Полный текст (357 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
باب دعاء الرجل لصاحبه بالخير في الغيبة وغيرها .
قال الأصمعي: يقال في هذا للقادم من سفر: خير ما رد في أهل ومالٍ.
أي جعل الله ما جئت به خير ما رجع به الغائب.
قال سلمة: والذي روينا في هذا أنَّ مجيئك بنفسك خير ما رد في أهلك ومالك قال الأصمعي: ومن الدعاء قولهم: عرفني نساها الله.
أي أخر الله أجلها وأطال عمرها، قال: وكان أصله أنَّ رجلاً كانت له فرس، فأخذت منه، ثم رآها بعد ذلك في أيدي قوم، فعرفته فحمحمت حين سمعت كلامه، فقال عند هذه المقالة، فذهبت مثلا. هذا قول الأصمعي، وأما غيره فقال: إنَّ هذا المثل لبيهس الذي يعرف بنعامة وإنّما لقبها لطول ساقيه، وكان طويل الرجلين، فرأته امرأته بليل فقالت: نعامة والله، فقال: عرفتني نساها الله، وقال أبو محمّد الأموي، واسمه عبد الله بن سعيد: من دعائهم في هذا قولهم: بلغ الله بك أكلاً العمر.
أي أقصاه قال الزبير بن بكار القاضي: أكلا العمر: أحفظ العمر، تقول للرجل: كلأك الله، وانشد قول الشاعر:
كلاك الله حيث عزمت وجهاً ... وحاطك في المبيت وفي المقيل
قال أبو عبيد: يقولون للرجل الذي يعجب من كلامه أو غير ذلك من أموره:
стр. 37
عيل ما هو عائله.
أي غلب ما هو غالبه. قال أبو عبيد: وأصل العول الميل، ويروى في تفسير قول الله جل ثناؤه) ذلك أدنى ألا تعولوا (إنّه الميل والجور وقال أبو عمر والشيباني من أمثالهم في الدعاء.
نعم عوفك
وتأويله نعم بالك وشانك، ونحو هذا، قال أبو عبيد: وكان بعض الناس يتأولون العوف الفرج، فذكرته لأبي عمرو فأنكره.
قال أبو عبيد: ومن دعائهم في النكاح: على بدء الخير واليمن.
وقد روينا هذا الكلام في حديث عبيد لم عمير الليثي. ومنه قولهم: بالرفاء والبنين وقد فسرناه في غريب الحديث. قال الأصمعي: ومن دعائهم بالخير قولهم: هنئت ولا تنكه.
أي أصبت خيراً ولا أصابك الضر، يدعو له. قال أبو عبيد: ومن دعائهم في موضع المدح قولهم:
стр. 38
هوت أمه، وهبلته أمه ومنه قول كعب بن سعد الغنوي:
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يودي الليل حين يؤوب
ومن هذا المعنى قول امرئ القيس: ماله ما عد من نفره أي لا د من فخره، أي من عدده الذين يفخر بهم فهم يدعون عليه بالهلاك، وإنّما هذا على وجه الحمد له، وهو نحو قولهم: " قاتله الله، وأخزاه الله " إذا أحسن في الشعر يقوله.
باب ذكر الغائب
يذكر فيرى أو يرى الإنسان الشيء فيذكر به ما قد نسيه.
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في الغائب يذكر فيرى: أذكر الغائب يقترب.
قال أبو عبيد: ومثله.
أذكر الغائب تره .
وهذا المثل يروى عن عبد الله بن الزبير إنّه ذكر المختار بن أبي عبيد يوماً، وسأل عنه والمختار يومئذ بمكة قبل أنَّ يقدم العراق، فبينا هو في ذكره إذ طلع المختار، فقال أبن الزبير: اذكر غائبا تراه قال أبو عبيد: وهذا الذي جاء فيه الحديث إنّه من أشراط الساعة، فهذا ما في الإنسان، يذكر فيرى وأما مثلهم في الإنسان يرى الشيء فيذكر به ما قد نسيه فقولهم:
стр. 39
ذكرني فوك حمار أهلي.
وكان المفضل فيما يحكى عنه، يقول: كان أصله أنَّ رجلاً خرج يطلب حمارين كانا ضلا عنه، فرأى امرأة متنقبة فأعجبته حتى نسي الحمارين فتبعها، فلم يزل يطلب إليها حتى سفر له: فإذا هي فوهاء، فحين رأى أسنانها ذكر الحمارين فقال: ذكرني فوك حمارا أهلي قال أبو الحسن: وأنشدني الزبير قول الشاعر في البرقع:
إذا بارك الله في خرقةٍ ... فلا بارك الله في البرقع
يواري الملاح ويفخي القباح ... فهذا يضر ولا ينفع
باب إنجاز الموعد والوفاء به .
قال أبو عبيد: روى علماؤنا في حديث مرفوع.
العدة عطية .
ورووا عن عوف بن النعمان الشيباني إنّه قال في الجاهلية الجهلاء: لأن أموت عطشاً أحب إليَّ من أكون مخلاف الموعدة. وعن عوف الكلبي إنّه قال: آفة المروءة خلف الموعد.
قال الحارث بن عمرو بن حجر الكندي: أنجز حر ما وعد.
وكان المفضل يحدث إنَّ الحارث قال ذلك لصخر بن نشهل بن دارم، وكان له مرباع بني حنظلة، فقال له الحارث: هل أدلك على غنيمة ولي خمسها؟ فقال صخر: فدله على قبيله فأغار عليهم بقومه فظفر وغنم، فقال له الحارث: أنجز الحر ما وعد، فذهبت
стр. 40
قولهم: مثلاً ووفى له صخر بما قال. قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى مثل العرب السائر في العامة والخاصة
الوفاء من الله بمكان .
وحمد الله إسماعيل النبي ﷺ بوفائه للموعد فقال؛ " إنّه كان صادق الوعد " وروي عن عبد الله بن عمرو إنّه كان وعد رجلاً من قريش إنَّ يزوجه ابنته، فلما كان عند موته أرسل إليه فزوجه وقال: " كرهت إنَّ ألفى الله. بثلث النفاق ".
جماع الأمثال التي في معايب المنطق
باب المثل في العار والقالة السيئة وما يحاذر منها وإنَّ كانت باطلا .
قال أبو عبيد. ومن أمثالهم في هذا قولهم: حسبك من شر سماعة.
قال: أخبرني هشام بن الكلبي أنَّ المثل لأم الربيع بن زياد العبسي قال: وكان سبب ذلك أنَّ ابنها الربيع كان أخذ من قيس بن زهير بن جذيمة درعا، فعرض قيس لأم الربيع، وهي على راحلتها في مسير لها، فأراد إنَّ يذهب بها ليرتهنها بالدرع، فقالت له: أين عزب عنك عقلك يا قيس؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم يميناً وشمالاً، فقال الناس ما شاووا، وإنَّ حسبك من شر سماعه، فذهبت مثلا. تقول: كفى بالله عاراً، وإنَّ كانت بطلاً. قال أبو عبيد: وكان المفضل، فيما يحكى عنه، يذكر هذا الحديث، ويسمي أم الربيع ويقول: هي فاطمة بنت الخرسب من بني أنمار بن بغيض قال الزبير: هي أم أنمار، وليست من أنمار.
قال أبو عبيد: ومن ذلك أيضاً قولهم:
стр. 41
قد قيل ذلك إنَّ حقا وإنَّ كذباً.
أخبرني أبن الكلبي أيضاً أنَّ هذا المثل للنعمان بن المنذر الملك، قاله للربيع بن زياد، وكان النعمان له مكرما معظماً، فبغاه لبيد بن ربيعة عنده لشيءٍ كان بينهما فدخل لبيد على النعمان والربيع يتغدى معه، فأنشد لبيد: مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه في أبيات ذكر فيها أنَّ به برصا في موضع يسمج ذكره. وكانت العرب تتطير من البرص، فلما سمعها النعمان أمسك عن الطعام، فقال الربيع: أبيت اللعن، إنَّ لبيداً كاذب، فعندها قال: النعمان وأنشد البيت:
قد قيل ذلك إنَّ حقاً وإنَّ كذباً ... فما اعتذارك من شيءٍ إذا قيلا
ثم ترك النعمان مؤاكله الربيع بعد ذلك.
باب تعيير الإنسان صاحبه بعيب هو فيه
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا.
رمتني بدائها وانسلت .
قال أبو عبيد: ويحكى عن المفضل إنّه كان يقول: هذا المثل قيل لرهم بنت الخزرج من كلب. وكانت امرأة سعد بن زيد مناة بن تميم. وكان لها ضرائر، فسابتها إحداهن يوما فرمتها رهم بعيب هو فيها. فقالت ضرتها: " رمتني بدائها وانسلت " فذهبت مثلاً.
стр. 42
قال أبو عبيد: وللعامة في هذا مثل مبتذل، وهو قولهم: عير بجير بجره، نسى بجير خبره.
ومنه البيت السائر في الناس للمتوكل الكناني ثم الليثى:
لا تنهى عن خلقٍ وتركب مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
قال الأصمعي: ومثله قولهم: محترس من مثله وهو حارس.
يضرب للرجل يعيب الفاسق لفعله، وهو أخبث منه. قال أبو عبيد: ومنه الحديث الذي يروى إنَّ في بعض الحكمة: كيف تبصر القذاة في عين أخيك وتدع الجذع المعترض في حلقك وروى عن مطرف بن الشخير أو عن غيره من العلماء إنّه قال لأصحابه: لو كنت عن نفسي راضياً لقليتكم، ولكني عنها غير راضٍ. وفي بعض الآثار:
стр. 43
البلاء موكل بالقول وهو مع هذا من أمثالهم السائرة. وقال إبراهيم النخعي: " إني لأرى الشيء مما يعاب فما يمنعني من عيبه إلاّ المخافة إنَّ أبتلى به. وقال عمرو بن شرحبيل: لو عيرت رجلاً برضاع الغنم لخشيت إنَّ أرضعها. ومن أمثالهم في هذا: لا تسخر من شيء فيحور بك.
باب رمى الرجل صاحبه بالمعضلات أو بما يسكته
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا أنَّ يقولوا: رماه بأحقاف رأسه.
قال الأصمعي: ومثله قولهم: رماه بثالثة الأثافي.
والثالثة من الأثافي هي القطعة من الجبل تجعل إلى جنبها
стр. 44
أثفيتان، فتكون الثالثة هي القطعة المتصلة بالجبل. قال خفاف بن ندبة، وهي أمه:
وإنَّ قصيدة شنعاء مني ... إذا حضرت كثالثة الأثافي
وقال الكسائي: يقال إذا بهته بعظيمة قالوا: باللعيضهة، وياللأفيكة، وياللبهيتة.
قال أبو عبيد: ومعناها كلها إنّه رماه بالبهتان. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: كأنما أفرغ عليه ذنوباً وذلك إذا كلمه بكلمة عظيمة يسكته بها.
باب دعاء الإنسان على صاحبه بالموبقات .
قال أبو زيد: من أمثالهم في الدعاء قولهم: فاها لفيك.
قال: ومعناها الخيبة لك. قال أبو عبيد: وأصله إنّه يريد: جعل الله لفيك الأرض، كما يقال: " بفيك الإثلب وبفيك الحجر " ونحوه من الدعاء. وقال رجل من بلهجيم:
فقلت له فاها لفيك: فإنّها ... قلوص امرئٍ قاريك ما أنت حاذره
"
стр. 45
قاريك " يعني يقريك، من " القرى " ومن أمثالهم في نحو هذا: لليدين وللفم.
معناه: كبه الله ليديه ولفمه. وهذا الكلام يروى عن عائشة أم المؤمنين، ﵂، أنها قالته لرجل أصابه نكبة ومثله قولهم: للمنخرين.
وهذا يروى عن عمر بن الخطاب، ﵁، إنّه قال لرجل أتي به سكران في شهر رمضان، فعاقبه وقال: للمنخرين للمنخرين، أولداننا صيام وأنت مفطر؟! ومعناه كبه الله لمنخريه. وقال الأحمر: من دعائهم في هذا.
بجنبه فلتكن الوجبة .
يعني الصرعة. وقال الأموي في نحوه: من كلا جانبيك لا لبيك.
أي لا تكون لك التلبية والسلامة، لأن التلبية هي الإقامة بالمكان. وقال الأصمعي: ومن دعائهم.
جدع الله مسامعه .
ومعناه القطع، يريدون الأذنين، وما قولهم: استكت مسامعهم.
فانه الصمم. ومن الدعاء قولهم:
стр. 46
عقراً حلقاً وأهل الحديث يقولون: " عقرى حلقي " وقد فسرناه في غريب الحديث ومن الدعاء عند الشماتة: به لا بظبي.
أي جعل الله ما أصابه لازماً له، ومنه قول الفرزدق:
أقول له لمّا تأني نعيه ... به لا بظبي بالصريمة أعفرا
قال أبو عبيد: ومن دعائهم: لا لعاً لفلانٍ.
أي لا أقامه الله، ومنه قول الأعشى في الناقة:
بذات لوثٍ عفرناةٍ إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أنَّ أقول لعا
وقال الأخطل:
فلا هدى الله قيسا من ضلالتها ... ولا لعاً لبني ذكوان إذ عثروا
стр. 47
باب الملاحاة والتشاتم .
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي في هذا: من لاحاك فقد عاداك.
ومن حديث مرفوع إنَّ أوّل ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر وملاحاة الرجال. وفي بعضه " إنَّ أربي الربا شتم الأعراض، وأشد الشتم الهجاء، والراوية أحد الشاتمين ". وقال الأصمعي: يقال: من نجل الناس نجلوه.
أي من شارهم شاروه. وقال أبو عبيد: يقال للرجل البذئ: لا يحسن التعريض إلاّ ثلباً.
يقول: إنّه سيفه يصرح بمشاتمه الناس من غير كناية ولا تعريض. والثلب هو الطعن في الأنساب، وهي المثالب. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم: سيفه لو يجد مسافهاً.
وهذا المثل يروى عن الحسن بن علي إنّه قال لعمرو بن الزبير، قال الزبير: أنشدني محمّد بن مسعر لحاجب بن زرارة:
стр. 48
أغركم إني بأحسن شيمةٍ ... رفيق وإني بالفواحش أخرق
وانك قد فاحشتني فغلبتني ... هنيئاً مريئا أنت بالفاحش أرفق
ومثلي إذا لم يجز أفضل سعيه ... تكلم نعماه بفيه فتنطق
وقال أبو عبيد: وإذا عرف الرجل بالشرارة، ثم جاءت منه هنة قيل: إحدى حظيات لقمان.
أي إنّها من فعلاته. وأصل الحظيات المرامي، واحدتها حظية، وتكبيرها خطوة، وهي التي لا نصل لها من المرامي. ويروى عن يزيد بن المهلب فيما أوصى به ابنه مخلد بن يزيد: إياك وأعراض الرجال، فإنَّ الحر لا يرضيه من عرضه شيء، واتق العقوبة في الأبشار فإنّها عار باق، ووتر مطلوب. وروي عن الفضيل بن بزوان وكان حكيما أنَّ رجلاً قال له: بلغني انك وقعت في: فقال له: أنت إذاً اكرم علي من نفسي. وجاءنا عن الشعبي إنَّ رجلاً قال فيما أترك، فلما فرغ قال له الشعبي: إنَّ كنت صادقا فغفر الله لي، وإنَّ كنت كاذبا فغفر الله لك. وسمع الشعبي أيضاً قوماً ينتقصونه فقال.
هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
стр. 49
وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في الرجل يعجل إلى الرجل بالقول: استقدمت رحالتك.
قال أبو عبيد: ويروى عن أبن عمر إنّه قال: إني وأخي عاصماً لا أشتم أحداً، يعني عاصم بن عمر بن الخطاب ﵀، ويروى عن عاصم أيضاً إنَّ جاراً له نازعه في أرض ادعياها من كلاهما، فقال الرجل لعاصم: إنَّ كنت رجلاً فضع قدمك فيها، فقال له عاصم: أوقد بلغ بك الغضب ما أرى إنَّ كانت هذه الأرض لك، وإنَّ كانت لي فهي لك، فاستحيا منه الرجل فتركها: وأبى عاصم أنَّ بقبلها. ومن الأمثال المشهورة في الشتم أنَّ يقال:
من سبك؟ فيقال: الذي أبلغك.
باب المماكرة والخلابة
قال الأصمعي: يقال: فتل في ذروته.
أي خادعه حتى أزاله عن رأيه. قال أبو عبيد: ويروى عن أبن الزبير إنّه حين سأل عائشة أم المؤمنين الخروج إلى البصرة أبت عليه: فما زال بفتل في الذروة
стр. 50
والغارب حتى أجابته. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في المماكرة: ضرب أخماسا لأسداس.
وأنشدنا غيره:
إذا أراد امرؤ مكراً جنى عللا ... وظل يضر أخماسا لأسداس
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الخديعة والمكر قولهم: الذئب يأدو للغزال.
أي يختله ليوقعه. قال الأصمعي: ومن أمثالهم: من يأت الحكم وحده يفلج.
قال أبو عبيد: وهذا من غير هذا الباب، ولكن فيه بعضه. يضرب للرجل يسبق إلى الحاكم فيلقي في قلبه التهمة على صاحبه. وهو ضرب من المكايدة. قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم:
стр. 51
المعافى ليس بمخدوع.
وأحسبهم يعنون إنّه إذا عوفي لم يضره ما كان خودع به قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الخداع قولهم: فلان يقرد فلاناً.
أي يحتال له ويخدعه حتى يستمكن منه قال: وأصل ذلك أن يجيء الرجل بخطام إلى البعير الصعب قد ستره منه لئلا يمتنع، ثم ينتزع قرادا من البعير حتى يستأنس به البعير، ويدني رأسه، فإذا فعل ذلك رمى بالخطام في عنقه، وفيه يقول الحطيئة:
لعمرك ما قراد بني كليبٍ ... إذا نزع القراد بمستطاع
أي لا يخادعون. ومن أمثالهم في الخداع قولهم: فلم خلقت إذا لم أخدع الرجال.
يعني لحيته، يقول: لم خلقت لحيتي إذا لم أفعل هذا.
باب اللهو والباطل وألفاظهما
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا: ده ردين سعد اليقين.
ومعناه عندهم الباطل، قال الأصمعي: ولا أدري ما أصله.
стр. 52
قال أبو عبيد: وأما أبو زياد الكلابي فانه قال لي: " ده دريه " بالهاء. وقال الكسائي: ومن الباطل، يقال: جرى فلان جري السمه.
قال الكسائي: ومن هذا قولهم: هو الضلال بن فهللٍ.
والضلال لن ثهللٍ.
ومن أسماء الباطل قولهم: جاء فلان بالترهة.
وهي واحدة الترهات وكذلك التهاته، قال القطامي:
ولم يكن ما أجتدينا من مواعدها ... إلاّ التهاته والامنية السقما
стр. 53
ومثله " الأساطير " وقد اختلف الناس في واحدها، فقال بعضهم: أسطورة، وكان الكسائي يقول: واحدها سطر، ثم أسطار، ثم أساطير، جمع الجمع. وقال أبو عبيد: ومن الأباطيل ما جاء في الحديث من التهاتر، وهي الشهادات التي يكذب بعضها بعضاً. وفي بعض الحديث " المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان ".
باب الدعابة والمزاح
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: المزحة تذهب المهابة.
يقول إذا عرف بها الرجل قلت هيبته. وقال خالد أبن صفوان التميمي: المزاح سباب النوكى.
وقال عمر بن عبد العزيز: إياك والمزاح فانه يجر القبيحة ويورث الضغينة. وروى بعضهم عن مجاهد إنّه مازح صديقا له بكلمة فتهاجرا حتى ماتا. قال أبو عبيد: ومن هذا مثلهم السائر في الناس: لا تفاكه أمه، ولا تبل على أكمةٍ.
ويروى عن سعيد بن العاصي إنّه قال:
стр. 54
لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فيتجرأ عليك.
وجاءنا عن بعض الخلفاء إنّه عرض على رجل خلتين يختار أحدهما، فقال الرجل: " كلاهما وتمراً " فغضب عليه وقال: أعندي تمزح، فلم يوله شيئاً. وقال أهل العلم في شعرٍ له:
أما المزحة والمراء فدعها ... خلقان لا أرضهما لصديق
إني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاور جار ولا رفيق
وذكر عند عمر بن الخطاب ﵀ عليه فلان فقال: ذلك رجل فيه دعابة، يعني علياً.
باب الخلف في المواعيد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في إخلاف الموعد قولهم: إنّما هو كالبرق الخلب.
وهو الذي لا مطر معه، ويقول: إنّه يخلف كما يخلف ذلك البرق. قال الزبير بن بكار: سألت حمزة بن عتبة اللهبي عن برق الخلب، فقال: عندنا بمكة مكان يقال له: الخلبة، يكذب برق ذلك المكان، وبه شبه الناس البرق الكاذب فقالوا: "
стр. 55
برق الخلب ". قال أبو عبيد: وقال أبن الكلبي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: مواعيد عرقوبٍ.
قال: سمعت أبي يخبر بحديثه إنّه كان رجل من العماليق يقال له عرقوب، فأتاه أخ له يسأله شيئاً، فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت أتاه للعده فقال: دعها حتى تصير بلحاً. فلما أبلحت أتاه فقال له: دعها حتى تصير زهواً، فلما أزهت قال له: دعها حتى تصير تمراً، فلما أتمرت عمد إليها عرقوب من الليل فجذها ولم يعط منها شيئاً، فصار مثلا في الخلف، وفيه يقول الاشجعي:
وعدت وكان الخلف منك سجية ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
وبعضهم يرويه " بأترب " اسم موضع قال: أنشدني الأصمعي بيثرب.
باب إظهار البر باللسان والفعل لمن تراد به الغوائل
قال الأصمعي في مثل هذا: شر يوميها وأغواه لها.
قال: وأصله أنَّ امرأة من طسمٍ يقال لها عنز أخذت سبية فحملوها في هودح وألطفوها بالقول والفعل، فعدها قالت: " شر يرميها وأغواه لها " تقول
стр. 56
شر أيامي حين صرت أكرم للسباء، وفيه بيت سائر:
شر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدجٍ جملاً
قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا: ليس من كرامة الدجاجة تغسل رجلاها.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم القديمة قولهم: الذئب يكنى أبا جعدة.
ويقال إنّه لعبيد بن الأبرص، قاله للمنذر حين أراد قتله فقال:
هي الخمر يكنوها بالطلاء ... كما الذئب يكنى أبا جعده
يضرب للرجل يظهر لك إكراما، وهو يريد بك غائلة، ويقول: لأن الذئب وإنَّ كانت كنيته حسنة فإنَّ عملة ليس بحسن.
باب اليمن الغموس وغيرها
قال الأصمعي: من أمثالهم في اليمن الغموس يحلف بها الرجل:
стр. 57
جذها جذ العير الصليانة.
وذلك إنَّ العي ربما اقتلع الصليانة من اصلها إذا أرتعها، يقول: فذلك فعل هذا في يمينه، أسرع بالحلف ولم يتتعتع فيها، وفي الحديث " إنَّ اليمين الغموس تذر الديار بلاقع من أهلها " أي تنفيهم. قال أبو عبيد: والغموس هي المصبورة التي يوقف عليها الرجل، يحلف بها. ونراها سميت غموسا لغمسها حالفها في المآثم ومن أمثالهم في الإيمان قولهم: اليمن حنث أو مندمة.
قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن عمر رحمه الله تعالى.
стр. 58
بسم الله الرحمن الرحيم
جماع أمثال الرجال
واختلاف نعوتهم وأحوالهم
باب المثل في الرجل البارع المبرز في الفضل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: ما يشق غباره.
وأصله في الخيل، وكان المفضل يخبر بهذا المثل عن قصير بن سعد اللخمي، وكان نهى جذيمة الأبرش أنَّ يصير إلى الزباء فعصاه، حتى إذا صار في سلطانها ندم، فقال له قصير عند ذلك: أركب فرسي هذا فانج عليه فانه لا يشق غباره، فذهبت كلمته مثلا لكل سابق مبرز على صاحبه. ومنه قول النابغة الذبياني لزرعة بن عمرو بن الصعق:
أعلمت يوم عكاظ حين لقيتني ... تحت العجاج فما شققت غباري
ويروى: فما حططت غباري قال أبو عبيد: ومعناه أنَّ الفرس يسبق الخيل حتى لا يدرك الفرس غباره فيدخل فيه. وقال أبو عبيدة والأصمعي: من أمثالهم في السابق قولهم:
стр. 59
جري المذكي حسرت عنه الحمر أي يسبق الفرس القارح الحمير.
وقال زهير بن أبي سلمى:
فضل الجياد على خيل البطاء ولا ... يعطيك ذلك ممنونا ولا نزقاً
وقال أبجر بن جابر العجلي لابنه حجار: يا بني، لا تكن لك همة دون الغاية القصوى، وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أنَّ يرضى لنفسه إلاّ بإحدى منزلتين، أما أنَّ يكون في الغاية القصوى من مطالب الدنيا أو يكون في الغاية القصوى من الترك لها. وقال قيس بن زهير لحذيفة بن بدر.
جري المذكيات غلاب .
وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل الله تعالى يرضى لنفسه بمنزله دون الأمد الأقصى في طلب دنيا. قال الأصمعي: ومن أمثالهم قولهم: ما زال منها بعلياء.
وكذلك " ما زال بعدها ينظر في خير ". يضرب للرجل يفعل فعله يبلغ بها الشرف والسناء.
стр. 60
باب الرجل النابه الذكر الرفيع القدر
قال أبو عبيد: من أمثالهم في مثل هذا: ما بوم حليمة بسر.
وكان هشام بن الكلبي يخبر أنها حليمة بنت الحارث بن أبي شمر، وكان حديثها أن أباها وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء، فأخرجت لهم طيبا في مركن فطيبتهم، وهي التي ذكر النابغة الذبياني في قوله:
تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى يوم قد جربن كل التجارب
يصف السيوف. وقد يضرب يوم حليمة لكل أمر متعالم مشهور. وقال أبو محمّد الأموي: من أمثالهم في الرجل النابه: ما يحجز فلان في العكم.
أي إنّه ليس ممن يخفى مكانه وأصله المتاع يغيب في الوعاء فيعكم، يقال منه: حجزته حجزا. قال: ومن أمثال العامة في هذا قولهم: هو أشهر من الفرس الأبلق.
ويروى عن عبيد الله بن الحر الجعفي إنّه دخل على عبيد الله بن زياد بعد مقتل الحسين بن علي ﵁، فقال له عبيد الله: خرجت مع الحسين فظاهرت علينا، فقال أبن الحر: لو كنت معه ما خفي مكاني. وقال النابغة الذبياني في الرجل النابه يمدح به بعض الملوك:
بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهم كوكب
стр. 61
وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم فيه قولهم: وهل يخفى على الناس النهار.
وكذلك وهل يجهل فلاناً إلاّ من يجهل القمر.
وقال ذو الرمة.
وقد بهرت فما تخفى على أحد ... إلاّ على أحد لا يعرف القمرا
ومن أمثالهم في شهرة القمر: إنَّ يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر.
وكان المفضل، فيما يحكى عنه، يذكر إنَّ أصله كان أنَّ رجلين تبايعا على غروب القمر صبيحة ثلاث عشرة، أيسبق غروبه طلوع الشمس أم يسبقه طلوعها، فمال قوم الذي ذكر أنَّ غروب القمر يسبق مع صاحبهم، فقال الآخر: إنكم تبغون علي، فقيل له: " إنَّ يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر " فذهبت مثلاً.
باب الرجل العزيز المنيع الذي يعز به الذليل ويذل به العزيز .
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: إنَّ البغاث بأرضنا يستنسر.
قال: والبغاث: الطير التي تصاد واحدتها بغاثة ويقال: بغاث واحد وجمعه بغاثان وقال الزبير بن بكار: البغاث: ذكر الرحم، وقال الشاعر:
стр. 62
كان بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطير اجتمعن على صقر
وقوله: يستنسر أي يصير نسرا فلا يقد على صيده، أي فكذلك نحن في عزنا، فمن جاءونا صار بنا عزيزاً. قال أبو عبيد: فإنَّ أرادوا أنَّ من ناوأنا ذل قالوا: لا حر بوادي عوفٍ.
يقول: كل من صار في ناحية خضع له وذل. وكان المفضل يخبر أنَّ المثل للمنذر بن ماء السماء، قاله في عوف من ملحم الشيباني، وذلك إنَّ المنذر كان يطلب زهير بن أمية الشيباني بذحل فمنعه عوف بن ملحم الشيباني، وأبى أنَّ يسلمه، فعندها قال المنذر: لا حر بوادي عوف، أي إنّه يقهر كل من حل بواديه، قال الزبير: وكان المنذر حلف ألا يتركه حتى يضع يده في يده فجاء به عوف، فوضع يده في يده، وقال: وما نذرك أبيت اللعن؟ قال: " لا حر بوادي عوف ". وكان أبو عبيدة يقول: هو عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وقد يقال: إنَّ قولهم: " لا حر بوادي عوف " إنّه كان يقتل الأسرى ولا يعتقهم. ومن أمثالهم في العز قولهم: تمرد مارد وعز الأبلق.
وكان المفضل يقول: هذا المثل للزباء الملكة، وكانت سارت إلى مارد حصن دومة الجندل، وإلى الأبلق حصن تيماء فامتنعا عليها، فعدها قالت: " تمرد مارد وعز الأبلق "، وقال أوس بن حارثة في العز: من قل ذل ومن أمر فل.
قوله: أمر يعني كثر وقوله: فل يعني إنّه يغلب من ناوأه ويفله بالكثرة والعز.
стр. 63
باب الرجل الصعب الخلق، والشديد اللجاجة
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: لتجدن فلانا ألوى بعيد المستمر.
وكان المفضل فيما بلغني عنه، يذكر أنَّ المثل للنعمان بن المنذر، قاله في خالد بن معاوية السعدي، ونازعه رجل عنده، فوصفه النعمان بهذه الصفة، فذهبت مثلا. وقال الأصمعي: ومثله قولهم: ما بللت من فلان بأفوق ناصلٍ.
وأصله السهم المكسور الفوق، الساقط النصل، يقول: فهذا ليس كذلك في الرجال، ولكنه كالسهم القوي. وقال الأصمعي: ومثله قولهم: ما بللت منه بأعزل وهو الذي لا سلاح معه ويقول: فهذا ليس كذلك ولكنك وجدته معدا. قال أبو عبيدة: ومثله قولهم: ما تقرن بفلان الصعبة.
أي إنّه يذل من ناوأه قال أبو محمّد سلمة: الذي نعرفه " بفلان تقرن الصعبة: قال أبو عبد الله الزبير: وهو عندي كذلك. قال الأصمعي: ومثله:
стр. 64
ما يقعقع لي بالشنان.
ومثله: لقد كنت ما أخشى بالذئب. وكنت أريد وما يقاد بي البعير.
قال ومثله: ما يصطلى بناره.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في صعوبة الخلق واللجاجة: لج فحج.
يضرب للرجل إذا بلغ من لجاجته إنَّ يخرج إلى شيء ليس من شأنه. وأصله أنَّ رجلاً لج في الغيبة عن أهله حتى خرج إلى حج وما يريد الحج.
باب الرجل النجيد يلقى قرنه في البسالة والنجدة
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: إنَّ كنت ريحا فقد لاقيت إعصاراً.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: الحديد بالحديد يفلح.
والفلح هو الشق، ومنه فلاحة الأرض، إنّما هو
стр. 65
شقها للحرث، ومثله " الحديد بالحديد يفل " ومنه قول الشاعر:
قومنا بعضهم يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد إلاّ الحديد
وكذلك قولهم: النبع يقرع بعضه بعضاً.
وهذا المثل لزياد، قاله في نفسه وفي معاوية. وقد ذكرنا حديثهما في غير هذا الموضع. ويقال في نحو هذا: رمى فلان بحجره.
أي يقرن مثله. وقد روينا في حديث صفين أنَّ معاوية لمّا بعث عمرو بن العاصي حكما مع أبي موسى جاء الأحنف بن قيس إلى علي بن أبي طالب، ﵁، فقال له: انك قد رميت بحجر الأرض، فأجعل معه أبن عباس، فانه لا يشد عقدة إلاّ حلها، فأراد علي إنَّ يفعل ذلك، فأبت اليمانية إلاّ إنَّ يكون أحد الحكمين منهم، فعند ذلك بعث أبا موسى.
باب الرجل تكون له نباهة الذكر ولا منظر عنده، أو يكون لا قديم له
قال الكسائي: من أمثالهم في هذا: إنَّ تسمع بالمعيدي خير من الله تعالى تراه.
قال أبو عبيد: كان الكسائي يدخل فيه " أنَّ " والعامة لا تذكر " أنَّ " ووجه الكلام ما قال الكسائي، وكان يرى التشديد في الدال فيقول: " المعيدي " وقال: إنّما هو تصغير رجل منسوب إلى معد، قال أبو عبيد: ولم أسمع هذا من غيره. وأخبرني أبن الكلبي أنَّ هذا المثل إنّما ضرب للقصعب بن عمرو النهدي، قال فيه النعمان بن المنذر، وهذا على المعنى من قال: قضاعة بن معد، لأن نهداً من قضاعة: وأما المفضل فحكي
стр. 66
عنه إنّه قال: للمنذر بن ماء السماء، قاله لشقة بن ضمرة التميمي ثم أحد بني نشهل بن دارم وكان سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه، فقال: " أنَّ تسمع بالمعيدي خير من أنَّ تراه " فأرسلها مثلا قال: فقال: شقة أبيت اللعن إنَّ الرجال ليسوا بجزرد، تراد منها الأجسام: إنّما المرء بأصغريه قلبه ولسانه.
فذهبت أيضاً مثلا، فأعجب المنذر ما رأى من عقله وبيانه، ثم سماه باسم أبيه، فقال: أنت ضمرة بن ضمرة.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في النباهة الذكر من غير قديم له قولهم: نفس عصام سودت عصاما.
أي إنّه شرف بهمته وقدره في نفسه، لا لقديم كان لآبائه، وهذا الذي تسميه العرب الخارجي، يريدون إنّه خرج من غير أولية كانت له، قال كثير في الخارجي:
أبا مروان لست بخارجي ... وليس قديم مجدك بانتحال
وقال أبو عبد الله الزبير في هذا يكون الرجل له مناظرون في نسبه، لهم شرف كشرفه، فيسودهم بفعاله وقال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الدميم الذي لا منظر له غير إنَّ فيه خصالاً محمودة قولهم:
стр. 67
هو قفا غادر شر.
قال: وأصله إنَّ رجلاً من بني تميم أجار قوماً، فأراد قومه أنَّ يأكلوهم، فمنعهم، فقالت امرأة لأبيها: أرني هذا الوافي: فأراها إياه، فلما أبصرت دمامته قالت: لم أر كاليوم قفا وافٍ فقال: هو قفا غادر شر. فذهبت مثلا، وقد يقال في هذا المثل: " هي قفا غادر شر " بالتأنيث.
باب الرجل ذي الدهاء والإرب
قال أبو زيد: ومن أمثالهم في هذا: - إنّه لتهر أهتار.
وإنّه لصل أصلال. وقال وأصله من الحيات، وشبه الرجل بها وفيه يقول النابغة الذبياني:
ماذا رزئنا به من حية ذكر ... نضاضة بالرزايا صل أصلال
قال أبو زيد: ومن أمثالهم في هذا أيضاً قولهم: إنّه لداهية الغبر.
ومنه قول الحرمازي يمحح المنذر لن الجارود:
стр. 68
أنت لها منذر من بين البشر ... داهية الدهر وصماء والغبر
وكذلك قولهم: إنّه لعضة من العضل.
قال أبو عبيد: وهو الذي تسميه العامة: باقعة من البواقع.
وروي عن عامر الشعبي إنّه كان يقول: الدهاة أربعة معاوبة وعمرو بن العاصي والمغيرة بن شعبة وزياد. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: إنّه لحول قلب.
وهذا المثل يروى عن معاوية إنّه قال عند موته: إنكم لتقلبون حولا قلباً، إنَّ وقي هول المطلع. قال الأصمعي: من أمثالهم في نحو هذا: فلان يعلم من حيث تؤكل الكتف.
قال أبو عبيد: هو قريب من تلك الأمثال، وليس هو بعينها، وقال الشاعر:
إني على ما ترين من كبري ... أعلم من حيث تؤكل الكتف
стр. 69
باب الرجل الفهم العالم بمغمضات الأمور .
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: إنّه لنقاب.
والنقاب: الرجل الفطن الذكي الفهم قال: ومنه أوس بن حجر:
كريم جواد أخو ماقط ... نقاب يحدث بالغائب
وروي عن الشافعي إنّه دخل على الحجاج بن يوسف فسأله عن فريضة من الجد فأخبره باختلاف الصحابة فيها حتى ذكر أبن عباس فقال الحجاج: إنَّ كان أبن عباس لناقباً فما قال فيها النقاب؟ فأخبره الشعبي يقوله. ويقال في نحو منه: إنّه لعض.
ومنه قول القطامي:
أحاديث من عاد وجرهم ضلة ... يثورها العضان زيد ودغفل
ويروى: ينورها وقوله: " زيد ودغفل " هما زيد بن الكيس النمري ودغفل الذهلي وكانا عالمي العرب بالأنساب الغامضة، والأنباء الخفية وإياهما عنى الكميت بقوله:
فما أبن الكيس النمري فيكم ... ولا انتم هناك بدغفلينا
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الفهم: خير الفقه ما حاضرت به.
يراد إنَّ خير الأمور ما جاءك عند موضع الحاجة
стр. 70
إليه، قال: ومعناه ها هنا الفطنة والفهم. قال: أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه، يريد هذا ومن أمثالهم في المكر: أمكر وأنت من الحديد!.
قال أبو عبيد: وهذا المثل لعبد الملك بن مروان، قاله لعمرو بن سعيد بن العاصي، وكان مكبلاً، فلما أراد قتله قال له: يا أمير المؤمنين إنَّ رأيت ألا تفضحني بأن تخرجني إلى الناس فتقتلني بحضرتهم فافعل، وإنّما أراد عمرو إذ قال له هذه المقالة إنَّ يخالفه في ما أراد فيخرجه: فإذا ظهر منعه أصحابه، وحالوا بين عبد الملك وبينه، ففطن له عبد الملك: فعندها قال: يا أبا أمية، أمكراً وأنت في الحديد! فذهبت مثلا لمن أراد أنَّ يمكر وهو مقهور.
باب الرجل الجزل الرأي الذي يستشفى بعقله ورأيه .
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: عنيته تشفي الجرب.
قال أبو عبيد: والعنية: شيء تعالج به الإبل إذا جربت فصارت مثلا لذي الرأي المجيد قال أبو عبد الله الزبير: العنية: القطران، ومنه قول الحباب أبن المنذر بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة عند أبي بكر ﵁:
стр. 71
أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب.
أراد المعنى الأول بعينه، إنّه يستشفى برأيي، وقد فسرناه في غريب الحديث. وقال الأصمعي: ومثله قولهم: إنّه لجذل حكاكٍ.
وهو معنى كلام الحباب بن المنذر ويقال لمثل هذا: إنّه لذو بزلاء.
ومنه قول الشاعر:
إني إذا شغلت قوما فروجهم ... رحب المسالك نهاض ببزلاء
قال الأصمعي: ومن أمثالهم قولهم له:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلاّ ليعلما
قال أبو عبيد: يقال في هذا المثل: إنّه قيل في عامر بن الظرب العدواني، وكان حكم العرب في الجاهلية: فكبر حتى أنكر عقله، فقال لبنيه: إذا أنا زغت فقوموني، فكان إذا زاغ قرع له بالعصا على قدح: فينتبه فينزع عن ذلك، ويقال: إنَّ هذه القصة لأكثم بن صيفي، وقال بعضهم: إنَّ
стр. 72
أوّل من قرعت له العصا سعد بن مالك الكناني.
باب الرجل المصيب بالمظنون حتى كأنه يرى الظن عياناً
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: إنّه لألمعي.
ومنه قول أوس بن حجر: الألمعي الذي يظن لك الظن كأنَّ قد رأى وقد سمعا ويروى في حديث مرفوع إنّه قال: لم تكن أمة إلاّ كان فيها محدث، فإنَّ يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر، قيل: وما المحدث؟ قال: الذي يرى الرأي، ويظم الظن فيكون كما رأى وكما ظن وجاءنا عن عمر إنّه قال: ما خاف عمر أمراً قط أنَّ يقع إلاّ وقع. ويقال في بعض الحكمة: من لم ينتفع بظنه لم ينتفع بيقينه.
وسئل بعض حكماء العرب: ما العقل؟ فقال: الإصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان. ومن هذا مقالة عمرو بن العاصي، وكان قد اعتزل الناس في آخر خلافة عثمان، فلما بلغه حصره ثم قتله قال: أنا أبو عبد الله.
إني إذا حككت قرحة أديمها .
ويقال: نكاتها يعني إنّه قد كان يظن هذا الأمر واقعا، فكان كما ظن، ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا:
стр. 73
الأمور تشابه مقبلةً ولا يعرفها إلا ذو الرأي، فإذا أدبرت عرفها الجاهل كما يعرفها العاقل.
ومنه قال الشاعر:
تشابه أعناق الأمور بوادياً ... وتظهر في أعناقها حين تدبرُ
باب الرجل المجرب الذي قد جرسته الأمور وأحكمته .
قال أبو زيد والأصمعي جميعاً غي مثل هذا: إنه لشراب بأنقع.
أي أبه معاود للخير والشر، قال أبو عبيد: وحدثني بعض علمائنا بهذا المثل عن أبن جريج إنّه قاله في معمر بن راشد، وكان أبن جرج من أفصح الناس، وكان أخبرني عنه يحيى بن سعيد. وقال أبو عمرو الشيباني في مثل هذا: قد حلب فلان الدهر اشطره.
أي إنّه قد اختبر الدهر شطرين من خير وشر. قال أبو
стр. 74
عبيد: وأصله من حلي الناقة، يقال: حلبت شطرها، أي نصفها، وذلك إذا حلب خلفين من أخلافها، ثم يحلبها الثانية خلفين أيضاً فيقول: حلبتها شطرين، ثم يجمع فيقول: أشطر. وقال الأصمعي: ويقال في نحو منه: فلان مودم مبشر.
وهو الذي قد جمع ليناً وشدة مع المعرفة بالأمور، قال: واصله من أدمة الجلد وبشرته، فالبشرة: ظاهره، وهو منبت الشعر، والأدمة: باطنه، وهو الذي يلي اللحم قال فالذي يراد منه إنّه قد جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، وجرب الأمور. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في التجارب قولهم: لا تغز إلاّ بغلام قد غزا.
يقول: لا يصحبنك إلاّ رجل له تجارب، فانه أعلم بما يصلحك من هذا الغر الجاهل بالأمر. قال أبو عبيد: في بعض الأمثال.
التجارب ليست لها نهاية، والمرء منها في زيادة .
وروينا عن عمر بن الخطاب إنّه قال: يحتلم الغلام لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين وعقله لسبعٍ وعشرين إلاّ التجارب. فجعل عمر التجارب لا غلية لها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التجارب.
قد ألنا وإيل علينا .
أي قد سنا وساسنا غيرنا، وهذا المثل يروى أنَّ زياداً قاله في خطبته. ويقال في مثله أيضاً: رجل منجد.
قال: وأنشدني الأصمعي فيه بيتاً والشعر لسحيم بن وثيل الرياحي:
стр. 75
أخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجذني مداورة الشؤون
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: أول الغزو أخرق.
يضرب في قلة التجارب.
باب الرجل الذي قد حنكته السن مع الحزامة والعقل .
الأصمعي قال: من أمثالهم في هذا: زاحم بعودٍ أو دع.
يقول: لا تستعن على أمورك إلاّ بأهل السن والمغرفة، وقال أبو عبيد: وأصل العود في الإبل، وهو الذي جاز في السن البازل والمخلف. ومنه في نحو هذا: جرى المذكيات غلاب.
قال ذلك الأصمعي، وفسره أنه في الخيل المسان. قال: وذلك لأنها أقوى من الجذاع، فهي تحتمل أن تغالب الجري غلابا. وقال أبن الكلبي: هذا المثل لقيس بن زهير بن جذيمة، قاله لحذيفة بن بدر عند الرهان الذي كان بينهما في داحس والغبراء، وحذيفة القائل له أيضاً في هذا الرهان: خدعتك يا قيس، فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من المائة.
يعني مائة غلوة، فذهبت كلمتاه مثلين قال أبو عبيد: وقال حارثة بن سراقة الكندي حين منعوا الصدقة أيام الردة:
يمنعها شيخ بخديه الشيب ... لا يحذر الريب إذا خيف الريب
следующие страницы →