* خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ المعدن شيء غير الركاز، كما تقدم.
وذهب الحنفية إلى: أنَّ المعدن هو الركاز.
واختلف الثلاثة في المعدن:
فذهب المالكية والشافعية إلى: أنَّ المعدن هو الذهب والفضة.
وذهب الحنابلة إلى: أنَّ المعدن كل متولد من الأرض من غير جنسها، ليس نباتًا، سواء كان جاريًا؛ كالنفط والقار، أو جامدًا؛ كالحديد والنحاس والذهب والفضة.
والحق ما ذهب إليه الحنابلة، كما تقدم تعريفه عن علماء الكيمياء، الذين هم أصحاب الاختصاص والخبرة.
والمعادن ثلاثة أنواع:
١ - جامد: وينطبع بالنار؛ كالذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، والزئبق.
٢ - جامد: لا ينطبع ولا يذوب بالنار؛ كالجص، والنورة، والكحل، وسائر الأحجار، كالياقوت والملح.
٣ - مائع: كالنفط "البترول"، وقار وهو الزفت.
***
стр. 1542
باب صدقة الفطر
مقدمة
أصل الفطر أن يقال: فطر ناب البعير: إذا انشق موضعه للطلوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار]، أي: انشقت، فكان الصائم يشق صومه بالأكل.
وصدقة الفطر هي الزكاة التي سببها الفطر من صيام شهر رمضان، نسبت إلى الفطر من باب تسمية المسبب بسببه.
والأصل في مشروعيتها: عموم الكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى].
والأحاديث فيها صحيحة.
وأجمع المسلمون على وجوبها، وسند الإجماع ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر: "أنَّ رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان".
قال جمهور علماء السلف والخلف: معنى "فرض": ألزم وأوجب.
فُرضت في السنة التي فرض فيها صيام رمضان، وهو السنة الثانية للهجرة، والحكمة في مشروعية هذه الزكاة ما جاء في سنن أبي داود (١٦٠٩) عن ابن عباس قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطمعةً للمساكين"؛ فهي ترقع خلل الصيام، وهكذا كل عبادة تتعلَّق بعبادة أخرى، فإنَّها تكون مكملة لها، ومتممة لما نقص منها.
ويوضحها حِكَم وأسرار، منها ما يتعلق بالصائمين، فتطهرهم مما أصاب
стр. 1543
صيامهم من نقص وخلل، وهي أيضًا شكر لله تعالى على أنْ منَّ على عباده بتكميل صيام شهر رمضان، وشكر لله تعالى على أن متعهم بدوران الحول عليهم، فدار عليهم بصحة في أبدانهم، وسلامة في أديانهم، وأمن في أوطانهم.
ومنها ما يتعلَّق بتكافل المجتمع الإسلام بسد خلل المحتاجين، وإطعام الجائعين في هذا اليوم -يوم العيد-وإشاعة السرور والفرح، وإدخال المحبة والمودة في قلوب بعضهم بعضًا؛ ليكون المسلمون كلهم في مستوى واحد، من الغنى والكفاف عن التعرض للسؤال، والحاجة إلي مد اليد في يوم كل مسلم يحب أن يظهر فيه بمظهر الغنى، فحِكم الله وأسراره في شرعه كثيرة.
***
стр. 1544
٥١٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "فرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأمَرَ بِهَا أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَلاِبْنِ عَديٍّ وَالدَّارَقُطنِيِّ بإسنَادٍ ضَعِيفٍ: "أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هذا اليَوْمِ" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الزيادة ضعيفة.
قال المؤلف: ولابن عدي والدارقطني بإسناد ضعيف زيادة: "أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم".
وفيه محمَّد بن عمر الواقدي.
كما أنه جاء من رواية نجيح السندي الملقَّب: أبا معشر.
قال ابن الملقن والحافظ: إنَّه ضعيف، وضعَّفه ابن المديني والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث.
* مفردات الحديث:
- فرض: يحتمل وجهين: أحدهما -وهو الأظهر-: أوجب، والآخر بمعنى قدر.
стр. 1545
وقال ابن دقيق العيد: أصل معنى الفرض في اللغة: التقدير، ولكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى من الحمل على معناه الأصلي.
- زكاة الفطر: قال النووي: هي لفظة مولدة ليست عربية، بل اصطلاحية للفقهاء؛ كأنها من الفطرة التي هي النفوس، والخِلقة؛ أي: زكاة الخلقة.
قال العيني: لو قيل: لفظة إسلامية لكان أوفى؛ لأنَّها ما عرفت إلاَّ في الإسلام، فهو اسمها على لسان صاحب الشرع، ويقال لها: صدقة الفطر، وزكاة الفطر، وفي حديث ابن عباس: "زكاة الصوم"، وحديث أبي هريرة: "صدقة رمضان".
- صاعًا: الصاع النبوي (٣ كيلو غرامات) من الحنطة الرزينة الجيدة.
- إلى الصلاة: المراد بها صلاة عيد الفطر.
- أغْنوُهُم: المراد هنا: أعطوهم ما يكفيهم ويغنيهم ذلك اليوم؛ ذلك أنَّ الغنى أنواع، يفسر في كل بابٍ بما يناسبه، فالغني في باب أهل الزكاة: من عنده كفاية سنة، وفي باب زكاة الفطر: من عنده ما يزيد عن قوت يومه، وفي باب إخراج الزكاة: من عنده نصاب، وفي باب النفقات: من عنده ما ينفقه على مَن عليه مؤنته.
- عن الطواف: من طاف الشيء يطوف طوفًا وطوافًا: استدار به، ومنه: الطوَّاف الذي يدور على الناس لسؤالهم، وهو المراد هنا.
- في هذا اليوم: هو يوم عيد الفطر، وما يتبعه من أيام الزينة.
- من المسلمين: حال لـ"العبد" وما عطف عليه، قال الطيبي: وتنزيلها على المعاني المذكورة على ما يقتضيه علم البيان، أنَّ المذكورات جاءت مزدوجة على التضاد للاستيعاب، لا للتخصيص؛ لئلا يلزم التداخل، فيكون فرض رسول الله ﷺ على جميع الناس من المسلمين.
стр. 1546
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أجمع العلماء على وجوب زكاة الفطرة؛ أخذًا من قوله: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر" فالفرض: هو الواجب.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ صدقة الفطر واجبة.
٢ - أنَّها تجب على كل مسلم: ذكر أو أنثى، حرٍّ أو عبد، صغيرٍ أو كبيرٍ.
٣ - أنها لا تجب على الجنين.
واستحب كثير من العلماء إخراجها عنه؛ فقد ورد عن الصحابة أنَّه كان يعجبهم إخراجها عن الحمل، وكان عثمان ﵁ يخرجها عنه.
٤ - أنَّ الأفضل في وقت إخراجها أن تؤدى صبح العيد قبل خروج الناس لصلاة العيد، ويأتي توضيحه إن شاء الله تعالى.
٥ - أنَّ من حِكَم هذه الزكاة إغناء الفقراء في يوم العيد؛ لئلا يبتذلوا أنفسهم بالسؤال، في يوم يود كل مسلم أن يظهر فيه بمظهر الغنى، وهو يوم فرحٍ وسرورٍ عامٍّ للمسلمين.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في وقت إخراج زكاة الفطر:
فذهب أبو حنيفة إلى: جواز تقديمها لحول أو حولين، قياسًا على زكاة المال.
وذهب الشافعية إلى: جواز تقديمها من أول شهر رمضان.
وذهب مالك إلى: أنَّه لا يجوز تقديمها مطلقًا، كالصلاة قبل وقتها.
وذهب الحنابلة إلى: جواز تقديمها قبل العيد بيومين، وبهذا حصل اتفاق الأئمة الثلاثة وأتباعهم على جواز إخراجها معجلة قبل العيد بيومين فقط؛ لما روى البخاري (١٤١٥) قال: "كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين"
стр. 1547
يريد، الصحابة، ولأنَّه لا يحصل إعدادها إذا لم تقدم هذا التقديم، ولهذا اختار شيخنا عبد الرحمن السعدي استحباب تقديمها بيوم أو يومين.
واختلف العلماء في زمن وجوبها:
فذهب الحنفية إلى: أنَّها تجب بطلوع فجر يوم عيد الفطر.
قالوا: لأنَّ الصدقة أضيفت إلى الفطر، والإضافة للاختصاص، والاختصاص للفطر باليوم دون الليل، فمن مات قبل طلوع الفجر، لم تجب فطرته، ومن أسلم أو ولد بعد طلوعه الفجر، لم تجب فطرته.
وذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة- إلى: أنَّها تجب بغروب شمس ليلة عيد الفطر؛ لأنَّه أول فطر يقع من جميع رمضان بمغيب الشمس في ليلة الفطر، فمن مات بعد الغروب وجبت عليه، ومن ولد أو أسلم بعده، فلا تجب عليه؛ لعدم وجود سبب الوجوب عليه.
***
стр. 1548
٥١٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ صَّاعًا مِنْ طَعَام، أوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ (١).
وَفِي رِوَاَيةٍ: أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ" (٢).
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "أَمَّا أنا، فَلاَ أزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (٣).
وَلأبي دَاوُدَ: "لاَ أُخْرِجُ أَبَدًا إِلاَّ صَاعًا" (٤).
ــ
* مفردات الحديث:
- طعام: قال الجوهري: الطعام في اللغة: ما يؤكل، وربَّما خصَّ الطعام بالبُرِّ.
وقال الكرماني: لا نزل في أنَّ الطعام بحسب اللغة عامٌّ بكل مطعومٍ، والعطف على الطعام قرينة على إرادة المعنى العُرفي منه، وهو البُر بخصوصه، وأيضًا فإنَّه لو لم يُرِد بالطعام هنا الحنطة، لذكرها عند التفصيل، كذلك سائر أقواتهم.
- زبيب: وحداته "زبيبة"، وهو اسم جمع، يذكر ويؤنث، وهو ما جف من العنب
- أقط: -بفتح الهمزة وكسر القاف بعدها طاء مهملة-: هو اللبن المحمض، يطبخ حتى يتبخر ماؤه ويصبح كالعجينة، ثم يعمل منه أقراص تؤكل رطبةً
стр. 1549
ويابسةً، فإن أكل عجينة قبل أن يقرص، فتسميه البادية: لتيحا.
- أما أنا ... إلخ: قال أبو سعيد ذلك ردًّا على من قال: إنَّ مدَّيْن من حنطة الشام تعادل صاعًا من التمر وغيره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية إعطاء زكاة الفطر من هذه الأجناس الخمسة: الحنطة، والتمر، والشعير، والزبيب، والأقط.
٢ - حكمة هذا التوزيع -والله أعلم-: التسهيل على المخرِجين، فكل أهل قطر يخرجون مما عندهم، فلا يكلفون مما ليس لديهم، كما أنَّ إغناء الفقراء يكون من الطعام الذي يأكله جمهورهم.
٣ - كانت زكاة الفطر تُخرجُ صاعًا من أحد هذه الأجناس الخمسة في عهد النبي ﷺ ، فلما وردت الحنطة السمراء من الشام إلى المدينة زمن معاوية، وقدم المدينة سنة حجته -قال: أرى أنَّ مدًّا من الحنطة عن مُدَّين من غيرها؛ لجودتها ونفعها، فقال أبو سعيد الخدري: أما أنا فلا أزال أخرجها كما كنت أخرجها زمن النبي ﷺ ، فلا أخرج أبدًا إلاَّ صاعًا. [رواه مسلم (٩٨٥)].
وهذا هو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور.
وذهب أبو حنيفة إلى: أنَّه يجزىء من الحنطة نصف الصاع، ومال ابن القيم في "الهدي" إلى تقوية أدلة هذا الرأي.
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: هو قياس قول أحمد في الكفارات، والأحوط هو مذهب الجمهور من إخراج الصاع مطلقًا.
* خلاف العلماء
ذهب الإمام أحمد إلى: تحديد إخراج الفطرة من هذه الأجناس الخمسة المنصوص عليها بهذا الحديث، إن لم تفقد هذه الأجناس، فإن عدمت، أجزأ
стр. 1550
كل حب وتمر يقتات.
وذهب الإمامان: مالك والشافعي إلى: أنَّها تجزىء بكل حب وثمر يقتات، ولو قدر على الأجناس الخمسة المذكورة في الحديث.
وهو قول أكثر العلماء ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام وابن القيم، وهو أصح القولين؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولأنَّ الأصل في الصدقات أنَّها تجب على وجه المساواة للفقراء، ولأنَّ هذه الخمسة المذكورة في الحديث قوت أهل المدينة، ولو لم تكن عندهم قوتًا لم يكلفهم أن يخرجوا إلاَّ مما يقتاتونه.
قال ابن القيم لما ذكر الأنواع الخمسة: وهذه كانت غالب أقواتهم في المدينة، أما إذا كان أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنَّما عليهم صاع من قوتهم، فإن كان قوتهم من غير الحبوب؛ كاللبن واللحم والسمك، أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنًا ما كان, هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم.
* فائدة:
أفضل هذه الأصناف الخمسة وغيرها من أجناس الأطعمة -أنفعها للمتصدَّق عليه، الذي يحصل به الإغناء المطلوب في ذلك اليوم.
***
стр. 1551
٥١٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَهًّ لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكينِ، فَمَنْ أدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ، زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني (٢/ ١٣٨) والحاكم والبيهقي (٧٤٨١) من طريق مروان بن محمد قال: حدثنا أبو يزيد الخولاني قال: حدثنا سيَّار بن عبد الرحمن الصدفي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر ... " الحديث، قال الدارقطني: ليس فيهم مجروح، وسنده حسن، فهم ثقات صادقون
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي وابن الملقن، والسند قد حسَّنه النووي في "المجموع"، كما حسَّنه ابن قدامة في "المغني"، وأبو محمَّد المقدسي
* مفردات الحديث:
- طهرة للصائم: الطهر هو: النقاء من الدنس والنجس الحسي، وهنا طهرة من الأدناس المعنوية؛ كالبخل والشح وغيرهما.
- اللغو: هو الكلام الذي لا يعتد به، قال الراغب: وقد يسمى كل كلام قبيح:
стр. 1552
لغوًا؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥].
- الرفث: يقال: رفث يرفث رفثًا، من باب طلب: أفحش في منطقه، والرفث: الجِماع، ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] قيل: الجِماع ومقدماته، وقيل: الفحش في القول.
- طُعمة للمساكين: بضم الطاء: الطعمة: الرزق، وجمعها "طُعم" مثل: غرفة وغرف، والطعمة المأكلة.
- من أدَّاها قبل الصلاة: أي: صلاة العيد.
- صدقة من الصدقات: العامة يعني أنَّها لم تُجزِ عن زكاة الفطر، وإنما هي صدقة تطوع مطلقة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوب زكاة الفطر، وتقدم أنَّه إجماع المسلمين.
٢ - أنَّ من حِكمِهَا وأسرار تشريعها أنَّها تطهِّر الصائم مما حصل منه أثناء صيامه من لغو الكلام، ومما قد يكون اقترفه من رفث مع زوجته أو غيرها.
كما أنَّ من حِكمتها أنَّها مواساة للفقراء والمساكين، وإطعام لهم في هذا اليوم، الذي ينبغي للمسلمين ألا يوجد بينهم مَن هو في حالة جوعٍ وبؤسٍ يشغله عن مشاركة المسلمين في فرحهم وعيدهم.
٣ - يجب إخراجها قبل صلاة العيد، ويحرم تأخيرها عن الصلاة.
٤ - إن أداها قبل الصلاة فهي زكاة فطر، أجزأت عن الواجب، وإن أخَّرها عن الصلاة، فإنَّها عبادة فات محلها، وباء بإثم تأخيرها.
وهذا الذي أخرجه بعد الصلاة هو صدقة من جملة صدقات التطوع.
٥ - قوله: "طهرة للصائم" هذا دليل قلة من العلماء ذهبوا إلى أنَّها لا تجب في حق الأطفال، ولكن جمهور العلماء أوجبوها على الصغير والكبير؛ لعموم
стр. 1553
النصوص، ولأنَّ العلة مركبة من عدة أمور، ولعل من أهمها: طعمة المساكين ذلك اليوم، الذي لا ينبغي أن يوجد مسلم إلاَّ وهو مشارك في فرحة العيد وسروره، والتوسع فيه في المأكل والمشرب والملبس.
* خلاف العلماء:
الأفضل إخراجها فجر يوم العيد قبل صلاتها، وهذا قول فقهاء المذاهب الأربعة، فإن أخرجها بعد الصلاة في يومه، كره عند الجمهور، ومنهم الشافعية والحنابلة وحرم بعده.
وذهب ابن حزم إلى تحريم تأخيرها عن الصلاة وعدم إجزائها؛ لقوله ﷺ : "من أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات"؛ وهذا هو الصحيح من قول العلماء، والله أعلم.
***
стр. 1554
باب صدقة التطوع
مقدمة
الأصل في التطوع: فعل الطاعة، وشرعًا وعرفًا: طاعة غير واجبة.
قال شيخ الإسلام: التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة، إن لم يكن أتمها.
وصدقة التطوع مستحبة كل وقت إجماعًا؛ فقد حثَّ عليها الله تعالى، وأمر بها، ورغَّب فيها؛ فقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]
وروى الترمذي (٦٦٤)، عن أنس ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ الصدقة لتطفىء غضب الرب، وتدفع مِيْتة السوء"
وإخفاء صدقة التطوع أفضل؛ لما جاء في البخاري (٦٢٩)، ومسلم (١٠٣١ عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظله ... "، وذكر منهم: "رجلاً تصدَّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تُنْفق يمينه".
والصدقة في الصحة أفضل منها في غيرها؛ لقوله ﷺ : "تصدق وأنت صحيح شحيح" [رواه البخاري (١٣٥٣)].
وفي رمضان أفضل منها في غيره؛ لما في البخاري (٦) ومسلم (٢٣٠٨) عن ابن عباس قال: "إنَّ النبيَّ ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان".
وهي في وقت الحاجة أفضل منها في غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي
стр. 1555
يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ [البلد].
والصدقة على ذي الرحم أفضل من غيره مع تساوي الحاجة؛ لأنَّها صدقة وصِلة رحم؛ لقوله ﷺ : "الصدقة على ذي رحم اثنتان: صدقة، وصلة" [رواه أحمد (١٥٦٤٤)]، وتستحب الصدقة بالفاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه، فإن تصدق بما ينقص مؤنة مَن تلزمه نفقته أثِم؛ لقوله ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت" [رواه مسلم (٩٩٦)].
ووفاء الدين مقدَّم على الصدقة؛ لوجوبه.
وتجوز صدقة التطوع على: الكافر، والغني، وبني هاشم، وغيرهم ممن مُنع الزكاة، ولهم أخذها؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨] والأسير لا يكون إلاَّ كافرًا.
ولا تستقلَّ الصدقة فيستحب الصدقة بما تيسر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة].
ولما في البخاري (١٣٥١)، ومسلم (١٥١٦) من حديث عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "اتَّقوا النار، ولو بشق تمرة".
ويحرم المنّ بالصدقة، ويحبطها ويمنع ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
ويكره تعمد التصدق بالرديء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
ويستحب تعمد أجود ماله وأحبه إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
стр. 1556
٥٢٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظلُّهُ ... " فَذَكَرَ الحَديثَ.
وفِيه: "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنه". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- سبعة: أي: سبعة أشخاص، وإنما قدر هكذا؛ ليشمل النساء، فالأصوليون ذكروا أنَّ أحكام الشرع عامة لجميع المكلفين.
سبعة: التنصيص بالعدد في شيء لا ينفي ما عداه.
- يظلهم الله: جملة محلها الرفع على أنَّها خبر للمبتدأ، الذي هو "سبعة"، وجاء في رواية سعيد بن منصور بإسناد حسن: "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه"، ومعنى "يظلهم": يسترهم.
- حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه: هكذا روايات البخاري وغيره، ولكن جاء في مسلم مقلوبًا، وهو: "حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله".
قال القاضي عياض: جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم جاء فيها الترتيب مقلوبًا، والصواب الأول؛ لأنَّ السنة المعهودة إعطاء الصدقة باليمين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه إثبات البعث والجزاء الأخروي، وهو مما علم من الدين بالضرورة.
٢ - فيه إثبات نزول الشمس يوم القيامة، وقربها من العباد في المحشر، حتى
стр. 1557
يبلغ بهم العرق، كلٌّ على حسب عمله.
٣ - فيه فضل الصدقة، وأنَّها سبب السعادة في الدار الآخرة.
٤ - فيه فضل السر فيها، والحرص على إخفائها؛ ليكون صاحبها من السبعة السعداء، الذين يستظلون بظل الله تعالى يوم القيامة، يوم لا ظل يقيهم من ألسنة الشمس المحرقة إلاَّ ظل الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
يعني: إخفاء الصدقة أفضل من إعلانها، إلاَّ إذا كان هناك مصلحة راجحة في إعلانها، كأن يكون قدوة لغيره في الخير، ووثِقَ من نفسه من مخالطة الرياء.
٥ - الحِكمة في إخفائها: بُعدها عن الرياء، الذي هو من أسباب حبوط العمل، وردَّه على صاحبه، ولعلَّ في هذا احترامًا لشعور الفقير، بلحوق الذل والانكسار إليه.
٦ - قوله: "ورجل تصدق" لا مفهوم له؛ فإن المرأة كذلك.
٧ - قال في "الشرح": واعلم أنَّه لا مفهوم للعدد، فقد ورد خصال أُخر تقتضي الظل بلغ بها في "فتح الباري" إلى ثمان وعشرين خصلة، وبلغ بها السيوطي إلى سبعين.
* فائدة:
عبادات الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: كف عن محبوب؛ وذلك مثل الصلاة، والصيام، وترك الشهوات.
الثاني: بذل لمحبوب؛ وذلك مثل الزكاة، والصدقات، والحج.
وحديث السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلاَّ ظله جاء على هذا التقسيم، فهو إمَّا كف عن محبوب، كالذي يرابط في المساجد، ويدع
стр. 1558
محبوباته، وكالذي اعتصم عن محبوبته ومعشوقته، والشاب الذي كف عن نزوات الشباب ومغرياته، وكالإمام العادل الذي تنزه عن الأثرة والسلطة المطلقة.
وأما البذل فهو المتصدق الذي بذل صدقته وأخفاها، حتى لا يذوق حلاوة الثناء والدعاء.
***
стр. 1559
٥٢١ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يقُولُ: "كُلُّ امْرِىءً فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ، حَتَّى يُفْصَلَ بيْنَ النَّاسِ". رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
رواه الإمام أحمد (١٦٦٩٥)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي على ذلك، قال المنذري: الحديث صحيح، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وقال في "المهذب": إسناده قوي، وصححه السيوطي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب صدقة التطوع، وفضلها، والحث عليها، وأنَّها من أسباب تخفيف أهوال يوم القيامة.
٢ - أنَّ صاحبها يكون في ظلها يوم القيامة، حتى يقضى بين الناس في ذلك الموقف، الذي فيه ما جاء في صحيح مسلم (٢٨٦٤) عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة، أُدْنِيت الشمس من العِباد، حتى تكون على قدر ميل أو ميلين، فتصهرهم، ويكون العرق على قدر أعمالهم، منهم من يأخذه على عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا".
٣ - في الحديث إثبات يوم القيامة، والحساب، والفصل بين العباد، وهذا من
стр. 1560
أمور العقيدة التي يجب الإيمان بها، كما جاءت عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ .
* فائدة:
الزكاة والنفقة الواجبة أفضل من صدقة التطوع، فقد وصف الله تعالى الزكاة بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
فهي مزكية للنفوس، ومطهرة من الذنوب.
وقد جاء في الحديث القدسي ما رواه البخاري (٦١٣٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قال تعالى: "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترَضْتُهُ علَيهِ".
***
стр. 1561
٥٢٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ، أطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتومِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ لِينٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
فيه يزيد بن عبد الرحمن "أبو خالد الدالاني"، قال المنذري: أثنى عليه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد. اهـ.
وتقدم أنَّ ابن حجر قال: في إسناده لين، بينما حسَّنه السيوطي في الجامع الصغير.
قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٦٦): روي موقوفًا على أبي سعيد، وهو أصح وأشبه. اهـ.
لكن هذا الموقوف مما لا مجال للرأي فيه.
وقال النووي: إسناده جيد، وحسَّنه المنذري.
* مفردات الحديث:
- أيما: "أي" اسم مبهم متضمن معنى الشرط، وهي معربة بالحركات؛ لملازمتها الإضافة إلى المفرد، نحو "أي امريء ... " وقد يحذف المضاف إليه فيلحقها التنوين عوضًا منه؛ نحو ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ وقد تلحقها "ما" الزائدة
стр. 1562
-كما في هذا الحديث- فتكون للتوكيد.
وفعل الشرط "كسا"، وجوابه "كساه الله".
- عُري: مصدر: عَرِي الرجل من ثيابه يعرى عُرْيًا وعُرية، من باب علم، نقيض لبس، فهو عارٍ وعريان، والمرأة عارية وعريانة، وقوم عراة، ونساء عاريات.
- ظمأ: من ظمىء الرجل يظمأ ظمأً: اشتد به العطش، فهو ظامىء وظمآن، والظمأ: شدة العطش.
- خُضر الجنة: جمع "أخضر"؛ أي: من ثيابها الخضر، فهو من إقامة الصفة مقام الموصوف، كما ذكره الطيبي.
- الرَّحيق: بفتح الراء المهملة بعدها حاء مهملة مكسورة، وبعدها ياء مثناة تحتية ثم قاف.
قال أهل اللغة: هو من الخمر ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده، فهو أجود الخمر، مما عتق وصفًا.
- المختوم: يقال: ختم الإناء يختمه ختمًا -من باب ضرب-: سدَّ فاه، فختم الإناء: سدَّه بالطين ونحوه؛ لحفظه من التلويث، والمعنى: آنية مختومة مصونة من أي تلوث، وختامها الذي سدت به هو المسك، فهذا كله لكمال نفاستها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث فضل صدقة التطوع، والحث عليها، وأنَّها من أسباب الحصول على نعيم الجنة.
٢ - أنَّ أفضل ما تكون الصدقة إذا وافقت حاجة في المتصدق عليه، كأن يُكسى على عري، وأن يُطعم على جوع، وأن يسقى على ظمأ، فإنَّ النفع يكون أعظم.
٣ - في الحديث إثبات نعيم الجنة وأنواعه وأشكاله؛ وأنَّ الجزاء من جنس
стр. 1563
العمل، فمن كسا كُسِيَ، ومن أطعم أُطْعم، ومن سَقَى سُقِي، وَمَا يُكسى وَيُطعم، ويُسقَى خير مما أعطاه في الدنيا، فما ذكر من النعيم إلاَّ أسماؤه، أما النعيم حقيقة فنعيم الجنة لم تره عين بشر، ولم تسمعه إذنه، ولم يخطر على قلبه.
٤ - قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]، فهذا أفضل الصدقة، وأجل الإيثار حينما تكون القلوب إلى المال طامحة، والنفوس فيه راغبة، ثم جاء الوارد الإلهي، والرغبة الصادقة فيما عند الله تعالى، فتقوى على الشهوات النفسية، والغرائز الجسدية، فيُؤْثِر المؤمن غيرَه بما عنده على نفسه المحتاجة.
قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
والإيثار معناه: تقديم الناس المحتاجين على أنفسهم، في حالٍ هم محتاجون إلى ذلك، وهي درجة أعلى من درجة الذي أنفقوا من أموالهم الشيء الذي ليس لهم به حاجةٌ، ولا ضرورةٌ.
***
стр. 1564
٥٢٣ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- اليد العليا واليد السفلى: جاء في الصحيحين: أنَّ اليد العليا هي المنفِقة، والسفلى هي السائلة، قال النووي: المنفِقَة أعلى من الآخذة، والمنفقة أعلى من السائلة.
- ابدأ بمن تعول: فتشمل صدقة التطوع، والواجب، والإنفاق على العيال.
- تعُولُ: العيلة: الفاقة والحاجة، يقال: عال عيالة عولاً: كفاهم معاشهم ومؤنهم، وعال اليتيم: كفله وقام به.
- عن ظهر غِنًى: تعبير يراد منه التمكن من الشيء والاستواء عليه، وجاء التنكير فيه للتعميم؛ أي: ما كان عفوًا قد فضل عن غنًى، وعما زاد عن نفقة العيال، "والظهر" هنا: لفظة زائدة، جاءت اتساعًا، وتمكينًا للسياق.
- من يستعفِف: يطلب العفة، فـ"من" شرطيةٌ، تجزم فعلين: "يستعفف" فعل الشرط، وجوابه "يعفه"، والتعفف: هو الكف عن الحرام، وسؤال الناس.
- يُعْفه الله؛ يُقال: عف عن المسألة، واستعف أي: كف، فهو عف، وعفيف، ويعفه الله؛ أي: يصير عفيفًا، فيرزقه الله العفة، ويوفقه لها، ويغنيه عما في أيدي الناس.
стр. 1565
- من يستغن: يظهر الغنى.
- يغنه الله: أَي: يرزقه الغنى عن الناس، فلا يحتاج إلى أحد.
- الصدقة: استعيرت الصدقة هنا للحث على الإنفاق، وللمسارعة فيما يرجى ثوابه.
***
стр. 1566
٥٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ المُقِلِّ، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح، صححه ابن خزيمة وابن حبان الحاكم، ووافقه الذهبي.
* مفردات الحديث:
- أي: من أدوات الاستفهام، فهي اسم مبهم يستفهم به عن الشيء، فيطلب بها تعيين الشيء؛ نحو: أي الصدقة أفضل؟.
- جُهد: بضم الجيم المعجمة وسكون الهاء؛ أي: الطاقة والوُسع، قدر طاقته، ووسعه، وأما بالفتح فهو المشقة.
- المُقِل: بضم الميم وكسر القاف آخره لام، والمُقِلّ: من كان قليل المال.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي المعطاة، فاليد العليا خير من السفلى؛ لأَنَّها المحسنة، وتلك المحسَن إليها، ولأنَّها المنفِقة، وتلك المنفق عليها، فالمتفضلة بالخير هي المعطية.
٢ - في هذا حثٌّ للأغنياء على الإحسان، وإعطاء المحتاجين، ومواساة إخوانهم الفقراء بشيء من فضول أموالهم، بسد حاجتهم، وبرفْد فاقتهم.
стр. 1567
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا، ومن أبلغها أنَّ الله جعل الصدقة على الفقراء إقراضًا له، فقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾ [الحديد: ١١].
٣ - صدقة التطوع لا تكون إلاَّ بما زاد عن حاجة الإنسان، وحاجة من يمونه ممن تجب عليه نفقته؛ فقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم (٩٩٦) قال رسول ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يقوت" فإن تصدق بما ينقص مؤنتهم وحاجتهم أثم، لأنَّه عدل عما خوطب به، ووجب عليه إلى ما لم يخاطب به، فأضاع من تلزمه مؤنتهم.
٤ - أنَّ الصدقة الواقعة موقعها هي التي يؤديها صاحبها عن غنًى، وفي شيء زائد عن الضرورات، والحاجات الخاصة به، وبمن يمونه.
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] والعفو هو ما فضل وزاد عن الحاجة.
٥ - فيه استحباب التعفف حتى مع الحاجة، فلا يسأل ولا يستشرف إلى ما في أيدي الناس، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] والتعفف معناه طلب العفة لنفسه عما في أيدي الناس، وكفّها عن سؤالهم.
٦ - يستحب إظهار الغنى، والصبر رضا بأمر الله تعالى، وقناعةً بما عنده، وإن قلَّ، فيعف عما في أيدي الناس.
كما أنَّ من كان غنيًّا، فسأل الناس، أو أظهر الفاقة؛ ليحتال على الإعطاء -فهذا قد غش وكذب، وأخَذَ حرامًا.
أما من استغنى وعفَّ عما في أيدي الناس، فإنَّ الله تعالى يغنيه بأن يسد حاجته وخلته، ويجعل في قلبه القناعة والغنى، فليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس.
стр. 1568
٧ - أفضل الصدقة جهد المُقل، وذلك بأن يتصدق بالفاضل عن حاجته وحاجة عياله، ولو لم يكن صاحب مال وافر، وبهذا فإنَّ هذه الجملة لا تعارض الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري (١٣٦١) ومسلم (١٠٣٤): "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" فلكل منهما محمل ومعنى، فلابد من تقييد جهد المقل بما زاد عن كفايته، وكفاية من يمونه.
٨ - أنَّ من لم يطلب العفاف والغنى لم يُوفَّق لذلك، بل يبقى قلبه متعلقًا فيما حرَّم الله تعالى من الشهوات، ويفتح له أبوابًا إلى المحرَّمات، وهذا هو مفهوم قوله: "ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله".
* فوائد:
الأولى: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- حديث: "سبق الفقراء بخمسمائة عام" لا يدل على فضلهم على الأغنياء، بل بعض الأغنياء الذين يدخلون بعدهم يكونون أرفع درجة منهم.
وهذا له شواهد كثيرة من أنَّ الفضيلة الخاصة لا تدل على الفضيلة العامة.
الثانية: وفاء الدين مقدم على صدقة التطوع؛ لأنَّ وفاء الدين واجب، وحقوق العباد عظيمة؛ ولذا جاء في الحديث الصحيح: أن الشهادة في سبيل الله تكفر الذنوب إلاَّ الدَّين.
وقال شيخ الإسلام: ومثل الدَّين جميع حقوق العباد، ومظالمهم.
الثالثة: صدقة التطوع يجوز إعطاؤها الكافر، والغني، وبني هاشم، وغيرهم ممن مُنع الزكاة.
الرابعة: المنُّ بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب، ويبطلِ ثوابها، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
الخامسة: قال أبو قلابة: أي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار،
стр. 1569
يعفهم ويغنيهم؟ فقد جاء في صحيح مسلم (٩٩٤): "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله".
السادسة: قال شيخ الإسلام: إعطاء السائل فرض كفاية إن صدق في مسألته.
وقال القرطبي: اتَّفق العلماء على أنَّه إذا نزل بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة، فإنَّه يجب الصرف إليها.
قال في "الإقناع": وليس في المال حقٌّ واجبٌ سوى الزكاة اتفاقًا، مع أنَّه يجب إطعام الجائع ونحوه إجماعًا، وهذا مما يجب عند وجود سببه.
***
стр. 1570
٥٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، عِنْدِي دِيْنارٌ؟ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أنْتَ أَبْصَرُ بِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في "التلخيص": رواه الشافعي وأحمد (٩٧٠٥) والنسائي وأبو داود وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة. اهـ.
وقد صححه ابن حبان، والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي.
قال الألباني: كونه على شرط مسلم فيه نظر، فإنَّ فيه محمَّد بن عجلان، وهو حسن الحديث.
* مفردات الحديث:
- تصدق به على نفسك: أي: أنفِقه على نفسك، عبر عن الإنفاق بالتصدق؛ إشارة إلى أنَّ الإنفاق على أهل الحقوق له مثل الصدقة في الأجر.
- أنت أبصر به: أي: أدرى بحالك، وشأنك به.
стр. 1571
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية صدقة التطوع؛ فقد أمر بها النبي ﷺ ، والصارف للأمر عن الوجوب ما روى الترمذي (٦١٨) وابن ماجه (١٧٧٨) عن ابن عباس؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك".
وقال في "الإقناع وشرحه": وليس في المال حق سوى الزكاة اتفاقًا، وما جاء حمل على الندب.
٢ - يبدأ الإنسان بالنفقة الواجبة قبل صدقة التطوع، فإذا كان ما عنده بقدر نفقة نفسه، بدأ بها على غيره، فإذا زاد ما عنده على نفقته، أنفق على ولده، ذكره وأنثاه، وتكون النفقة بقدر حاجة كل منهم، فإذا زاد عن ذلك، أنفق على خادمه، فإذا زاد عن ذلك، فهو مخير بين من ينفق عليه، لأنَّ النفقات الواجبة قضيت، ولم يبق إلاَّ نفقة التطوع.
٣ - التمييز هنا ليس تمييز هوى وأثرة، وإنما هو تمييز مصلحة، فيقدِّم في صدقته الطريق الأفضل والأحسن.
٤ - أفضل طرق الخير والإحسان هو أن ينفق على جهات خيرية: من تعليم علم، أو نشر دعوة الله تعالى، أو إنقاذ متضرري المسلمين، أو قريب محتاج، أو جار ملاصق، فينظر إلى المصالح أيها أرجح، فيقدمها لتكون صدقته كبيرة الفائدة، وواقعة في محلها، الذي يحبه الله تعالى ورسوله ﷺ .
٥ - في الحديث لم يذكر إلاَّ النفس، والولد، والخادم، ومثل ذلك الزوجة، فالنفقة عليها واجبة، ومثل هذا الوالدان، لاسيَّما في حال كِبرهما وضعفِهمَا، ولعلَّ السائل ليس عنده إلاَّ ابنة وخادمة.
٦ - في الحديث دليل على أنَّ النفقة على النفس، وعلى الولد، وعلى الخادم، وعلى كل من يمونه الإنسان -تكون صدقة، وأنَّ صاحبها مأجور عليها، إذا كان معها حضور النية الصالحة، إلاَّ أنَّ مثل هذه النفقات تكون غالبًا بدافع
стр. 1572
المودة، والشفقة، والدافع الغريزي.
ولكن الموفَّق الفِطن لا يغفل عن استحضار النية الصالحة عند الإنفاق، والقيام بالواجب الذي أمر الله به، ونهى عن إضاعته؛ امتثالًا لأمر الله تعالى ورغبةً فيما عنده، واحتسابًا لثوابه، فإذا أنفق بهذه النية الصالحة الخالصة نال الفائدتين.
***
стр. 1573
٥٢٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ طَعَامِ بيْتِهَا غَيْرَ مُفسِدةٍ، كَانَ لَهَا أجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذلكَ، لاَ يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِن أجْرِ بَعْضٍ شَيْئًا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- غير مُفسدة: أي: من إسراف أو تبذير، ومن غير أن تنقص من مؤنة أهل بيتها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه أنَّه يجوز للمرأة أن تنفق من طعام بيتها، ولو لم تستأذن زوجها في ذلك، ولكن قيَّده العلماء بما يأتي:
(أ) ألا يمنعها الزوج من ذلك، أو يكون بخيلاً فتشك في رضاه، ففي هذه الحال يحرم.
(ب) أن تتصدق بما جرت العادة بالسماح به؛ مثل الرغيف، وزائد الطعام المطهي.
٢ - مثل المرأة الخادم القائم على مال مخدومه، فله التصدق بما جرت العادة السماح به، ما لم يعلم الشح من صاحب المال، أو يمنعه من ذلك، فيحرم حينئذٍ.
٣ - مثل المرأة والخادم من يقوم في بيت الرجل: من بنتٍ، أو أختٍ، أو ولدٍ، أو أخٍ؛ فحكمهم حكم المرأة والخادم المذكورين في الحديث.
٤ - فمن أنفق من هؤلاء بهذه الصورة الجائزة، فكل واحد منهم له أجر خاص به، وهذا الأجر لا ينقص من أجر الآخرين شيئًا، ففضل الله أوسع.
стр. 1574
٥٢٧ - وَعنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ أمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أنْ أَتَصَدَّقُ بهِ، فَزَعَمَ ابنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ أتصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ ابن مَسْعُودٍ، زوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ". روَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- امرأة ابن مسعود: هي زينب بنت عبد الله بن معاوية، من قبيلة ثقيف.
- حُلِي: -بضم الحاء وكسرها مع كسر اللام وتشديد الياء، جمع حَلْي بالفتح فالسكون فالتخفيف-: هو ما تتزيَّن به المرأة من مصوغ الذهب والفضة، والحجارة الكريمة وأمثالها.
- زعم: يقال: زعم يزعم زعمًا؛ أي: قال قولاً باطلاً أو حقًّا، فهي تستعمل للضربين، وأكثر ما تقال فيما يشك في حقيقته، وهو المراد هنا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فضل صدقة التطوع.
٢ - استحبابها للأقربين من زوج وأولاد محتالمين، ولو لم تكن نفقتهم واجبة على المتصدق، فهي صدقة وصلة.
٣ - أنَّ للمرأة أن تتصدق بمالها، وتتصرف فيه بغير إذن زوجها.
стр. 1575
٤ - مبادرة نساء الصحابة ﵅ إلى فعل الخير عند سماع الموعظة.
٥ - أن للإنسان أن يتصدق ولو من أشيائه الخاصة، فيؤثر غيره على حاجته، ولكنه مقيد بما لا يخل، أو بما ينقص مؤنته ومؤنة من يعول، فإن فعله فإنه آثم.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز للزوج أن يدفع زكاته لزوجته، قال إبن المنذر: أجمع أهل العلم أنَّ الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة، وذلك أنَّ نفقتها واجبة عليه، مستغنية بها عن أخذ الزكاة، فلم يجز دفعها إليها، كما أنَّ الزوج إذا دفع زكاته إلى زوجته يوفر على نفسه النفقة، فكأنَّ زكاته عادت إليه فلم يخرجها.
واختلفوا في دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها:
فذهب الحنفية والحنابلة إلى: أنَّه لا يجوز؛ لأن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها.
وذهب المالكية والشافعية إلى: أنَّه يجوز، وهو قول في مذهب الإمام أحمد، واختاره القاضي وأصحابه، والشيخ تقي الدين وغيرهم.
فَمَن قال: إنَّه لا يجوز، حَمَلَ هذا الحديث على صدقة التطوع، وليس الصدقة الواجبة وهي الزكاة، والدليل على ذلك قولها: "كان عندي حلي لي، فأردتُ أن أتصدق به"، ولم تقل: "أتصدق منه، أو أزكيه".
وأيضًا: فإنَّ هذا كان منها بعد أن سمعت النبي ﷺ يحث على عموم الصدقة، فبادرت ﵂ بما عندها، أما الزكاة فهي شعيرة إسلامية كبيرة، وهي أحد أركان الإسلام، ولا تحتاج المبادرة إليها من النساء الفاضلات الصحابيات إلى حث واستنهاض.
أما قولها: "أيجزيء عني" فلا ينافي ذلك صدقة التطوع؛ لأنَّ المعروف
стр. 1576
أنَّ الصدقة تكون على البعيد، أما مَن تحت يد لإنسان فالنفقة عليه يدعو الدافع الغريزي للقيام بها، فهي تريد أن تثبت: هل الإنفاق عليهم منها واقع موقعه من الصدقة، أم أنَّه من النفقات العادية التي تدعو إليها الصلات العائلية؟.
وأما من حمل القصة على الزكاة فقال: إنَّ الصدقة عند الإطلاق تنصرف إلى الواجبة.
وقولها: "أيجزيء" دليل على أنَّ المراد: الصدقة الواجبة، فهي التي يسأل عن إجزائها، وبراءة الذمة منها.
أما التطوع فلا يحتاج إلى هذا السؤال، وليضعها المتصدق حيث شاء من جهات البر.
ولكن الراجح هو القول الأول، وأنَّ المراد به هنا: صدقة التطوع.
قال في "عون الباري": السياق يرجح النيل.
ويدل عليه الرواية الأخرى: "تصدَّقن، ولو من حُليكن"؛ فإنَّها تدل على إرادة التطوع، وبه جزم النووي.
كما يدل على صحة هذا القول قوله ﵊: "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم"؛ لأنَّ الولد يُعطى من الزكاة الواجبة إجماعًا، فتعين إرادة صدقة التطوع.
стр. 1577
٥٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْألُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مُزْعة: -بضم الميم وسكون الزاي المعجمة ثم عين مهملة فتاء تأنيث- هي القطعة اليسيرة تكون بقدر المضغة.
قال الخطابي: يحتمل أنَّه يأتي ساقطًا لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه؛ حتى يسقط لحمه؛ لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء.
وفي بعض النسخ: "مضغة"، والمضغة بالضم أيضًا، وكلاهما بمعنى: القطعة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث محمول على من سأل الناس تكثرًا للمال، وليس من حاجة به إليه، والذي قيَّده النصوص الكثيرة التي أقرَّت السائل عند الحاجة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ [الضحى].
٢ - الحديث يدل على تحريم المسألة من دون حاجة إليها، وإنما هو من غنًى عنها.
٣ - الغنى يكون بالمال المعد، ويكون بغلة عقار، يُدِرّ عليه ما يكفيه، ويكون بصنعة تقوم بكفايته وتغنيه، فحينئذ يحرم عليه السؤال.
٤ - الجزاء من جنس العمل؛ فحيث كان وجهه هو الذي يسأل، ويقابل الناس
стр. 1578
عند السؤال، صار العذاب يوم القيامة منصبًّا عليه، وقال الخطابي: يحتمل أن يكون ساقط القدر، ويحتمل أن يعذب حتى يسقط لحمه، عقوبةً له في موضع الجناية؛ لكونه أذلَّ وجهه بالسؤال.
٥ - في الحديث تشبيه حاله في الآخرة بحاله في الدنيا عند السؤال؛ فإنَّ السائل يسأل بوجهٍ ذليل منكسير متعبٍ مجهدٍ، يتصيب عرقًا عند ذل المسألة، فيأتي يوم القيامة بذلك الوجه الذي تعب فيه بالسؤال.
٦ - قال العلماء: إنَّ تحريم المسألة بدون حاجة مقيد بسؤاله السلطان، فإنَّه لا يحرم ولو بلا حاجة؛ لما سيأتي في حديث رقم (٥٣١) من استثناء السلطان، فإنَّ سؤاله لا مذمة فيه؛ لأنَّ السائل يسال مما له حق فيه، وهو بيت مال المسلمين، ولا منة للسلطان على السائل.
٧ - إذا أُنفق على الإنسان، أو أُهدي إليه مال، أو ورثه، وغير ذلك من مال حرام وحلال -فإن كان المأكول والمهدي هو عينا المال المكتسب من حرام، فإنَّه لا يحل، وإن لم يكن عينه، فإنَّه لا يحرم، فلك غُنْمه، وعلى صاحبه إثمه، والأولى التنزه عنه، إلاَّ للمحتاج فلا بأس.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن ذمّ المسألة:
جاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء (١٢٣) وتاريخ ٢٤/ ١٠/ ١٤٠٤ هـ ما خلاصته:
بعد استعراضه لأحوال المتسولين، وأنَّ منهم من هو محتاج فعلاً، ومنهم من اتَّخذ من التسول مهنة وحرفة، مع قدرته على الكسب بالطرق المشروعة، ومنهم المحتال والمستكثر.
وبعد المناقشة والتبادل، قرر المجلس ما يلي:
أولاً: أنَّ المسالة لا تحل إلاَّ لمن تحقَّقت فيه صفة من الصفات الثلات، المذكورة في الحديث الذي أخرجه مسلم عن قبيصة بن مُخارق [وسيأتي برقم
стр. 1579
(٥٣٤)] فمن وجدت فيه صفة من هذه الصفات الثلاث، فإنَّه يتعيَّن النظر في وضعه، ومساعدته حتى تزول حاجته، فإن لم تزل حاجته، وتندفع ضرورته، فلا مانع -والحال بما ذكر- من سؤاله إخوانه المسلمين حتى تزول ضرورته.
أما من سأل تكثرًا، أو اتَّخذ من التسول مهنةً وحرفةً، وهو قادرٌ على الكسب بالطرق المشروعة -فإنَّ ذلك لا يحل ولا يجوز، وقد تضافرت الأحاديث الصحيحة على ذم فاعله.
ثانيًا: لِما لمسه المجلس من أثر طيب لمخصصات الضمان الاجتماعي، فإنَّه يوصي بزيادة هَذه المخصصات؛ لتصبح ملائمة لسد حاجات المستفيدين منه، نظرًا لكثرة متطلبات المعيشة في الوقت الحاضر.
ثالثًا: المزيد من دعم جمعيات البر والعناية بها، فهي جديرة بذلك؛ لِمَا لَها من خدمات جليلة، وفوائد متعددة في سبيل تفقد أحوال المحتاجين، ومد يد العون، والمساعدة لهم.
***
стр. 1580
٥٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتكْثِرْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أموالهم: بدل اشتمال من "الناس"، وقد تقرر عند العلماء أن البدل هو المقصود بالذات، وأن الكلام سيق لأجله، فيكون القصد من هذا السؤال هو نفس المال.
- تكثُّرًا: مفعول لأجله أي: طالبًا لكثرة المال لا لدفع الحاجة والفقر.
- جمرًا: أي: نارًا متَّقدة يأكلها في جوفه.
- فليَستقلّ أو ليستكثر: إن شاء أخذ قليلاً، وإن شاء أخذ كثيرًا، وهذا أمر قصد به التهديد والوعيد بالعذاب الشديد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على تحريم المسألة بدون حاجة إليها، وإنما يريد أن يتكثر بجمع المال.
٢ - فالسائل الذي يسأل تكثرًا للمال، وجمعًا بدون حاجة له، إنما يجمع جمرًا يوقد عليه في نار جهنم؛ لأنَّه جمع مالاً حرامًا، فالمال المجموع بهذه الطريق حرام، والوسيلة في جمعه محرمة.
قال في "شرح الإقناع": ويحرم سؤال الزكاة، وصدقة التطوع، أو الكفارة، ونحوها وله ما يكفيه.