Полный текст (4 050 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إذا جاء نصٌّ شرعيٌّ بحكمٍ، ثم جاء بعده نص آخر يبطل العمل بحكم النص الأول -في كل ما يتناوله أو في بعضه- سمي النص الثاني: ناسخًا، والنص الأول منسوخًا، ويسمَّى إبطال ما بطل من حكم النص الأول: نسخًا.
والنصوص الشرعية التكليفية لم تأتِ دفعة واحدة، بل جاءت تدريجيًّا لتتهيأ نفوس المخاطبين لقبولها وتحمُّل تكاليفها، كما في نصوص الخمر، ونصوص القتال.
والنسخ جائزٌ عقلاً: فالأمر لله وحده، ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]؛ فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته، وحكمة الله تعالى تقتضي مصالح العباد، والمصالح تختلف حسب الزمان والمكان والحال.
أما جوازه شرعًا: فإنه موجودٌ في نصوص الكتاب والسنَّة؛ قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وقال ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" [رواه مسلم وغيره].
ما يمتنع نسخه:
كل النصوص الطلبية قابلة للنسخ إلاَّ قسمين:
الأول: ما نص على تأبيد؛ كقوله ﷺ : "الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة".
الثاني: كل نص لا يقبل حسنه أو قبحه السقوطَ؛ نحو قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، و ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
الأخبار: غير قابلة للنسخ؛ لأنَّ النسخ تكذيبٌ للخبر الأوّل، وهو محالٌ على الله ورسوله، ولأن النسخ محلُّه الحكم.
الأحكام: التي تكون صالحة في كل زمان ومكان من أصول الإيمان، وأصول العبادات، ومكارم الأخلاق، وأمثال ذلك مما هو واجب وحسن في كل مِلَّةٍ سماوية لم تُحَرَّف.
стр. 37
كما أنَّه لا يمكن نسخ ما هو قبيحٌ في كل ملَّة سماوية لم تحرَّف؛ وذلك مثل الشرك، والكفر، والظلم، والقبائح، ومساوىء الأخلاق؛ لأن الشرائع أجمعت كلها على ما فيه مصالح العباد، ودفعِ ما فيه مفسدةٌ عليها.
شروط النسخ:
١ - تعذُّر الجمع بين الدليلين.
٢ - العلم بتأخُّر الناسخ.
٣ - ثبوت الناسخ.
الفرق بين النسخ وبين التقييد والتخصيص: إنما يظهر في عصر الرسالة فقط؛ وذلك أن النص قد يجيء عامًّا ومعه ما يخصِّصه؛ فيدل هذا من أول الأمر على أن العام قاصرٌ على ما بقي بعد التخصيص، وقد يجيء مطلقًا ومعه ما يقيِّده؛ فيدل هذا من أول الأمر على أن المطلق لا يعمل به إلاَّ مع القيد المذكور.
حكمة النسخ:
١ - مراعاةُ مصالحِ العباد بتشريعِ ما هو المناسبُ لهم، وما فيه نفعُهُمْ في دنياهم وأخراهم.
٢ - التدرُّجُ في التشريع، وَأَخْذُ الناس به شيئًا فشيئًا؛ كما في تحريم الخمر، وفرض الشرائع.
وهناك حِكَمٌ أُخْرَى، وهذان الأمران أهم ما في ذلك بظهورهما في تاريخ التشريع.
هذا؛ وإنه من المعلوم أنه لا نسخ بعد وفاة النبي ﷺ ؛ لأن أحكام الشرع لا ينسخها إلَّا الشَّارع.
إذا تقرَّر هذا، فإننا بعد وفاة النبي ﷺ يجبُ علينا أن ننظر في نصوص الكتاب والسنة من حيثُ التخصيصُ والتقييد، كأنَّ النصوص جاءت معًا فنخصِّص العامَّ، ونقيِّد المطلق، ولا يعنينا تواريخُ مجيء النصوص من الناحية
стр. 38
العملية، وإنما يعنينا مِنَ الناحية التاريخية؛ لنعرف تطوُّرات التشريع والظروف والمناسبات التي جاء فيها.
وإنَّ في هذا من الفوائد العظمى ما لا يُسْتَهان به.
ونصوصُ الكتاب والسنة ينسخُ بعضها بعضًا على قول جمهور الفقهاء؛ لأنها في مستوًى واحدٍ من حيثُ التشريعُ؛ إذ هي في الحقيقة كلُّها من عند الله تعالى.
تعارض النصوص:
يجب أن نعلم أنه ليس بين نصوص الشريعة الثابتة تناقُضٌ، بل إذا وُجدَ ما ظاهرُهُ ذلك، فلا بدَّ من نسخٍ أو تخصيصٍ أو تقييدٍ أو تأويل أو ترجيحٍ لأحد النَّصَّيْن على الآخر.
فإذا وجدنا نصَّيْنِ صحيحَيْن متعارضَيْن، فلنا في ذلك ثلاث طرق:
الأولى: هي الجمع بينهما بحَمْلِ كلِّ واحد منها على حال، فمتى أمكن الجمعُ بينهما، فإننا لا نعدل إلى سواه؛ لأن في ذلك إعمالَ النصوصِ الشرعية كلها.
الثانية: إذا لم يكن الجمعُ بينهما، وعرفنا المتأخِّر منهما، اعتبرنا المتأخِّر منهما ناسخًا للمتقدِّم.
الثالثة: إذا لم يُعْرَفِ المتقدِّم والمتأخِّر، رجعنا إلى الترجيح؛ فاعتمدنا أصحهما:
* فيقدَّم النصُّ على الظاهر.
* والظاهر على المؤول.
* والمنطوق على المفهوم.
* والمُثْبِتُ على النافي.
* والناقلُ عن الأصل على المبقي عليه.
стр. 39
الإجماع:
هو اتفاقُ الفقهاء المجتهدين مِنْ أمة محمد ﷺ بعد وفاته على أمرٍ من الأمور الشرعية، قولاً أو فعلاً، في أي عصرٍ من العصور.
وذهب بعض الأئمة الكبار: إلى أن الإجماع لا يمكن تحقُّقه إلاَّ في عصر الصحابة، إذ كانوا قليلين، وكانت تجمعهم رقعة ضيقة من الأرض، وأما بعد هذا العصر: فقد تفرَّق الفقهاء وحَمَلةُ السنة في نواح متعدِّدةٍ؛ كالعراق، والشام، والمغرب، والحجاز، واليمن، وصار الاطلاع على آراء جميع الفقهاء منهم في عصرٍ واحدٍ مع هذا التفرُّق كالمتعذِّر.
لكنْ: جمهورُ الفقهاء على القول بجوازِ الإجماع في كل عصرٍ، فإذا حدَثَتْ حادثة وأفتى فقيه مجتهد، أو حكَمَ بها قاضٍ مجتهدٌ، ثم تناقلها المجتهدون من المفتين والقضاة، وارتضَوْهَا وعملوا بها، ولم يوجد مخالفٌ ممَّن بلغتهم: فهذا إجماعٌ قوليٌّ، ومن المقرِّين لها إجماعٌ سكوتيّ.
وقد يكونُ الإجماعُ عمليًّا كالعمل بما تقتضيه العادة والعرف.
حجية الإجماع:
ذهَبَ جمهورُ علماءِ الأصول: إلى أن الإجماع حجةٌ قطعية، وأنه أصلٌ من أصول التشريع.
وإذا اتفق أكثرُ المجتهدين على حكم مسألةٍ شرعيَّة اجتهاديَّة، وخالفهم قليلٌ من العلماء، فما قال به الأكثَرُ لا يعتبرُ إجماعًا، وإنما يعتبرُ حجةً شرعية فقط؛ وذلك لقوَّته.
وكثيرٌ من الفقهاء المنتصرين لمذاهبهم، أو لمسألة يَرَوْنها يُسْرِفون في حكايةِ الإجماع، فأيُّ مسألة ينقلون الإجماع فيها، إذا تتبَّعها الباحثُ وجَدَ الخلافَ فيها.
قال ابن القيِّم: عادةُ ابن المنذر إذا رأى أكثَرَ أهلِ العلمِ قالوا في مسألة،
стр. 40
حكاه إجماعًا.
مستند الإجماع:
ذهب جمهورُ الأصوليين: إلى أن الإجماع ليس أصلاً مستقلاًّ بنفسه؛ بل لابد له من مستند من الكتاب أو السنة، سواء علمنا ذلك أو لا؛ إذ يكفي أن يكون الإجماع قد وصل إلينا بطريق النقل الصحيح.
وإنما قالوا ذلك؛ لأنَّ الإجماع لو كان أصلاً مستقلاًّ لاقتضى إثبات شرع زائد بعد النبي ﷺ وذلك غير جائز.
وذهب جمهور الأصوليين: إلى عدم جواز نسخ الإجماع بالإجماع؛ وذلك أن الإجماع الأول لو كان قطعيًّا، وفرضنا أن الثاني قطعي أيضًا؛ كان هذا محالًا؛ إذ الأمة أجمعَتْ على الأول، ولا تجتمعُ الأمةُ على ضلالة، فيحكم على الإجماع الثاني بأنه خطأٌ لمجيئه مخالفًا للدليل القاطع، ولا يتصوَّر وجودُ إجماعٍ قطعيٍّ لاحقٍ ينسخ إجماعًا قطعيًّا سابقًا.
القياس:
معناه: إلحاقُ فرعٍ بأصل في الحكمِ لمساواتِهِ له في عِلَّةِ حُكْمه.
ويشترط لكلِّ قياس أربعةُ أشياء:
١ - المقيس عليه، ويسمَّى الأصل.
٢ - المقيس، ويسمَّى الفرع.
٣ - الوصف الجامع بين الأصل والفرع، ويسمَّى العلة.
٤ - الحكم الشرعي المنقول من الأصلِ إلى الفرع.
стр. 41
مسألتان هامَّتان
المسألة الأولى:
ما شرعه الله تعالى لعباده إنما شرعه لهم لمصلحةٍ تعودُ عليهم، بجَلْبِ ما فيه خيرٌ لهم، ودفع ما فيه شرٌّ عنهم، وهذه هي الحكمةُ المقتضيةُ لتشريع الأحكام؛ وإلاَّ فإن الله تعالى غنيٌّ عن العالمين، ومتعالٍ بكماله المُطْلَقِ أن يناله نفعٌ أو ضرر.
والعِلَّةُ الباعثةُ على التشريع قد تكونُ خفيَّة؛ لذا فإنَّ المدارَ هو وجوبُ المتابعةِ والإذعانِ والخضوعِ لأمر الله؛ كما أنَّ الأحكامَ تدار على ما يظهر من الأوصاف الظاهرة المنضبطة التي يُظَنُّ وجودُ الحكمة معها، وسمِّيَتْ تلك الأوصافُ بالعللِ الشرعية. فإنَّ العلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يُظَنُّ وجود الحكمة الباعثة على التشريع معه غالبًا.
لذا كان دوران الحكم مع علته أضبَطَ وأبعَدَ عن الاضطراب والخلل فيها.
ومن هنا فإن القاعدة هي: "أن مناطَ الأحكام المَظَانُّ الكلية".
المسألة الثانية:
مقاصد الشارع من وَضْعِ الشريعة تنحصرُ في ثلاثة أقسام، هي:
الأول: المقاصدُ الضروريَّة، وهي حفظُ الدين، والعقل، والنفس، والعرض، والنسل، والمال، وحفظُهَا بما يقيمُ أركانَهَا، ويضمَنُ بقاءها، وبما يخلِّصها من الخَلَلِ الواقع بها، ويدرأ عنها الخللَ المتوقَّعَ في المستقبل:
فقد شُرع الجهادُ: لحفظ الدين، وضمان بلاغه، والقصاص: لحفظ النفس، والقطع: لحفظ المال، والحد في الزنى: لصون العرض وحفظ النسل، وحد المسكر: لحفظ العقل.
الثاني: المقاصد الحاجية، وهي ما يقع محلَّ الحاجة، ولم يصل إلى
стр. 42
الضرورة لغرض التوسعة، ورفع الضيق المودِّي إلى المشقة والحرج، والذي يرفعه إباحةُ البيوعِ، والإجارات، والمشاركات، وسائر المعاملات، والتمتُّع بالطيِّبات.
الثالث: المقاصدُ الكماليَّة، ويندرجُ تحتها محاسنُ العادات، وكلُّ ما فوقَ الحاجيَّات من التحسينيَّات.
الاجتهاد:
الاجتهاد: هو بذلُ الفقيه وُسْعَهُ في نيل حكمٍ شرعيٍّ عمليٍّ بطريقة الاستنباط، ومعنى "بذل الوسع": أن يأتي بكل ما يستطيعُ للوصولِ إلى معرفة الحكمِ الشرعيِّ حتى يُحِسُّ من نفسه العجزَ عن طلب الزيادة.
ولابد أن يكون مَنْ بَذَلَ جهده لطلب الحكمِ الشرعيِّ فقيهًا؛ لأنَّ غير الفقيه ليس فيه من المؤهِّلات ما يوصِّله إلى المطلوب، فلا يعتبر اجتهاده، ولا يسمَّى مجتهدًا؛ كما لو بذل شخصٌ لم يتعلَّم الطب كلَّ ما في وسعه لمعرفةِ مرضٍ باطنيٍّ في مريضٍ خاصٍ، وَعَمِلَ العلاجَ اللازمَ لهذا المرض.
شروط المجتهد:
اشترَطَ الأصوليُّون في المجتهِدِ شروطًا إذا توافَرَتْ فيه، كان أهلاً للاجتهاد، وهذه خلاصتها:
الأول: أن يكون عالمًا بالكتاب لغةً؛ بمعرفة مفرداته، ومركَّباته وخواصِّها، وذلك باطِّلاعه على مفردات اللغة، والصرف، والنحو، والبيان، والمعاني، بطريق التعلُّمِ والممارسة بالكلام الجيِّد من كلام العرب.
الثاني: أن يكون عالمًا بالسنَّة؛ بأن يعرفها بمتنها، وهو نَفْسُ الحديث، وسندِهَا، وهو طريقُ وصولها إلينا، ومعرفة حال الرواة من الجرح والتعديل ... ويكتفي بتعديلِ الأئمة الموثوقِ بهم؛ كالإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وغيرهم من أئمة السنة الكبار.
الثالث: أن يكون ذا معرفةٍ تَامَّة بأصولِ الفقهِ مِنْ معرفةِ العامِّ والخاص،
стр. 43
والمطلق والمقيَّد، والمجمَلِ والمبيَّن، والناسخِ والمنسوخ، وطريقة الجمعِ، والترجيح في النصوص التي ظاهرُهَا التعارض، وغير ذلك مما يحتاجُ إليه المجتهد، وما هو مبيَّن في مَحَالِّهِ من كتب الأُصول.
فإذا توافرتْ هذه الشروط في عَالِمٍ، وآتاه الله تعالى الفَهْمَ الصحيحَ لنصوص كتابه وسنة رسوله ﷺ ، واستعان بالله تعالى، وأكثر البحثَ والمراجعةَ، ثم استعان بكلام الأئمَّة السابقين والعلماء الأقدمين-: فإن الله تعالى سيوفِّقه.
ولذا ندركُ خطأ من قال: "إنَّ بابَ الاجتهاد مقفول"، بل هو مفتوح، ولكن بمفتاحه المُعَدِّ له، كما ندرك خطأ شباب جاهل زَجَّ بنفسه في هذا الميدانِ الخَطَرِ بلا سلاح.
فنسأل الله تعالى الهدايةَ للجميع، والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلِّم.
стр. 44
الأصل الثالث
في
القواعد الفقهية
стр. 45
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد:
فهذه القواعدُ وشرحها قد استقيناها من عدة مصادر مِنْ كتب القواعد، إلاَّ أننا أجرَيْنا في كلِّ ما اطَّلعنا عليه مِنَ المصادر بعضَ التصرُّفات من الاختصار والتعديل والتوضيح؛ لتكون ملائمةً لمن يريد الفائدة القريبةَ، والثمرة الدانية.
تعريف وتاريخ:
القاعدة لغة: هي أساس الشيء؛ كالبناء ونحوه.
واصطلاحًا: هي حكمٌ أغلبيٌّ ينطبقُ على معظم جزئيَّاته.
فهي أصول فقهية كلية في نصوص موجزة؛ تتضمَّن أحكامًا تشريعية عامة. وتمتاز في صياغتها -على عمومها- بالإيجاز.
وهي أحكامٌ أغلبيةٌ غيرُ مطَّردة؛ لأنها تصوُّر الفكرة الفقهية المبدئية التي تعبِّر عن المنهاج القياسي العام، والقياسُ كثيرًا ما ينخرم في بعض المسائل إلى حلول استحسانيَّة؛ ولذا فإنها لا تخلو من استثناءات في فروع الأحكام التطبيقية؛ إذ يرى الفقهاء أن تلك الفروع المستثناة من القاعدة هي أليق بالتخريج على قاعدة أخرى.
ولكنْ كونُ القواعدِ أغلبيةً لا يَنْقُصُ من قيمتها العلمية؛ فإن فيها تصويرًا بارعًا للمقرَّرات الفقهية العامة، وضبطًا لفروع الأحكام العملية، تبيِّن في كل زمرة من هذه الفروع وحدةَ المناط، وجهةَ الارتباط.
قال القرافي: وقواعد الفقه عظيمةُ النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظُمُ قدر الفقيه، وتتضحُ له مناهجُ الفتوى، وَمَنْ أخذ الفروعَ الجزئية دون القواعدِ الكليَّة، تناقضت عليه تلك الفروع واضطربت.
أما مَنْ ضبَطَ الفقهَ بقواعده، فإنه يستغني عن ضبط أكثر الجزئيات؛
стр. 46
لاندراجها في الكليات، وتناسَبَ عنده ما تضارَبَ عند غيره.
والقواعد الفقهية لم توضَعْ كلُّها جملةً واحدة؛ بل تكوَّنت نصوصها بالتدرُّج في عصور ازدهار الفقه ونهضته؛ على أيدي كبار فقهاء المذاهب؛ استنباطًا من دلالات النصوص التشريعية العامة وعلل الأحكام.
ولا يعرفُ لكلِّ قاعدة صانعٌ معيّن من الفقهاء، إلاَّ ما كان منها نصُّ حديث نبوي؛ مثل قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار"، فمعظم تلك القواعد قد اكتسبت صياغتها عن طريق التداول والتحرير على أيدي الفقهاء في مجال التعليل والاستدلال؛ فالتعليل للأحكام أعظَمُ مصدر لتقعيد هذه القواعد.
ولعلَّ أقدم من جمَعَ أهمِّ القواعد هو العلَّامةُ أبو طاهرٍ الدبَّاس الحنفيُّ؛ فقد جمع سبع عشرة قاعدة.
ثم صنَّف الكرخي فيها رسالةً خاصَّةً جاءت بسبع وثلاثين قاعدة، وهكذا إلى أن جاء السبكيُّ بكتابه "الأشباه والنظائر"، فبسط القول فيها وفرَّعه.
ثم جاء الزركشي فصنَّف فيها كتابًا سمَّاه "المنثور في ترتيب القواعد الفقهية"، ثم تابعه الخادمي بمجموعٍ جمع فيه طائفةً كبيرة من تلك القواعد.
وقد ألَّف في هذه القواعد عددٌ كبيرٌ من فقهاء المذاهب من أمثال السيوطي الشافعي في كتابه "الأشباه والنظائر"، والقرافي المالكي في كتابه "الفروق"، وابن رجب الحنبلي في كتابه "القواعد الفقهية".
قال الشيخ مصطفى الزرقاء: أما قواعدُ المَجَلَّة، فكلُّها قواعدُ كلية ذات صياغة فنية، غير أن فيها شيئًا من الترادُفِ أو التداخُلِ مع غيره.
ثم إنَّ الشيخ أحمد الزرقاء والدَ الشيخ مصطفى الزرقاء درَّس تلك القواعد، وعُنيَ بها عنايةً تامَّة، وأطال البحثَ والتفتيش فيها، فألَّف فيها كتابه القيم "شرح القواعد الفقهية" الذي هذَّب فيه تلك القواعد -المائة- ثم شرحها فيه شرحًا جامعًا وافيًا، يغني كلَّ باحث فيها عمَّا سواه في هذا الباب،، والله الموفِّق.
стр. 47
معنى القواعد الفقهية
القواعد: جمع قاعدة، وهي لغةً: أساس البناء.
واصطلاحًا: حكمٌ أغلبيٌّ ينطبق على معظم جزئياته؛ لتعرف أحكامها منه، فأحكامها ليست كليةً بل هي أغلبية؛ ذلك أن بعض فروع تلك القواعد يعارضها أثر أو ضرورة أو قيد أو علة مؤثِّرة؛ فتخرجها عن الاطراد، فحكم عليها بالأغلبية لا بالاطراد.
مَيْزَاتُهَا:
تمتاز القواعدُ الفقهية بمزيدٍ من الإيجاز في صياغتها على عمومِ معناها، فتعتَبَرُ من جوامعِ الكلمِ كقولهم: "الأمور بمقاصدها"، أو "المشقة تجلب التيسير"؛ فكل من هاتين الجملتين قاعدة كلية كبرى يندرج تحتها ما لا يحصى من المسائل الفقهية المختلفة.
وفي هذه القواعد الكلية الفقهية ضَبْطٌ لفروعِ الأحكام العملية.
قال القرافي: القواعدُ الكليَّة الفقهيَّة جليلةُ القدر، مشتملة على أسرار الشَّرْع وحِكَمِهِ، فهي مهمةٌ في الفقه، عظيمةُ النفِع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، وتتضحُ له مناهج الفتوى، فمن ضَبَط الفقهَ بقواعده، استغنَى عن حفظ أكثر الجزئيَّات؛ لاندراجها في سلك الكليات.
أنواع القواعد الفقهية ومراتبها:
القواعد الفقهية ليستْ على درجةٍ واحدةٍ من العمومِ والشمول، فهناك القواعدُ الكبرى، وهي قواعدُ خمسٌ يندرجُ تحت كلِّ واحدة منها عددٌ من القواعد الفقهية، فهي أشملُ وأعمُّ مما سواها؛ بكثرة ما يندرج تحتها من الفروع والمسائل الفقهية من مختلف أبواب الفقه.
وهذه القواعد الخمس هي:
стр. 48
١ - الأمور بمقاصدها.
٢ - اليقين لا يزول بالشك.
٣ - الضرر يُزال.
٤ - المشقة تجلب التيسير.
٥ - العادة محكَّمة.
وهناك قواعد أخر أقلُّ شمولاً للفروع من هذه القواعد، وتسمَّى "قواعد جزئية"، وستأتي إن شاء الله تعالى.
الفرق بين القاعدة، والضابط:
القاعدة قد تستعمل بمعنى الضابط، والضابط قد يستعمل بمعنى القاعدة، إلاَّ أن بينهما فرقين:
أحدهما: أن القاعدة تَجْمَعُ فروعًا من أبوابٍ شتى، وأما الضابط فلا يجمع إلاَّ فروعًا من باب واحد.
الثاني: أن القاعدة متفقٌ عليها بين المذاهب أو أكثرها، وأما الضابط فيختصُّ بمذهب معيَّن، وقد أجملناها كلَّها باسم القواعد من باب تسمية البعض باسم الكل، وهو سائغٌ لغةً وشرعًا وعرفًا.
الفرق بين أصول الفقه، والقواعد الفقهية:
علم "أصول الفقه": مجموعةٌ من القواعد التي تبيِّن للفقيه طُرُقَ استخراج الأحكام من الأدلَّة الشرعية، فهو يبيِّن أصل الشريعة في التكاليف العملية، ويرسم المناهج للمجتهد؛ ليسير في سبيل قويم إلى استنباط الأحكام الفرعية، ويعصمه من الخطأ في الاستنباط.
فموضوع "علم أصول الفقه" الأدلَّةُ الإجماليَّةُ، والأحكام الكلية، وكيفية استنباط الحكم من الدليل الإجمالي.
وأما القواعد الفقهية: فهي مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع
стр. 49
إلى قياس واحد يجمعها، أو إلى ضابطٍ فقهيٍّ يربطها، فهي أصلٌ للأحكام الفقهيَّة الجزئيَّة المتفرِّقة يَعْمِدُ إليها الفقيه؛ فيجمع شتاتَها ويربطُ بين جزئياتها برباط وثيق هو "القاعدة الفقهية" التي تحكمها؛ فهي مبنية على الجمع بين المسائل المتشابهة من الأحكام الفقهية.
فموضوع علم هذه القواعد: هو ما تشابَهَ من المسائلِ والأحكامِ الفقهيَّة، وما يربطُ كلَّ مجموعة متشابهة منها من قياس أو ضابط فقهي هو "القاعدة"، أما "أصول الفقه": فينبني عليه استنباطُ الفروعِ الفقهية من أدلتها.
стр. 50
القواعد الكليَّة الخمس الكبرى
تقدَّم لنا أن "القواعد الفقهية" ليستْ على درجةٍ واحدةٍ من العموم؛ فهناك قواعد كبرى، وهناك قواعد أُخر أقلُّ منها شمولاً للفروع، وهذا بيان للكبرى والإشارة إلى بعض معانيها:
القاعدة الأولى من القواعد الكبرى: (الأمور بمقاصدها):
دليلها: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات".
معنى القاعدة لغة: الأمور جمع أمر، وهو الحال، والمقاصد: جمع مقصد، ومعناه: الإرادة والعزم.
والمعنى: أن أعمال المكلَّف وتصرُّفاته تختلفُ نتائجها باختلافِ مقصودِ الشخص وغايته؛ فمن التَقَطَ لُقَطةً يقصد أخذَهَا لنفسه، كان غاصبًا، ومن التقطها لحفظها وتعريفها وردِّها لصاحبها متى ظهر، كان أمينًا.
وكما أن الفعل يتكيَّف حكمه في أحكام الدنيا بناءً على قصد فاعله، فكذلك يترتَّب عليه من جزاء الآخرة بالثواب والعقاب حَسَبَ قصده.
وهذه القاعدة على وجازتها ذاتُ معنًى عامٍّ يشملُ كل ما يصدر عن الإنسان من قول أو فعلٍ.
القاعدة الثانية من القواعد الكبرى: (لا ضرر ولا ضرار):
هي نَصٌّ من حديث أخرجه الحاكم، والبيهقيُّ، والدارقطني، عن عبادة ابن الصامت.
معنى القاعدة: الضررُ: إلحاقُ مفسدةٍ بالغير، وأما الضرارُ: فالمجازاة بالمقابلة، وحرم الضرر لأنه تعدٍّ، وحرم الضرار؛ لأنه مفسدة بلا مصلحة، وأفضل منه تضمين المتعدِّي، كما في حديث قَصْعة عائشة ﵂.
هذه القاعدة ركنٌ من أركان الشريعة لها أدلَّةٌ كثيرة من الكتاب والسنَّة،
стр. 51
وهي أساسٌ لمنع الفعل الضار؛ كما أنها أصلٌ لمبدأ جلب المصالح ودرء المفاسد، وهي عمدة الفقهاء في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث.
وعلى هذه القاعدة: يبنى كثير من أبواب الفقه؛ كالرد بالعيب، والحَجْرِ بأنواعه، والشفعة، والحدود، والقصاص، والكفارات، وضمان المتلفات، ودفع الصائل، وقتال البُغاة، إلى غير ذلك مما في حِكمة شرعيته دفع للضرر.
القاعدة الثالثة من القواعد الكبرى: (اليقين لا يزول بالشك):
من أدلة هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وفي الصحيحين: "شكا إليه ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا".
وفي مسلم: "إذا شكَّ أحدكم في صلاته، فلم يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أو أرْبعًا؟ فَلْيَطْرَح الشكَّ وَلْيَبْنِ على ما استيقَنَ".
أما الدليَل العقلي: فإن اليقين أقوَى من الشك؛ فلا ينهدم اليقين بالشك.
معنى القاعدة في اللغة: اليقين: طمأنينة القلب على حقيقة الشيء، والشك: مطلَقُ التَّرُّدد.
وفي اصطلاح الأصوليين: الشك: هو استواءُ طرفي الشيء بلا ترجيح أحدهما على الآخر.
معنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي: أن الأمر المتيقَّن ثبوته لا يرتفع إلاَّ بدليل قاطع، ولا يحكمُ بزواله لمجرَّد الشك، كذلك الأمر المتيقَّن عدم ثبوته لا يحكم بثبوته بمجرد الشك؛ لأن الشك أضعف من اليقين.
مكانة القاعدة: هذه القاعدةُ تدخُلُ في جميع أبواب الفقه، قالوا: إن المسائلَ المخرَّجَة عليها تبلغ ثلاثةَ أرباعِ الفقه وأكثر.
القاعدة الرابعة من القواعد الكبرى: (المشقة تجلب التيسير):
المعنى اللغوي: المشقة: التعب والجهد والعناء. والتيسير: السهولة
стр. 52
والليونة.
المعنى الاصطلاحي: أن الأحكامَ التي ينشأ عن تطبيقها حَرَجٌ على المكلَّف، فإن الشريعة تخفِّفها بما يقعُ تحت قدرة المكلَّف دون عسر أو إحراج.
دليل القاعدة: أدلتها كثيرة جدًّا من الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال ﷺ : "بُعثت بالحنيفية السمحة" [أخرجه
أحمد]، وقال ﷺ : "إنما بعثتم ميسِّرين، ولم تُبْعَثوا معسِّرين" [متفق عليه].
القاعدة الخامسة من القواعد الكبرى: (العادة محكَّمة):
المعنى اللغوي: العادة مشتقةٌ من العَوْدِ أو المعاودة، بمعنى التكرار، فالعادةُ اسمٌ لتكرير الفعل حتى يصير سهلاً تعاطيه كالطبع، وأما "محكمة": فهي اسم مفعول من التحكيم في القضاء، والفَصْلِ بين الناس، أي: أن العادة هي المرجعُ للفصل عند النزاع.
المعنى الاصطلاحي: أن للعادة في نَظَرِ الشرعِ حاكميَّةً تخضع لها أحكام التصرُّفات، فتثبت تلك الأحكام على وَفْقِ ما تقضي به العادة أو العرف إذا لم يكن هناك نصٌّ شرعيٌّ مخالفٌ لتلك العادة أو العرف، فالعادةُ والعرفُ لفظان بمعنى واحد مِنْ حيثُ ما يدلُّ عليهما لفظاهما وَيَصْدُقان عليه، حتى تكون العادة والعرف حجةً وحكمًا.
يعتبر العرف والعادة حجةً عند عدمِ مخالفتِهِ لنصٍّ شرعيٍّ، أو شرط لأحد المتعاقدين؛ كما لو استأجر شخص آخر ليعمل له من الظهر إلى العصر فقط، فليس للمستأجر أن يلزمَ الأجير بالعمل من الصباح إلى المساء بحجةِ أنَّ عُرف البلدة كذلك، بل يتبعُ المدَّةَ المشروطة بينهما.
إذا وافق العرفُ والعادةُ الدليلَ الشرعيَّ، وجبت مراعاته وتطبيقه.
وإذا خالف العرفُ الدليلَ الشرعي من كل وجه، وجب رد العرف والعادة،
стр. 53
فلا يعتبران حكمًا لإثبات حكم شرعي إلاَّ إذا لم يَرِدْ نصٌّ في ذلك الحكم المراد إثباته.
وأما إن كانت مخالفةُ العرفِ للدليل الشرعيِّ في بعض أفراده، أو كان الدليل الشرعي قياسًا، فإنَّ العرفَ العامَّ يعتبر مخصِّصًا للنصِّ، ويترك القياس من أجله.
ضابط عام: كل ما وَرَدَ به الشرعُ مطلقًا، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة، فإنه يرجع فيه إلى العرف، مثل: الحِرْزِ في السرقة؛ فهو ما يعتبر حده في العرف حيث لا تحديد له في الشرع ولا في اللغة، ويختلف بين مال ومال، وبين حال وحال.
***
стр. 54
قرار المجمع الفقهي بشأن موضوع العرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسَّلام على سيِّدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٩) بشأن العرف:
إن مجلس مجمع الفقه الإِسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ/ ١٠ إلى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م.
بعد اطِّلاعه على البحوث المقدَّمة من الأعضاء والخبراء في موضوع "العرف" واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
قرَّر:
أولاً: يراد بالعرفِ: ما اعتادَهُ الناسُ، وساروا عليه من قولٍ أو فعلٍ أو تركٍ، وقد يكون معتبرًا شرعًا أو غير معتبر.
ثانيًا: العرف إن كان خاصًّا، فهو معتبر عند أهله، وإن كان عامًّا، فهو معتبر في حق الجميع.
ثالثًا: العرف المعتبر شرعًا هو ما استجمع الشروط الآتية:
(أ) أن لا يخالف الشريعة، فإن خالف العرف نصًّا شرعيًّا، أو قاعدة من قواعد الشريعة، فإنه عرفٌ فاسدٌ.
(ب) أن يكون العرف مطردًا (مستمرًّا) أو غالبًا.
(ج) أن يكون العرف قائمًا عند إنشاء التصرف.
(د) أن لا يصرح المتعاقدان بخلافه، فإن صرَّحا بخلافه، فلا يعتد به.
رابعًا: ليس للفقيه -مفتيًا كان أو قاضيًا- الجمودُ على المنقول في كتب الفقهاء من غير مراعاة تبدُّل الأعراف، والله أعلم.
стр. 55
القواعد الكلية غير الكبرى
القاعدة الأولى: (إعمال الكلام أولى من إهماله):
المعنى اللغوي: إعطاءُ الكلام حكمًا مفيدًا مقتضاه اللغويَّ أولَى من إلغائه؛ فإنَّ العاقلَ يصانُ كلامه عن الإلغاء ما أمكن.
أما المعنى الفقهي: فهو إعمالُ كلامِ المتكلِّم من شارعٍ أو عاقدٍ أو حالفٍ أو غيرهم بأن تُحْمَلَ ألفاظه على معانيها الحقيقية.
فلو قال شخصٌ لآخر: وهبتك هذا الشيءَ، فأخذَهُ المخاطَبُ، ثم ادَّعى القائلُ أنه ما أراد بلفظ الهبة إلاَّ البيع، وطلَبَ يمينًا، فإنه لا يُقْبَلُ قوله؛ لأنَّ الأصل في الكلام الحقيقة، وحقيقةُ الهبة تمليكٌ بدون عوض.
القاعدة الثانية: (إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز):
المعنى: الحقيقة هي الأصلُ، والمجاز فرع الحقيقة، فحيث كان المجاز خَلَفًا عن الحقيقة، فإنه يتعيَّن المعنى الحقيقي للفظ ما لم يوجَدْ مرجِّحٌ للمجاز.
ويشترط في اللفظ المستعمَلِ في معناه المجازيِّ وجودُ قرينةٍ مانعةٍ من إرادة المعنى الحقيقيِّ، كأن يكونَ المعنى الحقيقيُّ مهجورًا عرفًا:
فلو حلَفَ شخصٌ أن لا يأكُلَ هذا الدقيق، فأكل منه خبزًا، حنث؛ لأن أَكْلَ الدقيق دون خَبْزه مهجورٌ عُرْفًا.
القاعدة الثالثة: (المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصًّا أو دلالة):
اللفظ المطلق: هو ما دل على أمرٍ من الأمور مجردًا عن القيود.
وأما اللفظ المقيَّد: فهو الذي يكون محدَّدًا بشيء من القيود.
فلفظ فرس -مثلًا- مطلق، فإذا قلنا: فرسٌ أبيض، صار مقيَّدًا.
ومعنى القاعدة: أن اللفظ المطلق يعمل به على إطلاقه حتى يقومَ دليلُ
стр. 56
التقييد بالنص عليه أو بدلالة الحال.
فلو وكَّل شخصٌ آخر على شراء سيَّارة، فاشتراها حمراء، فقال الموكِّل: أردتُّ بيضاء، فيُلْزَمُ الموكِّل بما اشتراه الوكيل؛ لأنَّ وكالته مطلقة؛ فيجري على إطلاقه.
حالات التقييد:
التقييد بالنصِّ: هو اللفظُ الدالُّ على القيد؛ كما لو قال لوكيله: بع السلعة بالدولار.
التقييد بالدلالة: والدلالةُ غير اللفظية تكونُ عرفيةً أو حاليةً.
كما لو وكَّل طالبُ علم شرعي آخرَ بشراء كتب، فاشترى له كُتُبَ هندسة، فإن المبيعات لا تلزمُ الموكِّل؛ لأنَّ دلالة الحال تفيدُ وتقيِّد أن مراده كُتُبُ العلم الشرعي.
القاعدة الرابعة: (التأسيس أولى من التأكيد):
المعنى اللغوي: التأسيس: مِنْ أسَّس البناء: جعل له أسًّا، والتأكيد: معناه التقوية.
المعنى الاصطلاحي: أن الكلام إذا دار بين أن يفيد معنى جديدًا، وبين أن يوكِّد معنى سابقًا، كان حمله على إفادة المعنى الجديد أولى من حمله على التأكيد؛ لأن التأسيس يفيد معنى جديدًا لم يتضمَّنه الكلام السابق، بخلاف التأكيد، فإنه لا يفيد إلاَّ إعادة معنى اللفظ السابق.
فمن حلف على أمرٍ بأنه لا يفعله، ثم حلف مرة أخرى أنه لا يفعله أبدًا، ثم فعله: فإن نوى بالثاني اليمين الأولى، فعليه كفَّارة واحدة، وإن نوى باليمين الثاني يمينًا آخر، فعليه كفارة يمينين.
القاعدة الخامسه: (إذا تعذَّر الأصل يُصار إلى البدل):
المعنى: الأصل -هنا-: ما يجب أداؤه، والأداء: الإتيان بالأصل، أما
стр. 57
البدل: فهو القضاء، والقضاء: هو الإتيان بالخلف أو البدل.
والمراد: أن الواجب هو أداء الأصل، فإذا لم يمكن إيفاؤه والإتيان به، فإنه ينتقل الحكم إلى البدل.
ويكونُ ذلك في حقوق اللهِ تعالى؛ كالصلاة في وقتها، ويكون في حقوق العباد؛ كردّ المغصوب:
فالواجب الإتيان بالأداء كاملاً؛ كالصلاة في وقتها مع الجماعة، فإن فات وقتها، أو فأتت الجماعة، أتى بالقضاء بعد فوات الجماعة، أو بعد خروج الوقت.
والمغصوب الواجب ردُّه ردًّا كاملًا، فإن تعذر بتلفه أو عدم القدرة على ردّه، فيرد بدله مثلاً إن كان مثليًّا، أو قيمته إن كان متقوَّمًا.
ومن أدلة هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
القاعدة السادسة: (التصرف في أمور الرعية منوط بالمصلحة):
المعنى اللغوي: الرعيَّة: عمومُ الناس. منوطٌ: اسمُ مفعول مِنْ "ناط ينوط" بمعنى: رَبَطَ وعلَّق، فمعناه: معلَّق ومرتبط به.
المعنى الاصطلاحي: أن تصرُّفَ الإمام وكلِّ من ولي شيئًا من أمور المسلمين: يجب أن يكون مبنيًّا ومقصودًا به المصلحة العامة؛ وإلاَّ فليس بنافذ ولا صحيح شرعًا.
فهذه القاعدة تضبطُ تصرُّفات كلِّ من ولي شيئًا من أمور العامة؛ من إمامٍ، وأميرٍ، وقاضٍ، وموظَّفٍ، فتفيد أن أعمال هؤلاء وأمثالهم -لكي تكونَ ملزمة- يجب أن تكون مبنية على مصلحة الجماعة، وأن الولاة وعموم الموظفين ليسوا عمّالاً لأنفسهم، إنما وكلاء على الأمة في القيام بشؤونها، فعليهم أن يراعوا
стр. 58
خير التدابير لصلاح الرعية.
ومن أدلة هذه القاعدة: قوله ﷺ : "ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت وهو غاشٌّ رعيته، إلاَّ حرَّم الله عليه الجنة" متَّفق عليه.
ووجه الدلالة: أن عمله في غير مصلحة الرعية غشٌّ، والغشُّ مردودٌ باطلٌ لا يلزم به أحد.
قال الإمام الشافعي: منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم.
القاعدة السابعة: (المرء مؤاخَذ بإقراره):
المعنى اللغوي: الإقرار من قَرَّ الشيءُ: إذا ثبت في مكانه.
وتعريف الإقرار شرعًا: إخبارٌ عن ثبوت حَقٍّ للغير على نفسه.
المعنى الاصطلاحي: أنَّ الإنسان مؤاخَذٌ في إخباره عن ثبوت حق لغير على نفسه.
حكم الإقرار: أنَّه حجةٌ ملزمةٌ على مَنْ أقرَّ، ومن يأتي عن طريقه.
ومن أدلة القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وجاء في بعض الأحاديث: "لا عذر لمن أَقَرَّ"، والحديث -وإن لم يعلم له أصلٌ- إلاَّ أنَّه صحيح المعنى.
دليل عقلي: هو رجحانُ صِدْقِ المُقِرِّ على كذبه؛ لأنَّ العاقل لا يقر بضرر على نفسه دون حق.
والإقرارُ لا يصح ولا يعتبر شرعًا إلاَّ مِنْ مكلَّف، وهو البالغ العاقل؛ فإقرارُ الصغيرِ والمجنونِ لا يصح.
ولا يُقبَلُ رجوعُ المقر بحقوق الآدميين؛ لأنها مبنيةٌ على الشح، ويقبل في حقوق الله تعالى؛ كالحدود الخالصِ حقُّها لله؛ فإن حق الله تعالى مبنيٌّ على المسامحة والستر.
стр. 59
الإقرار حجة قاصرة على المقر نفسه، أو من يأتي من جهته، ذلك أن إقراره ملزم له فقط؛ فلا يتعداه إلى غيره.
القاعدة الثامنة: (الجواز الشرعي ينافي الضمان):
المعنى: أن الإنسان لا يؤاخذ بفعلِ ما أُذِنَ له فيه شرعًا.
فالمرتَّب على المأذون غيرُ مضمون إلاَّ بالتعدِّي أو التَّفريط، فمن حفر بئرًا في أرضه، فوقع فيها إنسان أو حيوان، فالحافر هنا غير ضامن؛ لأنه مأذون له، ولأنه غير متعدٍّ.
لكن لو حفر في الطريق حفرة، فوقع فيها إنسان أو حيوان، فهو ضامنٌ؛ لأنه غير مأذون له فيه.
القاعدة التاسعة: (اليد الأمينة لا تَضْمَنُ إلاَّ بالتَّعَدِّي أو التَّفريط):
الشرح: كلُّ من بيده مالٌ برضا صاحبه أو ولايته عليه، فهو أمينٌ عليه، سواءٌ كان للأمين فيما تحت يده حظّ نفسٍ أو لا.
ويدخل في الأمين: الأجيرُ، والمرتَهَنُ، والشريكُ، والمضارِبُ، والوديعُ، والوليُّ، والوصيُّ، والوكيلُ، والناظرُ، ونحوهم، سواء كانوا بعملهم مستأجَرين أو متبرِّعين، فكل هؤلاء لا يضمنون ما تلف بأيديهم إلاَّ بإحدى حالتين:
الأولى: التعدِّي، وهو فعل ما لا يجوز.
الثانية: التفريط، وهو ترك ما يجب.
وإن ادَّعوا تلف ما بأيديهم، أو ادَّعوا عدم التعدِّي أو التَّفريط فيه، فالقول قولهم.
وأما إن ادَّعوا ردَّها على صاحبها: فإن كانوا قبضوا العين لحظ أنفسهم، فإنه لا يقبل منهم دعوى الرد إلاَّ ببيِّنة، وإن كانوا قبضوها لِحَظِّ صاحبها فقط، فالقول قولهم في الرد أيضًا.
وكل من قلنا: القول قوله، فلا بد من أمرين: أن لا يخالف قولُهُ عادة
стр. 60
وعرفًا، وأن عليه اليمينَ بطلب صاحبها.
أما من كانت العين بيده بغير رضا صاحبها؛ كالغاصب، وَمَنْ في حكمه، فإنه ضامنٌ على كل حالٍ، سواء حصل التلف بتعدٍّ أو تفريطٍ أو لا؛ لأنَّ يده ظالمة متعدية، فتضمن العين بمنافعها التالفة تحت يده، ويضمن النقص الحاصل عنده.
القاعدة العاشرة: (الخراج بالضمان):
هذه القاعدةُ حديثٌ أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم؛ فهو من جوامع كلمه ﷺ لاشتماله على معانٍ كثيرةٍ، وقد جرى مجرى المثل بوجازته وجمعه.
المعنى اللغوي: قال في النهاية: الخراجُ: ما حَصَلَ من غَلَّةِ العين، والباء: متعلِّقة بمحذوف، تقديره: الخراج مستَحَقٌّ بسبب الضمان، والضمان هو الكفالة والالتزام.
المعنى الاصطلاحي: أن ما خَرَجَ من الشيءِ من غَلَّةٍ ومنفعة، فهو للمشتري عِوَضَ ما كان عليه من ضمان الملك؛ فإنَّ العين المباعة لو تلفت كانت من ضمانه؛ فالغلة إذًا له في مقابل الغرم؛ لأنَّ من يتحمَّل الخسارة -لو حصلت- يجب أن يحصل على الربح، فالنقمة بقدر النعمة، والنعمة بقدر النقمة، والغُنْم بالغُرْم.
القاعدة الحادية عشرة: (على اليد ما أخذَتْ حتى تؤدِّيه):
هذه القاعدة نصُّ حديثٍ رواه أحمد، وأصحاب السنن، عن سمرة بن جندب. المعنى: أن من أخذ شيئًا بغير حقٍّ، كان ضامنًا له، فلا تبرأ ذمته حتى يرده.
الضمان نوعان:
١ - ضمان عقد.
٢ - ضمان يد.
فضمان العقد: مردُّه ما اتفق عليه العاقدان أو بدله.
وضمان اليد: مرده المِثْلُ أو القيمة.
стр. 61
والمراد بالقاعدة: ضمان اليد لا العقد.
فمن التقط لُقَطةً لنفسه، فيده يد غصبٍ وضمانٍ، حتى يؤديَها لصاحبها.
القاعدة الثانية عشرة: (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص):
المعنى اللغوي: يُقال: سَاغَ الشرابُ في الحَلْقِ: إذا سَهُلَ انحداره لانفتاح منفذه، و"لا مساغ" أي: لا منفذ ولا طريق.
والاجتهاد: هو بذلُ الجهد العِلْمِيِّ في استنباط الأحكامِ مِنْ أدلَّتها، وهو نوعان:
١ - اجتهادٌ في فهم النصوص لإمكان تطبيقها، وهذا واجبٌ على كل مجتهد.
٢ - اجتهادٌ عن طريق القياسِ والرأي، وهذا لا يجوزُ الالتجاءُ إليه، إلاَّ بعد أن لا نجد حكمَ المسألةِ المبحوثِ عنها في الكتاب والسنَّة والإجماع، وهو المقصودُ هنا.
والاجتهاد: لا يُنْقَضُ بمثله؛ فإن أبا بكر حكَمَ في مسائلَ خالفه فيها عمر، فلمَّا ولي عمر، لم ينقض حكم أبي بكر.
فإذا اجتهد عالمٌ في مسألة وعمل باجتهاده، ثم بدا له رأيٌ آخر، فعدل عن الأول، فلا ينقض اجتهاده الثاني حكمه الناشىء عن اجتهاده الأول.
القاعدة الثالثة عشرة: (ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب):
قالوا: إن هذه قاعدة أصوليَّةٌ لا قاعدةٌ فقهية.
وهذه القاعدة جزءٌ من قاعدة (الوسائلُ لها أحكامُ المقاصد).
فالوسيلةُ إلى الغايةِ تأخذُ حكمها؛ فوسائل الواجبات واجبةٌ، ووسائل المحرَّمات محرَّمة، ووسائلُ المستحبَّات مستحبة، ووسائلُ المكروهات مكروهة، ووسائلُ المباحات مباحة.
فإن الله تعالى إذا أمر بأمرٍ، فإنه قد أمر بما لا يتم إلاَّ به، وإذا نهى عن فعلٍ، فقد نهى عن الوسائل الداعية إليه ... وهكذا.
стр. 62
ومن أدلتها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
القاعدة الرابعة عشرة: (من استعجل شيئًا قبل أوانه، عُوقِبَ بحرمانِهِ):
المعنى: أن من توصَّل بالوسائل التي ليست مشروعةً تعجُّلاً منه للحصول على مقصوده المستَحَقِّ له، فإنَّ الشرعَ عامَلَهُ بضدِّ مقصوده؛ فأوجب حرمانه جزاءَ فعله واستعجاله.
فلو قتَلَ وارثٌ مورِّثه مستعجلاً للإرث، فإنه يُحْرَمُ من الميراث، سواء كان متهمًا أو غير متهم.
وقد عبَّر ابن رجب عن هذه القاعدة بقوله: من أتى بسبب يفيد الملك أو الحل، أو يسقط الواجبات على وجه محرَّم، أُلْغِيَ ذلك السببُ، وصار وجوده كعدمه، ولم يترتَّب عليه أحكامه.
مكانة هذه القاعدة: هذه القاعدةُ من باب السياسة الشرعية في سد الذرائع؛ كما في حرمان الوارث من الميراث إذا قتَلَ مورِّثه ولو كان قتله خطأ.
القاعدة الخامسة عشرة: (ما ثبت بالشرع مقدَّم على ما ثبت بالشرط):
دليل هذه القاعدة وأصلها: قوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل" [متفق عليه].
والمراد بكتاب الله: أحكام الله تعالى، فكل ما تضمَّن مخالفة لأُسس الشريعة التي قرَّرها القرآن والسنَّة، فالتعاقد على ذلك أو اشتراطه باطل؛ فكتاب الله هنا ليس معناه القرآن؛ بل ما كتبه الله وأوجبه في شريعته التي شرعها.
فهذه القاعدة تفيد أنَّ الشرط إذا ثَبَتَتْ منافاته لمقتضيات الشرع بحيث تتعطَّل الغاية الشرعية من العقد -إن كان في العقود- فعندئذٍ: يبطل العقد إذا كان الشرط يعطِّل ركنًا من أركان العقد، أو يعارض مقصود العقد الأصلي.
وإذا كان الشرط لا يعطِّل ركنًا من أركان العقد: فإن الذي يبطل هو الشرط
стр. 63
وحده، ويبقى العقدُ صحيحًا؛ لأنَّ ما ثبت بالشرع مقدَّم على ما ثبت بالشرط.
القاعدة السادسة عشرة: (إذا عاد التحريم إلى نفس العبادة أفسدها، وإن عاد إلى أمر خارج عنها لم تفسد):
الشرح: هذا الضابط في العبادات يبيِّن ما يفسدها وما لا يفسدها مما ورد النهي عنه:
فإن كان النهي عائدًا إلى ذات العبادة؛ كالنهي عن الوضوء بماء محرَّم، أو الصلاة في ثوب محرَّم-: فإن الصلاةَ لا تَصِحُّ؛ فإن الطهارة والسترة من شروط الصلاة.
أما إذا كان التحريم في أمرٍ خارج عنها؛ كالوضوء في إناء محرَّم، والصلاة بعمامة محرَّمة-: صحت الصلاة، وإن كان الفعل في ذاته محرَّمًا.
ومثل الصلاة الصيام: فإن تناوَلَ شيئًا من المفطِّرات، فصومه فاسد، وإن اغتاب أو نَمَّ أو شَتَمَ، صحَّ صومه، وإن كان الفعل في ذاته محرَّمًا.
القاعدة السابعة عشرة: (الأصل براءة الذمَّة):
المعنى: الذمة وصفٌ شرعيٌّ يعبِّر به الإنسان أصلاً: لما لَهُ وما عليه من الحقوق، والأصل: هو عدم انشغال ذمة الإنسان بحق الآخر من الحقوق المدنية والحقوق الجزائية؛ فالمتَّهم بريء حتى تثبت إدانته، ومع الشك يرجَّح جانب البراءة، ولو حصَلَ خطأ، فإن الخطأ في البراءة خَيْرٌ من الخطأ في إدانة بريء.
وهذه القاعدة داخلة تحت القاعدة الكبرى "اليقين لا يزول بالشك"؛ فإن الأصل بقاءُ ما كان على ما كان حتَّى يثبت خلافه.
القاعدة الثامنة عشرة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان):
الشرح: هذا أصلٌ كبيرٌ يفيد: أن اليقين لا يزولُ بالشك، فمن تيقَّن حالة من الحالات، أو أمرًا من الأمور، فانه لا يزيله إلاَّ بيقين مثله؛ وإلاَّ فالأصل بقاؤه، وفروع الأصل كثيرة جدًّا.
стр. 64
ومن أمثلته: أن من تيَّقن الطهارة وشكَّ في الحدث، فالأصل الطهارة، والعكس بالعكس؛ فمن تيقَّن الحدث وشكَّ في الطهارة، فالأصل الحدث، وهكذا في جزئيات المسائل.
وهو مستمدٌّ من نصوص كثيرة، منها الحديث الصحيح أنه شُكِيَ إلى النبي ﷺ ما يجده الرجلُ وهو في الصلاة، فقال ﵊: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" [متفق عليه]، فمن تيقَّن أمرًا من الأمور، استصحبه حتى يتيقَّن زواله.
وهذه القاعدة جزءٌ من القاعدة السابقة: "اليقين لا يزول بالشك".
القاعدة التاسعة عشرة: (البيِّنة على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى عليه):
هذه القاعدة: نص حديث شريف، الجملة الثانية منه في الصحيحين، وهي: "اليمين على المُنكِر"، وأما الجملة الأولى، فهي من رواية البيهقي.
المعنى: البيِّنة عند بعض الفقهاء هي الشهادةُ، ولكنَّها عند المحقِّقين منهم هي: كل ما أبان الحقَّ وأظهره.
المدَّعي: من إذا ترك دعواه، تُرِكَ.
المدَّعَى عليه: هو مَن إذا ترك طَلَبَ دعواه، طُلِبَ وأُحْضِر.
وهذه القاعدة النبوية يؤيِّدها العقل؛ لأن الأصل براءة الذمة، فمن ادَّعى شيئًا وأنكره المدَّعى عليه، فعلى المدَّعي إثباتُهُ بطريقة أو أكثر من طرق الإثبات، وإن عجز، فليس له إلاَّ يمينُ المدَّعَى عليه.
وقد أجمع أهل العلم على هذا الأصل العظيم، واعتبروه قاعدةً يرجع إليها في فَضِّ المنازعات، حتى قال بعض العلماء: إن هذه القاعدةَ هي المرادة من قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾ [ص: ٢٠] والله أعلم.
القاعدة العشرون: (إذا قويت القرينة، قدِّمت على الأصل):
الشرح: الاعتبارُ الشرعيُّ هو تقديمُ الأصل وَنَفْيُ ما عداه، لكن قد تَقْوَى
стр. 65
القرينةُ على الأصل؛ وحينئذٍ تقدَّم عليه.
فإذا ادَّعت الزوجةُ التي في بيت زوجها أنَّه لم يُنْفِقْ عليها، لم تقبَلْ دعواها؛ لأن القرينة المبنيَّة على العادة تكذِّبها.
وإذا تنازع الزوجان في أثاث بيتهما، فالأصل أنهما شركاء فيه، ولكن قرينة أن كلَّ واحد منهما له ما يناسبه من الأثاث قويَتْ على هذا الأصل؛ فصار ما يصلُحُ للزوج فهو له، وما يصلح للزوجة فهو لها.
ويأتي هنا تقديمُ غلبة الظنِّ لما يَشُقُّ الوصولُ إلى يقينه، واكتفى العلماء بغلبة الظن بأشياء، منها: الظن في الصلاة، والطوافِ، والسعي، وغيرها على الراجح مِنْ أقوال العلماء.
القاعدة الحادية والعشرون: (الصلح جائز بين المسلمين إلاَّ صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا، والمسلمون على شروطهم إلاَّ شرطًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالاً):
الشرح: هذان الأصلان هما لفظ حديثَيْن صحَّحهما كثيرٌ من أئمة الحديث، وتلقَّتْهُما الأمة بالرضا والقبول؛ لما عليهما من أنوار كلام النبوة في الجمع والاختصار والبيان:
فالأوَّل: يدل على أن أي صلح يقع بين المسلمين في الدماء والأموال وأحكام النكاح وغير ذلك، فإنه جائزٌ نافذٌ بين المتصالحَيْنِ، إلاَّ أن يكون الصلح أحَلَّ شيئًا ممّا حرَّمه الله، أو حرَّم شيئًا مما أحله الله، فحينئذٍ يكون الصلح غير جائزٍ ولا نافذ؛ لأنه جاء على غير مراد الله تعالى.
وأمثلة الصلح الجائز والصلح المحظور كثيرة.
الأصل الثاني: أن كل شرط اشترطَهُ أحدُ المتعاقدَيْن، فهو لازمٌ، مُلْزِمٌ لمن شُرِطَ عليه، سواء كان في عقود الأنكحة، أو في عقود المعاملات، أو المعاهدات، أو غيرها؛ فهي صحيحة لازمة، ما لم تكن الشروط أحلَّت حرامًا،
стр. 66
أو حرَّمت حلالًا؛ فحينئذٍ تكون باطلة، وإن كانت مائةَ شرطُ، فشرط الله أوثَقُ.
وأمثلة الشروط الجائزة والممنوعة كثيرة.
والدليل على صحة تلك الشروط: أَمْرُ الله تعالى بالوفاء، وتحريمُ الإخلالِ بها قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وأمثالها من النصوص.
القاعدة الثانية والعشرون: (الأصل في العبادات الحظر، فلا يُشْرَعُ منها إلاَّ ما شرعه الله ورسوله):
المعنى: أن العبادات توقيفية، فمن أتى بعبادة لم يدلّ عليها كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ فهي بدعة مردودة.
والبدعة نوعان:
أحدهما: بدعةُ حقيقيَّة، وهي التي لا يوجد لها أصل في كتاب الله ولا سنَّة رسول الله كصلاة بركوعين وسجود واحد.
الثاني: إضافية، وهي الغالب في البدع، وذلك بأن يكون للعمل شائبتان:
إحدهما: له تعلق بالشرع كأصل الصلاة والذكر.
الثانية: أن لا يكون له تعلق بالشرع، وذلك بأن توقع على هيئة أو كيفية لم يقم عليها دليل، وذلك مثل صلاة الرغائب أو الأذان لصلاة العيد.
وكل من النوعين مردود، ومن أدلة ردّها قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
وما جاء في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود على صاحبه.
القاعدة الثالثة والعشرون: (الأصل في العادات الإباحة؛ فلا يُمْنَعُ منها إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله):
العادات هي استعمال ما خلقه الله لعباده من المآكل والمشارب والمراكب
стр. 67
والمساكن والصنائع والحرف والمخترعات والمعاملات، كلها مباحة جائزة إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله من الأشياء التي يرجع ضرر استعمالها إلى الأديان أو الأبدان أو الأعراض أو الأنساب أو الأموال.
وهذا أصلٌ عظيم يدل على ما في الإِسلام من سماحة وسعة وحركة، فالأصل في العقود والمعاملات والمقاولات والاتفاقيات وغيرها، الأصل فيها الحل ما لم تشتمل على مفسدة، ومفاسد العقود ترجع -غالبًا- إلى ثلاثة أمور:
١ - الربا.
٢ - الغرر.
٣ - الخداع.
وأدلة هذا الأصل كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
القاعدة الرابعة والعشرون: (الشارع لا يأمر إلاَّ بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلاَّ عما مفسدته خالصه أو راجحة):
الشرح: هذه القاعدة تشمل أصول الشريعة وفروعها، وحق الله وحق خلقه، فما أمرت به من المصالحة الأصولية إلاَّ وفيه مصلحة، كالإيمان والإِسلام والإحسان وحسن القصد إلى الله بالتوكل والمحبة والخشية وغيرها، وكذلك ما أمرت به من الفروع كالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف وغيرها من العبادات.
ومثله ما أمرت به من الأخلاق الحسنة من العدل والصدق والبر والصلة والعفاف ونحوها من الأخلاق الفاضلة.
كما أنها نهت عمَّا يضر في الدين والعقل والعِرض والنفس والمال من الكفر والشرك والقتل عدوانًا والزنا والربا والخمر.
ثم قد يعرض أمر فيه مصلحة وفيه مضرة، وهنا يأتي باب الترجيح، فما زادت مصلحته على مفسدته فُعِل، وما زادت مفسدته على مصلحته اجتُنِب،
стр. 68
والنصوص لما تقدم كثيرة في الكتاب والسنة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. الآيات.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣].
فهذه الآيات الكريمات من سورة الإسراء ومن سورة الأنعام وغيرها من الآيات جمعت الأمر بكل خيرٍ، والنهي عن كل شرٍّ، وقد قال بعض المصلحين: إن الإِسلام مبنيٌّ على "تحقيق المصالح ودرء المفاسد" وهو هذه القاعدة.
القاعدة الخامسة والعشرون: (إذا تزاحمتِ المصالحُ، قدِّم أعلاها) و (إذا تزاحمت المفاسد، قدِّم أخفُّها):
الشرح: هذان الأصلان الكبيران مِنْ محاسن الشريعة الإِسلامية، ومن سُمُوِّها في أحكامها.
الأصل الأول: إذا تزاحمت المصالح، وصار لا بُدَّ من فعل إحداها، قدِّم الأعلى منها على الأدنى؛ جلبًا للخير مهما أمكن:
ففي العبادات: تقدَّم الواجباتُ على المستحبَّات، وفي الامتثال: تقدَّم طاعة الله على كل أحد، ثم طاعة الوالدين في المعروف على من سواهما، وهكذا الأقربُ فالأقربُ في البر والإحسان.
والعاداتُ يقدَّم منها الأنفعُ على غيره؛ فتقدَّم الأعمالُ المتعدِّي نفعها إلى الخلق على القاصر نفعها.
كلُّ هذا ليغتنمَ المسلم ما هو أجلُّ وأفضلُ وأعلى إذا لم يمكنه الإتيان بالأمرين كليهما: الفاضل والمفضول، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨].
الأصل الثاني: إذا تزاحمت المفاسد، وصار لابد من ارتكاب إحداها، قُدِّم الأخفُّ على الأغلظ؛ اتِّقاءً للشر مهما أمكن الآمر؛ ولهذين الأصلين أمثلة
стр. 69
كثيرة؛ فمن تقديم أخف المفسدتين على أشدهما: خرق الخَضِر للسفينة خشية من ذهابها كلها، وكقتله الغلام خشية من كفر أبويه بسبب بقائه.
القاعدة السادسة والعشرين: (الضرورات تبيح المحظورات):
الشرح: الضرورة هي العُذْرُ الذي يجوزُ بسببه إجراء الشيء الممنوع، وارتكابُ المحظورة؛ كأكل الميتة عند الضرورة، وإجراءِ كلمة الكفر عند الإكراه الشديد.
ويجب أن يلاحظ أن ما أبيح للضرورة يقدَّر بقدرها، فمن اضطرَّ إلى أكل الميتة، لا يأكُلُ منها إلاَّ بقدر ما يُمْسِكُ عليه حياته، ولا يَشْبَعُ منها.
القاعدة السابعة والعشرون: (درء المفاسد أولى من جلب المنافع):
الشرح: القصد من تشريعِ الأحكام دفعُ المفاسد عن الناس، وجَلْبُ المصالح لهم، والمصالحُ المحضة أو المفاسد المحضة قليلة، ولكن إذا تعارضَتْ مفسدةٌ ومصلحة، فإن دفع المفسدة يقدَّم على جلب المصلحة؛ بناءً على أن الشريعة عنيت بالمنهيات أكثَرَ من عنايتها بالمأمورات.
القاعدة الثامنة والعشرون: (الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا):
الشرح: هذه قاعدة جليلة؛ لأنَّ أحكامَ الله تعالى تدورُ على حِكَمٍ سامية، وأسرار عالية؛ تحقِّق المصالح، وتدرأ المفاسد، فمتى وجدت هذه الأسرارُ والحِكَمُ الربَّانية، وجدت أحكام تناسبها، ويدور الحكمُ حيث تدورُ العلةُ إثباتًا أو نفيًا.
والحكمة التشريعية قد يَنُصُّ عليها الشارع الحكيم، وقد يستنبطها العلماء، وقد يكون للحكمِ الشرعيِّ عدةُ أسرار وحِكَم، ويثبت الحكمُ بوجود واحدة.
وقليلٌ من الأحكام لا يَفْهَمُ العلماءُ لها حكمةً بيِّنة، فيسمُّونها: الأحكام التعبدية، وأحكامُ الله تعالى تتمثَّل واضحة في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 70
فكل ما أمر به: فهو معروف شرعًا وعقلاً، وكل ما نهى عنه: فهو منكر شرعًا وعقلاً، وكل ما أباحه: فهو طيب، وكلُّ ما حرَّمه: فهو خبيث.
وهذه الأسرارُ والحِكَمُ دائرةٌ في أحكام الشريعة كلِّها؛ أصولها وفروعها، عباداتها ومعاملاتها.
فنسأل الله تعالى أن يبصِّر المسلمين بأمر دينهم؛ ليَرَوْا جماله وحسنه وموافقته للعقول الصحيحة والفِطَر السليمة، والله الموفق.
القاعدة التاسعة والعشرون: (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني):
الشرح: القصد في العقد: هو ما قصَدَهُ فاعلُهُ منها، فلا تترتَّب الأحكام على مجرَّد الألفاظ، وإنما تترتَّب على المقاصد والمعاني التي يقصدها العاقدان من الألفاظ المستعملة في صيغة العقد؛ لأنَّ القصد الحقيقي من الكلام هو المعنى، وإنما اعتُبِرَ اللفظ دالاًّ عليه، فإذا أظهر القصد، كان الاعتبار له، ويقيَّد اللفظُ به وترتَّب الحكمُ بناءً عليه.
فالهبةُ بشرطِ العوض بيعٌ، وإن كانتْ بغير لفظه،،، وهكذا.
القاعدة الثلاثون: (الحدود تُدرأ بالشبهات):
لِمَا رُوِيَ عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم".
قال في فتح القدير للحنفية: أجمَعَ فقهاءُ الأمصار على أنَّ الحدود تدرأ بالشبهات.
قال ابن نُجَيْمٍ: القصاصُ كالحدود في الدفع بالشبهة؛ فلا يثبت إلاَّ بما تثبت به الحدود.
قال العلماء: من شَرْطِ الشبهة المسقطة للحد: أن تكون قويةً؛ وإلاَّ فلا أثر لها.
وقالوا: الشبهة لا تُسْقِطُ التعزير.
стр. 71
قال ابن نجيم: ويخالف القصاصُ الحدودَ في سبع مسائل، منها:
١ - الحدُّ لا يُورَث، والقصاصُ يُورث.
٢ - يصح العفو في القصاص، ولا يصحُّ في الحد إلاَّ حدَّ القاذف.
٣ - تصح الشفاعةُ في القصاص دون الحد.
٤ - يتوقَّف القصاصُ على الدَّعوى، بخلاف الحد، إلاَّ حد القذف.
القاعدة الحادية والثلاثون: (الوجوب يتعلَّق بالاستطاعة؛ فلا واجب مع العجز، ولا محرَّم مع الضرورة):
الشرح: كل من عجز عن شيء من الواجبات، فإنها ساقطة عنه غير واجبة عليه:
كأركان الصلاة، وشروطها، وواجباتها، فيصلِّي المريض حسب قدرته.
وكسقوط الصوم عمَّن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى شفاؤه.
وكسقوط الجهاد عن الأعمى والأعرج ونحوهما.
وكدرجات النهي عن المنكر.
وهذه القاعدة الجليلة مأخوذةٌ مِنْ مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وحديث: "إذا أمرتكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم"، ونصوصُ أدلَّتها كثيرة.
أما الجزء الثاني من القاعدة: فإن الممنوع شرعًا يباح عند الضرورة؛ فقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]؛ وهذه قاعدةٌ أصولية فقهية.
القاعدة الثانية والثلاثون: (الشريعة مبنية على أصلين: الإخلاص لله، والمتابعة للرسول ﷺ -):
الشرح: هذان الأصلان شرطان لكل عملٍ دينيٍّ ظاهرٍ أو باطنٍ، فأقوال اللسان، وأعمالُ الجوارح، وأعمالُ القلوب منوطٌ صلاحها وقبولها بتحقيقِ
стр. 72
هذَيْن الأصلين كليهما؛ فإن فُقِدَا أو فُقِدَ أحدهما في العبادة، فهي مردودة.
ومن أدلة هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، وقوله ﵊: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ"، وغير ذلك من النصوص؛ فأعمالُ المرائين وأعمالُ المبتدعين باطلة.
وهذه القاعدة كما أنها تشمل جميع العبادات فإنها أيضًا تشمل المعاملات؛ فأي عقدٍ أو شرط ليس على وفق الشرع، فإنه محرَّم باطل.
فائدة:
قال الشيخ مصطفى الزرقا:
لا تنحصر العقودُ في المعاملات المعروفة في صدر الإِسلام من بيع، وإجارة، وهبةٍ، ورهنٍ، وشركةٍ، وصلحٍ، وقسمةٍ، وإعارةٍ، وإيداع، وسائر العقود الأخرى؛ فيباح للناس إيجادُ أنواع أخر من العقود غير داخلةٍ في أحد الأنواع السابقة، فيمكنهم أن يتعارفوا على أنواع جديدة إذا دعتهم حاجتهم إلى نوعٍ جديدٍ متى توفَّرتِ الأركان العامَّة التي تعتبر من النظام العامِّ في الإِسلام، بحيث لا يخالفُ العقدُ قواعدَ الشريعة التي عبَّر عنها النبيُّ ﷺ بقوله: "كل شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى، فهو باطل"، والله أعلم.
وفي صباح يوم الأربعاء الموافق ٢٦ من شهر ربيع الأول عام ألف وأربعمائة وعشرة تمَّت هذه المقدِّمة الثالثة، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 73
الأصل الرابع
في
المقاصد الشرعية
стр. 74
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شرع لعباده من الأحكام ما فيه السداد، وجنَّبهم طرق الغي والفساد، والصلاة والسلام على من أُرْسِلَ رحمةً للعباد، وعلى آله وأصحابه ذوي البصائرِ والرشاد.
أما بعد:
فإن التفقُّه بمقاصد الشريعة، ومعرفة حِكَمِ الله في أحكامه، ومعرفة أسرارِهِ في أوامره ونواهيه: مِنْ أنفع العلوم وأجلّها؛ ذلك أن الأحكام الشرعية في أصولها وفروعها معلَّلةٌ برعاية مصالح العباد في عاجلهم وآجلهم.
فمعرفة أسرار الله تعالى في أحكامه، والتبصَّر فيها: هو كشف عن كنوز ثمينة تزيد المؤمن إيمانًا بربه، ورغبةً في القيام بشرعه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتخفِّف عليه مشقةَ العبادة، وتعينه على اجتناب المعصية، وتقوِّي ثقته بربِّه جل وعلا؛ حينما يتفقَّه بشرعه، ويحصُلُ له المعرفة واليقين: أنه تعالى لم يأمر إلاَّ بما يصلح خلقه، ولا ينهى إلاَّ عما يضرُّهم في حياتهم الأولى والآخرة.
لذا فإني بعد أن قَرَأْتُ الكتابَ القيِّم "الموافقات" للإمام الشاطبي، ذلك الكتاب الذي هو ومؤلِّفه غنيَّان عن الإشادة والتعريف، لمَّا قرأْتُ غالبَ فصوله، استخَرْتُ الله تعالى أن ألخِّص منه نبذةً في المقاصد الشرعية، وأجعلها مقدِّمة لشرحي على "بلوغ المرام" لتكون رابعة للمقدمات الثلاث التي هي أصولُ العلوم الشرعية؛ فهو أصلٌ كبيرٌ، وعلم جليل، جاءت الإشارة إليه، والدلالةُ عليه من الكتاب والسنة بنصوص أكثر من أن تحصى:
منها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
стр. 75
وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة"، وأشباه ذلك.
ولعل أوَّل من ألَّف فيه: الغزالي بكتابه "شفاء الغليل، في مسالك التعليل"، والعزُّ بن عبد السلام في كتابه "قواعد الأحكام"، ولابن القيِّم في كتابه القيِّم "إعلام الموقِّعين" فصولٌ جيَّدةٌ في هذا الباب، بيَّن فيها حِكَمَ الله وأسرارَهُ في كثيرٍ من الأحكام؛ لا سيَّما في المسائل التي قال المعارضون: "إنها جاءت على خلافِ القياس".
وأما أبو إسحاق الشاطبي: فقد أجاد فيه وأعطاه حقّه من التحقيق والتدقيق في كتابه الجليل "الموافقات"؛ ممَّا دفعني إلى أن ألخِّص منه جملة كافية لطالب العلم، وفِقَرًا مفيدة تدرِّبه على التوسُّع في هذا العلم العظيم، والله الموفق.
следующие страницы →