← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

أولاً: هو من أعظم الطاعات، فهو سر بين العبد وبين ربه، فهو الغاية في أداء الأمانة. ثانيًا: إنَّه تَحَلٍّ بفضيلة الصبر، فقد جَمَعَ أنواع الصبر الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. ثالثًا: تجربة لمقاساة الحرمان والجوع، تذكر العبد نِعم الله عليه المتوالية، فيذكر إخوانه الفقراء الذين يقاسون هذا الحرمان أبد الدهر. رابعًا: فيه فوائد صحية: فالصيام راحة وإجازة للجهاز الهضمي، لإعطائه فترة من الزمن يسترح فيها من الامتلاء والتفريغ، فيحصل له استجمام وراحة، يستعيد بها نشاطه وقوته. فالصيام عبادة جليلة جمعت خصال الخير كلها، واستبعدت خصال الشر كلها؛ ولذا فإنَّ الله تعالى كتبها وفرضها على الأمم السابقة، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة]. ***

стр. 1612

٥٣٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ، إلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - لا تقدموا: "لا" ناهية، ولذلك جُزِمَ الفعل بعدها. - تُقدِّموا: أصله: "تتقدموا" فحذفت إحدى التاءين، أي: لا تصوموا قبل رمضان يومًا أو يومين، استقبالاً لرمضان. - رمضان: قال الزمخشري: رمضان مصدر "رمض": إذا احترق من: الرمضاء، فأضيف إليه الشهر، وجعل علَمًا عليه، ومنع الصرف فيه للعلمية وزيادة الألف والنون، وسمّوه بذلك؛ لارتماضهم فيه من حر الجوع، ومقاساة شدته، وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هلذا الشهر أيام رمض الحر. - يصوم: الصوم لغة: الإمساك، فكل ممسك عن طعام أو كلام أو غيرهما، فهو صائم لغة، وأما في الشرع: فهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس مع نية الصيام. - كان يصوم صومًا: أي: كان قد اعتاد صيام أيام معلومة، ووافق ذلك آخر يوم، أو يومين من شعبان. - إلاَّ رجل: لفظ مسلم "إلاَّ رجلاً"، وهو قياس اللغة العربية؛ لأنَّه استثناء متصل من مذكور، وبعض روايات البخاري: "إلاَّ أن يكون رجل"، و"يكون" هنا تامة

стр. 1613

لا ناقصة، ومعناه: إلاَّ أن يوجد رجل يصوم صومًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّهي عن تقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين، وظاهر النيه التحريم، وَحَمله كثير من العلماء على الكراهة، فمن حرَّمه نظر إلى النَّهي، ومن كَرِهه نظر إلى الاستثناء. قال الترمذي: كرهوا أن يتعجل الرجل الصيام قبل دخول رمضان، لمعنى رمضان. ٢ - الرخصة في الصيام لمن صادف قبل رمضان له عادة صيام؛ كصيام يوم الخميس أو الإثنين، وهذه الرخصة بإجماع العلماء. ٣ - الحكمة في ذلك -والله أعلم-: تمييز فرائض العبادات عن نوافلها، والاستعداد لصوم رمضان بنشاط ورغبة، ورجَّح ابن حجر أنَّ الحكمة هي أنَّ حُكم الصيام معلق برؤية الهلال، فمن تقدمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، ولعلَّ من الحكمة كراهة التنطع في الدين، وتجاوز الحدود التي فرضها الله تعالى. ٤ - أما إذا كان على الإنسان صوم واجب كقضاء رمضان أو نذر، فإنَّ الصيام قبيل رمضان ليس رخصة، وإنما هو عزيمة، فيجب عليه الصيام؛ لأنَّ أداء الواجب مقدم على المكروهات. ٥ - إنَّما اقتصر الحديث على يوم أو يومين؛ لأنَّه الغالب فيمن يقصد ذلك، وقد قطع كثير من الشافعية بأنَّ ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان، واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا" [أخرجه أبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨) وابن ماجه (١٦٥١)، وصححه ابن حبان (٣٥٩١) وغيره]. ولكن جمهور العلماء: جوزوا صوم التطوع بعد النصف من شعبان،

стр. 1614

وضعَّفوا هذا الحديث، واستدلوا على استحبابه بما جاء من الحث على صيام شعبان. وقال الشيخ تقي الدين: لا يكره صوم العشر الأخير من شعبان عند أكثر العلماء. * فائدة: فُرِض الصيام على ثلاث مراحل: الأولى: فُرض صيام عاشوراء، فقد أمر النَّبي ﷺ بصيام عاشوراء. الثاني: فرض صوم رمضان على التخيير بين الصيام أو الفدية، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. الثالثة: التأكيد على فرض صوم رمضان بدون تخيير. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. والحكمة في هذا التدرج بالتشريع: أنَّ الصوم فيه نوع مشقة على النفوس، فأخذت به شيئًا فشيئًا. ***

стр. 1615

٥٤٠ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: "مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيه، فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ ". ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث عمَّار حديث صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين، وقال الدارقطني: إسناده صحيح، ورواته كلهم ثقات، وصحَّحه البيهقي والعراقي والحاكم، ووافقه الذهبي. قال ابن عبد البر: هو مسند عند المحدثين مرفوع، لا يختلفون في ذلك. * مفردات الحديث: - الذي يُشك فيه: إنَّما أتى باسم الموصول، ولم يقل: "يوم الشك"؛ مبالغة في أنَّ صوم يوم يشك فيه أدنى شك سبب لعصيان أبي القاسم ﷺ . - الذي يشك فيه: مبني للمجهول، أى: اليوم الذي لا يعلم هل يكون اليوم الأول من رمضان أو اليوم الآخر من شعبان، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال ما يمنع الرؤية. - أبا القاسم: هو النبي ﷺ يكنى بأكبر أبنائه.

стр. 1616

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّهي عن صيام يوم الشك من شهر رمضان، ويوم الشك من رمضان هو اليوم الواقع في أوله بلا يقين، لا يدرى هل هو منه أو ليس منه، وهو ليلة الثلاثين من شعبان إذا حال دون منظر الهلال ما يمنع الرؤية. ٢ - تحريم صيام ذلك اليوم، ما دام أنَّه معصية للنبي ﷺ . قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ٣ - الحديث يدل على القاعدة الشرعية، وهي: "أنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان"، ومثال القاعدة في هذه المسألة هي أنَّ الأصل بقاء شعبان، وعدم دخول شهر رمضان، ما دمنا شاكِّين في انتهاء شعبان، ودخول رمضان ما لم نتحقق انتهاء الأول، ودخول الثاني. ٤ - أبا القاسم: هي كنية النبي ﷺ كني أبنائه، والقاسم ابن رسول الله ﷺ من خديجة، قيل: توفي قبل النبوة، وقيل: بعدها، وأنه لما مات قال بعض المشركين: أصبح محمد أبتر، فأنزل الله سورة الكوثر، والقصد أنَّ عمارًا كنى النبي ﷺ على وجه التعظيم والتوقير، فهو غير داخل في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. كما أنَّ من أوصافه ﷺ القاسم، فقد قال ﷺ : "إنما أنما قاسم، والله معطٍ" والقصد جواز ذكر النبي ﷺ بغير صفة الرسالة والنبوة؛ لأنَّ باب الخَبر أوسع من باب الطلب، فلا ينادى إلاَّ بصفة الرسالة أو النبوة، ولكنه يجوز أن يُتَحدَّث عنه بغيرهما من أسمائه. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في تعيين يوم الشك: فذهب الحنابلة إلى: أنَّ يوم الشك من شهر رمضان هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يكن على مطلع الهلال غمٌ، أو قترٌ، أو دخانٌ، ونحوها مما يمنع الرؤية، فهذا هو يوم الشك الذي

стр. 1617

نهي عن صيامه، فيكره صيامه، وأما إن حال دون مطلع الهلال تلك الليلة غيمٌ، أو غبارٌ، أو دخانٌ، أو نحو ذلك -فيجب صيامه حكمًا ظنيًّا احتياطيًّا. وذكر أصحابنا -أنَّ هذا هو قول عمر، وابنه عبد الله، وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر، وأنس، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، ومن التابعين ميمون بن مهران، وطاووس، ومجاهد. واستدلوا على ذلك: بما رواه أبو داود (٢٣٢٠) عن ابن عمرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "إنَّما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمَّ عليه فاقدروا له" ومعنى "اقدروا له"، أي: ضيِّقوا، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي ضيق. قال في "الإنصاف": وهو المذهب عند الأصحاب، ونصروه، وصنَّفوا فيه التصانيف، وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، وهو من مفردات المذهب. وذهب الأئمة الثلاثة وجمهور العلماء إلى: أنَّ اليوم الذي ليس في منظر هلاله ما يمنع الرؤية لا يسمى يوم شك، وإنما يوم الشك هو ليلة الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال ما يمنع الرؤية من سحابٍ، أو ضبابٍ، أو قتامٍ، أو دخانٍ، أو نحوها، فهذا هو يوم الشك المنهي عن صيامه في حديث عمَّار وغيره. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وإسحاق. قال في "المغني": إنَّ المنع من صومه وعدم إجزائه إذا تبيَّن أنَّه رمضان -هو رواية عن الإمام أحمد، وقول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأتباعهم. وقال شيخ الإسلام: إذا حال دون منظره ليلة الثلاثين حائل، فهو يوم

стр. 1618

شك يُنهى عن صومه بلا توقف؛ لأنَّ الأصل والظاهر عدم الهلال، فصومه تقدمٌ لرمضان بيوم، وقد نهى النبي ﷺ عنه، وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره. وقال ابن القيم: وكان من هديه ﷺ ألا يدخل في صوم رمضان إلاَّ برؤية محققة، أو شهادة شاهد واحد، كما صام بشهادة ابن عمر، [رواه أبو داود (٢٣٤٢)]، وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيمٌ، أو سحابٌ، أكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ثم صامه ولم يكن يصوم يوم الغيم ولا أمر به، بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غم، وكان يفعل ذلك، فهذا فعله، وهذا أمره. وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص وقواعد الشرع، وهذا القول هو اختيار علماء الدعوة السلفية، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إنَّ المنع من الصيام هو اختيار شيخ الإسلام محمَّد بن عبد الوهاب. وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: ومع من منع صومه من الأحاديث الصحيحة النبوية التي تعددت طرقها ما لا يدفعه دافع، ولا يعارضه معارض. وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: لا يجوز صيام يوم الشك. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصواب إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان غيمٌ، أو قترٌ أنه لا يجب صيام ذلك اليوم، ولا يستحب، بل فطره هو المشروع. وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: واختار عدم صوم يوم الشك إمام هذه الدعوة، ومن أخذ عنه، ونهوا عن صيامه؛ لوجوه منها: ١ - أنَّ تلك الليلة من شعبان بحسب الأصل. ٢ - النَّهي الصحيح الصريح عن تقدم رمضان بيوم أو يومين. ٣ - الأحاديث الصحيحة الصريحة بالنَّهي عن صيامه.

стр. 1619

٤ - أنَّ رواية المروزي عن أحمد أنَّ ليلة الشك هي ليلة الثلاثين من شعبان إذا غمَّ الهلال. وهو قول جمهور العلماء والأئمة الأربعة، وغيرهم، وجزم به شيخ الإسلام وغيره. وأدلة هذا القول كثيرة جدًّا منها: ما جاء في البخاري (١٨١٠)، ومسلم (١٠٨١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم، فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين". ***

стр. 1620

٥٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "إِذَا رأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وإِذَا رَأيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدِرُوا لَهُ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: "فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ، فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلاَثِينَ". وَلِلْبُخَارِيِّ: "فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاَثِيْنَ" (١). ولَهُ في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِيْنَ" (٢). ــ * مفردات الحديث: - إذا رأيتموه فصوموا: أي: الهلال، والمراد: إذا رآه منكم من يثْبُت برؤيته وجوب الصوم. - أُغْمِي عليكم: -بسكون الغين المعجمة وكسر الميم، بالبناء للمجهول- أي: غطي الهلال وسُتِر عنكم، من: الإغماء يقال: أغمي عليه الخبر إذا استعجم؛ وذلك باستتار مغيب الهلال بغيمٍ، أو قترٍ فأكملوا العدة. وبعض الروايات: "فإن غُمَّ" بضم الغين وتشديد الميم، بالبناء للمجهول؛ أي: أخفي، وصار مستورًا بغيم ونحوه. - فاقدروا له: -بضم الدال وكسرها- قال في "المصباح": أي: قدِّروا عدد الشهر، وأكملوا شعبان ثلاثين يومًا.

стр. 1621

- فاقدروا له، وأكملوا العدة ثلاثين: قال شريح: الأول خطاب لمن خصَّه الله بهذا العلم، والثاني خطاب للعامة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب صيام شهر رمضان إذا ثبت رؤية هلاله، ووجوب الفطر إذا ثبت رؤية هلال شوال. ٢ - استحباب إشاعة خبر دخول شهر رمضان، وخروجه بأوسع وسيلة، وأسرعها. ٣ - أنَّ الحكم بالصوم والفطر معلق برؤية الهلال، فلا يصام إلاَّ بالرؤية، ولا يفطر إلاَّ بالرؤية المجردة، ولو بواسطة المراصد والآلات التي تكبر المرئيات؛ فإنَّه له يعتبر ذلك رؤية بالعين المشاهدة. ٤ - إذا حال دون مغيب الهلال ما يمنع الرؤية من سحابٍ، أو غبارٍ، أو نحوهما ليلة الثلاثين من شعبان، فتكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ولا يصام يوم تلك الليلة، بل يصبح الناس مفطرين على القول الراجح. ذلك أنَّ الأصل واليقين هو بقاء شعبان، وخروجه شك، ولا يصار من اليقين إلاَّ إلى مثله، أما الشكوك والاحتمالات فلا تقدم على اليقين. ٥ - الرؤية هي المستند الشرعي في أحكام الصيام والإفطار، وأنَّه لا عبرة بالحساب، ولا يصح الاعتماد عليه بحال من الأحوال. قال شيخ الإسلام: ولا ريب أنَّه ثبت بالسنة الصحيحة وآثار الصحابة، أنَّه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، والمعتمِد عليه كما أنَّه ضال في الشريعة مبتدع في الدين، فهو مخطىء في العقل، وعلم الحساب، فإنَّ علماء الهيئة يعرفون أنَّ الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، فإنَّها تختلف باختلاف ارتفاع المكان، وانخفاضه، وغير ذلك.

стр. 1622

* خلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم الصيام ليلة الثلاثين من شعبان: إذا حال دون منظر الهلال غيمٌ، أو قترٌ، ونحو ذلك: فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى: وجوب الصيام. قال في "الإنصاف": وهو المذهب عند الأصحاب، ونصروه، وصنَّفوا فيه التصانيف، وردوا حُجَجَ المخالف، ونصوص أحمد تدل عليه، وهو من المفردات. واستدلوا: بما في البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث ابن عمر ة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له"، وفسَّروا "اقدروا له"؛ أي: ضيِّقوا على شعبان، فاجعلوه تسعة وعشرين يومًا. وذهب الأئمة الثلاثة إلى: عدم مشروعية صيام ذلك اليوم، واعتباره هو يوم الشك المنهي عنه؛ بما رواه أبو داود (٢٣٣٤) والترمذي (٦٨٦) من حديث عمَّار قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". وهو رواية عن الإمام أحمد، قال في "المغني": وعن أحمد: لا يجب صيامه، ولا يجزئه عن رمضان إن صامه، وهو قول أكثر أهل العلم. قال شيخ الإسلام: عدم صيامه هو مذهب أحمد المنصوص عليه، والأصل عدم الوجوب في كلام الإمام أحمد. وقال الشيخ أيضًا: صوم يوم الشك تقدمٌ لرمضان بيوم، وقد نهى النبي ﷺ عنه، وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره، فإنَّ المشكوك في وجوبه لا يجب فعله، بل المستحب تركه. وقال الشيخ: لو قيل بجواز الأمرين واستحباب الفطر، لكان أولى. قال في "الفروع": لم أجد عن أحمد أنَّه صرَّح بالوجوب، ولا أمر به،

стр. 1623

فلا تتوجه إضافته إليه، واحتجَّ الأصحاب بحديث ابن عمر وفعله، وليس بظاهر الوجوب، وإنما هو احتياط عورض بنهي. واختار الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب وأتباعه النهي عن صيامه. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: لا شكَّ أنَّ المحققين من العلماء في مذهب أحمد من الحنابلة وغيرهم ذهبوا إلى أنَّه لا يجب الصوم بل يكره، أو يحرم. وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: ومع من منع صومه من الأحاديث الصحيحة النبوية التي تعددت طرقها ما لايدفعه دافع، ولا يعارضه معارض، وتقدم هذا كله قريبًا. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: لا يجوز صوم الشك؛ لحديث عمَّار. قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين. وأصحابنا في وجوب الصيام ليلة الثلاثين من شعبان إن حال دون مغيب الهلال غيمٌ، أو قترٌ، أو جبالٌ، ونحو ذلك، صاموه بحكم ظني احتياطي، والاحتياط ليس بالفعل فقط، وإنما يكون بالترك أيضًا، فالمسلم يحتاط لنفسه بالاتباع، فعلاً أو تركًا، لأنَّ الاحتياط الحقيقي هو اتباع ما كان أقرب إلى الشرع، وقد تكرر ذكر هذا الخلاف مع ما قبله، ولكنه لا يخلو من زيادة فائدة. واختلف العلماء فيما: إذا رؤي الهلال ببلد من البلدان، فهل يجب الصيام، أو الإفطار على عموم المسلمين؟ أو أنَّ كل قطر له حُكمه في الصيام والإفطار، حسب مطلع قطره الذي هو فيه؟ هذا موضع خلاف بين العلماء: ذهب جمهور العلماء -ومنهم الإمامان أبو حنيفة وأحمد- إلى: أنَّه إذا رؤي في بلد، لزم حُكْمه جميع الناس؛ عملاً بقوله ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا"، والخطاب للمسلمين عامة.

стр. 1624

ولا عبرة باتفاق المطالع واختلافها. وذهب الإمام الشافعي، وجماعة من السلف إلى القول بالحكم باختلاف المطالع، وقالوا: إنَّ الخطاب في الحديث نسبي؛ فإنَّ الأمر بالصوم والفطر موجه إلى من وُجد عندهم الهلال، أما من لم يوجد عندهم هلال، فإنَّ الخطاب لا يتناولهم إلاَّ حين يوجد عندهم، وهذا قول له اعتبار من حيث الدليل النقلي، والنظر الفلكي. قال شيخ الإسلام: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإن اتَّفقت لزم الصوم، وإلاَّ فلا، وهو القول الأصح للشافعية، وقول في مذهب أحمد. وقال الشيخ نجيب المطيعي: القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع يخالف المعقول والمنقول، أما مخالفته للمعقول فلِمَا علم من مخالفته لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات، وأما مخالفته للمنقول فلأنَّه مخالف لحديث كريب في صحيح مسلم. قال كريب: قدمتُ الشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثم عدتُ إلى المدينة في آخر الشهر، فسألني ابنُ عباس متى رأيتم الهلال، فقلتُ: ليلة الجمعة وصاموا، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، هكذا أمر رسول الله ﷺ [رواه مسلم (١٠٨٧) والترمذي (٦٩٣) وقال: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم]. قال مؤلف كتاب الزلال: اعلم يقينًا أنَّ القول الصحيح الذي انفصل عليه المحققون من علماء الأثر، وأهل النظر، وعلماء الهيئة، هو أن ينظر بين الرؤية وغيرها، فإن كان بينهما: ألفان ومئتان وستة وعشرون (٢٢٢٦) كيلاً فأقل، صار الحكم واحدًا في الصوم والفطر لاتحاد المطالع. وإن كان أكثر من ذلك فلا يصح، وصار لكل بلد حُكمه لاختلاف مطالعها؛ سواء كان البعد شرقًا، أو غربًا، أو شمالاً، أو جنوبًا، تحت ولاية

стр. 1625

واحدة أم لا، في إقليم واحد أم لا. وهذا هو المطابق للنصوص الشرعية والفلكية، وبهذا القول تنتفي جميع الإشكالات، والله أعلم. * قرار هيئة كبار العلماء بشان اختلاف المطالع: أما مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعوية، فقرَّروا بقرارهم رقم (٢) في تاريخ ١٣/ ٨/ ١٣٩٢ هـ بالإجماع ما خلاصته: بعد دراسة المجلس للموضوع، وتداول الرأي فيه، تقرر ما يلي: أولاً: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسًّا وعقلاً، ولم يختلف فيها أحد، وإنما وقع الاختلاف بين العلماء في اعتبار المطالع من عدمه. ثانيًا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الاختلاف السائغ، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع. ومنهم من لم ير اعتباره، واستدل كل فريق بأدلته. وعند بحث هذه المسألة في مجلس الهيئة، ونظرًا لاعتبارات قدَّرتها الهيئة، وقد مضى على ظهور هذا الدين مدة أربعة عشر قرنًا، ولا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد أعياد إسلامية على رؤية واحدة، فإنَّ أعضاء الهيئة يقررون بقاء الأمر على ما كان عليه، وأن يكون لكل بلد إسلامي حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما. أما ما يتعلَّق بإثبات الأهلة بالحساب: فقد أجمع أعضاء الهيئة على عدم اعتباره، وبالله التوفيق. اهـ القرار.

стр. 1626

* قرار المجمع مع الفقهى الإسلامى بشأن توحيد الأهلة: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: لقد درس المجمع الفقهي الإسلامي مسألة اختلاف المطالع في بناء الرؤية عليها، فرأى أنَّ الإسلام بنى على أنَّه دين يسر وسماحة، تقبله الفطرة السليمة، والعقول المستقيمة؛ لموافقته للمصالح، ففي مسألة الأهلة ذهب إلى إثباتها بالرؤية البصرية، لا على اعتمادها على الحساب، كما تشهد به الأدلة الشرعية القاطعة، كما ذهب إلى اعتبار اختلاف المطالع؛ لما في ذلك من التخفيف على المكلفين، مع كونه هو الذي يقتضيه النظر الصحيح، فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف لما جاء شرعًا، وعقلاً: أما شرعًا: فقد أورد أئمة الحديث حديث كُريب، وهو أنَّ أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمتُ الشام، فقضيتُ حاجتها، فاستهل عليَّ شهر رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ﵄ ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلتُ: نعم، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نرله، فقلتُ: أَوَلا نكتفي برؤية معاوية وصيامه، فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . [رواه مسلم في صحيحه]. وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في "شرحه على مسلم" بقوله: "باب بيان أنَّ لكل بلد رؤيتهم، وأنَّهم إذا رأوا الهلال ببلد، لا يثبت حكمه لما بعد عنهم"، ولم يخرج عن هذا المنهج من أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة أبي داود والترمذي والنسائي في تراجمهم له. وناط الإسلام الصوم والافطار بالرؤية البصرية دون غيرها؛ لما جاء في

стр. 1627

حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له" [رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما]، فهذا الحديث علق الحكم بالسبب، الذي هو الرؤية، وقد توجد في بلد كمكة والمدينة، ولا توجد في بلد آخر، فقد يكون زمانها نهارًا عند آخرين، فكيف يؤمرون بالصيام أو الإفطار، أفاده في بيان الأدلة في إثبات الأهلة، وقد قرر العلماء من كل المذاهب أنَّ اختلاف المطالع هو المعتبر عند كثيرة فقد روى ابن عبد البر الإجماع على ألا تراعى الرؤية فيما تباعد من البلدان كخراسان من الأندلس، أو لكل بلد حكم يخصه، وكثير من كتب أهل المذاهب الأربعة طافحة بذكر اعتبار اختلاف المطالع؛ للأدلة القائمة من الشريعة بذلك، وتطالعك الكتب الفقهية بما يشفي الغليل. وأما عقلاً: فاختلاف المطالع لا اختلاف لأحد من العلماء فيه؛ لأنَّه من الأمور المشاهدة التي يحكم بها العقل، فقد توافق الشرع والعقل على ذلك، فهما متفقان على بناء كثير من الأحكام على ذلك، التي منها أوقات الصلاة، ومراجعة الواقع تطالعنا بأنَّ اختلاف المطالع من الأمور الواقعية، وعلى ضوء ذلك، قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي أنَّه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة، والأعياد في العالم الإسلامي؛ لأنَّ توحيدها لا يكفل وحدتهم، كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد، وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية؛ لأنَّ ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة، وأنَّ الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، في جميع شؤونهم، والله ولي التوفيق. وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1628

واختلف العلماء في نصاب البينة بدخول شهر رمضان على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنَّه كبقية الشهور، لابد فيه من شاهدين عدلين. الثاني: أنَّه لا يقبل إلاَّ بشاهدين إلاَّ في حالة الغيم، وما يحجب الرؤية، فحينئذٍ يقبل شاهد واحد. الثالث: أنَّه يقبل شاهد واحد مطلقًا، وهذا هو القول الراجح الذي يدل عليه حديث الباب وغيره. * فوائد: * الفائدة الأولى: يجب صوم رمضان بواحد من ثلاثة أمور: ١ - رؤية الهلال. ٢ - الشهادة على الرؤية والإخبار بها. ٣ - إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا. * قرار المجمع الفقهى الإسلامي بشأن العمل بالرؤية في إثبات الأهلة: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: إنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع في دورته الرابعة المنعقدة بمقر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، في الفترة ما بين السابع، والسابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠١ هـ على صورة خطاب الدعوة الإسلامية في سنغافورة، المؤرخ في ١٦ شوال ١٣٩٩ هـ الموافق ٨ أغسطس ١٩٧٩ م، الموجه لسعادة القائم باعمال سفارة المملكة العربية السعودية هناك، والذي يتضمن أنَّه حصل خلاف بين هذه الجمعية، وبين المجلس الإسلامي في سنغافورة، في بداية شهر رمضان ونهايته، سنة ١٣٩٩ هـ، الموافق ١٩٧٩ م؛ حيث رأت الجمعية ابتداء شهر رمضان وانتهاءه على أساس الرؤية الشرعية؛ وفقًا لعموم الأدلة الشرعية، بينما رأى المجلس

стр. 1629

الإسلامي في سنغافورة ابتداء ونهاية رمضان المذكور بالحساب الفلكي؛ معللاً ذلك بقوله: "بالنسبة لدول منطقة آسيا؛ حيث كانت سماؤها محجبة بالغمام -وعلى وجه الخصوص سنغافورة- فالأماكن لرؤية الهلال أكثرها محجوبة عن الرؤية، وهذا يعتبر من المعذورات التي لابد منها، لذا يجب التقدير عن طريق الحساب". وبعد أن قام أعضاء مجلس الفقهي الإسلامي بدراسة وافية لهذا الموضوع، على ضوء النصوص الشرعية -قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي تأييده لجمعية الدعوة الإسلامية فيما ذهبت إليه؛ لوضوح الأدلة الشرعية في ذلك. كما يقرر أنَّه بالنسبة لهذ الوضع الذي يوجد في أماكن مثل سنغافورة وبعض مناطق آسيا وغيرها؛ حيث تكون سماؤها محجوبة بما يمنع الرؤية، فإنَّ للمسلمين في تلك المناطق وما شابهها أن يأخذوا بمن يثقون به من البلاد الإسلامية، التي تعتمد على الرؤية البصرية للهلال، دون الحساب، بأي شكل من الأشكال؛ عملاً بقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين"، وقوله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة"، وما جاء في معناهما من الأحاديث. الفائدة الثانية: جاء في "جامع الترمذي" (٦٣٣) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون". قال الشيخ: من رأى وحده هلال رمضان، فلا يلزمه الصوم، ولا جميع أحكام الشهر، وإنما يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال. وأصل المسألة: أنَّ الله علَّق أحكامًا شرعية بمسمى الهلال والشهر،

стр. 1630

كالصوم والفطر والنحر، فشرط كونه هلالاً وشهرًا، فلو طلع في السماء، ولم يعرفه الناس لم يكن هلالاً، فلا يسمى هلالاً إلاَّ بالظهور والاشتهار، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة. أما المشهور من مذهب الإمام أحمد والأئمة الثلاثة-: فإنَّ من رأى الهلال وحده، فإنَّه يلزمه الصوم، وجميع أحكام الشهر المتعلقة به. لعلمه أنَّ هذا اليوم من رمضان. * الفائدة الثالثة: خلاصة الأقوال في الصوم والفطر ثلاثة: الأول: أنَّه إذا رؤي في بلد، لزم الناس كلهم الصوم ة نظرًا إلى أنَّ الخطاب لكل المسلمين، بقوله: "إذا رأيتموه". الثاني: اعتبار اختلاف المطالع، وتقدم تحديده بالكيلومترات، وهذا ملاحظ فيه أنَّ الخطاب خاص لمن يمكن رؤيته في قطرهم. الثالث: لزوم الصوم والفطر إذا كانوا تحت ولاية واحدة، فالصحيح من حيث الدليل هو الثاني، والعمل الآن على الثالث. * الفائدة الرابعة: بناء على مما جاء في "سنن الترمذي" من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون" فإنَّ من أدركه الصوم، أو الفطر في بلد، لزمه أن يصوم، أو يفطر ذلك اليوم، ولو لم يكن من أهل تلك البلاد؛ لأنَّ حكمهم لزمه، فإذا عاد إلى بلده وقد صام أقل من "تسعة وعشرين" يومًا، أكمله بعد عيد بلاده. ***

стр. 1631

٥٤٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "تَرَاءَى النَّاسُ الهِلاَلَ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وصَحَّحَهُ الحَاكِمُ وابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال في "التلخيص": رواه أبو داود والدارقطني وابن حبَّان والحاكم والبيهقي، وصححه ابن حزم، كلهم من طريق أبي بكر بن نافع عنه، وأخرجه الدارقطني والطبراني من طريق طاوس، وقال الحاكم: إنَّه على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبي. * مفردات الحديث: - تراءى: هو تفاعل من: الرؤية، والمفاعلة تكون من اثنين فأكثر، أي: جعل بعضهم يقول: أنا أراه، وبعضهم يقول: لا، أنا أراه، واجتمعوا، أو تصدوا لرؤيته. - الهلال: -بكسر الهاء وتخفيف اللام- جمعه: أهلة، ويسمى: هلالاً لثلاث ليال من أول الشهر، ثم بعد ذلك يسمَّى: قمرًا. وسمي هلالاً؛ لأنَّ الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته. ...

стр. 1632

٥٤٣ - وَعَنِ ابْن عبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ أعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَال: إِنِّي رَأيْتُ الهِلاَلَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلاَلُ؛ أنْ يَصُومُوا غَدًا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث مرسل. أخرجه الحاكم (١٥٤٦)، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي. قال الألباني: وفيه نظرٌ، فإن سماك بن حرب -أحد رجال السند- مضطرب الحديث، وقد رجَّح جماعة من مخرجي الحديث إرساله. قال الترمذي: حديث ابن عبَّاس فيه اختلاف، وأكثر أصحاب ابن سماك يروونه عن عكرمة عن النبي ﷺ . وقال أبو داود: رواه جماعة عن عكرمة مرسلاً، وقال النسائي: إنَّ إرساله أولى بالصواب. * مفردات الحديث: - أعرابيًّا: قال في "المصباح": الأعراب: أهل البدو من العرب، الواحد: أعرابي، وهو الذي يرتاد الكلأ، وزاد الأزهري: من نزل البادية، وظعن بظعنهم، فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى فهم عرب.

стр. 1633

- فأذَّن: أمر من: الأذان، والمراد به: الإعلام والإخبار بالصوم غدًا؛ لكونه من رمضان. - أن يصوموا غدًا: "أن" مصدرية، والجار والمجرور محذوف، والتقدير: أذَّن فيهم بصوم الغد. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - أنَّ نصاب الشهادة في دخول شهر رمضان يكفي فيها شاهد واحد. قال العلماء: ولو أنثى، لأنَّه من باب الرواية، فيجب صوم رمضان ولو بشهادة الواحدة. قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. وهو مذهب الشافعي وأحمد. قال النووي: وهو الأصح؛ لأنَّه خبر ديني لا تهمة فيه، وأحوط للعبادة. أما بقية الشهور: فلا يكفي إلاَّ شهادة رجلين عدلين؛ لقول ابن عمر وابن عباس: "كان رسول الله ﷺ لا يجيز على شهادة الإفطار، إلاَّ شهادة رجلين" قال الترمذي وغيره: لم يختلف أهل العلم في الإفطار، إلاَّ بشهادة رجلين، وإنما أجزأ الواحد في الصوم؛ احتياطًا للعبادة. ٢ - أنَّه لابد من تكليف الشاهد؛ بأن يكون بالغًا عاقلاً، فابن عمر والأعرابي مكلفان حين أداء الشهادة برؤية الهلال. ٣ - أنَّه لابد من إسلام الشاهد، ومن ثبوت عدالته، فالإسلام يدل على اعتباره سؤال النبي ﷺ الأعرابي هل يقر بالشهادتين، وأما العدالة فالصحابة كلهم عدول. ٤ - أنَّه يكفي في أداء الشهادة الإخبار، ولا يشترط لفظ الشهادة؛ كالرواية، وسائر الإخبارات. ٥ - استحباب ترائي الهلال؛ لما يترتب على رؤيته من أحكام الشعائر الهامة.

стр. 1634

٦ - يجب على ولاة أمور المسلمين إشاعة خبر الصوم أو الفطر؛ ليقوم الجميع بما يجب عليهم من صوم أو فطر، وغيرهما من الأحكام المترتبة على ثبوت الرؤية. ٧ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: لا ريب أنَّ كل أمر مهم عمومي يراد إعلانه على وجه السرعة، يسلك فيه طريق يحصل به المقصود، ولم يزل الناس يخبرون عن هذه الأمور بأسرع وسيلة، وكلما تجدد لهم وسيلة أسرع مما قبلها أسرعوا إليها، وأصول الشريعة تدل على هذا؛ ذلك أنَّ كل ما دلَّ على صدق الخبر، فإنَّ الشارع يُقرّه ويقبله، فالشارع لا يرد خبرًا صحيحًا بأي طريقٍ وصل، إذا عُلم هذا الأصل فإنَّه متى ثبت بطريق شرعي خبر الصوم والفطر وجب قبوله، والاستفاضة في الأخبار من جملة الطرق الشرعية خبر الصوم والفطر وجب قبوله، والاستفاضة في الأخبار من جملة الطرق الشرعية التي تفيد صدق مخبِرها، ومن المعلوم أنَّ الاستفاضة الحاصلة في زمن المدافع والبرقيات ووسائل الإعلام أبلغ من الاستفاضة المفيدة للعلم، والعادة المطردة والعرف المستقر في بث الأخبار من الأمور الرسمية، لا تبقي شكًّا في صدق الخبر. ***

стр. 1635

٥٤٤ - وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلاَ صِيَامَ لَهُ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَمَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. وَلِلْدَّارَقُطْنِيِّ: "لاَ صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ" (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أبو داود والدارقطني والطحاوي والبيهقي من طريق عبد الله بن وهب بسنده إلى حفصة، وأخرجه الإمام أحمد من طريق حسن بن موسى، ورجاله كلهم رجال الشيخين غير ابن لهيعة، وهو صحيح الحديث إذا روى عنه أحد العبادلة الثلاثة، كهذا الحديث. أما من حيث الرفع والوقف: فقد رجَّح بعض العلماء، وقفه ومنهم: البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي وأبو حاتم والبيهقي، وبعضهم حكم له بالرفع، ومنهم: ابن حزم والخطابي وعبد الحق وابن الجوزي والشوكاني، وقال البيهقي والدارقطني: رواته ثقات، وقواه ابن حزم، وصححه الحاكم. * مفردات الحديث: - من لم يبيت الصيام: بيَّت فلان الأمر؛ أي: دبره بليل، والمراد هنا: من لم يبيت الصيام الواجب، وذلك بنية الصيام من الليل، فلا صيام له.

стр. 1636

٥٤٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: لاَ، قَالَ: فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: أرِينِيهِ، فَلَقَدْ أصْبَحْتُ صَائِمًا، فَأَكَلَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - فإني صائم: يعني: ما استقبلتُ من يومي هذا. - حَيْسًا: -بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة التحتية ثم سين مهملة- هو طعام يُصنع من التمر والأقط والسمن، تخلط وتعجن. - أرينيه: أمر من: الرؤية، والنون للوقاية، والياء بعدها ضمير المتكلم، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني ضمير الغائب. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يدل الحديث رقم (٥٤٤): على أنَّ الصيام لابد له من نية؛ كما جاء في البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) عن النبي ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى" قال في "الشرح الكبير": وذلك بإجماع العلماء. ٢ - قال في "شرح الإقناع": والنية محلها القلب، فمن خطر بباله أنَّه صائم غدًا، فقد نوى، ويكفي الأكل والشرب بنية الصوم، فلا يصح الصيام بنية من النهار. ٣ - "فلا صيام له": نفي للوجود الشرعي؛ فإنَّ الصيام لابد أن يشمل النهار كله، ومن لم ينو إلاَّ بعد الفجر فإنَّ جزءًا من يوم لم يَنْوِهِ.

стр. 1637

٤ - أنَّ تبييت النية بأن تكون في الليل هو خاص بالصوم الواجب، وهو صوم رمضان أداءً وقضاءً، وصوم الكفارة والنذر. ٥ - أما صوم التطوع: فيصح بنية من النهار، كما في الحديث رقم (٥٤٥)، فإنَّه لا يجب تبييت نية الصيام من الليل، وإنما يكفي بنية من النهار في أي جزء منه، حتى ولو بعد الزوال. قال في "شرح الإقناع": ويصح صوم نفلٍ بنيةٍ من النهار، قبل الزوال أو بعده؛ لحديث عائشة. ٦ - أنَّه يحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية؛ لأنَّ ما قبله لم يوجد فيه قصد القُربة، فلا يقع عبادة. لكن يشترط ألا يكون أتى بمفطر بعد الفجر، وقبل النية، فإن أتى بمفطر، فلا يجزئه الصوم، بلا خلاف بين أهل العلم. ٧ - يجوز تبييت نية الصوم واجبًا، أو تطوعًا من أي جزء من الليل، ولو أتى بعد النية بمنافٍ للصوم، ما دام أنَّ الفجر لم يطلع. ٨ - قال في "شرح الإقناع": ويجب تعيين النية لما يصومه من رمضان، أو من قضائه، أو نذره، أو كفارة؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات"؛ لأنَّ النية تميز العبادات بعضها عن بعض، فالتعيين مقصود في نفسه. ٩ - الحديث رقم (٥٤٥): يدل على أنَّه لا يجب إتمام صوم التطوع، بل يجوز قطعه والإفطار، إلاَّ أنَّه يستحب الإتمام. قال في "شرح الإقناع": ومن دخل في تطوع غير حج وعمرة، استحب له إتمامه؛ لأنَّ تكميل العبادة هو المطلوب، ولم يجب عليه إتمام لحديث عائشة، ولكن يكره قطعه بلا عذرة لما فيه من تفويت الأجر، وإن أفسده فلا قضاء عليه، وكذا لا تلزم الصدقة، ولا القراءة، ولا الأذكار بالشروع فيها، عند الأئمة الأربعة، وإذا قطع العبادة النافلة، فهل يثاب على الجزء

стр. 1638

الذي قطعه؟ فيه خلاف، رجَّح الشيخ تقي الدين أنَّه يثاب على ما فعله. ١٠ - قوله: "إني صائم لا يحمل على الحقيقة الشرعية؛ وهو الصيام الشرعي؛ لأنَّه جاء بخطاب الشارع. ويحسن أن نلاحظ أنَّ الحقائق ثلاث: لغوية، وشرعية، وعرفية، فلو فرضنا معنًى من المعاني له لفظ لغوي، ولفظ شرعي، ولفظ عرفي، فإن جاء بلفظ أهل اللغة حملناه على معناه عندهم، وإن جاء بلفظ الشرع حملناه على المعنى الشرعي، وإن جاء بلسان العامة حملناه على المعنى العرفي. وهذا التقسيم يفيد في: الأوقاف، والوصايا، والوثائق، والإقرارات، والعقود، ونحو ذلك. ١١ - على صائم النفل مراعاة المصلحة في إمضاء صومه أو فطره، فإن حقق فطره مصلحةً أفطر، كما أفطر ﷺ لما وجد من الأكل ما يعينه على طاعة الله تعالى، وإن لم يوجد مصلحة فالأفضل إتمام صومه. قال في "شرح الإقناع"؛ وإن حضر المدعو إلى وليمة ونحوها، وهو صائم صومًا واجبًا لم يفطر، وإن كان تطوعًا فإن كان في ترك الأكل كسر قلب الداعي، استُحب له أنَّ يفطرة لأنَّ في أكله إدخال السرور على قلب أخيه المسلم، وإن لم يكن في تركه الأكل كسر قلب الداعي، كان إتمام الصوم أولى من الفطر. قال الشيخ: وهو أعدل الأقوال. * خلاف العلماء: اختلف العلماء: هل يكفي لصوم شهر رمضان نية واحدة في أوله، أو لابد لكل صوم يوم من نية خاصة مستقلة؟ فذهب المالكية إلى: أنَّه يجزىء صوم شهر رمضان بنيةٍ واحدةٍ تكون في أول الشهر، وكذا في صيام متتابع مثل كفارة جماع في رمضان، وكفارة قتلٍ

стр. 1639

وظهارٍ، ما لم يقطعه بسفرٍ، أو مرضٍ، أو يكون على حالة يجوز له الفطر، كحيض ونفاس ونحو ذلك، فيلزمه استئناف النية، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه جماعة: منهم أبو الوفاء بن عقيل. واستدلوا على ذلك: بما في الصحيحين: "إنما الأعمال بالنيات"، وهذا قد نوى جميع الشهر، ورمضان بمنزلة عبادة واحدة. وذهب الجمهور إلى: أنَّ كل يوم عبادة مستقلة بذاتها يحتاج إلى نية خاصة بها. وتظهر النتيجة فيما لو نام مكلف في رمضان، أو صيام كفارة، وذلك قبل الغروب إلى ما بعد الصبح، فعلى القول الأول يصح صومه، وعلى الثاني لا يصح؛ لأنَّه لم يبيت نية الصوم الواجب من الليل، والقول الأول أرجح. واختلفوا: هل تعيين نية الصوم واجب، أم يكفي نية الصوم المطلق؟ فذهب الجمهور -ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد-: إلى وجوب تعيين النية لما يصوم له: من أداء رمضان، أو قضائه، ومن النذر، والكفارة، والتطوع، فإن لم يعين النية لم يصح صومه؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات"، والنية شرعت لتمييز العادة عن العبادة، وتمييز العبادات بعضها عن بعض. قال الشيخ تقي الدين: وتحقيق المسألة أنَّ النيَّة تتبع العلم، فإذا علم أنَّ غدًا من رمضان، فلابد من التعيين، وإن كان لا يعلم أنَّ غدًا من رمضان، فلا يجب عليه التعيين. وذهب الحنفية إلى التفصيل: فالصيام الثابت في الذمة كقضاء رمضان، والكفارات، والنذر المطلق، ونحو ذلك -فهذا يشترط فيه تعيين النية. والنوع الآخر -وهو ما يتعلق بعينه، وهو صوم رمضان أداءً، والنذر المعين زمانه، والنفل المقيد، ونحو ذلك- فهذا لا يشترط تعيينه بالنية، بل

стр. 1640

يكفي مطلق نية الصيام. قال الشيخ: تعيين النية لشهر رمضان فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد: أحدها: ألا يجزئه الصيام إلاَّ أن ينوي رمضان، وهو مذهب الشافعي. الثاني: يجزئه، وهو مذهب أبي حنيفة. الثالث: يجزئه بنية مطلقة. وتحقيق المسألة أنَّ النيَّة تتبع العلم، فإن علم أنَّ غدًا من رمضان فلابد من التعيين، وإن كان لا يعلم فلا يجب التعيين. ***

стр. 1641

٥٤٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ، مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ٥٤٧ - وَلِلْتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "قَالَ اللهُ : أحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أعْجَلُهُمْ فِطْرًا" (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: "أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا": لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي. قال محرره عفا الله عنه: زيادة الترمذي هذه ساقها المصنف هنا، وذكرها في "التلخيص"، ولم يعقب عليها بشيء، مما يدل على قبولها عنده، ومعناها موافق للأحاديث الصحيحة في هذا الباب. وهذا الحديث في سنده مرة بن عبد الرحمن المغازي، قال الإمام أحمد: إنَّه منكر الحديث، وقال ابن عدي: لا بأس به، ووثقه ابن حبان، وقال الحافظ: صدوق، وله مناكير. وقد حسَّنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن حبَّان. * مفردات الحديث: - لا يزال: من: زال يزول زوالاً، يتعدى بالهمزة والتضعيف، وزال من أخوات

стр. 1642

كان، ويشترط لها أنَّ يتقدمها نفي أو نهي، والمراد بها: ملازمة المسند للمسند إليه، فإذا قلتُ: ما زال خليل واقفا، فالمعنى أنَّه ملازم للوقوف. - ما عجلوا: "ما" هنا حرفية مصدرية ظرفية، ومعناها: مدة تعجيلهم الفطر. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - استحباب تعجيل الفطر، وقد اتَّفق العلماء على استحباب تعجيل الفطر، إذا تحقق غروب الشمس برؤيةٍ، أو بخبر ثقةٍ، أو غلب على ظنه الغروب. ٢ - أنَّ تعجيل الفطر دليل على بقاء الخير عند من عجَّله، وزوال الخير عمن أخَّره. ٣ - الخير المشار إليه هو اتباع السنة، ولا شكَّ أنَّه سبب خيري الدنيا والآخرة؛ ففي سنن أبي داود: "لا يزال الدين ظاهرًا، ما عجَّل الناس الفطر؛ لأنَّ اليهود والنصارى يؤخرون الإفطار إلى اشتباك النجوم" ونحوه في الصحيحين، فالشارع الحكيم يطلب من المسلمين ألا يشابهوا أهل الكتاب في عباداتهم، فتعجيل الفطر شعار يفرق بين صيام أهل الإسلام وأهل الكتاب، وبين سوء المخالفة، وحسن الاتباع والاقتداء. ٤ - هذا الحديث من المعجزات النبوية؛ فإنَّ تأخير الإفطار هو طريقة بعض الفرق الضالة. ٥ - قال ابن عبد البر وغيره: أحاديث تعجيل الفطور، وتأخير السحور صحيحة متواترة، وأجمع العلماء على أنَّ تعجيل الفطر، وتأخير السحور، سنة متبعة، حكاه الوزير ابن هبيرة، وجزم به الشيخ تقي الدين. ٦ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهذا يقتضي أنَّ الإفطار عند غروب الشمس، فقد أجمعوا على أنَّ الصوم ينقضي ويتم بتمام الغروب، وأنَّ السنة أنَّ يفطر إذا تحقق الغروب، وأن له الفطر بغلبة الظن اتفاقًا، وذلك إقامة للظن مقام اليقين.

стр. 1643

قال الشيخ تقي الدين: ومع الغيم المطبِق لا يمكن اليقين إلاَّ بعد أن يذهب وقت طويل من الليل، ويفوت تعجيل الفطر، فعليه لا يستحب التعجيل مع الغيم إلى أن يتيقن الغروب، وكره الفطر مع الشك في غروب الشمس، ولا يكره السحور مع الشك في طلوع الفجر، إلاَّ الجماع. ٧ - الأكل ونحوه مع الشك في طلوع الفجر جائز، والإفطار مع الشك في الشمس لا يجوز، وهو مبني على قاعدة شرعية عظيمة هي أنَّ: "الأصل بقاء ما كان على ما كان"؛ ففي السحور الأصل بقاء الليل، وفي الفطر بالأصل بقاء النهار. ٨ - فيه إثبات صفة المحبة لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا يليق بجلاله، وأنَّ هذه المحبة الربانية تتفاوت، فأحبهم إليه أكثرهم لشرعه اتباعًا، ولأمره امتثالاً، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. الطوائف في المحبة ثلاث: (أ) المعطلة: يقولون: إنَّ الله لا يُحَبُّ، وهؤلاء نفاة صفات الرب جلَّ وعلا. (ب) الأشاعرة: يقولون: إنَّ الله يحبه خلقُه، ولكنه لا يُحب؛ لأنَّ إثبات المحبة له هو إثبات ميله إلى ما نفعه، أو عما يضره، والله منزَّه عن هذا، وهذا قول باطلٌ؛ لأنَّ هؤلاء شبهوا الله تعالى بخلقه، ثم عطلوه من صفاته. (ج) أهل السنة والجماعة: يقولون إنَّ الله يُحِب ويُحَب، كما جاءت النصوص بذلك، ولكن محبته لشىء من الأشياء هي محبة لائقة بجلاله، ليست كمحبة المخلوقين، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى].

стр. 1644

٥٤٨ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ برَكَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - السحور -بفتح السين المهملة-: اسم للطعام الذي يتُسحر به، وروي بالضم فهو مصدر، أي التسحر؛ أي: اسم للفعل نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح، وهو مشتق من: السَّحر، وهو ما قبيل الفجر. - بركة: -بفتحتين-: هي كثرة الخير، ومن معانيها: النَّماء والزيادة، والتبريك الدعاء بالبركة، وسميت بِركة الماء؛ لكثرة مائها، والبركة في الفعل والطعام. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - زاد الإمام أحمد (١٠٦٤٦) من حديث أبي سعيد: "فلا تدعوه، ولو أن يتجرَّع أحدكم جرعة من ماء؛ فإنَّ الله وملائكته يصلون على المتسحرين". ٢ - ظاهر الحديث وجوب السحور، ولكن صرفه عن الوجوب إلى الندب هو ما ثبت من مواصلته ﷺ ، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ التسحر مندوب، وليس بواجب. ٣ - البركة الحاصلة من السحور ما فيه من امتثال الأمر الشرعي، فطاعة الله تعالى هي امتثال أمره، واجتناب نهيه. ومن بركته: أنَّ الأكل للتقوي على الصيام، وطاعة لله تعالى، وعبادته، ومن بركته أنَّ السحور يعطي الصائم قوة لا يَملُّ معها الصيام، بخلاف من لا يتسحر، فإنَّه يجد مشقة تثقل عليه الصيام والعبادة، ومن بركة السحور أنَّه

стр. 1645

يكون سببًا للانتباه من النوم في وقت السحر، الذي هو وقت الاستغفار والدعاء، وفيه ينزل الرب جلَّ وعلا إلى السماء الدنيا، ينادي عباده ليسألوه مطالبهم ورغباتهم. ومن بركة السحور صلاة الفجر مع الجماعة، وفي وقتها الفاضل، ولذا تجد المصلين في صلاة الفجر في رمضان أكثر منهم في غيره من الشهور؛ لأنَّهم قاموا من أجل السحور. ٤ - ينبغي للمسلم ألا يقوم بأموره العادية مجردة عن النية الصالحة، بل يمرن نفسه على أن تكون أعماله العادية عبادات لله تعالى، وذلك باستحضار إرادة هذه المعاني السامية لتصبح كل تصرفاته عبادة لله تعالى، ومادة "خير" و"بركة" تعود عليه بالثواب والأجر، أسال الله أنَّ يوفقنا والمسلمين لكل ما يقرب من رضاه، آمين، وصلى الله على نبينا محمد. ٥ - في السحور من مخالفة أهل الكتاب؛ فقد جاء في صحيح مسلم (١٠٩٦) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسُول الله ﷺ : "إنَّ فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر". والشارع يريد ألا يكون لنا مشابهة بالكفار، لا في العبادات، ولا في العادات، لكن إن تشبه المسلم بالكفار بعباداتهم، فهذا قد يؤدي إلى الشرك والكفر، وإن كان في العادات باستحسان أفعالهم وعاداتهم، فهذا قد يؤول إلى التشبه بهم في الأمور الباطنة، ويكون منه الهلاك. ٦ - قوله: "فإنَّ في السحور بركة" دليل على أنَّ البركة تكون في المخلوقات؛ وذلك بحسب ما وهبه الله تعالى من القدرة، والمؤهلات، والمنفعة، فقد يكون في الإنسان بركة إما: بعلمه، وإما ببدنه، وإما بخُلقه، وإما بماله، وإما بجاهه، فيحصل منه خير ينتفع به غيره، والممنوع من التبرك في المخلوقين أن تكون بجسمه، فيتبرك بالظاهر من فضلاته، وثيابه،

стр. 1646

وشعوره، ونحو ذلك، فهذا لا يكون إلاَّ في حق النبي ﷺ ، ومن عداه ممنوع منه. * فائدة: أحاديث الأمر بالتسحر، والحض عليه، وتأخيره، وتعجيل الفطر، متواترة، حكاها الطحاوي وغيره. ولا يجب السحور، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا. وقال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الفطور، وتأخير السحور صحيحة متواترة. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًا. ويدل عليه: ما جاء في البخاري (١٨٥٣)، ومسلم (١١٠٠) من حديث عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغابت الشمس -فقد أفطر الصائم" ولكن سيأتي قريبًا إن شاء الله أنَّ معنى الآية والحديث، أنَّه قد دخل وقت الإفطار، لا أنَّه حصل الإفطار بالفعل. ***

стр. 1647

٥٤٩ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أفْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيُفْطِرْ عَلى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٍ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. في هذا الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: هذا الحديث الذي معنا، وقد علمنا من أخرجه من كلام المصنف. الثاني: حديث أنس مرفوعًا، بلفظ: "كان يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار". أخرجه العقيلي في الضعفاء؛ والضياء المقدسي (٥/ ١٣١). الثالث: حديث أنس: "كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يجد، فعلى تمرات، فإن لم يجد تمرات، حسا حسوات من ماء" رواه أبو داود (٢٠٠٩) والترمذي (٦٣٢) وقال: حسن غريب، وهذا أصح الأحاديث الثلاثة، فهو حديث حسن، فقد حسَّنه الترمذي، وصححه أبو حاتم والحاكم، ووافقه الذهبي.

стр. 1648

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - جاء الحديث من رواية الترمذي (٦٣٢) وأبو داود (٢٠٠٩) عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات، فإن لم يجد، فعلى تمرات، فإن لم يجد، حسا حسوات من ماء". ٢ - وفيه الحديث استحباب الإفطار على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فماء. ٣ - قال ابن القيم في "الطب النبوي": وهذا من كمال شفقته ﷺ على أمته ونصحه، فإنَّ التمر مقوٍّ للكبد ملين للطبع، وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن، وأكله على الريق يقتل الدود، فهو فاكهة، وغذاء، ودواء، وحلوى. وقال الدكتور صبري القباني: التمر غني بعدد من أنول السكر، فهو يتحلل رأسًا إلى الدم فالعضلات؛ ليهبها القوة. وقد أثبت الطب الحديث صحة سنة الرسول الأعظم في الصيام والإفطار، فالصائم يستنفد السكر المكتنز في خلايا جسمه، وهبوط نسبة السكر في الدم عن حدها المعتاد، هو الذي يسبب ما يشعر به الصائم من ضعف وكسل، وروغان في البصر، لذا كان من الضروري أن نمد أجسامنا بمقدار وافر من السكر ساعة الإفطار، لتعود إليه قواه سريعًا. ٤ - قال محرره عفا الله عنه: فمثل هذا الحديث من الإعجاز العلمي، الذي اكتشف في كثير من نصوص الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، مما يثلج قلب المؤمن، بأنَّه تنزيل من حكيم خبير. ٥ - قوله: "فإن لم يجد، فليفطر على ماء-: فإنَّه طهور" الطهور هنا المراد به -والله أعلم-: أنَّ الماء مطهر للمعدة والأمعاء، وهذا الآن حقيقة علمية طبية، فإنَّ الأطباء ينصحون، ويوصون بشرب الماء على الفرك، ويقولون: إنَّه يغسل المعدة والأمعاء، ويعدل طبيعة الإنسان.

стр. 1649

٥٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عنِ الوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ: فَإنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: وَأَيُّكُّمْ مِثْلِي؛ إِنِّي أَبِيْتُ يُطْعِمُنِي رَبَيّ وَيَسْقِينِي، فَلَمَّا أبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الهِلاَلَ، فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ الهِلاَلُ لَزِدْتُكُمْ، كالمُنكِّلِ لَهُمْ حَينَ أبَوْا أنْ يَنْتَهُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - الوصال: -بكسر الواو وفتح الصاد المهملة- مأخوذ من: الوصل، والمراد هنا: مواصلة الصيام اليومين فأكثر، من غير إفطار بالليل. - المنكِّل -بضم الميم وفتح النون ثم كاف مشددة-: المعاقب لهم بما يردعهم عن مثل صنيعهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الشريعة الإسلامية سمحة ميسرة، لا عنت فيها ولا مشقة، ومشرعها الحكيم الرحيم يكره الغلو، في الزيادة على المشروع، ولما فيه من تعذيب النفس، فلا يكلف الله نفسًا إلاَّ وسعها. ٢ - التيسير في العبادة والتسهيل أبقى للعمل، وأبعد عن السأم، وأقرب إلى العدل، فالمسلم لربه عليه حق، ولنفسه عليه حق، ولأهله عليه حق، والعدل إعطاء كل ذي حق حقَّه.

стр. 1650

٣ - يدل الحديث على تحريم الوصال بالصيام اليوم واليومين. ٤ - جوازه للقادر عليه إلى السحر، وتركه أولى لتفويته فضيلة تعجيل الفطر عند تحقق الغروب. ٥ - رحمة الشارع الحكيم الرحيم بالأمة؛ إذْ حرَّم عليهم ما يضرهم، ويُضعف قواهم. ٦ - الحكمة -والله أعلم- في النهي عن الوصال: هو ما يحصل به من الضعف والسآمة، والعجز عن المواظبة على كثير من وظائف الطاعات، والقيام بحقوقها. ٧ - النَّهي عن الغلو في الدين؛ فإنَّ الشريعة المحمَّدية هي الشريعة السمحة المقسطة. ٨ - أنَّ التكاليف الشرعية شرعت بقدر طاقة الإنسان، فهي مقدرة من الرب الحكيم العليم. ٩ - أنَّ الوصال من خصائص النبي ﷺ وحده، لأنَّه الذي يقدر عليه، بلا كلفة ولا مشقة، ولا يلحقه في هذا المقام أحد؛ لأنَّ له مناجاة واتصالاً لا يصل إليهما غيره. ١٠ - أنَّ غروب الشمس وقت للإفطار، ولا يحصل به الإفطار، وإلاَّ لما كان للوصال معنى إذا أفطر بغروب الشمس، وأما معنى الحديث الذي في البخاري (١٨٥٣) ومسلم (١١٠٠): "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا -فقد أفطر الصائم"؛ فإن المراد به: أنَّه دخل في وقت الإفطار، ويؤيده رواية البخاري: "فقد حل الإفطار"، ولو كان المراد به أنَّه أفطر فعلاً، لما صار معنًى لاستحباب تعجيل الفطر، وكراهية الوصال. ١١ - يدل الحديث على أنَّ ما ثبت في حق النبي ﷺ ، فهو ثابت في حق أمته إلاَّ ما خصَّه الدليل، ووجهه من الحديث قول الصحابة: "فإنَّك تواصل" لما
следующие страницы →