٣٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مَسِيْرَةَ ثَلاَثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ فَرَاسِخَ صلَّى رَكْعَتَيْنِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أميال أو فراسخ: شكٌّ من الراوي "شعبة بن الحجاج"، وليس بيانًا لمختلف الأحوال.
- أميال: واحد "ميل"، والميل: هو "١٦٠٠ متر" تقريباً.
- فراسخ: واحده "فرسخ "، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل والفرسخ فارسيٌّ مُعَرَّبٌ.
- صلى ركعتين: يعني قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، وهنَّ صلوات الظهر، والعصر، والعشاء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان ﷺ إذا خرج من بلد إقامته -المدينة المنورة- مسيرة ثلاثةِ أميالٍ، أو فراسخ قصر الصلاة الرباعية، فصلاها ركعتين.
٢ - اعتبار أنَّ هذه المسافة تباح فيها رُخص السفر، من الجمع والقصر وغيرها، ولكنه لا يفهم من الحديث أنَّها أقل مسافة للقصر، وإنما يرجع هذا لأدلة أخر.
٣ - قوله: "إذا خرج" يعني: إذا قصد بخروجه هذه المسافة، لا أنَّه لا يقصر في سفره حتى يبلغ هذه المسافة.
٤ - الفرسخ ثلاثة أميال، والميل "١٦٠٠ متر"، وقول الراوي: "أميال أو
стр. 1087
فراسخ" شكٌّ من الراوي وليس التخيير في أصل الحديث.
٥ - قال في "الروض وحاشيته": إذا فارق عامر قريته قصر؛ وفاقًا للأئمة الثلاثة، وجماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم، وحكاه ابن المنذر إجماعًا؛ لأنَّ الله أباح القصر لمن ضرب في الأرض، وقبْلَ المفارقة لا يكون ضاربًا فيها، ولا مسافرًا, ولأنَّ النبي ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في تقدير المسافة التي تقصر فيها الصلاة، ويباح فيها الرخص السفرية:
فذهب أبو حنيفة إلى: أنَّ أقلَّ مسافة تقصر فيها الصلاة هي مسيرة ثلاثة أيام، وتقدر بثلاث مراحل لسير الإبل المحمَّلة، ولا يصح بأقل من هذه المسافة.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ أقلَّ مسافة للقصر، هي مرحلتان لسير الإبل المحملة أيضًا.
وتقدر المسافة بأربعة بُرد، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فتكون على وجه التقريب حوالي (٧٧) كيلومتر، وتباح رخص السفر، ولو قطع هذه المسافة في ساعةٍ واحدةٍ، كما لو قطعها بسيارةٍ أو طيارةٍ، أو غير ذلك.
وذهب كثير من محققي العلماء إلى: أنَّه لا يوجد دليلٌ صريحٌ صحيحٌ على تحديد مسافة القصر، بل المشرع العظيم أباح رخص السفر، ولم يحدده، لا بمدة، ولا بمسافة، فكل ما عُدَّ سفرًا، أبيحتْ فيه الرخص.
قال في "المغني": تواترت الأخبار أن رسول الله ﷺ كان يقصر في أسفاره، حاجًّا، أو معتمرًا، أو غازيًا، وكان لا يزيد على ركعتين، وأجمع أهل العلم على أنَّ من سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة، أنَّ له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين.
стр. 1088
وذهب أبو عبد الله: إلى أنَّ القصر لا يجوز في أقل من ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال، فيكون ثمانية وأربعين ميلاً، وذلك مسيرة يومين قاصدين، وقد روي عن ابن عباسٍ، وابن عمر خلاف ما احتج به أصحابنا، وإذا لم تثبت أقوالهم، امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكره؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّه مخالفٌ للسُّنَّة، ولظاهر القرآن، الذي أباح القصر لمن ضرب في الأرض، فظاهر الآية متناول لكل ضرب في الأرض.
الثاني: أنَّ التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر.
وقال شيخ الإِسلام: الفرق بين السفر الطويل والقصير لا أصل له في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، بل الأحكام التي علقها الله بالسفر علقها مطلقًا، فالمرجع في السفر إلى العُرف، فما كان سفرًا في عُرف الناس فهو السفر، الذي علَّق به الشارع الحكيم.
وقال ابن القيم في "الهدي": لم يحدَّ رسول الله ﷺ لأمته مسافةً محدودةً للقصر والفطر، بل أطلق لهم في مطلق السفر، والضرب في الأرض.
وهذا ما اختاره كثير من محققي علماء السلفية في "نجد".
أما الشيخ محمد بن بدير فقال: إنَّ الحكم إذا خلا من ضابطٍ يضبطه، كان عرضةً للتلاعب، والخضوع للهوى، وإن الفقهاء نظروا فوجدوا أنه ليست كل مسافةٍ معتبرة لاستباحة الرخص، فوجب وصف السفر الذي تستباح به الرخص، حتى لا يتعرض المكلفون لإشكالاتٍ، أو تهاونٍ بسبب سحب الرخص على غير ما أبيحت له.
فقد ورد في الصحيح: أنَّ بعض الصحابة كان يحافظ على الصلاة في مسجد النبي ﷺ ، وهم من أقصى العوالي، وهي على أربعة أميال، وطبعًا لم تكن لهم رخصة القصر، ولا الفطر.
стр. 1089
وورد في الصحيح أنَّ أهل الصفة كانوا يحتطبون فيبيعون الحطب؛ ليطعموا به الفقراء، ومسافة الاحتطاب قد تزيد على الوارد في حديث أنس هذا.
والذي يمكن حمله على بداية القصر لا غاية أو نهاية السفر، وأنَّ رسول الله ﷺ وصف السفر وقدَّره بحدٍّ في موضعٍ آخر، وهو وجوب المحرم للمرأة، والذي يدل بمفهومه على أنَّ ما كان أقل منه فهو معتبر، فالسفر الذي تعلق بآراء متباينة لا تجتمع على ماهية معلوم، كما قيَّد العلماء كل رقبة في الكفارات بالمؤمنة، التي وردت في قتل الخطأ، فهذه مثلها، ومهما أمكن اتباع علمائنا وأئمتنا فهو العصمة، وإنَّ جمهورهم على هذا، وإنهم قد استفرغوا وُسعَهم في تحري رضا الله تعالى.
وإنه من الخطر أن نعوِّد الطلاب التجرؤ على مخالفة الأئمة، فإنه من جراء ذلك شردت جماعات بأسرها عن العبادة، لمَّا لم يُعَدّ لفقه الأئمة عندهم وزنٌ، والخير -والله- في أتباع أئمتنا، وهم بيَّنوا النصوص التي بنوا عليها هذه الأحكام، فليس اتباعهم في ذلك من اتباع الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم، وللكن يجب أن نربي أبناءنا وإخواننا على استعظام مخالفة السلف فيما اتَّفقوا عليه، وتحري أصح الأمور، وأسعدها بالدليل فيما لو اختلفوا فيه؛ بحيث لا نخرج عن اتفاقهم ولا عن خلافهم، فإذا اخترنا لا نختار إلاَّ من فقههم الذي وضحت حجته ولاح دليله، وليس كل خلافٍ معتبرًا حتى لا يقال: إنَّ فلانًا وفلانًا يقولون بعدم التحديد، والأولى الرجوع إلى أقوال الأئمة الجامعة المبنية على الاحتياط فيها والسداد، والله تعالى أعلم وأحكم.
***
стр. 1090
٣٥١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ منَ المَدِيْنَةِ إِلى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنا إِلَى المَدِيْنَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
٣٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ".
وَفِي لَفْظٍ: "بمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لأِبَي دَوُادَ: "سَبْعَ عَشْرَةَ".
وفِي أُخْرَى: "خَمْسَ عَشْرَةَ" (٢).
وَلَهُ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: "ثَمَانِيَ عَشْرَةَ" (٣).
٣٥٣ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: "أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِيْنَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاَةَ". ورُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّه اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ (٤).
ــ
* درجة الحديث:
أما روايات حديث ابن عباس: فقال البيهقي: أصح الروايات في ذلك رواية البخاري.
وأما حديث عمران: ففي سنده: علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
стр. 1091
وأما حديث جابر: فقد رواه الإِمام أحمد وأبو داود، وصححه ابن حزم.
وقال النووي: هو حديث صحيح الإسناد، على شرط البخاري ومسلم.
* مفردات الحديث:
- تبُوك: -بالفتح ثم الضم ثم واو ساكنة آخره كاف-: واقعة قرب الحدود الشمالية للمملكة العربية السعودية، بينها وبين المدينة المنورة (٦٨٠) كيلو، مع طريق مسفلت يربط المملكة بالأردن، وهي الآن مدينة كبيرة فيها الدوائر الحكومية، والمرافق المختلفة، والأسواق العامرة، والمزارع المثمرة، فهي منطقة هامة من مناطق البلاد السعودية، أما غزوة النبي ﷺ لتبوك ففي السنة التاسعة من الهجرة، ولم يلق حربًا.
* ما يؤخذ من الأحاديث: (٣٥١، ٣٥٢، ٣٥٣):
١ - يدل الحديث رقم: (٣٥١) على استحباب قصر الصلاة الرباعية في السفر ركعتين ركعتين، وأنَّ هذه سنة النبي ﷺ .
٢ - يدل على أنَّ الإنسان ولو مرَّ في بلد قد تزوج فيه، فإنه يعتبر نفسه مسافرًا، وهذا خلاف القول المشهور في مذهب الحنابلة، الذين قالوا: إنَّ من مرَّ مسافرًا ببلدٍ قد تزوج فيه أَتمَّ.
٣ - يدل على أنَّ المسافر يترخص من حين يخرج من بلده، ولو لم يجاوز ميلاً.
٤ - يدل على أنه يقصر حتى يعود إليها، ويدخل البلد.
٥ - ويدل على أنه يترخص ولو لم يجد به السير، فقد استقرَّ ﷺ عشرة أيام، ومع هذا يقصر، فإنَّ الجدّ في السير ليس بموجب معتبر في السفر، حتى تناط به الأحكام.
٦ - أما الحديث رقم (٣٥٢): فيدل على أنَّ الإقامة لا تحدد بأربعة أيام، بل يقصر ويترخص، ولو أقام تسعة عشر يوماً، وهذا خلاف المشهور من مذهب الحنابلة، الذين قالوا: لو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتمَّ، ولم يقصر.
٧ - لا تعارض ولا منافاة بين اختلاف العدد في الروايات، فكل من الرواة حكى
стр. 1092
ما حفظ، ولكن البيهقي رجح رواية الإِمام البخاري وهي تسعة عشر يومًا.
٨ - أما الحديث رقم (٣٥٣): فيدل على أنَّ الإقامة في مكان -ولو بلغت عشرين يومًا- لا تمنع القصر، ولا رُخص السفر، ما دام أنَّه لم ينوِ الإقامة، وإنما ينوي العودة حين تنتهي مهمته.
٩ - القول الراجح أنَّ المسافر يقصر ويجمع ما دام أنه لم ينوِ الإقامة، ولو طالت مدته، ما دام لم ينو الإقامة، وقطع السفر. قال شيخ الإِسلام: للمسافر القصر والفطر، ما لم يُجمع على الإقامة والاستيطان، والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها, ليس هو أمرًا معلومًا لا بشرعٍ ولا عرفٍ.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الإقامة العارضة للمسافر دون قصدِ مُكث بل أيام معيَّنة، وإنما الإقامة مرهونة بحاجته، ولا علم عنده متى تنقضي، فإذا انقضت سافر، ففي مثل هذا الحال يجوز له الترخص بقصر الصلاة، وغيرها من رخص السفر مدة إقامته، طالت، أو قصُرت.
١٠ - هذا القصر في حجة الوداع التي منها أيام مني، فقد كان يقصر الصلاة فيها، وقصر أبو بكر وعمر ﵄ وقَصَر بعدهم عثمان ﵁ ست سنين من خلافته أو ثماني، ثم صار يتم الصلاة، فلامه الصحابة على الإتمام، ومخالفة النبي ﷺ والشيخين بعده، وأشدُّهم لومًا ابنُ مسعود ﵁ ولكنهم تابعوه وأتموا معه، وقال ابن مسعود: "إنَّ الخلاف شرٌّ"، فإتمام الصحابة ﵃ مع عثمان دليلٌ على أنَّ القصر غير واجب، ولو كان واجبًا ما أقروه، أما الأعذار التي قالها العلماء لإتمام عثمان فكثيرة، ولعلَّ من أوجهها -وليس بوجيه أيضًا-: أنَّ الحجَّ يجمع عددًا كبيرًا من المسلمين من أقصى البلاد، يجهلون أحكام الصلاة، فإذا صلوها مقصورة ظنوا أن هذه هي الصلاة، فخشيةً من هذا الفهم، الذي يترتب عليه خطأٌ كبيرٌ، أتمَّ، اجتهادًا منه ﵁.
стр. 1093
٣٥٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ، أخَّر الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ، صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَفِي رِوَايَةِ الحَاكِمِ في "الأَرْبَعِيْنَ" بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ: "صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، ثُمَّ رَكِبَ".
وَلأبِي نُعَيْمٍ في "مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ": "كَانَ إذَا كَانَ في سَفَرٍ، فَزَالَتِ الشَّمْسُ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث أصله في الصحيحين؛ أما زيادة الحاكم: فقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٨٣): هي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه، والعلائي.
وأما رواية أبي نعيم: فقد صححها النووي، كما في "التلخيص" (٢/ ٤٩).
* مفردات الحديث:
- تزيغ الشمس: بفتح التاء فزاي معجمة مكسورة آخره غين معجمة؛ أي: مالت نحو الغرب، بعد أن توسطت السماء.
- فزالت الشمس: مالت نحو الغرب، بعد أن توسطت كبد السماء.
...
- عُسْفَانَ: بضم أوله وسكون ثانيه، ثم فاء وآخره نون، على وزن "عثمان"، هي قرية عامرة تقع شمال مكة على بعد (٨٠) كيلو، يمر بها الطريق السريع الذاهب والآيب من مكة إلي المدينة، وفيها إمارةٌ، وشرطةٌ، ومدارس، ومستوصف، وغير ذلك من المرافق والخدمات، ويحيط بها حِرَارٌ سودٌ، وسكانها -الآن- بنو بشر، من بني عمرو، من قبيلة حرب، ولها ذكر في السيرة النبوية.
* ما يؤخذ من الأحاديث: (٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦):
١ - يدل الحديث رقم (٣٥٤) على جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت واحد، وذلك في السفر.
٢ - يدل على جواز الجمع بين هاتين الصلاتين جمع تقديم، وجمع تأخير، فكل من الجمعين جائز.
٣ - قال الشيخ: الجمع رخصة عارضة للحاجة إليه؛ فإنَّ النَّبىَّ ﷺ لم يفعله إلاَّ مرات قليلة؛ لذلك فإنَّ فقهاء الحديث كأحمد وغيره يستحبون تركه، إلاَّ عند الحاجة إليه؛ اقتداءً بالنبي ﷺ .
وأوسع المذاهب في الجمع مذهب أحمد، فإنَّه نص على أنَّه يجوز للحاجة والشغل، وصوَّب الشيخ أنَّه يجوز في السفر القصير، وقال: إنَّ علة الجمع الحاجة، لا السفر، فليس معلقاً به، وإنما يجوز للحاجة، بخلاف القصر.
وقال الشيخ -أيضاً-: الصواب أنه ﷺ لم يجمع بعرفة ومزدلفة لمجرد السفر، بل لاشتغاله باتصال الوقوف عن النزول، ولاشتغاله بالسير إلى مزدلفة، وهكذا يستحب الجمع عند الحاجة.
٤ - قال الشيخ: الجمع جائز في الوقت المشترك، فتارةً في أول الوقت، وتارةً في آخره، وتارةً يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين، وقد يقعان معاً في آخر
стр. 1096
وقت الأولى، وقد تقع هذه في هذا، وهذه في هذا، وكل هذا جائز؛ لأنَّ أصل هذه المسألة: أنَّ الوقت عند الحاجة مشتركٌ، والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة.
٥ - يدل على أنَّ الأفضل في حق الجامع المعذور أن يفعل الأرفق به، من جمع التقديم أو التأخير؛ لأنَّ الجمع لم يُبح إلاَّ لرفع المشقة، فيرى الأرفق به فيفعله.
٦ - يدل على أنَّ سبب الجمع صيرورة وقت إحدى الصلاتين وقتاً للأخرى؛ فليست إحداهما أداءً، والأخرى قضاءٍ في جمع التأخير، والأولى صليت في وقتها، والثانية قبل وقتها في جمع التقديم، فالصلاة قبل وقتها لا تصح.
٧ - يدل على أنَّ السفر هو أحد الأعذار المبيحة لجواز الجمع.
٨ - يدل على جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت واحد، وعلى جواز صلاتي المغرب والعشاء في وقت واحد.
وأطلق الراوي الجمع، مما يدل على عمومه في جواز جمع التقديم والتأخير، فيما بين الظهر والعصر، وفيما بين المغرب والعشاء، وجاءت رواية الترمذي (٥٥٠) تفصّله وتبينه؛ بلفظ: "كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، عجَّل العصر إلى الظهر، وصلَّى الظهر والعصر جميعاً".
٩ - حديث رقم (٣٥٥) يدل على جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، ولو كان الجامع نازلاً غير مُجِدٍّ في السفر.
١٠ - أما الحديث رقم (٣٥٦): فيدل على أنَّ الصلاة لا تقصر في مسافة تقل عن أربعة بُرُد، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل "١٦٠٠" متر، فتكون مسافة القصر على التقريب حوالي (٧٧ كيلو)، وتقدم تحقيق ذلك.
стр. 1097
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في جواز الجمع إلى ثلاثة أقوال:
فذهب الجمهور -ومنهم الإمامان: الشافعي وأحمد- إلى: جواز جمع التقديم والتأخير، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
وذهب مالك في إحدى الروايتين عنه، وابن حزم إلى: جواز جمع التأخير دون التقديم.
وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى عدم: جوازه مطلقاً، إلاَّ أن يكون جمعاً صوريّاً، بمعنى أن تؤخر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وتقدم الثانية في أول وقتها، فتصليان جميعاً هذه في آخر الوقت، والأخرى في أول الوقت.
وذهب الجمهور إلى: جواز الجمع مطلقاً؛ سواء كان المسافر نازلاً في سفره، أو جادّاً به السير.
واستدلوا: بما جاء في "الموطأ" (٣٣٠) عن معاذ: "أنَّ النَّبي ﷺ أخَّر الصلاة يوماً في غزوة تبوك، ثم خرج فصلَّى الظهر والعصر جمعاً، ثم دخل، ثم خرج فصلَّى المغرب والعشاء".
قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت الإسناد.
وذكر الشافعي في "الأم"، والباجي في "شرح الموطأ": أنَّ دخوله وخروجه لا يكون إلاَّ وهو نازل غير جاد في السفر، وفي هذا ردٌّ قاطعٌ على من قال: لا يجمع إلاَّ إذا جدَّ به السفر.
وذهب ابن القيم وجماعة إلى: اختصاص جواز الجمع لوقت الحاجة، وهي إذا جدَّ به السفر.
ودليلهم: حديث ابن عمر: "أنَّه كان إذا جدَّ به السير، جمع بين المغرب والعشاء، ويقول: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا جدَّ به السير، جمع بينهما"، رواه البخاري (١٧١١)، ومسلم (٧٠٣)، ولكن عند الجمهور زيادة دلالة في
стр. 1098
أحاديثها، والزيادة من الثقة مقبولة، ولأنَّ السفر موطن المشقة؛ سواء كان نازلاً أو سائراً؛ لأنَّ الرخصة تعم، وما جعلت إلاَّ للتسهيل والتيسير.
وأما مذهب أبي حنيفة في الجمع الصوري: فلا تنصره السنن الصحيحة.
* فوائد:
الفائدة الأولى: ما ذكره المؤلف في الجمع هو عذر السفر، وهناك أعذار أخر تبيح الجمع منها: المطر؛ فقد روى البخاري (٥٤٣): "أنَّ النبَّيَّ ﷺ جمع بين المغرب والعشاء، في ليلة مطيرة".
وَخُصَّ الجمع هنا بين المغرب والعشاء، دون الظهر والعصر، وجوزه جماعة من العلماء.
ومنها: المرض؛ فقد روى مسلم (٧٠٥): "أنَّ النَّبيَّ ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر ولا سفر".
وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة، وهو نوع مرض.
وقد جوز الجمع -لهذه الأعذار وأمثالها- مالكٌ وأحمد، وإسحاق، والحسن، وقال به جماعة من الشافعية؛ منهم الخطابي والنووي.
الفائدة الثانية: اختلف العلماء في السفر الذي يباح فيه الجمع:
فمذهب الشافعي وأحمد: يومان قاصدان، يعني: ستة عشر فرسخاً، وذلك يقارب (٧٧) كيلو متر.
أما مذهب الظاهرية وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والموفق في "المغني"-: فقد ذهبوا إلى أنَّ كل ما يعد سفراً يباح فيه الجمع، ولا يقدر بمسافة معينة، وأنَّ ما يروى من التحديدات ليس بثابت.
الفائدة الثالثة: جمهور العلماء يَرَوْنَ أَنَّ ترك الجمع أفضل من الجمع، إلاَّ في جمعي عرفة ومزدلفة؛ لما في ذلك من المصلحة فيهما، بخلاف القصر، فإنَّه سنة، وفعله أفضل من تركه.
стр. 1099
الفائدة الرابعة: قال في "الروض وحاشيته": وإن كان المسافر ملاَّحاً ونحوه، وأهله معه، ولا ينوي الإقامة ببلد -لزمه أن يتم أشبه المقيم؛ لأنَّ سفره غير منقطع، والرواية الأخرى: يترخص، اختارها الموفق والشيخ وغيرهما، وقالا: سواء كان معه أهل أو لا؛ لأنَّه أشق، وهو مذهب الأئمة الثلاثة.
الفائدة الخامسة: قال شيخ الإسلام: الجمع رخصة عارضة للحاجة، وفقهاء الحديث -كأحمد وغيره- يستحبون تركه إلاَّ عند الحاجة، وأوسع المذاهب مذهب أحمد؛ فإنَّه ينص على أنَّه يجوز للحاجة والشغل.
***
стр. 1100
٣٥٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَيْرُ أُمَّتِي الَّذِين إذَا أَسَاءوا اسْتَغْفَرُوا، وَإذَا سَافَرُوا قَصَرُوا، وَأَفْطَرُوا". أَخْرَجَهُ الطَّبرَانِيُّ فِي " الأوْسَطِ" بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَهُوَ فِي مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ مُخْتَصَراً (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال المناوي في "شرح الجامع الصغير": قال الهيثمي: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وأخرجه الطبراني بإسناد ضعيف، وأخرجه البيهقي في "المراسيل".
* مفردات الحديث:
- أساءوا: أذنبوا، قال الراغب: السيئة: الفعلة القبيحة، وهي ضد الحسنة.
- استغفروا: الاستغفار: طلب المغفرة بالمقال، والغفران من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ أفضل الخطائين التوابون، ممن إذا أذنبوا ذنباً، ذكروا وعيدَ الله وعذابه، واستغفروا وتابوا إلى الله تعالى توبة نصوحاً، بشروطها الثلاثة: الندم على ما فعلوه، والإقلاع عما ارتكبوه، والعزم على ألا يعودوا إليه، وإن كان حقّاً للخلق أَدَّوْهُ.
٢ - وإذا سافروا، أتوا رُخص الله تعالى التي أباح لهم، من الفطر في نهار رمضان، فليس من البر الصيام في السفر، وقصروا الصلاة الرباعية، إلى
стр. 1101
اثنتين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء، الآية: ١٠١].
٣ - الحديث من أدلة الذين يرون أنَّ القصر، والفطر في السفر -أفضل من الصيام والإتمام، وأدلة هذا القول كثيرة.
فأما القصر: فتقدم كلام المحققين، ومنهم: شيخ الإسلام، الذي قال: قصر الصلاة مشروع في الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، منقول عن النبي ﷺ نقلاً متواتراً.
وقال ابن القيم: لم يثبت عنه ﷺ أنَّه أتم الرباعية في السفر ألبتة.
***
стр. 1102
٣٥٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: "كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ، فقَالَ: صَلِّ قَائِماً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطعْ فَقَاعِداً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطعْ فَعَلَى جَنْبٍ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- بواسير: جمع: "باسور"، وهو ورم في المقعد، وعند الأطباء: نفاطات يحدث فيها تمدد وريدي، وتكون في الشرج تحت الغشاء المخاطي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث تقدم برقم (٢٦٣)، ويدل على صفة صلاة المريض، وهو أن يصلي قائماً، ولو محنيّاً، أو معتمداً إلى نحو جدار، أو عصا ونحوها.
فإن عجز، أو شق عليه، صلَّى قاعداً، والأفضل أن يكون في الجلوس الذي في موضع القيام متربعاً، وفي غيره مفترشاً، فإن عجز، أو شق عليه، صلَّى على جنبه، والأفضل أن يكون على الجنب الأيمن مستقبل القبلة.
٢ - فإن لم يستطع الصلاة على جنبه، أومأ برأسه إيماء، ويكون إيماؤه في السجود أخفض من إيمائه في الركوع.
٣ - الحديث مؤيد بآيات كريمات، هي روح السهولة، واليسر في الشريعة، الإسلامية؛ مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ومثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
قال النووي: أجمعت الأمة على أنَّ من عجز عن القيام في الفريضة، صلاها قاعداً، ولا إعادة عليه، ولا ينقص ثوابه؛ للخبر.
стр. 1103
٤ - العجز الذي يبيح القعود في الصلاة المكتوبة قدَّره العلماء:
فقال إمام الحرمين: الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تُذهب خشوعه؛ لأنَّ الخشوع مقصود الصلاة، وقد صلَّى النبي ﷺ جالساً حين خمش شقه، والظاهر أنَّه لم يكن لعجزه عن القيام، بل لمشقة فعله، أو لوجود ضرر، وكلاهما حجة، ويعمل بقول طبيب عارف ثقة -ولو امرأة- أن القيام يضره، أو يزيد في علته.
٥ - جاء من حديث أبي موسى؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذَا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً" [رواه البخاري (٢٩٩٦)].
قال الشيخ تقي الدين: من نوى الخير، وفعل ما يقدر عليه، كان له كأجر الفاعل.
* خلاف العلماء:
مذهب جمهور العلماء: أنَّ الصلاة لا تسقط ما دام العقل ثابتاً، وأنَّه إن لم يستطع الإيماء برأسه، أومأ بطرفه، وإن لم يستطع القراءة بلسانه، قرأ بقلبه.
وذهب الشيخ تقي الدين إلى أنَّه إذا عجز المريض عن الإيماء برأسه، سقطت عنه الصلاة.
وقال شيخنا عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى-: أما صلاة المريض بطرفه أو بقلبه، فلم نثبت، ومفهوم الحديث يدل على أنَّ الصلاة على جنبه مع الإيماء هي آخر المراتب الواجبة، وهو اختيار الشيخ تقي الدين ﵀.
ومذهب الجمهور أحوط؛ لأنَّ أصل وجوب الصلاة موجودٌ، والذمة مشغولةٌ به، والعقل المخاطب بوجوب الأداء حاضرٌ، والله أعلم.
***
стр. 1104
٣٥٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "عَادَ النَّبيُّ ﷺ مَرِيْضاً، فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمى بِهَا، وَقَالَ: صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلاَّ فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ". روَاهُ البَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف؛ رواه البيهقي بسند قوي، ولكن صحَّحَ أبو حاتم وقفه، وأخرجه البيهقي من طريق سفيان الثوري.
وقال البزار: لا يُعْرَفُ أحد رواه عن الثوري غير أبي بكر الحنفي.
وقال أبو حاتم: الصواب أنَّه موقوف على جابر، ورفعه خطأ.
* مفردات الحديث:
- عاد: قال في "المصباح": عدت المريض عيادة: زرته، فالرجل عائد، وجمعه: عوَّاد، والمرأة عائدة، وجمعها: عُوَّد، بغير ألف.
قال الأزهري: هكذا كلام العرب.
- وِسَادة: -بكسر الواو-: كل ما يوضع تحت الرأس.
- إيماء: أصل الإيماء: الحركة، وقد يستعمل بالحاجبين، والعينين، واليدين، والرأس، ومنه: إيماء المريض ببدنه للركوع والسجود.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كراهة سجود العاجز على وسادة ونحوها، تُرفع له عن الأرض، ويكون سجوده على الأرض مباشرةً، إن قدر، وإلاَّ أومأ إيماء.
стр. 1105
٢ - وجوب الإيماء في السجود والركوع على المريض، إذا لم يستطع الركوع والسجود.
٣ - فإن كان قادراً على القيام، فإيماؤه في الركوع يكون من قيام، وإيماؤه في السجود يكون من قعود، فالركن الذي يقدر عليه لا يسقطه العجز عن الركن الآخر.
٤ - سماحة الشريعة وعدم التكلف فيها، فالذي لا يستطيع السجود لا يتكلف له ما يسجد عليه، وإنما يعبد الله ما استطاع، فالتنطع ليس من الدين في شيء.
٥ - يدل على استحباب عيادة المريض، وإرشاده إلى ما ينفعه في دينه، وفي الأحوال كلها، فالدين النصيحة.
٦ - أن يكون السجود أخفض من الركوع في حال الإيماء، تمييزاً لكل ركن عن الآخر، ولأنَّ السجود أخفض في حال القدرة من الركوع، فكل واحد يُعطى ما يناسبه.
***
стр. 1106
٣٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعاً". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح؛ صححه الحاكم، وابن حبان (٦/ ٢٥٧)، وابن خزيمة (٢/ ٢٣٦)، وأخرجه الدارقطني (١/ ٣٩٧)، والنسائي وقال: ما أعلم أحداً رواه غير أبي داود الحفري وهو ثقة، ولا أحسبه إلاَّ أخطأ.
قال الحافظ ابن حجر: قد رواه ابن خزيمة والبيهقي من طريق محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني متابعة لأبي داود، فظهر أنَّه لا خطأ فيه.
وقال ابن عبد الهادي: قد تابع الحفري محمد بن سعيد الأصبهاني، وهو ثقة.
وله شواهد من حديث أنس وعبد الله بن الزبير رواها البيهقي.
* مفردات الحديث:
- متربعاً: هي جلسة الإنسان ثانياً قدميه تحت فخذيه، مخالفاً لهما.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز الصلاة قاعداً، فإن كان ذلك في فرض، فلا يكون إلاَّ عند العجز عن القيام، أو المشقة منه، وإن كان في نفلٍ، فجائز حتى مع القدرة على القيام، إلاَّ أنَّه إذا كان بدون عذر، فأجره على النصف من صلاة القائم، وإن كان من عذر، فأجره تام، إن شاء الله تعالى.
٢ - يجوز الجلوس في الصلاة على أية جلسة كانت من الجلسات المشروعة،
стр. 1107
لكن الأفضل أن يكون متربعاً في موضع القيام، ومفترشاً في موضع الجلوس، والصلاة متربعاً هي التي ذكرت عائشة؛ أنَّها رأت النبي ﷺ يصليها.
***
стр. 1108
باب صلاة الجمعة
مقدِّمة
الجمعة فيها لغتان: التحريك مع الضم، اسم فاعل فهي سبب لاجتماع الناس، والثانية ساكنة الميم فهي اسم مفعول، فهي محل لاجتماع الناس.
والأصل في مشروعيتها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، والأدلة من السنة في مشروعيتها كثيرةٌ، قولاً وفعلاً.
قال العراقي: مذاهب الأئمة متفقة على أنَّها فرض عين، بل صلاة الجمعة من أوكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وصلاة الجمعة أفضل من صلاة الظهر بلا نزاع.
وهي صلاة مستقلة، ليست بدلاً من الظهر، وإنما الظهر بدل عنها إذا فاتت، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد خصَّ الله به المسلمين، وأضل عنه من قبلهم من الأمم كرماً منه، وفضلاً على هذه الأمة؛ فقد جاء أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة" [رواه مسلم].
قال العراقي: اتَّفق الأئمة على أنَّ الجمعة أكبر فروض الإسلام، وهي أعظم مجامع المسلمين، سوى مجمع عرفة.
ولهذا اليوم خصائص من العبادات:
أعظمها هذه الصلاة التي هي آكد الفروض، واستحباب قراءة سورة السجدة، وسورة الإنسان في صلاة فجرها، وقراءة سورة الكهف في يومها،
стр. 1109
وكثرة الصلاة على النبي ﷺ ، والاغتسال، والتطيب، ولبس أحسن الثياب، والذهاب إليها مبكراً، والاشتغال بالذكر والدعاء، إلى حضور الخطيب.
وفيها ساعة إجابة الدعاء، التي اختلف العلماء في وقتها، وأرجح الأقوال أنَّها من جلوس الخطيب على المنبر إلى فراغ الصلاة، أو بعد العصر.
وقد أفرد لها الإمام ابن القيم فصلاً مطولاً في "زاد المعاد" وصنَّف فيها كثير من أهل العلم مصنفاتٍ مستقلةً.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الشارع من حكمته، ومحاسن شرعه، أنه شرَعَ للمسلمين الاجتماعات لأنواع العبادات من الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، ومصلى العيد، ومشهد الحج في البقاع المقدسة، ففي هذه الاجتماعات مِن الحِكم والأسرار ما يفوت الحصر، فمنها:
١ - إظهار دين الله تعالى، وإعلاء كلمته.
٢ - إظهار شعائر الإسلام، وبيان جمالها.
٣ - إظهار محاسن الإسلام، وجمال تشريعاته.
٤ - تعارف المسلمين، وتآلفهم.
٥ - التعرف على بلدانهم، وأحوالهم، وآمالهم، وآلامهم.
٦ - التشاور وتبادل الآراء النافعة.
٧ - التعاون على الحق، والتآزر على الدين.
٨ - اجتماع كلمة المسلمين ووحدة صفهم، وتوحيد هدفهم نحو الخير.
وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨]، فاجتماع المسلمين في عباداتهم خير وبركة وإصلاح وفلاح، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
أسال الله تعالى أن يوحد كلمة المسلمين، وأن يجمع قلوبهم على الحق، وأن يعزهم بدينه، فهو القادر على ذلك، وهو نعم المولى ونعم النصير.
стр. 1110
٣٦١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرهِ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهُمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهُم، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِيْنَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مِنْبَره: بكسر الميم وسكون النون وفتح الباء ثم راء وهاء، وكان منبره ﷺ من أعواد الطرفاء؛ وهي نوع من الإثل ينبت في السباخ.
- لينتهين أقوام: "اللام" للابتداء، وتصلح أن تكون موطئة للقسم، والفعل مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، ومحله الرفع؛ لتجرده من الناصب والجازم.
- ودْعِهِم: بفتح الواو وسكون الدال المهملة، فكسر العين المهملة، من ودع الشيء إذا تركه.
ولفظ الحديث يدل على أن ودع لها مصدر، خلاف ما قرره أكثر النحاة، من أنَّه ليس لها مصدر، ولا ماضٍ.
- الجمعات: جمع جمعة، وهو جمع مؤنث سالم، والجمعات بتثليث الميم، والضم أفصح.
قال العيني: التاء ليست للتأنيث، وإنما هي للمبالغة.
- ليختمن الله على قلوبهم: الختم هو الطبع حتى تصير مغلقة، لا يصل إليها الخير والهدى، وذلك: بأن يمنعهم الله لطفه وفضله، وهذا أكبر الخذلان.
стр. 1111
- من الغافلين: الغافل: هو الذاهل عما يفيده وينفعه، فهو معدود من جملة الغافلين، المشهود عليهم بالغفلة والشقاء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النهي الشديد عن ترك صلاة الجمعة، والوعيد الأكيد لمن تركها، بأنَّ الله يطبع على قلبه عقوبة الغفلة، ونقمة نسيانه نفسه، فيصبح من الغافلين عمَّا ينفعه في سعادته، حتى تنزل به مصيبة الموت، فيخسر الحياة الأبدية السعيدة، وذلك هو الخسران المبين.
٢ - أمرَ الله تعالى كل رجل مؤمن مكلف بإتيان الجمعة إذا أُذِّن لها؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] والمراد بالسعي؛ الاهتمام بها، وسرعة التهيؤ بإعداد البدن، وجاءت أحاديث صحيحة صريحة؛ في أنَّها حقٌّ واجبٌ على كل مكلف، وبأن غسلها واجبٌ على كل محتلم، وبإحراق منزل المتخلف عنها، كل هذه لا تدع مجالاً للشك في أنَّ صلاة الجمعة واجبة على الأعيان، وليست فرض كفاية.
٣ - قال القاضي عياض: أحد الأمرين كائن لا محالة، إما الانتهاء عن ترك الجمعات، وإما ختم الله على قلوب المتخلفين.
والختم على القلب: هو ما يمنعهم من لطفه وفضله، أو خلق الكفر والنفاق في صدورهم، حتى يصبحوا من جملة الغافلين، المختوم عليهم بالغفلة والشقاء.
٤ - قال في "شرح الإقناع": ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام، أو قبل فراغها -لم يصح ظهره؛ لأنَّه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به؛ فلم تصح.
٥ - فيه دليل على أنَّ المعاصي بفعل المحرمات، أو ترك الواجبات -تسبب
стр. 1112
ارتكاب غيرها عقوبة من الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، ولأنَّ المذنب مرة أخرى لمَّا جَسُرَ على الذنب في المرة الأولى، درب عليه في الثانية، فصار عادة له.
٦ - فيه دليل على أنَّ أعظم العقوبات هو إصابة الإنسان بالخذلان، والغفلة عن آخرته، حتى يموت فينتبه، ويقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ فلا رجعة، ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون].
٧ - في الحديث دليل على أنَّ صلاة الجمعة أهم الفروض، حيث لم يشدد في ترك شيء من الواجبات بمثل ما شدد فيها، فالجمعة أفضل من الظهر، بلا نزاع.
٨ - الجمعة واجبة بإجماع المسلمين، وواجبة على الأعيان عند الجمهور، قال العراقي: مذاهب الأئمة متفقة على أنَّها فرض عين، لكن هناك شروط يشترطها أهل كل مذهب.
٩ - قوله: "أو ليختمن الله على قلوبهم" فيه إثبات أفعال الله الاختيارية، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فإنَّهم ينسبون لله تعالى أفعاله الاختيارية، المتعلقة بمشيئته وإرادته.
أما المعطلة: فيؤلونها بحجة أنَّ الفعل الحادث لا يقوم إلاَّ بحادث، والله ليس بحادث، وإنما هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو قول مردود بالنقل الصحيح، والعقل السليم.
فأما النقل: فالنصوص كثيرة جدّاً؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الأنبياء]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾ [الأنبياء]، ومن حيث العقل: فإنَّ الذي يفعل أفضل وأكمل من الذي لا يفعل، والله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
وأما من حيث المتعلق: فإنَّ صفات الله قديمة النوع، متجددة الآحاد.
стр. 1113
٣٦٢ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوعِ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي معَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ، وَلَيْسَ لِلْحِيْطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظلُّ بِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَهُ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الحيطان: جمع "حائط"، قال في "المصباح" -بتصرف-: الحائط: الجدار، والجمع جدر؛ مثل: كتاب وكُتُب، وسكون الدال في الجَدْر لغة، وجمعه: جدران.
- نُجمِّع: -بضم النون وفتح الجيم وتشديد الميم ثم عين مهملة-: نصلي الجمعة.
- نتتبع: من التتبع؛ أي: نطلب.
- فيء: بفتح الفاء آخره همزة-: هو الظل بعد الزوال، فيكون أخص من الظل.
...
стр. 1114
٣٦٣ - وَعَنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلاَ نَتَغَدَّى إِلاَّ بَعْدَ الجُمُعَةِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: "فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- نقيل: من القيلولة أو القائلة، و"قال" من باب ضرب، وهي استراحة نصف النهار، قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان].
قال ابن جزيء: هو مفعل من: النوم في القائلة، وإن كانت الجنة لا نوم فيها، ولكن جاء على ما تتعارفه العرب من الاستراحة وقت القائلة.
- نتغدَّى: بالغين المعجمة والدال المهملة من "الغداء"، وهو الطعام الذي يؤكل أول النهار أو وسطه.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديث رقم (٣٦٢) صريح في أنَّ النَّبيَّ ﷺ يصلي بأصحابه صلاة الجمعة تارةً إذا زالت الشمس، وتارةً ينصرفون من الخطبتين والصلاة، وما لها من السنن، وليس للحيطان ظل يُسْتَظَلُّ بها.
وهذا التقسيم من الراوي لوقت صلاة الجمعة، يدل على أنَّهم تارةً يصلونها قبل الزوال، وتارةً يصلونها بعده.
٢ - أما الحديث رقم (٣٦٣): فصريح في أنَّهم ما كانوا يقيلون، ويتغدون إلاَّ بعد صلاة الجمعة، مما يدل على أنَّهم يصلونها قبل الزوال؛ لأنَّ القيلولة
стр. 1115
والراحة لا تكون إلا بعد الظهر.
قال ابن قتيبة: لا يسمى غداءً، ولا قائلةً إلاَّ بعد الزوال، فكانوا يبدؤون بصلاة الجمعة قبل القيلولة.
* خلاف العلماء:
اتَّفق العلماء على أنَّ آخر وقت صلاة الجمعة يخرج بانتهاء وقت صلاة الظهر؛ وذلك بدخول وقت صلاة العصر.
واختلفوا في أول وقتها: فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ وقتها يبتدىء بزوال الشمس كالظهر، واستدلوا على ذلك: بما رواه البخاري (٩٠٤) عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس".
وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه إلى: أنَّ دخول وقتها يبتدىء بدخول وقت صلاة العيد، واستدل على ذلك: بما رواه مسلم (٨٥٨) عن جابر: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا، فنريحها حين تزول الشمس".
وللجمهور تأويلات بعيدة متعسفة على هذا الحديث وأمثاله.
وحديث أنس في البخاري لا ينافي حديث جابر في مسلم؛ فإنه ﷺ تارةً يصليها قبل الزوال، وتارةً بعده.
والأفضل أن تكون الصلاة بعد الزوال، لأنَّه الغالب من فعل النبي ﷺ ، ولأنَّه الوقت المجمع عليه بين المسلمين، والاجتماع وعدم التفرق أولى وأحسن، والله الموفق.
***
стр. 1116
٣٦٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِماً، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّام، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إلاَّ اثْنَا عَشْرَ رَجُلاً". رَوَاهُ مُسلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- عِيْر: بِكسر العين المهملة ثم ياء تحتية مثناة ساكنة فراء، قال في "النهاية": هي الإبَل بأحمالها، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها.
- فَانْفَتَلَ الناس: بالنون الساكنة وفتح الفاء فمثناة فوقية، أي: انصرف الناس عن سماع الخطبة، وخرجوا من المسجد إلى لقاء العير.
- إلاَّ اثنا عشر رجلاً: الكلام تام منفي، فيجوز في المستثنى منه الرفع عل البدلية من فاعل "يبقى"، ويجوز نصبه على الاستثناء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوب خطبتي الجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] قال أكثر المفسرين: إنَّها الخطبة، وحكى النووي الإجماع على وجوبها.
٢ - استحباب كون الخطيب حال الخطبة قائماً، قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] واستفاض ذلك من غير وجهٍ، وحكى ابن عبد البر: إجماع علماء المسلمين على أنَّ الخطبة لا تكون إلاَّ قائماً ممن أطاقه، ولا يجب ذلك؛ لأنَّه ليس من شروطها.
٣ - انصراف الناس عن النبي ﷺ وهو يخطب، واكتفاؤه منهم باثني عشر رجلاً، دليل على صحة الجمعة بمثل هذا العدد.
стр. 1117
٤ - كان هذا في أول الإسلام قبل أن تثبت حرمة الشعائر في قلوبهم، وكان بالناس حاجةٌ ماسةٌ إلى الطعام، ومع هذا فإنَّ الله تعالى عاب فعلهم، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] الآية.
٥ - هذا الحديث من أدلة الإمام مالك في أنَّ العدد المعتبر لصحة صلاة الجمعة هو اثنا عشر رجلاً، ولكن الاستدلال غير وجيه.
وسيأتي ذكر الخلاف في الحديث رقم (٣٨٠) إن شاء الله.
***
стр. 1118
٣٦٥ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلاَةِ الجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهُ وَالدَّارقُطْنِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، لَكن قَوَّى أبو حاتمٍ إِرْسَالَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه البيهقي بسند صحيح على شرط الشيخين، ورواه النسائي، وابن ماجه، والدارقطني واللفظ له، ولكن قوى أبو حاتم إرساله.
وقد أخرج الحديث من ثلاثة عشر طريقاً عن أبي هريرة، ومن ثلاثة طرق عن ابن عمر، وفي جميعها مقال.
قال الألباني: وجملة القول: أنَّ الحديث بذكر "الجمعة" صحيح من حديث ابن عمر مرفوعاً، وموقوفاً.
* مفردات الحديث:
- فليضف: أضاف الشيء إلى الشيء إضافة: ضمَّه إليه؛ أي: فليضف إلى الركعة التي أدرك مع الإمام ركعةً أخري؛ لتتم صلاته، و"اللام" لام الأمر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أن من أدرك ركعةً من صلاة الجمعة مع الإمام، فليضف إليها ركعة أخرى، وقد تمت صلاة جمعته.
٢ - مفهوم الحديث أنَّه إن لم يدرك مع الإمام ركعة من الجمعة، وذلك بأن رفع
стр. 1119
الإمام من الركعة الثانية، قبل أن يركع معه فإنه قد فاتته الجمعة، وعليه أن يصليها ظهراً.
قال في "شرح الزاد وحاشيته": ومن أدرك مع الإمام من الجمعة ركعةً، أتمها جمعةً إجماعاً، وإن أدرك أقل من ذلك، بأن رفع الإمام رأسه من الركعة الثانية، ثم دخل معه، أتمها ظهراً، إن نوى الظهر ودخل وقته؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "من أدرك ركعة من الجمعة، فقد أدرك الصلاة" [رواه البيهقي (٣/ ٢٠٢)، وأصله في البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)].
٣ - قال المحدثون: إنَّ حديث الباب صحيح مرفوعاً وموقوفاً بذكر الجمعة فيه، وله طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً، قال الصنعاني: كثرة طرقه يقوي بعضها بعضاً.
٤ - قوله: "وغيرها" أي: غير الجمعة من الصلوات كالجمعة؛ في أنَّها لا تدرك إلاَّ بإدراك ركعة؛ لما روى أبو هريرة مرفوعاً: "من أدرك ركعة من الصلاة أدركها" [أخرجه البخاي (٥٨٠) ومسلم (٦٠٧)].
قال شيخ الإسلام: مضت السنة؛ أنَّه من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة.
***
стр. 1120
٣٦٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِماً، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِماً، فَمَنْ أنْبَأك أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِساً، فقَدْ كَذَبَ". رَوَاهُ مُسلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أنبأك: فعل ماضٍ، من: الإنباء، من باب الإفعال، والمعنى: من أخبرك؟.
- كذب: يكذب كذباً، والكذب: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه؛ سواء فيه العمد والخطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب قيام الخطيب أثناء أداء الخطبتين يوم الجمعة؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] وحكى ابن المنذر إجماع علماء الأمصار على هذا.
٢ - للقيام في الخطبة فوائد كثيرةٌ، من إظهار القوة والنشاط، ومن الحماس في الإلقاء، ومن إسماع الحاضرين وإبلاغهم، ومن اتباع السنة، وامتثال القرآن.
٣ - يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسةً خفيفةً ليفصل بها بين الخطبتين، وليستريح، وليتبع السنة.
قال جماعة من العلماء: الجلسة تكون بقدر قراءة سورة الإخلاص.
٤ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ ما كان يخطب جالساً أبداً، فالصحابي الجليل جابر بن سمرة
стр. 1121
الملازم للجُمَعِ مع رسول الله ﷺ يُكَذِّبُ من أخبر أنه كان ﷺ يخطب جالساً.
٥ - القيام في الخطبة سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، ومنهم الحنفية والحنابلة، وذهب مالك إلى وجوبه، وأما الشافعي فقال: إنَّه شرط من شروط صحة الخطبة؛ للآية، ومواظبة النبي ﷺ عليه، ولما جاء من الأخبار.
قال في "سبل السلام": وأما الوجوب وكونه شرطاً في صحتها، فلا دلالة عليه من اللفظ، إلاَّ أن ينضم إليه دليل التأسي به ﷺ .
٦ - قال ابن القيم: لم يُحفظ عن النَّبي ﷺ بعد اتخاذه المنبر أنَّه كان يرقاه بسيفٍ، ولا قوسٍ، وكثيرٌ من الجهلة يظن أنَّه يحمل السيف على المنبر، إشارةً إلى أنَّ الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهلٌ قبيحٌ من وجهين:
أحدهما: أنَّ المحفوظ أنَّه إنما كان للاتكاء على العصا، أو القوس.
الثاني: أنَّ الدين إنما قام بالوحي، وأما السيف فلحق أهل العناد والشرك، والدين لم يُكْرَهْ عليه أحد، ولا خير في إسلام من أكره عليه.
***
стр. 1122
٣٦٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلاَ صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: أَمَّا بعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضلاَلَةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ: يَحْمَدُ الله وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إثر ذلِكَ، وَقَد عَلاَ صَوْتُهُ".
وَفي رِوَايَةٍ لَهُ: "مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ".
وَلِلْنَّسَائِيِّ: "وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
القسم الأول في مسلم، أما زيادة: "وكل ضلالة في النار" من زيادة النسائي، ففي سندها: جعفر بن محمد الهاشمي، وهو ضعيف، وأخذ الحديث وجادة، ولهذا نفى الشيخ ابن تيمية هذه الزيادة، فقال في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ١٩١)، ولم يقل ﷺ : "وكل ضلالة في النار".
* مفردات الحديث:
- خطب: يخطُب -من باب قتل- خُطبةً، بضم الخاء، جمعها: خطب، وهي
стр. 1123
فعلة بمعنى مفعولة؛ كنسخة بمعنى منسوخة، وهي الكلام المؤلَّف المتضمن وعظاً وإبلاغاً.
- احمرَّت عيناه: هذه حالات تعتري الخطيب الناصح المتحمِّس.
- علا صوته: ارتفع؛ ليكون لكلامه وقعٌ، وتأثيرٌ، بالمستمعين.
- اشتد غضبه: قوي وزاد، والغضب استجابة للانفعال.
- كأنه منذر: الإنذار: الإخبار مع التخويف، فالمنذر: هو المخبر بتحذير.
- صبَّحكم: من باب التفعيل؛ أي: نزل بكم العدو صباحاً ومساءً.
- أما بعد: "أما" بفتح الهمزة أداة تفصيل، و"بعد" ظرف مبهم مقطوع عن الإضافة، مبني على الضم، ويؤتى بـ"أما بعد" للفصل والانتقال من موضوع إلى آخر، وبعضهم جعلها هي فصل الخطاب التي في الآية: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾ [ص] واختلفوا في أول من قالها، فقيل: النبي داود، وقيل: قس بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: يعرب بن قحطان.
- هُدَى محمد: ضبط بضم الهاء وفتح الدال، فيكون معناه: الدلالة والإرشاد، وضبط بفتح الهاء وسكون الدال، فيكون معناه: أحسن الطرق طريق محمد.
- محدثاتها: أي: مخترعاتها، مما لم يكن ثابتاً بشرع من الله، ولا من رسوله، والمراد به البدع في الدين.
- بدعة: قال الشاطبي: أصل مادة بدع للاختراع، على غير مثال سابق، ومن هذا سمي العمل الذي لا دليل عليه من الشرع بدعةً، وسيأتي البحث عنها بأتم من هذا، إن شاء الله تعالى.
- ضلالة: الضلالة هي ضد الهداية؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد].
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه مشروعية خطبتي الجمعة.
стр. 1124
قال في "الحاشية": ويشترط لصحة صلاة الجمعة تقدم خطبتين؛ وفاقاً لمالك والشافعي وجماهير العلماء.
وحكاه النووي إجماعاً، ومشروعيتهما مما استفاضت به السنة.
٢ - الحديث فيه صفة الخطيب، وما ينبغي أن يكون عليه عند إلقاء الخطبة من أحوالٍ وصفاتٍ، ترجع إلى إثارة الحماس والانفعال، الذي يسري من نفس الخطيب إلى نفوس السامعين، فينبههم ويوقظ ضمائرهم، ويلهب شعورهم، ويحرك قلوبهم نحو الإقبال على الله تعالى بالطاعات، والابتعاد عما نهى الله عنه من المعاصي.
فمن ذلك أن:
تحمر عيناه؛ وذلك إشارة إلى الغضب والانفعال.
يعلو صوته؛ ليصل إلى مسامعهم، وليهز قلوبهم.
يشتد غضبه، ليوقظ حماسهم ويثير شعورهم بحماسه، وثورته، وهيجانه، وانفعاله، حتى كأنه منذر جيش أحاط بالبلاد، ويوشك أن يصبحهم، أو يمسيهم؛ ليستولي على بلادهم، فيفتك بهم، ويسْبي نساءَهم، ويسترق ذراريهم، ويسلب أموالهم.
٣ - وكان مما يحث عليه في الخطبة هو العمل بكتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والحث على سنة وهدْي رسوله ﷺ ، الذي هو صنو الكتاب في الهداية، والدلالة على الخير.
قال ابن القيم: مقصود الخطبة هو الثناء على الله تعالى، وتمجيده بالشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جناته، ونهيهم عمَّا يقربهم من سخطه وناره.
وزاد ابن القيم بقوله: إنما كانت خطبة النبي ﷺ تقريراً لأصول الإيمان
стр. 1125
بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه، وأهل معصيته.
٤ - كان ينهى عن الابتداع في الدين ومحدثات الأمور، فقد أكمل الله الدين وأتم نعمته على عباده المسلمين، ويذكر أنَّ أية بدعة فهي ضلالة، وأنَّ كل ضلالة سبب في دخول النار، ذلك أنَّ الضال الذي يرى أنه مهتدٍ أصعب أمراً من العاصي، الذي يعلم أنَّه يعصي الله تعالى، فالأول يبْعُدُ رجوعه عن ضلالته وبدعته، أما الثاني فهناك أمل كبير أن يرجع إلى الله تعالى بالتوبة عما هو عليه من المعاصي.
٥ - وقوله: "وكل بدعة ضلالة" دليل على أنَّ تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة، وبدعة سيئة، لا يصح، بل البدعة كلها ضلالة، أيّاً كانت.
٦ - وذكر في الرواية الأخرى: أنَّ من أدب الخطبة افتتاحها بحمد الله تعالى والثناء عليه؛ لأنَّ الكلام الذي لا يبدأ بحمد الله فهو منزوع البركة، وإنَّ الهداية والتوفيق بيد الله تعالى، وإنَّ ضلال العبد بتدبيره، فلا يخرج شيء عن قدرته وإرادته، فكله راجع إلى تدبير الحكيم، والإرادة العالية.
٧ - قال البغوي: يستحب ختم الخطبة بقوله: "أستغفر الله لي ولكم"، وعمل الأكثر عليه.
قال في "الروض": ويباح الدعاء لمعيَّن كسلطان، فقد دعا أبو موسى لعمر، ﵄
قال الإمام أحمد: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان؛ لأنَّ في صلاحه صلاح المسلمين.
قال النووي: الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق ونحو ذلك -مستحبٌّ بالاتفاق.
٨ - ينبغي للخطيب وغيره من الداعين لولاة أمور المسلمين ألا يخص بقلبه