← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام تَأليف رَاجي عَفو رَبّه عَبْد الله بن عَبْد الرحمن البَسَّام غفر الله له ولوالديه وللمسلمين طبعَة مصحَّحَة ومحقّقة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة الجزء الأوّل مكتَبة الأسدي مكّة المكرّمة

стр. 2

جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعَة الخامِسَة مُصَحَّحَة وَمحَقّقَة وَفيهَا زيَادَات هامَّة ١٤٢٣هـ - ٢٠٠٣م مكتبة الأسدي مكة المكرمة - العزيزية - مدخل جامعة أم القرى هاتف: ٥٥٧٠٥٠٦ - فاكس ٥٥٧٥٢٤١ ص. ب: ٢٠٨٣

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدِّمة الطبعة الخامسة الحمد لله المبدئ المعيد، شرع أحكامه وفق مصالح العبيد، والصلاة والسلام على صاحب القول السديد، الذي بلَّغ شرع ربه بالموجَز المفيد، وعلى آله وصحبه الذين حملوا الشريعة فأدَّوها بأمانة وتسديد. أما بعد: فأحمد الله تعالى وأشكره على ما يسَّر وسهَّل من وضع هذا الشرح الشامل المفيد، الذي جمع من العلومِ الطارفَ والتليد، بأسلوب مبسوط ميسَّر، وترتيب مفصَّل، ليستفيد منه كل قارىء، فلا يرتفع ويصعب على المبتدىء، ولا ينزل في مستواه عن المنتهي، لذا صار له القبول -ولله الحمد- عند طبقات القرَّاء، فتناولوه بتلهُّف من حين صدوره حتى نفدت نسخ طبعاته الأولى في مدة وجيزة جدًّا. وراح الطلب والسؤال عنها بعد ذلك بإلحاح، مما شجَّعنا على إعادة طبعه، وإسعاف طالبيه، ولكن بصورة أفضل من الأولى، وبتحقيق أوفى وأكمل، أرجو من الله تعالى أن أكون في هذه الطبعة قد سددت وقاربت أكثر من سابقتها. ولابد للإنسان أن يعرض له في فترات لاحقة، ما يقوِّم به فرطات ندَّت منه في أيام سابقة، ما دامت له يد تصل إلى كتاب، أو فكر يهديه إلى صواب. وقد كتب القاضي الفاضل، شيخ صناعة الكتابة في عصره: عبد الرحيم ابن علي البيساني المتوفي سنة (٥٩٦) ﵀ إلى نائبه في وزارة الكتابة، الأديب الشهير العماد الأصفهاني المتوفي سنة (٥٩٧)، كتب إليه يقول: "إني رأيت أنَّه لا يكتب إنسانٌ كتابًا في يوم إلَّا قال في غده: لو غُيِّر هذا

стр. 4

لكان أحسن، ولو زِيد كذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر". وقد كان مني في هذه الطبعة كما قال القاضي الفاضل، فاستدركت: أولًا: ما فاتنا من أخطاء مطبعية وقعت في الطبعات الأولى. ثانيًا: زدت فيها زيادات كثيرة هامة، وفوائد فقهية غالية، ميَّزت هذه الطبعة عن سابقتها تمييزًا بيِّنًا. ثالثًا: زدت في تخريج أكثر الأحاديث، مع تحقيقٍ أكثَرَ في بيان درجة الحديث. رابعًا: زدت كثيرًا في شرح المفردات من الناحية اللغوية والصرفية والنحوية والعلمية، وتحديدٍ أكثرَ للمواضع. خامسًا: وصلتني قرارات المجمَّع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي بجدَّة، وقرارات هيئة كبار العلماء، وقرارات المجمَّع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي، حتى هذا العام (١٤٢١ هـ)، منذ تأسيسه، فألحقت كل قرار بالمكان الذي يناسبه من أبواب ومسائل الكتاب. وهي قرارات هامة جدًّا بحثها نخبة مختارة من علماء المسلمين في القضايا المعاصرة، والقضايا المتقدِّمة التي تحتاج إلى فحص وتمحيص، حيث خرج منها المجمَّع برأي واحد فيها. سادسًا: أجريت بعض التغيير والتقديم والتأخير لعبارات وفقرات في الكتاب مما زاده حسنًا وفضلاً. سابعًا: وضعت المتن وهو "أحاديث بلوغ المرام" بأعلى الصحائف، مكتوبة بحرف متميز بلونه وحجمه وضبطه. وبالجملة: فإنَّ القارىء الكريم سيرى -إن شاء الله تعالى- فرقًا كبيرًا

стр. 5

واضحًا بين هذه الطبعة الخامسة، وسابقتها، عسى بذلك أن تكون ملائمة لمقام هذا الكتاب الذي هو شرح لكتاب عظيم ألا وهو كتاب "بلوغ المرام". ونسأل الله تعالى أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلَّم على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتبه المؤلف عبد الله بن عبد الرحمن البسام شهر شعبان ١٤٢١ هـ في منزله في عوالي مكة شرَّفها الله تعالى وحماها من كل سوء

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإلمام في أصول الأحكام الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإنَّ من تصدَّى لاستنباط الأحكام الشرعية من مصدرها الأول "الكتاب والسنة"، أو كان يتلقى تلك الأحكام ممن يأخذها من هذا المصدر، ويمعن نظره فيها، ويختار منها ما رأى أنَّه أقرب إلى الصواب، فإنَّ عليه أن يكون ذا إلمام بالأصول الأربعة: ١ - مصطلح الحديث. ٢ - أصول الفقه. ٣ - القواعد الفقهية. ٤ - المقاصد الشرعية. فيعرف بالأصل الأول: الحديث الذي يصلح الاعتماد عليه والاحتجاج به. ويفهم بالأصل الثاني: أدلة الأحكام الفرعية المتعلقة بأفعال المكلفين. ويجمع بالأصل الثالث: شتات المسائل بهذه القواعد التي تضبط أفرادها، وتربط فرائدها عن التشتت والانتشار. ويعرف بالأصل الرابع: أسرار الشريعة ومقاصدها، وما تتوخَّاه من جلب المصالح ودرء المفاسد. لذا فإني جعلت بين يدي شرحي على بلوغ المرام هذه المقدمات الأربع، لتكون أمام قارىء هذا الشرح، فتريه كيف أخذت الأحكام من أصولها، واستنبطت المسائل من مصدرها؛ فيدرك طرق الاستنباط وسبل السير

стр. 7

إلى الاجتهاد؛ فإنَّ إدراكه ذلك يزيده طمأنينة إلى صحة الحكم ويدربه على الإقدام إلى أخذ المسائل من أصولها، ولتكون هذه المقدمات بداية الطريق في سلوك باب الترجيح بين المسائل المتعارضة، والاجتهاد في إصابة الحق في الأحكام المختلفة. والله المسؤول أن ينفع بها من جمَعَها ومن قرأها، وأن يجعل العمل فيها والاستفادة منها خالصَيْنِ لوجه الله الكريم، ومقرِّبَيْنِ لديه في جنات النعيم. وصلَّى الله وسلم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلف ٢٥/ ٣/ ١٤١٠ هـ

стр. 8

الأصل الأول في مصطلح الحديث

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، نبينا محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه رسالة مختصرة، ومقدِّمة مفيدة، في أصول الحديث، أضعها أمام قارىء شرحي على بلوغ المرام، جامعة لما تَمَسُّ الحاجة إليه من مصطلح علم الحديث ، توخَّيْتُ فيها تسهيلَ مبادىء هذا الأصل، فقرَّبته من طالب العلم، ليقطف أزهاره، ويجنى بواكير ثماره، بيسر وسهولة، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم. مصطلح علم الحديث: تعريفه: هو علم يُعْرَفُ به حالُ الراوي والمرويِّ من حيثُ القَبُولُ والرد. فائدته: معرفة ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ من الأحاديث بتمييز الصحيح من السقيم. استمداده: تُسْتَمَدُّ مادة هذا العلم من أحوالِ متن الحديث، وأحوالِ رواته وروايتهم، وتتبُّعِ تلك الأحوال. تعريفات: الحديث، والخبر: مترادفان، فهما ما نسب إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. الإسناد، والسند: مترادفان، فهما سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن. المتن: ما ينتهي إليه السند من الكلام. تقسيم الحديث باعتبار طرقه: الحديث قسمان: متواتر وآحاد: المتواتر: ما وصَلَ بطرق ليس لها عددٌ معيَّن، فهو ما رواه عدَدٌ كثيرٌ تحيل

стр. 10

العادةُ تواطؤهم على الكذب. والآحاد: هو الحديث الذي وصل إلينا بطرق محصورة معيَّنة، فإذا ثبتت، أفادت العلم. أقسام الآحاد: غريب: ما انفرد بروايته راوٍ واحدٌ، ولو في طبقة واحدة من طبقات السند. عزيز: أن لا يقل رواته في جميع طبقات السند عن اثنين. مشهور ومستفيض: مترادفان؛ فهما ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ما لم يبلغ حد التواتر. تقسيم الحديث من حيثُ القبولُ: ينقسم إلى أربعة أقسام: ١ - الصحيحُ لذاته: هو ما اتَّصل سنده بنقل عدلٍ تامِّ الضبط عن مثله حتى نهاية السند، وأن يخلو من الشذوذ والعلة. ٢ - الصحيحُ لغيره: هو ما اجتمع فيه شروطُ الحسن لذاته، فرواته أقلُّ ضبطًا، وينجبر ذلك بتعدد الطرق. ٣ - الحَسَنُ لذاته: هو ما اجتمع فيه شروط الصحيح لذاته لكن يكون راويه خفيف الضبط، ولا يوجد ما يجبر ذلك القصور. ٤ - الحسنُ لغيره: هو الحديث الضعيف الذي انجبر ضعفُهُ بتعدُّد الطرق حتى ترجَّح جانب قبوله. أنواع الأحاديث المردودة: يقابلُ الأحاديثَ المقبولة الأحاديثُ المردودة، وهي ما قَصُرَتْ عن رتبة الحسن بفقد شرطٍ فأكثَرَ من شروطه، ويتفاوت هذا الضعف من حيثُ شدتُهُ وخفته، والحديث الضعيف أقسامٌ كثيرة؛ نذكر المشهور منها:

стр. 11

ضعف الحديث من حيثُ فَقْدُ العدالة والضبط: من أقسامه: المختَلِطُ: هو الراوي الذي طرَأَ عليه سوءُ الحفظ بكبر سنه أو ذهاب بصره أو لفقد كتبه، فما حدث قبل الاختلاط قُبِلَ، وما لم يتميَّزْ يتوقَّف فيه. المنكَرُ: ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة، ويسمَّى مقابله "المعروف". المبهَمُ: هو أن يكون الراوي مجهولاً. المتروكُ: هو ما رواه راوٍ معروفٌ بالكذب في كلام الناس. الموضوعُ: هو ما رواه راوٍ عُرِفَ بتعمُّده الكذب على رسول الله ﷺ . ضعفُ الحديث من حيث فَقْدُ الاتصال: المقطوعُ: هو ما أضيف إلى التابعي أو إلى من دونه من قول أو فعل، متصلاً كان أو منقطعًا. المنقطعُ: هو ما سقَطَ من رواته راوٍ واحدٌ فأكثرُ من غير توال قبل الصحابي. المعضَلُ: هو ما سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي في أي مكان في السند. المعلَّقُ: هو ما حُذِفَ من مبدأ إسناده راو فأكثر. المرسَلُ: هو ما رواه التابعي عن النبي ﷺ . المدلَّسُ: وهو قسمان: الأوّل: تدليس الإسناد، بأن يُوهِمَ بأنَّه سمع من شيخه وهو لم يسمع منه، ويروي ذلك بصيغة محتملة. الثاني: تدليس الشيوخ، بأن يروي عن شيخ فيسمِّيه بما لا يُعْرَفُ به حتى لا يُعْرَف. ضعفُ الحديث من حيثُ وجود الشذوذِ أو العلة: الشاذُّ: هو ما رواه المقبول مخالفًا من هو أوثَقُ منه، والذي يقابله يسمَّى "المحفوظ".

стр. 12

المعلَّلُ: هو ما يكون فيه علَّةٌ خفيَّةٌ قادحة في صحته، مع أنَّ ظاهره السلامة، وسبب العلَّة وهمُ راويه. والطريق إلى معرفة حال الحديث وكشف العلة: هو جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته وضبطهم. والعلة قد تكون في المتن، وقد، تكون في السند وهو أكثر. المضطَرِبُ: هو الذي يُروى على أشكال متعارضة، ولا يمكن التوفيق بينها، وتكون متساوية في القوة. والاضطراب قد يكون في المتن، وقد يكون في السند وهو أكثر. أقسامُ الحديث باعتبار من أُضِيفَ إليه: المرفوع: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، سواء كان متصلاً أو منقطعًا. الموقوف: هو ما أضيف إلى الصحابي، سواء كان متصلاً أو منقطعًا. المقطوع: هو ما أضيف إلى التابعي أو من دونه من قول أو فعل، متَّصلاً كان أو منقطعًا. المسند: ما اتَّصل سنده إلى النبي ﷺ . فائدة: المقطوع هو غير المنقطع؛ لأنَّ المقطوع من صفات المتن، والمنقطع من صفات السند. من أنواع الكتب في علم الحديث: الجامع: هو كتاب جمَعَ فيه مؤلِّفه أقسامَ الحديث في العقائدِ والأحكامِ، والآدابِ والتفسير، والسير والمناقب، وغير ذلك، مثل صحيح البخاري. المسند: ما جمع فيه مؤلِّفه الأحاديثَ على ترتيب الصحابة، فكل أحاديث صحابيٍّ جُمِعَتْ وحدها، بقطع النظر عن مواضيعها، وأشهر المسانيد

стр. 13

مسند الإمام أحمد. السنن: هو كتاب جُمِعَتْ فيه الأحاديثُ على ترتيب أبواب الفقه؛ مثل سنن أبي داود. المعجم: كتاب جُمعت فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ، إما على حسب حروف الهجاء، وإما على حسب وفاة الشيخ، أو غير ذلك؛ مثل: المعاجم الثلاثة للطبراني. المستدرك: كتاب جُمع فيه ما فات صاحب كتاب آخر، ويكون على شرطه؛ مثل مستدرك الحاكم على الصحيحين. المستخرج: كتاب يعمد صاحبه إلى أحد كتب الصحاح، فيورد أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق المؤلِّف؛ كمستخرج الإسماعيلي على صحيح البخاري. العلل: كتاب جمع فيه الأحاديث المعلولة مع بيان عللها؛ مثل كتاب العلل للدارقطني، والعلل للترمذي. الجزء: هو كتاب جمع فيه أحاديث رجل واحد، أو مسألة واحدة؛ مثل جزء "القراءة خلف الإمام" للبخاري. الأربعون: كتاب جمع أربعين حديثًا من باب واحد، أو من أبواب شتَّى، وأشهرها الأربعون للنووي. من أخرج لهم المؤلِّف في بلوغ المرام: ١ - الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمَّد بن حنبل الشيباني البغدادي، أحد الأئمة الأربعة، توفي عام (٢٤١ هـ). ٢ - الإمام أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاري الجُعْفِيّ مولاهم صاحب الصحيح، توفي (٢٥٦ هـ). ٣ - الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري منسوب إلى إحدى

стр. 14

مدن خراسان صاحب الصحيح، توفي (٢٦١ هـ). ٤ - الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستانى (مدينة بخراسان) صاحب السنن، توفي (٢٧٥ هـ). ٥ - الإمام أبو عيسى محمَّد بن عيسى الترمذي، نسبة إلى ترمذ بخراسان، بقرب نهر جيحون، توفي (٢٧٩ هـ). ٦ - الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، نسبة إلى مدينة نسأ بخراسان، صاحب السنن، توفي (٣٠٣ هـ). ٧ - الإمام أبو عبد الله محمَّد بن يزيد القزويني، نسبة إلى قزوين مدينة بعراق العجم، واشتهر بـ"ابن ماجه"، توفي (٢٧٣ هـ). ٨ - الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، نسبة إلى ذي أَصْبَحَ أحدِ ملوك اليمن، أحدُ الأئمة الأربعة، وعالمُ المدينة، توفي (١٧٩ هـ). ٩ - الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي القرشي المُطَّلبي عالم قريش، أحد الأئمة الأربعة، توفي (٢٠٤ هـ). ١٠ - الإمام أبو بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة الكوفى العبسى بالولاء، صاحب المصنف، توفي (٢٣٥ هـ). ١١ - الإمام أبو عبد الله محمَّد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري إمام الأئمة، توفي سنة (٣١١ هـ). ١٢ - الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي نسبة إلى بيهق بلدة بقرب نيسابور، شيخ خراسان، صاحب مؤلَّفات كثيرة مفيدة، توفي (٤٥٨ هـ). ١٣ - الإمام أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله النيسابوري اشتهر بلقب الحاكم، ألف المستدرك على الصحيحين، توفي (٤٠٥ هـ). ١٤ - الإمام أبو حاتم محمَّد بن حِبَّان البُسْتِيّ نسبة إلى بست مدينة من أعمال كابل، كان من أوعية العلم، توفي (٣٥٤ هـ).

стр. 15

١٥ - الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، نسبة إلى "دار قطن" حي في بغداد، إمام حافظ له السنن، توفي (٣٨٥ هـ). ١٦ - الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، نسبة إلى طبرية بالشام صاحب المعاجم الثلاثة، توفي سنة (٣٦٠ هـ). ١٧ - الإمام أبو علي سعيد بن عثمان بن السَّكن البغدادي، من حفاظ الحديث، له "المنتقى الصحيح" في الحديث، توفي (٣٥٤ هـ). ١٨ - الإمام أبو الحسن علي بن محمَّد بن القطان، قرطبي الأصل، من حفاظ الحديث، له عدة مصنفات، توفي (٦٢٨ هـ). ١٩ - الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن علي البصري صاحب المسندين الصغير والكبير، توفي (٢٩٢ هـ). ٢٠ - الحافظ أبو محمَّد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري صاحب "المنتقى من السنن المسندة" توفي (٣٠٧ هـ). هؤلاء هم الأئمة الذين انتقى الحافظ ابن حجر أحاديث كتابه "بلوغ المرام" من أسفارهم، عرَّفنا بهم القارئ بهذا التعريف الموجز، لتكون المعرفة الأولى لمن لم يعرفهم قبل هذا. الذي اطَّلَعْتُ عليه من شروح بلوغ المرام: ١ - البدر التمام؛ للشيخ الحسين بن محمد المغربي الصنعاني، ولا يزال مخطوطًا، رأيته عند إبراهيم النوري، وعندي صورة منه. ٢ - سبل السلام؛ للشيخ محمَّد بن إسماعيل الصنعاني، اختصره من البدر التمام، وقد طُبعَ عدة طبعات، وهو الشرح المتداوَلُ لبلوغ المرام. ٣ - فتح العلَّام؛ للشيخ محمَّد صِدِّيق بن حسن خان، مختصر من سبل السلام، وقد طُبِعَ، وكانت نسخه قليلة، ولكنه صوِّر فانتشر. ٤ - شرح السيد محمد بن يوسف الأهدل، قال السيد أمين كتبي: إنه رآه في

стр. 16

مكتبة الشيخ عمر حمدان. ٥ - شرح الشيخ أحمد الدهلوي، انتخبه من فتح الباري وعدة مصادر أُخر. ٦ - شرح الشيخ محمَّد عابد الأنصاري الحنفي نزيل المدينة المنوَّرة، جاء ذكره في ذيل كشف الظنون. ٧ - شرح الشيخ محمَّد علي أحمدين المدرِّس المنتدَب من مصر للتدريس في المعهد السعودي بمكة المكرمة، ولا يزال مخطوطًا. ٨ - نيل المرام، شَرْحٌ مَدرسيٌّ قام به السيد علوي مالكي، والأستاذ إبراهيم سليمان النوري. ٩ - بشير الكرام، حاشية نفيسة للسيد محمد أمين كتبي. ١٠ - منظومة بلوغ المرام؛ للشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني، نظم فيه جل ما حواه بلوغ المرام من الأحاديث -مطبوع. ١١ - الإلمام، بتخريج أحاديث منظومة بلوغ المرام؛ للسيد محمد بن يحيى زبارة الصنعاني، مطبوع مع نظم الصنعاني. هذه الشروح والحواشي التي وصل إليها علمي عن بلوغ المرام، وهي تنبيء عن اهتمامِ علماء المسلمين بهذا الكتابِ القيِّمِ المبارك.

стр. 17

ترجمة المؤلِّف الإمام العلاَّمة الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني -وَعَسْقَلَان بفتح العين، وسكون السين، وتخفيف اللام، مدينة من أعمال فِلَسْطِينَ قرب غزة- المصري الشافعي، ولد في مصر في اليوم الثاني عشر من شعبان عام ثلاثة وسبعين وسبعمائة، ونشأ بها، فتوفيت أمه في طفولته، ثم توفي أبوه في صباه. دراسته ومشايخه: دخل الكُتَّاب بعد أن أكمل خمس سنين، فأكمل حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وحفظ كثيرًا من متون العلم في صباه، ومنها: العمدة، والحاوي الصغير، ومختصر ابن الحاجب، ومُلْحة الإعراب. وأخذ العلم عن عددٍ كبيرٍ من الأعلام، من أشهرهم: ١ - السراج البُلقيني: تفقه عليه. ٢ - السراج ابن الملقِّن: وقد اختصَّ به ولازمه. ٣ - عبد الرحيم بن رزين: سمع عليه صحيح البخاري. ٤ - الحافظ العراقي: لازمه نحو عشر سنين، وأخذ عنه جميع مسموعاته. ٥ - الجمال بن ظهيرة: أخذ عنه في مكة المكرمة. ٦ - العز بن جماعة: أخذ عنه، وأكثر من الأخذ عنه. ٧ - الهمام الخوارزمي. ٨ - الفيروزآبادي صاحب القاموس: أخذ عنه في علوم العربية. ٩ - أحمد بن عبد الرحمن المعروف بـ"ابن هشام": كسلفه، أخذ عنه علوم العربية. ١٠ - البرهان التنوخي: أخذ عنه القراءات السبع. وبالجملة: فقد أخذ واستفاد عن أئمة عصره في البلاد المصرية، ورحل إلى غيرهم في بلدانهم.

стр. 18

رحلاته: رحل إلى بلادٍ كثيرةٍ كلُّها في طلب العلم وتحقيق مسائله، فمن البلدان التي أقام فيها: ١ - الحرمان الشريفان: وجاور في مكة المكرمة، وصلَّى التراويح في المسجد الحرام سنة (٧٨٥ هـ)، وسمع صحيح البخاري في مكة على الشيخ المحدِّث عفيف الدين النيسابوري ثم المكي، وتردَّد على مكة المكرمة مراتٍ للحج والاعتمار. ٢ - دمشق: ووجد فيها بعض تلاميذ مؤرِّخ الشام ابن عساكر، وأخذ فيها عن ابن الملقِّن والبُلْقِيني. ٣ - بيت المَقْدِس: وكثيرٌ من مدن فلسطين؛ كنابلس، والخليل، والرملة، وغزة، واجتمع بعلمائها واستفاد منهم. ٤ - صنعاء: وبعض بلدان اليمن، وقرأ على علمائها واستفاد منهم. كل هذا في طلب العلم، والأخذ عن كبار الشيوخ. أعماله: ولاَّه السُّلطان المؤيَّد نيابة القضاء عن جلال الدين البلقيني، ثم عرض عليه قضاء البلاد المصرية في عام (٨٢٧ هـ)، فقَبِلَ وندم على ذلك، ثم بعد سنة واحدة استقال عنه، ثم ألحَّ عليه في قبوله، فرأى الأمر متعيِّنًا عليه، فقَبِلَ الولاية، وفرح به الناس فرحًا عظيمًا، ثم زيد في ولايته، فضمَّ إليه قضاء البلاد الشامية حتى قَبْلَ عام (٨٣٣ هـ) وما زال حينًا يقوم بالقضاء، وحينًا يتركه، وذلك لكثرة الشَّغَبِ والتعصُّب والأهواء، حتى بلغت سِنُو قضائِهِ واحدًا وعشرين سنة بعد أن انتهَتْ إليه رئاسةُ القضاة، وكان آخر ولايته القضاء في اليوم الثامن من ربيع الثاني عام (٨٥٢ هـ). كما ولي من الأعمال: - الخطابة في الجامع الأزهر.

стр. 19

- الخطابة في جامع عَمْرِو بن العاص في القاهرة. - منصب الإفتاء بدار العدل. مؤلَّفاته: الحافظ ابن حَجَرٍ رزقَهُ اللهُ تعالى في مؤلَّفاته ميزاتٍ قَلَّ أن توجد لغيره، فإنها جمعت من السعة والتحقيق ما لم يكن لغيرها؛ فصار لها القبول التامّ والانتشار العامّ، في حياته وحتى الآن، فلا نجد باحثًا ولا مؤلِّفًا إلاَّ يعتمد على كتبه، ومن أشهر مؤلَّفاته ما يأتي: ١ - "فتح الباري، بشرح صحيح البخاري" الذي يعتبره المحقِّقون أنفع شروح البخاري، حتى قال بعضهم: إن شرح البخاري دَيْنٌ على أمة محمَّد لم يوفِّه إلاَّ الحافظُ ابن حجر بفتح الباري. ٢ - "تهذيب التهذيب" جمع تراجم رجال الحديث، وبيَّن مقاماتهم ومنازلهم. ٣ - "الإصابة، في تمييز الصحابة" خصَّه لتراجم أصحاب النبي ﷺ ، ويمتاز ببيان مروياتهم ومن أخذ عنهم. ٤ - "بلوغ المرام، من أدلة الأحكامِ" وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. وبالجملة: فقد بلغت مؤلَّفاته نحو خمسين ومائة، أغلبها في تحقيق السنة المطهرة رواية ودراية. وابن حجر مَفْخَرَةٌ من مفاخر الزمان، وعَلَمٌ من أئمة الإِسلام، ورئيس من رؤساء العلم، نفع الله تعالى بعلمه من تخريج التلاميذ الكبار، ومن تأليف الأسفار. وهذه الترجمة الموجزة لا توفِّيه حقَّه، ولا تظهر مزاياه، ولا تبرز فضله، وقد أفرد له كثير من العلماء والحفَّاظ التصانيفَ في ترجمته، وأحسَنُ مَنْ كتَبَ تلميذُهُ العلَّامةُ السخاوي في كتاب سمَّاه: "الجواهر والدرر، في ترجمة الحافظ ابن حجر" توفي ﵀ في بلاد مصر في ٢٨ ذي الحجة عام (٨٥٢هـ)، ودفن بالقرافة الصغرى، رحمه الله تعالى رحمة المصطَفَيْنَ الأخيار.

стр. 20

بلوغ المرام كتابٌ مبارَكٌ مفيدٌ مع صغر حجمه، حوَى ما يغني عن التطويل، وأقبل عليه العلماء قديمًا وحديثًا، فلا تجد حَلْقَةَ عالمٍ إلاَّ وكتابُ بلوغ المرام في رأس قائمة الدروس، وأقبَلَ عليه الطَّلاَّبُ بالحفظ والتداول، واستَغْنَوْا به عن غيره من أمثاله، فصار له قبول، وعليه إقبال، حتى استفاد منه في كل عصر الجمُّ الغفير، فلمَّا أنشئت في بلادنا المعاهد العلميَّة والكليَّات الدينية، صار هو أولَ كتاب يفضَّل تدريسه وتقريره. ولهذا الكتاب الجليل ميزات عظيمة نافعة ليست لغيره، نورد بعضها فيما يأتي: ١ - بيَّن مؤلِّفه مرتبة الحديث، من الصحة والحسن والضعف بما يغني الطالب عن الرجوع إلى غيره. ٢ - أقتَصَرَ من الحديث على الشاهد مِنَ الباب بما لا يُخِلُّ بالمعنى المقصود، فحصَلَ من هذا الإيجازُ والفائدة. ٣ - إذا كان للحديث رواياتٌ أُخَرُ فيها زياداتٌ مفيدة في الباب، ألحقها بإيجاز ووضوح؛ فجاءت روايات الحديث في المسألة يُتَمِّم بعضها بعضًا. ٤ - انتقى أحاديث الكتاب من دواوينه المشهورة، وأمهاته المعتبرة، التي أشهرها مسند أحمد، والصحيحان، والسنن الأربع. ٥ - يصدِّر الباب -غالبًا- بما في الصحيحين أو أحدهما، ثم يتبعها بما في السنن أو غيرها؛ لتكون الأحاديث الصحيحة هي العمدة في الباب، والمرجع في المسائل، والباقي مكمِّلات ومتمِّمات. ٦ - يتتبَّعُ العللَ الموجودة في الحديثِ فيذكرها.

стр. 21

٧ - إذا كان للحديث متابعاتٌ أو شواهدُ، أشار إليها إشارةً لطيفة، وبهذا جاءت فائدتُهُ من حيثُ الجمعُ أكبَرَ من حجمه. ٨ - رتَّب المؤلِّف كتبه وأبوابه وأحاديثه على كتب الفقه؛ ليَسْهُلَ على القارىء مراجعته، وليساير كتب الأحكام من حيثُ الدلالةُ عليها. ٩ - جعل في آخره بابًا جمَعَ فيه نخبةً طيبة من أحاديث الآداب سمَّاه: "جامع في الآداب"؛ ليستفيد منه القارىء في الأحكام والسلوك. وبالجملة: فكتابُ بلوغ المرام، من نفائس كتب الأحكام، ويجدر بطلاَّب العلم حفظُهُ وفهمُهُ والعنايةُ به، فقد حرَّر لهم تحريرًا بالغًا ليصير مَنْ يحفظه بين أقرانه نابغًا، يستعين به المبتدىء، ولا يستغني عنه المنتهي، فجزى الله مؤلِّفه خير الجزاء. صلتي ببلوغ المرام: كان شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي -رحمه الله تعالى- يدرِّس فيه في مكتبة جامع عنيزة، وقلَّ أن يخلو وقت وليس في هذا الكتاب دَرْسٌ: إما درس خاصٌّ لطلاب العلم، أو عامٌّ لجماعة "الجامع"، وكنت أحد الطلاب عليه ﵀، وكان يحثُّنا على حفظ بلوغ المرام، فكنت أحد من حفظ الكتاب ولله الحمد، وكنت أكرِّر أحاديثه خشيةَ النسيان، وأراجع على معانيه شرحه "سبل السلام". وهذا الحفظ والاستذكار والمراجعة فيما بين (١٣٦٢ هـ) إلى (١٣٦٧ هـ) ثم التحقْتُ بدار التوحيد بالطائف، فوجدتُّ الكتاب مقرَّرًا في فصولها، ومقسَّمًا على سِنِي الدراسة، وكان يدرِّسنا فيه مبعوث الأزهر الشيخ محمَّد عبد الحكيم، ثمَّ لمَّا تخرَّجْتُ في كلية الشريعة بمكة المكرمة عام (١٣٧٤ هـ) صرت -مع القضاء- مدرِّسًا في المسجد الحرام، ففتحتُ به درسًا بعد صلاة

стр. 22

المغرب إلى العشاء. ومازلت ملازمًا لهذا الكتاب حتَّى منَّ الله ﵎ عليَّ فوضعْتُ عليه هذا الشرح، فأسأل الله تعالى بأسمائِهِ الحسنى، وصفاته العلا: أن ينفع به المؤلِّف والمستفيد. وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، مقرِّبًا إليه في جنات النعيم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 23

الأصل الثاني في أصول الفقه

стр. 24

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فهذه خلاصةٌ مفيدةٌ في "أصول الفقه"؛ قصدت بها تقديمَ مبادىء هذا العلم الهامِّ الذي لا يستغني عن معرفته دارسُ الكتاب والسنة النبوية، ومستنبطُ معانيهما، والمتصدِّي لاستخراجِ مسائلهما وأحكامهما، انتقَيْتُهَا من عِدَّة مصادر مِنْ كتب الأصول، وأجرَيْتُ فيها الاختيارَ والتنقيح؛ لتكون سهلةً ميسَّرة، وأسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق. العلم: العلم: هو معرفة المعلوم بإدراكه على ما هو عليه في الواقع فيما من شأنه أن يُعْلَمَ، وهو قسمان: ضروريٌّ ومكتَسَب: الضروري: هو كل علم لَزِمَ المخلوقَ على وجه لا يمكنُهُ دفعُهُ عن نفسه مما لا يقع عن نظر واستدلال؛ وذلك كالعلم الحاصل عن طريق الحواسِّ الخمس. والمكتسب: هو كل علم يقع عن نظرٍ واستدلالٍ؛ كالعلم بوجوب الصلاة والزكاة، وغير ذلك مما يحتاج إلى نظر واستدلال. الجهل: هو تصوُّر المعلوم على خلاف ما هو عليه، وهو نوعان: جهلٌ بسيط: وهو انتفاءُ إدراك الشيء بالكلية فيما مِنْ شأنه أن يُعْلَم. وجهل مركَّب: وهو اعتقادٌ جازمٌ غير مطابِقٍ للواقع، يسمَّى مركَّبًا؛ لأنَّ صاحبه جاهل بالحكم، وجاهل بأنه جاهل. رُتَبُ المُدْرَكَات: ١ - اليقين: هو جزمُ القلب مع الاستناد إلى الدليل.

стр. 25

٢ - الظن: تجويز أمرين أحدهما أقوى من الآخر وهو الظن. ٣ - الشك: تجويز أمرين ليس أحدهما أرجَحَ من الآخر. ٤ - الوَهْم: تجويزُ أمرَيْن أحدهما أضعَفُ من الآخر، وهو الوهم. النظر: هو الفكر في حال المنظور فيه، وهو طريقُ معرفة الأحكام إذا وُجِدَ بشروطه. وشروطه: هو أن يكونَ كاملَ الأداة، وهي الإحاطةُ بكثير من العلوم الشرعيَّة، والعلومِ الأصوليَّة، والعلومِ العربية، مما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. الدليل: هو المرشدُ إلى المطلوب، سواءٌ أدَّى إلى العلم أو إلى الظنّ. ناصب الدليل: ناصب الدليل هو الله ﵎، والمبلِّغ عنه الرسول ﷺ . المستدِلّ: هو الطالبُ للدليل؛ فيقع ذلك على السائل؛ لأنه يطلب الدليل من المسؤول؛ كما يقع على المسؤول؛ لأنه يطلب الدليل من الأصول. المستدل عليه: المستدَلُّ عليه هو الحكمُ من تحليلٍ وتحريم، وكراهة وندب. المستدَلُّ له: يقع على الحكم؛ لأنَّ الدليلَ يُطْلَبُ له، ويقع على السائل؛ لأنَّ الدليل يُطْلَبُ له. الاستدلال: هو طلبُ الدليل، وقد يكون ذلك من السائل للمسؤول، وقد يكون من المسؤول في الأصول.

стр. 26

أصول الفقه: أصول الفقه له معنيان؛ أحدهما: أنَّه مركبٌ إضافيٌّ مكوَّن من كلمتين؛ أصول، وفقه، وثانيهما: أنَّه عَلَم وَلَقَبٌ لهذا الفن. أولًا: التعريف الإضافي: الأصول: جمع أصل، وهو ما يُبْنَى عليه غيره؛ كأصل الشجرة التي يتفرَّع عنها أغصانها. والفقه لغة: الفهم؛ واصطلاحًا: معرفةُ الأحكام الشرعيَّةِ الفرعيةِ التي طريقُهَا الاجتهاد. ثانيًا: التعريف اللقبي: العلمُ بأدلَّةِ الفقهِ الإجماليَّةِ، وكيفيَّةِ استخراج الأحكامِ الشرعيَّة منها، وحالِ المستفيد. فائدة أصول الفقه: هو ذو أهميةٍ كبيرة، وفائدة عظيمة، يستطيعُ المجيدُ فيه سلوكَ طريق الاجتهاد باستخراجِ المسائل الشرعيَّة مِنْ أدلَّتها، واستنباطَ الأحكامِ من أصولها؛ إذا توفَّرَتْ لديه الآلة الكاملة. الأحكام: اتفقت الأمة الإِسلامية على أنَّ الأحكام الشرعيَّةِ هي من الله وحده، وأن الرسول ﷺ هو المبلِّغ عنه: إما نصًّا، أو اجتهادًا يقرُّه الله عليه. أقسام الأحكام الشرعية: ينقسم الحكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي: فالأحكام التكليفية خمسة: الواجب: ويسمَّى الفرض، وهو ما يثاب فاعله امتثالاً، ويعاقب تاركه. المندوب: هو ما يثاب فاعله امتثالاً، ولا يعاقب تاركه.

стр. 27

المحرم: ويسمى المحظور، وهو ما يعاقب فاعله، ويثاب تاركه امتثالاً. المكروه: هو ما يثاب تاركه امتثالاً، ولا يعاقب فاعله. المباح: هو ما لا يعاقب فاعله، ولا يثاب تاركه؛ فهو مستوي الطرفين. هذا هو أصل وضع المباح، إلاَّ أنَّه إذا قَصَدَ بفعله الخَيْرَ، التحق بالمأمورات، وإن قصَدَ بفعله الشر، التحق بالمنهيات. الأحكام الوضعية: هو خطابُ الشارع المتعلِّقُ بجعل شيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا، ومن ذلك الصحة والبطلان: السبب: هو جعل الشيء علامةً على تعلُّق الطلب بذمة المكلف؛ كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ فقد جعَلَ الدلوكَ علامةَ توجُّه طلب الصلاة إلى المكلَّف. الشرط: هو ما يلزم مِنْ عدمه عَدَمُ الحكم، فإذا فقدت الطهارة، فقد الأثر المترتِّب عليها، وهو صحة الصلاة، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدمٌ لذاته. المانع: هو ما يلزمُ من وجوده عدَمُ الحكم، على عكس الشرط؛ كالقتل بغير حق، فإنه يمنع الوارث من الإرث إذا قَتَلَ مورِّثه مع قيام سبب استحقاق الإرث. الصحة: ما ترتَّب المقصودُ من الفعل عليه، عبادةً كان أو عقدًا، فالعبادة أبرأت الذمة، وسقط بها الواجب، والعقد ترتّب آثاره بنفوذه، وذلك بترتُّب الملك عليه. ولا يكون الشيء صحيحًا من عبادة أو عقد إلاَّ باجتماع شروطه وانتفاء موانعه. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: هذا أصلٌ كبير، وقاعدةٌ عظيمة، يحصُلُ به لمن حقَّقه نفع عظيم، ويندفع عنه كثيرٌ من الاضطراب والاشتباه، ومعنى هذا الأصل: أن الأحكام لا تتم حتى تتم شروطها وتنتفي موانعها، وأما إذا عدمت الشروط أو قام مانع، لم يتم الحكم عليه؛ فالصلاة، والزكاة،

стр. 28

والصيام، والحج، وسائر الأعمال لا تتم إلاَّ بوجود شروطها وانتفاء موانعها. البطلان: هو الذي لم تترتَّب آثاره عليه لخللٍ في أركانه أو شروطه، سواء كان عبادة أو عقدًا، فإن كان واجبًا: فإن الذمة لم تبرأ، والواجب لم يسقط، بل لا تزال الذمةُ مشغولةً به، وإذا كان عقدًا: فإن أثره وهو انتقال الملك به -لم يحصل. وبعض الأصوليين قالوا: إن الباطل والفاسد مترادفان. وبعضهم قالوا: الباطل ما اتفق العلماء على بطلانه، والفاسد ما اختلفوا فيه، وهذا أرجح. ويحرُمُ فعلُ العباداتِ الباطلة، والعقودِ الباطلة؛ لأن في ذلك مخالفةً لأمر الله تعالى، وتعديًا لحدوده، وفيه سخريةٌ واستخفافٌ بأحكام الله تعالى؛ فإن النبي ﷺ قال للذي طلَّق امرأته ألبتة: "تتخذون آيات الله هزوًا؟! "، وقال ﷺ : "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط؛ قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق". الكلام: هو اللفظُ المفيدُ فائدةً يحسُنُ السكوتُ عليها، أو يتألَّف من اسمين، أو فعل واسم. والاسم: ما دلّ على معنى في نفسه من غير إشعار بزمن، وهو ثلاثة أقسام: ١ - ما يفيد العموم؛ كالأسماء الموصولة، وأسماء الاستفهام، وأسماء الشرط. ٢ - ما يفيد الخصوص؛ كالأعلام. ٣ - ما يفيد الإطلاق؛ كالنكرة في سياق الإثبات. الفعل: ما دل على معنى واقترَنَ بزمان، وهو ثلاثة أنواع: ١ - ماض: ما أفاد الزمن الماضي. ٢ - أمر: ما أفاد الزمن المستقبل.

стр. 29

٣ - مضارع: ما أفاد الحال أو الاستقبال. الحرف: ليس له معنى في نفسه، وإنما يدل على معنى في غيره، سواء كان عاملاً؛ كحروف الجر، أو غير عامل؛ كحروف الاستفهام. الحقائق ثلاث: ١ - لغوية: وهي اللفظ المستعمل فيما وُضِعَ له في اللغة؛ كالدعاء للصلاة. ٢ - شرعية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في الشرع؛ كالصلاة لتلك الأفعال، والأقوال المخصوصة. ٣ - عرفية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف؛ كالدابَّة للماشية على أربع. وفائدة هذا التقسيم: أن يُحْمَلَ كلُّ لفظ على معناه الحقيقي في موضع استعماله، فيحمل في استعمال أهل اللغة على الحقيقة اللغوية، وفي استعمال الشرع على الحقيقة الشرعية، وفي استعمال أهل العرف على الحقيقة العرفية. الأمر: ما تضمَّن طلَبَ الفعل على وجه الاستعلاء؛ مثل: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]. وله صيغ منها: ١ - فعل الأمر؛ كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨]. ٢ - اسم فعل الأمر؛ كقول المؤذن: حَيَّ على الصلاة. ٣ - المضارع المقرون بلام الأمر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ما يقتضيه الأمر: إذا تجرَّدتْ صيغة الأمر من القرائن الصارفة، فإنها تقتضي وجوب المأمور به.

стр. 30

وصيغة الأمر تقتضي الفوريَّة، وبعضهم قال: لا تقتضي الفوريَّة؛ لأنَّ الغرض إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمن الأول. ولا تقتضي التكرار؛ فإن النبي ﷺ قال: "إن الله فرض عليكم الحج، فَحُجُّوا"، ولما سأله الرجل: أفي كل عامٍ؟ أنكر عليه، وقال: "الحج مرة". النهي: النهي هو طَلَبُ الكفِّ عن الفعل على وجه الاستعلاء، وصيغته الفعلُ المضارعُ المقرونُ بلا الناهية؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾. وصيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهيِّ عنه. وإن عاد النهي إلى ذات المنهيِّ عنه أو شرطه: فإنه يقتضي الفساد، وإن عاد إلى أمر خارج: فإن المنهيَّ عنه صحيحٌ مع التحريم. والنهي يفارق الأمر بما يلي: الأول: أن الأمر لا يقتضي الفوريَّة على الراجح؛ بخلاف النهي فيوجب الكف في الحال. الثاني: أن الأمر لا يقتضي التكرار؛ بخلاف النهي فإنه يقتضي أن لا يعود إلى الفعل. موانع التكليف: قال ﷺ : "عُفِيَ لأمَّتي عن الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه" [حديث صحيح] هذه الموانع هي: (أ) الجهل: وهو تصوُّر المعلوم على خلاف ما هو عليه، وقال بعض الأصوليين: إنه عدم العلم بالشيء، وبعضهم قال: إن الأوَّل جهلٌ مركَّب، والثاني جهلٌ بسيط. فمتى فعل المكلَّف محرَّمًا جاهلاً بتحريمه، أو ترك واجبًا جاهلاً بوجوبه عليه، فلا إثم عليه، وأدلته من الكتاب والسنَّة كثيرة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا

стр. 31

مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. (ب) النسيان: وهو ذهولُ القلب عن شيء كان معلومًا، ومثله السهو عن الشيء، فمتى ترك واجبًا ناسيًا، أو فعل محرَّمًا ناسيًا، فلا شيء عليه، ولكن ذمته لم تبرأ بتركِ الواجب؛ فمتى ذكره، أتى به. جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها". (جـ) الخطأ: وهو أن يقصد بفعله شيئًا فيصادف غَيْرَ ما قصده. فمن فعل شيئًا فأخطأ في تصرُّفه، فلا إثم عليه؛ لأن ذلك مرتَّب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطىء لا قَصْدَ لهما؛ فلا إثم عليهما. (د) الإكراه: إلزامُ الشخص على فِعْلِ ما لا يريد أن يفعله، أو إجبارُهُ على تَرْكِ ما يريدُ فعله، فمن أكْرِهَ على فعلٍ محرَّم، أو تركِ واجبٍ، فلا شيء عليه. فهؤلاء لم تنتف عنهم الأهلية، فهم مكلفون، وإنما عرضت لهم عوارض صاروا في حينها معذورين ومعفوًّا عنهم، فإذا زالت عنهم هذه العوارض، طولبوا بما في ذممهم من الواجبات، فإنها لم تسقط عنهم. والخلاصة: أن هؤلاء الأربعة لا إثم عليهم فيما فعلوه؛ لأنَّ الإثم مرتَّبٌ على المقاصد، وهم ليس لهم قصد فيما فعلوه. وأما ضمان ما أتلفوه من نفس أو مالٍ: فهم ضامنون؛ لأنَّ الضمان مرتَّب على نفس الفعل، سواء قصد أو لم يقصد. العامُّ: هو اللفظُ المستغرِقُ لجميع أفراده بلا حصر؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ٢]. وصيغ العموم كثيرة منها: ١ - أسماء الشروط، وأسماء الاستفهام.

стр. 32

٢ - الأسماء الموصولة. ٣ - النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام. ٤ - المعرف بـ"أن" الاستغراقية. حكمه: إذا ورد في التشريع لفظٌ عامٌ، فإنَّ الحكم يتناول جميع أفراده، فيجب العمل بعمومه حتى يقومَ دليلٌ على التخصيص ، فإذا وجد المخصِّص، بقي العام متناولاً ما بقي من الأفراد. ويقل أن يوجد عام ليس مخصِّصًا، حتى قيل: "ما من عام إلاَّ وله مخصِّص". الخاصُّ: هو غيرُ العامِّ، فهو اللفظُ الدالُّ على محصور بشخص أو عدد؛ كرجل، ورجلين، ورجال، ونساء، ورهط، وجماعة. التخصيص: التخصيصُ: هو إخراجُ بعض ألفاظ العام. والمخصِّص -بكسر الصاد-: هو الشارع، ويطلق -أيضًا- على الدليل الذي حصل به التخصيص. أقسام التخصيص: ينقسم إلى متصل ومنفصل: المتصل: ما لا يستقل بنفسه، وأنواعه هي: ١ - الاستثناء: والاستثناءُ إخراجُ بعض أفراد العام بـ"إلاَّ" أو إحدى أخواتها. ٢ - الشرط: تعليقُ شيء بشىء وجودًا أو عدمًا بـ"إِنِ" الشرطية أو إحدى أخواتها. ٣ - الصفة: وهي ما أشعر بمعنًى يختص به بعضُ أفراد العامِّ؛ من نعت أو بدل أو حال.

стр. 33

المنفصل: ما يستقل بنفسه. ويكون بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. المطلَقُ والمقيَّد: المطلق: هو اللفظُ الدالُّ على الحقيقة بلا قيد؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. والمقيد: ما دل على الحقيقة بقيد؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ ...﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. العمل بالمطلق: إذا جاء في النصوص الشرعية لفظٌ مطلَقٌ في موضع، وجاء مقيدًا في موضع آخر: فإن اتحدا حكمًا وسببًا؛ كالدم في الآيتين السابقتين: حمل المطلق منهما على المقيد بلا خلاف بين الأصوليين. وإن اتحد الحكم واختلف السبب، كقوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وفي كفارة قتل الخطأ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]: فهذا فيه خلاف: فبعض الأصوليين: يحمل المطلق منهما على المقيد. وبعضهم: لا يحمله ويقول: لكلِّ نصٍّ حكمه؛ ذلك أن السبب والكفارة أمر تعبديٌّ، ولعلَّ الشارع في مثل كفارة القتل شدَّد في الأمر، وخفَّف في كفارة الظهار، وهكذا كل ما اختلف حكمه واتحد سببه، والله أعلم. المجمَل والمبيَّن: المجمل: هو الذي لا يُعْقَلُ معناه من لفظه، ويفتقر في معرفة المراد منه إلى غيره في تعيينه، أو بيان صفته، أو في بيان مقداره. فمثال الحاجة إلى بيان عينه: القرء في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ فإن القرء لفظٌ مشتركٌ بين الحيض والطهر.

стр. 34

ومثال ما يحتاج إلى بيان صفته: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ فإن كيفيتها مجهولة تحتاج إلى بيان. ومثال ما يحتاج إلى بيان مقداره: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] في مقدار النصاب ومقدار المُخْرَج. المُبَيَّن: هو ما فُهِمَ منه معنًى معيَّن بالنَّصِّ أو بعد البيان. فالأول: كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وكلفظ: سماء، وأرض، وجبل، وغير ذلك؛ فالآيتان صريحتان في بيان الحكمين، والألفاظ الثلاثة مفهومة المعنى بأصل وضعها. الثاني: وهو ما يفهم المرادُ منه بعد التبيين؛ مثلُ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ فإن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كل منهما مجمَلٌ، ولكن الشارع بيَّنهما، فصار حكمهما التفصيلي بيِّنًا بعد التبيين. العمل بالمُجْمَل: يجب على المكلَّف العزمُ على العمل بالمجمل متى ظَهَرَ له بيانه، ويجب عليه البحثُ عنه إذا احتاج إلى العمل؛ فإن النبي ﷺ قد بيَّن لأمته جميع شريعته، ولم يترك شيئًا إلاَّ بيَّنه، إما بقوله، أو بفعله، أو بهما جميعًا. وكل ما جاء مجملاً في القرآن الكريم: فإن السنة المطهرة بيَّنته وفسَّرته، حتى صار ذكره عَلَمًا عليه وعلى أحكامه التفصيلية؛ ولله الحمد. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والبيع، والنكاح، وغير ذلك من ألفاظ كانت مجملة مبهمة، إلاَّ أنها بعد أن عُرِفَتْ أحكامها وتفاصيلها، صارت أحكامًا مبيَّنة مفسَّرة لا تحتاج بعد ذلك إلى بيانٍ.

стр. 35

النصوص الشرعية: كتاب الله تعالى: وهو غنيٌّ عن التعريف، وهو أساسُ الشرع الذي بنيت عليه أحكامه، وكلُّ ما بين الدَّفَّتَيْنِ ثابتٌ ثبوتًا قطعيًّا لا شك ولا ريب فيه، وذلك بطريق التواتر القطعي منذ نزل به الروحُ الأمينُ على قلب الرسول ﷺ من رب العالمين؛ فالقرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي أُنْزِلَ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. السنة النبوية: السنةُ المطهَّرةُ هي صِنْوُ الكتاب، وهي ما نقل إلينا عن رسول الله ﷺ ؛ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ غير القرآن، نقلًا ثابتًا، وبعضُ السنة بلَّغها ﷺ بالوحي، وبعضها بلَّغها باجتهادٍ منه ﷺ . منزلة السنة من الكتاب: للسنة من الكتاب ثلاث منازل: الأولى: سنة موافقةٌ نصوصُهَا نصوصَ الكتاب؛ فهي مؤكِّدة. الثانية: سنة مفسِّرةٌ لنصوص الكتاب المجملة، وسنة مقيِّدة لما جاء في مطلَقه، وسنة مخصِّصَةٌ نصوصها لما جاء من العموم في نصوص الكتاب. الثالثة: سنة أتت بأحكامٍ زائدة على ما جاء به الكتاب: إما بوحي، وإما باجتهاد من الرسول المعصوم الذي لا يقرّه الله على الخطأ. ودلالة الكتاب والسنة إن كانت على جميع المعنى، فهي دلالة مطابقة، وإن كانت على بعضه، فدلالةُ تضمُّن، وإن كانت على توابعِ الحكمِ من شروط ومتمِّمات، فدلالة التزام. النسخ: هو رفعُ حكمِ دليلٍ شرعيٍّ أو لفظِهِ، بدليلٍ آخر من الكتاب أو السنة؛ فإنه

стр. 36

إذا جاء نصٌّ شرعيٌّ بحكمٍ، ثم جاء بعده نص آخر يبطل العمل بحكم النص الأول -في كل ما يتناوله أو في بعضه- سمي النص الثاني: ناسخًا، والنص الأول منسوخًا، ويسمَّى إبطال ما بطل من حكم النص الأول: نسخًا. والنصوص الشرعية التكليفية لم تأتِ دفعة واحدة، بل جاءت تدريجيًّا لتتهيأ نفوس المخاطبين لقبولها وتحمُّل تكاليفها، كما في نصوص الخمر، ونصوص القتال. والنسخ جائزٌ عقلاً: فالأمر لله وحده، ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]؛ فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته، وحكمة الله تعالى تقتضي مصالح العباد، والمصالح تختلف حسب الزمان والمكان والحال. أما جوازه شرعًا: فإنه موجودٌ في نصوص الكتاب والسنَّة؛ قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وقال ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" [رواه مسلم وغيره]. ما يمتنع نسخه: كل النصوص الطلبية قابلة للنسخ إلاَّ قسمين: الأول: ما نص على تأبيد؛ كقوله ﷺ : "الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة". الثاني: كل نص لا يقبل حسنه أو قبحه السقوطَ؛ نحو قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، و ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. الأخبار: غير قابلة للنسخ؛ لأنَّ النسخ تكذيبٌ للخبر الأوّل، وهو محالٌ على الله ورسوله، ولأن النسخ محلُّه الحكم. الأحكام: التي تكون صالحة في كل زمان ومكان من أصول الإيمان، وأصول العبادات، ومكارم الأخلاق، وأمثال ذلك مما هو واجب وحسن في كل مِلَّةٍ سماوية لم تُحَرَّف.

стр. 37

كما أنَّه لا يمكن نسخ ما هو قبيحٌ في كل ملَّة سماوية لم تحرَّف؛ وذلك مثل الشرك، والكفر، والظلم، والقبائح، ومساوىء الأخلاق؛ لأن الشرائع أجمعت كلها على ما فيه مصالح العباد، ودفعِ ما فيه مفسدةٌ عليها. شروط النسخ: ١ - تعذُّر الجمع بين الدليلين. ٢ - العلم بتأخُّر الناسخ. ٣ - ثبوت الناسخ. الفرق بين النسخ وبين التقييد والتخصيص: إنما يظهر في عصر الرسالة فقط؛ وذلك أن النص قد يجيء عامًّا ومعه ما يخصِّصه؛ فيدل هذا من أول الأمر على أن العام قاصرٌ على ما بقي بعد التخصيص، وقد يجيء مطلقًا ومعه ما يقيِّده؛ فيدل هذا من أول الأمر على أن المطلق لا يعمل به إلاَّ مع القيد المذكور. حكمة النسخ: ١ - مراعاةُ مصالحِ العباد بتشريعِ ما هو المناسبُ لهم، وما فيه نفعُهُمْ في دنياهم وأخراهم. ٢ - التدرُّجُ في التشريع، وَأَخْذُ الناس به شيئًا فشيئًا؛ كما في تحريم الخمر، وفرض الشرائع. وهناك حِكَمٌ أُخْرَى، وهذان الأمران أهم ما في ذلك بظهورهما في تاريخ التشريع. هذا؛ وإنه من المعلوم أنه لا نسخ بعد وفاة النبي ﷺ ؛ لأن أحكام الشرع لا ينسخها إلَّا الشَّارع. إذا تقرَّر هذا، فإننا بعد وفاة النبي ﷺ يجبُ علينا أن ننظر في نصوص الكتاب والسنة من حيثُ التخصيصُ والتقييد، كأنَّ النصوص جاءت معًا فنخصِّص العامَّ، ونقيِّد المطلق، ولا يعنينا تواريخُ مجيء النصوص من الناحية

стр. 38

العملية، وإنما يعنينا مِنَ الناحية التاريخية؛ لنعرف تطوُّرات التشريع والظروف والمناسبات التي جاء فيها. وإنَّ في هذا من الفوائد العظمى ما لا يُسْتَهان به. ونصوصُ الكتاب والسنة ينسخُ بعضها بعضًا على قول جمهور الفقهاء؛ لأنها في مستوًى واحدٍ من حيثُ التشريعُ؛ إذ هي في الحقيقة كلُّها من عند الله تعالى. تعارض النصوص: يجب أن نعلم أنه ليس بين نصوص الشريعة الثابتة تناقُضٌ، بل إذا وُجدَ ما ظاهرُهُ ذلك، فلا بدَّ من نسخٍ أو تخصيصٍ أو تقييدٍ أو تأويل أو ترجيحٍ لأحد النَّصَّيْن على الآخر. فإذا وجدنا نصَّيْنِ صحيحَيْن متعارضَيْن، فلنا في ذلك ثلاث طرق: الأولى: هي الجمع بينهما بحَمْلِ كلِّ واحد منها على حال، فمتى أمكن الجمعُ بينهما، فإننا لا نعدل إلى سواه؛ لأن في ذلك إعمالَ النصوصِ الشرعية كلها. الثانية: إذا لم يكن الجمعُ بينهما، وعرفنا المتأخِّر منهما، اعتبرنا المتأخِّر منهما ناسخًا للمتقدِّم. الثالثة: إذا لم يُعْرَفِ المتقدِّم والمتأخِّر، رجعنا إلى الترجيح؛ فاعتمدنا أصحهما: * فيقدَّم النصُّ على الظاهر. * والظاهر على المؤول. * والمنطوق على المفهوم. * والمُثْبِتُ على النافي. * والناقلُ عن الأصل على المبقي عليه.

стр. 39

الإجماع: هو اتفاقُ الفقهاء المجتهدين مِنْ أمة محمد ﷺ بعد وفاته على أمرٍ من الأمور الشرعية، قولاً أو فعلاً، في أي عصرٍ من العصور. وذهب بعض الأئمة الكبار: إلى أن الإجماع لا يمكن تحقُّقه إلاَّ في عصر الصحابة، إذ كانوا قليلين، وكانت تجمعهم رقعة ضيقة من الأرض، وأما بعد هذا العصر: فقد تفرَّق الفقهاء وحَمَلةُ السنة في نواح متعدِّدةٍ؛ كالعراق، والشام، والمغرب، والحجاز، واليمن، وصار الاطلاع على آراء جميع الفقهاء منهم في عصرٍ واحدٍ مع هذا التفرُّق كالمتعذِّر. لكنْ: جمهورُ الفقهاء على القول بجوازِ الإجماع في كل عصرٍ، فإذا حدَثَتْ حادثة وأفتى فقيه مجتهد، أو حكَمَ بها قاضٍ مجتهدٌ، ثم تناقلها المجتهدون من المفتين والقضاة، وارتضَوْهَا وعملوا بها، ولم يوجد مخالفٌ ممَّن بلغتهم: فهذا إجماعٌ قوليٌّ، ومن المقرِّين لها إجماعٌ سكوتيّ. وقد يكونُ الإجماعُ عمليًّا كالعمل بما تقتضيه العادة والعرف. حجية الإجماع: ذهَبَ جمهورُ علماءِ الأصول: إلى أن الإجماع حجةٌ قطعية، وأنه أصلٌ من أصول التشريع. وإذا اتفق أكثرُ المجتهدين على حكم مسألةٍ شرعيَّة اجتهاديَّة، وخالفهم قليلٌ من العلماء، فما قال به الأكثَرُ لا يعتبرُ إجماعًا، وإنما يعتبرُ حجةً شرعية فقط؛ وذلك لقوَّته. وكثيرٌ من الفقهاء المنتصرين لمذاهبهم، أو لمسألة يَرَوْنها يُسْرِفون في حكايةِ الإجماع، فأيُّ مسألة ينقلون الإجماع فيها، إذا تتبَّعها الباحثُ وجَدَ الخلافَ فيها. قال ابن القيِّم: عادةُ ابن المنذر إذا رأى أكثَرَ أهلِ العلمِ قالوا في مسألة،

стр. 40

حكاه إجماعًا. مستند الإجماع: ذهب جمهورُ الأصوليين: إلى أن الإجماع ليس أصلاً مستقلاًّ بنفسه؛ بل لابد له من مستند من الكتاب أو السنة، سواء علمنا ذلك أو لا؛ إذ يكفي أن يكون الإجماع قد وصل إلينا بطريق النقل الصحيح. وإنما قالوا ذلك؛ لأنَّ الإجماع لو كان أصلاً مستقلاًّ لاقتضى إثبات شرع زائد بعد النبي ﷺ وذلك غير جائز. وذهب جمهور الأصوليين: إلى عدم جواز نسخ الإجماع بالإجماع؛ وذلك أن الإجماع الأول لو كان قطعيًّا، وفرضنا أن الثاني قطعي أيضًا؛ كان هذا محالًا؛ إذ الأمة أجمعَتْ على الأول، ولا تجتمعُ الأمةُ على ضلالة، فيحكم على الإجماع الثاني بأنه خطأٌ لمجيئه مخالفًا للدليل القاطع، ولا يتصوَّر وجودُ إجماعٍ قطعيٍّ لاحقٍ ينسخ إجماعًا قطعيًّا سابقًا. القياس: معناه: إلحاقُ فرعٍ بأصل في الحكمِ لمساواتِهِ له في عِلَّةِ حُكْمه. ويشترط لكلِّ قياس أربعةُ أشياء: ١ - المقيس عليه، ويسمَّى الأصل. ٢ - المقيس، ويسمَّى الفرع. ٣ - الوصف الجامع بين الأصل والفرع، ويسمَّى العلة. ٤ - الحكم الشرعي المنقول من الأصلِ إلى الفرع.
следующие страницы →