← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ, ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ, فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً, وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ, وَزَادَ: "وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ" (١) ــ * درجة الحديث: زيادة أبي داود جاءت بإسنادٍ حسن. * مفردات الحديث: الذباب: بضم الذال المعجمة، اسمٌ يطلق على كثيرٍ من الحشرات المجنَّحة، ومنها الذبابة المنزلية ذات الأجنحة الشفافة صاحبة الأرجل المغطَّاة بالشعر، التي تنتهي بوسائل ماصَّة، تمكِّنها من حمل الجراثيم والقاذورات التي تهبط عليها. قال ابن بطال: سُمِّي ذبابًا؛ لأنَّه كلَّما ذُبَّ لاستقذاره، آب. - الشراب: ما شرب من أي نوع من السوائل، جمعه أشربة. - فليغمسه: في الشراب، ثمَّ لينزعه منه، يقال: انغمس في الماء: إذا غاب كله فيه. - ثمَّ لينزعه: أي: ليجذبه ويقلعه من إناء الشراب. - جناحيه: الجناح: هو ما يطير به الطائر ونحوه، وهما جناحان، جمعه أجنحة وأجنُحُ. - الداء: هو المرض ظاهرًا أو باطنًا، يقولون: داءَ الرجلَ داءٌ، أي: نزل به داءٌ، جمعه أدواء، والمراد هنا: وجود سبب الدَّاء في أحد جناحي الذبابة. - شفاء: البرء من المرض، والمراد هنا: وجود سبب الشفاء في أحد جناحي الذباب.

стр. 142

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - طهارة الذباب في حال حياته ومماته، وأنَّه لا ينجس ما وقع فيه من سائل أو جامد. ٢ - استحباب غمسه كله فيما وقع فيه من سائل، ثمَّ نزعه وإخراجه، والانتفاع بما وقع فيه فهو باقٍ على طهارته وماليته. وإنْ كان ما وقع فيه جامدًا، ألقاه وما حوله؛ لعدم سريان مضرته في بقية أجزاء الجامد. ٣ - أنَّ في أحد جناحي الذباب داءً، وفي الجناح الآخر شفاء، فإذا وقع في الشراب، رفع الجناحَ الذي فيه الشفاء، وغمس في الشراب الجناحَ الذي فيه الداء؛ ليحافظ على السِّلاح الذي أودعه الله بجناحه من العطب، فيبقى ذخيرة له في حياته عند حاجته إليه، فكان من حكمة الله تعالى أنْ أمر أنْ يغمس جناحه الذي فيه الشفاء حتى يُقابَلَ داؤُهُ بدوائه، فيكون مضادًّا له وتزول مضرته. أمَّا إراقته: ففيها إضاعة مال وإفساد، والشرع ليس لعصرٍ من العصور أو شعب من الشعوب؛ فقد يكون لهذا الشراب قيمته الكبيرة في زمنٍ من الأزمنة، ومكان من الأمكنة، وشعبٍ من الشعوب. ٤ - في الحديث إعجاز علمي؛ فقد جاء العلم الحديث بمبتكرات واكتشافات؛ فأثبتت وجود حقيقة علمية في وجود داء ضار في أحد جناحي الذباب، بينما أثبت وجود دواء مضاد له في الجناح الآخر، ولله في شرعه أسرار!!. ٥ - قاس العلماء على طهارة الذباب كل ما ليس له نَفْسٌ سائلةٌ من الحشرات، فحكموا بطهارتها، وأنَّها لا تنجس ما سقطت فيه من أطعمة أو أشربة، قليلة كانت تلك الأطعمة أو الأشربة أو كثيرة؛ ذلك أنَّ سبب التنجُّس هو الدم المحتقن في الحيوان بعد موته، وهذا السبب غير موجود فيما ليس له دم سائل؛ كالنحلة، والزنبور، والبعوضة، وأمثال ذلك.

стр. 143

بحثٌ فيه ردٌّ لمطاعن الزنادقة في هذا الحديث: طعن بعض الزنادقة في هذا الحديث، بل تعدَّاه الطعن إلى الطعن في أبي هريرة ﵁ ومن هؤلاء "محمود أبو ريَّة" في كتابه الذي أسماه "أضواء على السنَّة المحمدية"، وردَّ عليه الشيخ العلَّامة: عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي في كتابه "الأنوار الكاشفة"، وقال: وقع إليَّ كتاب جمعه أبو رية، فطالعته وتدبرته، فوجدته جمعًا وترتيبًا وتكميلاً للمطاعن في السنة النبويَّة، والجواب عن الطعن في هذا الحديث نلخِّصها في الفقرات التالية: أولًا: الحديث الذي معنا من الأحاديث التي انتقاها واختارها الإمام البخاري لصحتها ووضعها في صحيحه، وحسبك بهذا الإمام الجليل وبكتابه الذي أجمعَتِ الأمَّةُ على قبوله فتلقته بالقبول والرضا، والاعتمادِ والعملِ بما فيه. ثانيًا: حديث الذباب لم ينفردْ بروايته أبو هريرة، وإنَّما رواه أيضًا أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك؛ كما جاء ذلك في مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٤). ثالثًا: من هو الذي يتطاول حتَّى ينال من طرف صحابي من أصحاب رسول الله ﷺ حتَّى يصل إلى أحفظهم لأحاديث رسوله، وأكثرهم لها نقلاً، الذي دعا له النبي ﷺ بالحفظ وبطء النسيان، والذي فرَّغ نفسه لحفظ الحديث؛ فلا زراعةَ تشغله، ولا تجارةَ تلهيه، وإنَّما ليله ونهاره يتابع ما يلفظ به النبي ﷺ من الحكمة، ثُمَّ يَسْهَرُ عليها ليله لحفظها، ويثبِّتها في قلبه. رابعًا: قال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي: علماء الطبيعة يعترفون بأنَّهم لم يحيطوا بكلِّ شيءٍ علمًا، ولا يزالون يكتشفون الشيء بعد الشيء، فبأي إيمان ينفي أبو رية وأضرابُهُ أنْ يكون الله تعالى أطلع رسوله ﷺ على أمرٍ لم يصل إليه علم الطبيعة بعد، هذا وخالق الطبيعة ومدبِّرها هو واضعُ الشريعة. خامسًا: أثبت الأطباء الحديثون أنَّ في أحد جناحي الذباب داءً، وفي الآخر شفاءً، وبهذا -والحمد لله- وضح الحقُّ؛ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء].

стр. 144

١٣ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتٌ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ, وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ, وَاللَّفْظُ لَهُ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. فقد روي من أربع طرق عن أربعة من الصحابة، عن أبي سعيد، وأبي واقدٍ الليثي، وابن عمر، وتميم الدَّاري، وحديث أبي واقد هذا رواه أيضًا أحمد (٢١٣٩٦) والحاكم (٤/ ١٣٧) وصححه. قال الشوكاني: رواه الحاكم عن أبي سعيد مرفوعًا، قال الدَّارقطني: والمرسل أصح. وأمَّا حديث ابن عمر: فأخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه عاصم بن عمر وهو ضعيف. وأمَّا حديث تميم: فقد رواه ابن ماجه والطبراني، وإسناده ضعيف. * مفردات الحديث: - ما قطع: "ما" موصولة، والفعل بعدها مبني للمجهول. - البهيمة: كل ذات أربع قوائم، من دواب البر والبحر ما عدا السباع، جمعها بهائم. - وهي حية: الواو للحال، أي: والحال أنَّ هذه البهيمة في حال الحياة. - ميْت: بإسكان الياء؛ لأنَّه قد لحقها الموت حقيقة.

стр. 145

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - إنَّ ما أُبِينَ من بهيمة في حال حياتها، فهو كَمَيْيَتِها طهارةً أو نجاسة، حلاًّ أو حرمة، فإنْ قطع من بهيمة الأنعام ونحوها مع بقاء حياتها، فهو نجس حرام الأكل، أمَّا لو أُبِينَ من سمكة وبقيت حية، فما أبين فهو طاهرٌ مباح. ٢ - قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: وهذا متفق عليه بين العلماء. ٣ - ما يستثنى من ذلك: فأرة المسك التي تقطع وتُبَانُ من غزال المسك، وهي باقية حية، فهي طاهرة بالسنَّة والإجماع؛ لأنَّ ما أُبين منها بمنزلة البيض والولد والشعر ونحوها. ويستثنى من ذلك أيضًا: "الطريدة"، وهو الصيد يقع بين القوم ولا يقدرون على ذكاته، فيقطع هذا منه بسيفه قطعة، ويقطع الآخر قطعة حتَّى يؤتى عليه فيموت. ومثله النادُّ من الإبل ونحوها إذا توحَّشَتْ ولم يُقْدَرْ على تذكيتها؛ فقد كان الصحابة يفعلون هذا في مغازيهم؛ فقد جاء في البخاري من حديث رافع ابن خديج قال: كُنَّا مع النبي ﷺ في ذي الحليفة، فَنَدَّ بعير، فطلبه الصحابة فأعياهم، فأهوى إليه رجلٌ بسهم فحبسه الله تعالى، فقال ﷺ : "إنَّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ندَّ عليكم، فاصنعوا به هكذا". * فائدة: قال في حياة الحيوان والموسوعة العربية ما خلاصته: غزال المسك: لونه أسود، له نابان أبيضان بارزان، تفرز غدة منه في سرته دمًا، في أوقاتٍ معلومة من السنة فيمرض منه، فإذا تكامل، سقط جلده الذي هو وعاؤه، فيكون منه أحسن العطور؛ وقد قال المتنبي يمدح سيف الدولة: فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ... فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ

стр. 146

باب الآنية مقدمة الآنية: جمع إناء على أفعلة؛ مثل كساء وأكسية. أصله: (أأنية) بهمزتين، قُلِبَت الثانية ألفًا. وجمع الآنية: أوانٍ، وهي الأوعية لغةً وعرفًا. ومناسبة ذكرها هنا: أنَّه لمَّا كانت الطهارة بالماء، وهو سَيَّال لابد له من وعاء، ناسب بيان أحكام الآنية بعده. والأواني تكون من الحديد والنحاس والصُّفْر والخزف والخشب والجلود، ومن أي شيءٍ صلح لجعله إناء، ولو كان ثمينًا؛ كالجواهر والزمرد. والأصل في الأواني: الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. فهذا أصلٌ كبيرٌ يفيد أنَّ ما في هذه الحياة من العادات والمعاملات والصنائع والمخترعات، وما يجري استعماله من الملابس والفرش والأواني وغير ذلك، الأصلُ فيها الإباحةُ المطلقةُ، وَمَنْ حرَّم شيئًا منها لم يحرِّمه الله، فهو مبتدع. فهنا الأواني لا يحرمُ منها إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله، وهي أواني الذهب والفضة؛ كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى. ***

стр. 147

١٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ــ * مفردات الحديث: - لا تشربوا ولا تأكلوا: "لا" ناهية في الفعلين فجزمتهما، والنَّهي عند الأصوليين: قولٌ يتضمن طلب الكف بصيغة مخصوصة، هي المضارع المقرون بـ"لا" النَّاهية. - الذهب: عنصر فلزي أصفر اللون، جمعه أذهاب وذهوب، وهو جوهرٌ نفيس يستخدم لِسَكِّ النُّقود. - الفضة: عنصر أبيض قابل للسحب والطرق والصقل، من أكثر المواد توصيلاً للحرارة والكهرباء، وهو من الجواهر النفيسة التي تستخدم لسكِّ النقود؛ كما تستعمل أملاحها في التصوير، جمعه فضض وفِضَاض. - صحافهما: بكسر الصاد: جمع صَحْفَة، وهي: إناء من آنية الطعام. - فإنَّها لهم في الدنيا: ليس هذا تعليلاً، وإنَّما بيان الواقع منهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وصحافهما. ٢ - النَّهي يقتضي التحريم والمنع. ٣ - أنَّ الحكم عامٌّ في حقِّ الرِّجال والنِّساء. ٤ - النَّهي عن استعمالهما في الأكل والشرب يعم استعمالهما لأي منفعة، إلاَّ ما أذن فيه، ممَّا سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى. ٥ - إذا كان استعمالهما حرامًا -وهو مظنَّة الحاجة والابتذال- فاتخاذهما أواني

стр. 148

زينة وتحفًا مثله في التحريم وأولى. ٦ - ليس في الحديث إباحة استعمال أواني الذهب والفضة للكفَّار في الدنيا، وإنَّما المقصود بيان حالهم وما هم عليه؛ وإلاَّ فإنهم مخاطَبون ومعذَّبون على أصول الشريعة وفروعها، وعلى أوامرها ونواهيها. أمَّا المسلمون المتقون الله تعالى في اجتنابها: فإنَّهم يتمتعون باستعمالها في الآخرة؛ جزاءً لهم على تركها في الدنيا، ابتغاء ثواب الله تعالى. ٧ - النَّهي والتحريم عن استعمال أواني الذهب والفضة واتخاذها عامٌّ، سواءٌ كانت ذهبًا خالصًا أو فضَّةً خالصة، أو مموَّهًا أو مضبَّبًا بهما، أو غير ذلك من أنواع التجميل والتَّحلية؛ فالنَّهي والتحريم عامَّان. قال النووي: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيهما، وجميع أنواع الاستعمال في معنى الأكل والشرب بالإجماع. ٨ - قوله: "فإنَّها لهم في الدنيا" معناه: أنَّه من استعملها، فقد شابههم في استحلالهم إيَّاها، ومن تشبَّه بقومٍ، فهو منهم، وأعظم ما يكون التشبه في الاعتقاد والتحليل والتحريم. ٩ - الأصل في الأمر بمخالفة المشركين هو الوجوب، ما لم يَدُلَّ دليل على جواز ترك المخالفة: فمثلاً ما جاء في البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩) من حديث ابن عمر؛ أنَّ النبي ﷺ قال: "خالفوا المشركين وفِّروا الِّلحى"، لا نعلم وجود دليل صارف عن وجوب إعفاء اللحية، فيبقى الإعفاء واجبًا، وحلقها محرَّم؛ لأنَّ فيها تشبُّهًا بالمشركين. أمَّا النوع الثاني: فقد روى أبو داود (٦٥٢) بإسنادٍ صحيح من حديث شدَّاد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "خالفوا اليهود؛ فإنَّهم لا يُصلُّون في نعالهم ولا خفافهم"؛ فقد جاء في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلاً".

стр. 149

١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - يُجرجر: بضم المثناة التحتية، وجيم مفتوحة، فراء، فجيم مكسورة، والجرجرة: صوت جرع الإنسان للماء، وجرجر فلان الماء: جرعه جرعًا متواترًا له صوت؛ شبه نزول العذاب في بطن الشارب في إناء الفضة بهذا الصوت المخيف. - نار: بالرفع والنصب، فمن رفع جعل الفعل للنَّار، أي: تنصب نار جهنَّم في جوفه، ومن نصب جعل الفعل للشَّارب، أي: يصب الشارب نار جهنَّم، والنصب أجود. - جهنَّم: من الجهومة وهي الغلظة، وجهنَّم: عَلَمٌ على طبقة من طبقات النَّار، وسُمِّيت جهنَّمَ؛ لِبُعْدِ قَعْرِهَا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تحريم الشرب في إناء الفضة، ومثله الذهب وأولى، والنصوص الشرعية كثيرًا ما تذكر شيئًا وتترك مثله وما هو أولى منه، من باب الاكتفاء؛ كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] يعني: والبرد؛ فإنَّه أولى. ٢ - الوعيد الشديد على الشَّارب في إناء الفضة ومثله الذهب؛ فإنَّ عذابه غليظ شديد؛ فإنَّه بارتكاب هذه المعصية سَيُسْمَعُ لوقوع عذاب جهنَّم في جوفه صوتٌ مرعب منكر.

стр. 150

٣ - في الحديث إثبات الجزاء في الآخرة، وإثبات عذاب النَّار يوم القيامة؛ وهو أمرٌ واجب الاعتقاد معلومٌ من الدِّين بالضرورة. ٤ - وفيه أنَّ الجزاء يكون موافقًا للعمل؛ فهذا الذي أتبع نفسه هواها، وتمتَّع بالشرب بإناء الفضة، سيتجرَّع عذاب جهنَّم، مع تلك المواضع من بدنه التي تمتعت واستلذت بالمعصية في الدُّنيا؛ وهكذا فالجزاء من جنس العمل. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في العلَّة التي من أجلها حرِّم استعمال الذهب والفضَّة: فقال بعضهم: هي الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء. وقال بعضهم: هو هدفٌ تربويٌّ أخلاقيٌّ؛ فإنَّ الإِسلام يصون المسلم عن الانحلال والترف المُفْسِدَيْنِ. وقال بعضهم: العلَّة هي كونهما نقدين؛ فالذهب والفضة هما الرصيد العالمي للنَّقد، الذي تقوم به الأشياء، وتحصل به المطالب والضرورات والحاجات؛ فاتخاذهما واستعمالهما أواني أو تحفًا ونحو ذلك، هو شَلٌّ للحركة التجارية، وتعطيلٌ لقيم الحاجات والضرورات، بدون وجود مصلحة راجحة. وقال ابن القيم: العلَّة في استعمالهما هي ما يكسب القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية، منافاةً ظاهرة. ولهذا علَّل ﷺ بأنَّها للكفَّار في الدنيا؛ إذ ليس لهم نصيبٌ من العبودية التي ينالون بها الآخرة. والله تعالى أعلم، فله في شرعه أسرارٌ وحِكَمٌ، ولا مانع أنَّ كلَّ هذه العلل مقصودة!!. ***

стр. 151

١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَعِنْدَ الْأَرْبَعَةِ: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ". (١) ــ * مفردات الحديث: - إذا: شرطية غير جازمة، و"دبغ" فعل الشرط، و"الفاء" رابطة بين فعل الشرط وجوابه وهو "طهر"، و"قد" للتحقيق. - دُبغَ: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ويدبغ الجلد بمادَّة خاصَّة؛ ليلين وليزول ما به من رطوبة ونتن. - الإهاب: بزنة كتاب: هو جلد الحيوان قبل أنْ يُدْبَغ، وجمعه: أُهُبٌ بضم الهاء وسكونها. - طهر: بضم الهاء وفتحها، أي: صار طاهرًا. - أيُّما: "أي" اسم جازم يجزم فعلين، الأوَّل فعل الشرط، وهو هنا "دُبغ"، والثاني جوابه وجزاؤه، وهو هنا "طهر"، و"ما": زائدة، و"أيما": من صيغ العموم. ...

стр. 152

١٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهَا" صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال الحافظ في التلخيص: أخرجه أحمد (٢٤٦٨٨)، وأبو داود (٤١٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٣)، والبيهقي (١/ ١٧) وابن حبَّان (٢/ ٢٩١) من حديث الجون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق، وإسناده صحيح، وفي الباب عن ابن عبَّاس مرفوعًا بلفظ: "دِبَاغ الإِهَابِ طُهُوره" رواه الدَّارقطني، وأصله في مسلم. وقد أخرجه بسندٍ صحيح عن عائشة كلٌّ من النسائي (٤٢٤٤) والطحاوي (١/ ٤٧٠) وابن حبان (٤/ ١٠٥)، وذكر كل من الكتاني والمناوي أنَّه حديثٌ متواتر، وأنَّه جاء عن أربعة عشر من الصحابة، وساق الدَّارقطني أسانيده بألفاظٍ مختلفة، ثمَّ قال: أسانيدها صحاح. وقد صحَّحه الإمام النووي. * مفردات الحديث: - المُحَبِّق: بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، ثمَّ باء مكسورة مشدَّدة، آخره قاف، هذلي من قبيلة هذيل. - جلود: جمع جلد، والجلد: غشاء الجسم. - الميتة: بالتخفيف: الحيوان الذي مات حتف أنفه، أو مات على هيئة غير مشروعة. ...

стр. 153

١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: "لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا! فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث حسن بشواهده. قال الحافظ في التلخيص: رواه مالك (٢/ ٤٩٨)، وأبو داود (٤١٢٦)، والنسائي (٤٢٤٨)، وابن حبَّان (٢/ ٢٩١)، والدَّارقطني (١/ ٤٥)، من حديث العالية بنت سُبيع، عن ميمونة، وصححه ابن السكن، والحاكم، ولكن في إسناده عبد الله بن مالك بن حذافة، وأمه العالية، وفيه جهالة، وأخرجه الدَّارقطني من طريق يحيى بن أيوب، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عبَّاس، ولكن الحديث حسن بشواهده. * مفردات الحديث: - شاة: الواحدة من الضأن والمعز، يُقَال للذكر والأُنْثَى، والجمع شاء وشياه. - القَرَظ: بفتحتين، حب شجر السلم، وشجره من شجر العضاه ذو سوق، أمثال شجر الجوز، وهي من الفصيلة القرنية، يدبغ بحبه الأديم، وكان الدباغ معروفًا بالقرظ عند العرب. * ما يؤْخَذ من الأحاديث الثلاثة: ١ - حديث ابن عبَّاس عمومه يدل على أنَّ أي إهاب دُبغ فقد طهر، من حيوان طاهر في الحياة أو غير طاهر.

стр. 154

٢ - حديث سلمة بن المحبق يدل على أنَّ الدباغ يطهر جلود الميتة. ٣ - حديث ميمونة يدل على أنَّ الدباغ يطهر جلد الشاة الميتة، ومثل الشاة غيرها من الحيوانات الحلال أكلها. ٤ - ما دام أنَّ الجلد قد طهر بعد الدبغ، فإنَّه يجوز استعماله في اليابسات والمائعات، ويجوز لبسه وافتراشه وغير ذلك من الاستعمالات. كما أنَّه ذو قيمة مالية، فيجوز التصرف فيه بأنواع التصرفات من بيعٍ وغيره. ٥ - يجوز الدباغ بكل شيءٍ ينشف فضلات الجلد، ويطيبه ويزيل عنه النتن والفساد، سواءٌ كان من القرظ، أو قشور الرُّمَّان، أو غيرهما من المنقيات الطاهرات. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في طهارة جلد الميتة بعد الدبغ، إذا كانت الميتة طاهرة في الحياة: فذهب الإمام أحمد -في المشهور من مذهبه-: إلى أنَّ جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، ولو كان الحيوان طاهرًا في الحياة، وإنَّما يجوز استعماله في اليابسات، وهو المروي عن عمر، وابنه، وعمران بن حصين، وعائشة، ﵃. والدليل على ذلك: ما رواه أحمد والأربعة عن عبد الله بن عُكَيْم الجهني؛ أنَّ النبي ﷺ كتب إلى قبيلة جهينة: "رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي، فلا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصب"؛ قال الإمام أحمد: إسناده جيد. وهذا الحديث ناسخٌ لما قبله من الأحاديث التي جاءت بطهارته. وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنَّه يطهر من الجلود ما كان حيوانه طاهرًا في حال الحياة، ولو كان ميتة. قال في المغني: روي ذلك عن ابن عبَّاس، وابن مسعود، وعطاء، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، والليث، والثوري،

стр. 155

وابن المبارك، وإسحاق، وهو رواية عن الإمام أحمد. واختار هذه الرواية عن أحمد جماعةٌ من أصحابه، منهم الموفَّق، والشارح، وتقي الدِّين، وصاحب الفائق، ومن علمائنا المعاصرين: الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز، ودليلهم أحاديث الباب المتقدِّمة وغيرها. وقد وَرَد في طهارة الجلد بالدباغ خمسة عشر حديثًا، منها أحاديث الباب. وأجاب من يرون طهارته عن حديث عبد الله بن عُكَيْم بأنَّه مضطربٌ في سنده وفي متنه، وأَنَّه حديث مرسل؛ ذلك أنَّ عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي ﷺ ، ومثل هذا الحديث لا يقوى على النسخ؛ لأنَّ أحاديث التطهير بالدباغ أصح منه، فبعضها متفق عليه. أما جواب الشيخ تقي الدِّين، فإنَّه يقول: حديث عبد الله بن عكيم ليس فيه نهي عن استعمال الجلد المدبوغ، فيمكن أنْ يكون تحريم الانتفاع بالعصب والإهاب قبل الدبغ، وهذا ما تثبته النصوص المتأخرة، وأمَّا بعد الدبغ، فلم يحرم ذلك قط. * فائدة: عموم حديث ابن عبَّاس (١٦) يدل على أنَّ أي جلد إذا نقِّي بالدباغ، فقد طهر، ولو كان من حيوان محرم الأكل كالذئب؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشَّافعي وغيرهما، والرَّاجح خلافه.

стр. 156

١٩ - وعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: لاَ تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلاَّ أَنْ لاَ تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيْهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - ثعلبة: بفتح المثلثة، بعدها عين مهملة ساكنة، فلام مفتوحة، فموحدة. - الخشني: بضم الخاء المعجمة، فشين معجمة مفتوحة، فنون، نسبة إلى خُشَيْن بن النمر، من قضاعة. - إِنَّا: إنَّ، بكسر الهمزة وتشديد النون، حرف توكيد ينصب الاسم، وهو هنا ضمير المتكلمين. - قوم: الجماعة من النَّاس، وخُصَّ بجماعة الرِّجال لقيامهم بالعظائم والمهمات، والجمع أقوام. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير: وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ - أهل كتاب: صفة لقوم، والكتاب هو التوراة أو الإنجيل، وأهله هم اليهود أو النصارى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النهي عن الأكل في أواني أهل الكتاب: وهم "اليهود والنَّصارى"؛ لأنَّهم لا يتحاشون النجاسات، وربما وضعوا فيها خمرًا، أو لحم خنزير؛ فالاحتياط

стр. 157

اجتناب أوانيهم. ٢ - أواني المشركين وأَواني الكفَّار أَوْلَى بالمنع؛ ذلك أنَّ أهل الكتاب أقرب منهم إلى الحق، فلهم تعاليم سماوية، أمَّا بقية الكفَّار: فهم أبعد من الكتابيين عن تعاليم الأديان، فهم أقرب منهم إلى النجاسة. ٣ - إذا احتاج المسلم إلى استعمال الآنية، ولم يجد إلاَّ آنية الكفار، فله استعمالها بعد غسلها؛ ليحصل له اليقين من طهارتها. ٤ - إباحة تبادل المنافع والمصالح من الكفار؛ لأنَّ هذا ما هو إلاَّ مجرَّد معاملة، وأداء حقوق جيرة وقرابة ونحوها، ليس معها ميلٌ قلبي إليهم، ولا ركون إلى اعتقاداتهم. ٥ - سماحة الشريعة ويسرها؛ ذلك أنَّ الواجب على الإنسان الابتعاد عن مواطن الريبة؛ لحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، فإن احتاج الإنسان إلى ما لا يتحقق تحريمه، فلا حجر عليه ولا تضييق، فإنَّه يجوز استعمال ما نزِّه عن استعماله لأجل حاجته. ٦ - في هذا الحديث دليلٌ على نجاسة الخمرة ففي رواية مسلم في صحيحه (١٩٣٠): "إنَّا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدروهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر؟ فقال رسول الله ﷺ : إنْ وجدتم غيرها، فكلوا واشربوا فيها، وإنْ لم تجدوا غيرها، فارحضوها -أي: اغسلوها- بالماء، وكلوا واشربوا". وقد استدل بهذا الحديث على نجاسة الخمر: الخَطَّابِيُّ في "معالم السنن" (٤/ ٢٥٧)، وابن دقيق العيد في كتابه "الإمام"، كما نقله عنه الزيلعي في "نصب الرَّاية" (١/ ٩٥)، وابن الهمام في "فتح القدير" (١/ ٥١)، وينظر: "فتح باب العناية" لِمُلَّا علي القاري بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ص (٢٩٥).

стр. 158

٢٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّؤُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (١). ــ * مفردات الحديث: - المزادة: بفتح الميم، بعدها زاي، ثمَّ ألف، ثمَّ قال مهملة، وهي الراوية التي يتزوَّدون بها الماء من الموارد، قال أبو عبيد: ولا تكون إلاَّ من جلدين، تزاد بجلدٍ ثالث بينهما لتتسع. - مشركة: المشرك شرعًا: هو من جعل لله شريكًا؛ فإنْ كان في أفعال الله تعالى، فهو شرك في الربوبية، وإن كان في أفعال العبد، فهو شركٌ في الألوهية والعبادة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز استعمال جلد الميتة بعد الدبغ حتَّى في المائعات، فوضوؤه ﷺ من ماء المزادة إقرارٌ للاستعمال، ورضا به. ٢ - أنَّ الماء الذي في جلد الميتة المدبوغ طهور؛ ذلك أنَّ ذبيحة المشرك ميتة محرَّمة نجسة، لكن طهَّر جلدها الدباغ الذي أذهب فضلاتها النجسة. ٣ - الميتة: هي ما مات حتف أنفه أو قتل على هيئة غير مشروعة، وإذا ذكَّاه مشرك، فقد قتل على هيئة غير مشروعة. ٤ - أواني الكفَّار المجهول حالها طاهرة؛ لأنَّ الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك في نجاستها من استعمالهم لها. أمَّا نجاسة الكفَّار في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾؛ فهي نجاسة اعتقاد، وليست نجاسة حسية.

стр. 159

ولذا فلا يجب بجماع الكتابية إلاَّ ما يجب بجماع المسلمة، وهي كالمسلمة في قيامها بشؤون المنزل، من إعداد طعام وشراب، وغير ذلك. ***

стр. 160

٢١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةٍ مِنْ فِضَّةٍ" أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - قَدَح: بفتحتين: إناءٌ يشرب به الماء ونحوه، جمعه أقداح، وأمَّا القِدْحُ بكسر فسكون: فالسهم قبل أنْ يراش ويركب نصله، وقدح الميسر أيضًا. - انكسر: انشق. - الشَّعْب: بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة: لفظ مشترك بين معانٍ كثيرة، والمراد هنا: الصدع والشق. - سلسلة: بكسر السِّين: سلك من الحديد ونحوه أو قطعة منه، تصل بين طرفي الشّق، وبفتح السِّين: اتصال الشيء بالشيء، ومنه سلسلة الإناء، جمعه: سلاسل. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ما دام أن الأصل في استعمال الذهب والفضة هو التحريم؛ كما جاء في النصين المتقدِّمين وأمثالهما، فإنَّ ما أُبيح منهما يتقيد بمورد النص. ٢ - جواز إصلاح الإناء المنكسر بضبة يسيرة أو سلسلة لطيفة، عند الحاجة إلى إصلاح الإناء المنكسر. ٣ - الحاجة هنا ليس معناها أنَّه لا يجد غيرها من الحديد والنحاس والصفر أو نحوها، وإنَّما معناها أنْ يتعلَّق بإصلاحه غرض من غير أغراض الزينة، وتجميل الإناء وتحسينه.

стр. 161

* فائدة: يباح للنِّساء من حلي الذهب والفضَّة ما جرت عادتهنَّ بلبسه ولو كثر، ويباح للرجل خاتم من فضَّة لا من ذهب، ويباح تحلية السِّلاح وأدوات القتال بما جرت به العادة أيضًا، وكذا ما دعت إليه حاجة من رباط أسنان، واتخاذ أنف ونحو ذلك. وما عدا ما جاءت النصوص بإباحته، فإنَّه حرام لا يجوز: فلا يجوز للذكور كبارًا أو صغارًا لبس الذهب أو الفضَّة، ولا جعله سلاسل أو ساعات، أو أزارير أو رباط كبك، أو قلمًا أو مفتاحًا، أو أي نوع من أنواع الملابس، أو استعماله في أكل أو شرب أو غير ذلك، أو اتخاذ أواني الذهب أو الفضَّة تحفًا، أو غيره. أمَّا استعمال الفضَّة في الفنادق الرَّاقية والمطاعم الممتازة أدواتٍ للأكل، كجعلها صحونًا أو ملاعق وشوكًا ونحو ذلك، فلا شكَّ في تحريمه ومخالفته للنُّصوص النَّاهية عنه. وعلى ولاة الأمور والقادرين: إنكاره، ومنعهم من ذلك. ***

стр. 162

باب إزالة النجاسة وبيانها مقدمة الإزالة: يقال: أزلت الشيء إزالة وزلته زيلاً، والإزالة التنحية. النجاسة: لغة: اسم مصدر، جمعها أنجاس، والنجس: هو المستقذر المستخبَث، ويشمل النجاسة العينية والحُكْمية. وعرفًا: تختص بالعينية. والنجاسة شرعًا: قذر مخصوص؛ كالبول، يمنع جنسه الصلاة ونحوها. وهذا الباب يذكر فيه أحكام النجاسة، وكيفية إزالتها، وتطهير محلها، وما يعفى عنه منها، وما يتعلَّق بذلك. واتفق العلماء على وجوب إزالتها، وأنَّه شرط لصحة الصلاة. قال الوزير: أجمعوا على أنَّ طهارة البدن من النجس شرط في صحة الصلاة للقادر عليها. والنجاسة قسمان: أحدهما: الحُكْمية، وهي الطارئة على محلٍّ طاهر؛ فهذه يكفي في تطهيرها إجراء الماء على جميع مواردها، بعد إزالة عينها عن المحل الطَّاهر. الثاني: العينيَّة: فهذه لا تطهر بحال. وعند الجمهور -ومنهم الحنابلة-: أن النَّجاسة إنَّما تزال بالماء دون غيره من المائعات.

стр. 163

ومذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد: أنَّها تزال بكلِّ مائعٍ طاهرٍ مزيل للعين والأثر؛ واختاره ابن عقيل، والشيخ تقي الدِّين. والنجاسة لها ثلاث صفات: طعمٌ، وريحٌ، ولون: فبقاء الطعم والريح بعد الغسل: دليل على بقاء عينها، وأنَّها لم تَزُلْ، أمَّا بقاء اللون بعد الغسل الجيد: فلا يضر؛ لأنه معفوٌّ عنه. وأثر النجاسة من الروائح الكريهة السَّامة تختلط بالهواء، وتدخل في البدن بواسطة مسامه، فتضر الجسم وتخل بالصحة؛ لأنَّ الهواء سيَّال مركَّبٌ لطيف، يدخل بما يحمل معه بسهولة في أضيق مسام الأجسام؛ ولذا عيَّن الشَّارع الحكيم الماء لإزالة النجاسات؛ لأنَّ الماء في حالته الطبيعية فيه رقَّة وسيلان، وقوَّة في إزالة المستقذرات، والله أعلم. قال العلماء: الأصل في كلِّ شيءٍ أنَّه طاهر؛ لأنَّ القول بنجاسته يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام، والأصل عدم ذلك، والبداهة قاضية بأنَّه لا تكليف بالمحتمل، حتَّى يثبت ثبوتًا بنقل في ذلك، وليس مَنْ أثبَتَ الأحكامَ المنسوبة إلى الشرع؛ بدون دليل -بأقل إثمًا ممَّن أبطل ما قد ثبت دليله من الأحكام؛ فالكل من التقوُّل على الله بما لم يقل، أو من إبطال ما قد شرعه لعباده بلا حجَّة، ومن أصيب بالوسواس، فعلاجه أنْ يعلم يقينًا أنَّ الأصل في الأشياء الطهارة، وأنَّه لا يحكم بنجاسة شيءٍ حتَّى يعلم يقينًا بنجاسته. ***

стр. 164

٢٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "سُئِلَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلاًّ? قَالَ: لاَ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حسنٌ صَحِيْحٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - الخمر: ما أسكر من عصير العنب وغيره، وسُمِّيت خمرًا؛ لأنَّها تخامر العقل فتغطيه، وهي مؤنثة وقد تذكر، جمعه خمور. - خَلاًّ: بفتح الخاء وتشديد اللَّام، الخل: ما حَمُضَ من عصير العنب وغيره، جمعه خلول. - لا: حرف نفي، وتأتي على ثلاثة أوجه؛ منها: أنْ تكون جوابًا مناقضًا لنعم، وهذه تحذف الجمل بعدها كثيرًا، وهي المرادة هنا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الخمر محرمة؛ فعلاجها لتعود خلاًّ لا يجوز، ولو بنقلها من ظلٍّ إلى شمس أو عكسه، وهذا المفهوم من قوله: "تتخذ خلاًّ"، أمَّا عند الشَّافعية: فالأصح أنَّه يطهر بنقلها من الظلِّ إلى الشمس، وبالعكس؛ كما في شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٥٢). ٢ - إذا خللت، فإنَّها لا تباح بالتخليل، بل حرمتها باقية؛ ويؤيد هذا ما روى أبو داود (٣٦٧٥)، والترمذي (١٢٩٤): "أنَّ الخمر لما حرمت، سأل أبو طلحة النبي ﷺ عن خمر عنده لأيتام هل يخلِّلها؟ فأمره بإراقتها". ٣ - أمَّا إذا تخللت بنفسها بدون تخليل، بأن انقلبت من كونها خمرًا إلى أنْ

стр. 165

صارت خلاًّ، فإنَّها تباح؛ لأنَّ غليانها المطرب قد زال؛ فصارت مباحة، والقاعدة: "الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا". ٤ - الحديث يدل على نجاسة الخمر، ولقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، وحكى أبو حامد الغزالي الإجماع على نجاستها، وقال ابن رشد: الخلاف شاذ. ٥ - أمَّا الصنعاني فيقول في سبل السَّلام: الحق أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وأنَّ التحريم لا يلزم النجاسة؛ فإنَّ الحشيشة محرَّمة طاهرة، وكل المخدرات والسموم القاتلات لا دليل على نجاستها. وأمَّا النجاسة: فيلازمها التحريم، فكل نجس محرم، ولا عكس؛ وذلك لأنَّ الحكم في النجاسة هو المنع عن ملامستها على كلِّ حال، فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها، بخلاف الحكم بالتحريم، فإنَّه يحرم لبس الحرير والذهب، وهما طاهران إجماعًا. وإذا عرفت هذا: فإنَّ تحريم الخمر الذي دلَّت عليه النصوص لا يلزم منه نجساتها، بل لابد من دليل آخر، وإلاَّ بقينا على الأصل المتفق عليه من الطهارة، فمن ادَّعى خلافه، فالدليل عليه. أهـ. وتقدَّم كلام الغزالي وابن رشد حكاية الإجماع على نجاستها، وتقدَّم دليل نجاستها من السنَّة المطهرة في حديث رقم (١٩). * خلاف العلماء في طهارة النجاسة بالاستحالة: اختلف العلماء هل تطهير النجاسة بالاستحالة؟ ذلك بأنْ تنقلب من حالتها إلى حالة أخرى: ذهب أبو حنيفة وأهل الظاهر: إلى أنَّ النجاسة تطهير بالاستحالة؛ وهو رواية في مذهب الإمامين مالك وأحمد، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية. وذهب جمهور العلماء: إلى أنَّها لا تطهير بالاستحالة؛ وهو مذهب الأئمة

стр. 166

الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد. ودليلهم: أنَّ النبي ﷺ نهى عن أكل الجَلَّالة وألبانها؛ لأنَّ أكلها النجاسةُ. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: الصواب أنَّ ذلك طاهر، إذا لم يبق أثر النجاسة ولا طعمها ولا لونها ولا ريحها؛ لأنَّ الله تعالى أباح الطيبات وحرَّم الخبائث، وذلك يتبع صفات الأعيان وحقائقها، فإذا عادت العين، خلاًّ دخلت في الطيبات. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الاستحالة تطهير النجس. وهذا هو الصحيح وأدلَّة هذا القول واضحة. * خلاف العلماء: اتفق العلماء على أنَّ الماء الطهور يزيل النجاسة، واختلفوا فيما سوى ذلك من المائعات والجامدات التي تزيلها: فذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أنَّ النجاسة تطهَّر في أي موضعٍ كان، بأي طاهرٍ مزيل لعين النجاسة، سواءٌ كان مائعًا أو جامدًا. وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنَّه لا يطهَّر المحل من النجاسة إلاَّ بالماء الطهور، إلاَّ في الاستجمار فقط. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم هو: هل المقصود بإزالة النجاسة بالماء هو إتلاف عينها فقط، فيستوي في ذلك مع الماء كل ما يتلف عينها، أم أنَّ للماء في ذلك مزيد خصوص ليس بغير الماء؟ استدل أبو حنيفة بأحاديث وآثار في هذا الباب، منها: ما رواه أبو داود (٣٨٦) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا وطىء أحدكم الأذى بنعليه، فإنَّ التراب له طهور". وبما رواه الترمذي في سننه (١٤٣) من حديث أم سلمة؛ أنَّها قالت للنبي ﷺ : "إنِّي امرأةٌ أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر؟ فقال لها رسول الله ﷺ :

стр. 167

يطهِّرُهُ ما بعده"، وهناك أحاديث أخرى وآثار. وهذا الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا الحديث ممَّا رواه مالك فصح، وإنْ كان غيره لم يره صحيحًا. وسُئِلَ الإمامُ أحمد عن حديث أم سلمة، فقال: ليس هذا عندي على أنَّه أصابه "ذيلَ ثوبها" بولٌ، فمر بعدها على الأرض، فطهره؛ ولكنَّه يمر بالمكان فيقذره، فيمر بمكانٍ أطيب منه فيطهره. والرواية الأُخرى عن الإمام أحمد على هذا القول، واختاره ابن عقيل، والشيخ تقي الدِّين. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أن النجاسة إذا زالت بأي شيءٍ، فإنَّها تطهر، وكذلك إذا انتقلت صفاتها الخبيثة، وخلفتها الصفات الطيبة، فإنَّها تطهر بذلك كله؛ لأنَّ النجاسة تدور مع الخبث وجودًا وعدمًا. ***

стр. 168

٢٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ, فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْه (١). ــ * مفردات الحديث: - خيبر: بفتح الخاء، وسكون الياء المثناة التحتية، بعدها باء موحدة، آخرها راء، بلدةٌ تقع شمال المدينة المنورة بمسافة نحو (١٦٠ كيلو متر)، وكان يسكنها طائفةٌ من اليهود، ففتحها النَّبي ﷺ في السنة السَّابعة من الهجرة، والآن هي بلدة عامرة فيها الدوائر الحكومية، والمرافق العامة، وفيها بعض الآثار. - ينهيانكم: تثنية الضمير لله تعالى، ورسوله ﷺ . - لحوم: جمع لحم، واللحم من جسم الحيوان والطير: الجزء العضلي الرخو بين الجلد والعظم. - الحمر: بضمتين، جمع حمار، وهو حيوان داجن من الفصيلة الخيلية، يستخدم للحمل والركوب، والأُنثى: حمارة وأتان. - الأهلية: مؤنث الأهلي نسبة إلى الأهل ضد الوحش، والأهلي الأليف من الحيوان. - رجس: بكسر الرَّاء، وسكون الجيم، آخره مهملة، جمعه أرجاس، أي: قذر محرَّم، وأكثر ما يُقال في المستقذر طَبْعًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نجاسة الحمر الأهلية في لحمها ودمها، وبولها وروثها. ٢ - أمَّا عرقها ولعابها وبدنها، ففيه خلاف سيأتي إنْ شاء الله.

стр. 169

٣ - تحريم أكل لحومها وشرب لبنها؛ فإنَّها رجسٌ، والرِّجس هو القذر النَّجس. ٤ - تقييده بالحمر الأهلية، دليلٌ على طهارة وإباحة الحمر الوحشية؛ ذلك أنَّها صيدٌ طاهرٌ حلال. ٥ - التعليل بأنَّها رجس، دليل على أنَّ كلَّ عين نجسة، فهي محرَّمة؛ لما فيها من المضارِّ الصحية، ولأنَّه خبيثٌ مستقذر. ٦ - قوله "ينهيانك" تثنية الضمير أحدهما يعود إلى الله تعالى، والآخر يعود إلى رسوله ﷺ ، وقد جاء مثل هذا في عدَّه نصوص، منها: "أنْ يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما" رواه البخاري (١٦) ومسلم (٤٣). أمَّا قوله ﷺ للخطيب الذي قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال: بئس الخطيب أنت" رواه مسلم (٨٧٠)؛ فقد حملوا هذا على أنَّ الخُطَبَ ينبغي فيها البسط والإطناب؛ ليحصل التبليغ الكامل. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على أنَّ روث الحمار الأهلي والبغل، وبوله ودمه ولحمه: نجسة؛ لقوله ﷺ في الحمار: "إنَّه رجس" وقال عن روثه: "إنَّه رجس". واختلفوا في بدنه وما يفرزه من عرق، وفي فمه وما يخرج منه من ريقٍ وسؤره، وأنفه وما يخرج منه من مخاط، هل هي نجسة أو طاهرة؟: فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه: إلى نجاستها، وتبعه على ذلك أصحابه؛ قال في المقنع والإنصاف: والبغل والحمار الأهلي نجسة، هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، قال ابن الجوزي: هذا هو الصحيح من المذهب. وذهب الإمامان مالك والشَّافعي إلى أنَّهما طاهران؛ وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه ومنهم الموفَّق؛ قال في المغني: والصحيح طهارة البغل والحمار، قال في الإنصاف: قلت: وهو الصحيح والأقوى دليلاً. واختارها بعض مشايخنا المعاصرين:

стр. 170

قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:" إنَّها طاهرة في الحياة، ولا ينجس منها إلاَّ البول والروث والدم. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح الذي لا ريب فيه أنَّ البغل والحمار طاهران في الحياة كالهِرِّ، فيكون ريقهما وعرقهما وشعرهما طاهرًا. واستدل الأولون على نجاستهما بقوله ﷺ : "إنَّها رجس"، والرجس هو النجس؛ فعموم الحديث يقتضي نجاسة كل شيءٍ منه، والأصل أنَّ كلَّ حيوان محرَّم فهو نجس خبيث، هو وجميع أجزائه. أمَّا الذين يرون طهارة بدنهما وريقهما ومخاطهما وعرقهما وشعورهما: فلهم على ذلك أدلةٌ، منها: أوَّلاً: أنَّ النَّبي ﷺ هو وأصحابه كانوا يركبونهما، ومع هذا لم يأمر بالتوقِّي من هذه الفضلات منهما، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ثانيًا: أنَّه ﷺ قال عن الهرَّة: "إنَّها ليست بنجس؛ إنَّها من الطوافين عليكم"، وهذه العلَّة موجودة في الحمار والبغل وأكثر؛ فإنَّ ركوبهما واستعمالهما أكثر لصوقًا وأمس حاجةً من الهِرَّة، فإذا عفي عن الهرَّة لتطوفها، فهو في الحمار والبغل أولى. ثالثًا: القاعدة الشرعية الكليَّة الكبرى، وهي "المشقَّة تجلب التيسير"؛ فمشقَّة ركوب الحمار والبغل والحمل عليهما مسألةٌ جزئية من هذه القاعدة العظيمة. ولذا قال الإمام أحمد: البغل والحمار طاهران ريقهما وعرقهما وشعورهما. وقال في المغني: الصحيح عندي طهارة البغل والحمارة لأنَّ النَّبي ﷺ كان يركبهما ويُرْكَبَانِ في زمنه، فلو كانا نجسين، لبيَّن لهم النبي ﷺ ذلك. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: هذا القول هو الأليق بالشريعة المحمدية شريعة اليسر، والبعد عن الحرج والمشقَّة. وقال ابن القيم: دليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة.

стр. 171

٢٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: "خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى, وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ, وَلُعَابُهَا يَسِيْلُ عَلَى كَتِفَي"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ, وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فقد صحَّحه الترمذي، وفيه شهر بن حوشب مُخْتَلَفٌ فيه، ووثَّقه البخاري، ويؤيده ما ثبت في البخاري (٦٨٠٢) ومسلم (١٦٧١) وغيرهما؛ أنَّ النَّبي ﷺ أمر العرنيين بأنْ يشربوا من أبوال الإبل، فإذا كان البول طاهرًا، فاللعاب أولى. * مفردات الحديث: - مِنًى: بالتنوين، أحد المشاعر المقدَّسة، فيها الجمرات الثلاث، ويشرع المبيت فيها ليالي الأيَّام المعدودات، وهي أدنى المشاعر من مكَّة، وفيها الآن جميع المرافق والخدمات التي تسهِّل على الحاج أداء نسكه، من الطرق والجسور، والماء والكهرباء، وغير ذلك من الخدمات، وسيأتي تفصيل أحكام المناسك فيها وتحديدها؛ إنْ شاء الله تعالى. - راحلته: بالحاء المهملة، هي من الإبل: الصَّالحة لأنْ ترحل، جمعها رواحل. وقال بعضهم: الرَّاحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال. - لعابها: بضم اللام فعين مهملة وبعد الألف باء موحَّدة، هو ما سال من الفم وهو إحدى عصارات الهضم، سائلٌ لزج لا لون له يميل إلى الحموضة وقت إفرازه.

стр. 172

- يسيل: سال سيلاً وسيلانًا: جرى. - الكتف: بفتح الكاف، وكسر التاء، آخره فاء، وهو عظم عريض خلف المنكب، تكون للإنسان والحيوان، مؤنثة، جمعه أكتاف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - طهارة لعاب البعير، وأنَّه ليس بنجس، وهذا بإجماع المسلمين؛ ذلك أنَّ النَّبي ﷺ يرى اللعاب يسيل على عمرو بن خارجة، ولم يأمره بغسله، وإقرارُهُ على الشيء من سنته، وعلى فرض أنَّه ﷺ لم يعلم، فإنَّ الله تعالى يعلم، ولو كان نجسًا، لم يقرَّه الله عليه، فإقراره عليه دليلٌ على طهارته. ٢ - مثل لعابه -على الصحيح- بوله وروثه فإنَّه طاهر؛ لحديث العرنيين وغيره. ٣ - مثل البعير سائرُ بهيمة الأنعام وغيرها من الحيوانات الطاهرة في حال الحياة؛ لنصوصها الخاصَّة؛ للعلَّة الواحدة الجامعة بينها وبين البعير. ٤ - جواز الخُطْبة والموعظة على الرَّاحلة. ٥ - استحباب الخطب والمواعظ على الأمكنة العالية؛ لأنَّه أبلغ في الإعلام والإفهام، ويحصل به المقصود. ٦ - استحباب الخطبة ثاني أيام التشريق بمِنًى من ولي أمر المسلمين أو نائبه؛ ليعلم النَّاس بقيَّة أحكام المناسك ووداع البيت؛ فإنَّ هذه الخطبة منه ﷺ هي في ذلك اليوم. ٧ - جواز جعل الخطيب من يساعده في مهمته -تحته- في إبلاغ خطبته، وتوجيه النَّاس أو تسكيتهم أو ترتيبهم، ولا يعتبر هذا من التعالي والكبرياء، ما دام القلب مطمئنًّا. ***

стр. 173

٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ, ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ, وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْغَسْلِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: "لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيه". وَفِي لَفْظٍ لَهُ: "لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفُرِي مِنْ ثَوْبِهِ" (١). ــ * مفردات الحديث: - المني: هو سائلٌ أبيضُ غليظٌ تَسْبَحُ فيه الحيوانات المنوية، منشؤه إفرازات الخصيتين. - أفركه: بضم الرَّاءِ، الفرك: هو الدلك والحك، يُقال: فرك الثوب ونحوه: حكَّه، حتَّى يتفتَّت ما عَلِقَ به. - فركًا: مصدر معناه تأكيد حقيقة الشيء، ونفي المجاز. قال النحاس: أجمع النحويون على أنَّك إذا أكَّدْتَ الفعل بالمصدر، لم يكن مجازًا. - بظُفْري: بضم الظاء، وسكون الفاء، مادة قرنية في أطراف الأصابع، جمعه: أظافر وأظفار وأظافير. - أثر الغسل: بفتح الهمزة وبفتح الثَّاء، والأثر: بقيَّة الشيء.

стр. 174

- يابسًا: يَبِس يَيْبَس يبسًا، من باب تعب، جف بعد رطوبته، فهو يابس، و"يابسًا": حال من المفعول. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ سنَّة النَّبي ﷺ هي الاقتصار على فرك المَنِيِّ إنْ كان يابسًا، وغسله إنْ كان رطبًا. ٢ - طهارة مني الآدمي؛ فإنَّ اقتصار النَّبي ﷺ على حكِّه دون غسله دليلٌ على طهارته؛ كما أنَّ تركه المني في ثوبه ﷺ حتَّى ييبس -مع أنَّ المعروف من هديه المبادرة بغسل النجاسات وإزالتها- دليل على طهارته أيضًا. ٣ - الاستحباب في غسل المني، سواءٌ كان رطبًا أو يابسًا؛ لأجل كمال النظافة، كما يغسل المخاط ونحوه من الطَّاهرات. ٤ - عدم توقِّي مثل هذه الفضلات التي ليست بنجسة، وجواز بقائها في البدن أو الثوب أو غيرهما؛ أخذًا من بقاء المنِّي في ثوبه ﷺ حتَّى ييبس. ٥ - ما كان عليه النَّبي ﷺ من التقلل من الحياة الدنيا ومتاعها؛ إذ إنَّ ثوب نومه هو ثوب صلاته وخروجه، وذلك كله إرشادٌ للأمَّة بعدم المغالاة فيها، والرغبة فيما عند الله تعالى من جزيل ثوابه وعطائه. ٦ - خدمة المرأة زوجها، وقيامها بخدمة بيته، والقيام بما يجب له، حسب ما جرت به العادة؛ فإنَّ هذا من العشرة الحسنة للزوج. ٧ - أنَّ الخروج على النَّاس مع وجود آثار الأمور العادية من الأكل والشرب والجماع، لا يعتبر إخلالًا بفضيلة خَصْلَةِ الحياء. ٨ - أنَّ المرأة الصالحة المتحبِّبة إلى زوجها لا تأنف ولا تترفَّع عن مثل هذه الأعمال، من إزالة الأوساخ والفضلات من ثوب أو بدن زوجها؛ لما تعلمه من عظم قدر حق زوجها عليها.

стр. 175

٩ - قال ابن الملقِّن في شرح العمدة: استدل جماعةٌ بهذا الحديث -حديث عائشة- على طهارة رطوبة فرج المرأة، وهو الأصح عندنا -الشافعية-. وقال في المغني: في رطوبة فرج المرأة روايتان: إحداهما: نجاسته؛ لأنَّه بللٌ في الفرج لا يُخْلَقُ منها الولد؛ لذا أشبه المذي. الثانية: طهارته لأنَّنا لو حكمنا بنجاسته، لحكمنا بنجاسة منيها. وقال في الإنصاف: وفي رطوبة فرج المرأة روايتان؛ إحداهما: طاهر؛ وهذا هو الصحيح من المذهب. * فائدة: قال الزركشي: الخارج من الإنسان ثلاثة أقسام: أحدها: طاهر بلا نزاع: وهو الدمع، والريق، والمخاط، والبصاق، والعرق. الثاني: نجس بلا نزل: وهو الغائط، والبول، والودي، والمذي، والدم. الثالث: مختلف فيه: وهو المني، وسبب الاختلاف هو تردده في مجرى البول. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: المني طاهر، وكون عائشة تارةً تغسله من ثوب رسول الله ﷺ ، وتارةً تفركه لا يقتضي تنجيسه، فإنَّ الثوب يغسل من المخاط والوسخ. وهذا قول غير واحدٍ من الصحابة. وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، رحمه الله تعالى.

стр. 176

* خلاف العلماء: ذهب الحنفية والمالكية: إلى أنَّ المني نجس؛ واستدلوا على ذلك بأمور: أوَّلاً: أحاديث غسله من ثوب رسول الله ﷺ ، والغسل لا يكون إلاَّ من نجاسة. ثانيًا: أنَّه يخرج من مجرى البول، فيتعيَّن غسله بالماء؛ كغيره من النجاسات. ثالثًا: قياسه على غيره من فضلات البدن المستقذرة من البول والغائط؛ لأنَّها كلها متحللةٌ من الغذاء. رابعًا: لا مانع أن يكون أصل الإنسان وهو المنيُّ نجسًا؛ إذ مَنْ مَنَع ذلك يقول بنجاسة العلقة؛ لأنَّها دم، وهو نجس، وهي أصلٌ للإنسان أيضًا. خامسًا: ليس في أحاديث فرك المني دليلٌ على طهارته، فقد يجوز أنْ يكون الفرك هو المطهِّرَ للثوب، والمني في نفسه نجس؛ كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى، فطهورهما التراب، فكان ذلك التراب يجزىء من غسلهما، وليس في ذلك دليلٌ على طهارة الأذى في نفسه. وأيضًا: لو كان المني طاهرًا، فلماذا أمر ﷺ بفركه، فلو كان طاهرًا، لجازت الصلاة به دون فركه. انتهى ملخصًا من شرح معاني الآثار للطحاوي. وذهب الإمام الشافعي وأحمد: إلى أنَّه طاهر ليس بنجس؛ وقالوا: إنَّه لا يزيد وساخة على المخاط والبصاق؛ واستدلوا على ذلك بأمور: أوَّلاً: أحاديث فركه من ثوب رسول الله ﷺ ، وحتِّه من دون غسل، وهذا أكبر دليل على طهارته، ولو كان نجسًا، لم يكف فيه ذلك. ثانيًا: أنَّ هذا أصل خلق الإنسان الطاهر الذي كرَّمه الله، فكيف يكون أصله النجاسة؟! وأمَّا غسله بعض الأحيان من ثوبه ﷺ ، فلا يدل على النجاسة، وإنَّما لأجل النظافة، كما تزال البصقة والمخاط.

стр. 177

ثالثًا: عدم مبادرة النَّبي ﷺ إلى إزالته وتركه حتَّى ييبس، دليل على طهارته؛ ذلك أنَّ المعروف من هدي النَّبي ﷺ المبادرةُ في إزالة النجاسة، كما أمر الصحابة بغسل بول الأعرابي الذي بال في المسجد، وكما بادر بغسل ثوبه من بول الغلام الذي بال في حجره، وغير ذلك من الجزئيات. والرّاجح: ما ذهب إليه الشَّافعي وأحمد، رحمهما الله تعالى. ***

стр. 178

٢٦ - وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ, وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح، وقد رجَّح البخاري صحته، وكذا الدَّارقطني؛ وقال البيهقي: الأحاديث المسندة في الفرق بين الغلام والجارية إذا ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ، قَوِيَتْ. والحديث رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، من حديث أبي السمح. وجاء في مسند الإمام أحمد (٥٦٤) عن عليٍّ مرفوعًا: مثل حديث أبي السمح قال فيه: "بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل"، وإسناده على شرط مسلم. وقد أعلَّ بعضهم حديث علي بالوقف وبالإرسال، وليس بشيءٍ، وله شواهد صحيحة. قال الكتاني: هي أحاديث متواترة جاءت عن خمسة عشر من الصحابة؛ ومنها ما جاء في البخاري (٢٢٣) ومسلم (٢٨٧) وغيرهما، من حديث أُمِّ قيس بنت محصن؛ أنَّها أتت بابنٍ لها صغير لم يأكل الطعام، إلى رسول الله ﷺ فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنضحه ولم يغسله. * مفردات الحديث: - أبو السمح: بفتح السين المهملة، وسكون الميم، وفي آخره حاء، قال الرَّازي:

стр. 179

اسمه إياد، وذكره ابن الأثير، وهو خادم النَّبي ﷺ . - من بول الجارية: "من" للتعليل، أي: لأجل إصابته الثوب أو البدن، والأصح أنْ تكون سببية. - البول: بفتح الباء، وسكون الواو: سائلٌ تفرزه الكليتان، فيجتمع في المثانة حتَّى تدفعه إلى الخارج، جمعه أبوال. - الجاريه: الفتيَّة من النساء، والمراد هنا: الطفلة من النِّساء. - يُرَش: مبني للمجهول، الرش هو النضح، وهما دون الصب؛ ولذا جاء في بعض الروايات: "ولم يغسله". - الغلام: بضم الغين، وفتح اللام وتخفيفها، هو من الولادة حتَّى البلوغ، وبعد البلوغ إنْ سمي به، فهو مجاز باعتبار ما كان، والمراد به هُنا، ما في زمن الرضاع حيث قيد بما جاء في الترمذي (٦٠٦) قال ﷺ : "بول الغلام الرضيع ينضح". * ما يُؤْخذ من الحديث: ١ - يؤخذ من الحديث: أنَّ الأصل في أحكام الغلام والجارية سواء؛ فتفريق السنة بينهما في البول دليل على أنَّ ما عداهما باقٍ على الأصل. ٢ - بول البنت نجس كغيره من النجاسات، ولو كانت في سن الرضاع. ٣ - فيغسل منه الثوب وغيره إذا أصابه؛ كما يغسل من سائر النجاسات. ٤ - بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة: نجس؛ ولكن نجاسته أخفُّ نجاسةً من بول البنت. ٥ - يكفي في تطهير ما أصابه بولُ الغلام الذي لم يأكل لشهوة: رشُّه بالماء فقط، دون غسله. ٦ - فيه أنَّه لا يقتصر في تطهير بول الغلام على إمرار اليد، وإنَّما المقصود إزالة العين. ٧ - بحث العلماء في السِّر الذي من أجله حصل التفريق بين بول الغلام وبين بول الجارية: فقال بعضهم: إنَّ الغلام عادةً يكون أَرغَبَ عند أهله من

стр. 180

الجارية؛ فيكثر حمله وتكثر إصابة حامله ببوله، فمن باب التيسير خفف في غسل نجاسة بوله؛ فيكون من باب القاعدة الكبرى: "المشقة تجلب التيسير". وقال بعضهم: إن بول الغلام يخرج من ثقب ضيق، من قضيب ممتد، فيخرج بقوة وشدة دفع، فينتشر بوله وتكثر الإصابة منه، فاقتضت الحكمة التخفيف من الحكم في تطهير نجاسته؛ أما الجارية: فيخرج بولها من ثقب فيه سعة وبدون قضيب، فيستقر في مكان واحدة فيثبت على أصل نجاسة البول. وقال بعضهم: إنَّ الغلام فيه حرارة طبيعية زائدة على حرارة الجارية، وهو معلوم، وهذه الحرارة تخفِّف فضلات الطعام، فإذا صادف أنَّ الطعام خفيف أيضًا، وهو اللبن-: حصل من مجموع الأمرين خفَّة النجاسة، بخلاف الجارية، فليس لديها هذه الحرارة الملطِّفة، فتبقى على الأصل. هذه من الحِكَمِ التي تلمَّسها العلماء للفرق بين بول الغلام وبين بول الجارية، فإنْ صحَّتْ، فهي حِكَمٌ معقولة؛ لأنَّها فروق واضحة، وإنْ لم تصح فالحكمة هي حُكْمُ الله تعالى؛ فإنَّنا نعلم يقينا أنَّ شرع الله هو الحكمة؛ فانَّ الشرع لا يفرِّقُ بين شيئين متماثلين في الظاهر، إلاَّ والحكمة تقتضي التفريق، ولا يجمع بينهما إلاَّ والحكمة تقتضي الجمع؛ لأنَّ أحكام الله لا تكون إلاَّ وفق المصلحة؛ ولكن قَدْ تظهر وقد لا تظهر. أمَّا قَيْءُ الغلام والجارية، ففيهما قولان لأهل العلم: فمن جعل حكمه حكم البول من الغلام والجارية، ألحقه به من باب الأولى؛ لأنَّ القيء أخف نجاسةً من البول؛ وهذا مذهب الحنابلة. وأمَّا من لم يلحقه، فقال: إنَّ الأصل أنَّهما سواء في الأحكام إلاَّ ما أخرجه النص، والنص لم يخرج القيء، فيبقى على أصله، وهو الاشتراك في حكم النجاسة بينهما. ***
следующие страницы →