← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

* خلاف العلماء: ذهب الحنفية والمالكية: إلى أنَّ المني نجس؛ واستدلوا على ذلك بأمور: أوَّلاً: أحاديث غسله من ثوب رسول الله ﷺ ، والغسل لا يكون إلاَّ من نجاسة. ثانيًا: أنَّه يخرج من مجرى البول، فيتعيَّن غسله بالماء؛ كغيره من النجاسات. ثالثًا: قياسه على غيره من فضلات البدن المستقذرة من البول والغائط؛ لأنَّها كلها متحللةٌ من الغذاء. رابعًا: لا مانع أن يكون أصل الإنسان وهو المنيُّ نجسًا؛ إذ مَنْ مَنَع ذلك يقول بنجاسة العلقة؛ لأنَّها دم، وهو نجس، وهي أصلٌ للإنسان أيضًا. خامسًا: ليس في أحاديث فرك المني دليلٌ على طهارته، فقد يجوز أنْ يكون الفرك هو المطهِّرَ للثوب، والمني في نفسه نجس؛ كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى، فطهورهما التراب، فكان ذلك التراب يجزىء من غسلهما، وليس في ذلك دليلٌ على طهارة الأذى في نفسه. وأيضًا: لو كان المني طاهرًا، فلماذا أمر ﷺ بفركه، فلو كان طاهرًا، لجازت الصلاة به دون فركه. انتهى ملخصًا من شرح معاني الآثار للطحاوي. وذهب الإمام الشافعي وأحمد: إلى أنَّه طاهر ليس بنجس؛ وقالوا: إنَّه لا يزيد وساخة على المخاط والبصاق؛ واستدلوا على ذلك بأمور: أوَّلاً: أحاديث فركه من ثوب رسول الله ﷺ ، وحتِّه من دون غسل، وهذا أكبر دليل على طهارته، ولو كان نجسًا، لم يكف فيه ذلك. ثانيًا: أنَّ هذا أصل خلق الإنسان الطاهر الذي كرَّمه الله، فكيف يكون أصله النجاسة؟! وأمَّا غسله بعض الأحيان من ثوبه ﷺ ، فلا يدل على النجاسة، وإنَّما لأجل النظافة، كما تزال البصقة والمخاط.

стр. 177

ثالثًا: عدم مبادرة النَّبي ﷺ إلى إزالته وتركه حتَّى ييبس، دليل على طهارته؛ ذلك أنَّ المعروف من هدي النَّبي ﷺ المبادرةُ في إزالة النجاسة، كما أمر الصحابة بغسل بول الأعرابي الذي بال في المسجد، وكما بادر بغسل ثوبه من بول الغلام الذي بال في حجره، وغير ذلك من الجزئيات. والرّاجح: ما ذهب إليه الشَّافعي وأحمد، رحمهما الله تعالى. ***

стр. 178

٢٦ - وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ, وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح، وقد رجَّح البخاري صحته، وكذا الدَّارقطني؛ وقال البيهقي: الأحاديث المسندة في الفرق بين الغلام والجارية إذا ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ، قَوِيَتْ. والحديث رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، من حديث أبي السمح. وجاء في مسند الإمام أحمد (٥٦٤) عن عليٍّ مرفوعًا: مثل حديث أبي السمح قال فيه: "بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل"، وإسناده على شرط مسلم. وقد أعلَّ بعضهم حديث علي بالوقف وبالإرسال، وليس بشيءٍ، وله شواهد صحيحة. قال الكتاني: هي أحاديث متواترة جاءت عن خمسة عشر من الصحابة؛ ومنها ما جاء في البخاري (٢٢٣) ومسلم (٢٨٧) وغيرهما، من حديث أُمِّ قيس بنت محصن؛ أنَّها أتت بابنٍ لها صغير لم يأكل الطعام، إلى رسول الله ﷺ فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنضحه ولم يغسله. * مفردات الحديث: - أبو السمح: بفتح السين المهملة، وسكون الميم، وفي آخره حاء، قال الرَّازي:

стр. 179

اسمه إياد، وذكره ابن الأثير، وهو خادم النَّبي ﷺ . - من بول الجارية: "من" للتعليل، أي: لأجل إصابته الثوب أو البدن، والأصح أنْ تكون سببية. - البول: بفتح الباء، وسكون الواو: سائلٌ تفرزه الكليتان، فيجتمع في المثانة حتَّى تدفعه إلى الخارج، جمعه أبوال. - الجاريه: الفتيَّة من النساء، والمراد هنا: الطفلة من النِّساء. - يُرَش: مبني للمجهول، الرش هو النضح، وهما دون الصب؛ ولذا جاء في بعض الروايات: "ولم يغسله". - الغلام: بضم الغين، وفتح اللام وتخفيفها، هو من الولادة حتَّى البلوغ، وبعد البلوغ إنْ سمي به، فهو مجاز باعتبار ما كان، والمراد به هُنا، ما في زمن الرضاع حيث قيد بما جاء في الترمذي (٦٠٦) قال ﷺ : "بول الغلام الرضيع ينضح". * ما يُؤْخذ من الحديث: ١ - يؤخذ من الحديث: أنَّ الأصل في أحكام الغلام والجارية سواء؛ فتفريق السنة بينهما في البول دليل على أنَّ ما عداهما باقٍ على الأصل. ٢ - بول البنت نجس كغيره من النجاسات، ولو كانت في سن الرضاع. ٣ - فيغسل منه الثوب وغيره إذا أصابه؛ كما يغسل من سائر النجاسات. ٤ - بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة: نجس؛ ولكن نجاسته أخفُّ نجاسةً من بول البنت. ٥ - يكفي في تطهير ما أصابه بولُ الغلام الذي لم يأكل لشهوة: رشُّه بالماء فقط، دون غسله. ٦ - فيه أنَّه لا يقتصر في تطهير بول الغلام على إمرار اليد، وإنَّما المقصود إزالة العين. ٧ - بحث العلماء في السِّر الذي من أجله حصل التفريق بين بول الغلام وبين بول الجارية: فقال بعضهم: إنَّ الغلام عادةً يكون أَرغَبَ عند أهله من

стр. 180

الجارية؛ فيكثر حمله وتكثر إصابة حامله ببوله، فمن باب التيسير خفف في غسل نجاسة بوله؛ فيكون من باب القاعدة الكبرى: "المشقة تجلب التيسير". وقال بعضهم: إن بول الغلام يخرج من ثقب ضيق، من قضيب ممتد، فيخرج بقوة وشدة دفع، فينتشر بوله وتكثر الإصابة منه، فاقتضت الحكمة التخفيف من الحكم في تطهير نجاسته؛ أما الجارية: فيخرج بولها من ثقب فيه سعة وبدون قضيب، فيستقر في مكان واحدة فيثبت على أصل نجاسة البول. وقال بعضهم: إنَّ الغلام فيه حرارة طبيعية زائدة على حرارة الجارية، وهو معلوم، وهذه الحرارة تخفِّف فضلات الطعام، فإذا صادف أنَّ الطعام خفيف أيضًا، وهو اللبن-: حصل من مجموع الأمرين خفَّة النجاسة، بخلاف الجارية، فليس لديها هذه الحرارة الملطِّفة، فتبقى على الأصل. هذه من الحِكَمِ التي تلمَّسها العلماء للفرق بين بول الغلام وبين بول الجارية، فإنْ صحَّتْ، فهي حِكَمٌ معقولة؛ لأنَّها فروق واضحة، وإنْ لم تصح فالحكمة هي حُكْمُ الله تعالى؛ فإنَّنا نعلم يقينا أنَّ شرع الله هو الحكمة؛ فانَّ الشرع لا يفرِّقُ بين شيئين متماثلين في الظاهر، إلاَّ والحكمة تقتضي التفريق، ولا يجمع بينهما إلاَّ والحكمة تقتضي الجمع؛ لأنَّ أحكام الله لا تكون إلاَّ وفق المصلحة؛ ولكن قَدْ تظهر وقد لا تظهر. أمَّا قَيْءُ الغلام والجارية، ففيهما قولان لأهل العلم: فمن جعل حكمه حكم البول من الغلام والجارية، ألحقه به من باب الأولى؛ لأنَّ القيء أخف نجاسةً من البول؛ وهذا مذهب الحنابلة. وأمَّا من لم يلحقه، فقال: إنَّ الأصل أنَّهما سواء في الأحكام إلاَّ ما أخرجه النص، والنص لم يخرج القيء، فيبقى على أصله، وهو الاشتراك في حكم النجاسة بينهما. ***

стр. 181

٢٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيْبُ الثَّوْبَ: "تَحُتُّهُ, ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ, ثُمَّ تَنْضَحُهُ, ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - دم الحيض: سيأتي بيانه، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. - تَحُتُّه: بفتح المثناة، وضم الحاء المهملة، وتشديد المثناة الفوقية، من حَتَّ الشيءَ عن الثوب وغيره يَحُتُّهُ حَتًّا: فركه وقشره حتَّى أزال عينه. - تَقْرُصُه: بفتح المثنَّاة الفوقية، وسكون القاف، وضم الرَّاء والصاد المهملتين، من باب نصر: تدلك الدم بأطراف أصابعها بالماء؛ ليتحلَّلَ بذلك ويخرُجَ ما شربه الثوب منه؛ قال في جمع الغرائب: هو أبلغ في إذهاب الأثر عن الثوب. - تنضحه: بفتح الضاد المعجمة، من باب فتح يفتح: ترشه بالماء. - ثُمَّ: تأتي للترتيب، فلا يسبق ما بعدها ما قبلها، فترتَّب إزالة النجاسة اليابسة هذا الترتيب. قال ابن بطَّال: والحت والقرص ممَّا يتصوَّر في اليابس، ولا تأثير لذلك في الرطب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نجاسة دم الحيض، وأنَّه لا يُعْفَى عن يسيره؛ فتجب إزالته من الثوب والبدن وغيرهما ممَّا يجب تطهيره؛ لأنَّ النَّبي ﷺ أمر بغسله؛ كما هي سُنَّته في إزالة النَّجاسات.

стр. 182

٢ - أنَّ إزالةَ النجاسة مِنَ الثوبِ والبدنِ والبُقْعَةِ شرطٌ مِنْ شروطِ الصلاة؛ فلا تَصِحُّ الصلاة مع وجودها والقدرة على إزالتها؛ وذلك للأمر بغسل دم الحيض قبل الإتيان بالصلاة. ٣ - وجوب حتِّ يابسه ليزول جرمه، ثمَّ دلكه بالماء، ثمَّ غسله بعد ذلك لتزول بقيَّه نجاسته، فيراعى فيه هذا الترتيب الذي هو الأمثل في إزالة النجاسة اليابسة؛ لأنَّه لو عكس لانتشرف النَّجاسة، فأصابت ما لم تصبه من قبل. ٤ - جواز الصلاة في الثوب الذي حاضت به المرأة؛ فإنَّه بعد حتِّ ما أصابه، ثمَّ إتباعه بالماء، صار الثوب طاهرًا. أمَّا بدن المرأة الحائض وعرقها ونحوه: فطاهر؛ فإنَّها لم تُؤْمَرْ بغَسْلِ ثوب حيضها، إلاَّ ما أصابه من بُقَعِ دمِ الحيض، وما عداه باقٍ على أصل الطهارة. ٥ - قوله: "ثمَّ تُصَلِّي فيه" دليلٌ على أنَّ النجاسة اليابسة لا تزول ويطهر محلها إلاَّ بهذه العمليات الثلاث، وأنَّها إنْ لم تفعل ذلك، فثوبها لم يطهر، وصلاتها لم تصح. أمَّا الدم -وما تولد عنه من قيحٍ وصديد- الخارج من بقية البدن: فجمهور العلماء -وحُكِيَ إجماعًا- أنَّه نجس، لكن يُعْفى عن يسيره، وبهذا خالف دم الحيض والاستحاضة؛ فلا يُعْفَى عن شيءٍ منهما. ٦ - الحديث دليل على أنَّ الواجب هو إزالة النجاسة فقط، وأنَّه لا يشترط عددٌ معيَّنٌ من الغسلات، فلو زالت بغسلةٍ واحدةِ، طَهُرَ المحل. وهذا هو القول الرَّاجح من أقوال أهل العلم، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك إنْ شاء الله تعالى. ٧ - استدل به بعضُ العلماء -ومنهم أصحابنا- على أنَّه لابُدَّ في غسل النجاسات من الماء؛ فلا يكفي غيره؛ مِنْ حَتٍّ أو قرصٍ أو دَلْكٍ، أو شمسٍ أو ريح، وقالوا: إنَّ الماءَ هو المتعيِّن؛ لإزالة النجاسة دون غيره، ولو كانت قويةَ

стр. 183

الإزالة والتطهير؛ فإن الماء هو المتعين؛ لأنَّه جاء منصوصًا عليه في هذا الحديث؛ وهو الأصل في التطهير، لوصفه بذلك في الكتاب والسنَّة. أمَّا شيخ الإِسلام: فيرى أنَّ التطهير قد يكون بغير الماء، وأمَّا تعينه وعدم إجزاء غيره، فيحتاج إلى دليل، ولم يَرِدْ دليلٌ يقضي بحصر التطهير بالماء، ومجرَّدُ الأمر به لا يستلزمُ الأمرَ به مطلقًا؛ فقد أَذِنَ رسولُ الله ﷺ بالإزالة بغير الماء في مواضع منها الاستجمارُ، ومنها قولُهُ في ذيل المرأة: "يطهره ما بعده" [رواه الترمذي (١٤٣)]، وقوله في النعلين: "ثمَّ ليدلكهما بالتراب؛ فإنَّ التراب لهما طهور" [رواه أبو داود (٣٨٦)]. وهذا القول هو الصوابُ والله أعلم. ***

стр. 184

٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ الدَّمُ? قَالَ: "يَكْفِيكِ الْمَاءُ, وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ, وَسَنَدُهُ ضَعِيْفٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. ضعَّفه ابن حجر؛ لأنَّ فيه ابن لهيعة، وقد اختلط بعد احتراق كتبه، وَلمَّا ذكر الحافظ في التلخيص هذا الحديث برواية أبي داود، قال: ورواه الطبراني في الكبير (٦١٥) من حديث خولة بنت حكيم، وإسناده أضعف من الأوَّل، وله شاهدٌ مرسل. أمَّا الشيخ ناصر الدِّين الألباني، فقال: صحيح رواه أبو داود (٣٦٥)، والبيهقي (٢/ ٤٠٨)، وأحمد (٨٥٤٩)، بإسنادٍ صحيح عنه، وهو -وإنْ كان فيه ابن لهيعة- فإنَّه قد رواه عنه جماعةٌ منهم عبد الله بن وهب، وحديثه عنه صحيح، كما قال غير واحدٍ من الحفَّاظ. أهـ. قلت: وله طريق أخرى ذكرها ابن حجر في الإصابة، أخرجها ابن منده من طريق ابن حفص، عن علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن خولة بنت يسار. * مفردات الحديث: - لا يضرك: يُقال: ضرَّه: إذا أَلحق به مكروهًا أو أذى، والضر النقص، والمراد هنا: ولا ينقص من طهارة ثوبك.

стр. 185

- فإنْ لم يذهب: أي: أثره بعد حتِّه وقرصه ونضحه. - أثره: الأثر: العلامة، وبقيَّة الشيء، وهو هنا: بقيَّة لون الدم بعد الحَتِّ والقرص والغسل. * ما يُؤْخذ من الحديث: ١ - وجوب غسل دم الحيض من ثوب المرأة وبدنها. ٢ - يكون غسله بالماء. ٣ - أن الثَّوبَ ونحوه إذا غسل من دم الحيض، ثُمَّ بقي أثر لونه في الثوب أو البدن، أنَّه لا يضر في كمال التطهر، ولا يضر في صحة الصلاة ونحوها. ٤ - سماحة هذه الشريعة ويسرها؛ فالمسلم يتقي الله قدر استطاعته، وما زاد عن ذلك، فهو معفوٌّ عنه. ٥ - أنَّ بدن الحائض وعرقها طاهران، فإنَّها لم تؤمر بغسل شيءٍ إلاَّ ما أصابه الدم، وأمَّا البدن وبقيَّة الثوب، فهو باقٍ على طهارته الأصلية. أما غُسْلُهَا من الحيض، فليس من أجل نجاستها، وإنما من أجل أن عليها حدثًا أكبر، وهو لا يوصف بأنه نجاسة، وإنما هو وصف يقوم بالبدن ويرتفع بالغُسْلِ، ولو كان نجاسة، لم يُغْسَلْ إلاَّ مكان الحيض، وَلَمَا جَازَ مباشرة الحائض وقربها، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة. ٦ - المقصود بالطهارة والابتعاد عن النجاسات، هو أنْ يكون المصلِّي على أكمل هيئة، وأحسن زينة؛ حين مناجاة ربِّه ﵎. ***

стр. 186

باب الوضوء مقدمة الوضوء لغةً: بضم الواو: مصدر هو الفعل، مأخوذٌ من الوضاءة، وهي النظافة والحُسْن؛ وأمَّا بالفتح: فالماء الذي يُتوضأ به. قال النووي: بالضم: إذا أُريد الفعل الذي هو المصدر، وبالفتح: إذا أُريد الماء. وشرعًا: استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة، على صفةٍ مخصوصة في الشرع، بأنْ يأتي بها مرتَّبة متوالية. وهو ثابتٌ بالكتاب والسنَّة والإجماع: فالكتاب: آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. والأحاديث فيه قولاً وفعلاً وتقريرًا كثيرة. وأجمع العلماء: على أنَّ الطهارة من الحدث شرطٌ لصحَّة الصلاة. ما يعرف من حِكمة الوضوء: جوهر الصلاة وروحها هو أنْ يتصوَّر العبد أنَّه أمام الله تعالى، ولكي يتهيأ ذهنه لذلك، ويتخلَّص من شواغل الحياة، فُرِض الوضوءُ قبل القيام بالعبادة؛ لكون الوضوء آله هادئة لتنبيه ذهنه المستَغْرِقِ في أعمال الحياة إلى أداء الصلاة. فإنَّ المستغرق بفكره في أعمال تجارته أو صناعته ونحوهما، لو قيل له: قم للعبادة، لوجد صعوبة في تأديتها، وهنا كانت حكمة الوضوء؛ لأنَّه يساعد على ترك التفكير الأوَّل، ويعطيه الوقت الكافي ليبدأ في تفكيرٍ عميقٍ من نوع آخر. وبالجملة: فللنَّفْسِ انتقالٌ واقعيٌّ، وتنبيه من خصلة إلى خصلة، هو

стр. 187

العمدة في المعالجات النفسية، وإنَّما يحصل هذا التنبيه بمراكز في صميم طبائعهم وجذور نفوسهم. وتقتصر الطهارة الصغرى على غسل الأطراف التي جرت العادة بانكشافها وخروجِهَا من اللباس، فتسرع إليها الأوساخ، كما جرت العادة بنظافتها عند الأعمال النظيفة، وعند الدخول على الكبراء، وتقابُلِ النَّاس بعضهم ببعض. كما أنَّ غسل هذه الأعضاء الأربعة فيه تنبيه للنَّفس من النوم والكسل. قال شيخ الإِسلام: جاءت السنَّة باجتناب الخبائث الجسمانية والتطهُّر منها، وكذلك جاءت باجتناب الخبائث الروحانية والتطهُّر منها؛ فقد قال ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاثًا؛ فإنَّ الشيطان يبيت على خيشومه"، وقال ﷺ : "إذا قام أحدكم من نوم الليل، فلا يغمس يده حتَّى يغسلها ثلاثًا؛ فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده"؛ فعلَّل الأمر بالاستنشاق بمبيت الشيطان على خيشومه؛ فعلم أنَّ ذلك سبب الطهارة من غير النجاسة الظاهرة. والوضوء من أهم شروط الصلاة؛ لما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنَّ الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضأ"، ولما روى مسلم: "الوضوء شطر الإيمان"، ونزلت فريضته من السماء في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. واختلف العلماء هل فرض في مكَّة أو في المدينة؟ والمحققون: على أنَّه فرض بالمدينة؛ لعدم النص النَّاهض على خلافه. قال شيخ الإسلام: الوضوء من خصائص هذه الأمَّة؛ كما جاءت به الأحاديث الصحيحة: "إنَّهم يُبْعَثُون يوم القِيامَةِ غُرًّا محجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوضوء"، وأنَّ النَّبي ﷺ يعرف أمته بهذه السيماء؛ فدلَّ على أنَّه لا يشاركهم فيها غيرهم. وأمَّا ما رواه ابن ماجه: "أنَّ جبريل علَّم النَّبي ﷺ الوضوء" زاد عليه أحمد وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي"، فضعيفٌ لا يحتج به.

стр. 188

٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ" أَخْرَجَهُ مَالِكٌ, وأَحْمَدُ, وَالنَّسَائِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَة، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيْقًا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. هذا الحديث رواه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢)، من حديث أبي هريرة؛ لكن بلفظ: "مع كلِّ صلاة". قال ابن منده: إسناده مجمع على صحته، وفي معناه عدَّة أحاديث عن عدَّة من الصحابة: عن علي، وزيد بن خالد، وأم حبيبة، وعبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد، وجابر، وأنس، وأبي أيوب، وابن عبَّاس، وعائشة. قال ابن الملقن في البدر المنير: قد ذكر في السواك زيادة عن مائة حديث. وأمَّا رواية: "مع كلِّ وضوء" فقد أخرجها مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن حميد، عن أبي هريرة، وأخرجها عنه: أحمد، والنسائي، وسندها صحيح. قال ابن عبد الهادي في المحرَّر: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أنْ أشقَّ على أُمَّتي، لأمرتهم بالسواك مع كلِّ وضوء"، رواته كلهم أئمة أثبات. * مفردات الحديث: - لولا: حرف شرط وابتداء، وهي كلمة لربط امتناع الثانية لوجود الأولى،

стр. 189

والمعنى هنا لولا مخافةُ أنْ أشق على أُمَّتي، لأمرتهم أمر إيجاب، وهي مركَّبة من "لو" الدَّالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، و"لا" النَّافية؛ فدلَّ الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقَّة، ولابُدَّ لها من جواب مذكور، أو مقدَّر إذا دلَّ عليه دليل، ولا تكثر اللَّام في جوابها. - أنْ: مصدرية، هي وما دخلت عليه في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: لولا مخافة المشقَّة على أمَّتي، ويجوز أنْ يكون مرفوعًا بفعلٍ محذوف، والتقدير: لولا خيفت المشقَّة. - أشق: الشِّقُّ، بكسر الشين: الجهد والمشقَّة، ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾. - لأمرتهم: جواب لولا. - بالسواك: بكسر السِّين، وفتح الواو، بعدها ألف، فكاف، أي: باستعمال السواك؛ لأنَّ السِّواك آلة، وسيأتي بيانه في موضعه، إِنْ شاء الله تعالى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تأكد استحباب السواك مع كلِّ وضوءٍ، وأنَّ ثوابه قريبٌ من ثواب الواجبات. ٢ - أنَّ السِّواك عند الوضوء وعند غيره من العبادات ليس بواجب، فقد منعه ﷺ من إيجابه على أُمَّته مخافة مشقتهم. ٣ - أنَّ الذي منع الأمر بوجوبه هو خشية عدم القيام به، ممّا يترتَّب عليه الإثمُ بتركه. ٤ - هذا الحديث الشريف من أدلَّة القاعدة الكبرى: "المشقَّة تجلب التيسير"؛ فخشية المشقَّة سبب عدم فرضيته. ٥ - كثير من العبادات الفاضلة يترك النَّبي ﷺ فعلها مع أمته، أو أَمْرَهُمْ بها، خشيةَ فرضها عليها؛ وذلك مثل صلاة الليل في رمضان جماعة، والسواك، وتأخير صلاة العشاء إلى وقتها الفاضل؛ كل ذلك شفقةً على أمته ورحمةً

стр. 190

بهم وخوفًا عليهم، وهذا من خُلُقِهِ الكريم الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ ٦ - سعة هذه الشريعة وسماحتها، ومسايرتها للحالة البشرية الضعيفة؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. ٧ - هذا الحديث العظيم دليلٌ على القاعدة الشرعية، وهي: "درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح"؛ فمفسدة الوقوع بالإثم من ترك الواجب، مَنَعَتْ من مصلحة وجوب السِّواك عند كل وضوء. ٨ - قال ابن دقيق العيد: السر أنا مأمورون في كلِّ حالةٍ من أحوال التقرُّب إلى الله ، أنْ نكون في حالة كمال النظافة؛ لإظهار شرف العبادة. وقيل: إن ذلك الأمر يتعلق بالمَلَكِ، فإنَّه يتأذى بالرائحة الكريهة. قال الصنعاني: ولا يبعد أن السر مجموع الأمرين المذكورين؛ لما روى البخاري (٨٥٤)، ومسلم (٥٦٤) من حديث جابر مرفوعًا: "من أكل الثوم أو البصل أو الكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم". ٩ - فحوى الحديث يدل على تعيين وقت السواك في الوضوء، وعند المضمضة. ١٠ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا يجزىء في السِّواك إلاَّ استعمال العود، والرَّاجح: أنَّه يُجزىء بغيره من أصبع وخرقة وغيرهما؛ ولذا قال الموفق والنووي: يجزىء بأي شيءٍ يزيل التغير. ١١ - يدل الحديث على قاعدة أصولية، وهي: أن الأمر المطلق يفيد الوجوب، ووجهه: أنَّه لو كان الأمر يفيد الاستحباب، لما امتنع ﷺ من أمرهم بالسواك؛ ولكن ما يقتضيه الأمر، وما يفهمه الصحابة والعلماء من الأمرِ المجرَّدِ عن قرينة صارفة، هو الوجوب، وهو الذي منعه من أمرهم بالسواك.

стр. 191

١٢ - إذا تعارضت الأدلة الشرعية بين الوجوب والاستحباب، أو بين التحريم والكراهة، وليس هناك أصلٌ يُبنى عليه -فإنَّ طبيعة الشريعة السمحة ومنهجها بالتخفيف على العباد، وورود النصوص العامَّة فيها، تجعل الأخذ بأيسر القولَيْنِ وأبعدهما عن التحريم والوجوب أقرَبَ وأرجَحَ؛ فقد جاء في الصحيحين: "أنَّه ﷺ ما خُيِّر بين أمرين إلاَّ اختار أيسرهما". * خلاف العلماء: عموم الحديث يفيد استحباب السِّواك كُلَّ وقت للصائم وغيره، أوَّل النَّهار وآخره، ولا يوجد دليلٌ يخصِّص هذا العموم بالفطر، إلاَّ قوله ﷺ : "لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" [رواه البخاري (٥٩٢٧) ومسلم (١١٥١)]، وهذا ليس فيه صريح الدلالة، فإنَّ الخلوف ينشأ من خلو المعدة من الطعام، وليس من الفم. وأمَّا حديث: "إذا صمتم، فاستاكوا في الغداة، ولا تستاكوا بالعشي" فضعيف، وهو معارَضٌ بالأحاديث التي منها ما رواه أحمد (١٥٢٥) والترمذي (٧٢١) وحسَّنه، وعلَّقه البخاري، من حديث كعب بن مالك، قال: "رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوَّك وهو صائم"، ولم يقيده بوقتٍ دون آخر. وممَّن قال باستحباب السِّواك مطلقًا: الإمامان أبو حنيفة ومالك، واختاره الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، قال في الفروع: وهو أظهر. أمّا من كرهه للصائم بعد الزوال: فهما الإمامان الشَّافعي وأحمد وأتباعهما وإسحاق، استدلالاً بحديث: "إذا صمتم فاستاكوا في الغداة، ولا تستاكوا في المساء"، ولكنَّه حديثٌ ضعيف كما تقدَّم. واستدلوا بحديثٍ صحيح وهو: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، ولكن لا دلالة فيه؛ لأنَّ السواك لا يزيل الخلوف؛ لأنَّ مصدره المعدة، وليس مصدره الفم.

стр. 192

٣٠ - وَعَنْ حُمْرَانَ: "أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ, فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ, ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ, ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - دعا: بمعنى: طلب الوَضُوء. وضوء: بفتح الواو: اسمٌ للماء الذي يُتوضَّأ به، وأمَّا بالضم: فاسمٌ للفعل. - كفيه: تثنية كف، والكف هي الرَّاحة مع الأصابع، مؤنث، جمعه كفوف وَأَكُفُّ، وحدُّها: مفصل الذراع، سُمِّيت كَفًّا؛ لأنَّ الإنسان يكف بها عن نفسه. - تمضمض: المضمضة: "أنْ يجعل الماء في فمه، وكمالها أنْ يديره في فمه، ثمَّ يمجه أو يبلعه. - وجهه: جمع الوجه: وجوه، وهو ما تحصُلُ به المواجهةُ، وهي المقابلة. وحدُّه: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى اللَّحْيَيْنِ طولاً، ومن الأُذُنِ إلى الأُذُنِ عرضًا، يؤخذ حده الشرعي من معناه اللغوي، حيث لم يجر له حَدٌّ في الشرع. استنشق: يُقال: استنشق الماء يستنشقه استنشاقًا: أدخل الماء في أنفه وجذبه

стр. 193

لينزل ما فيه؛ فالاستنشاق: جذب الماء إلى داخل الأنف. - استنثر: يُقال: نَثَرَ الشيء يَنْثُرُهُ نثرًا: رماه متفرِّقًا، ومنه إخراج ما في الأنف من مخاط وغيره بالماء؛ فالاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. قال ابن قتيبة وغيره: الاستنشاق والاستنثار واحد، وقال الكرماني: إنَّ هذا الحديث دليلٌ على قول من قالوا: إنَّ الاستنثار هو غير الاستنشاق، وهو الصواب، فالاستنشاق هو إدخال الماء داخل الأنف، والاستنثار: إخراج الماء منه. - إلى: قال النحاة: "إلى" تأتي لانتهاء الغاية الزمانية والمكانية؛ فالزمالية مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، والمكانية مثل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، وهي هنا للغاية المكانية. أمَّا ما بعد "إلى": فيجوز أنْ يكون جُزْءٌ منه، أو كله، داخلاً فيما قبلها، وجائز أنْ يكون غَيْرَ داخل، ويعرف دخول ذلك أو عدم دخوله بالقرينة، فإنْ لم يكن هناك قرينة تدل على دخوله أو خروجه: فإنْ كان من جنس ما قبلها، جاز أنْ يدخل وأنْ لا يدخل، وإِلاَّ فالغالب أنَّه لا يدخل. وهي هنا داخلٌ ما بعدها فيما قبلها؛ لدلالة الأحاديث التي يأتي تفصيلها في فقه الحديث، إنْ شاء الله. - المِرْفَق: بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس، لغتان، هو موصل الذراع في العضد، جمعه: مرافق، وهما مرفقان، سُمِّيَ مرفقًا؛ لأنَّه يرتفق به في الاتكاء ونحوه، ويجوز فيه: فتح الميم والفاء؛ على أنْ يكون مصدرًا. - إلى الكعبين: تثنية كعب: هما العظمان الناتئان عند ملتقى السَّاق بالقدم، لحديث النعمان بن بشير في صفة الصلاة: "فرأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه" [رواه أحمد (١٧٩٦٢) والبيهقيُّ (١/ ٧٦)]. - مسح برأسه: مسح يتعدَّى بنفسه؛ فالباء -هنا- زائدة مؤكِّدة أنَّ المسح هو لعموم الرأس، وليس لبعضه.

стр. 194

قال بعضهم: إنَّ الباء هنا للتبعيض. وقال ابن جني: أهل اللغة لا يعرفون أنَّ الباء تأتي للتبعيض، وإِنَّما يُورِدُ هذا المعنى الفقهاء قال النحاة: والإلصاق لا يفارق الباء في جميع معانيها؛ فتكون هنا مفيدة لهذا المعنى، ليكون المسح ظاهرًا فيها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث جعله المؤلِّف -رحمه الله تعالى- أصلاً في بيان صفة وضوء النَّبي ﷺ ، وجعل ما بعده من الأحاديث والروايات مكمِّلات له. ٢ - ينبغي لمن يريد عبادة من العبادات -ومنها الوضوء والطهارة- أنْ يستعد لها بأدواتها؛ لئلا يحتاج إلى ذلك أثناء أدائها. ٣ - استحباب غسل اليدين ثلاثًا، قبل إدخالهما في ماء الوضوء عند الوضوء، وهو سنة بالإجماع؛ والدليل على أنَّ غسلهما سنة فقط: هو أنَّه لم يأت ذكر غسلهما في الآية، وفعل النَّبي ﷺ المجرَّد لا يدل على الوجوب، وإنَّما يدل على الاستحباب؛ وهذه قاعدة أصولية. ٤ - استحباب التيمُّن في تناول ماء الوضوء، لغسل الأعضاء؛ فتكون اليد اليمنى هي المتناولة له. ٥ - وجوب المضمضة والاستنشاق؛ فإنَّهما داخلان في مسمَّى الوجه، المنصوصِ على غسله في آية المائدة. ٦ - لم يقيد المضمضة والاستنشاق بثلاث، ولكن ما دمنا علمنا أنَّ الفم والأنف من مسمَّى الوجه، فيكفي في استحباب التثليث فيهما ما جاء في الوجه. ٧ - استحباب الاستنثار بعد الاستنشاق؛ قال العلماء: ويجوز بلعه. ٨ - استحباب التثليث في غسل الوجه، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل اليدين، والرجلين؛ فكل هذه الأعضاء يستحب التثليث فيها.

стр. 195

٩ - جوب غسل اليدين مع المرفقين. ١٠ - وجوب مسح الرَّأس؛ قال شيخ الإِسلام: اتفق الأئمة على أنَّ السنَّة مسح جميع الرأس؛ كما ثبت بالأحاديث الصحيحة. ١١ - المسح مبني على التخفيف فلا يشرع تكريره، وإنَّما يقتصر فيه على مرَّة واحدة، يُقْبِلُ الماسح بيديه ثُمَّ يُدْبر؛ ليعم المسح جميع الرَّأس. ١٢ - الأذنان من مسمَّى الرأس؛ ولذا فإنَّ المشروع أنْ يُمْسَحَا بماءِ الرَّأس، ولا يُؤْخَذ لهما ماء جديد غير ماء الرَّأس. ١٣ - في الحديث التصريح بوجوب غسل الرجلين، والرد على من قال بمسحهما. ١٤ - فيه وجوب ترتيب غسل الأعضاء والموالاة بينها. ١٥ - ما جاء في هذا الحديث هو وضوء النَّبي ﷺ الكامل. ١٦ - ينبغي للمتوضىء ولكلِّ قائمٍ بعبادةٍ من العبادات، أنْ يستحضر عند فعلها ثلاثة أمور: (أ) طاعة الله؛ لِتَعْظُمَ العبادة في قلبه. (ب) التقرُّب إلى الله؛ ليصل إلى درجة المراقبة، فيحسن عبادته. (ج) الاقتداء بالنَّبي ﷺ ؛ ليحصل على تحقيق المتابعة. ١٧ - الحديث اشتمل على الواجبات والمستحبات، والذي ينبغي للمسلم أنْ يمتثل أمر الشرع، من دون نظر إلى أنَّ هذا واجب أو مستحب، وإنَّما يفعله امتثالاً لشرع الله تعالى، واقتداءً بنبيِّه ﷺ ، وطلبًا للأجر، ولا يأتي البحث عن الحُكْمِ إلاَّ عند تركه، لينظر هل ترك واجبًا أو مستحبًّا؛ وهذا في حقِّ المتعبد. أمَّا البحث العلمي ومعرفة الأحكام، فيعرف هذا وهذا. ١٨ - فيه التعليم بالقول والفعل، وهذا ما يُسمَّى في التربية: بوسائل الإيضاح، وهذا التعليم عن طريق السمع والبصر.

стр. 196

١٩ - لم يصرِّح في هذا الحديث بالمضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة أو بأكثر، وقد يؤخذ منه الأول؛ لأنَّه ذكر تكرار غسل الوجه والكفين، وأطلق أخذ الماء للمضمضة والاستنشاق، وحديث عبد الله بن زيد يدل على أنهما من غرفة واحدة. ٢١ - الاستنثار يكون باليد اليسرى، وليس في الحديث ما يقتضي أنَّه باليمين. ٢٢ - جواز الاستعانة بإحضار الطَّهُور. ٢٣ - المضمضة أصلها يشعر بالتحريك؛ فيدل على تحريك الماء في الفم. * خلاف العلماء. ذهب الأئمة الثلاثة وسفيان وغيرهم: إلى عدم وجوب المضمضة والاستنشاق، وأنَّهما مستحبان فقط. ودليلهم: ما جاء في الحديث: "عشر من الفطرة ... " [رواه مسلم (٢٦١)]، ومنها الاستنشاق، والسنَّة غير الواجب. وهذا الاستدلال ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ السنَّة في الحديث هي الطريقة، لا أنَّها العمل الذي يُثاب فاعله ولا يعاقب تاركه؛ فإنَّ هذا الاصطلاح أصوليٌّ متأخِّرٌ. كما استدلُّوا بآية المائدة، وهو استدلال فيه نظر؛ لأنَّ الفم والأنف من مسمَّى الوجه. وذهب الإمام أحمد: إلى وجوب المضمضة والاستنشاق؛ وهو مذهب ابن أبي ليلى، وإسحاق، وغيرهما. استدل الموجبون بأدلَّةٍ منها: أوَّلاً: استمرار النَّبي ﷺ على إتيانه بهما، وعدم إخلاله بذلك؛ ممَّا يدل على الوجوب، فلو كانا مستحبين، لتركهما ولو مرَّة لبيان الجواز، والفعل المقترن بالأمر دليل الوجوب، وقد أمر الله بهما بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فهما من الوجه داخلان في حدوده.

стр. 197

ثانيًا: حديث عائشة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابدَّ منه"؛ رواه أبو بكر في "الشَّافي". ثالثًا: ما أخرجه مسلم (٢٣٧) عن أبي هريرة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم، فليستنشق بمنخريه من الماءِ، ثمَّ ليستنثر". رابعًا: ما أخرجه أبو داود والدَّارقطني عن لَقِيطِ بن صبرة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إذا توضأت، فمضمض". خامسًا: الأمر بغسل الوجه بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمرٌ بغسلهما؛ فإنَّ الفم والأنف من الوجه؛ لأنَّهما عضوان ظاهران داخلان في مسمَّاه، كما تقدَّم. فالأرجح صحَّة المذهب الأخير؛ لقوَّة أدلته، وعدم ما يعارضها.

стр. 198

٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ، بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي البَابِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فقد أخرجه الثلاثة بإسنادٍ صحيح، وقال الترمذي: إنَّه أصح شيءٍ في الباب. قال في المحرَّر: رواته صادقون مخرَّج لهم في الصحيح. وأخرجه أبو داود من ست طرق. وروي عن سلمة بن الأكوع، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس مثله، أي: مثل حديث علي. قال الحافظ: وإسناده صالح. * مفردات الحديث: - مسح: يتعدَّى بنفسه؛ فالباء زائدة مؤكِّدةٌ أنَّ المسح إنَّما هو لعموم الرَّأس. قال النحاة: والإلصاق لا يفارق الباء في جميع معانيها فتكون -هنا- لهذا المعنى. ...

стр. 199

٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵄ في صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: "وَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِهِ, فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: "بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ, حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ, ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ". (١) ــ * مفردات الحديث: - فأقبل بيديه وأدبر: فسَّر الإقبال باليدين والإدبار في الرواية الأخرى، بأنَّه بدأ من مقدم رأسه حتَّى ذهب بهما إلى قفاه، ثُمَّ ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه. - بدأ: بدأتُ الشيءَ: ابتدأتُ به، وبدأتُ الشيءَ: فعلته ابتداءً، أما "بدا" بلا همزة في آخره، فمعناه: ظهر. - ومقدم الرَّأس: ابتداؤه من منابت شعر الرَّأس المعتاد غالبًا. - القفا: مقصور، وقد يمد، وهو مذكَّر، جمعه: أَقْفٍ وأقفية، وهو مؤخَّر العنق، والمراد هنا: أعلى مؤخَّر العنق. ...

стр. 200

٣٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ فِي صِفَةِ الْوُضُوْءِ قَالَ: "ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ, وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ, وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ, وَالنَّسَائِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث حسنٌ. رواه أبو داود بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، قال المنذري في تهذيب السنن: أخرجه النسائي (١٤٠) وابن ماجه (٤٢٢). وعمرو بن شعيب تَرَكَ الاحتجاجَ به جماعةٌ من الأئمة، قال ابن عدي: أحاديثه عن أبيه عن جدِّه عن النَّبي ﷺ اجتَنَبَها النَّاس، ولم يُدْخِلوها في الصحاح. وقال أبو الحسن بن القطَّان: عمرو بن شعيب عندنا واهٍ. وقد وثَّقه بعضهم؛ قال العجلي: ثقة، وقال ابن معين وأحمد: رُبَّما احتججنا به، وقال البخاري: رأيت أحمد والحميدي وإسحاق يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث صحيح على طريقة من يُصَحِّحون حديث عمرو بن شعيب؛ لأنَّ إسناده صحيح. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: عمرو بن شعيب ضعَّفه ناسٌ مطلقًا، ووثَّقه الجمهور، وضعَّف بعضهم روايته عن أبيه عن جدِّه. وقال في التلخيص: جاء من طرق صحيحة، وقال ابن القيم: احتج بها الأئمة الأربعة.

стр. 201

قال محرِّره عفا الله عنه: والحديثُ له شواهدُ كثيرة، منها حديث المقدام بن معديكرب عند أحمد (١٦٧٣٧) وأبي داود (١٢١)، وحديث الربيِّع بنت معوِّذ عند أبي داود (١٢٩)، وحديث ابن عبَّاس عند النسائي (١٠١)، وصححه الترمذي (٣٦)، وبهذا فَمَسْحُ ظاهر الأُذنين وباطنهما بإبهاميه اعتضد بهذه الشواهد الجياد، والحمد لله. * مفردات الحديث: - إصبعيه: تثنية إصبع، الإِصبع مؤنثة، وكذلك سائر أسماء الأصابع، مثل الخنصر، وفي الإِصبع عشر لغات: إحداها بكسر الهمزة وفتح الباء، قال في المصباح: وهي التي ارتضاها الفصحاء. والإصبع أحد أطراف الكف أو القدم، جمعه أصابع، والمراد هنا أطراف الكف، والمراد الأنملة، فهو مجاز من إطلاق الكلِّ على الجزء؛ كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ أي: أنامل أصابعهم. - السباحتين: تثنية سباحة، هي الإِصبع التي بين الإبهام والوسطى، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّه يُشارَ بها عند تسبيح الله تعالى، والمراد الأنملة منها. - ظاهر أُذُنَيْه: أي: أعلاهما، والجزء الظاهر منهما. - أذنيه: تثنية أذن، عضو السمع في الإنسان والحيوان مؤنثة، والجمع آذان. - إِبْهَامَيْهِ: تثنية الإبهام، تُذَكَّر وتُؤنَّث، جمعه بُهُم وأباهيم، والإبهام هي الإِصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد والرِّجل، وهي ذات أنملتين، وهي أنفع الأصابع، وأقربها إلى الرسغ. * مَا يُؤْخذ من الأحاديث الثلاثة: ١ - حديث عليٍّ ﵁ يدل على أنَّ مسح الرأس مرَّة واحدة، وأنَّ المسح لا يُكَرَّر، كما يكرر الغسل؛ لأنَّ المسح أخف من الغسل، مخففٌ في كيفيته وفي كميته، ولعلَّ الحكمة الرَّبَّانيَّة في التخفيف في الرأس، من

стр. 202

كونه يمسح مسحًا ولا يغسل، وأن مسحه مرَّة واحدة فلا يكرر، هو التيسير على الأمة؛ فإنَّ الرَّأس موطن الشعر، فصَبُّ الماء عليه وتكريره، رُبَّما سبَّب أذيَّةً ومرضًا، فخفَّف الله تعالى عن عباده. ٢ - حديث عبد الله بن زيد ﵁ يدل على صفة المسح، وهو أنْ يبدأ بمقدَّم رأسه، فيذهب بيديه إلى قفاه، ثمَّ يردَّها إلى المكان الذي بدأ منه، وتكون هذه الرواية مفسِّرة للرواية التي قبلها، من أنَّه "أقبل بيديه وأدبر"؛ فإنَّ معنى أقبل بيديه، أي: بدأ بهما من قِبَل الرَّأس، وأدبر أي: عاد بهما من دبره، والإقبال والإدبار باليدين يُعْتَبَرُ مسحةً واحدة لا مسحتين؛ لأنَّ شعر مقدَّم الرأس متجه إلى الوجه، ومؤخر الرَّأس متجه إلى القفا، فإذا بدأ بالمقدَّم مسح ظهور الشعر المقدَّم، وأصول الشعر المؤخَّر، وإذا أدبر بهما مسح ظهور الشعر المؤخَّر، وأصول الشعر المقدَّم؛ فالحكمة في الإقبال والإدبار مسح وجهي الشعر، قال بعضهم: هذا المسح يقيم النائم، وينيم القائم؛ فحصل مسحة واحدة لا مسحتان، وليست هذه الصفة واجبة، فعلى أي صفة مسح أجزأ. ٣ - قال ابن القيم في زاد لمعاد: الصحيح أنَّه لم يكرر ﷺ مسح رأسه، بل كان إذا كرَّر غسل الأعضاء، أفرد مسح الرَّأس، ولم يصح عنه خلافه ألبتة. ٤ - وقال: كَان ﷺ يمسح رأسه كله، ولم يصح عنه في حديثٍ واحد، أنَّه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة. ٥ - قال العلماء: من لا شعر له أو حلق رأسه، فلا يستحب له الرد؛ لأنَّه لا فائدة فيه، وكذلك لا يستحب لمن له شعرٌ كثير مضفور، ويكون خرج مخرج الغالب. ٦ - حديث عبد الله بن عمرو ﵄ يدل على مسح الأُذُنين مع الرَّأس، وصفة مسحهما: أنْ يدخل أصبعيه السبَّاحتين في صماخي أذنيه، ويمسح بإبهاميه ظاهر أذنيه.

стр. 203

٧ - أنَّ مسح الأذنين منصوصٌ عليه في الآية الكريمة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ذلك أنَّ الأُذنين داخلتان في مسمَّى الرأس شرعًا ولغةً وعرفًا، فالأمر بمسح الرَّأس في الآية أمرٌ بمسحهما؛ ولذا فالسنَّة أنْ تمسحا بماء الرَّأس، لا بماء جديد لهما. ٨ - الحكمة في تخصيص الأذنين بالمسح، هو كمال طهارتهما من ظاهرهما وباطنهما، ويستخرج منهما الذنوب التي اكتسبتها، كما تخرج الذنوب من سائر أعضاء الوضوء؛ فإنَّ الأذنين أداتا حاسَّة السمع، فيطهَّران طهارةً حسيَّة بمسحهما بالماء، وطهارة معنوية من الذنوب. ٩ - لمسلم (٢٣٥) عن عبد الله بن زيد في صفة وضوئه ﷺ : "ومسح رأسه بماء غير فضل يديه" وهذا هو المحفوظ، وأمَّا رواية البيهقي: "أنَّ عبد الله بن زيد رأى النَّبي ﷺ يأخذ لأُذنيه ماءً غير الماء الذي أخذه لرأسه فهي شاذة، وحديث: "الأذنان من الرأس" [رواه أبو داود (١٣٤) والترمذي (٣٧)] وأقوال الصحابة أنَّه ﷺ : "مسح رأسه وأذنيه مرَّة واحدة" دليلٌ على أنَّه ﵊ كان يمسح رأسه وأذنيه بماءٍ واحد. ١٠ - حد الرأس من منابت شعر الرأس المعتاد ممَّا يلي الجبهة، إلى مفصل الرأس من الرقبة، ومن الأذن إلى الأذن، ولا يمسح ما نزل من شعر الرأس أسفل من ذلك؛ لأنَّه قد تجاوز مكان الرأس من الإنسان. ١١ - ظهر الأذن هو ما يلي الرأس، أمَّا الغضاريف فهي من باطن الأذن. * خلاف العلماء: اتفق الأئمة على أنَّ مسح الرأس من فروض الوضوء، وعلى أنَّ المشروع مسحه جميعه، واختلفوا في وجوب مسحه كله: فذهب أبو حنيفة والشافعي: إلى جواز مسح بعضه؛ لأنَّه ﷺ توضأ ومسح على ناصيته.

стр. 204

وذهب الإمام مالك والإمام أحمد: إلى وجوب مسحه كله؛ كما ثبت ذلك من فعله ﷺ في الأحاديث الصحيحة والحسنة. قال شيخ الإِسلام: لم يُنْقَل عن أحدٍ أنَّه ﷺ اقتصر على مسح بعض الرأس. وقال ابن القيم: لم يصح عنه حديث واحد أنَّه اقتصر على مسح بعض الرأس ألبتة، وقال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والباء لا تدل على مسح البعض؛ لأنَّها للإلصاق، ومن ظنَّ أنَّها للتبعيض، فقد أخطأ على أئمة اللغة. * تنبيه: ورد في كيفية مسح الرَّأس عدَّة روايات منها: ١ - حديث عليٍّ: "مسح برأسه مرَّةً واحدة" [رواه أبو داود (١١٥) والترمذي (٣٢)]. ٢ - حديث عبد الله بن زيد: "فأقبل بيديه وأدبر" [رواه مسلم (٢٣٥)]. ٣ - الرواية الأخرى: "بدأ بمقدِّم رأسه حتَّى ذهب بهما إلى قفاه، ثمَّ ردهما إلى المكان الذي بدأ منه". ٤ - حديث الربيِّع بنت مُعَوِّذ: "مسح برأسه فبدأ بمؤخر رأسه ثمَّ بمقدمه" [رواه أبو داود (١٢٩)]. ويوجد أيضًا بعض الروايات الأُخر التي من أجلها قال الصنعاني: ويحمل اختلاف لفظ الأحاديث على تعدد الحالات. قلت: تعدُّد الروايات يدل على جواز المسح على أي كيفية جاءت، وإنَّما مدار الوجوب هو تعميم الرأس بالمسح، واختيار أصح الرويات وأفضلها، لتكون الغالبة في الوضوء. قال ابن القيم: لم يثبت أنَّه أخذ لأذنيه ماءً جديدًا. قال الحافظ: المحفوظ أنَّه مسح رأسه بماء غير فضل يديه، والأُذنان من الرأس؛ كما ورد في الحديث. واختار الشيخ: أنَّ الأذنين يمسحان بماء الرأس؛ وهو مذهب الجمهور.

стр. 205

٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا, فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - فليستنثر: "اللَّام" لامُ الأمر. - استيقظ: انتبه من نومه من غير أنْ يُنَبَّه. - منامه: أي: نومه؛ ومنه قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾؛ كما يطلق على اسم الزمان المصوغ من الفعل؛ ليدل على زمان الحدث. - الشيطان: قَالَ أهل اللغة: في الشيطان قولان: أحدهما: أنَّه من "شطن": إذا بَعُدَ عن الحق؛ فتكون النون أصلية. والقول الثاني: أن الياء أصلية والنون زائدة عكس الأوَّل، وهو من شاط يشيط: إذا هلك. والشيطان: من مخلوقات الله شرِّيرٌ مفسد، واحد الشياطين، وهم عالم غيبي، الله أعلم بكيفية خلقهم، وهم من ذريَّة إبليس، وقد جعل الله لهم قدرة على التكيف والتشكل؛ لحكمةٍ أرادها جلَّ وعلا. - يبيت: يُقال: بات يبيت بيتوتة، أي: أدركه الليل وقضاه، نام أو لم ينم. - خيشومه: بفتح الخاء وسكون الياء وضم الشين، هو أعلى الأنف من داخله.

стр. 206

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - بعض الروايات قيدت هذا الاستنثار عند الوضوءة فيكون هو المنصوص عليه مع الوضوء، وبعض الرويات أطلقته ولم تقيده، فالأولى الاستنثار ثلاثًا، إنْ لم يصادف بعد الاستيقاظ من نوم الليل وضوء؛ فإنَّ فيه شَبَهًا قويًّا بغسل اليدين بعد الاستيقاظ من البيتوتة. ٢ - يدل الحديث على مشروعية الاستنثار؛ لأنَّه ورد بصيغة الإرشاد، والاستنثار يلزم منه الاستنشاق. ٣ - تقييده بنوم الليل، أخذًا من لفظ "يبيت"؛ فإنَّ البيتوتة لا تكون إلاَّ من نوم الليل، ولأنَّه مظنَّة الطول والاستغراق. ٤ - علَّل ذلك بأنَّ الشيطان يبيت على خيشومه. قال القاضي عياض: يحتمل أنْ يكون على حقيقته؛ فإنَّ الأنف أحد منافذ الجسم، وليس شيء من منافذه ليس عليه غلق، سوى الأنف والأذنين، وجاء الأمر بالكظم عند التثاؤب من أجل دخول الشيطان حيننئذٍ في الفم. ٥ - الاحتراس من الشيطان؛ فإنَّه يريد الولوج إلى ابن آدم مع كلِّ طريق، وهو يجري منه مجرى الدم، ويحاول إضلاله وإفساد عباداته، فابن آدم ملاحَقٌ ومحاصَر منه، والمعصوم من عصمه الله تعالى، واستعان بالله عليه، واستعاذ بالله من شرِّه. ٦ - مثل هذه الأحكام السمعية إذا صحَّت، فالواجب على المؤمن التصديق بها والتسليم، ولو لم يدرك كيفيتها؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾. ٧ - يرى شيخ الإِسلام ابن تيمية: أنَّ غسل يدي المستيقظ من نوم الليل، والاستنثار بعد النوم: أنَّ ذلك من ملامسة الشيطان، فقد علَّل الغسل بأنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده، وهنا علَّل الاستنثار بأنَّ الشيطان بات على

стр. 207

خيشومه؛ فعلم أنَّ ذلك هو سبب الغسل والاستنثار. ٨ - اسْتَدَلَّ بهذا الحديث من يرى غسل النجاسة ثلاث مرَّات، وهي إحدى الروايات الثلاث عن الإمام أحمد، ولكن ما دام أنَّنا لم نتحقَّق موجب الاستنثار ثلاثًا، وأنَّ ذلك خاصٌّ بنوم الليل دون النَّهار، فإنَّ الاستدلال بهذا الحديث، وبحديث غسل اليدين ثلاثًا من نوم الليل -ليس بواضح، مع وجود أدلَّة كثيرة صحيحة، دالَّةٍ على الاكتفاء بغسلة واحدة، تذهب بعين النجاسة، عدا نجاسة الكلب. ***

стр. 208

٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ : "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (١). ــ * مفردات الحديث: - إذَا اسْتَيْقَظَ: تَنَبَّه من نومه، والاستيقاظ بمعنى التيقظ، وهو لازم. "إذا" شرطية غير جازمة، جوابها: "فلا يغمس يده". - لا يغمس: يُقال: غَمَسَ يَغْمِس غمسًا من باب ضرب، أي: لا يدخل يده في الماء. - يده: يراد باليد: الكف، وتقدم أنَّها الرَّاحة والأصابع، وَحَدُّها: من أطراف الأصابع إلى مفصلها من الذراع. - فلا يغمس يده: الغمس أنْ يغيب اليد في الماء الذي في الإناء، و"لا" ناهية، و"يغمس" مجزوم بها، وجاء في بعض روايات البخاري: "فلا يغمسنَّ" بنون التوكيد الثقيلة. - فإنَّه لا يدري: إيماء إلى أنَّ الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأنَّ الشَّارع إذا ذكر حكما وعقَّبه بعلَّة؛ دلَّ على ثبوت الحكم لأجلها. -أين: ظرف مكان مبني على الفتح ومحله النصب، ولعلَّ المكان المسؤول عنه جزء من جسد النَّائم، أو ملامسة الشيطان ليده. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب غسل اليدين بعد القيام من نوم الليل، ثلاث مرَّات، فلا تكفي الغسلة ولا الغسلتان، واليد عند الإطلاق: يراد بها الكف فقط، فلا يدخل فيها الذراع؛ وهذا هو مذهب الإمام أحمد، والجمهور: على أنَّه مستحب.

стр. 209

٢ - قيدناه بنوم الليل؛ لقوله: "فإنَّه لا يدري أين باتت يده"، والبيتوتة: اسم لنوم الليل، وسيأتي مذهب الجمهور: أنَّها تغسل من عموم النوم، ليلاً أو نهارًا .. ٣ - النَّهي عن إدخالهما الإناء قبل غسلهما ثلاثًا، لكن لو غسل يدًا واحدة ولم يغسل الأُخْرى، فله إدخالها وحدها؛ فلكلِّ يد حكمها. وذكر الإناء دليلٌ على أنَّ النَّهي مخصوص بالأداة، دون البِرَكِ والحياض. ٤ - أخذ أصحابنا من هذا الحديث أنَّ الماء المغموس فيه يد القائم من نوم الليل سلبت الطهورية منه، وأنَّه أصبح طاهرًا غير مطهِّر، ولكن هذا قول مرجوح، والصحيح: أنَّه باقٍ على طهوريته لما تقدَّم، من أنَّ الماء لا ينجس، إلاَّ إذا تغيَّرت صفة من صفاته بالنجاسة. ٥ - قال الخطابي: فيه أنَّ الأخذ بالاحتياط في باب العبادات أولى. قال النووي: ما لم يخرج عن حدِّ الاحتياط، إلى حدِّ الوسوسة. ٦ - فيه استحباب الكناية عمَّا يستحيا منه، إذا حصل الإفهام بها. ٧ - يجب على السَّامع لِسُنَّةِ رسول الله ﷺ أنْ يتلقَّاها بالقبول، وإذا لم يفهم المعنى، فَلْيَرُدَّ هذا إلى قصور في العقل البشري؛ وإِلَّا فأحكام الله تعالى مبنيَّةٌ على المصالح؛ والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾، أمَّا الخواطر الرديئة، فليدفعها عن نفسه؛ فإنَّها من إلقاء الشيطان ووسوسته. * خلاف العلماء: ذهب الشافعي والجمهور: إلى أنَّ كلَّ نومٍ من ليلٍ أو نهار، يشرع بعده غسل اليدين؛ لعموم قوله: "من نومه"؛ فإنَّه مفرد مضاف، وهو يعم كل نوم، وأمَّا قوله: "أين باتت يده" فهو قيدٌ أغلبيٌّ، ومتى كان القيد أغلبيًّا، فهو عند الأصوليين لا مفهوم له؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ فهنا قيدان: أحدهما: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. فهذا قيد مقصود، ولذا جاء مفهومه، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ

стр. 210

تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. القيد الثاني: قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؛ فهذا قيدٌ أغلبيٌّ والقيد الأغلبي لا مفهوم له، ولذا لم يأتِ له مفهوم في الآية الكريمة. ومثل هذا القيد في حديث الباب، بقوله: "باتت يده"؛ فإنَّه قيدٌ أغلبيٌّ، فلا يقتضي التخصيص، ولا مفهوم له، وإذًا فليس نوم الليل شرطًا في غسل اليد ثلاثًا من النوم. وأمَّا المشهور من مذهب الإمام أحمد: فإنَّه لا أثر لنوم النَّهار، وإنَّما وجوب الغسل خاص بنوم الليل؛ لقوَّة: "فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده". واختلف العلماء في الحكمة من غسل اليدين ثلاثًا، بعد الاستيقاظ من النوم: فذهب بعضهم: إلى أنَّها من الأمور التي طويت عنَّا حكمتها، فلم نعلمها، مع اعتقادنا أنَّ أحكام الله تعالى مبنيَّة على المصالح والمنافع، وأنَّ قول النَّبي ﷺ : "لا يدري أين باتت يده" يشير إلى هذا الخفاء في العلَّة. وبعضهم قال: لها علَّة مدركة محسوسة، والإنسان يده معه حال نومه، وإنَّما فيه إشارة إلى أنَّ يد النَّائم تجول في بدنه بدون إحساس، وأنَّها قد تلامس أمكنة من بدنه، لم يتم تطهيرها بالماء؛ فَتَعْلَقُ بها النجاسة. أمَّا شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فيقول: إنَّ مشروعية غسل اليدين، هو ملامسة الشيطان لهما؛ ويدل على ذلك التعليل: "فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت"، ومثله جاء في الحديث الذي قبله: "فَإنَّ الشيطان يبيت على خيشومه" [رواه البخاري (٣٢٩٥) ومسلم (٢٣٨)]. وهذا تعليل مرضيٌّ مقبول؛ ولعلَّ المصنِّف لم يقرن الحديثين هنا، إلاَّ إشارة إلى تقارب المعنى بينهما، والله أعلم. واختلف العلماء -أيضًا- هل لهذا الأمر معنًى، أم أنَّه تعبدي؟: والرَّاجح من قولي العلماء: أنَّه معقول؛ ويدل عليه قوله: "فإنَّه لا يدري أين باتت يده". وممَّن يرى أنَّ الأمر فيها تعبدي: المالكية والحنابلة.

стр. 211

٣٦ - وَعَنْ لَقِيْطِ بْنُ صَبْرَةَ, ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ, وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ, وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ, إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا" أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ: "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ". (١) ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال المصنَّف: صحَّحه ابن خزيمة، وقال في التلخيص: أخرجه الشَّافعي وابنُ الجارود وابنُ خزيمة وابنُ حبَّان والحاكم والبيهقيُّ وأصحاب السنن الأربعة مطوَّلاً ومختصرًا، وصحَّحه الترمذي والبغويُّ وابن القطَّان. وفي الباب حديث ابن عبَّاس: "استنثروا مرَّتين بالغتين أو ثلاثًا" رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن الجارود، والحاكم، وصححه ابن القطان. * مفردات الحديث: - أسبغ: من الإسباغ، وهو الاتساع والإتمام، و"أسبغْ" و"خلِّل" و"بَالِغْ" -كلها أفعال أمر، وفعل الأمر ما دلَّ على طلب وقوع الفعل من الفاعل المخاطب، والأصل أنَّه مبنيٌّ على السكون، فأسبغ الوضوء: وفِّ كلِّ عضوٍ حقه في الغسل؛ فهو الإتمام واستكمال الأعضاء. قال في القاموس: أسبغ الوضوء: أبلغه مواضعه. - خلِّل: تخليل الأصابع: التفريج بينها، وإسالة الماء بينها، والمراد أصابع

стр. 212

اليدين والرجلين؛ لحديث ابن عبَّاس: "إذا توضأت، فخلِّل أصابع يديك ورجليك" [رواه أحمد (١٥٩٤٥) والترمذي (٢٨)]. - بالغ: ابذل الجهد واستقص، بإيصال الماء إلى أقصى الأنف. - صائمًا: الصيام شرعًا: هو إمساك بنيَّةٍ عن مفسدات الصوم، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من المسلم العاقل غير الحائض والنفساء، وسيأتي إِنْ شاءَ الله. "إلاَّ أنْ تكون صائمًا": هذا الاستثناء لا يعود إلاَّ على المبالغة في الاستنشاف، وأمَّا إسباغ الوضوء وتخليل الأصابع، فلا يعود عليهما؛ لأنَّ الصيام لا يتأثَّر إلاَّ من الاستنشاق. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الإسباغ مشترك بين الواجب وبين المستحب، فيستعمل للوجوب فيما لا يتم الوضوء إلاَّ به، ومستحب فيما عدا ذلك. ٢ - استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين عند غسلهما، وتخليلهما: جعل الماء يتخلَّل بينهما، والصَّارف عن الوجوب دقَّةُ الماء، ووصولُهُ إلى ما بينها بدون تخليل، وبهذا يحصل القدر الواجب؛ فيبقى الاستحباب على الاحتياط في ذلك. ٣ - استحباب المبالغة في الاستنشاق عند الوضوء، إلاَّ مع الصيام، فيكره؛ خشية وصول الماء إلى الجوف، والصَّارف له عن الوجوب: أنَّه لو كان واجبًا، لما منعه الصيام، ولوجب التحرز عن نزول الماء في الجوف مع المبالغة، وهو أمرٌ ممكن. ويلحق به استحباب المبالغة في المضمضة لغير صائم؛ لأنَّهما في معنى الاستنشاق؛ كما نصَّ على ذلك الفقهاء. ٤ - وجوب المضمضة عند الوضوء، وتقدَّم الخلاف في ذلك، وهو الرَّاجح من

стр. 213

قول العلماء في ذلك. ٥ - قوله: "إِلاَّ أنْ تَكُونَ صائِمًا": الاستثناء عائد على الاستنشاق؛ لأنَّه لا أثر له في الإسباغ والتخليل؛ وإِلاَّ؛ فالأصل أنَّ الاستثناء يعود على جميع ما تقدمه من الجمل، إلاَّ أنْ يدلَّ دليلٌ يخصه ببعضها، كهذا الحديث. ٦ - قوله: "أسبغ الوضوء ... إلخ" وجه الأمر لواحد، إلاَّ أنَّه أمرٌ لجميع الأمَّه، وهكذا الأوامر والنَّواهي الشرعية؛ لأنَّ الأحكام لا تتعلَّق بالأشخاص، وإنَّما تتعلَّق بالمعاني، والعلل التي أوجبتها، هذا ما لم يكن هناك دليلٌ يدل على تخصيص شخص بعينه؛ كقصَّة أبي بردة وأضحيته. ***

стр. 214

٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الْوُضُوءِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف، وله شواهد عن عددٍ كبيرٍ من الصحابة، لا تخلو من مقالٍ، ولكنَّه يَتَقَوَّى بها. قَالَ الحافظ في التلخيص: رواه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والدَّراقطني وابن حبَّان عن عثمان، وأورد له الحاكم شواهد: عن أنسٍ وعائشة وعليٍّ وعمَّارٍ. قلت: وفيه أيضًا عن أمِّ سلمة وأبي أيوب وأبي أمامة وغيرهم، وعدَّدهم الحافظ في التلخيص، وذكر طرقهم وأسانيدهم. وذكره الكتاني والسيوطي في الأحاديث المتواترة، فقد روي عن ثمانية عشر صحابيًّا، وقد ضعَّف أحاديث التخليل بعض المحدِّثين، وتكلَّموا في أسانيدها؛ كالعقيلي، وابن حزم، والزيلعي. قال الإمام أحمد وأبو حاتم: ليس في تخليل اللحية شيءٌ صحيحٌ. * مفردات الحديث: - لحيته: اللحية: شعر العارضَيْن والذَّقَنِ، جمعه: لحًى، بكسر اللام وضمها. * ما يؤخذ من اللحية: ١ - مشروعية تخليل اللحية في الوضوء، وهو تفريقها وإسالة الماء فيما بينها؛ ليدخل ماء الوضوء خلال الشعر، ويصل إلى البشرة.

стр. 215

٢ - الشعر الذي في الوجه قسمان: أحدهما: أنْ يكون خفيفًا، ترى البشرة من ورائه؛ فهذا يجب غسله، وغسل ما تحته من البشرة. الثاني: أنْ يكون كثيفًا، وذلك بأنْ لا ترى البشرة من ورائه، فهذا يجب فيه غسل ظاهره، ويستحب تخليل باطنه، وأمَّا في الغُسْلِ: فيجب غسله، وإيصال الماء إلى البشرة، وأصول الشعر. ٣ - هذا التفصيل والبيان جاء من التتبع، والاستقراء للوضوء الشرعي، فما ظهر من الوجه يجب غسله، ومنه ما تحت الشعر الخفيف، وما استتر منه لكثافة الشعر، كلحيته ﷺ ، فالمشروع تخليلها. ***
следующие страницы →