← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1359

فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (711 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهما مدنيتان» (١). والتيمم من الخصائص التي خصَّ الله بها أمة الإسلام، وقد ورد في حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: (أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً .. ) الحديث متفق عليه (٢). وعند مسلم من حديث حذيفة ﵁: (وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) (٣). وقد نصَّ المولى سبحانه على بعض الحِكم من شرعة التيمم بقوله سبحانه في آية المائدة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فذكر سبحانه من الحِكم: رفع الحرج، وإرادة التطهير، وإتمام نعمته سبحانه بإباحته لنا التيمم، مع سائر نعمه السابقة واللاحقة، جعلنا الله من الشاكرين. وهذه الحِكم يلتفت إليها العلماء عند استنباط الأحكام. قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] وفي [المائدة: ٦]. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.

стр. 72

واستدل بالآيتين على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: يستنبط من الآية مشروعية التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء، وهو طهور لكل مسلم، مريض، أو مسافر، سواء كان جنبًا، أو على حدث، وهذا الحكم مجمع عليه (١). ومأخذ الحكم بمشروعية التيمم: الأمر في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو هنا على أصله للوجوب، وهو بدل عن الماء ويأخذ حكمه. تنبيه: اختلف العلماء في اشتراط الغبار في الصعيد: فذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم اشتراط الغبار. وقالوا: والصعيد هو: وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن عليه تراب، فكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد يجوز التيمم به. ومأخذهم: أن قوله سبحانه: ﴿صَعِيدًا﴾ مطلق - لكونه نكرة في سياق إثبات -، والمطلق يجري على إطلاقه. قال الجصاص: «لما قال الله ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وكان الصعيد اسماً للأرض اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ما كان من الأرض» (٢). وذهب طائفة من أهل العلم إلى اشتراط الغبار في الصعيد. ومأخذهم: أن المراد بالصعيد التراب ذو الغبار.

стр. 73

أما اختصاصه بالتراب فلقوله ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهوراً) (١). ونقل عن الشافعي قوله: لا يقع الصعيد إلّا على تراب ذي غبار (٢). قال إلكيا الهراسي: «ولا شك أن لفظ الصعيد ليس نصاً فيما قاله الشافعي» (٣). وأما اشتراط كونه ذا غبار، فهو استدلال بالآية، وذلك بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فقالوا: ﴿مِنْهُ﴾ أي: من بعضه، وهذا يلزم منه علوق شيء من الصعيد، ولا يكون إلا بتراب ذي غبار. ف (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تبعيضية، وهذا يلزم منه اشتراط علوق شيء من التراب بيد المتيمم، ينقل إلى أعضاء المتيمم كما ينقل الماء إلى أعضاء المتوضئ. نوقش: أن (من) في الآية لابتداء الغاية. • الحكم الثاني: اتفق العلماء على اشتراط كون الصعيد طاهراً، لقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ أي: طاهراً بالإجماع (٤). ومأخذ الحكم: مفهوم الصفة الواردة في الآية، ومفهومه أن الأرض الخبيثة والنجسة، لا يشرع التيمم بها، وهذا بالإجماع أيضًا (٥).

стр. 74

قال ابن تيمية: «فإنّه لا خلاف أن الأرض الخبيثة ليست بطهور» (١) وهو يريد النجسة. وقال ابن جرير الطبري: «وأمّا قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ فإنّه يعني به طاهرًا من الأقذار والنجاسات» (٢). تنبيه: قال ابن الفرس: «واختلف فيمن تيمم على أرض نجسة، فقال ابن القاسم إذا ذهب الوقت أجزأه، وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يجزؤه تعلقاً بظاهر قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والمراد بالطيب هنا هو الطاهر» (٣). • الحكم الثالث: من شروط التيمم عدم وجود الماء باتفاق أهل العلم (٤). ومأخذ الحكم: تعليق الأمر بالتيمم على شرط عدم وجود الماء، والمعلق على شرط يثبت بثبوته. تنبيه: سبق في باب المياه بيان أن لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآية نكرةً في سياق نفي، وهو يعم لغة كل ماء، والماء اسم جنسٍ، فيكون عمومه في الجنس، فيدخل فيه كل ماء قليلًا كان أو كثيرًا، وسواء كان ماءً من سماءٍ أو نهرٍ، أو عين عذب أو ملح. • الحكم الرابع: استدل العلماء بالآية على جواز التّيمم عن الحدث الأكبر والحدث الأصغر (٥).

стр. 75

مأخذ الحكم: تعليق الشارع الحكم وهو الأمر بالتيمم على شروط هنا، وذكر من الشروط ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ لبيان الحدث الأصغر، وقوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو الجماع لبيان الحدث الأكبر. والمعلق على شرط يثبت بثبوته، فظاهر القرآن عود قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ إلى الحدث والجنب جميعاً. ويلزم من وجود الشرط، وهو الحدث، وجود المشروط، وهو: التيمم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. • الحكم الخامس: مشروعية التيمم للمريض مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده. أما عند عدم وجود الماء فباتفاق أهل العلم - كما سبق - في حكم العادم مطلقاً، سواء كان مريضاً، أو صحيحاً. قال ابن رشد: «فأجمع العلماء أنها (أي طهارة التيمم) تجوز لاثنين للمريض وللمسافر إذا عدما الماء» (١). وقال ابن العربي: «ومطلق اللفظ يبيح التيمم لكل مريض إذا خاف من استعماله وتأذيه بالماء» (٢). وأما عند وجود الماء، فاستدل بعضهم بالآية على عدم جواز تيممه. ومأخذ الحكم: مفهوم الشرط الوارد في الآية، حيث دلَّت الآية بمنطوقها على جواز التيمم عند عدم الماء، وبمفهوم شرطها على عدم جواز التيمم مع وجود الماء، ولم تفرق بين مريض وصحيح.

стр. 76

وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اعتبار المفهوم هنا، وعليه فيجوز للمريض إذا عجز عن الماء أن يستعمل التراب ويتيمم. ومأخذهم في عدم الأخذ بالمفهوم: كونه معارضاً بالمنطوق الوارد بالسنة، وهو ما روي عن بعض الصحابة أنّه أصابته جنابة، وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال، فلما اغتسل مات، فسمع النبي ﷺ ذلك، فقال: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم) (١). لذا يرى الرازي أنه ليس في الآية دلالة على منع المريض من التيمم عند وجود الماء، وإنما دلت السنة على جوازه (٢). ومن العلماء من يستدل بدلالة معنى المرض في الآية على منع المريض من التيمم عند وجود الماء (٣)، وهذا يشبه قول الأصوليين: يستنبط من النص معنى يخصصه، والله أعلم. قال ابن عاشور: «وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ عطف على فعل الشرط، وهو قيد في المسافر، ومن جاء من الغائط، ومن لامس النساء، أمّا المريض فلا يتقيد تيممه

стр. 77

بعدم وجدان الماء؛ لأنه يتيمم مطلقا، وذلك معلوم بدلالة معنى المرض، فمفهوم القيد بالنسبة إليه معطل بدلالة المعنى» (١). والخلاصة: إن إباحة التيمم للمريض غير مضمنة بعدم الماء، بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء، ولذا قالوا: إن كان المرض يسيراً لم يبح له التيمم. وهناك مأخذ آخر ذكره بعض العلماء: وهو أن في الآية مقدراً، تقديره: (وإن كنتم مرضى فعجزتم أو خفتم من استعمال الماء فتيمموا). وقالوا: إن مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إنما يعود إلى المسافر فقط. وذكر ابن الفرس مأخذاً في الخلاف في دخول المريض الواجد للماء، وكذا الحاضر العادم للماء هل هما من أهل التيمم أو لا؟ أنه راجع إلى معنى (أو) في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فقال: «في (أو) هنا تأويلان: أنها على بابها من أن تكون لأحد شيئين. الثاني: أنها بمعنى الواو، وعلى هذين التأويلين ينبني اختلاف العلماء في المريض الواجد للماء والحاضر العادم للماء، هل هما من أهل التيمم أم لا؟ فمن أبقى (أو) على بابها رأهما من أهل التيمم … ومن رأى (أو) في الآية بمعنى الواو لم يرهما من أهل التيمم؛ لأنه بعيد … » (٢). • الحكم السادس: مشروعية التيمم للمسافر العادم للماء. ومأخذ الحكم: المأخذ السابق، وهو تعليق الحكم وهو الأمر بالتيمم على شرط عدم وجود الماء، والمعلق على شرط يثبت بثبوته. مأخذه: أن المطلق يجري على إطلاقه. تنبيه: هل لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ مفهوم صفة مخالف، بحيث إنّ غير

стр. 78

المسافر لا يجوز له التيمم ولو أكثر المفسرين عدم الماء؟ على أن السفر ذكر في الآية لأنّه في الغالب يفقد معه الماء، وإذا كان كذلك فلا مفهوم له لخروجه مخرج الغالب، ويبنى عليه مشروعية التيمم في الحضر لمن عدم الماء، سواء عدم الماء حقيقة أو حكمًا. قال ابن قدامة: «ومن حال بينه وبين الماء سبعٌ، أو عدو، أو حريق، أو لص، فهو كالعادم. ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم، فهي عادمة» (١). ومن العلماء من أرجع سبب الخلاف في كون الحاضر العادم للماء يجوز له التيمم أولا، إلى الاختلاف في عود الضمير في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، هل يعود على الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط، فمن رآه عائداً على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يُجز التيمم للحاضر العادم للماء. • الحكم السابع: التيمم يكون بالوجه واليدين إجماعًا (٢). وذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب مسح جميع الوجه، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، كما سيأتي. ومن العلماء من قال بعدم وجوب الاستيعاب. أما مأخذ القائلين بوجوب مسح جميع الوجه: أولاً: هو أن: (الباء) في الآية للإلصاق، أو أنها زائدة، والمعنى: (فامسحوا وجوهكم)، فيجب تعميمه.

стр. 79

الثاني: القياس، فكما يجب تعميمه بالغسل، فكذا بالمسح في التيمم، وذلك لأنّ التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل من تمام الرّكن، فكذا البدل وهو التيمم، فوجب استيعاب الوجه كله. الثالث: الإجماع، كما سبق. قال القرطبي: «ولا خلاف في أن حكم الوجه في التيمم والوضوء الاستيعاب، وتتبع مواضعه» (١). أما مأخذ مَنْ قال بعدم وجوب الاستيعاب: فهو القياس على مسح الرأس والخف، بجامع كون الجميع مسحاً. ونوقش: بأن حكم الأصل مختلف فيه، فلا يصح القياس. قال ابن حزم: «والصحيح أن لفظة المسح لم تأت في الشريعة إلا في أربعة مواضع ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم، ومسحٌ على الخفين والعمامة والخمار، ومسح الحجر الأسود في الطواف، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكماً بلا برهان … فمن أين وقع لهم تخصيص المسح بالاستيعاب بلا حجة، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من لغة، ولا من إجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس» (٢). • الحكم الثامن: اختلف العلماء في حد اليدين في التيمم. فذهب بعض العلماء إلى القول بأن المسح يكون إلى الآباط، ومنهم من قال: إلى المرفقين، ومنهم من قال: إلى الكوعين، أو للكفين.

стр. 80

ومأخذ من قال للآباط: الإطلاق الواردة في الآية، فكل ما كان من أطراف الأصابع إلى الآباط فإنه يطلق عليه اسم اليد. قال البيضاوي: «واليد اسم للعضو إلى المنكب» (١). وقال ابن الفرس: «ومن قال: الإبط بناه على تعلق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذاك أكثر ما ينطلق عليه اسم اليد» (٢). نوقش: نسلم بأن اليد تطلق على ذلك، لكن دلَّت السنة وبينت المراد، وهو إلى الكوعين، أو الكفين كما في حديث عمار ﵁. ومأخذ من قال إلى المرفقين: إمّا قياس التيمم على الوضوء، أو حمل المطلق الوارد في آية التيمم على المقيد بأية الوضوء، وقد اتحدا سببًا واختلفا حكمًا (٣). فسببهما الطهارة ورفع الحدث. والحكم في الوضوء الغسل، وفي التيمم المسح. نوقش: بأنه قياس فاسد؛ لأنه في مقابل النص، وحمل المطلق على المقيد يصح عند من يقول بالحمل مع اختلاف الحكم. ومأخذ مَنْ قيّده بالكوع: حمل الأيدي المطلقة هنا على التقييد الوارد في آية القطع في السرقة، وهي مقيدة بفعله ﵊ (٤).

стр. 81

نوقش: بأنهما اختلافا حكمًا، ففي السرقة قطع، وفي التيمم مسح، واختلفا سببًا ففي السرقة: السرقة، وفي التيمم: رفع الحدث، فلا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة بالاتفاق (١). ومأخذ من جعل المسح إلى الكوعين: أولاً: أن اليدين عند الإطلاق يراد بها الكوعان فقط؛ لأنه لو أراد إلي الإبطين، أو إلى المرفقين، أو الذراعين لقيدها به، كما قيَّدها في الوضوء إلى المرفقين. قال السعدي: «ومن الأحكام: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط؛ لأن اليد عند الإطلاق كذلك، فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء» (٢). ثانياً: القياس على القطع؛ إذ هو حكم شرعي وتطهير، كما أن التيمم تطهير. ونوقش: بأنه في القطع عقوبة، لا يؤخذ فيها إلا باليقين، والتيمم عبادة، والعبادات يؤخذ فيها بالاحتياط. وهناك مأخذ آخر: ذكره ابن الفرس فقال: «فمن قال إلى الكوعين كان ذلك منه بناء على تعليق الحكم بأول الأسماء؛ لأن اليد هي من أطراف الأصابع إلى الإبط، وأقل ما ينطلق عليه اسم اليد إلى الكوعين» (٣). ومأخذ مَنْ قال إلى الكفين: هو حديث عمّار كما عند البخاري أنّه أجنب فلم يجد الماء فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدَّابة، وفيه أنه قال: ثمّ أتيت الرسول فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا، ثم ضرب بالأرض ضربة

стр. 82

واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه» (١). • الحكم التاسع: اختلف العلماء في مشروعية تكرار المسح من عدمه. وذهب الجمهور إلى عدم التكرار. ومأخذ الحكم: إطلاق المسح في الآية، وهو يتحقق بالمرة الواحدة. • الحكم العاشر: ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب طلب الماء. مأخذ الحكم: أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ أمر يوجب التّكرار، ولا سيما أنه قد علق بشرط، فهو يوجب تكرار التيمم لكل صلاة، ويلزم منه طلب الماء لكل صلاة. ولم يجب في الوضوء لفعله ﵊، فيبقى التيمم (٢). قال الموزعي: «وكنت قدَّمت أولاً أن مفهوم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لا يوجب تكرار الوضوء لكل صلاة، خلافاً لابن سيرين؛ لأجل فعل النبي ﷺ ، فهل يقتضي بمفهومه أنه يجب طلب الماء والتيمم لكلِّ صلاة عند القيام، أو لا يجب كالوضوء؟ فباقتضاء المفهوم قال الشافعي ومالك، فأوجبا الطلب والتيمم لكل فريضة، وبترك المفهوم قال أبو حنيفة، فلم يوجب ذلك» (٣). • الحكم الحادي عشر: اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمكلف العادم للماء أن يعدل إلى التيمم مع قدرته على شراء الماء بثمن مثله، إن كان هذا الثمن فاضلاً عن حاجته ودينه.

стр. 83

واختلفوا فيما إذا كانت الزيادة على ثمن المثل يسيرة، فهل يلزمه شراء الماء أو لا؟ وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يلزمه شراء الماء. مأخذ الحكم: أن القادر على الشراء يعتبر واجداً للماء، فلا يجوز له العدول إلى التيمم. فقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ فعل في سياق نكرة، والأفعال نكرات، فيعم كل واجد، سواء كان بثمن المثل أو بزيادة. • الحكم الثاني عشر: من وجد ماءً لكنه لا يكفي لطهارته اختلف العلماء في وجوب تطهره به، ثم تيممه للباقي. فأوجب ذلك بعض العلماء. ومأخذ الحكم: أولاً: أن كلمة (ماء) في الآية نكرة في سياق نفي تعم الماء القليل والكثير (١). ثانياً: أنه يصدق عليه أنه واجد للماء. وقيل: لا يجب عليه استعمال هذا الماء. ومأخذ الحكم: العرف الشرعي؛ لأن مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل، فينصرف المطلق إليه، ومن لم يجد ماءً كافياً لطهارته، كان كمن لم يجد الماء أصلاً، فيكون حكمه الشرعي الانتقال إلى التيمم. وعليه فيقال: إن الله أراد بالماء في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، الماء الكافي للأعضاء الذي أمر بغسلها في أول الآية.

стр. 84

قال ابن العربي: «فإن الله سبحانه قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وأراد جميع البدن، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فاقتضى ذلك الماء الذي يقوم له بحق ما تقدم الأمر فيه والتكليف له، فإن آخر الكلام مرتبط بأوله» (١). • الحكم الثالث عشر: اختلف العلماء القائلون بوجوب طلب الماء والتيمم لكل صلاة في جواز فعل التيمم قبل دخول الوقت. فقال بعض أهل العلم: يجوز التيمم قبل دخول الوقت. مأخذ الحكم: أنّ المعلق بالشرط إنّما هو الوجوب - وهو دخول الوقت - والوجوب في وقت لا يمنع الجواز في غيره. مأخذ آخر: وهو القول بأن المولى أقام التيمم مقام الماء عند فقده، ولم يفرق بين ما إذا كان قبل الوقت أو بعده (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الجواز. مأخذ الحكم: القياس، وبيانه كما قال الموزعي: «ويجوز أن يقال: فيه دلالة على التقييد بالوقت وجوبًا وجوازًا، فإنّه عبادة وقد ورد توقيت وجوبها بوقت الصلاة، فلا يجوز في غيره، كسائر العبادات، وإنّما خرج الوضوء بفعل النبي ﷺ الصلوات بوضوء واحد، أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة» (٣).

стр. 85

ثم بيَّن مأخذاً آخر بقوله: «أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة» (١). يقول ابن رشد: «فتأمل هذه المسألة؛ فإنها ضعيفة، أعني من يشترط دخول الوقت ويجعله من العبادات المؤقتة، فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت، فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، لكن من باب أنه أنه ليس ينطلق اسم غير الواجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة؛ لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على ماء» (٢). • الحكم الرابع عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز التيمم على جدار الأسمنت أو البلاط، أو الجدار الذّي عليه دهان (بوية) (٣). ومأخذ الحكم: أن (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تبعيضية، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يعلق باليد، وهذا لا يتحقق بجدار الأسمنت أو البلاط، فلا يتحقق المسح. نوقش: أن التيمم غير مختص بالتراب، بل بكل ما تصاعد على وجه الأرض؛ لقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض (٤).

стр. 86

وحمل بعضهم (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ على كونها ابتدائية، أي لابتداء الغاية (١)، أي: مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطّيب، وعليه فلا يتعين ما له غبار، ويصحّ التيمم بجدار الأسمنت وغيره. باب الحيض قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الحيض والمحيض مصدران يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا. والمحيض أيضًا: اسم لموضع الدّم، فالمحيض الأوّل في الآية هو الدّم، وهو الأذى، والمحيض الثّاني قيل: هو موضع الدّم. وقد استنبط العلماء من الآية عددًا من الأحكام منها: • الحكم الأول: تحريم الوطء في الفرج حال الحيض، وهذا محل إجماعٍ. قال ابن قدامة: «الاستمتاع من الحائض فيما فوق السُّرة ودون الركبة جائز بالنّص والإجماع، والوطء في الفرج محرم بهما» (٢)، أي بالنصَّ والإجماع. وقال النّووي: «أجمع المسلمون علي تحريم وطء الحائض للآية الكريمة والأحاديث الصحيحة» (٣). ومأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فأمر باعتزالهن، وهذه الصّيغة وإن كان لفظها لفظ الأمر، إلّا أنّ معناها والمقصود منها النهي.

стр. 87

قال ابن النّجار: «وكنهي في المعنى: دع، واترك، وكف، وأمسك نفسك عن كذا. ونحوه» (١). ومفهوم الغاية السابق جواز وطء الحائض إذا طهرت ثم اغتسلت وهذا لا خلاف فيه بين العلماء وهو على الإباحة؛ لأنّه أمر بعد حظر، وجميع الأوامر في القرآن بعد الحظر، فإنها على الإباحة. أمّا قبل الاغتسال فقد أجازه بعض العلماء استدلالًا بقوله ﴿حتى يطّهرهن﴾ بالتّشديد، قالوا: معناه حتى يحصل لهن الطهر، الذّي هو عدم الحيض. أمّا قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإنّه صفة لفعلهن، ويحصل التطهر بالغسل أو الوضوء أو غسل الفرج، فكل ذلك يسمى في الشّريعة وفي اللّغة تطّهرًا، وطُهورًا، وطهْرًا، فأي ذلك فعلت فقد طهرت. أو بقراءة ﴿حتى يطهرْن﴾ بالتخفيف، فيكون انقطاع دم الحيض غاية النّهي عن قربانهن، وإن لم يغتسلن. وأمّا الجمهور فقد ذهبوا إلى عدم جواز وطء الحائض إلّا إذا طهرت واغتسلت. ومأخذهم في ذلك: أنّ الله سبحانه علق حِل الوطء بغايةٍ وشرطٍ، فيكون الحل بهما، والحرمة بانتفاء أحدهما، فالغاية قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ والشّرط قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فلا يستباح وطؤها إلّا بالغسل بعد انقطاع الدم، وتنتفي الاستباحة بعدمهما، أو عدم أحدهما من غاية أو شرط. قال الموزعي: «وفي الآية دلالة على أن الحائض إذا انقطع دمها لا يحل

стр. 88

غِشيانها، وهو قول مالك والشّافعي وجماهير أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يحلُّ، وإن لم تغتسل، والمراد عنده صِرْنَ أهلًا للصّلاة، وهو خلاف الظّاهر من لفظ الآية؛ فإنها تدلّ لغيره من أربعة أوجهٍ: أحدهما: قراءة من قرأ ﴿حتى يطّهّرن﴾ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ كلتاهما بالتّشديد. ثانيهما: قراءة أبي بن كعب ﴿حتى يطْهرن﴾ فلا يقدم الوقت مقام الفعل المنسوب إليهن. ثالثهما: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن، وبهذا فسر ابن عباس ومجاهد وغيرهما» (١). قلت: لما كانت قراءة التخفيف في قوله ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تدل على غاية النهي عن قربانهن، وهو انقطاع الدّم، وردت قراءة التّشديد ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ لرفع توهم جواز إتيان الحائض إذا ارتفع عنها الدّم وإن لم تطهر بالماء. قال الموزعي: «رابعها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾» (٢). قلت: والرّابع إنّما يدل على مشروعية الفعل وطلبه، فيعمّ الواجب والمندوب، فلا يمنع منه من قال بعدم وجوب الاغتسال. قال ابن القيم: «وكل فعل عظمه الله ورسوله … أو أحبه، أو أحب فاعله، أو رضي به عن فاعله … فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والنّدب» (٣).

стр. 89

ثم قال الموزعي: «فإن قلتم: فهل نجد ما يدلّ على أن المراد بالمتطهرين المتطهرين بالماء؟ قلت: نعم قوله تعالى في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾» (١) وقد سبق الحديث عنها. • الحكم الثاني: جواز وطء الحائض في غير موضع الدّم. مأخذ الحكم هو أن المراد بالمحيض في قوله ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ موضع الدّم ويؤيده قوله ﵊ (جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلّا النّكاح) (٢) على خلاف بين العلماء، إلّا أنهم اتفقوا على جواز الاستمتاع من الحائض فيما فوق السُّرة ودون الرّكبة كما سبق نقله عن ابن قدامة. • الحكم الثالث: استدل بعضهم على عدم جواز وطء المستحاضة ما دام معها الدّم. ومأخذه: أن قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ يدل على أن علة اعتزال النّساء، هو كونه أذى، وذلك بطريق الإيماء والتنبيه، فأخذوا بعموم العلّة، وقاسوا المستحاضة على الحائض بكونه أذى. والجمهور على جواز وطء المستحاضة، قياسًا على جواز صلاتها، مع دم الاستحاضة؛ ولقوله ﵊ (إنّما ذلك عرق وليس بحيض) (٣) وفيه دليل على الفرق بين الدّمين.

стр. 90

• الحكم الرابع: لا حدّ لأقل الحيض ولا لأكثره. ومأخذهم: أن الآية علقت الحكم على المحيض، أي: الدّم، ولم تقدّره بمدة معينة، وما كان هذا سبيله، فإنّه يرجع فيه إلى العرف والعادة، واختلف العلماء في تقدير ذلك. وختامًا لهذا الباب فسأذكر ما ذكره ابن قدامة من أحكام متعلقة بالحيض، حيث قال: «وقد علق الشّرع على الحيض أحكامًا؛ فمنها: أنه يحرم وطء الحائض في الفرج، … ومنها: أنه يمنع فعل الصلاة والصوم، … ومنها: أنه يسقط وجوب الصّلاة دون الصّيام، … ومنها: أنه يمنع قراءة القرآن، … ومنها: أنّه يمنع اللبث في المسجد والطواف بالبيت، .... ومنها: أنّه يُحرِّم الطّلاق، … ومنها: أنه يمنع صحة الطهارة … ومنها: أنه يوجب الغسل عند انقطاعه … وهو علَمٌ على البلوغ … ، وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمّة. وإذا ثبت هذا، فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض، ليعلم ما يتعلق به من الأحكام» (١).

стр. 91

كتاب الصلاة تدور الآيات الواردة تحت هذا الكتاب -دون أبوابه- حول مسألة حكم الصلاة، وحكم تاركها. ولا خلاف بين العلماء في كون الصلاة أحد أركان الإسلام، وهذا الحكم من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة كفر، والعياذ بالله منه. وقد أجمع العلماء على تكفير من أنكر وجوب الصلاة جحوداً أو عناداَ. واختلفوا في كفر من تركها تهاوناً وكسلاً على ما سيأتي: وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم الدالة على الحكم السابق كما سيأتي: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب الصلاة. مأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب، وهو أمر للحاضر. ومنه قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨]، [لقمان: ١٧]. • الحكم الثاني: مقاتلة تارك الصلاة. مأخذ الحكم: بدلالة اقتران الصلاة بالزكاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ

стр. 92

وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فقالوا: أجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وكذا الصلاة يقاتل تاركها. • الحكم الثالث: الصلاة واجبة على كل بالغ عاقل، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، مسلم أو غير مسلم، ما بقي عقلُه. مأخذ الحكم: ضمير الجمع في قوله ﴿وَأَقِيمُوا﴾ يفيد العموم، فيدخل فيه الذكور المسلمون الأحرار بالإجماع، وكذا يدخل في عمومه: الإناث والعبيد، والكفار عند من يقول إنهم مخاطبون بفروع الشريعة. تنبيه: في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] اختلف العلماء في الصلاة المأمور إقامتها هل هي لفظ مجمل أو لا؟ قال بعض العلماء لفظ الصلاة هنا مجمل، لأنه لا يُنبئ عن المراد منها، وهو: الأقوال والأفعال المبتدئة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، فلا يُنبئ عن الركوع والسجود وغير ذلك. ثم إن هذا الإجمال قد بينته السنة بقوله وفعله ﵊. وقال الجمهور بل مصطلح الصلاة وغيرها من المسميات الشرعية إن وردت في سياق إثبات أو أمر فإنها تحمل على المعنى الشرعي، فنحمل معنى الصلاة في الآية ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ على الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود. أما ما ورد من المسميات الشرعية في سياق النهي فتكون مجملة لترددها بين المعنى الشرعي أو اللغوي. ومنهم من حملها على المعنى الشرعي، ومنهم من حملها على المعنى اللغوي. وهذه القاعدة يتفرع عليها فروع كثيرة، في سياق الأمر ما سبق في الآية الكريمة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وفي سياق الإثبات مثل اختلافهم في قوله ﵊: (الطواف بالبيت

стр. 93

صلاة) (١) فما المراد بالصلاة، منهم من حملها على القاعدة على الصلاة الشرعية، فاشترط بناءً على ذلك الطهارة في الطواف، لكونها شرط الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود. أما سياق النهي فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] فحملها بعض العلماء على المعنى اللغوي وهو الدعاء، ومنهم من حملها على المعنى الشرعي، ومنهم من جعلها مجملة لترددها بين الأمرين. ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] فقد فسرها ابن عباس وعائشة ﵃ وغيرهم بأن الصلاة هي الدعاء. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥]. استدل بالآية على وجوب الصلاة. مأخذ الحكم: أولاً: لفظ الأمر وما تصرف منه، وذلك في قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أي: وأمروا أن يقيموا الصلاة، وكذا لفظ الأمر في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. ثانياً: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل)، وهي الأمر للغائب، ومن ذلك قوله سبحانه في صلاة الخوف ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وإذا وجب عليهم إقامة الصلاة في الخوف فمن باب أولى حال الأمن.

стр. 94

قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب الصلاة. مأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب. • الحكم الثاني: كفر تارك الصلاة. مأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي أن من لم يحقق هذه الصفات كان من المشركين. نوقش عند البعض: أن الآية محمولة على أن المراد أن ترك الصلاة من أفعال المشركين، فورود النهي عن التشبه بهم لا أن من وافقهم في الترك صار مشركاً. قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. استدل بالآية على عدد من الأحكام منها: • الحكم الأول: وجوب الصلاة. مأخذ الحكم: لأن المولى أمر بقتالهم إلا إن يتوبوا ويقيموا الصلاة، والواجب هو الذي يعاقب على تركه، وقتالهم عقوبة لهم على شركهم وتركهم الصلاة. • الحكم الثاني: مقاتلة تارك الصلاة لكفره. مأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، أي: أنهم إن لم يتوبوا ويقيموا الصلاة فلا يخلى سبيلهم بل يقاتلوا.

стр. 95

ثم قال بعدها في آيات ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ومفهوم الشرط: إن لم يقيموا الصلاة فلا يخلى سبيلهم وليسوا بإخوة، والمعلق بشرط ينعدم بعدمه. نوقش عند بعضهم: أن ذكر الصلاة والزكاة في الآية لم يقصد منه جعلها شرطاً لترتيب حكم التخلية عليه، وإنما هو من باب الإشارة إلى أعظم الشعائر الإسلامية، وهما الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية، والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية. وقيل إن الآية نزلت في حق طوائف المشركين وقبائلهم المجتمعة، فلا يصح الاستدلال بها في قتال الأفراد الممتنعين. قال ابن قدامة ﵀: (فإنا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة تُرك تغسيله والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا مُنع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرّق بين الزوجين لترك الصلاة من أحدهما مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها .... ) (١). ثم إن العرب تطلق اسم المتوقع من الشيء في النهاية لم حاله في البداية، ولما كان ترك الصلاة أول بداية الكفر، لأن المرء إذا ترك الصلاة واعتاده ارتقى منه إلى ترك غيرها من الفرائض، وإذا اعتاد ترك الفرائض أداه ذلك إلى التكذيب بالدين والردة عنه -عياذاً بالله- فأطلق ﷺ اسم الكفر على البداية التي أول شعبها ترك الصلاة. وهذا الأسلوب معهود في حديث النبي ﷺ (المراء في القرآن كفر) (٢)، لأن

стр. 96

المرء إذا مارى في القرآن أداه ذلك -إن لم يعصمه الله- إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه، وإذا ارتاب في بعضه أداه ذلك إلى الجحد. قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. الأمر بالمحافظة يفسر المراد بالإقامة، فإقامة الصلاة يعني: تأديتها في أوقاتها بأركانها على الدوام. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب الصلاة. مأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب في قوله: ﴿حَافِظُوا﴾. • الحكم الثاني: اختلف العلماء في الصلوات المأمور بالمحافظة عليها. فقيل: الفرائض. وقيل: الفرائض والنوافل. ومأخذ القولين: العموم الوارد بدخول (ال) على الجمع، فحملها الفريق الأول على عموم الصلوات المفروضة، ويؤيد قصرها عليها حمل جمهور أهل العلم على أن المراد بالوسطى، صلاة العصر، ويؤيد القراءة الشاذة الواردة فيها كما سيأتي. أما الفريق الثاني: فحملوا العموم على الفرائض والنوافل. تنبيه: إذا قيل: إن المراد بها الفرائض والنوافل فإن الأمر في قوله: ﴿حَافِظُوا﴾ يحمل على الوجوب في الواجبات، وعلى الندب في المندوبات. وهذه طريقة بعض أهل العلم، أو يقال: إن الجميع يحمل على الوجوب، وتخرج النوافل، ويصرف الأمر الموجه إليها بدلالة السنة، بما روى البخاري في

стр. 97

قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام، فقال ﵊: (خمس صلوات في اليوم والليلة)، فقال: هل عليّ غيرها. فقال: (لا، إلا أن تطوع) (١)، فدل على أن ما عدا الفرائض تطوع ونفل. • الحكم الثالث: اختلف العلماء في المراد بالصلاة الوسطى، وتعددت فيها الأقوال. قال السيوطي في الإكليل: «وهي الصبح، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الخمس، أو الجمعة، أو الوتر، أو الضحى، أو صلاة عيد الفطر، أو عيد الأضحى، أو صلاة الليل، أو صلاة الجماعة، أو صلاة الخوف، أقوال» (٢). ومأخذ الخلاف وتعدد الأقوال عموماً هو الخلاف في المقصود بالوسطى في الآية، هل هو مأخوذ من التوسط أو الوسط وهو الفضل والخيار، فمن ذهب إلى الأخير تلمس النصوص الواردة في فضل بعض الصلوات، وحكم على بعض تلك الصلوات بأنها الوسطى أي الفضلى. ومن قال بالتوسط بالترتيب فلهم أنظار، من ذلك قولهم: إنها الصبح، لأن قبلها صلاتي الليل يجهر فيهما وبعدهما صلاتا النهار يسر فيهما، ومن قال العصر قال لأن قبلها صلاتي نهار بعدها صلاتي ليل .... وهكذا. وعلى كون الوسطى الفجر أو العصر انحصرت المذاهب الأربعة، ومما استدلوا به من القرآن وهو محل دراستنا في هذا الكتاب ما يأتي: استدل القائل بأنها الفجر بقوله سبحانه في ختم الآية ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقالوا المقصود به القنوت في صلاة الفجر، وهو مذهب الشافعية، وسيأتي أن سبب

стр. 98

النزول لا يساعدهم على ذلك، إذ المقصود به السكوت وعدم الكلام في الصلاة. وقالوا: عن العصر ليست هي الوسطى استدلالاً بقراءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق ﵂: (والصلاة الوسطى وصلاة العصر)، وهي قراءة شاذة يحتج بها. ففي عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى دلالة على أنها مغايرة لها، لأن العطف يقتضي المغايرة. أما القائل بأن الوسطى هي العصر وهو مذهب الحنابلة والحنفية فقد استدل بالأحاديث الصحيحة، ومن ذلك ما رواه مسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: نزلت «حافظوا على الصلوات وصلاة العصر» فقرأناها على عهد رسول الله ﷺ ما شاء الله أن نقرأها ثم إن الله نسخها، فأنزل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١)، وقد فسَّر النبي ﷺ الصلاة والوسطى بأنها العصر في قوله ﷺ يوم الخندق: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) (٢)، والسنة مبينة للقرآن، وهي قاطعة للاحتمالات الأخرى، والله أعلم. تنبيه: على القول بأن الوسطى من الوسط في الترتيب أو لتوسطها بين شيئين، لو كان الوتر واجباً لكانت الصلوات ستاً، والست لا تصح أن يكون لها وسطى، فعُلم أنها خمس صلوات. تنبيه: ذكر الخاص بعد العام لا يخصص العام، ولا يدل تخصيصه بالذكر على عدم دخوله في العام، بل يدلّ إفراده بالذكر على فوائد منها:

стр. 99

الأول: مزيد اهتمام به، والتأكيد عليه، أي كأنه ذكر مرتين، مرة بالعموم، ومرة بالخصوص. الثاني: وهو تابع للأول، وذلك أن من عادة العرب عند الاهتمام ببعض أنواع العام القيام بتخصيصه بالذكر، إبعاداً له عن المجاز. قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وهو واد في جنهم. استدل بالآية على وجوب الصلاة. مأخذ الحكم: دلَّ على الحكم السابق الأساليب الشرعية الآتية: أولاً: ترتب الوعيد على الترك يدل على وجوب المتروك. ومن ذلك: أي من أساليب إطلاق الوعيد وترتيب الذم على الترك، الدالة على الوجوب قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] أي يؤخرونها حتى يخرج وقتها، فهدد بويل سواء قيل: واد في جهنم، أو كلمة تهديد، وهذا فيمن يصليها لكن مع تأخيرها فكيف بمن لا يصليها؟ فلا شك أنه من باب أولى يستحق العذاب، ولا يستحق العذاب إلا بترك الواجب. ثانياً: ذم الفاعل بوصفهم أنهم أضاعوا الصلاة، يدل على حرمة الترك. قال القرطبي: «قوله تعالى ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾. وهو ذم ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق صاحبها، ولا خلاف في ذلك» (١). ثالثاً: في قرن الفعل بالتوبة في قوله: «إلا من تاب» يشعر بأن الفعل معصية

стр. 100

ومحرم، وذلك لأن التوبة والاستغفار لا يكونان في الأصل إلا من ذنب اقترفه العبد. قال العز بن عبد السلام: «ولا توبة في الأغلب إلا عن ذنب، والذنب: هو المخالفة لاقتضاء الأمر أو النهي» (١). قلت: ومن الأساليب الدالة على الوجوب ويشترك معه الندب، بمعنى أنه يدل على المشروعية المشتركة من الوجوب والندب، مدح الفاعل على فعله، وقد مدح الشارع في آيات القائمين بالصلاة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١] وقال في سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٣] ومن الأساليب: القسم بالفعل، والقسم بالفعل يدل على شرفه ومنزلته عند الله، وحكمه عند العلماء دائر بين الوجوب والندب، أي أن القسم به دليل على مشروعيته، ولذا استنبط العلماء وجوب صلاة الفجر، باعتبار أن المراد بالقسم في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر: ١] صلاة الفجر على أحد التفاسير، وعلى كون الوتر مشروعاً بقوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]، أما الوتر فهو واجب عند الحنفية،

стр. 101

ومندوب عند الجمهور، وصرفوا دلالة الأمر هنا وفي الأحاديث كقوله ﵊: (أوتروا يا أهل القرآن فإن الله وتر يحب الوتر) (١)، وغيره من الأحاديث صرفوا الوجوب إلى الندب بالأحاديث الدالة على أن ما فرضه الله على عباده خمس صلوات فقط في اليوم والليلة (٢). باب المواقيت المواقيت جمع ميقات، والميقات هو الوقت المضروب للفعل. ويقال المواقيت جمع وقتٍ على غير القياس. فالميقات ما وقّت به، أي حُدِّد من زمان كمواقيت الصلاة، أو مكان كمواقيت الإحرام. فهي إذًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة. والمقصود بها هنا أزمنة الصلوات المفروضة. قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ استدل بها بعض من العلماء على استحباب تعجيل الصلاة لأول الوقت. وطرد بعضهم ذلك في جميع الصلوات حتى صلاة العشاء. مأخذ الحكم: تفسير المحافظة عليها بتعجيلها في أول وقتها؛ إذ المقصود بالمحافظة عليها في الآية تأديتها في أوقاتها بأركانها على الدوام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]

стр. 102

دلّت الآية على أن المولى افترض على عباده الصلوات، وكتبها عليهم في أوقاتها المحددة، فلا يجوز لأحد أن يأتِيَ بها في غير ذلك الوقت إلا من عذر شرعي من نوم أو سهو ونحوهما. ومأخذ الحكم: في قوله ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ فقوله ﴿كِتَابًا﴾ أي مكتوباً مفروضاً. وقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾ أي محدد الأوقات. وسبق القول بأن لفظ (الكتب) وما تصرف منه من الألفاظ والصيغ دالة على الوجوب. قال السيوطي: «هذه أصل مواقيت الصلاة فسّرها بذلك ابن مسعود وغيره» (١). ثم قد وردت آيات تدل دلالة إجمالية على أوقات الصلوات، - كما في آيات الباب القادمة - وجاءت السنة مبيّنة لها ومفصِّلة. ومن تلك الآيات ما ورد في سورة هود، والإسراء، وطه، والروم، وق. أما آية سورة هود فهي قوله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وفيها الأمر بإقامة الصلاة، وقيل: إنها إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس، وبيان ذلك: أن قوله ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الغداة وهي الفجر والظهر والعصر، وقوله ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء. وورد عن ابن عباس ﵄ أن قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ صلاة المغرب وصلاة الغداة (الفجر)، وأن قوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أنها صلاة العشاء، وكان ﵀ يستحب تأخير العشاء، ويقرأ ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.

стр. 103

قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. قيل المراد بدلوك الشمس: زوالها وهو مروي عن ابن عباس وعدد من الصحابة، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عن الجميع أن دلوك الشمس: غروبها. قال السيوطي في الإكليل: «والأول أولى فتكون الإشارة بدلوك الشمس إلى الظهر والعصر، وبغسق الليل إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر إلى صلاة الصبح، وهذه إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس» (١). ذكر ابن الفرس أن المراد بالصلاة هنا الصلوات المفروضة باتفاق، ثم ذكر القولين السابقين فقال: «فقيل: يشتمل الصلوات الخمس، ودلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته، والإشارة به إلى المغرب والعشاء. وقرآن الفجر يريد به صلاة الصبح. وقيل: لا يشتمل على كل الصلوات الخمس، ولكن دلوك الشمس غروبها، والإشارة به إلى المغرب، وغسق الليل الإشارة به إلى العتمة، وقرآن الفجر صلاة الصبح، ولم تقع إشارة -على هذا القول- إلى الظهر والعصر» (٢). وقوله تعالى في سورة طه ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]. قال السيوطي في الإكليل: «هي إحدى الآيات التي تضمنت الصلوات

стр. 104

الخمس» (١)، ثم بيّن ذلك، وبيانها أن قوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ صلاة العصر، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ صلاة الظهر، وقد نُقل عن قتادة بإسناد صحيح ونقل عن بعض المفسرين ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ صلاة العشاء، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ المغرب والظهر. والمراد بالتسبيح في الآية الصلاة. وقوله في سورة (ق) ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] المراد بالتسبيح الصلاة، وفسّر بصلاة الصبح والعصر، وقوله بعدها ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ فسّره مجاهد بقيام الليل، وقال غيره يجوز أن يراد به صلاة المغرب والعشاء. وقيل المراد: ركعتان فبل المغرب. وقوله تعالى في سورة الروم: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] أخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله فقال: الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم فقرأ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ قال: صلاة المغرب وصلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر، وقرأ ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] (٢) أي إن آية الروم ذكرت أربعة فروض، والفرض الخامس في سورة النور (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]

стр. 105

استدل بالآية على أن من نسي صلاة فإن الواجب عليه صلاتها إذا ذكرها. ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿وَأَقِمِ﴾ وقد بينت في الحديث المتفق عليه عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصليها إذا ذكرها)، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) واللام في قوله ﴿لِذِكْرِي﴾ تحمل على هذا القول أنها بمنزلة عند، كأنه قال: أقم الصلاة عند تذكرها. واستدل بالآية على قضاء الصلاة في جميع الأوقات، حين يذكرها، ولو كان الوقت من الأوقات غيرها. ومأخذ الحكم العموم الوارد في الآية. قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]. بعد ذكر وجوب إقامة الصلاة في وقتها بقوله ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وبيان مجمل لأوقات الصلوات الخمس، ثم بيان حكم من نسي صلاة ونام عنها، بقي حكم من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها: وقد استنبط العلماء من الآية تحريم تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها. وقد فسّر النبي ﷺ السهو في الآية بقوله: (هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها) (٢). ومأخذ الحكم ظاهر، وهو أن ألفاظ الوعيد على الترك تحمل على وجوب

стр. 106

الإتيان بالمأمور به، وهو هنا الصلاة في وقتها، وحرمة تأخيرها عن وقتها. باب الأذان قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] دلت الآية على مشروعية الآذان، وأن للصلاة أذاناً يدعى به الناس إليها؛ لأن المقصود بالنداء في الآية الأذان. قال الإمام الطبري: «وإذا أذن مؤذنكم أيها المؤمنون بالصلاة سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ولعبوا من ذلك» (١). مأخذ الحكم: إخباره سبحانه عن فعلهم وأذانهم دون تكبير، بل وذم من أنكر عليهم باتخاذهم هزواً ولعباً. قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] دلَّت الآية على مشروعية الأذان أيضاً، بل استدل بها على كون الأذان فرضاً، وذلك لأنه لما كان النداء سبباً للسعي، وكان السعي واجباً، كان النداء واجباً. فمأخذ الحكم: هو القول بأن وسيلة الواجب واجبة، ولزيادة إيضاح يقال: إن السعي واجبٌ للأمر الوارد بقوله ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والسعي من الوسائل التي نص الشارع على حكمها. فالسعي إلى صلاة الجمعة واجبٌ؛ لأن صلاة الجمعة واجبة، ولا يمكن أداؤها إلا بالسعي إليها في أماكن إقامتها.

стр. 107

أما بقية أحكام آية سورة الجمعة فسيأتي الحديث عنها -بإذن الله- في باب صلاة الجمعة. باب شروط الصلاة الشروط جمع شرط، والمقصود به هنا الشرط الشرعي، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. ويتفق الشرط مع الركن في كونهما من أسباب تمام صحة العمل، فلا يجوز الإتيان بأي عبادة وطاعة تفتقر إلى أيّ من أركانها وشروطها، إلا بتمامها. ويختلفان في كون الركن يقع في ماهية العمل نفسه، والشرط خارج عن الماهية، والشرط وإن كان متقدماً عن ماهية العبادة إلا أنه يستمر بعد ذلك في داخلها. ومن القواعد المقررة أن الأصل في شروط العبادات الحظر والمنع، بخلاف المعاملات فإن الأصل فيها الحل. وهذه الآيات التي بين أيدينا هي الناقل من البراءة الأصلية إلى شغل الذمة بها، وضمت الآيات ستة من الشروط وهي: الشرط الأول: الإسلام، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]. الشرط الثاني: النية، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]. الشرط الثالث: استقبال القبلة، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ

стр. 108

وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآية، والآية التي قبلها قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، والاستثناء حال القتال والمسايفة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. الشرط الرابع: ستر العورة، من خلال قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. الشرط الخامس: دخول الوقت، من خلال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. الشرط السادس: كون المصلي عاقلاً، من خلال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. وسبق في الكتاب السابق وهو كتاب الطهارة، وقلنا إن حقه أن يكون الحديث عنه هنا في شروط الصلاة، لأن مقصوده - أي كتاب الطهارة- بيان كيفية رفع الحدث وإزالة النجس، وكلاهما شرطان من شروط الصلاة. ورفع الحدث الأصغر يكون بالماء إن وجد، أو التيمم عند فقده، ودلّ على هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، والحق أنه يجب الإشارة إلى هذه هنا.

стр. 109

ومأخذ الشرطية هنا ظاهر وهو الأمر بقوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ وقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾. أما الحدث الأكبر فدلّ على شرطيته قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. ومأخذ الشرطية: الأمر المعلق على شرط، فيدل على وجوب رفع الحدث الأكبر بالغسل حال الجنابة. أما ما يتعلق بإزالة النجاسة وكونها شرطاً من شروط الصلاة، فقد ورد من قبل ما يدل على وجوب إزالتها من البدن في باب إزالة النجاسة وبيانها. ومن ذلك ما ورد في حكم الاستنجاء بقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. وسيأتي من خلال الآيات القادمة، ما يدل على اشتراط طهارة الثوب، واشتراط طهارة البقعة والمكان الذي يُصلى فيه. حيث دلَّ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، على اشتراط إزالة النجاسة من ثياب المصلي، ودلّ قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ على اشتراط إزالة النجاسة من البقعة التي يصلي فيها. وعوداً إلى آيات هذا الباب وما ورد فيها من شروط أقول: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط الإسلام. فيشترط لصحة الصلاة أن يكون مسلماً، والكافر إن قلنا بأنه مخاطب بفروع الشريعة، إلا أن صحة صلاته مشروطة بتقدم إسلامه.

стр. 110

ودلت الآية على أن عمل الكافر غير متقبل، ولو عمل ذلك وهو مؤمن، ما دام أنه مات على كفره، ومن فعلها وهو غير مؤمن كذلك، إذ علة عدم القبول، أو إحباط العمل هو الكفر. ومأخذ الحكم: اقتران الحكم وهو حبوط العمل بالوصف، وهو الموت على الكفر، بالفاء، يدل على أن الوصف علة ذلك الحكم، فعلة إحباط العمل هو الكفر. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥]. دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط استحضار النية فاستدل بالآية على اشتراط ووجوب النية في العبادات، ومنها الصلاة، لأن الإخلاص لا يكون بدون النية، كما أن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غير. مأخذ الحكم: ما سبق أن لفظ (الأمر) وما تصرف منه في قوله ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ هو حقيقة في الإيجاب، ولا يصرف إلى الندب إلا بقرينة. كما استدل بالآية الشافعية وقول عند المالكية على وجوب مقارنة النية لكل التكبير. ومأخذ الحكم: أن قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ حال لهم وقت العبادة، فإن الحال وصف هيئة وقت الفعل. والإخلاص كما سبق هو النية، فدل على وجوب مقارنة النية للعبادة. تنبيه: الصلاة عبادة، والعبادة تقتضي إخلاص العمل بكليته إلى الله، وهو ما أمرنا به الدين، والإخلاص لا يحصل بدون نية.
следующие страницы →