أقل من هذه المقادير لهذه الأشياء.
- الإبل: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، وهي مؤنث.
- أوسق: مفرده:"وسْق"، بفتح الواو وسكون السين، وحكي كسر الواو، والفتح أوضح، وبعد السين قاف، والوسق: ستون صاعًا، فيكون نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، والصاع في الموازين الحاضرة هي "٣ كيلو"، وهذا تقدير تقريبي احتياطي بالحنطة الرزينة، فيكون الثلاثمائة الصاع هي "٩٠٠ تسعمائة كيلو غرام".
وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصاع النبوي بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقن حاسم؛ وذلك لعدم وجود صاع نبوي متيقن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر ونحوها.
***
стр. 1507
٥٠٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: "لَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ، وَلا حَبٍّ صَدَقَةٌ" وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أوساق: جمع: "وسق"، قال في "المصباح": حكى بعضهم "الوسق" بكسر الواو لغةً، وجمعه "أوساق" مثل: حمل وأحمال، وأصل الوسق: الحمل لكل شيء، يقال: وسقته؛ أي: حملته.
- حب: -بفتح الحاء، وتشديد الباء-: البذر؛ مثل: القمح، أو الشعير.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الزكاة مبناها المواساة؛ لذا فإنَّها لا تجب في المال القليل الذي لا يفي بضرورات صاحبه، فهو أحق بهذا القليل من غيره.
٢ - فليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر، أو الحب صدقة، فهذه مكاسب قليلة، ومحصول ضئيل، لا تجب فيها الزكاة.
٣ - فنصاب الفضة مئتا درهم، وقدرها: (٥٩٥) غرامًا، ونصاب الإبل خمس، وما دونها ليس فيه زكاة، ونصاب الثمار والحبوب هو (٣٠٠) صاع نبوي، والصاع النبوي هو (٣٠٠٠) ثلاثة آلاف غرام.
٤ - هذا كله من العدل الرباني بين عباده؛ فإنَّ الزكاة هي مواساة ومساواة، فلا تجب إلاَّ في أموال الأغنياء، أما الفقراء فلا تجب عليهم.
стр. 1508
فالبدوي الذي لا يملك إلاَّ أربعة أبعرة، والفلاح الذي لا يحصل إلاَّ أقل من ثلاثمائة صاع، والتاجر الذي تقل أثمانه وعروضه عن مئتي درهم -هؤلاء هم مستحقون لإعطائهم من الزكاة لتكميل نفقاتهم.
٥ - قال ابن عبد البر والخطابي والنووي وغيرهم: هذا الحديث أصل في مقادير ما تتحمله الأموال من الموأساة، وإيجاب الصدقة فيها، وإسقاطها عن القليل الذي لا يتحملها؛ لئلا يجحف بأرباب الأموال، ولا يبخس الفقراء حقوقهم، فإذا بلغه النصاب وجب الحق، ولا يجب فيما دونه، وهو مذهب جماهير العلماء، ومنهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد.
٦ - في الحديث أنَّ تقدير النصاب والمخرج مردَّه إلى الشرع، لا إلى العرف، ولو رد إلى العرف لانفرط زمام الأمر؛ نظرًا لاختلاف الناس، من بخيل يمنع القليل من الكثير.
٧ - قال الخطابي وغيره: يستدل بحديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"-: أنَّها لا تجب في شيء من الخضراوات، وعليه عامة أهل العلم، وتركها ﷺ -وخلفاؤه من بعده، وهي تزرع بجوارهم، يدل على عدم وجوبها فيها، وأنَّ تركها هي السنة المتبعة.
٨ - قوله:"ليس دون خمس أواق من الورق صدقة" قال شيخ الإسلام وغيره: هو نصٌّ على العفو فيما دونها، وإيجاب لها في الخمس فما فوقها، وعليه أكثر العلماء.
وفي الصحيح: "فإن لم يكن إلاَّ تسعين ومائة، فليس فيها شيء"، وفي رواية: "وليس فيما دون المئتين زكاة" قال البخاري: كلاهما عندي صحيح، والزيادة فيهما بحسابه.
***
стр. 1509
٥٠٦ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أبِيهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ، أوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَلأَبِي دَاوُدَ: "إِذَا كَانَ بَعْلاً العُشْرُ، وَفِيْمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أوِ النَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- سقتِ السماء: أي: "المطر"، لأنَّه ينزل من السماء، وتطلق السماء على كل ما علاك.
- العيون: جمع: "عين"، هي الينابيع التي تنبع من الأرض، أو من سفوح الجبال.
- عثريًا: -بفتح العين المهملة وفتح المثلثة وكسر الراء وتشديد الياء المثناة التحتية -هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، فهو من: عثر على الشيء عثورًا؛ لأنَّه تهجم على الماء، فتعثر عليه بلا عمل من صاحبه.
-العُشْر: بضم العين مبتدأ، وخبره "فيما سقت السماء"، وتقديره: العشر واجب فيما سقت السماء.
-النَّضح: بفتح النون وسكون الضاد المعجمة فحاء مهملة، وأصل النضح: رش الماء وإساحته، وأريد به السقي، والدابة الناضحة هي التي تسقي الزرع، قال في "المصباح": ونضح البعير الماء: حمله من نهرٍ، أو بئرٍ؛ لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى: ناضحة بالهاء، والجمع: نواضح، سمي: ناضحًا؛ لأنَّه ينضح العطش، أي: يبله بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم
стр. 1510
استعمل في كل بعير، وإن لم يحمل الماء؛ كحديث: "أطعِمه ناضِحَك"؛ أي: بعيرك.
- أو كان: الضمير فيه يرجع إلى لفظ "مسقي"، وتقديره: أو كان المسقي عثَرِيًّا.
-بَعْلاً: -بفتح فسكون- هو الشجر، أو الزرع الذي ينبت بماء السماء من غير سقي، وهو مقاربٌ لمعنى العثري، أو مرادفٌ له.
- السواني: جمع "سانية"، هي الدابة من الإبل، والبقر، أو الحمر، ذاهبة وآيبة، تخرج الماء من البئر بالغرْبِ وأدواته، فالسانية التي يسقى بها، سميت سانية؛ لرفعها الماء ليسقي به الشجر والنبات
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام النووي: قد اتَّفق العلماء على المقدار المأخوذ من المعشرات، للخبر الصحيح عن ابن عمر مرفوعًا.
٢ - أنَّ الواجب في الحبوب والثمار التي سقيت بلا مؤنة، وإنما سقتْها الأمطار، أو العيون الجارية، أو البعل الشارب بعروقه العُشر، وهو الواحد من عشرة، ذلك أنَّه حصلت ثمرته بلا كلفة، ولا مؤنة؛ لأنَّ أهم الكلفة والمؤنة هي الماء.
٣ - أنَّ ما سقي بكلفة ومؤنة؛ كالنواضح والدولاب تديره البقر، أو الخيل، أو البغال، وكل آلة يحتاج إليها في إخراج الماء من بطن الأرض إلى ظاهرها، كالمواتير التي ترفع الماء من باطن الأرض إلى ظاهرها بالبنزين، أو الديزيل، أو الكهرباء -فيه نصف العشر، وذلك إجماع أهل العلم؛ للخبر الصحيح في ذلك.
٤ - ما سُقِي بالطريقتين إحداهما: بكلفة ومؤنة، والأخرى: بلا كلفة ولا مؤنة، ففيه ثلاثة أرباع العُشر، حكى الإجماع على ذلك غير واحد، ولأنَّ كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد نصفه أوجب نصفه.
٥ - هذا التقسيم في الأحكام مراعًى فيها حالة المزكي، وهو أساس العدل
стр. 1511
والمساواة، في أحكام الله تعالى.
٦ - ظاهر الحديث وجوب الزكاة في القليل والكثير، في الخارج من الأرض، ولكن الحديث مخصص بالحديث السابق في البخاري عن ابن عمر مرفوعًا، فإنَّه إذا تعارض العمل بالعام والخاص، كان العمل بالخاص في أظهر أقوال الأصوليين.
٧ - ظاهر الحديث أنَّ الدَّين لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة، وهي المواشي والحبوب والثمار؛ لأمرين:
الأول: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمر السُّعاة والجباة أن يسألوا صاحب المال، هل هو مدين أو لا؟ والغالب أنَّهم مدينون.
الثاني: أنَّ الأموال الظاهرة يشاهدها الفقراء والمستحقون، فأنفسهم متعلقة بها، فمِن المواساة ألا يُحرموا منها، وهذا القول أعدل الأقوال الثلاثة: في منع الدين من وجوب الزكاة، أو عدمه.
***
стр. 1512
٥٠٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ وَمُعَاذٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لَهُمَا: "لاَ تَأْخُذُوا فِي الصَّدَقَةِ، إِلَّا مِنْ هَذِهِ الأَصْنافِ الأرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ وَالحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
وقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٨)، والحاكم، وقال: إسناده صحيح، ووافقه الذهبي، وأقرَّه الزيلعي، قال الشيخ الألباني: وأخرجه أبو عبيد في "الأموال" من طُرُقٍ عن عمر بن عثمان قال: سمعت موسى بن طلحة يقول: "أمر رسول الله ﷺ معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير، والنخل والعنب" وهذا سندٌ صحيح مرسل، وهو صريح في الرفع، ولا يضر إرساله؛ لأنَّه صحَّ موصولاً عن معاذ.
قال في "التلخيص": رواه الحاكم والبيهقي من حديث أبي موسى ومعاذ.
قال البيهقي (٧٢٤٢): ورواته ثقات، وهو متصل.
* مفردات الحديث:
- الشعير: نبات عشبي حبي من الفصيلة النجلية، وهو دون البر في الغذاء، فيقال: "فلان كالشعير يؤكل ويذم".
- الحنطة: -بكسر الحاء-: القمح، جمعه: "حنط".
- الزبيب: جمع: "زبيبة"، وهو ما جفِّف من العنب.
...
стр. 1513
٥٠٨ - وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: "فَأَمَّا القِثَّاءُ، وَالبِطِّيخُ، وَالرُّمَّانُ، وَالقَصَبُ، فَقَدْ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ الله ﷺ . وإِسْنَادُهُ ضعيف (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في "التلخيص": رواه الدارقطني والحاكم (١٤٥٨) والبيهقي (٧٢٦٨) من حديث معاذ، وفيه ضعف. اهـ. وفيه انقطاع بين موسى بن طلحة ومعاذ بن جبل، ولكنه انقطاع مغتفر؛ ذلك أنَّه موسى يرويه عن كتاب معاذ، وهو حجة عند علماء أصول الحديث، ولذا صححه بعض العلماء.
* مفردات الحديث:
- قِثَّاء: بكسر القاف وضمها ممدود، واحدته: قثاءة؛ نوع من الخيار، لكنه أطول.
- البطيخ -بكسر الباء-: نبات عشبي حولي ينبت في المناطق المعتدلة والدافئة، وهو من الفصيلة القرعية، وثمرته كبيرة كروية، أو مستطيلة، وهو أصناف وأنواع.
- الرُّمَّان: بضم الراء وتشديد الميم، واحدته: رمَّانة، ثمر معروف، وشجره من الفصيلة الأتنية.
- القصب: كل نبات كانت سوقه أنابيب وكعوب، ومنه قصب السكر، وقصب الذرة وغيرها.
стр. 1514
- عفا عنه رسول الله: قال القرطبي: العفو بمعنى الترك، أي تركها، ولم يعرف بها فهو معفو عنها، فلا تبحثوا عنها، فقد قال ﷺ : "وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها" فهذا معنى العفو عنها.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - حديث (٥٠٧) فيه دليل على أنَّ الزكاة تجب في الحبوب كلها، وتجب في الثمار التي تُكال وتُدَّخر، ومثَّل لذلك بالشَّعير والحنطة والزبيب والتمر؛ لأنَّ ما يقتات ضروري في الحياة، فأوجب فيه الشارع الزكاة نصيبًا مفروضًا لأصحاب الضرورات.
أما الحبوب فشُرِط لوجوب الزكاة فيها الكيل؛ لأنَّه يدل على صحة إناطة الحكم به، كما شُرط للوجوب فيها صلاحيتها للادخار، فما لا يدخر لم تكمل فيه النعمة لعدم الانتفاع به.
٢ - قال شيخ الإسلام: أما أحمد وغيره من فقهاء الحديث فيوجبون الزكاة في الحبوب، كالثمار التي تدخر، وإن لم تكن تمرًا ولا زبيبًا، جُعِلا للبقاء في المعشرات بمنزلة الحول، ويفرقون بين الخضراوات وبين المدخرات؛ لما في ذلك من الآثار عن الصحابة، فرجح شيخ الإسلام أن المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض هو الادخار، لا غير؛ لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه، بخلاف الكيل؛ فإنَّه تقدير محض، فالوزن في معناه.
٣ - أما الفواكه والخضراوات والبقول فلا تجب فيها الزكاة؛ لأَنَّها ليست مدخرة، وليست مكيلة، ومثل هذه الأشياء إنَّما هي ذات منفعة عاجلة، والحاجة إليها مؤقتة، وليست من الغذاء الضروري، وإنما هي للتنعم والتفكه، فهي من مأكولات الأغنياء دون الفقراء: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] فلذا لم تجب فيها الزكاة، على قول جمهور العلماء.
стр. 1515
٤ - الحديث المتقدم الذي رواه البخاري (١٣٦٦) "ليس فيما دون خمسة أوسق من حب صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من الثمر -بالثاء المثلثة- صدقة" -دليل على أنَّ الزكاة تجب في عموم الثمار المعدة للادخار والكيل، وأنَّها تجب في كل الحبوب؛ لأنَّه أطلق اسم الحب والثمر، فهو يشمل كل حب وثمر، وقيد الثمر بما صلح للادخار، وضبط بالكيل.
٥ - قال في "الفروع": ولو ملك ثمرة قبل صلاحها، ثم صلحت بيده -لزمته زكاتها؛ لوجود السبب في ملكه، ومتى صلحت بيد من لا زكاة عليه، فلا زكاة فيها.
٦ - قال غير واحد من أهل العلم: لا تجب زكاة المعشرات بعد الحول الأول، ولو ادخرها للتجارة؛ لأنَّها لا تصير لها إلاَّ بعد البيع، كعرض القنية.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء فيما تجب فيه الزكاة من الخارج من الأرض:
فذهب الإمام أبو حنيفة إلى: أنَّها تجب في القليل والكثير، مما أخرجته الأرض من الحبوب كلها، والثمار كلها، والفواكه، والخضراوات، والبقول، والزهور.
واستدلَّ على ذلك: بحديث ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عَثَرِيًا العُشر ... " إلخ ... [رواه البخاري (١٤١٢)] فعمم الواجب في كل خارج من الأرض.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّها تجب فيما يدخله الكيل، ولو لم يكن قوتًا؛ كحب الكمون، وحب الكرات، وحب اللوز، ونحوه، ودليلهم ما تقدم من حديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من حب صدقة".
والحديث يدل على وجوبها في الثمار والحبوب فقط.
стр. 1516
أما الخارج من الأرض من غير الحبوب والثمار: فهي حاصلات عاجلة، ومنافعها حاضرة، وخارجها غالبًا قليل، وهي تراد للتنعّم، مع ما في هذا من النص: "فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ والحديث وإن كان ضعيفًا إلاَّ أنَّه جاء على وفق الأصل، في عدم الوجوب في المسكوت عنه، فهو من المعفو عنه.
قال ﷺ : "وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها" [رواه الطبراني في "الأوسط" (٨٩٣٨)، والدارقطني (٤/ ٢٩٨)]. وقد حسَّنه النووي والسمعاني وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وله شواهد في لفظه ومعناه.
وقد قُدِّرت ما تجب فيه الزكاة من الخارج من الأرض بمكيالها الشرعي، أما الفواكه والخضروات والبقول ونحوها، فهي من المعدودات فلا تكون داخلة فيما تجب فيه الزكاة.
قال الخطابي: يستدل بالحديث (٥٠٨) على أنَّها لا تجب في شيء من الخضراوات والفواكه ونحوها، وعليه عامة أهل العمل، فتركه ﷺ إياها، وتَرك خلفائه، وهي تزرع بجوارهم، ولا تؤدى زكاتها لهم -يدل على عدم وجوبها فيها، وإن تركها لهو السنة المتبعة.
ذهب الإمامان: مالك والشافعي إلى: أنَّها لا تجب في الثمار، إلاَّ في التمر والزبيب، ولا تجب في الحب إلاَّ ما كان قوتًا.
أما الإمام أحمد: فذهب إلى وجوبها في الثمار التي تكال وتدخر، وإلى وجوبها في جميع الحبوب، ولو لم تكن قوتًا.
وتقدم قول شيخ الإسلام: إنَّ المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض هو الادخار؛ لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه، بخلاف الكيل فإنَّه تقدير محض، فالوزن في معناه.
стр. 1517
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن إخراج زكاة الحبوب والثمار نقدًا:
(قرار رقم: ٩٨، وتاريخ ٦/ ١١/ ١٤٠٢ هـ):
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته العشرين المنعقدة في مدينة الطائف في الفترة التي بين يوم ٢٤/ ١٠/ ١٤٥٢ هـ ويوم ٧/ ١١/ ١٤٠٢ هـ , قد اطَّلع على كتاب صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء، رقم (٢٢٨٤٨)، وتاريخ ٢٧/ ٩/ ١٤٠٢ هـ، الذي طلب فيه سموه إبداء الرأي الشرعي في جواز دفع زكاة الحبوب والثمار نقدًا، بدل دفعها من عين المال أو جنسه، كما اطَّلع المجلس على كتاب سمو نائب وزير الداخلية رقم (٤٢٢٣٤)، وتاريخ ٢٢/ ٩/ ١٤٠٢ هـ، حول ما أفتى به فضيلة قاضي الغاط من جواز أخذ النقود عن زكاة الحبوب والثمار، واطَّلع أيضًا على كتاب معالي وزير العدل رقم (٢٥٨/ ١/ ف)، وتاريخ ٢٦/ ٦/ ١٤٠٢ هـ، المتعلق بالمعاملة المحالة إلى معاليه من فضيلة رئيس محاكم القصيم بشأن الموضوع.
وبعد اطلاع المجلس على ما ذكر، وعلى بعض النقول من كلام أهل العلم، والنظر إلى أن الزكاة شرعت لمصالح كثيرة، منها مواساة الفقراء، وسد حاجتهم، وتطهير الأغنياء وتزكيتهم، وبعد تداول الرأي، وتأمل ما كان عليه العمل في صدر الأمة في عهد رسول الله ﷺ وعهد خلفائه الراشدين ﵃ وأتباعهم، ووجود حالات أخذت فيها بعض قيم الزكاة عند فقد الواجب في الزكاة -فإن مجلس هيئة كبار العلماء يقرر بالإجماع:
أن الأصل أن تدفع الزكاة من عين المال حسب ما جاءت به النصوص عن الرسول ﷺ في تفصيل الأموال الزكوية، وبيان مقدار الواجب فيها ما أمكن ذلك.
стр. 1518
كما يقرر بالأكثرية جواز دفع القيمة في الزكاة إذا شق على المالك إخراجها من عين المال، ولم يكن على الفقراء مضرة في ذلك، كمن وجبت عليه زكاة الغنم في الإبل وليس عنده غنم، ويشق عليه طلبها، وهكذا إذا اقتضت مصلحة الفقراء إخراج القيمة؛ كأن يشق عليهم أخذها من عين المال لكونهم في مكان يشق عليهم أخذها فيه، وكما لو باع الفلاح ثمرته كلها، فإنه يجوز أن يعطي الزكاة من الثمن. هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
***
стр. 1519
٥٠٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁ قَالَ: "أمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ إذَا خَرَصْتُمْ فَخذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبعُ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صححه الحاكم وابن حبَّان.
قال في "التلخيص": رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاث، وابن حبان، والحاكم من حديث ابن أبي حَثْمَة، وفي إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل، قال البزّار: وقد تفرد به، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، قال الحاكم: وله شاهد بإسناده متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به.
* مفردات الحديث:
-إذا خَرَصْتُم: أيها السعاة والعمَّال.
-خرصْتُم: بفتح الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وبعدها صاد مهملة ساكنة، من باب نصر ينصر، وضرب يضرب -هو تقدير الشيء وخرصه بالظن والتخمين والحزر.
يقال: خرص النخل والكرم: حزر ما عليهما من الرطب تمرًا، ومن العنب زبيبًا.
إذا خَرَصْتُم: "إذا" شرطية، "خرصتم" فعل الشرط، وجوابه "فخذوا"، و"دعوا" عطف عليه.
- دعُوا الثُّلُث: اتركوا لأهل المال الثلث بقدر ما خرصتم.
стр. 1520
٥١٠ - وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ ﵁ قَالَ: "أمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُخْرَصُ العِنَبُ؛ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيْبًا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الراجح أن الحديث مرسل.
قال في "التلخيص": رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني من حديث عتاب بن أسيد، ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب، فقد قال أبو داود: لم يسمع منه، وقال المنذري: انقطاعه ظاهر؛ لأن مَوْلد سعيد في خلافة عمر، ومات عتاب في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق.
قال أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ أمر عتابًا؛ مرسل.
قال النووي: هذا الحديث وإن كان مرسلاً، لكنه اعتضد بقبول الأئمة له.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا الحديث جاء على قواعد الشريعة ومحاسنها.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على أنه على الإمام أن يبعث جباة الزكاة وسعاتها لجبي زكاة الحبوب والثمار؛ وذلك إظهارًا لهذه الشعيرة العظيمة، فإن الزكاة من شعائر الإسلام الظاهرة.
٢ - ويدلان على أنه يكفي لمعرفة قدر الثمرة والحب خَرْصُه وتقدير ما يحصل
стр. 1521
منه؛ إذ في جذاذه وحصاده وتقدير ذلك بالمكيال الشرعي مشقة كبيرة، فاكتفى بتقديره وخرصه.
فتقوى الله تعالى وتكاليفه الشرعية تكون بقدر الاستطاعة والقدرة.
والقاعدة الشرعية أنه إذا تعذر الوصول إلى اليقين، أو تعسر، اكتفى بغلبة الظن وأمثلته في الشرع كثيرة.
٣ - ويدل الحديث رقم (٥٠٩) أن على خارص الثمرة والحب والجابي ألا يستقصي بأخذ كل الزكاة، وإنما عليه أن يدفع لأصحاب الأموال ثلث الزكاة أو ربعها؛ ليخرجها صاحبُها على أقاربه وجيرانه ونحوهم ممن تعلقت نفوسهم بهذه الثمرة والحب، وتخيير الخارص بين الثلث والربع راجع إلى نظر الخارص واجتهاده في تحقيق المصلحة في ذلك، من سخاء صاحب الثمار وعدمه، وكثرة أتباعه وقلبتهم.
٤ - قال شيخ الإسلام: إن الحديث -حديث سهل- جار على قواعد الشريعة ومحاسنها، موافق لقوله ﷺ : "ليس في الخضراوات صدقة" [رواه الترمذي (٦٣٨)]، لأنه قد جرت العادة أنه لابد لرب المال بعد كمال الصلاح أن يأكل هو وعياله، ويطعم الناس ما لا يدخر ولا يبقى مما جرى العرف بإطعامه وأكله، بمنزلة الخضراوات التي لا تدخر. يوضح ذلك بأن هذا العرف الجاري بمنزلة ما لا يمكن تركه، فإنه لابد للنفس من الأكل من الثمار الرطبة، ولابد أن يشاركه في هذه الثمار الرطبة من قريب وجار وقائم على صلاح الثمرة.
٥ - قوله: "دعوا الثلث أو الربع" فيه الأخذ بمراعاة الأحوال، من أنه يجب في وقت ما لا يجب في وقت غيره، ويجب على شخص ما لا يجب على الشخص الآخر، وهذا ومثله راجع إلى مراعاة المصالح والأحوال.
٦ - تقدم في الحديث رقم (٥٠٧) حصر ما تؤخذ منه الزكاة في أربعة: "الشعير،
стр. 1522
والحنطة، والزبيب، والتمر"؛ بمعنى: أنَّ الزكاة لا تجب إلاَّ في هذه الأربعة. ولكن هل هذا الحصر هو حصر عين، بمعنى أنَّها لا تجب إلاَّ في هذه الأربعة الأصناف فقط، أم أنَّه حصر وصف، بمعنى أنَّه فيها، وفيما يماثلها من الحبوب والثمار؟
قد تقدم خلاف العلماء أنَّ الراجح أنَّ هذا حصر وصف، وأنَّها تجب في كل الحبوب والثمار المدخرة، وهو مذهب جمهور العلماء على اختلاف بينهم؛ فيما يدخل، وما يخرج من هذه الأصناف الموصوفة، وقد اعتمدوا في هذا العموم على آثار من الصحابة ﵃ كما اعتمدوا في حصرها بالمعشّرات المدخرات على التعليل، وقالوا: إنَّ غير المدخر لم تكمل فيه النعمة، فلا تجب الزكاة فيه، ويستدلون بقول معاذة "فأما الفثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله ﷺ [رواه الدراقطني (٢/ ٩٧) والحاكم (١/ ١٤٥)].
وقد أخذ بحصر العين جماعة من السلف، منهم الحسن والثوري والشعبي، فحصروا ما تؤخذ منه الزكاة في الأصناف الأربعة في الحديث.
قال في "سبل السلام": قال في "المنار": إنَّ ما عدا الأربعة محل احتياط أخذًا وتركًا، والأصل حرمة مال المسلم، كما أنَّ الأصل براءة الذمة، وهذان الأصلان لم يدفعهما دليل يقاومهما.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن جباية الزكاة:
قال مجلس هيئة كبار العلماء في قرار رقم: (١٣٣)، وتاريخ ١٧/ ٦/ ١٤٠٦ هـ ما خلاصته:
أولاً: فرض جباية الأموال الظاهرة مظهر شرعي، درج عليه المسلمون منذ عهد النبي ﷺ ، وخلفائه الراشدين إلى يومنا؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فينبغي للدولة الاستمرار في
стр. 1523
القيام به، وإيصال كل ذي حق حقه.
ثانيًا: إبقاء الأمر على ما هو عليه من تشكيل لجان خَرْص الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة، وجباية زكاتها وتوزيعها.
ثالثاً: لا مانع من الاكتفاء بلجان محلية، تتولى خَرْص وجباية وتوزيع الزكاة.
رابعًا: أما أخذ الزكاة نقدًا، فالأصل أن تدفع الزكاة من عين المال، حسبما جاءت به النصوص، كما يقرر المجلس بالأكثرية جواز دفع القيمة عن الزكاة إذا شقَّ على المالك إخراجها من عين المال، ولم يكن على الفقراء مضرة في ذلك.
* فوائد:
الأولى: يحرم على المزكي شراء زكاته أو صدقته، ولا يصح ذلك بأن يشتريها بعد دفعها، ولو من غير من أخذها منه؛ لحديث عمر: "حملت على فرس في سبيل الله، وأردت أن أشتريه، فقال النبي ﷺ : لا تشتره، ولا تعُد في صدقتك؛ فإنَّ العائد في صدقته كالعائد في قيئه" [رواه البخاري (١٤١٩) ومسلم (١٦٢٠)].
الثانية: يُزكى كل نوع من الثمار والحبوب على حدته، فمن التمر يخرج -مثلاً- عن السكري منه، وعن البرني منه، وعن الشقر منه، وهكذا.
ويخرج عن الحنطة منها، وعن اللقيمي منه، وهكذا.
وإن أخرج الوسط من نوع واحد، كفاه ذلك.
وقد اختار الموفق وغيره: أنَّه يجمع ويخرج من الوسط بين الأعلى والأدنى؛ لأنَّ كل شيء على حدته يشق، وقد رفعت المشقة والحرج شرعًا، وإن أخرج من الأعلى فهو أكمل وأفضل، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 1524
آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
الثالثة: تجب الزكاة في الثمار إذا بدا صلاحها وظهر نضجها، وتجب في الحب إذا اشتد حبه في سنبله، ولكنه لا يستقر الوجوب إلاَّ بجعلها في بيادرها، وهو المكان المعد لتشميسها وتجفيفها، والبيادر هي الجرن، وبناء عليه فإنَّه لو قطعها، أو جزَّها، أو باعها، أو تلفت بغير تعدٍّ منه قبل وضعها في البيدر -سقطت عنه الزكاة، إن لم يقصد بالبيع والقطع الفرار من الزكاة، وذلك لزوال ملكه عنها قبل الاستقرار، وإن كان ذلك بعد وضعها في البيدر لم تسقط؛ لاستقرارها بذلك، فالزكاة وإن وجبت في المال، إلاَّ أنَّ لها تعلقًا في الذمة.
الرابعة: قال شيخ الإسلام: العنب الذي لا يصير زبيبًا إذا أخرج عنه زبيبًا بقدر عُشره لو صار زبيبًا جاز وأجزأ بلا ريب، وأما العنب الذي يصير زبيبًا لكنه قطعه قبل أن يصير زبيبًا، فهنا يخرج زبيبًا بلا ريب، فإن أخرج العُشْر عنبًا فقولان في مذهب أحمد:
أحدهما: لا يجزئه، وهو المشهور من المذهب.
الثاني: يجزئه، وهذا قول أكثر العلماء، وهو أظهر.
أما الشيخ عبد الله بن محمَّد فيقول: ما أكله أهل العنب رطبًا لا زكاة فيه، وأما الباقي فإن بلغ نصابًا وجبت فيه الزكاة.
الخامسة: روى الإمام أبو داود (٣٤١٠) عن عائشة: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يبعث عبد الله بن رَوَاحَةَ يخرص نخيل خيبر، حين يبدو صلاحه، وقبل أن يؤكل منه" وله شواهد تدل على مشروعية بعث الإمام خارصًا وقت بدو صلاح الثمر، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وجماهير أهل العلم.
وفائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال.
стр. 1525
قال ابن القيم: الصحيح الاكتفاء بخارص واحد، كالمؤذن، والمخبِر عن القِبلة ونحوه.
قال الأصحاب: ويشترط أن يكون عالمًا بالخرص، عدلاً، ويجب أن يترك من الخرص الثلاث أو الربع؛ لحديث: "إذا خرصتم، فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع" [رواه أحمد وغيره]، وترك هذا القدر توسعة للمالك، أختاره الشيخ وغيره.
السادسة: قال شيخ الإسلام: أوجب الإمام أحمد الزكاة في العسل؛ لِما فيه من الآثار التي جمعها، وإن كان غيره لم تبلغه إلاَّ من طريق ضعيف.
***
стр. 1526
٥١١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ "أنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسْكَتَانِ مِنْ ذَهبٍ، فَقَالَ لَهَا: أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لاَ. قَالَ: أَيَسُرُّكِ أنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ فَأَلْقَتْهُمَا". روَاهُ الثَّلاَثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ (١)، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- امرأة: هي: أسماء بنت يزيد بن السكن، الأنصارية الأوسية الأشهلية.
- مسكتان: -بفتح الميم وسكون السين المهملة- تثنية: مَسْكة، وهما سوران، والمسكة السوار؛ سواء كان من فضة أو ذهب.
- أيسرك: الهمزة للاستفهام، والفعل مضارع من: السرور، والخطاب للتأنيث، أي: أيعجبكِ.
- أن يسوِّرك: أن يجعل لك سوارًا من نار يوم القيامة.
- فألقتهما: طرحتهما في الأرض.
...
стр. 1527
٥١٢ - وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ ﵂: "أنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أكَنْزٌ هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أدَّيْتِ زَكَاتَهُ، فَلَيْسَ بِكَنْزٍ". رَواهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
هذان الحديثان وما جاء في بابهما في زكاة الحلي، اختلف المحدثون والفقهاء في صحة أحاديث المسألة: فأيَّدها قوم، وضعَّفها آخرون، فرأيتُ أن أرجىء البحث في قبول هذين الحديثين إلى بحث اختلاف العلماء، وهناك إن شاء الله تعالى سنعطي الموضوع حقه من البحث والتَّحقيق.
* مفردات الحديث:
- أوضاحًا: واحدها: وضَح، سميت بذلك؛ لوضحها ولمعانها، وهو نوع من الحلي يُعمل من الفضة، سمي أوضاحًا لبياضها، ويكون أساورة في اليدين، وخلاخل في الرجلين.
- أكنز هو؟: الهمزة للاستفهام الإخباري؛ أي: أهذا داخل في وعيد الكنز المذكور في الآية، فكان الظاهر أن يكون الجواب بنعم، أو لا، لكنه ﷺ عرف الكنز بما هو معروف من أنَّه ما جمع من النقدين حتى بلغ نصابًا، ولم تؤد زكاته، فانظري إن كان كذلك فهو كنز، وإن تزينت به كما شرعه الله، وأباحه للنساء، فليس بكنز.
قال الراغب: أصل الكنز من: كنزت الثمر في الوعاء، فهو جعل المال بعضه على بعض، وحفظه.
стр. 1528
قال القرطبي: الكنز أصله في اللغة: الضم والجمع.
* ما يؤخذ من الحديثين:
يدل الحديثان على وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال؛ سواء كان قليلاً أو كثيرًا؛ لأنَّ المسكتين من الذهب، والأوضاح من الفضة، لا تبلغان نصابي زكاة النقدين، والمسألة خلافية، وهذا بسط الخلاف فيها:
أجمع العلماء على وجوب الزكاة في الذهب والفضة؛ سواء كان نقودًا، أو حليًّا، أو تبرًا، أو غير ذلك، ما لم يكن حليًّا معدًّا للاستعمال أو العارية.
واختلفوا في حلي الذهب والفضة إذا أعد للاستعمال أو العارية: فذهب إلى وجوب الزكاة فيه الإمام أبو حنيفة وأتباعه.
وصحَّ عن عدد من التابعين، منهم عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والنخعي.
وذهب إلى عدم وجوب الزكاة فيه جمهور العلماء: من الصحابة، والتابعين، والأئمة وأتباعهم.
فممن صرح بعدم الوجوب من الصحابة: ابن عمر، وأنس، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وباقي الصحابة لم يرو عنهم القول به، ومنهم الخلفاء الراشدون الذين تولوا جباية زكاة المسلمين، أما التابعون فمنهم سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وقتادة، وطاوس، وعمرة بنت سعد الأنصارية. كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم من أجلة علماء المسلمين.
أدلة الموجبين:
استدلَّ الموجبون: بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
وبما في صحيح مسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما من
стр. 1529
صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلاَّ إذا كان يوم القيامة صفِّحت له صفائح من النار، فأحمي عليها في نار جنهم، فيكوى بها جبينه وظهره ... " الحديث.
فعموم الآية والحديث شامل لجميع أنواع الذهب والفضة، ومنه حلي الاستعمال والإعارة.
كما استدلوا بحديثي الباب، وهما حديث عمرو بن شعيب، وحديث أم سلمة، فهما نصٌّ في المسالة.
الجواب الأول: عن هذه الأدلة:
الآية عامة في كل ذهب وفضة، قليلاً كان أو كثيرًا، نقودًا كان أو غيره، كما أنَّ الحديث عام في قليل الذهب والفضة، وكثيره، وفي الماشية القليلة والكثيرة، السائمة والمعلوفة، ولهذا العموم أدلة تخصص معناه، وتقيَّد إطلاقه، وإلاَّ فلو أخذنا بهذا العموم، لزكَّينا من هذه الأموال قليلها وكثيرها، سائمتها ومعلوفتها، كما أننا لو أخذنا بعموم زكاة الخارج من الأرض، لزكينا القليل والكثير، ولزكينا مع الحبوب والثمار الفواكه والبقول والخضراوات، ولكن الأحاديث الأخر خصصت هذه العمومات، وبيَّنت المراد من هذه المعلومات.
فمخصصات عموم الذهب والفضة بنصاب معين قوله ﵊: "ليس فيما أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا فيما أقل من مئتي درهم صدقة"، وقال ﷺ عن الإبل: "في كل خمس من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمس صدقة" [رواه النسائي (٢٤٧٦)، وابن ماجه (١٧٩٩)].
وقال- ﷺ عن البقر: "في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مُسِنَّة" [رواه الترمذي (٦٢٢)].
وقال ﷺ عن الغنم: "إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة" [رواه
стр. 1530
البخاري (١٣٦٢)].
فهذه الأحاديث خصصت عموم حديث أبي هريرة في الصحيحين في زكاة الذهب والفضة والماشية.
وقال ﷺ عن الخارج من الأرض: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق في حب صدقة" [رواه مسلم (٩٧٩)].
فهذه الأحاديث وأمثالها خصصت العمومات، وقيدتها بقدر النصاب، وقدْر المخرَج.
وهناك أحاديث أُخر خصصت تلك العمومات بصفاتها وقيدتها، وبيَّنت مجملها؛ وذلك مثل قوله ﷺ : "في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون" [رواه البخارى (١٣٨٦)].
وقال ﷺ : "فيما سقت السماء العُشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر" [رواه البخاري (١٣٨٨)].
وحديث: "لا تؤخذ الصدقة، إلاَّ من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر".
وحديث: "فأما القِثاء والبطيخ والرمان والقصب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ ".
فهذه كلها مخصصاتٌ لعمومات الذهب والفضة، وبهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، ومقيدةٌ لمطلقة، ومبيناتٌ لمجمَله.
الجواب الثاني:
النظرة الثابتة في هذه الأدلة أنَّ الآية الكريمة توعدت الذين يكنزون الذهب والفضة، فما هو الكنز لغة وشرعًا؟
قال ابن جرير: الكنز: كل شيء جُمع بعضه إلى بعض.
قال القرطبي: ولا يختص ذلك بالذهب والفضة.
стр. 1531
قال الأصفهاني: الكنز: جعْل المال بعضه على بعض وحفظه.
قال محمد رشيد: الكنز: ما خزن في الصناديق من الدنانير والدراهم المضروبة، لا جنس الذهب والفضة، الذي يصدق بالحلي المباح، فإنَّ الدنانير هي المعدة للإنفاق، ولا فائدة بها إلاَّ في إنفاقها، فكنزها إبطال لمنافعها.
وأما حديثا الباب: فقد تكلَّم العلماء فيهما إسنادًا ومتنًا:
فحديث عمرو بن شعيب: جاء من طريق ابن لهيعة والمثنى بن الصباح وهما ضعيفان، وأحاديث عمرو بن شعيب اختلف العلماء في قبولها، وأحسن ما قيل فيها: إنَّ ما رواه عن أبيه عن جده فهو ضعيف -كهذا الحديث- وما رواه عن غيرهما فمقبول.
وأما حديث أم سلمة: ففي سنده انقطاع بين عطاء وأم سلمة، فإنَّه لم يسمع منها، كما أنَّ في سنده عتاب بن بشير، وثابت بن عجلان متكلَّم فيهما.
أقوال العلماء عن هذين الحديثين:
قال الترمذي: لم يصح في هذا الباب شيءٌ.
ورجَّح النسائي إرسال حديث عمرو بن شعيب.
وقال أبو عبيد: حديث اليمانية لا نعلمه روي إلاَّ من طريق واحد، بإسناد متكلم فيه.
وقال ابن عبد البر: لم يثبت عن النبي ﷺ شيء في الذهب.
وقال ابن حزم: ما احتجَّ به على إيجاب الزكاة في الحلي آثار واهية، لا وجه للاشتغال بها.
* أدلة القائلين بعدم الوجوب:
أولاً: جاء البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٩٨٢) قال رسول الله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة".
قال النووي: هذا الحديث يدل على انَّ أموال القنية لا زكاة فيها،
стр. 1532
وهو قول علماء السلف والخلف.
ثانيًا: الزكاة لا تجب إلاَّ في الأموال النامية، أما أموال القنية فلا زكاة فيها؛ هذا هو ضابط الإسلام فيما تجب فيه الزكاة، وما لا تجب.
ثالثًا: ما رواه البيهقي (٧٣٢٨)، وابن الجوزي في"التحقيق" (٢/ ٤٣) من حديث جابر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ليس في الحلي زكاة" صححه كثير من المحدثين المحققين، منهم: أبو زرعة، وابن الجوزي، والمنذري، وابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني.
رابعًا: كُتُب النبي ﷺ التي اسْتُقْصِي بِهَا أحكام الزكاة، وبُيِّنَ فِيها الأموال التي تجب فيها الزكاة، والتي بلَّغها بعده خلفاؤه الراشدون وعملوا بها، ليس فيها ذكر للحلي، ولا زكاته، وإنما فيها النقدان المضروبان، اللذان هم العملتان في التجارة.
خامسًا: قال شيخ الإسلام: إنَّ الشارع عني ببيان ما تجب فيه الزكاة؛ لأنَّه خارج عن الأصل، فيحتاج إلى بيان، بخلاف ما لا تجب فيه، فإنَّه لا يحتاج إلى بيان بأصل عدم الوجوب.
سادسًا: كيف يصح عن عائشة حديث الوعيد بالنار من النبي ﷺ في حديث فتخاتها، ثم لا تخرج زكاة الحلي التي تحت يدها وتصرفها، مع أنَّها تخرج زكاة غيره من المال؟!.
سابعًا: هذا قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث والفقه؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن جرير، وأتباعهم من كبار علماء المسلمين سلفًا وخلفًا.
* الخلاصة:
أحسن الأقوال وأعدلها في هذه المسالة هو أنَّ الحلي المعد للاستعمال أو العارية لا زكاة فيه، ما دام أنَّه حلي مباح، أما المحرم فتجب فيه الزكاة.
стр. 1533
والمحرم هو ما زاد عن العادة من تجميع الذهب والفضة وتكديسها، بصورة خارجة عن العادة والمألوف، والحامل على ذلك قد يكون واحد من هذه الأمور:
١ - الفخر والخيلاء.
٢ - السرف والتبذير في النفقات.
٣ - الهرب من الزكاة.
٤ - الترف المفسد للأخلاق.
فهَذه مقاصد محرمة، فإذا كان الحامل على جمع الذهب والفضة بصورة حلي، واحدًا من هذه المقاصد المحرَّمة، فإنَّ هذا المصاغ محرَّم، وما كان منه محرَّما تجب فيه الزكاة؛ لأَنَّه ليس مأذونًا فيه، ولا مباح الاتخاذ.
أما الحلي الذي بقدر الحاجة، والناس يختلفون بين غني وفقير في ذلك، فهذا حلي مباح الاتخاذ والاستعمال، وهو من أموال القنية المقطوعة عن النماء؛ فإنَّه لا زكاة فيه بحال من الأحوال، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
***
стр. 1534
٥١٣ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا أنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
رواه أبو داود بإسناد لين؛ لأنَّه من رواية سليمان بن سمرة، وهو مجهول.
قال في "التلخيص": رواه أبو داود والدارقطني والبزَّار من حديث سليمان ابن سمرة عن أبيه، وفي إسناده جهالة.
وقال الذهبي: هذا إسنادٌ مظلمٌ لا ينهض بحكم.
لكن حسَّنه ابن عبد البر وقال عبد الغني المقدسي: إسناده حسن غريب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوب الزكاة في الذي يُعد للبيع، يعني: عروض التجارة، والأصل فيها عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾ [المعارج: ٢٤] , ومال التجارة أعم الأموال، فكانت أولى بالدخول، وأما النَّص فيها فحديث الباب: "كان رسول الله ﷺ : يأمرنا أن نخرج الزكاة من الذي نعده للبيع".
وقوله:"قد احتبس أدراعه وأعتاده" قال النووي: فيه وجوب زكاة التجارة.
٢ - قال ابن المنذر والوزير وغيرهما: أجمع أهل العلم أنَّ في العروض الزكاة،
стр. 1535
وقال المجد: هو إجماع، وقال شَيْخُ الإسلام: الأئمةُ الأربعةُ، وسائر الأئمة -إلاَّ من شذَّ- متفقون على وجوبها في عروض التجارة.
٣ - الحديث دليل على وجوب الزكاة في كل ما أعد للبيع والشراء، من أي نوع من أنواع التجارة؛ سواء في الأطعمة، أو الألبسة، أو المجوهرات، أو الأواني، أو العقار، أو الحيوانات، أو أسهم الشركات، أو في غير ذلك مما أعدَّ للبيع والربح.
٤ - مفهومه أنَّ الأشياء التي لا تعد للتجارة، وإنما أعدت للقنية والاستعمال: من مَسْكنٍ، ومركبٍ، وملبسٍ، وأثاثٍ، وحليٍّ -أنَّه لا زكاة فيه؛ لأنَّها قطعت عن النماء.
٥ - المؤلف لم يسق هذا الحديث بعد حديثي عمرو بن شعيب، وأم سلمة، إلاَّ ليقيد به إطلاقهما في وجوب زكاة الحلي.
٦ - قدر زكاة العروض ربع العشر، كالنقدين.
٧ - لا تجب في المال إلاَّ إذا حال عليه الحول، ما لم يكن ربح عروض التجارة، فحولها حول أصلها، فإنَّها تزكى، ولو لم يحل عليها الحول.
٨ - تقدر عند الحول بالأحظ للفقراء من ذهب أو فضة، فإذا بلغت قيمتها نصابها بأحد النقدين دون الآخر، اعتبر ما تبلغ به نصابًا.
٩ - جاء في البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٩٨٢) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده، وفرسه صدقة" قال النووي وغيره: هذا الحديث أصل في أنَّ أموال القنية لا زكاة فيها، وهو قول العلماء.
١٠ - قال في "الروض وغيره": ولا زكاة في قيمة ما أعد للكراء، من عقارٍ، وحيوانٍ، وغيرهما؛ لأنَّه ليس بمال تجارة، وإنما الزكاة فى غلته إذا بلغت نصابًا، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
***
стр. 1536
٥١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
٥١٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جدِّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبةٍ: إنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن، فله شواهد صحيحةٌ، منها:
ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبىَّ قالَ: "وفي الركاز الخمس".
قال الحافظ: رواته ثقات، وله شاهد قوي مرسل جاء من طريق علي بن أبي طالب ﵁.
* مفردات الحديث:
- خَرِبَه: -بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء وتخفيفها ثم باء موحدة تحتية ثم تاء التأنيث-: الدار الخراب التي غير عامرة، جمعها خرب.
- فعرِّفْهُ: أمر من: التعريف؛ أي: أعلن في الناس، وبين لهم حتى يجيء مالكه، أو يمضي عليه سنة.
стр. 1537
- الرِّكاز: -بكسر الراء المهملة، وفتح الكاف المخففة ثم ألف وآخره زاي معجمة-: هو الكنز الجاهلي، يوجد في بطن الأرض، فالركاز خاص لما يكون مدفونًا.
- وفي الركاز: خبر مقدم، والمبتدأ "الخمس".
- الخُمُس: بضمتين وإسكان الميم لغة، والجمع: أخماس، والخمس جزء واحد من خمسة أجزاء من الشيء.
***
стр. 1538
٥١٦ - وَعَنْ بِلاَلِ بْنِ الحَارِثِ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَ مِنَ المَعَادِنِ القَبَلِيَّةِ الصَّدَقَةَ". رَوَاهُ أَبُو داوُدَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في "التلخيص": رواه أبو داود والطبراني والحاكم (١٤٦٧) والبيهقي (٧٤٢٥) موصولًا.
قال المنذري: إنَّه مرسل.
وأما الزكاة في المعادن، فقد قال الشافعي: ليس هذا ما يثبته أهل الحديث، ولم يكن فيه رواية عن النبي ﷺ لانقطاعه.
وقد جاء في "مستدرك الحاكم" أنَّ رسول الله ﷺ أخذ من المعادن القبلية الصدقة. ولم يعقب عليه الذهبي بشيء.
* مفردات الحديث:
- بلال: هو ابن الحارث المزني من قبيلة مزينة، والآن تحولت مزينة، فصارت منازلها في الشمال الغربي من القصيم، ودخلت مع قبيلة حرب، وشيوخهم آل نحيت.
- المعادن: مفرده: "معدِن" بكسر الدال، وسمي "معدنًا"؛ لإقامته الطويلة، يقال: عدن بالمكان: إذا لزمه فلم يبرح، ومنه سميت: جنات عدن.
والمعدن: هو ما كان في الأرض من غير جنسها؛ كالذهب، والفضة، والحديد، والبترول، وغير ذلك.
стр. 1539
وقال علماء الكيمياء الحديثة: المعادن مادة عضوية توجد في الطبيعة، لها تركيب كيمائي معين، وخواص طبيعية معيَّنة، وتتكوَّن المعادن من العناصر الكيميائية نفسها؛ كالذهب، والحديد، الزئبق.
- القَبَليَّة -بفتح القاف والباء-: وهو موضع بناحية ساحل الأحمر، من منطقة الفرع في بلاد مزينة، بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - الركاز هو ما وجد من زمن الجاهلية، وهم مَن كانوا قبل الإسلام، أو ما وجد من دَفْن مَنْ تقدَّم من الكفار، وإن لم يكونوا في الجاهلية، بأن كان عليه، أو على بعضه علامة كفر، كأسمائهم وأسماء ملوكهم، أو صورهم، أو صور أصنامهم، وكذا يملِكه واجده، وإن لم يكن عليه علامة كفار.
٢ - الركاز ملك لواجده؛ لأنَّه أحق به، ولفعل عمر وعلي ﵄ فإنَّهما دفعا باقي الركاز لواجده.
٣ - يُخرج واجدُهُ خُمُسَه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف في ذلك، ولأنَّه حصل لصاحبه بلا كلفة ولا مشقة، فكان الواجب فيه أكثر مما فيه كلفة.
٤ - ليس له نصاب، فيزكي قليله وكثيره، ويخرج زكاته الإمام، أو واجده.
٥ - وقت إخراج زكاته من حين العثور عليه، فلا ينتظر دوران الحول عليه.
٦ - يخرج زكاته منه، ولو كان غير نقد، بأن كان حديدًا أو رصاصًا، أو غير ذلك، ويجوز إخراج زكاته من غيره.
٧ - تجب زكاته ولو كان واجده ذميًّا، أو مستأمنًا إذا كان بدار الإسلام.
٨ - مصرفه يكون لمصالح المسلمين العامة، ولا يخص به الأقسام الثمانية، وبهذا فزكاة الركاز أشبه شيء بالفيء المطلق.
فتجب على الكافر، وتجب في قليل المال وكثيره، وليس له حول، ويجب فيه الخمس، ويخرج من نوعه ولو كان عرضًا، ومصرفه مصرف
стр. 1540
الفيء، لا يخص به الأصناف الثمانية.
٩ - وأما الحديث رقم (٥١٥) فيدل على ما يلي:
إن وجد الركاز في أرض موات، أو مشاعة، أو أرض لا يُعلم مالكها، أو على وجه الأرض التي لا يعلم مالكها، أو على طريق غير مسلوك، أو قرية خربة -فهو له في جميع هذه الصور، وكذا إن أعلم مالك الأرض، وكانت منتقلة إليه؛ فله أيضًا إن لم يدّعه المالك، فإن ادَّعاه بلا بيِّنة تشهد له، ولا وصفٍ يصفه -فالركاز لمالك الأرض مع يمينه؛ لأنَّ يد مالك الأرض على الركاز، فرجح بها.
وكذا لو ادَّعاه من انتقلت عنه الأرض؛ لأنَّ يده كانت عليها.
١٠ - أما الحديث رقم (٥١٦): فيدل على وجوب الزكاة في المعادن، والمعادن هي مادة عضوية توجد في الطبيعة، لها تركيب كيميائي معين، وخواص طبيعية معيَّنة، وتتكون المعادن من العناصر الكيميائية نفسها؛ كذهبٍ، وحديدٍ، وصُفرٍ، وزئبقٍ، فهي مواد مولدة من الأرض من غير جنسها.
١١ - يدل الحديث على أنَّ الزكاة في المعادن لا تجب إلاَّ إذا بلغ نصاب الزكاة المعروف، فإذا بلغ نصابًا: عشرين مثقالاً من الذهب، أو من الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرها؛ كالحديد والنحاس والرصاص والبلور والعقيق وغيرها -ففيه الزكاة فورًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
١٢ - فيه رُبع العُشرة لما في إخراجه من الكلفة والمؤنة.
١٣ - لا يضم جنس إلى آخر في تكميل النصاب، ولو كانت المعادن متقاربة؛ كقارٍ، ونفطٍ، وحديدٍ، ونحاسٍ.
١٤ - إخراج زكاته حين حصوله باتفاق الأئمة الأربعة؛ لأنَّه، له مال مستفاد من الأرض، فلم يعتبر له حول، فإن استخرج أقل من نصاب، فلا زكاة فيه.
стр. 1541
* خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ المعدن شيء غير الركاز، كما تقدم.
وذهب الحنفية إلى: أنَّ المعدن هو الركاز.
واختلف الثلاثة في المعدن:
فذهب المالكية والشافعية إلى: أنَّ المعدن هو الذهب والفضة.
وذهب الحنابلة إلى: أنَّ المعدن كل متولد من الأرض من غير جنسها، ليس نباتًا، سواء كان جاريًا؛ كالنفط والقار، أو جامدًا؛ كالحديد والنحاس والذهب والفضة.
والحق ما ذهب إليه الحنابلة، كما تقدم تعريفه عن علماء الكيمياء، الذين هم أصحاب الاختصاص والخبرة.
والمعادن ثلاثة أنواع:
١ - جامد: وينطبع بالنار؛ كالذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، والزئبق.
٢ - جامد: لا ينطبع ولا يذوب بالنار؛ كالجص، والنورة، والكحل، وسائر الأحجار، كالياقوت والملح.
٣ - مائع: كالنفط "البترول"، وقار وهو الزفت.
***
стр. 1542
باب صدقة الفطر
مقدمة
أصل الفطر أن يقال: فطر ناب البعير: إذا انشق موضعه للطلوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار]، أي: انشقت، فكان الصائم يشق صومه بالأكل.
وصدقة الفطر هي الزكاة التي سببها الفطر من صيام شهر رمضان، نسبت إلى الفطر من باب تسمية المسبب بسببه.
والأصل في مشروعيتها: عموم الكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى].
والأحاديث فيها صحيحة.
وأجمع المسلمون على وجوبها، وسند الإجماع ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر: "أنَّ رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان".
قال جمهور علماء السلف والخلف: معنى "فرض": ألزم وأوجب.
فُرضت في السنة التي فرض فيها صيام رمضان، وهو السنة الثانية للهجرة، والحكمة في مشروعية هذه الزكاة ما جاء في سنن أبي داود (١٦٠٩) عن ابن عباس قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطمعةً للمساكين"؛ فهي ترقع خلل الصيام، وهكذا كل عبادة تتعلَّق بعبادة أخرى، فإنَّها تكون مكملة لها، ومتممة لما نقص منها.
ويوضحها حِكَم وأسرار، منها ما يتعلق بالصائمين، فتطهرهم مما أصاب
стр. 1543
صيامهم من نقص وخلل، وهي أيضًا شكر لله تعالى على أنْ منَّ على عباده بتكميل صيام شهر رمضان، وشكر لله تعالى على أن متعهم بدوران الحول عليهم، فدار عليهم بصحة في أبدانهم، وسلامة في أديانهم، وأمن في أوطانهم.
ومنها ما يتعلَّق بتكافل المجتمع الإسلام بسد خلل المحتاجين، وإطعام الجائعين في هذا اليوم -يوم العيد-وإشاعة السرور والفرح، وإدخال المحبة والمودة في قلوب بعضهم بعضًا؛ ليكون المسلمون كلهم في مستوى واحد، من الغنى والكفاف عن التعرض للسؤال، والحاجة إلي مد اليد في يوم كل مسلم يحب أن يظهر فيه بمظهر الغنى، فحِكم الله وأسراره في شرعه كثيرة.
***
стр. 1544
٥١٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "فرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأمَرَ بِهَا أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَلاِبْنِ عَديٍّ وَالدَّارَقُطنِيِّ بإسنَادٍ ضَعِيفٍ: "أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هذا اليَوْمِ" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الزيادة ضعيفة.
قال المؤلف: ولابن عدي والدارقطني بإسناد ضعيف زيادة: "أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم".
وفيه محمَّد بن عمر الواقدي.
كما أنه جاء من رواية نجيح السندي الملقَّب: أبا معشر.
قال ابن الملقن والحافظ: إنَّه ضعيف، وضعَّفه ابن المديني والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث.
* مفردات الحديث:
- فرض: يحتمل وجهين: أحدهما -وهو الأظهر-: أوجب، والآخر بمعنى قدر.
стр. 1545
وقال ابن دقيق العيد: أصل معنى الفرض في اللغة: التقدير، ولكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى من الحمل على معناه الأصلي.
- زكاة الفطر: قال النووي: هي لفظة مولدة ليست عربية، بل اصطلاحية للفقهاء؛ كأنها من الفطرة التي هي النفوس، والخِلقة؛ أي: زكاة الخلقة.
قال العيني: لو قيل: لفظة إسلامية لكان أوفى؛ لأنَّها ما عرفت إلاَّ في الإسلام، فهو اسمها على لسان صاحب الشرع، ويقال لها: صدقة الفطر، وزكاة الفطر، وفي حديث ابن عباس: "زكاة الصوم"، وحديث أبي هريرة: "صدقة رمضان".
- صاعًا: الصاع النبوي (٣ كيلو غرامات) من الحنطة الرزينة الجيدة.
- إلى الصلاة: المراد بها صلاة عيد الفطر.
- أغْنوُهُم: المراد هنا: أعطوهم ما يكفيهم ويغنيهم ذلك اليوم؛ ذلك أنَّ الغنى أنواع، يفسر في كل بابٍ بما يناسبه، فالغني في باب أهل الزكاة: من عنده كفاية سنة، وفي باب زكاة الفطر: من عنده ما يزيد عن قوت يومه، وفي باب إخراج الزكاة: من عنده نصاب، وفي باب النفقات: من عنده ما ينفقه على مَن عليه مؤنته.
- عن الطواف: من طاف الشيء يطوف طوفًا وطوافًا: استدار به، ومنه: الطوَّاف الذي يدور على الناس لسؤالهم، وهو المراد هنا.
- في هذا اليوم: هو يوم عيد الفطر، وما يتبعه من أيام الزينة.
- من المسلمين: حال لـ"العبد" وما عطف عليه، قال الطيبي: وتنزيلها على المعاني المذكورة على ما يقتضيه علم البيان، أنَّ المذكورات جاءت مزدوجة على التضاد للاستيعاب، لا للتخصيص؛ لئلا يلزم التداخل، فيكون فرض رسول الله ﷺ على جميع الناس من المسلمين.