الإتيان بالمأمور به، وهو هنا الصلاة في وقتها، وحرمة تأخيرها عن وقتها.
باب الأذان
قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]
دلت الآية على مشروعية الآذان، وأن للصلاة أذاناً يدعى به الناس إليها؛ لأن المقصود بالنداء في الآية الأذان.
قال الإمام الطبري: «وإذا أذن مؤذنكم أيها المؤمنون بالصلاة سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ولعبوا من ذلك» (١).
مأخذ الحكم: إخباره سبحانه عن فعلهم وأذانهم دون تكبير، بل وذم من أنكر عليهم باتخاذهم هزواً ولعباً.
قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]
دلَّت الآية على مشروعية الأذان أيضاً، بل استدل بها على كون الأذان فرضاً، وذلك لأنه لما كان النداء سبباً للسعي، وكان السعي واجباً، كان النداء واجباً.
فمأخذ الحكم: هو القول بأن وسيلة الواجب واجبة، ولزيادة إيضاح يقال: إن السعي واجبٌ للأمر الوارد بقوله ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والسعي من الوسائل التي نص الشارع على حكمها. فالسعي إلى صلاة الجمعة واجبٌ؛ لأن صلاة الجمعة واجبة، ولا يمكن أداؤها إلا بالسعي إليها في أماكن إقامتها.
стр. 107
أما بقية أحكام آية سورة الجمعة فسيأتي الحديث عنها -بإذن الله- في باب صلاة الجمعة.
باب شروط الصلاة
الشروط جمع شرط، والمقصود به هنا الشرط الشرعي، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
ويتفق الشرط مع الركن في كونهما من أسباب تمام صحة العمل، فلا يجوز الإتيان بأي عبادة وطاعة تفتقر إلى أيّ من أركانها وشروطها، إلا بتمامها.
ويختلفان في كون الركن يقع في ماهية العمل نفسه، والشرط خارج عن الماهية، والشرط وإن كان متقدماً عن ماهية العبادة إلا أنه يستمر بعد ذلك في داخلها.
ومن القواعد المقررة أن الأصل في شروط العبادات الحظر والمنع، بخلاف المعاملات فإن الأصل فيها الحل.
وهذه الآيات التي بين أيدينا هي الناقل من البراءة الأصلية إلى شغل الذمة بها، وضمت الآيات ستة من الشروط وهي:
الشرط الأول: الإسلام، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧].
الشرط الثاني: النية، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
الشرط الثالث: استقبال القبلة، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ
стр. 108
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآية، والآية التي قبلها قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، والاستثناء حال القتال والمسايفة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
الشرط الرابع: ستر العورة، من خلال قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
الشرط الخامس: دخول الوقت، من خلال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
الشرط السادس: كون المصلي عاقلاً، من خلال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
وسبق في الكتاب السابق وهو كتاب الطهارة، وقلنا إن حقه أن يكون الحديث عنه هنا في شروط الصلاة، لأن مقصوده - أي كتاب الطهارة- بيان كيفية رفع الحدث وإزالة النجس، وكلاهما شرطان من شروط الصلاة.
ورفع الحدث الأصغر يكون بالماء إن وجد، أو التيمم عند فقده، ودلّ على هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، والحق أنه يجب الإشارة إلى هذه هنا.
стр. 109
ومأخذ الشرطية هنا ظاهر وهو الأمر بقوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ وقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾.
أما الحدث الأكبر فدلّ على شرطيته قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
ومأخذ الشرطية: الأمر المعلق على شرط، فيدل على وجوب رفع الحدث الأكبر بالغسل حال الجنابة.
أما ما يتعلق بإزالة النجاسة وكونها شرطاً من شروط الصلاة، فقد ورد من قبل ما يدل على وجوب إزالتها من البدن في باب إزالة النجاسة وبيانها.
ومن ذلك ما ورد في حكم الاستنجاء بقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
وسيأتي من خلال الآيات القادمة، ما يدل على اشتراط طهارة الثوب، واشتراط طهارة البقعة والمكان الذي يُصلى فيه.
حيث دلَّ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، على اشتراط إزالة النجاسة من ثياب المصلي، ودلّ قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ على اشتراط إزالة النجاسة من البقعة التي يصلي فيها.
وعوداً إلى آيات هذا الباب وما ورد فيها من شروط أقول:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط الإسلام.
فيشترط لصحة الصلاة أن يكون مسلماً، والكافر إن قلنا بأنه مخاطب بفروع الشريعة، إلا أن صحة صلاته مشروطة بتقدم إسلامه.
стр. 110
ودلت الآية على أن عمل الكافر غير متقبل، ولو عمل ذلك وهو مؤمن، ما دام أنه مات على كفره، ومن فعلها وهو غير مؤمن كذلك، إذ علة عدم القبول، أو إحباط العمل هو الكفر.
ومأخذ الحكم: اقتران الحكم وهو حبوط العمل بالوصف، وهو الموت على الكفر، بالفاء، يدل على أن الوصف علة ذلك الحكم، فعلة إحباط العمل هو الكفر.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥].
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط استحضار النية
فاستدل بالآية على اشتراط ووجوب النية في العبادات، ومنها الصلاة، لأن الإخلاص لا يكون بدون النية، كما أن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غير.
مأخذ الحكم: ما سبق أن لفظ (الأمر) وما تصرف منه في قوله ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ هو حقيقة في الإيجاب، ولا يصرف إلى الندب إلا بقرينة.
كما استدل بالآية الشافعية وقول عند المالكية على وجوب مقارنة النية لكل التكبير.
ومأخذ الحكم: أن قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ حال لهم وقت العبادة، فإن الحال وصف هيئة وقت الفعل. والإخلاص كما سبق هو النية، فدل على وجوب مقارنة النية للعبادة.
تنبيه: الصلاة عبادة، والعبادة تقتضي إخلاص العمل بكليته إلى الله، وهو ما أمرنا به الدين، والإخلاص لا يحصل بدون نية.
стр. 111
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
استدل بها كذلك على شرط إحضار النية في كل صلاة، وذلك إذا أريد بالوجه هنا هو المعتقد وليس الجارحة، كما تقول وجهت وجهي لله.
ومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَأَقِيمُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآية، والآية التي قبلها قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط استقبال القبلة.
ولا خلاف بين العلماء في وجوب استقبال الكعبة في كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً سفراً أو حضراً.
ومأخذ الوجوب والشرطية: الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهذا يقتضي وجوب استقبال القبلة والحكم مجمع عليه.
وفي الآية الأخرى قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ﴾ وهو من ألفاظ الوجوب، حتى قيل: ليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قوله (حق عليه)
أما آية الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فقد فسّرها مجاهد ﵀ بوجوب استقبال القبلة والتوجه إليها حيث صلينا.
ومأخذ الحكم: هو الأمر في قوله ﴿وَأَقِيمُوا﴾ وهو يقضي الوجوب.
ويُنبه إلى أن للمفسرين في هذه الآية أقوالاً أخرى منها: أن المراد بها إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض، أي حيث كنتم فهو مسجدكم تلزمكم عند الصلاة
стр. 112
إقامة وجوهكم فيه.
وقال قوم: سببها أن قوماً كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم في قبلتهم، فإذا حضرت الصلاة في غير ذلك من المساجد لم يصلوها فيها.
وسبق في اشتراط النية بيان أن مِنْ العلماء مَنْ حمل لفظ الوجه هنا على القصد لا على الجارحة والله أعلم.
ويستثنى من الحكم السابق وهو وجوب استقبال الكعبة في كل صلاة ما يأتي:
أولاً: صلاة النافلة على الراحلة في السفر، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
ومأخذ الحكم: أن (أين) من ألفاظ العموم، فتعم أي جهة توجه لها المصلي، وقصرها على السفر دل عليه سبب نزولها، كما سيأتي في باب صلاة المسافر.
ثانياً: يستثنى من الحكم السابق كذلك الصلاة حال المسايفة في القتال، حيث يصلي على كل حال، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
وهنا مسائل متعلقة بالآيات والشرط المذكور منها:
المسألة الأولى: اتفق العلماء على أن المراد بالشطر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ في حق المعاين للكعبة والقريب منها هو (العين)، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالشطر في حق البعيد عن الكعبة الغائب عنها هو الجهة.
ومأخذ الحكم: تفسير الصحابي وهو حجة وبه قال علي وابن عباس ﵃، وهناك مأخذ أخر لهذا الحكم يهمنا مايتعلق بهذه الآية.
стр. 113
المسألة الثانية: اختلف العلماء في جواز صلاة الفريضة داخل الكعبة، فذهب المالكية والحنابلة إلى عدم جواز ذلك، استدلالاً بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وقالوا: الشطر: الجهة، ومن صلى فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها.
ومأخذ الحكم: أن الاستقبال للكعبة مأمور به، ومن صلى داخلها أو على سطحها فقد أتى ببعض المأمور، وخالف بعضه باستدبارها، فلم يتحقق المأمور به.
وأشار ابن رشد إلى سبب الخلاف بقوله: «والاحتمال المتطرق لمن استقبل أحد حيطانها من داخل هل يسمى مستقبلاً للبيت، كما يسمى من استقبله من خارج أم لا؟» (١).
وكذا اختلفوا في الصلاة على سطحها، والجمهور على عدم الجواز بناء على أنه لا يستقبل شيئاً منها، وقد أمر بالتوجه والتولي شطرها.
المسألة الثالثة: من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة، ذهب بعض العلماء إلى صحة صلاته فلا يلزم بإعادتها، وهو مذهب جمهور أهل العلم، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
ومأخذ الحكم: قيل إنها نزلت فيمن صلى بالاجتهاد إلى القبلة ثم تبين له الخطأ.
وسبق القول بأنها نزلت في جواز صلاة النافلة على الراحلة في السفر.
قال الرازي: «لا يمتنع أن تكون نزلت في الأمرين معاً، بأن وقعا في وقت واحد، وسُئل النبي ﷺ فأنزل الآية مريداً بها حكم جميع ذلك» (٢).
стр. 114
والشاهد هنا: أن سبب النزول قطعي الدخول في الآية إن ثبت ذلك. والواقع أنه لم يثبت، ففي إسناده ضعفٌ، ونص الحديث هو: عن عامر بن ربيعة قال: (كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حاله، فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (١).
أما السبب الصحيح الوارد في الصحيح من حديث ابن عمر فهو قوله: (كان رسول الله ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجْهُهُ، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (٢)، وفي رواية عنه قال: إنما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أن تصلي أينما توجهت بك راحلتك في السفر) (٣)
فائدة: عند الشافعية قاعدة أو ضابط فقهي نصه: النادر إذا لم يَدُم فإنه يقتضي القضاء. ومثلوا لذلك بالمربوط على خشبة فإنه يصلي ثم يعيد صلاته إذا زال عذره، وكذا - وهو المقصود هنا- المشتبه عليه القبلة في سفره.
واستثنوا من ذلك: الصلاة في حال المسايفة، وإن اختلفت شروطها وأركانها،
стр. 115
فإنها لا قضاء، فهي على خلاف القاعدة، أخذاً بالرخصة الواردة في قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
أجمع العلماء على سقوط وجوب استقبال القبلة عن المصلي حال شدة الخوف والتحام الصفوف للقتال.
﴿فَرِجَالًا﴾ جمع راجل مثل صاحب وصحاب، وهو الماشي، يعني إذا خفتم العدو فصلوا قياماً على أرجلكم، فإن لم تستطيعوا فصلوا ركباناً على الدواب، حيث ما توجهت بكم بالإيماء.
ومأخذ الحكم: نصب ﴿فَرِجَالًا﴾ على الحالية، أي فصلوا رجالاً، ثم عطف عليها أو ركباناً. وعليه فهم مأمورون بالصلاة على مثل هذه الحال إن لم يستطيعوا استقبال القبلة. ولم يذكر المولى هنا التوجه إلى القبلة، مما يدل على سقوطها عنهم.
وورد في قراءة ابن عمر (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها) (١).
ويُروى أثرٌ عنه، قال الإمام مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ كما عند البخاري (٢).
وتبقى الإشارة إلى أن بعض العلماء جعل هذا الحكم شاملاً لكل خوف وليس خاصاً بالقتال.
стр. 116
مأخذ الحكم: ﴿خِفْتُمْ﴾ في قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ جملة فعلية تنزل منزلة النكرة وهي في سياق شرط، فتعم كل خوف.
أو يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيؤخذ بعمومها.
ما سبق هو بيان ارتباط الآيات الثلاث المذكورة في المتن بالشرط الثالث وهو استقبال القبلة.
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط ستر العورة، ووجوب سترها حكم متفق عليه بين أهل العلم؛ وذلك لأن المراد بالزينة في الآية: ما يواري السوءة في الصلاة.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد في قوله ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، وهو يعم بضمير الجمع الرجال والنساء.
وأكد الجمهور أن المراد بالزينة المأمور بها هنا هو ستر العورة بالأمور الآتية:
أولاً: بتفسير الصحابي، وتفسيره حجة، وقد فسَّر الزينة في الآية بما يواري السوءة عدد من الصحابة منهم عبد الله بن عباس ﵄.
ثانياً: سبب نزول الآية يدل على أن الزينة هي ستر العورة، فقد نزلت في النهي عن الطواف بالبيت من غير ستر للعورة.
فروى مسلم أن المرأة كانت تطوف بالبيت في الجاهلية وهي عريانة، على فرجها خرقة (١).
стр. 117
وإذ كان المراد بالزينة هنا هو الثياب الساترة حال الطواف، فيقال وكذلك الصلاة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال الشنقيطي: «﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ سواء كان المسجد الحرام للطواف، أو غيره من المساجد للصلاة، وكون الزينة لبس اللباس للطواف والصلاة» (١).
أو يقال: إن الستر لم يجب لذات المسجد، وإنما لما عُظِّم المسجد لأجله، وهو الطواف، وكذا الصلاة داخلة في ذلك، ويدل عليه كذلك سياق الآية.
قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
أمر الله النساء بإخفاء زينتهن عن الرجال الأجانب، واستثنى الظاهرة.
واختلف العلماء في المراد بالزينة الظاهرة، هل المقصود منها أعضاء محددة، أم المقصود بها ما لا يملك ظهوره، وهذا مأخذ الحكم وسبب الخلاف.
فقيل: المراد بها: الوجه والكفان، وهو مذهب الجمهور.
وقيل: إن المراد بها الثياب، وهذا مذهب الحنابلة.
وأيد الجمهور قولهم بحديث عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، وقال: (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) (٢).
وقالوا هذا تحديد لما يجوز كشفه من المرأة، وهو يدل على أنه ليس بعورة، فدلَّ على أنه هو المراد بالاستثناء في الآية.
стр. 118
وكذلك أيدوه بتفسير عائشة وابن عباس ﵃ وتفسيرهم للقرآن حجة. ولهم أدلة أخرى يرجع لها في كتب الفقه.
أما الحنابلة القائلون بأن المراد ما ظهر من الزينة أنها الثياب فدليلهم: عموم الأدلة الدالة على كون المرأة عورة، كقوله ﵊: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) (١).
وكذلك استدلوا بتفسير الصحابي عبد الله بن مسعود ﵁ بأن ما ظهر من الزينة هي الثياب (٢).
وقد تعارض هذا التفسير مع تفسير عائشة وابن عباس، لكن ينبه أن قول ابن عباس ﵄ كان بدلالة الاستلزام، حيث عبَّر عن الزينة الظاهرة بالكحل والخاتم. وفي رواية عنه قال: «هو خضاب الكف والخاتم» (٣)، وإباحة إبداء هذه الزينة يستلزم منه إباحة إبداء موضعها.
تنبيه: استثنى الحنابلة كشف الوجه في الصلاة للإجماع على أنه ليس بعورة في الصلاة، وأن لها أن تصلي كاشفة وجهها، ويبقى ماعدا الوجه من جسدها على مقتضى العموم.
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط إزالة النجاسة، سواء من ثياب المصلي أو البقعة التي يصلي فيها.
стр. 119
فاستدل بالآية على وجوب غسل النجاسة وإزالتها من الثوب، ولا خلاف بين العلماء أنه ليس هناك طهارة واجبة للثياب غير طهارة النجاسة.
والمقصود: أن طهارة ثوب المصلي شرط من شروط الصلاة.
مأخذ الحكم: أن الأمر في قوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ يقتضي الوجوب.
تنبيه حول إشكال وجوابه: هذه الآية من أول ما نزل من القرآن، وهي قبل الأمر بالصلاة والوضوء، وإزالة النجاسة إنما هو لأجل الصلاة، فكيف يكون المراد طهارة الثوب من النجاسة؟
وهذا الإشكال يذكره من حمل معنى الثياب في الآية على غير معنى الثياب حقيقة، فحملت على طهارة القلب، فكنى بالثياب عن القلب، أو صلاح العمل، والأخير نقل عن ابن عباس ﵄.
والجواب هو أن يقال: الأصل حمل الكلام على حقيقته وظاهره، فيحمل معنى الثياب على معناها الظاهر المتبادر للذهن.
ويجوز أن يكون النبي ﷺ خُصّ بتطهير ثيابه أول الإسلام، وكان مفروضاً عليه دون أمته، ثم ورد الأمر بذلك لأمته.
أو يقال: إنه كان شرع من قبلنا، وهو شرع لنا، وتأخر الأمر به بنص شرعنا عن ذلك الوقت، فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة في أول الأمر، ثم ورد عليه بعد ذلك نصًّا بالأمر بالصلاة.
ومن الأحكام المستنبطة من الآية ما ذهب إليه الجمهور من بطلان صلاة من صلى حاملاً نجاسة - غير معفو عنها - ولا يعلمها، أو نسيها.
ومأخذ الحكم: هو أن إزالة النجاسة، وتطهير الثوب منها شرط، والخطاب بالشرط من باب خطاب الوضع، فلا يؤثر فيه الجهل والنسيان.
стр. 120
قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب اشتراط طهارة المكان للطواف والصلاة.
ومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿طَهِّرَا﴾، وهو يقتضي الوجوب.
ثمَّ أتى بلام التعليل ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فدلَّ على وجوب إزالة النجاسة، وطهارة البقعة لأجل الطواف والاعتكاف والصلاة.
• الحكم الثاني: جواز الصلاة داخل الكعبة
ومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فدلّ على جواز الصلاة فيها.
نوفش: بأن قوله ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ في الآية وهو مأمور بتطهير البيت لهم، ولا يصح الطواف أن يكون في نفس الكعبة، وكذلك ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط دخول الوقت.
وقد أجمع العلماء - كما سبق - أن للصلوات أوقاتاً محدودة، لا يجوز تعمد تقديم الصلاة أو تأخير أدائها عنها.
مأخذ الحكم: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي مفروضة على صفة التأقيت، وسبق أن التعبير بلفظ الكتب وما تصرف منه من الألفاظ دالة على الوجوب.
стр. 121
استدل بها من قال بسقوط الصّلاة عمن كان في بلاد يستمر فيها الليل والنهار أربعاً وعشرين ساعة فأكثر (١).
مأخذ الحكم: إن الشرط الشرعي يقتضي أنّه يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، وقد عدم شرط الصّلاة، وهو الوقت المؤقت لكل صلاة، فيعدم حكمها.
وبيانه: أنّه جعل للصّلاة أوقاتًا محدّدة، يوقع فيها المسلم صلاته، فإذا لم توجد هذه الأوقات لم تجب الصّلاة؛ وذلك بناء على قاعدة: الشرط الشرعي حجة.
نوقش: بوجوب الصلاة وعدم سقوطها، ويكون التقدير في حقهم بحسب وقت أقرب البلدان التي وقتها منتظم إليهم، بحيث يصلون في كل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات (٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
وفيها بيان للشرط السابع وهو اشتراط كون المصلي عاقلاً، فدلَّت الآية على تحريم قربان الصلاة حال تغطية العقل بالسكر، فدلَّ على وجوب الصلاة مع حضور العقل.
والآية وإن نزلت في شارب الخمر إلا أنها مغياة بغاية العلم بما يقرأ المصلي، وفي السنة النهي عن الصلاة لمن غلبه النوم لذات السبب.
стр. 122
مأخذ الحكم: النهي عن الشيء أمر بضده. ثم إن الأمر مغيا بحرف الغاية ﴿حَتَّى﴾ أي حتى يحصل حضور العقل.
أو يقال ﴿حَتَّى﴾ حرف تعليل، للدلالة على أن ما قبلها علَّة وسبب لما بعدها، بعكس اللام فإن ما بعدها علَّة لما قبلها.
والتعليل على أن المراد بالصلاة ذاتها، وليس موضعها.
باب الحث على الخشوع في الصّلاة
تبعت في ترتيب آيات الأحكام حسب ترتيب ابن حجر لأحاديث الأحكام في كتابه بلوغ المرام، ومن خلال تبويب ابن حجر ﵀ يشعر القارئ باختياره في مسألة حكم الخشوع في الصلاة، وكونه من سنن الصلاة وليس من واجباتها فضلًا عن كونه شرطًا منها، وقد صرح بكونه سنة، ونقل في فتح الباري عن النووي الإجماع على أنه ليس بواجب (١).
وهي مسالة خلافيّة، وأهم ما تمسك به القائلون بالسّنيّة بالإضافة إلى دعوى الإجماع السابقة، ما ثبت بالسنة من أمره ﵊ من سها في صلاته بسجود السهو، وعدم أمره بإعادة صلاته.
ومن ذلك ما ثبت في الصّحيح من قوله ﵊: (إذا أذّن المؤذن بالصّلاة أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التثويب اقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: أذكر كذا … أذكر كذا … ، ما لم يكن يذكر، حتى يظل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس) (٢).
стр. 123
فقالوا: فأمره النبي ﷺ في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها، حتى لم يدر كم صلى، بأن يسجد سجدتي السّهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلة لأمره بإعادتها.
وهذا قد يلزم القائل بأنها شرط صحة، أمّا القائل بالوجوب فلا يلزمه، بل قد يكون أمره بسجود السّهو دليلًا على وجوبها؛ لأنّ السنن لا تجبر بسجود السهو، وسيأتي من خلال الآيات دليل القائل بالوجوب، وهو مذهب بعض المحققين، كابن تيمية وغيره.
وينبه هنا: أن كلام الفقهاء عن حكم الإجزاء، وعدم المطالبة بالقضاء، لا في حكم الثّواب؛ لأنّ الثواب ليس له فيه إلّا ما عقل، وقد ورد في السّنن مرفوعًا: (إنّ العبد ليصلي الصّلاة، وما كتب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها حتى بلغ عشرها) (١).
قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]
استدل بالآية من قال بأن الخشوع واجب.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد في الآية بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
فالأمر الأوّل: بالمحافظة على الصلوات، ومن المحافظة عليها أداؤها بالخشوع، وقد علم أن الخشوع هو روح الصلاة.
стр. 124
الأمر الثّاني: في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فهو للوجوب، وقد فسر مجاهد ﵀ القنوت هنا بالخشوع، وفُسِّر بتفسيرات أخرى، ومن أشهرها: السّكوت وبه نزلت الآية، فمنعوا من الكلام، وأمروا بالاستماع والإنصات كما في الآية اللاحقة، وما ذاك إلّا لقطع ما يُشغل القلب عن الإقبال والخشوع لله.
وعلى هذين التفسيرين للأمرين الواردين في الآية، يمكن حملها على الندب بما سبق في أوّل الباب من أن الشارع لم يأمر من سها في صلاته ولم يدر كم صلى بإعادة صلاته، بل أمره بسجود السهو فقط.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]
استدل بالآية على مشروعية الخشوع على الخلاف السّابق من الوجوب والندب.
ومأخذ الحكم: الأمر الدال على الطّلب في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ إذ إن الاستماع والإنصات إنّما شرعا؛ لأجل التأمل والتّدبر في معاني القرآن والذي به يحصل الخشوع.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
وردت في القرآن مرتين، الأولى: في سورة النّساء في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
الثاني: في سورة محمّد في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
ودلت الآيتان على وجوب التدبر والتأمل في كلام الله؛ ليقف على معناه، وما
стр. 125
ذاك إلّا ليحصل مقصود التدبر، وهو الخشوع، وهذا الأمر عامّ سواء كان في الصّلاة، أو في غير الصّلاة.
قال القرطبي: «دلت هذه الآية أي: [آية النساء] وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ على وجوب التّدبر في القرآن؛ ليعرف معناه» (١).
وكلام القرطبي في حكم التدبر، أمّا الخشوع وهو: المقصود من التّدبر فقول من صرفه للنّدب، ما سبق أول الكلام من كون الصّارف عند بعض العلماء عدم أمر النّبي ﷺ للسّاهي عن صلاته بإعادتها، بل أمره بسجود السّهو فقط.
ومأخذ القول بوجوب التّدبر:
أمّا في آية النّساء، فقد تكاد تجمع أقوال العلماء على كون الاستفهام في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ استفهامًا إنكاريًّا، وهو في معناه يدل على النّهي عن فعلهم، وهو عدم التدبر، والنّهي عن الشّيء أَمْرٌ بضده.
أمّا آية سورة محمّد، فالجمهور على كون الأسلوب في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ للتحضيض والحث؛ فالاستفهام للحض والترغيب، وهو في أساليب الطلب المختلف فيها بين الوجوب والنّدب.
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] الآية.
استدل بها العلماء على وجوب الخشوع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أخبر أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس
стр. 126
الجنة، وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم» (١).
قلت: ومأخذ الحكم هنا: مفهوم الصّفة، بجميع تلك الصّفات والخصال الواجبة؛ لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأنّ الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب، وإذا كان الخشوع في الصّلاة واجبًا فالخشوع يتضمن السّكينة والتّواضع جميعا.
ومنه حديث عمر ﵁: حيث رأى رجلًا يعبث في صلاته فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) (٢) أي لسكنت وخضعت» (٣) اه.
وقال ابن القيم في مدارج السالكين: « … ولو اعتدَّ له بها ثوابًا لكان من المفلحين» (٤).
قال السيوطي في الإكليل: «فيها من شعب الإيمان الخشوع في الصلاة واجتناب اللغو والمحافظة على الصلوات لأوقاتها» (٥).
قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]
ذكر العلماء استحباب البكاء في الصلاة، ولا خلاف في ذلك؛ وإنّه من الصفات المحمودة، ومعلوم أن البكاء ثمرة الخشوع وانكسار القلب بين يدي الله، والبكاء مما يزيد الخشوع، وقد ساق المولى هذا المدح والثّناء في صفات الذين أوتوا
стр. 127
العلم فقال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]
ومأخذ الحكم هنا: هو ورود الخشوع في سياق مدحٍ له، وكل فعلٍ مُدح، أو مُدح فاعله لأجله، فهو مأمور به، وهو عند العلماء دائر بين الوجوب والندب.
وتبقى آية، وهي مما استدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على وجوب الخشوع وهي قوله تعالى في شأن الصّلاة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
ومن المعلوم أن الخشوع المذكور في الآية «لا بد أن يتضمن الخشوع في الصّلاة؛ فإنّه لو كان المراد الخشوع خارج الصّلاة لفسد المعنى؛ إذ لو قيل: إنّ الصّلاة لكبيرة إلّا على من خشع خارجها ولم يخشع فيها، كان يقتضى أنها لا تكبر على من لم يخشع فيها، وتكبر على من خشع فيها، وقد انتفى مدلول الآية، فثبت أن الخشوع واجب في الصّلاة» (١).
ومأخذ الحكم: أن قول الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ يقتضي ذمّ غير الخاشعين.
وقد دلّ كتاب الله على من كبُر عليه ما يحبه الله، أنّه مذموم بذلك في الدين مسخوط منه.
والذّم أو السّخط لا يكون إلّا لترك واجب، أو فعل محرّم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين، دلّ على وجوب الخشوع.
стр. 128
باب المساجد
قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب تأمين الدّاخل للمسجد الحرام.
مأخذ الحكم: أن الحكم ورد بأسلوب الخبر والمراد به الأمر؛ إذ لو كان خبرًا متمحضاً لوجب أن يكون الأمن واقعًا غير متخلف، وإلّا لأدّى إلى كون الخبر كذبًا وهو محال.
فدلّ على أنّه خبر بمعنى الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، فوجب على المسلمين حفظ الأمن فيه.
• الحكم الثاني: تطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود:
وسبق في شروط الصّلاة أن من شروطها، طهارة البقعة للمصلي، والآية دالة على ذلك.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ مع بيان سبب التّطهير بلام التّعليل ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وهذا يقتضي وجوب تطهير البيت لهذه الأمور، فيعمّ كل مسجد يكون فيه عكوف أو صلاة.
• الحكم الثالث: اشترط بعض المالكية لصلاة الجمعة أن يكون المسجد مسقوفاً، مستدلين بالآية في قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾
مأخذ الحكم: هو أن حقيقة البيتية أن يكون ذا حيطان ترفع.
стр. 129
وجمهور أهل العلم على عدم اشتراط ذلك؛ لعموم الأدلة ومنها: (وجعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهوراً) (١).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]
سبق دراسة هذه الآية في باب الغسل، وحكم الجنب، وتمت الإشارة إلى الخلاف في المراد بالصّلاة في صدر هذه الآية، هل هي العبادة المعروفة، أو المراد موضع الصّلاة، وهو المسجد، وكذلك رفع الخلاف في الشطر الثاني من الآية في المراد بعابر السبيل، هل هو المسافر، أو المجتاز العابر، وبيان ذلك:
إذا قلنا: الصّلاة العبادة المعروفة، فالنّهي عن قربان الصّلاة حال كونه سكرانًا، وكذلك هو منهي عن الصّلاة حال كونه جنبًا؛ إلّا إذا كان عابر سبيل. وفُسِّر العابر: بأنّه المسافر، وعليه فيجوز له قربان الصلاة، وإن لم يغتسل - بل يكتفي بالماء - وذلك؛ لأنّ السفر مظنة عدم الماء.
وقيل: الصّلاة هنا: موضع العابدة، وهي المساجد، فالنّهي عن دخول المسجد، والصّلاة من باب أولى.
كما أنّ النّهي في الشطر الثّاني، عن المكث في المسجد، إلّا أن يكون عابر سبيل إذا فُسِّر عابر السبيل بالمجتاز المار فيه.
وعلى كونها موضع الصّلاة ناسب ذكرها هنا، وترتب على هذا الخلاف مسائل:
المسألة الأولى: النهي عن قربان الصّلاة، سواء قلنا: المراد بالصّلاة العبادة، أو موضع الصلاة وهو المسجد، والعلة من منع السكران هو خشية تلويثه للمسجد،
стр. 130
وكل ذلك صيانة وتعظيمًا لبيوت الله.
ومأخذ الحكم: النّهي الوارد بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ والنّهي يقتضي التّحريم، والتّحريم يقع على شرب المسكر أوّلًا، ثم على الفاعل أن يؤاخذ بأفعاله، فيما يفعله السكران من تلويث أو تشويش على المصلين، والخلاف في أقواله، وما يؤاخذ به منها، وما لا يؤاخذ، والأفعال أقوى من الأقوال.
تنبيه: رجّح الموزعي في كتابه «تيسير البيان» أنّ المراد بالصّلاة في شطر الآية الأولى، والذّي تعلق بها حكم قربان الصلاة للسكارى، المقصود بالصّلاة: عين الصّلاة، أي: العبادة ذاتها؛ نظرًا لسبب النزول الوارد فيها. وقد حكى المفسرون أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ صنع طعامًا، ودعا ناسًا من أصحاب محمّد ﷺ فطعموا وشربوا، وحضرت صلاة المغرب، فتقدم بعض القوم، فصلى بهم المغرب، فقرأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ولم يتمها، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فإذا حملنا الصّلاة في الآية على موضع الصلاة وهو المسجد، حملناها على غير سببها، وحمل اللفظ على غير سببه، إخراج لسببه، وإخراج سببه غير جائز، ويترتب على حمل الصلاة هنا: على حقيقتها التنبيه الآخر، وهو المتعلق بتحريم الخمر حال قربان الصّلاة (١).
تنبيه آخر: إنّ تحريم الخمر حال قربان الصّلاة، لا يدل على جواز قربان الخمر في غير قربان الصّلاة، استدلالًا بمفهوم الحال؛ وذلك لأنّ هذه الآية كانت في مرحلةٍ من مراحل تحريم الخمر، ثم نُسخ إلى التّحريم على كل حال، وإذا نُسخ الأصل نسخ ما له من مفهوم.
стр. 131
المسألة الثانية: عدم جواز لبث الجنب في المسجد، وجواز عبوره فيه، وهذا الحكم أيضًا باعتبار أن المقصود بعابر السبيل هو المار في المسجد، والمجتاز فيه، وسبق ذكر شيء من الخلاف في كونه المسافر.
ومأخذ الحكم: في جواز العبور في المسجد، لمن كان على جنابة وعدم جواز اللبث فيه ما يأتي:
أوّلاً: منطوق الآية دلّ على جواز عبور الجنب في المسجد، حيث إنّ المولى سبحانه استثنى
ثانيًا: تخصيص العابر بالاستثناء من النّهي الوارد في حق أصحاب الجنابة، ف ﴿جُنُبًا﴾ نكرة في سياق النّهي فتعم، فتعمّ كل جنب، سواء كان يريد العبور أو المكث، فخصت حالة العبور، وبقيت حال المكث على أصل النّهي.
ثالثًا: سبب نزول الآية، أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء، ولا ممرّ لهم إلّا في المسجد، فأنزل الله هذه الآية (١).
قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]
سبق الحديث عن الآية في شرط ستر العورة، وستأتي كذلك في باب اللباس، ودلت الآية هنا على مشروعية أخذ الزّينة للمسجد، ولما يقام فيه وهو الصّلاة، وقد سبق.
قال ابن الفرس: «وظاهر هذا أن أخذ الزّينة عند كل مسجد، إنّما هو للفعل الذي يتعلق بالمسجد، وللمسجد تعظيمًا لهما» (٢).
стр. 132
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن أخذ الزّينة للمسجد من الأمور المندوب إليها.
ومأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ مصروف من الوجوب إلى النّدب؛ لأنّه يدخل في باب الآداب ومكارم الأخلاق.
وقد جعل كثير من العلماء من صوارف الأمر عن الوجوب إلى النّدب؛ كونه من هذا الباب، أي: باب الآداب ومكارم الأخلاق.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: مشروعية بناء المساجد، فكلمة ﴿يَعْمُرُ﴾ تدل على العمارة بالبناء كما تدل على العمارة بالعبادة.
ومأخذ الحكم: الفضل الوارد فيها، فجعل بناءها شعبة من شعب الإيمان، وترتيب الفضل على الفعل دلالة على مشروعيته.
وقد ورد في السّنة فضائل لمن بنى مسجدًا لله، ومن ذلك قوله ﵊: (من بنى مسجداً بَنَى الله له مثله في الجنة) (١)
كما ورد في السّنة كذلك الأمر ببناء المساجد حتى في الدور، كما روي عن
стр. 133
عائشة ﵂ (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد بالدور، وأن تنظف وتطيب) (١).
ومن قال بوجوب الجماعة في المسجد، قائل بوجوب بناء المساجد؛ لأنّه وسيلة لتحقق الجماعة.
قال في الإكليل: «قال الرازي: فيه أن بناء المساجد قربة» (٢).
• الحكم الثاني: لا يتولى عمارة البيت إلّا من كان طاهرًا من الشّرك.
مأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ﴾، وكذا مفهوم الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٥ - ٢٦]
استدل بالآية على بيان حرمة المسجد الحرام، وتحريم الإلحاد فيه بظلم.
مأخذ الحكم: ترتيب العقوبة على الفعل، بقوله: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مما يدل على تحريم الإلحاد فيه، والمقصود به: العدول عن الحق.
ويستحق العقاب بمجرد الإرادة، وإن لم يفعل، كما قرر ذلك كثير من العلماء بدلالة قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾.
стр. 134
أمّا بقية أحكام الآية، فقد سبقت الإشارة إليها، مثل وجوب طهارة البيت للطائفين والعاكفين والرّكع السّجود بقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ في البقرة ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ هنا في سورة الحجّ، وهو أمر يقتضي الوجوب.
كما سبق أن حقيقة البيتية من قوله: ﴿بَيْتِيَ﴾ هل يشترط فيها أن تكون مسقوفة، وبقية الأحكام تأتي بإذن الله في كتاب الحجّ.
قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]
استدل بالآية على بعض الأحكام المتعلقة بالمساجد:
• الحكم الأول: الأمر بتعظيم المساجد وتنزيهها عن اللغو والقاذورات، وذلك من قوله: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ ورفعها يكون بتعظيمها والعناية بها عن كل ما يشينها سواء كان معنويًا كاللغو، أو الحسية كالقاذورات وغيرها.
وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بيان للغاية والمقصد من بنائها.
ومأخذ الحكم هنا: هو قول ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ والأصل أن لفظة الإذن وما تصرف منها أنها على الإباحة شريطة أن تكون مطلقة، بمعنى غير محتفة بمدح لأحد الطّرفين، أو ترتيب ثواب لأحدهما، أو نحو ذلك من القرائن التي تصرفها عن أصل معناها.
ولا شك أن الإذن هنا ليس مطلقًا، بل احتف به المدح للفاعلين بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
وقد ورد في الآيات السابقة ما يدل على الوجوب، كتحريم إرادة الظّلم في المسجد الحرام أو الإلحاد فيه.
стр. 135
أمّا ما ورد في السّنة ففيه الكثير الدّال على وجوب تعظيم المساجد، وقد أورد الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه بلوغ المرام تحت هذا الباب، أي: باب المساجد جملة من ذلك فلتراجع.
• الحكم الثاني: استحباب ذكر الله والصّلاة في المساجد، وهذا ظاهر من الآية، وهو مستحب في كل مكان وزمان فاضل، ويزداد تأكيده في المساجد؛ لأجل ما ورد فيها، وقد ورد في السّنة الحث على الجلوس في المساجد لذات السبب.
الثّالثة: وفي الآية إشارة إلى أن الأفضل للنّساء الصّلاة في بيوتهن.
ومأخذ الحكم هنا: قوله ﴿رِجَالٌ﴾ ففيه إشارة إلى الحكم السابق، وقد دلت السّنة على ذلك، ومنه قوله ﵊ (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) (١).
باب صفة الصّلاة
وفيها الحديث عن أحكام متعلقة بالصّلاة وصفتها، وما هو ركن أو واجب أو مسنون، وقبل الوقوف مع مأخذ الآيات المذكورة، تحت هذا الباب، أود بيان مأخذ وسبب كبير في اختلاف العلماء في كون تلك الصّفة من صفات الصلاة ركنًا فيه أو واجبةً أو مسنونةً، وقد حصل اضطراب في تحديد ضابط ما يدخل في الركن أو الوجوب.
وقد اعتمد المالكية والشّافعية وكذا الحنابلة في تحديد ما يدخل في الركن والواجب على حديث المسيء صلاته، وزاد الحنابلة كذلك كل ما أمر ﷺ بفعله في الصّلاة، أو فعله ﷺ في الصّلاة وداوم عليه، سواء ورد في حديث المسيء صلاته،
стр. 136
أو ورد في غيره، وذلك لقوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١).
وهذان الحديثان، حديث المسيء لصلاته، وقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) وردا في مقام التّعليم فالحديث الأول يقتضي تعريفه بما يلزم من الواجبات وإلا لزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
أمّا الحنفية: فإنّهم يرون أنّ أوامره ﷺ في الصّلاة ومواظبته على فعل مّا فيها من غير تركٍ لا تدل على الفرضية في الأصل، ولكنها تدل على الوجوب، إلّا إن جاءت بيانًا لفرض مجمل، ولم يدل دليل على عدم الفرضية، ولم يلزم منه تقييد مطلق الكتاب.
ومعرفة الأركان تعرف عندهم في الجملة مما نص عليه القرآن أو السّنة المتواترة قطعية الدّلالة؛ لأنهم يشترطون في الفرضية، أن تثبت بدليل قطعي الثبوت والدّلالة.
أمّا إذا كانت قطعية الثّبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثّبوت قطعية الدّلالة وبهما يثبت الوجوب دون الفرضية.
فالآحاد يدل على الوجوب دون الفرضية، إن كان قطعي الدّلالة، أما إن كان ظني الثبوت والدلالة، فإنّه طريق إثبات السّنة والمستحب، وربما قوي الدليل الظني حتي يصير قريبًا عندهم من القطعي، فيطلقون عليه اسم الفرض، والمراد به الفرض العملي، أي: يعامل معاملة الفرض في وجوب العمل، وليس هو كالفرض القطعي.
وعودًا إلى ضابط الجمهور الذي سبق أن فيه اضطرابًا، وذلك أن في بعض
стр. 137
روايات حديث المسيء صلاته أفعالاً ليست من الأركان ولا الواجبات بالإجماع، كوضع اليدين على الركبتين في الركوع في قوله: (وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك) (١)، وكهيئة الجلوس في التّشهد في قوله: (فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى) (٢).
وبالعموم هذا سبب في خلاف العلماء في تحديد الأركان والواجبات والسنن، وستأتي إشارة لأثر هذا الخلاف في دراسة الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]
استدل العلماء بالآية على افتتاح الصّلاة بالتّكبير.
مأخذ الحكم: أن المولى سبحانه عقب الذكر باسمه بالصلاة بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح.
وافتتاح الصّلاة بالتّكبير أمرٌ متفق عليه. واختلفوا في جواز افتتاحها بغير التّكبير.
وذكر ابن رشد في بداية المجتهد أن سبب خلافهم هو «هل اللفظ هو المتعبد به في الافتتاح أو المعنى» (٣)، وهو من مآخذ المسألة.
فذهب الحنفية إلى جوزا افتتاح الصّلاة بكل ثناء خالصٍ يدل على تعظيم الله.
وقالوا: الآية دلت على أن المشروع في افتتاح الصّلاة مطلق ذكر اسم الرّب، وهذا يشمل لفظ (الله أكبر) وغيرها من الألفاظ، فلا يجوز تقييدها باللفظ المشتق من الكبرياء.
стр. 138
وقالوا: إن تقييد اسم الرّب في الآية بلفظ (الله أكبر) زيادة على نص كتاب الله، والزّيادة عندهم نسخ، ولا يصح نسخ المتواتر بالآحاد. ولهم مآخذ أخرى يرجع لها في كتب الفقه.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنّ الصّلاة لا تنعقد إلّا بلفظ التّكبير.
ومأخذ الجمهور: في تقييد التكبير بلفظ (الله أكبر)، هو ما ورد في حديث المسيء صلاته، وفيه (إذا قمت إلى الصّلاة فكبر) (١)، وفعله وقوله ﵊ بيان لما أجمل من القرآن؛ ولذا تعين التكبير دون غيره.
ويؤيده كذلك المعلوم قطعا من عادة الرسول ﷺ وأصحابه افتتاحهم الصلاة بالتكبير.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]
أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ فعبَّر بالفعل عن الإرادة لما بينهما من الملابسة، فالاستعاذة مكانها قبل القراءة، وهو هدي المصطفى ﷺ .
واستدل بالآية على مشروعية طلب العوذ بالله من الشّيطان عند إرادة قراءة القرآن سواء كان في الصّلاة أو خارجها.
وقيل بوجوب الاستعاذة.
ومأخذ الحكم هنا: الأمر، وظاهره أنّه للوجوب.
وأكدوا هذا الحكم بمواظبة النبي ﷺ على ذلك.
وقالوا: إنّ دفع شر الشيطان يكون بالاستعاذة، ودفع شر الشيطان واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجب أن تكون الاستعاذة كقراءة القرآن واجبة.
стр. 139
وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الاستعاذة مستحبة، وحكى ابن جرير وغيره الإجماع على ذلك (١).
ومأخذ الحكم: أنّهم جعلوا الصّارف للوجوب إلى النّدب أحد الأمور الآتية:
الأوّل: الإجماع السّابق، وهذا فيما إذا ثبت؛ وذلك لوجود المخالف، والقائل بالوجوب من سلف الأمة، عطاء بن أبي رباح، والثوري وغيرهما.
الثاني: ما جاء في حديث المسيء في صلاته، وفيه: (إذا قمت إلى الصّلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) الحديث (٢).
وسبق أن الحديث في مقام التّعليم، ولو كان واجبًا لعلمه النّبي ﷺ ؛ لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
تنبيه: مشهور مذهب المالكية عدم مشروعية الاستعاذة بل كراهتها في صلاة الفريضة، وهناك رواية عن الإمام بمشروعيتها في صلاة القيام برمضان.
مستدلين بما رواه أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵃ كانوا يفتتحون الصّلاة ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وحملها الجمهور على أنّهم ما كانوا يجهرون بها قبل القراءة، بل يسرونها؛ ولذلك لم يسمعها.
وأجاب ابن العربي المالكي عن هذا الدّليل بقوله: « … وتعلّق مَنْ أخذ بظاهر المدونة بما كان في المدينة من العمل»، ثم قال: «ولم يثبت عندنا أن أحدًا من أئمة الأمة ترك الاستعاذة فإنه أمر يفعل سرا، فكيف يعرف جهرا» (٣).
стр. 140
قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]
استدل بالآية على أن القراءة ركن في الصّلاة، وقد نُقل الإجماع على ذلك ثم وقع خلاف في المجزئ الفاتحة أو غيرها، كما سيأتي.
ومأخذ كون القراءة ركنا: الأمر الوارد، وهو قطعي الثبوت والدّلالة وبمثله تثبت الأركان. وقيل: قراءة الفاتحة من واجبات الصّلاة وليست من أركانها عند الحنفية خلافًا للجمهور.
ومأخذ الحكم عند الحنفية: أن المولى أطلق القراءة من القرآن من غير تقييد بفاتحة ولا غيرها، فدل على أن قراءتها ليست ركنًا، ولم يأخذوا بدلالة السّنة الأحادية، كقوله ﵊: (لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (١)؛ لأنّ فيه زيادة على النّص، وهو نسخ، ولا يُنسخ المقطوع بالآحاد، فحملوا دلالة الحديث على الوجوب دون الفرضية.
أمّا الجمهور فقالوا: بأنّ الفاتحة ركن، بدلالة السّنة كما في الحديث السابق (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فحملوا النفي في الألفاظ الشّرعيّة على نفي الصّحة؛ إذ لا يمكن هنا نفي الوجود؛ لوجود من يصلي ولا يقرأ الفاتحة، فوجب حملها على نفي الصحة.
قال العثيمين في منظومته (٢):
والنّفي للوجود ثم الصحة … ثم الكمال فارعين الرتبة
стр. 141
ومما استدل به الجمهور أيضا، ما ورد في بعض روايات حديث المسيء صلاته، وفيها (ثم أقرا بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ) (١) وسبق أن كل ما ورد فيه فإنّه يدل على الفرضية.
تنبيه: يذكر الفقهاء احتمالًا وهو كون آية المزمل قد نزلت قبل سورة الفاتحة؛ لأنّها نزلت بمكة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]
استدل بالآية من قال بأن قراءة القرآن بغير العربية لا تجوز، وهو قول الجمهور، خلافًا لما نُقل عن أبي حنيفة، ونقل أنّه رجع عنه.
ومأخذ الحكم: لعل من المآخذ كونه خبرًا بمعنى الأمر، أي: (إنا أنزلناه ليقرأ بالعربية).
أو يكون من المآخذ مفهوم الصفة في قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فتدل على أن غير العربي لا يسمى قرآنا، ولا تصح الصلاة بغير القرآن.
قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]
يستدل بها على أن المسألة السابقة وهي: عدم جواز القراءة بغير العربية.
ومأخذ الحكم: وصف المولى القرآن الذي انزله بكونه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ حيث قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
ومفهوم وصفه بأنّه (عربي) يدل على أن غير العرب لا يسمى قرآنًا، وما ليس بقرآن لا تصح الصلاة به.
стр. 142
قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]
الترتيل في القراءة هو: التأني فيها والتمهل وتبين الحروف والحركات.
واختلف العلماء في حكمه، فذهب الجمهور إلى استحبابه ونقل الإجماع على ذلك. وقيل: بالوجوب.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد في قوله: ﴿وَرَتِّلِ﴾، والأصل فيه أنّه للوجوب، وأجرى من قال بالوجوب الأمر على إطلاقه، وأكدّ الأمر للوجوب بالتّأكيد الوارد في الآية بقوله ﴿تَرْتِيلًا﴾.
وذهب الجمهور هنا إلى أن تأكيد الأمر بالتّرتيل إنّما هو لإفادة تحقيق صفة الترتيل. وصرفوا الأمر من الوجوب بصوارف منها:
(١) كون الإجماع وقع على كونه مستحبًا، وقد نقل البعض الإجماع على ذلك.
(٢) كون الترتيل من باب الكمالات، فحملوها على الآداب فهو من آداب التّلاوة، والحمل على مكارم الأخلاق والآداب يعتبر صارفًا للأمر من الوجوب إلى الندب عند كثير من العلماء.
(٣) لم يذكر الترتيل في حديث المسيء صلاته، وهو في مقام التعليم، ولو كان واجبًا لعلمه النبي ﷺ ذلك.
فائدة: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني «استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، وإنّما الذي يكره الهذ، وهو: الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها» (١)
وقال أيضا: «والتّحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يُخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات،
стр. 143
فلا يمتنع أن يفضُل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإنّ من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مُثمَّنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر، لكن قيمتها قيمة الواحدة وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات وقد يكون بالعكس» (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: عدم جواز الكلام في الصّلاة.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بالإنصات في قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ والإنصات هو السّكوت، والأمر يقتضي الوجوب، وقد نقل الإجماع على كون الآية في الصّلاة الإمام أحمد وغيره (٢).
وقيل: في خطبة الجمعة أيضا. يدل عليهما سبب نزول الآية.
ويمكن القول بأن الآية دلت على عدم جواز الكلام، ووجوب السكوت بالأمر في قوله ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ وبالاستلزام من الأمر في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ لأنّه يلزم من الاستماع السكوت.
• الحكم الثاني: الخلاف في قراءة المأموم خلف الإمام.
وفي المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: عدم جواز القراءة مطلقًا، لا الفاتحة ولا غيرها، سواء كان في الجهرية، أو السّرية، وهو مذهب الحنفية.
стр. 144
الثاني: أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسرّ فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر به، أي: في السّريّة دون الجهرية، وهو مذهب المالكية والحنابلة.
الثالث: أن يقرأ المأموم فيما أسر الإمام الفاتحة وغيرها، ويقرأ فيما جهر الفاتحة فقط، وهو مذهب الشافعي في الجديد والظّاهرية. وكل واحد منهم استدل بالآية.
أمّا الفريق الأول: فقالوا: بعدم جواز القراءة مطلقًا، أمّا في حالة الجهر، فظاهر لوجود القراءة المأمور بالاستماع لها والإنصات، والأمر يقتضي الوجوب، وهو نهي عن ضده، وضد الإنصات القراءة، فتكون القراءة منهيًا عنها؛ لأنّه يلزم من الاستماع عدم القراءة.
أمّا في حالة الإسرار فعموم اللفظ، فهو يعم الأحوال، أي: سواء كان في حال الجهر، أو الإسرار فعلينا السكوت فبعموم القراءة، فالقراءة موجودة من الإمام وعلينا السكوت سمعناها أو لم نسمعها، وقد يكون مأخذه مفهوم الشّرط مع عموم اللفظ.
أمّا أصحاب القول الثّاني: فقالوا: الأمر في الآية بالاستماع، ولا يتحقق إلّا إذا كان مجهورًا به، وهذا لا يكون إلّا في صلاة الجهر؛ لأنّ السّر لا يستمع إليه.
قال ابن قدامة: «وهي مختصة بحال الجهر، وفيما عداه يبقى على العموم، وتخصيص حالة الجهر بامتناع الناس من القراءة فيها، يدل على أنهم كانوا يقرءون في غيرها» (١).
أمّا أصحاب القول الثالث: القائلون أنّه يقرأ فيما أسر الفاتحة وغيرها، وفيما
стр. 145
جهر الفاتحة فقط. فخصصوا الفاتحة من عموم الآية بالسّنة، وقد ورد في الصّحيح قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرا بأمّ القرآن) (١).
وأدل منه ما رواه عبادة بن الصّامت (أن النّبي ﷺ صلى الصبح، فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: «إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم» قال:، قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: «لا تفعلوا إلا بأمّ القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) (٢).
وأيدوا وجوب القراءة في السرية والجهرية بلحاق الآية حيث قال سبحانه بعدها ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]
قال ابن حزم: «وتمام الآية حجة عليهم؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤ - ٢٠٥] قال علي: فإن كان أول الآية في الصّلاة فآخرها في الصّلاة؛ وإن كان آخرها ليس في الصّلاة فأولها ليس في الصّلاة؛ وليس فيها إلا الأمر بالذكر سرًا وترك الجهر فقط» (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]
اختلف العلماء في المراد بالصّلاة هنا، هل هي عين العبادة المعروفة أو الدعاء، وقال بكل قول قوم.