وشعوره، ونحو ذلك، فهذا لا يكون إلاَّ في حق النبي ﷺ ، ومن عداه ممنوع منه.
* فائدة:
أحاديث الأمر بالتسحر، والحض عليه، وتأخيره، وتعجيل الفطر، متواترة، حكاها الطحاوي وغيره.
ولا يجب السحور، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا.
وقال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الفطور، وتأخير السحور صحيحة متواترة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًا.
ويدل عليه: ما جاء في البخاري (١٨٥٣)، ومسلم (١١٠٠) من حديث عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغابت الشمس -فقد أفطر الصائم" ولكن سيأتي قريبًا إن شاء الله أنَّ معنى الآية والحديث، أنَّه قد دخل وقت الإفطار، لا أنَّه حصل الإفطار بالفعل.
***
стр. 1647
٥٤٩ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أفْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيُفْطِرْ عَلى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٍ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: هذا الحديث الذي معنا، وقد علمنا من أخرجه من كلام المصنف.
الثاني: حديث أنس مرفوعًا، بلفظ: "كان يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار". أخرجه العقيلي في الضعفاء؛ والضياء المقدسي (٥/ ١٣١).
الثالث: حديث أنس: "كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يجد، فعلى تمرات، فإن لم يجد تمرات، حسا حسوات من ماء" رواه أبو داود (٢٠٠٩) والترمذي (٦٣٢) وقال: حسن غريب، وهذا أصح الأحاديث الثلاثة، فهو حديث حسن، فقد حسَّنه الترمذي، وصححه أبو حاتم والحاكم، ووافقه الذهبي.
стр. 1648
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جاء الحديث من رواية الترمذي (٦٣٢) وأبو داود (٢٠٠٩) عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات، فإن لم يجد، فعلى تمرات، فإن لم يجد، حسا حسوات من ماء".
٢ - وفيه الحديث استحباب الإفطار على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فماء.
٣ - قال ابن القيم في "الطب النبوي": وهذا من كمال شفقته ﷺ على أمته ونصحه، فإنَّ التمر مقوٍّ للكبد ملين للطبع، وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن، وأكله على الريق يقتل الدود، فهو فاكهة، وغذاء، ودواء، وحلوى.
وقال الدكتور صبري القباني: التمر غني بعدد من أنول السكر، فهو يتحلل رأسًا إلى الدم فالعضلات؛ ليهبها القوة.
وقد أثبت الطب الحديث صحة سنة الرسول الأعظم في الصيام والإفطار، فالصائم يستنفد السكر المكتنز في خلايا جسمه، وهبوط نسبة السكر في الدم عن حدها المعتاد، هو الذي يسبب ما يشعر به الصائم من ضعف وكسل، وروغان في البصر، لذا كان من الضروري أن نمد أجسامنا بمقدار وافر من السكر ساعة الإفطار، لتعود إليه قواه سريعًا.
٤ - قال محرره عفا الله عنه: فمثل هذا الحديث من الإعجاز العلمي، الذي اكتشف في كثير من نصوص الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، مما يثلج قلب المؤمن، بأنَّه تنزيل من حكيم خبير.
٥ - قوله: "فإن لم يجد، فليفطر على ماء-: فإنَّه طهور" الطهور هنا المراد به -والله أعلم-: أنَّ الماء مطهر للمعدة والأمعاء، وهذا الآن حقيقة علمية طبية، فإنَّ الأطباء ينصحون، ويوصون بشرب الماء على الفرك، ويقولون: إنَّه يغسل المعدة والأمعاء، ويعدل طبيعة الإنسان.
стр. 1649
٥٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عنِ الوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ: فَإنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: وَأَيُّكُّمْ مِثْلِي؛ إِنِّي أَبِيْتُ يُطْعِمُنِي رَبَيّ وَيَسْقِينِي، فَلَمَّا أبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الهِلاَلَ، فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ الهِلاَلُ لَزِدْتُكُمْ، كالمُنكِّلِ لَهُمْ حَينَ أبَوْا أنْ يَنْتَهُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الوصال: -بكسر الواو وفتح الصاد المهملة- مأخوذ من: الوصل، والمراد هنا: مواصلة الصيام اليومين فأكثر، من غير إفطار بالليل.
- المنكِّل -بضم الميم وفتح النون ثم كاف مشددة-: المعاقب لهم بما يردعهم عن مثل صنيعهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الشريعة الإسلامية سمحة ميسرة، لا عنت فيها ولا مشقة، ومشرعها الحكيم الرحيم يكره الغلو، في الزيادة على المشروع، ولما فيه من تعذيب النفس، فلا يكلف الله نفسًا إلاَّ وسعها.
٢ - التيسير في العبادة والتسهيل أبقى للعمل، وأبعد عن السأم، وأقرب إلى العدل، فالمسلم لربه عليه حق، ولنفسه عليه حق، ولأهله عليه حق، والعدل إعطاء كل ذي حق حقَّه.
стр. 1650
٣ - يدل الحديث على تحريم الوصال بالصيام اليوم واليومين.
٤ - جوازه للقادر عليه إلى السحر، وتركه أولى لتفويته فضيلة تعجيل الفطر عند تحقق الغروب.
٥ - رحمة الشارع الحكيم الرحيم بالأمة؛ إذْ حرَّم عليهم ما يضرهم، ويُضعف قواهم.
٦ - الحكمة -والله أعلم- في النهي عن الوصال: هو ما يحصل به من الضعف والسآمة، والعجز عن المواظبة على كثير من وظائف الطاعات، والقيام بحقوقها.
٧ - النَّهي عن الغلو في الدين؛ فإنَّ الشريعة المحمَّدية هي الشريعة السمحة المقسطة.
٨ - أنَّ التكاليف الشرعية شرعت بقدر طاقة الإنسان، فهي مقدرة من الرب الحكيم العليم.
٩ - أنَّ الوصال من خصائص النبي ﷺ وحده، لأنَّه الذي يقدر عليه، بلا كلفة ولا مشقة، ولا يلحقه في هذا المقام أحد؛ لأنَّ له مناجاة واتصالاً لا يصل إليهما غيره.
١٠ - أنَّ غروب الشمس وقت للإفطار، ولا يحصل به الإفطار، وإلاَّ لما كان للوصال معنى إذا أفطر بغروب الشمس، وأما معنى الحديث الذي في البخاري (١٨٥٣) ومسلم (١١٠٠): "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا -فقد أفطر الصائم"؛ فإن المراد به: أنَّه دخل في وقت الإفطار، ويؤيده رواية البخاري: "فقد حل الإفطار"، ولو كان المراد به أنَّه أفطر فعلاً، لما صار معنًى لاستحباب تعجيل الفطر، وكراهية الوصال.
١١ - يدل الحديث على أنَّ ما ثبت في حق النبي ﷺ ، فهو ثابت في حق أمته إلاَّ ما خصَّه الدليل، ووجهه من الحديث قول الصحابة: "فإنَّك تواصل" لما
стр. 1651
نهاهم عن الوصال.
١٢ - أنَّ للنَّبيَّ ﷺ خصائص ليست لأمته، وقد صنَّف فيها العلماء كتبًا، أوسعها "الخصائص الكبرى" للسيوطي.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الطعام والشراب المذكورين في الحديث على قولين:
أحدهما: أنَّه طعام وشراب حسيٌّ؛ تمسُّكًا بلفظ الحديث.
الثاني: أنَّه ما يفيض على قلبه ﷺ من لذيذ المناجاة والمعارف، فإنَّ توارد هذه المعاني الجليلة على القلب تشغله عن الطعام والشراب، فيستغني عنهما.
ولو كان طعامًا حسيًّا لم يكن مواصلاً، ولم يقل ﷺ : "لست كهيئتكم".
وهذا أرجح القولين، وقد بسط القول فيه ابن القيم في "زاد المعاد".
واختلفوا في حكم الوصال على ثلاثة أقوال: محرم، ومكروه، وجائز مع القدرة.
فذهب إلى جوازه: عبد الله بن الزبير، وبعض السلف، ومنهم عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، وأبو الجوزاء.
وذهب إلى تحريمه: الأئمة الثلاثة.
وذهب الإمام أحمد إلى التفصيل في ذلك: فهو جائز إلى السحر، مع أنَّ الأولى تركه، ومكروه أكثر من يوم وليلة.
استدل المجيزون: بأنَّه ﷺ واصل بأصحابه يومين، فهو تقرير لهم عليه، فإذا لم يُرِد المواصل التشبه بأهل الكتاب وأهل البدع، ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر، لم يُمنع من الوصال.
واستدل المحرمون: بأنَّ النَّهي يقتضي التحريم.
وأما مواصلته بأصحابه: فلم يقصد التقرير، وإنما قصد التنكيل، كما هو
стр. 1652
في بعض ألفاظ الحديث.
والتفصيل الذي ذهب إليه أحمد وبعض السلف: قال عنه ابن القيم: إنَّه أعدل الأقوال؛ لما في البخاري (١٨٢٧) من حديث أبي سعيد: "لا تواصلوا، وأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر".
***
стр. 1653
٥٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ، وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ -فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أنْ يَدَع طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، واللَّفْظُ لَهُ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- من لم يدع: توارد على الفعل جازمان، والعامل في الفعل هو الثاني المباشر، أما الأول فيكون عاملاً في المحل.
- يدع: من ودعته أدعه ودعًا: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثم حذفت الواو، ثم فتح لمكان حرف الحلق.
قال بعض المتقدمين: إن "ودع" من الأفعال التي أماتت العرب ماضيه، فلا يأتي إلاَّ أمرًا ومضارعًا، والمعنى: لم يترك، والحق أنَّ ماضيه لم يمت، وإنما هو كما قال في "المصباح": قليل الاستعمال، وإلاَّ فقد قرىء قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف.
وقال الشاعر: "غَالبه في الحب حتى ودعه" بالتخفيف.
وجاء مصدرًا في قوله ﷺ : "لينتهين أقوام عن ودعهم الجُمُعَات" [رواه مسلم (٨٦٥)].
- الزور: -بضم الزاي وسكون الواو آخره راء مهملة-: هو كل كلام مائل عن الحق، ومنه الكذب والبهتان، ومن أعظمه الشهادة الكاذبة في أخذ باطل، أو إبطال حق.
- والعمل به: أي: العمل بمقتضى ما نهى الله عنه من شهادة الزور، وما نهى الله عنه.
стр. 1654
- الجهل: السفه، من شتم وسب وقذف، وهو ضد الحلم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قول الزور هو القول المائل عن الحق إلى الباطل، فيدخل فيه كل كلام محرَّم: من الكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، والسب والشتم وغير ذلك.
٢ - فكل قول زور فهو محرَّم في كل زمان ومكان، ولكن يعظم ويشتد إثمه إذا كان في زمان فاضل كرمضان، ومكان فاضل كالحرمين، وحالة فاضلة كالصيام.
٣ - أما الجهل فهو ضد الحلم من السفه بالكلام الفاحش، فهو أيضًا محرَّم على كل حال، وحرمته من الصائم أعظم وأشد.
٤ - أنَّ الصيام مع قول الزور والجهل والسفه ناقص المعنى، قليل الأجرة لأنَّه ليس صومًا تامًّا كاملاً، ولو كان كذلك لصان صاحبَه عن الأقوال المحرَّمة، وفضول الكلام.
٥ - قوله: "فليس لله حاجة في أنَّ يدع طعامه وشرابه" -يراد به: بيان عظم ارتكاب قول الزور والجهل في حال الصيام، وإلاَّ فالله تعالى غني عن العالمين وأعمالهم.
٦ - الصيام مع الكلام المحرم ظاهره الصحة، وأداء الواجب عن صاحبه؛ إذ أنَّه ليس من المفطرات الحسية.
قال في "الإقناع": ولا يفطر بغيية ونحوها.
قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الكذب والغيبة يكرهان للصائم، ولا يفطرانه، فصومه صحيح في الحكم، وهذا مبنيٌّ على قاعدة هي: أنَّ التحريم إذا كان عامًّا لا يختص بالعبادة، فإنَّه لا يبطلها، بخلاف التحريم الخاص.
٧ - من آداب الصائم ما قاله في "الإقناع": ويجب اجتناب كذبٍ، وغيبةٍ، ونميمةٍ، وشتمٍ، وفحشٍ، ونحوه، كل وقت، وفي رمضان، ومكان فاضل آكد، وألا يعمل عملاً يجرح به صومه، فيكف لسانه عما يحرم ويكره، وإن
стр. 1655
شُتِمَ سن له جهرًا في رمضان أن يقول: إني صائم، وفي غير رمضان يقولها سرًّا، يزجر نفسه بذلك خوف الرياء.
ويستحب الإكثار من قراءة القرآن، والذكر، والصدقة، لتضاعف الحسنات به.
٨ - قوله: "فليس لله حاجة ... " فيه إثبات الحكمة من الشرائع، وأنَّ منها تهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، واستقامة الطباع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
٩ - المقصود من شرعية الصيام ليس نفس الامتناع عن المفطرات، والجوع والعطش، بل ما يتبع ذلك من كسر الشهوات، وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمارة حتى تصير مطمئنة، فإن لم يحصل له شيء من ذلك لم يبال الله بصومه، ولا ينظر إليه نظر قبول.
* فوائد:
الأولى: قال إبراهيم النخعي: تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة فيما سواه، وأخبار مضاعفة الأعمال الصالحة في رمضان متظاهرة.
الثانية: جاء في البخاري (٥٦٧٢)، ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا، أو ليصمت".
فيسن للصائم أن يسعى في حفظ لسانه عن جميع الكلام، إلاَّ ما ظهرت مصلحته.
الثالثة: جاء في البخاري (١٨٠٥)، ومسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم".
وظاهر الحديث أنَّه يجهر بذلك، واختاره الشيخ، وليس مختصًّا بالصائم، لكنه في حقه آكد.
стр. 1656
٥٥٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلَ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبِاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلكنَّهُ كَانَ أمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: "في رَمَضَانَ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يباشر: المباشرة مأخوذة من: البشرة، وهو ظاهر الجلد، ويراد بها هنا: القُبلة، واللمس لشهوة، وهو من عطف العام على الخاص، فالخاص القبلة، والعام المباشرة.
- إربه: بكسر الهمزة وسكون الراء المهملة وكسر الباء الموحدة التحتية، المراد به هنا: الذكر خاصة، والمعنى: أنَّه كان غالبًا لشهوته.
قال النووي: رويت هذه اللفظة بكسر الهمزة وإسكان الراء، وبفتح الهمزة والراء، ومعناها بالكسر: الحاجة، وكذا بالفتح، ولكنه أيضًا يطلق على العضو، وأريد به الذكر من الأعضاء خاصة.
- أملككم: من ملك يملك مُلكًا وملَكَة، وأملك اسم تفضيل، قال في "المحيط": ملك نفسه عند شهوتها؛ أي: قدر على حبسها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على جواز تقبيل الرجل زوجته، وهو صائم في رمضان، ولكنه يقيد بما إذا كان الإنسان يعلم من نفسه أنَّ القبلة لا تحرك شهوته.
٢ - كما يدل على جواز مباشرة الرجل زوجته، وهو صائم، بقيد ثقته من نفسه، بعدم ثوران شهوة واحد منهما.
стр. 1657
٣ - قال في "الإقناع وشرحه": وتكره القبلة ممن تحرك شهوته فقط؛ لحديث عائشة، فإن ظنَّ الإنزال مع القبلة حرم بغير خلاف.
ولا يكره ممن لا تحرك شهوته، وكذا دواعي الوطء كلها: من اللمس، وتكرار النظر، حكمها حكم القبلة.
ويؤيد هذا التفصيل: ما جاء في أبي داود (٢٣٨٧) من أنَّه ﷺ نهى عنها شابًّا، ورخَّص فيها لشيخٍ، وقد قال الإمام الشافعي: لا بأس بها إذا لم تحرك شهوته.
٤ - النبي ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، ولكنه أملك الناس لنفسه من أن يحصل من قبلته إنزال، أو هيجان نفس، فقد قالت عائشة ﵂: "ولكنه كان أملككم لإربه".
٥ - جواز الحديث والإخبار عن الأشياء التي يستحيى منها؛ وذلك لإظهار الحق فيها، أو بيان للطبيب المعالج، أو ذكر لك في مجال القضاء، وفصل الخصومات، والتعليم.
٦ - فائدة زوجات النبي ﷺ وبركتهن على الأمة، فقد نقلن من الأحكام الشرعية ما لا يطلع عليه إلاَّ هنَّ.
٧ - لو قبَّل أو باشر فأنزل، فمذهب الأئمة الأربعة أنَّه يفطر، وحكى الإجماع في ذلك ابنُ المنذر والموفق ابن قدامة وغيرهما، وهو الصواب؛ لما جاء في الحديث القدسي: "يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
٨ - أما خروج المذي من المباشرة، فالمشهور من المذهب أنه يفطر، وعليه أكثر الأصحاب، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد أنه لا يفطر بالإمذاء، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين، واستظهره في "الفروع"، وصوبه في "الإنصاف"، وذلك عملاً بالأصل، وأما قياسه على المني، فلا يصح لظهور الفروق بينهما، فالأقسام ثلاثة إذن:
стр. 1658
(أ) المباشرة أو التقبيل بدون إنزال مني، ولا مذي، لا تفسد الصوم بالإجماع.
(ب) المباشرة والتقبيل مع إنزال المني تفسد الصوم، حُكي في ذلك الإجماع.
(ج) المباشرة أو التقبيل مع إنزال المذي دون المني، فيه خلاف، والراجح أنَّه لا يفسد الصوم.
٩ - قولها: "كان أملككم لإربه" تشير به إلى أنَّ الذي لا يملك إربه، ولا يستطيع أن يملك شهوته عند القبلة أو المباشرة، أنه لا يحل له أن يقبل أو يباشر، وهو صائم صومًا واجبًا.
١٠ - في الحديث دليل على جواز ذكر الأحوال الجنسية عند الحاجة إلى ذكرها، من إظهار حق، وفقه في الدين، ومن وصف لطبيب ونحو ذلك، وأنه لا يعاب ذاكر ذلك للمصلحة.
١١ - الصديقة بنت الصديق ﵄ ذكرت أنواع الشهوة مترقية من الأدنى إلى الأعلى، فبدأت بالقُبلة ثم ثنت بالمباشرة.
***
٥٥٥ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ؛ أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: أفْطَرَ هَذَانِ، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بعْدُ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ؛ وَكَانَ أنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ (١).
ــ
* درجة الحديثين:
الحديثان (٥٥٤، ٥٥٥) صحيحان.
قال الإمام أحمد والبخاري عن حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم": إنَّه أصح حديث في الباب، وقال الإمام أحمد: أحاديث "أفطر الحاجم والمحجوم" يشد بعضها بعضًا، وقال الطحاوي وغيره: هي أحاديث متواترة عن عدة من الصحابة، وقال شيخ الإسلام: الأحاديث الواردة كثيرة قد بيَّنها الأئمة الحفاظ، وقال ابن القيم في "شرح سنن أبي داود": الثابت أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو محرم، وأما قوله: "وهو صائم" فإنَّ الإمام أحمد قال: لا تصح هذه اللفظة وبيَّن أنَّها وهمٌ، ووافقه غيره في ذلك، والذي في الصحيحين: "احتجم وهو محرم". اهـ.
وقال في "المغني": حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" -رواه عن النبي ﷺ أحد عشر نفسًا.
أما حديث شداد بن أوس: فصحَّحه غير من ذكر، مثل إسحاق وابن المديني وابن خزيمة والحاكم وعثمان الدارمي، وقال الزيلعي: إنَّه روي عن
стр. 1661
ثمانية عشر صحابيًّا، وممن صححه ابن عبد البر وابن حزم.
وقال الذهبي: قوله: "بالبقيع" خطأ فاحش؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يوم التاريخ المذكور في مكة، اللَّهمَّ إلاَّ أن يريد بالبقيع: السوق.
وأما حديث أنس: فقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، ولا أعلم له علة، وقال الحافظ: رجاله كلهم رجال البخاري.
وأما من ردَّه: فمنهم صاحب "التنقيح"، فقد قال: هذا حديث منكر لا يصح الاحتجاج به؛ لأنَّه شاذُّ المتن والإسناد، وضعفه ابن القيم، ففيه نكارة حيث جاء فيه: أنَّه ﷺ مرَّ بجعفر يوم الفتح وهو يحتجم، وجعفر قد استشهد قبل الفتح يوم مؤتة.
* مفردات الحديث:
- بَعْدُ: مبني على الضم؛ لقطعه عن الإضافة مع نية المضاف إليه؛ أي: بعد ذلك.
- الحجامة: يقال: حجم حجمًا من باب قتل، والحِجامَة بالكسر: اسم الصناعة.
قال في "المحيط": وهي أن يشرط الجلد بالمشراط، ثم يلقي في المحجمة قرطاس ملتهب أو قطن ونحوه، ويلزم بها مكان الشرط فيجب الدم بقوة، وفائدتها جذب المادَّة إلى جهتها، واستفراغ الدم بقوة الامتصاص.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ظاهر الحديث رقم (٥٥٣) جواز الحجامة للمحرم بحج أو عمرة، وجواز الحجامة للصائم فرضًا، أو نفلاً.
٢ - الإمام أحمد وغيره من رجال الفقه والحديث طعنوا في زيادة: "وهو صائم"، وقالوا: الثابت: "احتجم وهو محرم".
قال ابن القيم في "شرح السنن": الثابت: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو محرم"، أما وهو صائم فإنَّ الإمام أحمد قال: لا تصح هذه اللفظة، ووافقه غيره في ذلك، والذي في الصحيحين: "وهو محرم".
стр. 1662
٣ - أما الحديث رقم (٥٥٤): فإنَّه صريح في أنَّ الحجامة تفسد صوم الحاجم والمحجوم.
٤ - أما الحديث رقم (٥٥٥): فيدل على كراهة الحجامة للصائم، وعلى أنَّها تفطر الحاجم والمحجوم في أول الأمر، ثم رخَّص فيها في آخر الأمر.
٥ - الكراهية عند السلف يراد بها: كراهة التحريم.
٦ - الحكمة في إفطار المحجوم: أنَّ الحجامة تسحب الدم الذي في بدن الصائم، مما يسبب له إنهاكًا وضعفًا، مع ضعف الصيام، فمن رحمة الله تعالى بعباده أنَّ صارت الحجامة تفطر؛ لئلا يجتمع على المسلم الصائم عاملا ضعف في آنٍ واحد.
وأما سبب إفطار الحاجم: فقد كانت الحجامة بأن يمص الحاجم الدم بواسطة محاجمه، فيصل إلى جوفه من دم الحجامة، مما يسبب له الإفطار.
٧ - مثل الحجامة في الإفطار فصد العرق، وسحب الدم الكثير بواسطة الإبر المستعملة في المستشفيات، بجامع أنَّ كل هذا إخراج للدم من البدن، وإخراجه يسبب الإنهاك والضعف للصائم، مما يسبب إفطار الصائم.
والإفطار بالفصد، وسحب الدم -على القول الراجح، الذي اختاره شيخ الإسلام- مقتضى القياس.
٨ - خروج الدم اليسير من خلع ضرس، أو سحب عينة دم لتحليل، أو جرح، ونحو ذلك- لا يفطر الصائم.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الحجامة: هل تفطر الصائم، أم لا؟
ذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّها لا تفطر؛ لما روى البخاري عن ابن عباس: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو صائم محرم".
ورخَّص في الحجامة: أبو سعيد، وابن مسعود، وأم سلمة، والحسين بن
стр. 1663
علي، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير.
وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ الحجامة تفطر؛ لما في المسند والترمذي من حديث رافع بن خديج أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
قال أحمد والبخاري: إنَّه أصح حديث في الباب.
ولأبي داود عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، قال الإمام أحمد: أحاديث "أفطر الحاجم والمحجوم" يشد بعضها بعضًا، وأنا أذهب إليها.
قال الطحاوي وغيره: هي أحاديث متواترة عن عدة من الصحابة.
قال شيخ الإسلام: الأحاديث الواردة كثيرة قد بيَّنها الأئمة الحفاظ، والقول بأنَّها تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث، كأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر، وهو الموافق للقياس، والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما في صحيح البخاري (١٨٣٦): "أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو صائم محرَّم".
ولكن أحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة، وهي قوله: "وهو صائم"، وقالوا: الثابت "أنَّه احتجم وهو محرم"، قال أحمد: "وهو صائم" خطأ من قبيصة.
قال شيخ الإسلام: وما ذكره أحمد هو الذي اتَّفق عليه الشيخان.
وأحاديث الفطر صريحة صحيحة متعددة الطرق، رواها عن النبي ﷺ أربعة عشر نفسًا، وساق الإمام أحمد أحاديثهم كلها، فكيف يقدم عليها أحاديث هي بين أمرين: صحيحٌ لا دلالة فيه، أو فيه دلالةٌ، ولكن غير صحيح.
والصواب الفطر بالحجامة والفصد والتشريط، وسحب الدم الكثير من البدن الموجود في الحجامة موجودٌ في هذه الأشياء طبعًا وشرعًا.
стр. 1664
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وغيرهما من المحققين، رحمهم الله تعالى.
* فوائد:
الأولى: أجمع العلماء على أنَّ الأكل والشرب والجماع مفطرات.
واختلفوا في الحجامة، والكحل، والإنزال بدون جماع، والإمذاء، ونحو ذلك، وقد تقدم تفصيل ذلك.
الثانية: تقدم لنا أنَّ سحب الدم الكثير يفطر الصائم، كالحجامة -على القول الراجح- فلو فرضنا أنَّ مريضًا مضطرًا إلى إسعافه بالدم قبل المغرب، فإنَّه يباح لمن يراد سحب الدم منه الفطر بالسحب؛ لأجل إنقاذ المعصوم.
الثالثة: إذا جيء بالعبادة على المقتضى الشرعي، فادَّعى أحد فسادها أو بطلانها، فإنَّ عليه الدليل على ذلك، وإلاَّ فقوله لا يقبل بنقص عبادة، أو بطلانها ظاهرها الصحة إلاَّ بدليل.
الرابعة: إنَّ الشارع إذا شرع عبادة بيَّن أركانها وشروطها وواجباتها، حسبما اصطلح عليه علماء الأصول، كما بين مبطلاتها ومفسداتها، فإنَّ الأشياء لا تتم إلاَّ ببيان ما يكملها، وما يفسدها، وما يبطلها.
إذن فلا يحل لأحد أن يدَّعي بطلان أو فساد عبادات الناس من تلقاء نفسه، أو بحكم يفرضه من عنده، فإنَّ هذا اعتداء على الخلق في عبادتهم، وعدوان في حق الخالق في شرعه.
стр. 1665
٥٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لاَ يَصِحُّ فِي هَذا البَابِ شَيءٌ (١).
ــ
* أحاديث الاكتحال:
وردت أحاديث تجيز الاكتحال للصائم، وأحاديث تمنع الصائم منه، وبناءً على هذا التعارض، فقد رخص فيه بعض العلماء، ومنهم الإمام الشافعي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهم.
ومنعه بعضهم، ومنهم الإمام أحمد، وإسحاق، وسفيان، وابن المبارك.
والأحاديث التي تجيز الاكتحال للصائم، والأحاديث التي تمنع منه -كلها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة للطرفين، وهذا طرف منها:
١ - حديث عائشة: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ اكتحل وهو صائم".
قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء، وقال ابن القيم في "الهدي": روي عنه: "أنه اكتحل وهو صائم"، ولا يصح.
٢ - حديث ابن عمر: "أنَّه ﷺ خرج عليهم في رمضان، وعيناه مملوءتان من الإثمد".
رواه الترمذي، وقال: ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، قال ابن القيم في الهدي: لا يصح.
٣ - حديث معبد بن هوذة: "أنَّ النَّبىَّ ﷺ أمر بالأثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم" [رواه أبو داود (٢٣٧٧)]، قال أحمد: حديث منكر، وقال ابن
стр. 1666
معين: هذا حديث منكر، وقال ابن عدي: هذا حديث موقوف، وقال البيهقي: لا يثبت مرفوعًا، وقال ابن القيم: لا يصح.
وإذا لم تثبت الأحاديث المجيزة، ولا الأحاديث المانعة -فالصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من استصحاب البراءة الأصلية، التي لا ننتقل عنها إلاَّ بدليل، وليس في الباب دليلٌ على الإفطار بالكحل، والله أعلم.
* فائدة:
المفطرات قسمان:
الأول: مُجمع عليه بين العلماء وهو:
١ - الردة عن الإسلام؛ قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
٢ - الأكل والشرب عمدًا، ومنه الدخان؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
٣ - الجِماع؛ وهو تغييب حشفة الذكر في فرج، قبلاً كان أو دبرًا، ولو في بهيمة، فيفطر كل من الواطىء والموطوء المطاوع؛ لما في البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١١١١) من حديث أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكتُ، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أنَّ تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا ... " الحديث.
٤ - إنزال المني باختياره بمباشرة بما دون الفرج كاللمس، أو القُبلة، أو الغمزة، ونحوها، أو المساحقة، أو الاستمناء؛ لأنَّ نزول الشهوة منافية للصوم وحكمته.
٥ - خروج دم الحيض والنفاس.
٦ - الحقنة المغذية التي يُسْتغنى بها عن الطعام والشراب، فهذا نوع من الغذاء، ومثل ذلك حقن الصائم بالدم؛ فإنَّه يمد الجسم بعناصر الغذاء المغنية عن
стр. 1667
الطعام والشراب.
٧ - القيء إذا أخرجه متعمدًا؛ لما روى أبو داود (٢٣٨٠) والترمذي (٧٢٠) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من" استقاء عمدًا، فليقضِ".
هذه هي الأشياء المجمَع على أنَّها من مفسدات الصوم، ومفطرات الصائم، وتقدم صحة القول بالفطر من الحجامة، وما شابهها من تعمد إخراج الدم الكثير من البدن.
النوع الثاني: أشياء اختلف العلماء فيها: فبعضهم يرى أنَّها تصل إلى الجوف، وأنها مفطرةٌ، ومفسدةٌ للصوم، وبعضهم يرى أنَّها ليست من الطعام والشراب والغذاء، وأنَّه ليس لها تأثير في التغذية، وإعطاء الجسم فصيبًا من الغذاء، وأنَّه لا يوجد ما يدل على أنَّها من أنواع المفطرات، فلا تفطر، ذلك مثل:
الكحل، قطرة العين، قطرة الأذن، قطرة الأنف، الحقنة الشرجية، التقطير في الإحليل، إبرة الدواء، دواء الربو الذي يستنشقه المريض، دواء الجائفة والمأمومة، وبلع النخامة من أي موضع خرجت من البدن.
اختلف العلماء في الإفطار بهذه الأشياء، وفساد الصوم بها: فبعضهم يراها كلها مفطرةً للصائم؛ لما لها من نفوذ في البدن، ووصول إلى الجوف، وبعضهم يرى أنَّ بعضها يفطر، ويفسد الصوم.
وهذا الاختلاف راجع إلى اجتهادهم فيها، وتصورهم فيما تحدثه في بدن الصائم، واعتبارهم كل ما وصل إلى الجوف فهو مفطر مفسد للصوم، فممن يرى الإفطار بهذه الأشياء كلها القول المشهور في مذهب الإمام أحمد، فأصحابه مشوا في إجراء كل ما وصل إلى الجوف من أي موضع نفذ مجرى المفطرات.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وكثير من رجال الحديث ممن تمسكوا بالآثار-: فلا يرون الفطر من هذه الأشياء وأمثالها.
стр. 1668
استدل القائلون بالإفطار بهذه الأمور على قولهم بأمرين:
الأول: ما رواه أبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨) من حديث لقيط بن صبرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "وبالغ في الاستنشاق، إلاَّ أن تكون صائمًا".
الثاني: القياس، فقد قاسوا هذه الأمور على الأكل والشرب، بجامع وصولها إلى الجوف، فإنَّما حصل بالأكل والشرب لوصوله إلى الجوف، وهذه الأمور لها نفوذ وقوة تصل بهما إلى الجوف، وكل ما وصل إلى الجوف فهو مفطر للصائم.
الجواب عن هذا:
أولاً: أنَّه لا يوجد عن رسول الله ﷺ حديث صحيح، ولا ضعيف، ولا مسند، ولا مرسل، يدل على أنَّ هذه الأمور من المفطرات.
ثانيًا: إنَّ الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لابد أن يبينها النبي ﷺ بيانًا عامًّا، ولابد أنَّ تنقله الأمة، فإذا انتفى هذا، عُلِم أنَّ هذا ليس من دينه، فالقياس وإن كان حجة، فالأحكام الشرعية التي الأمة بحاجة ماسة إلى بيانها لا تترك للقياس، وإنما تبينها النصوص الشرعية.
ثالثًا: النص والإجماع أثبت الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض، فأما الكحل والحقنة والدواء والقطرة، ونحو ذلك فليست طعامًا ولا شرابًا، وإنما هي أدوية لمكافحة الأمراض، ومقاومة الجراثيم، فهي أشياء مبيدة لا أشياء مغذية مفيدة، والعلة الشرعية في الإفطار ليست هي مجرد وصول أية مادَّة إلى الجوف لتكون مناط الحكم، فتلحق هذه الأمور بما يصل إلى الجوف من الطعام والشراب، وإنما يكون الإفطار من أحد الأمرين:
١ - إما وصول طعام أو شراب إلى المعدة ليمد الجسم بالتغذية، ويحصل به الأكل والشرب، فيتولد الدم الكثير الجاري في الأوراد والشرايين، التي يجد الشيطان مجاله فيها واسعًا، فيجري معها بإغواء بني آدم ووسوسته لهم، فمناط
стр. 1669
الإفطار ليس وصول الشيء إلى الجوف أو الحلق، إنما مناط الحكم أن يصل الشيء إلى المعدة، وششحيل إلى ما يتغذى به الإنسان، فيكون أكلاً وشربًا.
٢ - وإما خروج أشياء منكهة للجسم ومضغفة له، فتزيده ضعفًا إلى ضعف الصيام؛ وذلك كالجماع، والحجامة والحيض والنفاس، والقيء، فمنع الشارع الصائم منها رحمةً به، وشفقةً على قواه؛ لئلا يزيد ضعفه إلى ضعف آخر.
فهذان العنصران هما أساس الإفطار، وهذه الأمور ليست واحدًا منهما، ولا يمكن قياسها عليهما؛ إذ لا يجمع بين متفرق.
رابعًا: حديث لقيط بن صبرة لا دلالة فيه، فإنَّ المحذور من المبالغة في الاستنشاق هو وصول الماء إلى الحلق، ثم إلى المعدة؛ فإنَّ الأنف ينفذ إلى المعدة، ولذا فإنَّ كثيرًا من المرضى يطعم من أنفه إلى معدته، والماء من المجمع عليه أنَّه من المفطرات، فالتحذير من الماء واقع موقعه، والماء ليس مثل هذه الأمور، ولا تقاس عليه كما تقدم، والله أعلم.
***
стр. 1670
٥٥٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ". مُتَّفَقٌ عليْهِ.
وللحاكم: "مَنْ أفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلاَ قَضَاءَ عَلَيهِ، وَلاَ كفَّارَةً". وَهُوَ صَحِيحٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
فقد رواه الحاكم وصححه.
قال المؤلف: وهو صحيح، قال الشيخ الألباني: الرواية الرابعة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة بلفظ؛ "من؛ أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة" أخرجه ابن حبان (٣٥٢١) والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأخرجه الدارقطني (٢/ ١٧٨) والبيهقي (٧٨٦٣) وقالا: كلهم ثقات، قلتُ: وإسناده حسن.
* مفردات الحديث:
- فليتم صومه: "اللام" لام الأمر، والميم مفتوحة؛ لأنَّه مضاعف.
- فإنما: تعليل لكون الناسي لا يفطر، ووجه ذلك: أنَّ الرزق لما كان من الله ليس فيه للعبد تحيل، فلا ينسب إليه، شبَّه الأكل ناسيًا به؛ لأنَّه لا صنع للعبد فيه.
- إنما: أداة حصر، ومعناها: ما أطعمه، ولا سقاه إلاَّ الله؛ ليدل على أنَّ النسيان من الله، وأنَّه من لطفه بعباده.
стр. 1671
٥٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ ذَرَعَهُ القَىْءُ، فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ، فَعلَيْهِ القَضَاءُ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَأَعلَّهُ أَحْمَدُ، وقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن، حسنه الترمذي، وقد صححه ابن حبان والحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الدارقطني وعبد الحق: رجاله كلهم ثقات، وضعفه بعضهم، فقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وأنكره الإمام أحمد، وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء.
* مفردات الحديث:
- ذَرَعَهُ القيء: بفتحات ثلاث، أي: سبقه وغلبه وقهره، ومثله قولهم: ضاق ذرعي عن كذا، أي: ضعفت قوتي، والقيء: ما قذفته المعدة.
- استقاء: طلب إخراج القيء من جوفه باختياره.
* ما يؤخد من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على أنَّ الأكل والشرب القيء من العامد الذاكر المختار يفطر الصائم، ويفسد الصيام، وهو إجماع علماء المسلمين؛ لأنَّ الصيام هو الإمساك عن المفطرات زمنًا مخصوصًا.
٢ - أنَّ الأكل أو الشرب من الناس لا يفسد الصوم، ولا يفطر به الصائم، فقوله: "فليتم صومه" دليل على أنَّ هناك صومًا يتم، ويدل على هذا المعنى قوله
стр. 1672
تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] والنسيان ليس من كسب القلب.
٣ - معنى إطعام الله تعالى وإسقائه: أنَّ الله تعالى من لطفه يسَّر له هذه الأكلة أو الشربة، حينما أنساه صيامه وحاله، فصار هذا الرزق المباح مسوقًا من الله كما جاء في رواية الترمذي (٧٢١): "إنَّما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه"، فالنسيان والخطأ من الأفعال الضرورية التي لا تضاف مسؤولية حكمها، وما يترتب عليها إلى فاعلها، إلاَّ أنَّها في إتلاف ما للعباد تغرم، من باب سد الذريعة، ولأنَّ حقوق العباد مبنية على الشح والضمان.
٤ - كما أنَّ من أكل أو شرب ناسيًا لا قضاء عليه، فإنَّه أيضًا لا كفارة عليه؛ ذلك أنَّ الكفارة شرعت لتكفير الهفوات والذنوب، وترقيع النقص الذي حصل في العبادة، ومن فعل ذلك ناسيًا، فإنَّه لا ذنب عليه، ولا نقص في عبادته، لتحتاج إلى تكفير وترقيع، على أنَّ الكفارة عبادة من العبادات، ولا تشرع إلاَّ بنص من الشارع، ولم يوجد نص إلاَّ في الجِماع في صيام شهر رمضان، أداءً لحرمة الزمن نفسه.
٥ - قوله: "من ذرعه القيء، فلا قضاء عليه" -دليل على أنَّ الإكراه على الفطر لا يقع به إفطار؛ لأنَّه لا قصد منه ولا تعمد، فلا ينسب الفعل إليه، وقد جاء في الحديث: "عفي لأمتي عن: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".
٦ - أما من استقاء وطلب خروجه، فعليه القضاء؛ لتعمده الفطر.
قال الشيخ: فقد نهى عن إخراج ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب الذي يتغذى به، كما يوجب إخراجه نقصان بدنه أو ضعفه، فإذا خرج منه ضرَّه، وكان متعديًا في عبادته، لا عادلاً فيها.
٧ - عدم الفطر بالأكل والشرب ناسيًا هو مذهب الأئمة الثلاثة، وجمهور العلماء، واعتذر بعض المالكية عن الأخذ بالحديث؛ بأنه خبر واحد
стр. 1673
مخالف لقاعدة الإفطار.
ولكن قولهم مردود بالنص الصريح الصحيح الذي يؤيده قاعدة إسلامية مستقلة، أرساها كثير من النصوص الكريمة: ﴿عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨] وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان".
وعدل الله تعالى أنه لا يؤاخذ إلاَّ من قصد وتعمد.
* اختلاف العلماء:
اختلف العلماء فيمن جامع ناسيًا: فالمشهور من مذهب الإمام أحمد وغيره: أنَّ عليه القضاء والكفارة؛ لأنَّه ﷺ لم يستفصل فيه الرجل الذي قال: هلكتُ، أما الرواية الأخرى عن الإمام أحمد: فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأنَّ الكفارة ماحية للذنب، ومع النسيان والإكراه والجهل لا إثم يمحى.
قال ابن عبد البر: الصحيح أنَّ الجماع كالأكل في الإكراه والجهل، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: هو قياس أصول أحمد وغيره.
وعليه فيكون قوله: "من نسي فكأل أو شرب" مثالان في الباب، ويؤيد هذا القول: رواية الحاكم (١٥٥٧)، عن ابي هريرة: "من أفطر في رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة" فلفظ: "أفطر" عام في الجماع وغيره.
وقوله: "ولا كفارة"، تفيد الجِماع؛ لأنَّ الكفارة لا تكون إلاَّ في الجماع، وإنما مثل بالأكل والشرب لكونهما الغالب في النسيان.
* فائدتان:
الأولى: المفطرات:
١ - الجماع: وهو نفس تغييب الحشفة في قُبل أو دبُر، ولو لم يحصل إنزال، وهو أعظم المفطرات؛ لأنَّه يوجب مع القضاء الكفارة في الجملة.
٢ - إنزال المني باختياره، ولو بدون جماع.
стр. 1674
٣ - الأكل والشرب، ومنه شرب الدخان.
٤ - الإبرة المغذية التي يقصد منها إيصال الغذاء إلى البدن؛ سواء كانت في العضل، أو الوريد.
٥ - إخراج الدم الكثير بالحجامة، أو الفصد، أو سحبه.
٦ - خروج دم الحيض والنفاس.
٧ - حقن الدم في البدن.
٨ - تعمد القيء.
الثانية: غير المفطرات:
١ - الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات من الناسي.
٢ - الكحل، وتقطير الأنف أو الأذن، ودواء الجروح في أي مكان من البدن.
٣ - الإبرة التي يقصد بها إيصال الدواء إلى البدن؛ سواء في العضل؛ أو الوريد.
٤ - خروج المني أو المذي بغير اختياره.
٥ - دواء الربو باستنشاقه.
ونحو هذه الأشياء، فهي أمور فيها خلاف بين الفقهاء، ولكن الأرجح عدم الإفطار بها، فإنَّ شيخ الإسلام أرجع المفطرات كلها إلى نوعين:
أحدهما: أشياء تفيد البدن وتغذيه وتقويه، مثل الأكل والشرب، وما ناب عنهما.
الثاني: أشياء يحصل من خروجها من البدن ضعف له وإنهاك، فمُنعت رحمةً بالصائم؛ لئلا يجتمع عليه ضعف الصيام، وما ينهك بدنه، وذلكم مثل الجماع والحجامة.
لما ذكر الشيخ الأشياء التي اختلف العلماء في الإفطار بها مثل الكحل والحقنة -قال: إنَّ الصيام من دِين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد
стр. 1675
الصوم بها لبينها النبي ﷺ ، ولعلمه الصحابة، ولبلغوه، كما تلقوا سائر شرعه، فلما لما تبلغ، عُلِم أنَّه ﷺ لم يذكر شيئًا في ذلك.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن المفطرات في مجال التداوي: (رقم ٩٣):
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من ٢٣/ ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ الموافق ٢٨/ حزيران "يونيو" ٣/ تموز "يوليو" ١٩٩٧ م.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع المفطرات في مجال التداوي، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى في الدار البيضاء بالمملكة المغربية في الفترة من (٩/ ١٢ صفر ١٤١٨ هـ الموافق ١٤/ ١٧ حزيران "يونيو" ١٩٩٧ م)، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، والنظر في الأدلة من الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء.
قرر ما يلي:
أولا: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:
١ - قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٢ - الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٣ - ما يدخل المهبل من تحاميل "لبوس"، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع، للفحص الطبي.
٤ - إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.
стр. 1676
٥ - ما يدخل الإحليل، أي: مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى، من قسطرة "أنبوب دقيق" أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.
٦ - حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك، وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٧ - المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٨ - الحقن العلاجية الجلدية، أو العضلية، أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية.
٩ - غاز اكسجين.
١٠ - غازات التخدير "البنج"، ما لم يعط المريض سوائل "محاليل" مغذية.
١١ - ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد؛ كالدهونات، والمراهم، واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.
١٢ - إدخال قسطرة "أنبوب دقيق" في الشرايين لتصوير، أو علاج أوعية القلب، أو غيره من الأعضاء.
١٣ - إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء، أو إجراء عملية جراحية عليها.
١٤ - أخذ عينات "خزعات" من الكبد، أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.
١٥ - منظار المعدة، إذا لم يصاحبه إدخال سوائل "محاليل"، أو مواد أخرى.
١٦ - دخول أية أداة، أو مواد علاجية إلى الدماغ، أو النخاع الشوكي.
١٧ - القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد "الاستقاءة".
ثانيًا: تأجيل إصدار قرار في الصور التالية، للحاجة إلى مزيد من البحث
стр. 1677
والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز على ما ورد في حكمها من أحاديث نبوية، وآثار عن الصحابة.
(أ) بخاخ الربو، واستنشاق أبخرة المواد.
(ب) الفصد، والحجامة.
(ج) أخذ عينة من الدم المخبر للفحص، أو نقل دم المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول.
(د) الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقنًا في الصفاف "الباريتون"، أو في الكلية الاصطناعية.
(هـ) ما يدخل الشرج من حقنة شرجية، أو تحاميل "لبوس"، أو منظار، أو إصبع للفحص الطبي.
(و) العمليات الجراحية بالتخدير العام، إذا كان المريض قد بيت الصيام من الليل، ولم يعط شيئًا من السوائل "المحاليل" المغذية. والله أعلم.
***
стр. 1678
٥٥٩ - وَعَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ الله ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خرَجَ عَامَ الفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بلَغَ كُرَاعَ الغَمِيم، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فشَرِبَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذلكَ: إنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ العُصَاةُ، أوْلَئكَ العُصَاةُ".
وَفِي لَفْظٍ: "فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَشَرِبَ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- عام الفتح: المراد به: فتح مكة المكرمة؛ وذلك في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة.
- كُراع: بضم الكاف وفتح الراء المهملة، ثم ألف آخره عين مهملة، كراع كل شيء: طرفه، والكراع: ما سال مستطيلاً من أنف جبل أو حرة، جمعها: كرعان.
- الغميم: بفتح الغين المعجمة وكسر الميم ثم ياء ساكنة آخره ميم، وكراع الغميم: وادٍ على طريق مكة المكرمة إلى المدينة المنورة يبعد عن مكة بـ (٦٤) كيلو متر، ويعرف عند أهل تلك الجهة ببرقاء الغيم، وهو وادي عسفان، وينتهي مصبه في البحر الأحمر، في الشمال الغربي من جدة.
стр. 1679
- أولئك العصاة: جمع: عاص، والعاصي هو المخالف للأمر الخارج عن الطاعة، وسماهم عصاة؛ لأنهم شددوا على أنفسهم، ولم يقبلوا الرخصة.
- قدح: بفتحتين، هو إناء يشرب فيه الماء ونحوه.
- أولئك العصاة: كررها تأكيدًا لزجرهم عن مخالفة الحكم الذي بالغ في بيانه برفع الإناء حتى يراه الناس، فيبادروا إلى الامتثال والأخذ بالرخصة.
- شق: بفتح الشين المعجمة، وتشديد القاف، يقال: شق يشق شقًا ومشقة، من باب قتل: صعب عليه الأمر واشتد، والمعنى: تكلفوا من الصيام في الحر.
***
стр. 1680
٥٦٠ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍ والأسْلَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ الله، إنِّي أجِدُ فِيَّ قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أخَذَ بِهَا فَحَسَن، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَصُومَ، فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرو سَأَلَ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- هي رخصة: الضمير عائد إلى معنى السؤال أتت باعتبار الخبر، والرخصة لغة: التسهيل في الأمر والتيسير.
واصطلاحًا: ما جاء على خلاف دليل شرعيٍّ لعارضٍ راجحٍ.
- جُناح: بضم الجيم وتخفيف النون آخره حاء مهملة، قال في المحيط: قيل: هو معرب "كناه" بالفارسية وهو الإثم، قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَليْهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أي فلا حرج ولا إثم.
* يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على جواز الفطر من صيام شهر رمضان في السفر، وأنه رخصة، كما تدل على ذلك الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
فاليسر والسهولة على العباد من مقاصد الرب ﵎ في أمور الدين.
٢ - كما يدلان على جواز الصيام في السفر، وصحته، وإجزائه عن صاحبه
стр. 1681
إجماعًا، فقد رخَّص لحمزة الأسلمي في الصيام والفطر.
٣ - أما قوله: لمن لم يفطر: "أولئك العصاة"؛ فلمخالفتهم وعدم امتثالهم أمره بالإفطار، في حال يتعين عليهم؛ لما جاء في بعض ألفاظه: "أنهم قد شقَّ عليهم الصيام".
٤ - يستحب لمن هو قدوة في الأعمال الشرعية، وهم العلماء وأهل الدين أن يبينوا للناس الأحكام الشرعية في أقوالهم وأعمالهم؛ ليكونوا قدوة في ذلك، وليحصل بهم التأسي، وراحة الضمير عند العامة، فالنبي ﷺ دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، فشرب.
٥ - يدخل وقت رخص السفر التي منها الفطر في نهار رمضان إذا شرع في السفر، وفارق عامر بلده.
٦ - وللعلماء تقييدات في السفر الذي تباح فيه الرخص بالمسافة والمدة والإباحة، أما الشيخ تقي الدين فيقول: إنَّ الشارع ذكر السفر، وأطلقه بدون ذكر مسافة ولا مدة، وجعل، لك راجعًا إلى العرف، فأي سفر في عرف الناس فهو السفر الذي علَّق به الشارع الحكيم تلك الأحكام والرخص، والتحديد لم يثبت به نصٌّ، ولا إجماعٌ، ولا قياسٌ، وليس مع المحددين حجةٌ.
٧ - لا يشترط -على الصحيح- إباحة السفر، بل تؤتى الرخص في سفر الطاعة والمعصية، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار الموفق، والشيخ تقي الدين.
٨ - قال شيخ الإسلام: أجمع الأئمة على جواز الصيام والفطر في نهار رمضان للمسافر، واختلفوا في الأفضل منهما.
فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ الصوم لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة أفضل، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود عن سلمة بن المحبق عن النبي ﷺ : "من كانت له حمولة تأوي إلى شبع، فليصم رمضان حيث أدركه".
стр. 1682
وذهب الإمام أحمد وأصحابه إلى: أنَّ الفطر في رمضان أفضل، ولو لم يلحقه مشقة؛ لما في البخاري (١٨٤٤) ومسلم (١١١٥) أنَّه ﷺ قال: "ليسَ من البر الصيام في السفر"، وحديث: "إنَّ الله يحب أنَّ تؤتى رخصه" [رواه أحمد (٥٦٠٠)].
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في حكم صوم رمضان في السفر على ثلاثة أقوال:
فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ الصوم أفضل، واستدلوا على ذلك: بأنَّه فعل النبي ﷺ ، وأنَّه أسرع في إبراء الذمة، وأنَّه أيسر أداء؛ إذْ صام والناس صائمون.
وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ الفطر أولى، وأنَّ الصوم مكروه، وعلَّل ذلك بأنَّه رخصة من الله تعالى، يبنغي للمسلم أن يسارع إلى قبولها، والتمتع بها، فقد قال ﷺ : "صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته" [رواه مسلم (٦٨٦)].
وذهب بعض العلماء إلى: جواز الأمرين، واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم (١١١٦) من حديث جابر قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ ، فيصوم الصائم، ويفطر المفطر، فلا يعيب بعضهم على بعض".
وقالت طائفة من العلماء: أفضل الأمرين أيسرهما عليه؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وعدم كراهة أحدهما أرجح، ما لم يكن في الصوم مشقة كبيرة، أو كان يمنع من القيام بأعمال فاضلة في السفر، فحينئذٍ الفطر يكون أفضل؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس قال: "كنا مع النبي ﷺ في السفر، فمنا الصائم ومنَّا المفطر، فنزلنا منزلاً في يوم حارٍ، فسقط الصائمون، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : ذهب المفطرون اليوم
стр. 1683
بالأجر" [رواه البخاري (٢٧٣٣) ومسلم (١١١٩)].
* فوائد:
الأولى: جاءت هذه الشريعة بالأحكام الميسرة السمحة، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
ولما كان السفر -غالبًا- فيه مشقة، خفِّف فيه، فرخص الله تعالى الفطر في نهار رمضان، فهي رخصة يستحب التمتع بها؛ لأنَّها من رخص الله التي أباحها فضلاً منه، وإحسانًا على خلقه، ويُحب أن تؤتى.
الثانية: استحباب الفطر للمسافر في نهار رمضان، وأما صيام يوم عرفة في السفر وعاشوراء فنص الإمام أحمد على استحباب صيامه، وهو قول طائفة من السلف، ولعلَّ الفرق بين رمضان وهذين اليومين أنَّ رمضان إذا فاتت أيامه قضى صومه، بخلاف عرفة وعاشوراء، فلا يقضى الصيام بفوتهما.
الثالثة: قال الشيخ: ويفطر من عادته السفر كصاحب البريد والمكاري والملاح إذا كان له بلد يأوي إليه.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: إذا كان الإنسان المسافر يحمل أهله معه، أو ليس له أهل، فإنَّه يلزمه الصيام؛ لأنَّ سفره هذا غير منقطع، وإن كان له أهل، ولكن لا يحملهم معه، فهو يخير بين الصيام والإفطار.
***
стр. 1684
٥٦١ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "رُخِّصَ لِلْشيْخِ الكَبِيرِ أنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْم مِسْكِيْنًا، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديت صحيحٌ.
أخرجه الحاكم وصحَّحه، وقال الدارقطني: إسناده صحيح، وقد أخرجه البخاري (٤٢٣٥) بنحوه من طريق عطاء إلى ابن عباس، وله شواهد.
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعد أن استعرض هذا الأثر وأتى بطرقه وبحثها وناقشها-: قال: حديث ابن عباس يدل على أنَّ العاجز عن الصيام -لكبره أو مرض مزمن- يطعم عن كل يوم مسكينًا، وهذا صحيح يشهد له حديث ابن عمر وأبي هريرة [رواه أحمد (٧٣٦٧)].
* ما يؤخد من الحديث:
أول ما نزل في شأن صيام رمضان: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ. . .﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]
فصار المسلمون مخيرين في أول الأمر بين الصيام وبين الفطر مع الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم؛ لما جاء في البخاري (٤٢٣٧) عن سلمة بن الأكوع أنَّه قال: "لما نزلت: ﴿يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ هو كان
стр. 1685
من أراد أن يفطر، يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فنسختها"، فالنسخ ثابت في حق الصحيح المقيم.
أما الشيخ الهرم الذي يشق عليه الصيام، ومثله العجوز الكبيرة التي يشق عليها الصيام-: فلا يوجد نسخ في حقهما، وإنما لهما أن يفطرا، ولا قضاء عليهما، وإنما عليهما الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم، وهذا هو ما جاء مرويًّا عن ابن عباس بقوله: "رخِّص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه".
ويشهد لهذا التفصيل ما أخرجه الإمام أحمد (٢١١٠٧) وأبو داود (٥٠٧) وغيرهما عن معاذ بن جبل قال: "أثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخَّص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام".
والخلاصة: أنَّ الرخصة العامة بالإفطار والإطعام نسخت بالآية الثانية، أما الرخصة للشيخ الكبير والشيخة الكبيرة فلم تنسخ في حقهما، وبيَّنت السنة أنَّها مشروعة مستمرة إلى يوم القيامة.
ومثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة -اللذين يشق عليهما الصيام- المريضُ الميؤوس من برئه، ويشق عليه الصيام فله الفطر، وعليه إطعام مسكين عن كل يوم، وقدْر إطعام المسكين هو مد من البر "الحنطة"، ونصف صاع من غيره، والصاع النبوي أربعة أمداد، كل مد هو (٦٢٥) غرامًا، فالصاع النبوي (٣ كيلو غرامات) هذا في حق الكبيرين العاجزين العاقلين، أما الذي أصابه الخرف والتخليط، فلا صيام عليه ولا كفارة؛ لأنَّه ممن رفع عنهم القلم والتكليف.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الحامل والمرضع إذا خافتا على الجنين أو الطفل فقط، وأفطرتا، هل عليهما الكفارة؟ أو لا؟
ذهب الإمامان الشافعي وأحمد: إلى وجوب الكفارة؛ لما روي عن ابن