفسه مما أباحه الله، ولا عبرة بخصوص السبب الوارد في سبب نزولها.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].
استدل بها الحنفية على أن يمين الكافر لا يكون يميناً.
ويشترط عند الحنفية والمالكية في الأيمان، أن يكون الحالف مسلماً (٢)، والمخاطَب بآيات الأيمان: المؤمنون (٣).
стр. 667
مأخذ الحكم: قلت لعل مأخذهم هو: أن النفي الداخل على الأسماء الشرعية يحمل على نفي الصحة، والله أعلم، وقد نفى الله الأيمان عنهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾.
قال الرازي مبيِّناً الحكم عند الحنفية، ويتمسَّك الشافعي بالآية على خلاف قول الحنفية فقال: «به تمسك أبو حنيفة ﵀ في أنَّ يمين الكافر لا يكون يميناً، وعند الشافعي ﵀ يمينهم يمين، ومعنى هذه الآية عنده [أي: أبي حنفية]، أنهم لَمَّا لم يفوا بها، صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان، والدليل على أنَّ أيمانهم أيمان، أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ ولو لم يكن منعقداً، لما صحَّ وصفها بالنكث» (١).
قلت: ويؤيد مذهب الشافعي القراءاة ﴿لا إيمان لهم﴾.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].
استدل بالآية بالأحكام الآتية:
• الحكم الأول: أن إضافة العهد ونحوه، كالميثاق إلى الله يعتبر يمينا، وتلزم الكفارة، إذا حنث.
مأخذ الحكم: سمَّاه الله أيماناً، ونهى نقضه.
ويؤيد كونه يميناً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].
стр. 668
وكذا سبب نزولها، وقد روى البخاري «أنَّ رجلاً أقام سلعة وهو في السوق، فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعط؛ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت الآية» (١).
• الحكم الثاني: وجوب الوفاء بالعهد، والبر في الأيمان (٢).
مأخذ الحكم: الأمر بالوفاء في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، والنهي عن نقض الأيمان في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ والنهي عن النقض أمرٌ بالبر والوفاء.
قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥].
دلّت الآية على أن الخطأ مرفوع، ولا إثم على المخطئ (٣).
قال القرطبي: «أي: وليس عليكم جناح في شي أخطأتم، وكانت فُتيا عطاءٍ وكثيرٍ من العلماء على هذا، إذا حلف رجلٌ ألا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقَّه، فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير، فوجدها زيوفاً أنه لا شيء عليه، وكذلك عنده إذا حلف ألَّا يُسلِّم على فلان فسلَّم عليه وهو لا يعرفه، أنه لا يحنث؛ لأنه لم يتعمد ذلك» (٤).
مأخذ الحكم: الإخبار برفع الجناح عن الخطأ في ذلك، ثم التصريح بموطن المؤاخذة ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
стр. 669
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: عدم الكفارة في لغو اليمين، وقد أجمع العلماء على ذلك (١).
مأخذ الحكم: نفي المؤاخذة عليها، وهذا يقتضي رفع حكمها، وعدم لزوم الكفارة فيها، فالآية صريحة في الحكم المذكور في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
ولغو اليمين: ما جمعت أمرين: ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد، واليمين التي يحلفها يظن صدق نفسه، سواء كان ذلك في الماضي أو الحال، أو المستقبل، وهو مذهب الحنابلة.
وقيل: هي الأمر الأوّل كما عند الشافعية، أو الأمر الثاني كما عند الحنفية والمالكية (٢).
• الحكم الثاني: وجوب الكفارة في الحنث في اليمين المنعقدة.
مأخذ الحكم: قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وهو استدارك من نفيٍ، فيكون إثباتاً للكفارة، وهو شبيه بالاستثناء من النفي في كونه إثباتا.
قال القرافي: «لكن للاستدراك بعد النفي، وتوجب للنافي ما في الأول، وإلا
стр. 670
كذلك فتشابها؛ لأنَّ كليهما يجمع بين النفي والإثبات» (١).
قال ابن هبيرة موضحاً اليمين المنعقدة وحكمها: «وأجمعوا على أنَّ اليمين المنعقدة، هو أن يحلف على أمر من المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، فإذا حنث وجبت عليه الكفارة» (٢).
وقد تردد العلماء في دخول اليمين الغموس في اليمين المنعقدة، فيجب فيها الكفارة، أو لا تدخل فلا تجب الكفارة فيها.
فمن قال: لا يجب فيها الكفارة.
قالوا: إنَّ عقد اليمين ما التزم فعلاً مستقبلاً، يتردَّد بين حنث وبرٍّ، فخرجت اليمين الغموس من الأيمان المعقودة؛ إذِ الحلف فيها، يكون على أمر ماض كاذباً عالماً (٣).
كما أنَّ الأيمان أمرنا بحفظها في قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، واليمين الغموس لا يتصوَّر حفظها؛ لعدم الحنث فيها، وعليه فلا تجب الكفارة فيها.
ومن قال: تجب الكفارة فيها، قال: هي يمين منعقدة؛ لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى (٤).
• الحكم الثالث: عدم انعقاد اليمين بما لم يقصده، وإنَّما سبق لسانُه إليه.
مأخذ الحكم: كون معنى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: قصدتم، ويُفسِّره قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، كما في