← Адаб

Адаб · id 135

الأمثال - أبو عبيد

أبو عبيد القاسم بن سلام

Полный текст (357 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب. أراد المعنى الأول بعينه، إنّه يستشفى برأيي، وقد فسرناه في غريب الحديث. وقال الأصمعي: ومثله قولهم: إنّه لجذل حكاكٍ. وهو معنى كلام الحباب بن المنذر ويقال لمثل هذا: إنّه لذو بزلاء. ومنه قول الشاعر: إني إذا شغلت قوما فروجهم ... رحب المسالك نهاض ببزلاء قال الأصمعي: ومن أمثالهم قولهم له: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلاّ ليعلما قال أبو عبيد: يقال في هذا المثل: إنّه قيل في عامر بن الظرب العدواني، وكان حكم العرب في الجاهلية: فكبر حتى أنكر عقله، فقال لبنيه: إذا أنا زغت فقوموني، فكان إذا زاغ قرع له بالعصا على قدح: فينتبه فينزع عن ذلك، ويقال: إنَّ هذه القصة لأكثم بن صيفي، وقال بعضهم: إنَّ

стр. 72

أوّل من قرعت له العصا سعد بن مالك الكناني. باب الرجل المصيب بالمظنون حتى كأنه يرى الظن عياناً قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: إنّه لألمعي. ومنه قول أوس بن حجر: الألمعي الذي يظن لك الظن كأنَّ قد رأى وقد سمعا ويروى في حديث مرفوع إنّه قال: لم تكن أمة إلاّ كان فيها محدث، فإنَّ يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر، قيل: وما المحدث؟ قال: الذي يرى الرأي، ويظم الظن فيكون كما رأى وكما ظن وجاءنا عن عمر إنّه قال: ما خاف عمر أمراً قط أنَّ يقع إلاّ وقع. ويقال في بعض الحكمة: من لم ينتفع بظنه لم ينتفع بيقينه. وسئل بعض حكماء العرب: ما العقل؟ فقال: الإصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان. ومن هذا مقالة عمرو بن العاصي، وكان قد اعتزل الناس في آخر خلافة عثمان، فلما بلغه حصره ثم قتله قال: أنا أبو عبد الله. إني إذا حككت قرحة أديمها . ويقال: نكاتها يعني إنّه قد كان يظن هذا الأمر واقعا، فكان كما ظن، ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا:

стр. 73

الأمور تشابه مقبلةً ولا يعرفها إلا ذو الرأي، فإذا أدبرت عرفها الجاهل كما يعرفها العاقل. ومنه قال الشاعر: تشابه أعناق الأمور بوادياً ... وتظهر في أعناقها حين تدبرُ باب الرجل المجرب الذي قد جرسته الأمور وأحكمته . قال أبو زيد والأصمعي جميعاً غي مثل هذا: إنه لشراب بأنقع. أي أبه معاود للخير والشر، قال أبو عبيد: وحدثني بعض علمائنا بهذا المثل عن أبن جريج إنّه قاله في معمر بن راشد، وكان أبن جرج من أفصح الناس، وكان أخبرني عنه يحيى بن سعيد. وقال أبو عمرو الشيباني في مثل هذا: قد حلب فلان الدهر اشطره. أي إنّه قد اختبر الدهر شطرين من خير وشر. قال أبو

стр. 74

عبيد: وأصله من حلي الناقة، يقال: حلبت شطرها، أي نصفها، وذلك إذا حلب خلفين من أخلافها، ثم يحلبها الثانية خلفين أيضاً فيقول: حلبتها شطرين، ثم يجمع فيقول: أشطر. وقال الأصمعي: ويقال في نحو منه: فلان مودم مبشر. وهو الذي قد جمع ليناً وشدة مع المعرفة بالأمور، قال: واصله من أدمة الجلد وبشرته، فالبشرة: ظاهره، وهو منبت الشعر، والأدمة: باطنه، وهو الذي يلي اللحم قال فالذي يراد منه إنّه قد جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، وجرب الأمور. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في التجارب قولهم: لا تغز إلاّ بغلام قد غزا. يقول: لا يصحبنك إلاّ رجل له تجارب، فانه أعلم بما يصلحك من هذا الغر الجاهل بالأمر. قال أبو عبيد: في بعض الأمثال. التجارب ليست لها نهاية، والمرء منها في زيادة . وروينا عن عمر بن الخطاب إنّه قال: يحتلم الغلام لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين وعقله لسبعٍ وعشرين إلاّ التجارب. فجعل عمر التجارب لا غلية لها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التجارب. قد ألنا وإيل علينا . أي قد سنا وساسنا غيرنا، وهذا المثل يروى أنَّ زياداً قاله في خطبته. ويقال في مثله أيضاً: رجل منجد. قال: وأنشدني الأصمعي فيه بيتاً والشعر لسحيم بن وثيل الرياحي:

стр. 75

أخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجذني مداورة الشؤون قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: أول الغزو أخرق. يضرب في قلة التجارب. باب الرجل الذي قد حنكته السن مع الحزامة والعقل . الأصمعي قال: من أمثالهم في هذا: زاحم بعودٍ أو دع. يقول: لا تستعن على أمورك إلاّ بأهل السن والمغرفة، وقال أبو عبيد: وأصل العود في الإبل، وهو الذي جاز في السن البازل والمخلف. ومنه في نحو هذا: جرى المذكيات غلاب. قال ذلك الأصمعي، وفسره أنه في الخيل المسان. قال: وذلك لأنها أقوى من الجذاع، فهي تحتمل أن تغالب الجري غلابا. وقال أبن الكلبي: هذا المثل لقيس بن زهير بن جذيمة، قاله لحذيفة بن بدر عند الرهان الذي كان بينهما في داحس والغبراء، وحذيفة القائل له أيضاً في هذا الرهان: خدعتك يا قيس، فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من المائة. يعني مائة غلوة، فذهبت كلمتاه مثلين قال أبو عبيد: وقال حارثة بن سراقة الكندي حين منعوا الصدقة أيام الردة: يمنعها شيخ بخديه الشيب ... لا يحذر الريب إذا خيف الريب

стр. 76

فامتدح ها هنا السن وقال آخر في طعنة طعنها رجلاً: فلم أرقه إنَّ ينج منها وإنَّ يمت ... فطعنه لا غس ولا بمغمر فالغس: اللئيم، والغمر الذي لا تجارب له ولا سن، يقول: فلست كذلك ولكني ذو تجارب وذو سن، ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ إنّه قال: رأى الشيخ خير من مشهد الغلام. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم القديمة. إنَّ العوان لا تعلم الخمرة . والعوان هي امرأة الثيب، ويقول: فتلك قد عرفت كيف تخمر، لا تحتاج إلى أنَّ تعلم، وكذلك الرجل المسن المجرب. ومن أمثالهم في نعت الرجل الحازم. إذا تولى عقداً أحكمه . ومنه قول الشاعر: وما عليك أنَّ يكون أزرقا ... إذا تولى عقد شيء أوثقا باب الرجل الغيران الدافع عن حرمته مع ذكر ما يخاف من الفتنة فيهن . قال الأصمعي: من أمثالهم في منع الحرمة: الفحل يحمي شوبة معقولاً. ويقول: إنَّ الحر قد يحتمل الأمر الجليل، ويحمي حريمه وإنَّ كانت به علة. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم:

стр. 77

الخيل تجري على مساويها. يقول: إنّها، وإنَّ كانت بها أوصاب وعيوب، فإنَّ كرمها مع هذا يحملها على الجري، فكذلك الحر من الرجال، يحمي حريمه على ما فيه من علةٍ. وقال أبو زكرياء الفراء: من أمثالهم في الحمية عند ذكر الحرم قولهم: كل شيء مهه ما النساء وذكرهن. أي إنَّ الحر يحتمل كل شيء، حتى يأتي ذكر حرمته فيمتعض حينئذ، ولا يحتمله ومعنى المهه اليسير، ويقول: كل شيء جلل هين عند هذا. وفي هذا لغتان: مهه مهاه. وقال أبو عبيد: وهذه الهاء إذا اتصلت بكلام لم تصر تاء، إنّما تكون التاء في الاتصال إذا أرادوا بالمهاة البقرة وقال عمران بن حطان: فليس لعيشنا هذا مهاه ... وليس دارنا هاتا بدار وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الحرم: إنّما النساء لحم على وضم إلاّ ما ذب عنه. وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب ﵁، وهو القائل: لا تخلون رجل بمغيبة وإنَّ قيل: حموها ألا حموها الموت. والحم: أبو الزوج. وقال أوس بن حارثة لأبنه مالك، من كرم الكريم

стр. 78

الدفع عن الحريم. وكان من كلام أبجر بن جابر العجلي لأبنه حجار: يا بني، أحسن القوم بقية الصابر عند الحقائق والذائذ عن الحرمة. وقال بعض حكماء العرب ما فجر غيور قط . يقول: إنَّ الغيور هو الذي يغار على كل أنثى. ويقال كل ذات صدار خالة . وكان المفضل يقول: إنَّ صاحب هذا المثل همام بن مرة الشيباني. وقد روينا في حديث مرفوع إنّه قال ﷺ لأصحابه: " أي شيء خير للنساء؟ " فلم يدروا ما يقولون، فرجع علي ﵁ إلى فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فأخبرها بمقالة النبي ﵇، فقالت فاطمة ﵂: " أنَّ لا يراهن الرجال ولا يرينهم " فبلغ ذلك رسول ﷺ فقال: " إنّها بضعة مني " وقال عبد الله بن مسعود: النساء حبائل الشيطان. فجعل الحبالة التي تنصب للصيد مثلاً للنساء والرجال وقال عبادة بن الصامت: ألا ترون إني لا أقوم إلاّ رفداً، ولا آكل إلاّ ما لوق لي، وإنَّ صاحبي لأصم أعمى، وما سرني إني خلوت بامرأة. وقد فسرنا في غريب الحديث. ويروى عن

стр. 79

عمر أيضاً إنّه قال: ما بال رجل لا يزال أحدهم كاسراً وساده عند امرأة مغزية، يتحدث إليها وتحدث إليه، عليكم بالجبنة فإنّها عفاف، إنّما النساء لحم على وضم إلاّ ما ذب عنه. باب الرجل يدخله الأنفة من صاحب من يرغب عن صحبته . قال أبو عبيد: جاء الأثر عن بعض أهل العلم: لا تصحب من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له. وقال الأصمعي: من أمثالهم في نحو هذا: خل سبيل من وهى سقاؤه. أي إذا كره صحبتك، ولم يستقم لك فدعه وازهد فيه كزهده فيك. قال الأصمعي بعض هذا الكلام. وكذلك قولهم: خله درج الضب. قال أبو عبيد: ومثله قولهم: إنّما يضن بالصنين. قاله الأغلب بن جشعم العجلي. ومعناه: تمسك باخاء من تمسك بإخائك، ومثله قول لبيد بن ربيعة.

стр. 80

فأقطع لبانة من تعرض وصله ... ولخير واصل خلةٍ صرامها ومثله في أشعارهم كثير. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في مثله: دع امرأ وما اختار. ومنه قولهم: ألق حبله على غاربه. وأصله الناقة إذا أرادوا إرسالها للرعي جعلوا جدليها على الغارب، ولا يترك ساقطا فيمنعها من المرعى يقول: فدع هذا يذهب حيث شاء إذ كره معاشرتك. قال أبو عبيد: والعامة تقول في مثل هذا المثل: لو كرهتني يدي ما صحبتني. باب الرجل يأبى الضيم فيأخذه حقه قسرا إذا أعياه الرفق . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا. مجاهرة إذا لم أجد مختلاً . يقول: أخذت حقي علانية قهرا إذ لم أصل إليه في

стр. 81

العافية والستر قال أبو عبيد: ويقال في نحو منه: حلبتها بالساعد الأشد. أي حين لم أقدر على الرفق أخذته بالقوة والشدة. وقال بعض الأعراب يمدح رجلا؟: فتى لا يحب الزاد إلاّ من التقى ... ولا مال إلاّ من قنا وسيوف وقال زهير بن أبي سلمى: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومنه قول أوس بن حارثة لأبنه مالك: يا مالك، التجلد ولا التبلد، والمنية ولا الدنية. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الضيم: من عز بز. ويروى عن المفضل إنّه قال: هذا المثل لجابر بن رالان الطائي مع صاحبين له، فأمرهم إنَّ يقترعوا فقرعهم جابر، فخلى المنذر سبيله، وأمر بصاحبيه أنَّ يقتلا، فعندها قال: جابر: " من غز بز " فذهبت مثلا. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا:

стр. 82

يركب الصعب من لا ذلول له. يضرب في الرجل يحمل نفسه على الشدائد إذا لم يجد ما يريد في العافية. باب الرجل يطيل الصمت حتى يحسب مغفلا وهو ذو النكراء . قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: مخرنبق لينباع. والمخرنبق: المطرق الساكت، وقوله: لينباع ليثب إذا أصاب فرصته والمنباع: المنبعث، فمعناه إنّه سكت لداهية يريدها. وكان أبو عبيدة يقول: مخرنبق لينباق قال الأصمعي: ومثله أو محوه قولهم: تحسبها حمقاء وهي باخس. وقال الأحمر: يقال مثله: تحقره وينتأ. أي انك تزدريه لسكوته، وهو يجاذبك. قال أبو عبيد: وهذا نحو المثل الذي تكلم به العامة: خبره في جوفه. أي انك تحقره في المنظر، وتأتيك أنباؤه بغير ذلك. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا. هو أحمق بلغ . يقول: إنّه مع حمقه يبلغ حاجته.

стр. 83

باب الرجل الجلد المصحح الجسم . قال الأصمعي: من أمثالهم في جلادة الرجل. أطرى فأنك ناعلة . أي راكب الأمر الشديد فانك قوي عليه. قال: وأصل هذا إنَّ رجلاً قال لراعية له، وكانت ترعى في السهولة، وتترك الحزونة: أطرى أي خذي طرر الوادي، وهي نواحيه " فإنك ناعلة " أي فإن عليك نعلين. قال أبو عبيد: أحسبه يعني بالنعلين غلظ جلد قدميها قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الجلادة: لألحقن قطوفها بالمعناق. يعني فيما يتبعها به من شدة السير بجلادته وقوته. قال: ومثله قولهم: بيدين ما أوردها زائدة. وقال أبو عمرو الشيباني: من أمثالهم في صحة الجسم قولهم: به داء ظبيٍ. وقال: ومعناه إنّه ليس به داء، كما إنّه لا داء بالظبي. قال أبو عبيد: وهو نحو قول النابغة: ولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب قال أبو عبيد: فقلت لأبي عمرو: إنَّ بعضهم يقول: داء الظبي إنّه أراد أن يثب كانت له وقفة

стр. 84

قبل وثبته، فقال: ليس هذا بشيء إنّما أراد أنه لا داء هناك به. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التجلد: ليتني وفلاناً يفعل بنا كذا وكذا حتى يموت الأعجل. وقال: المثل لأغلب العجلي في شعر له: " ضرباً وطعناً أو يموت الأعجل " وقد تكلم به بعض الصحابة في كلام له. قال أبو عبيد: وقد حكى بعض العلماء أنَّ من أمثالهم: الشجاع موقى. ويقال: إنه احنين بن خشرم السعدي. ويقال للشاب القوي: كأنما قد سيره الآن. أي كأنما ابتدئ شبابه اليوم. باب الرجل المقدام على الأهوال والمخاوف والحث على ذلك . قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: اكذب الناس إذا حدثتها. ومعناه الرجل يهم بركوب أمر جسيم، يقول: فلا

стр. 85

تحدث نفسك بأنك لا تظفر، فإنَّ ذلك يثبطك عن السمو إلى النعالي الأمور، ولكن حدث نفسك بالظفر لتشيعك نفسك على ماتريد، ومنه قول لبيد بن ربيعة: ز اكذب النفس إذا حدثتها ... إنَّ صدق النفس يزري بالأمل وكان بعض علمائنا من أهل العربية يحدث عن بشار المرعث أنه سئل: أي بيت قالت العرب اشعر؟ فقال: إنَّ تفضيل بيت واحد على الشعر كله لشديد، ولكن أحسن لبيد، ثم ذكر بيته هذا قال: ومثله قول الآخر: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانباً سأغسل عني العار بالسيف جليباً ... على قضاء الله ما كان جالباً وقال الثالث: أمض الهموم ورام الليل عن عرضٍ ... بذي سبيبٍ يقاسي ليله خببا حتى تمول مالاً أو يقال فتىٍ ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا باب الرجل يكون ذا عز ثم يحور عنه . قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا:

стр. 86

كان حماراً فاستأتن. أي صار أتاناً بعد أن كان حماراً. يضرب للرجل يهون بعد العز ومثله: أودى العير إلاّ ضرطاً. أي لم يبق من قوته وجلده شيء غير هذا. ومثله قولهم: حور يقال محارةٍ. قال أبو عبيد: وروينا عن النبي) " أنه كان يتعوذ من الحور بعد الكون " ويروى " بعد الكور " وقد فسرناه في غريب الحديث. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الرجل يذكر هذا المعنى عن نفسه: لقد كنت وما يقاد بي البعير. قال أبو عبيد: وأنبئت أنَّ المفضل كان يخبر عن هذا المثل أنه لسعد بن زيد مناة بن تميم، وكان بلغ به الخوف هذه المنزلة. قال أبو عبيد: وقال بعض المعمرين يذكر ما صار إليه: والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا

стр. 87

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الذي يتعزز ثم يذل قولهم: تنز وتلين. وهذا مثل مبتذل في العامة. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الذل بعد العز قولهم: الحمى أضرعتني لك. إذا ذل للحاجة تنزل به. قال: ومن أمثالهم في الذي قد أدبر وولى ولم يبق من عمره إلاّ اليسير: ما بقى منه إلاّ قدر ظمء الحمار. قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن مروان بن الحكم أنه قال في الفتنة: الآن لمّا نفد عمري فلم يبق منه إلاّ مثل ظمء الحمار صرت أضرب الجيوش بعضهم ببعض. ويقال: إنه ليس شيء من الدواب أقصر ظمأً من الحمار. قال أبو عبد الله الزبير في الإظماء: أطول إظماء الإبل الخمس، والحمار لا يقوى على أكثر من الغب، والفرس يسقى ظاهرةً، وهو ورد كل يوم، والرفه أن تقرب من الماء فتشرب كلما شاءت. باب الرجل يكون ذا مهانةٍ ثم ينتقل إلى العز . قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا:

стр. 88

كان فلان كراعاً فصار ذراعاً. وهذا المثل يروى عن أبي موسى الأشعري، قاله في بعض القبائل. وقال مؤرج في هذا المثل: عنز استتيست. أي صارت تيسا بعد أن كانت عنزا. يضرب للرجل يعز بعد الذل. قال الأصمعي في مثله: لكن بشعفين أنت جدود. وهي القليلة اللبن. قال: واصله أن امرأة أخصبت بعد هزل، فذكرت درة لبنها ففخرت به، فقيل لها: لكن بشعفين لم يكوني كذلك وهو اسم موضع كانت به. وقال الأصمعي في نحو منه: صار خير قويسٍ سهماً. أي صار إلى الحال الجميلة بعد الخساسة. ويقال في نحو منه:

стр. 89

غلبت جلتها حواشيها. وأصل هذا في الإبل فالجلة: مسانها، والحواش: صغارها ورذالها، يقول: فقويت هذه وعظمت بعد أن كانت خساسا حتى علت ذوات الأسنان والشحوم. باب الرجل المسن يؤدب بعد العسو أو يكون مذموماً. يخلف بعد الرجل المحمود قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: عود يقلح. قوله: " يقلح " يعني أن تحسن أسنانه مثال تنقى. قال أبو عبيدة في مثله: ومن العناء رياضة الهرم. قال أبو عبيد: ومثله قولهم: عودٌ يعلم العنج. وهو الرياضة، قال الشاعر: إنَّ الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا تلين إذا قومتها الخشبُ وقال أبو زيد في نحوه: أعييتني بأشر فكيف بدردر. يقول: لم تقبلي الأدب وأنت شابة ذات أشر في

стр. 90

أسنانك، فكيف الآن وقد أسننت حتى بدت درادرك، وهي مغارز الأسنان. والأشر: تحدد ورقة في الأسنان، لا من كبر، يكون ذاك للأحداث. قال: ومثله: أعييتني من شب إلى دب. أي من لدن شببت إلى أن دببت هرماً. وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المذموم يخلف بعد المحمود قولهم: بدل أعور. ومنه قول أبن همام السلوي لقتيبة بن مسلم، وولي خراسان بعد يزيد بن المهلب فقال: اقتيب قد قلنا غداة أتيتنا ... بذل لعمرك من يزيدٍ أعورُ باب الرجل الذليل المستضعف قال أبو عبيد: من أمثالهم في الذليل: لقد ذل من بالت عليه الثعالبُ. قال أبو عبيد: وأصل هذا فيما بلغنا أنَّ رجلاً من العرب كان يعبد صنماً، فنظر يوماً إلى ثعلب جاء حتى بال عليه فقال: أربٌّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالبُ ومن وصفهم الرجل بالذل قولهم. ما بالعير من قُمَاصٍ . وقد يقال " قَمِاص " قال أبو زيد: ز من هذا قولهم:

стр. 91

أهون مظلومٍ سقاءٌ مروبٌ. قال: واصله السقاء يلف حتى يبلغ أوان المخض. ونحو منه قولهم: أهون مظلومٍ عجوزٌ معقومة. وقال أوس بن مالك لابنه مالك: من قل ذل، ومن أمر فل. قوله: " أمر " يعني كثر ويقال: فلان ما يعوى ولا ينبح. يقول: من ضعفه ليس يعتد به، ولا يكلم بخير ولا شر باب الرجل الذليل يستعين بمثله في الذل . قال أبو زيد في استعانة الرجل الذليل بآخر مثله: مثقل استعان بذقنه. واصله البعير يحمل الحمل الثقيل فلا يقدر على النهوض، فيعتمد بذقنه على الأرض. وقال أبو عبيد: يقال: بذقنه وبدقنه جميعاً. ومثله قولهم: عبد صريخه أمه. أي ناصره أذل منه. ويقال في نحو منه:

стр. 92

استعنت عبدي فاستعان عبدي عبده. وقولهم: العبد من لا عبد له. فيه بعض الأول، وليس هو بعينه. ومن أمثالهم في العبد أيضاً: هو العبد زلمةً. ومعناه اللئيم قال الزبير: " هو العبد زنمةً " بالنون عندي أشبه، لقول الله :) عتلٍّ بعدَ ذلكَ زنيمٍ (هو في القوم، وليس منهم. والعتل: الذي يتفلت على القتال.

стр. 93

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله باب الرجل الأحمق المائق قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: عدو الرجل حمقه وصديقه عقله. وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الأحمق قولهم: خرقاء عيابةٌ. أي إنه أحمق، وهو مع هذا يعيب غيره. قال أبو عبيد: فإذا اشتد موق الرجل وحمقه قيل: ثأطةٌ مدت بماءٍ. والثأطة: الحمأة، فإذا أصابها الماء ازدادت فساداً ورطوبة قال أبو عبيد: ومن أمثالهم السائرة في الحمق قولهم: معاداة العقل خير من مصادقة الأحمق. قال أبو عبيد: فإذا كان يبلغ حاجته مع حمقه قيل:

стр. 94

أحمق بلغ. ومن أمثالهم في في الأحمق أيضاً قولهم: خامري أم عامر. وهي الضبع يشبه بها الأحمق. ويروى عن عليٍّ ﵇ أنه قال: لا أكون مثل الضبع؛ تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد. وهي، زعموا من أحمق الدواب، يدخل عليها فيقال: ليست هذه أم عامر حتى تجر برجلها فتؤخذ. باب الرجل تعرض عليه الكرامة فيختار الهوان عليها . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: تجنب روضةً وأحال يعدو. أي ترك الخصب، واختيار عليه الشقاء. قال: وقال أبو زيد في مثله: لا يعجز مسك السوء عن عرف السوء. وقد يكون هذا بالمعنى الأول ويكون في الذي يكتم لؤمه وهو يظهر غيره. ومعناه في الأصل أنه لا يكون جلد رديء إلاّ والريح المنتنة موجودة منه. قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا.

стр. 95

قيل للشقي هلم إلى السعادة، فقال: حسبي ما أنا فيه . قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: لا يعدم شقي مهيراً. أي إنَّ من الشقاء معالجة المهارة، وهذا قد ابتلى بحبها يقاسيها. باب الرجل تريد إصلاحه وقد أعياك أبوه قبله وصفة الصغار . قال أبو زيد: يقال في مثل هذا: كيف بغلامٍ قد أعياني أبوه! يقول: أنت لم تستقم لي، فكيف يستقيم لي ابنك وهذا دونك! وقال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: لا تقتن من كلب سوءٍ جرواً. وقال الشاعر في ذلك: ترجو الوليد وقد أعياك والده ... وما رجاؤك بعد الوالد الولدا قال الأصمعي: ومن أمثالهم: اصغر القوم شفرتهم. يعني خادمهم باب الرجل الواهن العزم الضعيف الرأي المخلط في الحديث قال أبو عبيد: من أمثالهم في الوهن الضعيف قولهم:

стр. 96

ماله بذم. وماله صيور. وماله أكل. أي ليس له رأي ولا قوة. قال: وأخبرني الأصمعي أنَّ أعرابياً طلب ثوباً من تاجر فقال: أعطني ثوبا له أكل، يعني قوة وحصافة. ومن أمثالهم في وصف الرجل بضعف الرأي قولهم: هو إمعة. وهذا الحرف يروى عن أبن مسعود، وقد فسرناه في موضعه. وكذلك. رجل إمرة . ومن أغرب ما جاء في هذا الباب قولهم: هو بنت الجبل. ومعناه الصدى يجيب المتكلم بين الجبال، ويقولون: هو مع كل متكلم، كما أنَّ الصدى يجيب. كل ذي صوت بمثل كلامه. قال أبو عبيد ولا أدري ممن سمعت هذا. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في المخلط: كل نجار ابل نجارها. يعني إنَّ فيه كل لون من الأخلاق، وليس له رأى يثبت عليه

стр. 97

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التخليط: قد استنوق الجمل. وهو الرجل يكون في حديث أو في صفة شيء، ثم يخلط ذلك بغيره، وينتقل إليه. وكان بعض العلماء يخبر أنَّ هذا المثل لطرفة بن العبد، وكان أصله أنه كان عند بعض الملوك وشاعر ينشد شعرا في وصف جمل، ثم حوله إلى نعت ناقة، فقال طرفة عندها: " استنوق الجمل " وقد يقال ذلك لرجل يظن به إنّه عنده غناءً، من الشجاعة وجلد، ثم يكون الأمر على خلاف ذلك، وانشد للكميت: هززتكم لو أنَّ فيكم مهزة ... وذكرت ذا التأنيث فأستنوق الجمل باب الرجل يكون ضاراً لا نفع عنده . قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم: المعزى تبهى ولا تبنى. قال أبو عبيد: وأصل هذا إنَّ المعز ليس تكون منها الأبنية، وهي بيوت الأعراب، وإنّما تكون أخبيتهم من الوبر والصوف، ولا تكون من الشعر، والمعز مع هذا ربما صعدت الخباء فخرقته، فلذلك قولهم: " تبهي " يقال: أبهيت البيت أبهيه، إذا خرقته، وهو بيت مبهى، فإذا أردت إنّه انخرق هو قيل: بيت باهٍ. قال أبو عبيد: وكان بعض علمائنا ينشد هذا البيت في الرجل يكون ضاراً لا نفع عنده:

стр. 98

إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يرجى الفتى كيما يضر وينفعا باب ذكر الجليس السوء وما يتقى من مجالسته وخلطته . قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة في القديم والحديث قولهم: الوحدة خير من جليس السوء. وقولهم: مثل جليس السوء كالقين، إنَّ لا يحرق ثوبك بشراره يؤذيك بدخانه. ومنه قول مصعب بن سعد بن أبي وقاص: لا تجالسن مفتونا فانه لا تخطئك منه إحدى خليتين، إما أنَّ يفتنك فتتبعه، وأما أنَّ يؤذيك قبل أنَّ تفارقه. وكذلك قول أبى قلابة: لا تجالسوا أصحاب الأهواء فإني لا أمن أنَّ يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ومنه حديث عمر بن الخطاب إنّه كتب إلى موسى الأشعري وأهل البصرة في صبيغ " أنَّ لا تجالسوه " قال أبو عبيد: والحديث في نحو هذا كثير. باب الرجل يكون ذا منظر ولا خبر عنده أو يكون ذا خبرٍ ولا منظر له . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل. هذا مثلهم في ذي المنظر ولا

стр. 99

خبر عنده، فأما مثلهم في ذي الخبر ولا منظر له فقولهم: أنكحيني وانظري، أي إنَّ لي خبراً محموداُ وإنَّ لم يكن لي منظر. قال: وأخبرني أبن الكلبي إنَّ عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث دخل على الحجاج فقال له الحجاج: انك لمنظراني، فقال عبد الرحمن: نعم أيّها الأمير، ومخبراني

стр. 100

بسم الله الرحمن الرحيم أمثال الجماعات من الأقوام وأنبائهم وحالاتهم باب ذكر أخلاق الناس في اجتماعهم وافتراقهم قال الأصمعي: يقال في أمثالهم: لن يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا. قال الأصمعي: وقال أبو عمرو بن العلاء: ما أشد ما هجا القائل: سواسية كأسنان الحمار. قال أبو عبيد: ومثله قولهم: سواء كأسنان المشط. قال أبو عبيد: وأحسب قولهم: " إذا تساووا هلكوا " لن الغالب على الناس الشر، وإنّما يكون الخير في النادر من الرجال لعزته، فإذا كان التساوي فإنما هو في السوء. وقال أبو زيد. ومن أمثالهم في هذا أيضاً قولهم: القوم إخوان وشتى في الشتيم ... وكلهم بجمعهم بيت الأدم معناه انهم، وإنَّ كانوا مجتمعين بالشخوص والأبدان، فأن شيمتهم وأخلاقهم مختلفة.

стр. 101

وقوله: " بيت الأدم " قالوا: هو الأرض، وقالوا: آدم الذي يلتقون إليه في النسب، قال: وقالوا: بيت الإسكاف، فيه من كل جلد رقعة. وقال الأصمعي في نحو هذا: شتى تووب الحبلة. قال: وأصله يوردون ابلهم الشريعة أو الحوض معا، فإذا صدروا تفرقوا إلى منازلهم. فحلب كل واحد في أهله على حياله. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم اختلاف الناس قولهم: الناس أخياف. أي انهم مفترقون في أجسامهم وأخلاقهم، ويقال للفرس إذا كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلاء: أخيف، وهو من هذا الاختلاف. قال أبو عبيد: ويقال في الجماعة يأتون معاً: جاءوا على بكرة أبيهم. إذا جاءوا كلهم، وكذلك: جاءوا قضهم بقضيضهم. وليس هذا من الأول، ولكنه نحو منه. باب الرجلين يكونان متساويين في خير وشر . قال أبن الكلبي: من أمثالهم في تساوي الرجلين قولهم: هما كركبتي البعير. وذكر أبن الكلبي إنَّ المثل لهرم بن قطبة الفزاري، تمثل به

стр. 102

لعلقمة بنن علاثة وعامر بن الطفيل الجعفريين حين تنافر إليه، فقال: أنتما يا ابني جعفر كركبتي البعير، تقعان معاً، ولم ينفر أحدهما على صاحبه قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الاثنين يسبقان إلى غاية: هما كفرسي رهان. وهذا المثل يروى عن علي بن أبي طالب، ﵀، وغيره في رجل يولي من امرأته ويطلقها، ومعناه أنَّ انقضاء عدة الطلاق وانقضاء الأشهر الأربعة كفرسي رهان، أيهما يسبق خروجه أخذ به. قال أبو عبيدة: من أمثالهم في التساوي بين الاثنين: هما زندان في وعاءٍ. قال أبو عبيد: وهذا المثل الثاني لا يكاد يوضع في المدح كالأول، إنّما هذا موضع الخساسة والدناءة. ومثل العامة في هذا قولهم: هما كحماري العبادي. حين قيل له: أيهما أشر؟ فقال: هذا، ثم هذا، قال: ومن أمثالهم في الرجلين يسقطان معا متساويين. وقعا كعكمى بعيرٍ . قال ذلك الأصمعي، واصله أنَّ تحل عن البعير حباله فيسقط عكماه معاً.

стр. 103

باب الرجلين يكونان ذوى فضل غير إنَّ لأحدهما فضيلة على الآخر . قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم: مرعى ولا كالسعدان ومثله: ماء ولا كصداء. يضرب للرجل يحمد شانه، ثم يصير إلى آخر أكثر منه وأعلى. وحكي عن المفضل إنّه كان يخبر عن هذين المثلين بحديثهما فقال: الأول منهما لامرأة من طيء، كان تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي، وكان مفركاً فقال لها: أين أنا من زوجك الأول فقالت: " مرعى ولا كالسعدان " أي انك وإنَّ كنت رضاً فلست كفلان. والمثل الآخر للقذور بنت قيس بن خالد الشيباني، وكانت زوجة لقيط بن زرارة التميمي، ثم تزوجها من بعده رجل من قومها، فقال لها يوما: أنا اجمل أم لقيط؟ فقالت: " ماء ولا كصداء " أي أنت جميل ولست مثله. قال: وقال المفضل: وصداء: ركية لم يكن عندهم ماء أعذب من مائها، وفيها يقول ضرار بن السعدي: وإني وتهيامي بزبيب كالذي ... يطالب من أحواض صداء مشربا قال أبو عبيد: وأما السعدان فشيء تتعلفه الإبل، وهو من افضل مراعيها، فإذا رأوا عافاً دونه قالوا هذه المقالة. ومن هذا المعنى المثل المستدل في العوام قولهم: سداد من عوز. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: فتى ولا كمالك. قال الأصمعي: لا أدري من مالك وقال الأصمعي:

стр. 104

ومن أمثالهم في تفضيل أهل الفضل على بعض قولهم: في كل شجر نار واستنجد المرخ والعفار. وقال غيره: " واستجمد المرخ واعفار " يعني انهما اتخذا من النار ما هو حسبها، ويقال: أمجدت الدابة علفا، إذا أكثرت لها منه. باب الرجل يعجب بالفضيلة تكون فيه ولا يعرف فضل غيره عليه . قال الأصمعي: من أمثالهم في مثل هذا قولهم: كل مجر بالخلاء يسر. قال: وأصله الرجل يجرى فرسه بالمكان الخالي الذي لا مسابق له فيه، فهو مسرور بما يرى من فرسه، ولا يدري ما عند غيره. يضرب للرجل تكون فيه الخلة يحمدها من نفسه، ولا يشعر بما في الناس من الفضائل. وقال الأصمعي في نحو منه، وليس بعينه: ساواك عبد غيرك. قال أبو عبيد: والعامة مثلها في هذا الموضع: عبد غيرك حر مثلك. يضرب هذا للرجل يرى لنفسه فضلا على الناس من غير تفضل ولا طول.

стр. 105

باب مساواة الرجل صاحبه فيما يدعوه إليه . قال أبن الكلبي: من أمثالهم: أنصف القارة من راماها. قال هشام: والقارة هم عضل والديش ابنا الهون بن خزيمة وإنّما سموا قارة لاجتماعهم والتفافهم. قال أبو عبيد: وأصل القارة أكمة، وجمعها قور. وقال أبن واقد: وإنّما قيل: " أنصف القارة من راماها " في حرب كانت بين قريش وبكر بن عبد مناة بن كنانة، قال: وكانت القارة مع قريش، وهم قوم رماة، فلما التقى الفريقان رماهم الآخرون، فقيل: قد أنصفتم هؤلاء إذ ساووكم في العمل الذي هو شانكم وصناعتكم. وفي بعض الآثار " ألا أخبركم باعدل الناس؟ قيل: بلى، قال: من أنصف نفسه " وفي بعضها " أشد الأعمال ثلاثة أصناف، إنصاف الناس من نفسك والمواساة بالمال وذكر الله على كل حال " باب المساواة في التكافؤ والأفعال . قال مورج: من أمثالهم في هذا: أضئ لي أقدح لك. ويقال: " أكدح لك " أي كن لي اكن لك. قال أبو عبيد: ومن المكافأة.

стр. 106

إنّما يجزى الفتى ليس الجمل . قالها لبيد بن ربيعة في شعره. وقال الأصمعي: ومنه قولهم: أسق رقاش إنّها سقاية. يضرب المحسن فيقال: أحسنوا إليه لإحسانه. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المكافأة قولهم: هذه بتلك فهل جزيتك. وحكي عن المفضل إنّه كان يخبر عن قائله إنّه يزيد بن المنذر، قاله لعمرو بن فلان، وهما ن بني شهل في فعلة فعلها به عمرو، فجزاه يزيد بمثلها، ثم قال له هذه المقالة، فذهبت مثلا، وفي بعض الحديث المرفوع إنّه قال: " من أزلت إليه نعمة فليكافئ بها، فإنَّ لم يقدر فليظهر ثناء حسنا " وفي حديث آخر " أنَّ المهاجرين قالوا للنبي ﷺ : إنَّ الأنصار قد فضلونا بكذا وكذا، فقال " ألستم تعرفون ذلك لهم؟ " قالوا: نعم، قال: " فإنَّ ذاك " قال أبو عبيد: أم الحديث فليس فيه أكثر من قوله: " فإنَّ ذاك " فمعناه إنَّ معرفتكم إحسانا مكافأة لهم.

стр. 107

بسم الله الرحمن الرحيم الأمثال في الأقربين من أسرة الرجل وعترته باب المثل في التعاطف ذوي الأرحام وتحنن بعضهم على بعض قال أبن الكلبي: ومن أمثالهم في عطف ذوي الأرحام قولهم: يا بعضي دع بعضاً. قال: وأوّل من قاله زرارة بن عدس التميمي، وذلك أنَّ ابنته كانت عند سويد بن ربيعة، ولها منه تسعة بنين، وإنَّ سويدا قتل أخا لعمرو بن هند الملك صغيرا، ثم هرب فلم يقدر عليه أبن هند، فأرسل إلى زرارة فقال: ائتني بولده من أبنتك، فجاء بهم، فأمر عمرو بقتلهم، فتعلقوا بجدهم زرارة فقال: " يا بعضي دع بعضاً " فذهبت مثلا. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العناية بذي الرحم قولهم: أسعد أم سعيد. وكان المفضل يخبر إنَّ المثل لضبة بن أدن وكان له ابنان سعد وسعيد، فخرجا في بغاء ابل لهما. فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فكان ضبة كلما رأى شخصاً قال: " أسعد أم سعيد " قال أبو عبيد: هذا أصل المثل، وقد وضعه الناس في الاستخبار عن الأمرين من الخير والشر، وإنّما موضعه ما أعلمتك. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في التحنن بالأقارب: لكن على بلدح قوم عجفى. ومثله. " لكن بالأثلاث لحم لا يظلل ". يقول الرجل هذا إذا رأى قوما في سعة وخصب، وله حميم أو غيره ممن يهتم بشأنه، وهم فاقة وسوء حال. وكان المفضل يحدث بهذا عن بيهس الذي يلقب بنعامة، وكانت بين أهل بيته وقومه من أشجع حرب، فقتلوا سبعة أخوة لبيهس، وأسروا بيهسا، فلم يقتلوه لصغره فارتحلوا به فنزلوا

стр. 108

منزلا في سفرهم، ونحروا به جزروا، فقال بعضهم: ظللوا لحم جزوركم. فقال نعامة: " لكن بالأثلاث لحم لا ظلل " يعني لحم اخوته القتلى، ثم ذكروا كثرة ما غنموا، فقال النعامة: " لكن على بلدح قوم عجفى " يعني أهل بيته، ثم إنّه أفلت أو خلوا سبيله. فرجع إلى أمه، فقالت له: أنجوت أنت من بينهم؟ فقال: لو خيرت لاخترت. وكانت لا تحبه قبل ذلك، فلما رأته ليس لها غيره رقت له، وتعطفت عليه، فقال نعامة: الثكل أرامها. يعني إنَّ فقدها أولادها عطفها على، فذهبت كلماته الأربع كلها أمثالاً. وقوله: " بلدح " اسم موضع. وكذلك " الأثلاث " قال الزبير: الأثلاث: شجر، وهو الطرفاء وقال الزبير: قتلهم نصر بن دهما بن الأشجعي، وأراد قتل البيهس فقيل له: إنّه أحمق فدعه لأمه لتسكن إليه، فلما نزلوا قال نصر: ظللوا ذلك اللحم، فذلك حيث يقول نعامة: " لكن بالأثلاث لحم لا يظلل " ففزع منها نصر، فقيل له: كلمة جاءت من أحمق. وقال الأصمعي: في مثل هذا يقال: لا يعدم الحوار من أمه حنةً.

стр. 109

ومنه: لا يضر الحوار ما وطئته أمه. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحنن على الأقارب وابأبي وجوه اليتامى وحكي عن المفضل إنّه كان يحكيه عن يعد القرقرة، وهو رجل من أهل هجر، وكان النعمان يضحك منه، فدعا النعمان بفرسه اليحموم وقال لسعد: أركبه فأطلب عليه الوحش، قال سعد: إذاً والله أصرع، قال: فأبى النعمان إلاّ أنَّ يركبه، فلما ركبه سعد نظر إلى بعض ولده فقال ذلك. وفي هذا يقول سعد: نحن بغرس الودي أعلمنا ... منا بركض الجياد في السلف ويروى: في السدف باب احتمال لذي رحمه يراه مضطهداً وإنَّ كان له كشاحاً قاليا. قال الأصمعي: يقال في هذا مثل هذا: لا تعدم من أبن عمك نصرا. وأما أبو عبيدة فكان يحكيه: لا يملك مولى نصراً. قال أبو عبيد: وكلاهما معناه أنَّ حميمك يغضب لك إذا رآك مضطهدا وإنَّ كان لك مشاحنا، وكان المفضل، فيما روى عنه، يقول: إنَّ أوّل من قاله النعمان بن المنذر الملك، وذلك إنَّ العيار بن عبد الله الضبي كان الذي بينه وبين ضرار بن عمرو سيئاً وهو

стр. 110

من أسرته، فاختصم أبو مرحب اليربوعي وعند النعمان في شيء فنصر العيار ضراراً فقال له النعمان: أتفعل هذا بي بأبي مرحب في ضرار وهو معاذيك؟ فقال العيار: إني أكل لحم أخي ولا أدعه لآكل. فعندها قال النعمان: " لا يملك مولى نصراً " فذهبت كلمتاهما مثلين. قال أبو عبيد: ومن هذا المثل مقالة عثمان بن عفان لعلي بن أبي طالب ﵄ حين كتب إليه وهو محصور، وكان على غائباً في مال له: إذا أتاك كتابي هذا فأقبل إلى على كنت أولى. فان كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وإلاّ فأدركني ولمّا أمزق يقول: إنَّ أخي وأبن عمي، وإنَّ كان عاتبا عليَّ فهو أرأف بي وأرق عليَّ من الأباعد ومن أمثالهم في هذا: الحفائظ تحلل الأحقاد. ومنه قول القطامي: وترفض عند المحفظات الكتائف. والكتائف هي السخائم، ويقول: إذا رأيت قريبي يضطهد، وأنا عليه واجد، خرجت تلك السخيمة من قلبي له، ولم أدع نصره ومعونته، ومنه قولهم: أنصر أخاك ظالما أو مظلوماً. قال أبو عبد الله الزبير: الحسائف هي السحائم أيضاً.
следующие страницы →