← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

المشعر العظيم من مظان الإجابة. ٢٥ - بعد الذكر والدعاء يتجه إلى المروة، فما بين الصفا والمروة هو المسعى. ٢٦ - ولا تشترط الطهارة للسعي، بل تسن؛ لأنَّه ﷺ لم يأمر بالطهارة فيه، وليس بصلاة كما لا تشترط به ستر العورة. ٢٧ - فإذا حاذى العَلَم الأخضر هرول حتى العلم الثاني لأنَّ ما بينهما كان هو بطن الوادي، والهرولة خاصة للرجال، وبعد مجاوزة العَلَم الثاني يمشي حتى يصل المروة. قال الشيخ: وإن لم يسع في بطن الوادي بل مشى على هينته جميع ما بين الصفا والمروة، أجزأه باتفاق العلماء، ولا شيء عليه. ٢٨ - ثم يرقى على المروة ويقول ويفعل عليها مثل ما قاله وفعله على الصفا، من قراءة الآية المذكورة، واستقبال القبلة، والذكر، والدعاء، وبعد تمام السعي يحل من عمرته إن كان متمتعًا، وإن كان يشرع له البقاء في إحرامه بقي محرمًا حتى يتحلل من حجه. ٢٩ - قال النووي: فيه دلالة لمذهب الجمهور أنَّ الذهاب من الصفا إِلى المروة يحسب بعد الرجوع إِلى الصفا ثانية. قال الوزير: اتَّفق الأئمة أن يحتسب بالذهاب سعية، وبالرجوع سعية. ٣٠ - ثم قصَّر من شعره وحلَّ، ما لم يكن ساق الهدي. وبهذا قال أهل الحديث، وإمامهم أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر لبضعة عشرة حديثًا صحيحًا عن رسول الله ﷺ منها: "من لم يكن معه هدي فليحلل" [رواه مسلم (١٢١٣)]. وسأل سراقة بن مالك: هل هي لنا خاصة؟ قال: بل "للأبد"، [رواه مسلم (١٢١٨)]. قال ابن القيم: كل من طاف بالبيت، وسعى، ممن لا هدي معه، من

стр. 1892

مفرد، أو قارنٍ أو متمتعٍ، فقد حلَّ، هذه هي السنة التي لا رادَّ لها، ولا مدافع اهـ. ٣١ - استحباب التوجه إلى منى للحج يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وصلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفجر يوم التاسع فيها، ثم البقاء فيها حتى تطلع الشمس، واستحبابه إجماع العلماء. ٣٢ - فإذا طلعت الشمس توجه إِلى نمرة، وأقام فيها حتى تزول الشمس. ٣٣ - قوله: "ثم أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة" هذا الكلام يشعر بأنَّ نمرة في عرفة، وهي ليست بعرفة وإنما "نمرة" شعب بين جبلين"، هما نهاية حد الحرم من الشرق الجنوبي، وبجانبها أنصاب الحرم المنصوبة على طريق المأزمين، وبين عرفات والحرم "وادي عرنة" الذي ليس من الحرم وليس من عرفات. فيكون معنى قوله "حتى أتى عرفة" كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أي قَرُب من عرفات، وكتابتنا هذه عن مشاهدة، وتحرٍّ، وصحبةٍ لسكان تلك المنطقة، مع تطبيق النصوص على الموقع. كانت قريش في جاهليتها تقول: نحن أهل الحرم، وكانوا لا يجاوزون مزدلفة إلى عرفة، لأنَّ مزدلفة في الحرم، وعرفة في خارجه، وكان الناس يذهبون إِلى عرفة، ويقفون بها، فلما حجَّ النَّبي ﷺ ظنَّت قريش بأنه سينهج نهجهم فلا يجاوز مزدلفة إِلى عرفة، إلاَّ أنَّ الله تعالى أمره بذلك، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ٣٤ - قال الشيخ: ويصلي الإمام، ويصلي خلفه جميع الحجاج من أهل مكة، وغيرهم قصرًا وجمعًا، كما جاءت بذلك الأخبار عن النبي ﷺ ، فإنَّه لم يأمر أحدًا من أهل مكة أن يتموا، ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ باتفاق أهل الحديث، وإنما قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة.

стр. 1893

ومن قال: لا يجوز القصر إلاَّ لمن كان على مسافة قصر، فهو مخالف للسنة. ٣٥ - استحباب البقاء بنمرة إلى ما بعد الزوال، وصلاة الظهر والعصر فيها جمعًا، وهذا الجمع متَّفق على مشروعيته. واختلف في سببه، فذهب الحنفية وبعض الشافعية إلى أنَّ سببه النسك، وذهب الشافعية إلى أنَّ سببه السَّفر، وهذا هو التصحيح؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ قصر الرباعيتين، ولا تقصران إلاَّ في السفر. ٣٦ - استحباب الخطبة للإمام؛ ليعلم الناس صفة الوقوف، ويذكرهم بعِظم هذا اليوم، ويحثهم على الاجتهاد فيه بالدعاء والذكر. ٣٧ - بعد الزوال يذهب إلى مسجد نمرة، فيصلي بها مع الإمام الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، واستحب جمع التقديم هنا ليتسع وقت الوقوف، ولا يصلي بينهما، ولا بعدهما سنة. ٣٨ - على علماء المسلمين، وطلبة العلم الاقتداء بهديه ﵊، فيعلمون الناس، ويعظونهم ويذكرونهم أمر دينهم، وكيفية أداء مناسكهم. ٣٩ - ثمَّ يتَّجه إلى الموقف بعرفة، فيشتغل فيه بالدعاء، والذكر، والتلبية. ٤٠ - استدل بالحديث على أنَّ وقت الوقوف لا يدخل إلاَّ بالزوال. ٤١ - الأفضل الوقوف بعرفة بموقف النبي ﷺ إن سهل ذلك، وإلاَّ وقف بحيث كان منزله. قال النووي: وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل، فغلط بل الوقوف في كل جزء من أرض عرفات. ٤٢ - استقبال القبلة حين الدعاء والذكر، أفضل من استقبال الجبل لمن لم يسهل عليه استقبالها معًا. ٤٣ - من وقف بعرفة نهارًا فيجب عليه الاستمرار فيها حتى غروب الشمس.

стр. 1894

٤٤ - الدفع من عرفة إلى مزدلفة يكون بعد الغروب، وقبل الصلاة. ٤٥ - استحباب الدفع بسكينةٍ ووقارٍ وخضوعٍ، وخشوعٍ وتكبيرٍ، وتلبيةٍ، فإن وجد سائق السيارة طريقًا مشى، وإلاَّ انتظر حتى يمشي الذي أمامه، ولا يتجاوز السيارات، بل عليه بالنظام، ومراعاة خُطَّة السير، فهو آمن له، وأسهل لمن معه ولغيرهم من الحجاج. ٤٦ - جواز استظلال المحرم بالخيمة. ٤٧ - قال الشيخ: ولم يعين النبي ﷺ لعرفة دعاءً خاصًا، ولا ذِكْرًا خاصًا، بل يدعو الحاج بما شاء من الأدعية الشرعية، ويكبر، ويهلل، ويذكر الله تعالى حتى تغرب الشمس، وقد جاء في سنن الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلاَّ الله وحده لاشريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". ٤٨ - قال الشيخ: ويجتهد في الدعاء والذكر هذه العشية، فهو يوم تُرجى فيه الإجابة، ويَرْفع يديه. قال ابن عباس: "رأيت رسول الله ﷺ بعرفات يدعو ويداه إلى صدره" [رواه أبو داود]. وما رؤي إبليس في يوم هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أغيظ، ولا أدحر من عشية عرفة، لِما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلاَّ ما رؤي في يوم بدر. ٤٩ - ولا يستبطيء الإجابة، لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وليكثر من الاستغفار والتضرع، والخشوع، وإظهار الضعف، والافتقار، ويُلحَّ في الدعاء، فإنَّه موقف عظيم، تسكب فيه العبرات، وتُقال فيه العثرات، وهو أعظم مجامع الدنيا.

стр. 1895

فإنَّ تلك أسباب نصبها الله مقتضية لحصول الخير، ونزول الرحمة، فإن لم يقدر على البكاء فليتباك. وقد جاء في سنن الترمذي من حديث عمرو بن شعيب أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". قال العلماء: هذا وإن لم يكن دعاءً صريحًا فهو تعريض به، مراعاة للآداب، وأيضًا فإنَّ اشتغاله بخدمة المولى، والإعراض عن الطلب اعتمادًا على كرمه، فإنَّه سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، ففي الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، فالذاكر وإن لم يصرح بالطلب، فهو طالب بما هو أبلغ من التصريح. ٥٠ - استحباب جمع صلاتي المغرب والعشاء بمزدلفة تأخيرًا، وهذا جمع متَّفق عليه بين العلماء، على خلاف بينهم في حكمه: استحبابًا، أو وجوبًا. ٥١ - أن يصليهما بأذان واحد، وإقامتين، وهذه الرواية أصح الروايات. ٥٢ - أن لا يصلي بينهما نافلة، وكذا لا يصلي قبلهما، ولا بعدهما. ٥٣ - الاضطجاع بعد الصلاة حتى طلوع الفجر، ليتقوى على أعمال يوم العاشر الكثيرة الكبيرة. ٥٤ - استحباب البقاء بمزدلفة حتى طلوع الفجر، والصلاة، والبقاء إلى قرب طلوع الشمس. ٥٥ - أفضلية الوقوف عند المشعر الحرام مستقبلاً القبلة، والدعاء، والتكبير، التهليل عنده حتى الإسفار جدًّا. ٥٦ - استحباب الدفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، قال ابن القيم:

стр. 1896

أجمع المسلمون على أنَّ الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سُنَّة. ٥٧ - الإسراع في وادي محسِّر الفاصل بين مزدلفة وبين منى، والإسراع هنا جاء على صفة دفعه من عرفة من أنَّه إذا وجد فرجة أرخى لناقته الزمام وأسرع. ٥٨ - البداءة برمي جمرة العقبة يوم النحر، ويكون ذلك بعد طلوع الشمس، ولا يرمي غيرها هذا اليوم ٥٩ - أن يكون الحصى بقدر الباقلاء أو الفول. ٦٠ - وجوب النحر على الآفاقي: القارن والمتمتع. قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أنَّ من أحرم بعمرة في أشهر الحج وحلَّ منها، وليس من حاضري المسجد الحرام، ثم أقام بمكة حلالاً، ثم حجَّ من عامه أنَّه متمتع عليه دم. وقد اشترط فقهاؤنا لوجوب الدم على المتمتع سبعة شروط: الأول: أن يحرم بالعمرة من الميقات، أو من مسافة قصر فأكثر من مكة. الثاني: أن يحرم بها في أشهر الحج، وقال الأئمة الثلاثة، يكون متمتعًا إذا طاف لها في شوال. الثالث: أن يحج من عامه، وقد وافق عليه الأئمة الثلاثة. الرابع: أن لا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر، وقد وافق عليه الأئمة الثلاثة. الخامس: أن ينوي التمتع في ابتداء إحرامه، واختار الشيخ الموفق عدم هذا الشرط، وهو مذهب الشافعي. السادس: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج. السابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وهو إجماع العلماء. ٦١ - قوله: "ثم ركب ... فأفاض إلى البيت" يعني طاف طواف الإفاضة، وهو ركن لا يتم الحج إلاَّ به، فمن لم يطف لم يحل له أن ينفر حتى يطوف،

стр. 1897

وأول وقته بعد نصف ليلة النحر لمن وقف قبل ذلك بعرفات، ويسن فعله يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق، وإن أخَّره عن أيام منى جاز، بلا نزاع بين العلماء. ٦٢ - قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ التحلل الثاني يحيى محظورات الإحرام جميعها، ويعود المحرم حلالاً، لما جاء في البخاري ومسلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ "لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجَّه ونحر هديه يوم النحر، فأفاض بالبيت ثم حلَّ من كل شيء حرم منه". * خلاف العلماء: اختلف العلماء: في حكم السَّعي، هل هو ركنٌ، أو واجبٌ، أو سنةٌ؟ وهي ثلاثة أقوال: في مذهب أحمد، والمشهور من المذهب أنَّه ركن. واختار القاضي أنَّه واجب من واجبات الحج، وليس ركنًا. قال الموفق: وهو أقرب إلى الحق إن شاء الله تعالى، وقال في الشرح الكبير: وهو أولى؛ لأنَّ دليل من أوجبه دلَّ على مطلق الوجوب، لا على أنَّه لا يتم الحج إلاَّ به، فيجبره بدم، وكونه واجبًا لا ركنًا هو مذهب أبي حنيفة، والثوري. قال في شرح العمدة: قال شيخنا: وقول القاضي أقرب إلى الحق، فإنَّ ما روي عن عائشة، وفعل النبي ﷺ ، وأصحابه دليل على وجوبه، كالرمي، والحلق، وغيرهما، ولا يلزم منه كونه ركنًا. ***

стр. 1898

٦٢١ - وَعنْ خُزَيْمَةَ بنِ ثَابتٍ ﵁ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبيَتهِ فِي حَجٍّ أَو عُمْرَةٍ سَأَلَ اللهَ رِضوَانَهُ وَالجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِن النَّارِ" رَوَاهُ الشَّافِعيُّ، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال المؤلف: رواه الشافعي بإسناد ضعيف. قال في التلخيص: رواه الشافعي من حديث خزيمة، وفيه صالح بن محمَّد بن زايدة الليثي، وهو مدني ضعيف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعية التلبية؛ للحج أو العمرة، وأنَّ هذا من هديه ﷺ . ٢ - مشروعية الدعاء بعد الفراغ من التلبية، لأنَّ التلبية هي شعار النسك، فهي من أفضل أعماله، فالدعاء بعدها حريٌّ بالإجابة. ٣ - التلبية تتضمن التوحيد، وهو أساس الدين، فما بعده يكون من مواطن قبول الدعاء، فينبغي اغتنام هذه الفرصة. ٤ - أنَّ فضل الدعاء سؤال الله رضوانه ورحمته، فهو الجامع لخيري الدنيا والآخرة، والاستعاذة من النار، التي هي أعظم الشرور والمصائب. ٥ - أنَّ من أدب الدعاء أن يتقدمه من الداعي الثناء على الله تعالى وتمجيده، فهو من التوسل المشروع فيكون أحرى بالإجابة.

стр. 1899

٦٢٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَحَرْتُ هَاهُنا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلَّهَا مَوْقِفٌ" رَوَاه مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - نحرت: يقال: نحر البعير نحرًا، -من باب نفع- طعنه بالسكين في لبته، وهو مكان النحر، والنحر خاص بالإبل. - منى: أحد المشاعر المقدسة، والآن هي بلدة كبيرة المرافق والدوائر الحكومية، التي تخدم حجاج بيت الله تعالى، وتتيح لهم الراحة في أداء مناسكهم، وستأتي أحكامها إن شاء الله تعالى. أما حدودها فهي: الحد الغربي: هو جمرة العقبة. والحد الشرقي: وادي محسر الفاصل بينها وبين مزدلفة. قال عطاء بن أبي رباح: منى من العقبة إلى محسر. أما حدها الجنوبي والشمالي: فهو الجبلان المستطيلان من جانبيها، فالشمالي منهما ثبير الأثبرة، والجنوبي منهما الصابح، وفي سفحه مسجد الخيف، فيما أدخلت هذه الحدود الأربعة فهو منى. قال بعض العلماء: ما أقبل على منى من وجوه هذه الجبال فهو منها، وما أدبر فليس منها.

стр. 1900

- مَنْحَر: بفتح الميم، اسم الموضع الذي تنحر فيه الإبل، قال بعضهم: منحر النبي ﷺ عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف. - هاهُنا: "ها" حرف تنبيه، و"هنا" ظرف للمكان القريب. - جمع: هي المزدلفة المتقدم تحديدها، سمِّيت جمعًا، لاجتماع الحجاج فيها. - رحال: رحل يرحل رحيلاً، انتقل وسار، ورحال الرجل أثاثه وزاده، والمراد هنا مكان إقامته. - موقف: وقف يقف وقوفًا، ثبت وسكن، والموقف موضع الوقوف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب نحر الهدي، أو ذبحه في منى، والمراد به دم التمتع، والقِران، والتطوع بهدي الحج، وأما دم العمرة ففضيلته في مكة، وأما الدم الواجب لترك نسك، أو فعل محظور فإن كان داخل الحرم، ففي مكان وجود سببه من الحرم، وإذا كان فعل المحظور خارج الحرم فحيث وجد أيضًا، ويجوز أيضًا في الحرم. ٢ - جواز ذلك في أي مكان من منى حيث إنَّ منى كلها منحر. ٣ - أن جمعًا كلها موقف، ففي أي مكان من مزدلفة وقف الحاج أجزأه ذلك، وتقدم تحديدها في شرح المفردات. ٤ - أنَّ جميع ميدان عرفة موقف، ففي أي مكان فيها وقف ودعا أجزأه ذلك، وصحَّ حجُّه، وقد تقدم تحديد الموقف. ٥ - إن تَيسَّر الوقوف في موقف النبي ﷺ في عرفة، ومزدلفة فهو أفضل، وإذا كان ذلك يشق فلا يُستحب. ٦ - يسر الشريعة الإسلامية المطهرة وسماحتها، فلا تكليف، ولا عنت، ولا مشقة، وإنما مبناها السهولة واليسر.

стр. 1901

٧ - أقامت الحكومة السعودية مسالخ فنية في أرض الحرم القريبة من منى، وبرادات فخمة، لحفظ لحوم الهدي والأضاحي، للاستفادة منه للمحتاجين على طول العام، وإرسال ما يجوز توزيعه خارج الحرم إلى الدول الإسلامية المتضررة. ***

стр. 1902

٦٢٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أعْلاَهَا، وَخَرَجَ مِنْ أسفَلِهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - أعلاها: ثنية الحَجُون بفتح الحاء، وتسمى كداء، بفتح الكاف وآخره ألف ممدودة، وهي الطريق الآتي من بين مقبرتي المعلاة. - أسفلها: ثنية كُدى، بضم الكاف وآخره ألف مقصورة كهُدى، ويعرف الآن بريع الرسَّام، فهو الطريق الذي يأتي من حارة الباب متَّجهًا إلى جرول مع قبة محمود، والثنية هي كل طريق بين جبلين. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - دخول النبي ﷺ في هذا الحديث من أعلى مكة، وهو مدخله حينما جاء فاتحًا لها في رمضان، سنة ثمان من الهجرة، كما جاء في حديث عائشة. ٢ - جاء في بعض طرق حديث ابن عمر في الصحيحين، قال: "كان رسول الله ﷺ يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى" مما يدل على أنَّ هذين الطريقين هما مدخله ومخرجه، غازيًا، أو حاجًّا، أو معتمرًا، فيكون هذا هو المشروع لمن سهل عليه ذلك. ٣ - قال في فتح الباري: اختلف في المعنى الذي لأجله خالف النبي ﷺ بين الطريقين، فقيل ليتبرك به كل من في طريقه، وقيل: لمناسبة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأنَّ إبراهيم ﵇ دخل منها، وقيل: لأنَّ من جاء من تلك الجهة كان مستقبلاً للبيت. قُلْتُ: لعلَّ المدخل هذا والمخرج أسمح له عند الدخول والخروج والله أعلم.

стр. 1903

٦٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْدُمُ مَكَّةَ، إلاَّ باتَ بذِي طُوًى حَتَّى يُصْبحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - بذي طوى: يجوز في الطاء الضم والفتح والكسر، والضم أفصح وأشهر، وواوها مخففة، وآخره ألف مقصورة. قال النووي: هو موضع عند باب مكة، في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة، ويعرف اليوم بآبار الزاهر. قُلْتُ: ولا تزال بئر طوى موجودة في جرول أمام مستشفى الوِدلاة، وهذا التحديد من النووي شامل للمناطق الثلاث: الزاهر، والعتيبية، وشمالي جرول. - حتى: هي الجارَّة التي بمعنى "إلى"، والفعل بعدها منصوب بـ"أن" مضمرة وجوبًا، وأنَّ والفعل المضارع في تأويل مصدر مجرور بحتى تقديره: "حتى إصباحه، واغتساله". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الغُسل عند دخول مكة، قال في فتح الباري: قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء. ٢ - قال العيني: الغسل لدخول مكة ليس لكونه محرِمًا، وإنَّما هو لحرمة مكة، حتى يُستحب لمن كان حلالاً أيضَا، وقد اغتسل لها ﷺ عام الفتح. وكان

стр. 1904

حلالاً، أفاده الشافعي ﵁ في الأم. اهـ كلامه. ٣ - استحباب البيات بذي طوى ليدخل مكة نهارًا، قال ابن حجر عند شرح هذا الحديث: وهو ظاهر في الدخول نهارًا. ٤ - أما تخصيص الاغتسال من هذه البئر، والبيات في هذا المكان، فلعله راجع إلى أنَّ ذلك واقع في طريقه فلا تتقيد الأفضلية في ذلك. ٥ - تعظيم مكة المكرمة، والكعبة المشرفة فهما من شعائر الله تعالى، والله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢] ٦ - استقبال الأعمال الهامة في الصباح، فهو وقت النشاط والاستجمام، وقد قال ﷺ : "بورك لأمتي في بكورها". ***

стр. 1905

٦٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ "أنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ، وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ" رَوَاهُ الحَاكِمُ مَرْفُوعًا، وَالبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. تقبيل الحجر الأسود جاء في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا إلى النَّبي ﷺ ، وأما السجود عليه فرواه الحاكم والبيهقي بإسناد متصل إلى ابن عباس مرفوعًا، وروياه عنه موقوفًا، ورجح الذهبي في الميزان وقفه، ورواه الطيالسي، والدارمي، وابن خزيمة، وابن السكن، والبزار من حديث جعفر بن عبد الله عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس مرفوعًا. قال العقيلي: إنَّ في حديث جعفر بن عبد الله وهمًا واضطرابًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب تقبيل الحجر الأسود عند بدء الطواف، وعند محاذاته أثناء الطواف، وهذه سنة ثابتة بالأحاديث الصحيحة، وسيأتي منها حديث عمر في الصحيحين. ٢ - يدل هذا الأثر على استحباب السجود على الحجر الأسود، ولكن هذا الأثر لم يثبت رفعه، ولا يكفي لمشروعية السجود عليه، والعبادات توقيفية، والأصل فيها المنع إلاَّ ما ثبت شرعه عن الله تعالى، أو عن رسوله ﷺ ، ولذا روي عن الإمام مالك: أنَّ السجود على الحجر الأسود بدعة.

стр. 1906

٣ - مشروعية استلام الحجر الأسود، أو تقبيله لمن سهل عليه ذلك، أما مع الزحام وأذية الطائفين فلا يشرع، بل تركه أفضل إذ الاستلام، أو التقبيل فضيلة فقط، وأذية الناس محرَّمة، فلا يقدم المستحب على المحرم. ***

стр. 1907

٦٢٦ - وَعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَرْمُلُوا ثَلاَثَةَ أشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا أرْبَعًا، مَا بيْنَ الرُّكنَيْنِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - أن يرملوا: بضم الميم، والرمل هو الهرولة، وهو الإسراع في المشي، مع هز الكتفين، وتقارب الخطى. - أشواط: جمع شوط بفتح الشين المعجمة، هو الجري مرَّة إلى الغاية، والمراد هنا الطوفة حول الكعبة. - الركنين: هما اليماني والركن الشرقي الذي فيه الحجر الأسود، ويقال لهما: اليمانيان تغليبًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الرمل في الأشواط الثلاثة من طواف القدوم، وهو خاص بالرجال لأنَّهم المخاطبون به في عمرة القضاء، وهم الذين تظهر فيهم حِكمته من حيث إظهار القوة والجَلَد للجهاد، ولأنَّ النساء يطلب منهن الستر والتحفظ. ٢ - استحباب المشي في الأشواط الأربعة الباقية. ٣ - أنَّ ذلك مستحب في طواف القدوم، وكذا طواف الحج والعمرة، إذا قاما مقام طواف القدوم. ٤ - في حديث ابن عبَّاسٍ أنَّه ﷺ أمرهم أن يمشوا ما بين الركنين، وهذا في عمرة القضاء، رأفةً بحال الصحابة، فقد جاء آخر الحديث قول ابن عباس:

стр. 1908

"ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلاَّ الإبقاء عليهم"، كما جاء في صحيح مسلم: "إنَّ المشركين جلسوا مما يلي الحِجْر" أي على جبل قعيقعان، ومَنْ هُو فيه لا يرى مَن يكون بين الركنين اليمانين. أما في حجة الوداع فقد جاء في حديث جابر الذي في مسلم (١٢١٨): "إنَّه ﷺ رمل ثلاثًا، ومشى أربعًا" كما هو صريح في هذين الحديثين اللذين معنا، فيكون آخر أمره ﵊ الرمل في كل الثلاثة، فتكون سنة الرمل هكذا. ٥ - الحكمة في إظهار الجَلَد والقوة أمام الأعداء من المشركين، الذين قالوا حينما قدم النبي ﷺ وأصحابه مكة: إنَّه يقدم عليكم قوم قد وَهَنَتْهم يثرب، فأمر النبي ﷺ وأصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، فكانت سنة لعموم المسلمين، ولذا فإنَّ النَّبي ﷺ فعله حتى بعد أن طهَّر الله مكَّة من المشركين والشرك في حجة الوداع، ولما خطر بذهن عمر بن الخطاب ﵁ تركه فقال: "ما لنا وللرمل، إنما كنا أرينا به المشركين قوتنا، وقد أهلكهم الله" ثم رجع فقال: "شيء صنعه رسول الله ﷺ ، فلا نحب أن نتركه". قال ابن جرير: ثبت أنَّ الشارع رمل ولا مشرك يومئذٍ بمكة، فعُلِم أنَّه من مناسك الحج. ٦ - فيه استحباب إظهار القوة والجَلَد أمام أعداء الدين، لأنَّ في ذلك عزُّ الإسلام، وتوهين أعدائه. ٧ - إظهار القوة في العبادة والنشاط عليها لمقصد حسن، لا ينافي إخلاصها لله تعالى. ٨ - قال في فتح الباري: لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاثة لم يقضه في الأربعة الباقية؛ لأنَّ هيئتها السكينة، فلا تغير.

стр. 1909

٩ - قال الشيخ: يستحب أن يرمل من الحجر إلى الحجر في الأطوفة الثلاثة، فهو سنة باتفاق الأئمة، ففي مسلم من حديث ابن عمر قال: "رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجرِ ثلاثًا، ومشى أربعًا في الحج والعمرة" وفي صحيح مسلم عن جابر: "رمل ثلاثًا، ومشا أربعًا". قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم. وقال ابن عباس: رمل في عُمَره كلها، وفي حجه، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وكان أصل هذا الرمل إغاظة المشركين، ثم صار سنة مع زوال سببه، كالسعي والرمي. ١٠ - قال الشيخ: فإن لم يمكنه الرمل للزحمة، كان خروجه إلى حاشية المطاف والرمل أفضل من قربه إلى البيت بدون رمل، لأنَّ المحافظة على فضيلة تتعلَّق بذات العبادة، أهم من فضيلة تتعلق بمكانها. ***

стр. 1910

٦٢٧ - وعَنِ ابْن عبَّاس ﵄ قَالَ: "لَمْ أرَ رَسُولَ الله ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَّيْنِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) ــ * مفردات الحديث: - يستلم: استلم يستلم استلامًا. قال في المحيط: استلم الحجر الأسود استلامًا: لمسه ومسحه بيده. - اليمانيين: تثنية يماني، وهو من باب التغليب، حيث يراد بهما الركن اليماني، أي الموالي جهة اليمن، والركن الشرقي الذي فيه الحجر الأسود، والتغليب كثير في اللغة العربية، كالقمرين: للشمس والقمر، والأبوين: للأب والأم، وغير ذلك، قاله النووي. واللغة الفصيحة المشهورة تخفيف الياء، وفيه لغة أخرى بالتشديد، فمن خفف نسبة إلى اليمن، والألف عوض عن إحدى يائي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شددت لجمع بين العوض والمعوض. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - للبيت العتيق أربعة أركان: الشامي، والغربي، واليماني، والشرقي الذي فيه الحجر الأسود. ٢ - يشرع مسح اليماني والحجر الأسود، هذا هو الذي وردت فيه النصوص الشرعية. ٣ - أنَّه لا يُستلم إلاَّ الركنان اليمانيان. ٤ - العبادات توقيفية، فلا يتعبد الله إلاَّ بما شرعه تعالى، أو شرعه رسوله ﷺ .

стр. 1911

٥ - بإجماع المسلمين أنَّ الركنين اليمانيين مبنيان على أسس إبراهيم وقواعده، وأما الشامي والغربي فليس على قواعد إبراهيم، حيث اقتطع الحِجر من الكعبة، واحتجز. ٦ - ذكرنا هذا إن صلح أن يكون علة المسح لليمانيين دون الآخرين، وإلاَّ فالحكمة هو امتثال أمر الله تعالى، الذي لا يأمر إلاَّ بما فيه الخير والصلاح، ولا ينهى إلاَّ عما فيه الضرر والفساد، والله أعلم. ***

стр. 1912

٦٢٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ "أَنَّهُ قَبَّلَ الحَجَرَ، وَقَالَ: إِنِّي أعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، لاَ تَضرُّ ولاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُقَبلُّكَ مَا قَبَّلتُك" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يؤخذ من كلام هذا الإمام الملهم أصلٌ شرعيٌّ عظيمٌ، هو أنَّ الأصل في العبادات الحظر والمنع، فلا يشرع منها إلاَّ ما شرعه الله ورسوله، فلا مجال للرأي والاستحسان في ذلك، كما نبَّه على أنَّ القدوة في ذلك خاصَّة هو النبي ﷺ ؛ لأنَّه المبلغ عن الله تعالى، فهو القدوة والأسوة في الأمور الشرعية. ٢ - قال النووي: وإنما قال: "لا تضر ولا تنفع" لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين أَلِفُوا عبادة الأحجار وتعظيمها، رجاء نفعها، وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها، فخاف عمر أن يراه بعضُهم يقبله، ويُعنى به فيشتبه عليه، فبيَّن له أنَّه حجر مخلوق كباقي المخلوقات، التي لا تضر، ولا تنفع، وأشاع عمر هذا في الموسم ليشهد في البلدان، ويحفظ عنه أهل الموسم. ٣ - ما أشبه الليلة بالبارحة، فإنَّ كثيرًا من البلاد الإسلامية لديهم من الجهل بشرعهم، وتوحيد الله تعالى الذي هو أصل الدين، مثلما هو عند أهل الجاهلية، فما أحوج المسلمين إلى من يبصرهم بأمر دينهم، ويلقنهم إياه على حقيقته، التي أرادها الله تعالى منهم، حينما بعث الله رسوله، وأنزل عليه كتابه المبين.

стр. 1913

٤ - فيه مشروعية تقبيل الحجر الأسود في الطواف، ولكن هذه الفضيلة تكون بشرط ألا يترتب عليها محرم، من مزاحمة الناس، ومدافعتهم، وأذيتهم حتى يصل إليه، فإنَّه في هذه الحال يكون ترك الاستلام أفضل، لاسيَّما للنساء. ٥ - قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: فيه أنَّ متابعة السنن واجبة، وإن لم يقف لها على علل معلومةٍ وأسبابٍ معقولةٍ، وقد فضَّل الله البقاع والبلدان، كما فضل بعض الليالي، والأيام، والشهور. ٦ - يعلم من قوله ﵁ "إنَّك حجر" أنهم ينزلون النوع منزلة الجنس، باعتبار اتصافه بصفة مختصة به، فقوله: "إنَّك حجر" شهادة له بأنَّه من هذا الجنس، ثم أكد هذه الجنسية وقررها بأنه حجر لا يضر ولا ينفع، وقوله: "لولا أني رأيت ... " فهذا إخراج له من الجنس باعتبار تقبيله ﷺ . ***

стр. 1914

٦٢٩ - وَعنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يطُوفُ بالبيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ مَعَهُ، ويُقَبِّلُ المِحْجَنَ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - المحجن: بكسر الميم وسكون الحاء المهملة ثم جيم آخره نون والميم زائدة، جمعه محاجن، هو عصا محنية الرأس. قال ابن دريد: كل عود معطوف الرأس فهو محجن. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - لما أكثر الناس على النبي ﷺ في حجة الوداع، وهو يطوف طاف على ناقته وجعل يستلم الحجر الأسود بمِحجنه، ويشير به ﷺ إلى الحجر. ٢ - فيه دليل على جواز الطواف راكبًا للحاجة. ٣ - فيه استحباب استلام الحجر الأسود، فإن شقَّ استلامه باليد استلمه بما فيه يده على أن لا يؤذي بذلك الطائفين. ٤ - استلام الحجر الأسود، وتقبيله لم يرد عن النبي ﷺ إلاَّ في حال الطواف، وبين الطواف والسعي. ٥ - قال في الحاشية: أما الإشارة إلى الحجر الأسود إن شقَّ تقبيله، أو استلامه بيده، أو شيء آخر فهو إجماع. وأما الركن اليماني فلم يثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان يشير إليه، ولو فعله لنقل، فالسنة ترك ما تركه ﷺ ، فإنَّ السنة كما تكون في الفعل تكون أيضًا

стр. 1915

بالترك. ٦ - قال الشيخ تقي الدين: لا يستلم إلاَّ الركنين اليمانيين دون الشاميين، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ إنما استلم اليمانيين خاصة، لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخران هما في داخل البيت، قاله النبي ﷺ . ٧ - قال الشيخ: وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم، وحجرة النبي ﷺ ، ومقابر الأنبياء والصالحين، وصخرة بيت المقدس، فالطواف بها، واستلامها، وتقبيلها، من أعظم البدع المحرَّمة باتفاق الأئمة الأربعة. ٨ - قال النووي: واستدل به أصحاب مالك وأحمد على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه؛ لأنَّه لا يؤمن ذلك من البعير، فلو كان نجسَا لما عرَّض المسجد له. * قرار هينة كبار العلماء بشأن حكم الطواف على جزء من سقف المسعى: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد: فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثالثة والخمسين، المنعقدة بمدينة الطائف، خلال المدة من ١٢/ ٥/ ١٤٢١ هـ إلى ١٥/ ٥/ ١٤٢١ هـ، درس موضوع حكم الطواف وقت الزحام على جزء من سقف المسعى، وذلك بناء على كثرة ما يرد إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء من استفتاءات حول هذا الموضوع. وبعد الدراسة رأى المجلس بالأكثرية عدم جواز الطواف فوق جزء من سطح المسعى؛ لأنَّ المسعى يعتبر خارج المسجد الحرام، وليس جزءًا منه، بل هو مشعر مستقل بأحكامه، وما يؤدى فيه من عبادات، والطواف إنما هو في المسجد الحرام، لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾. وخروجًا من هذا المحذور فقد اطَّلع المجلس على كتاب معالي الرئيس

стр. 1916

العام لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي رقم: "٣٢/ ١" وتاريخ ١٥/ ٣/ ١٤٢١ هـ، ومشفوعه المحضر المعد من لجنة هندسية مكونة من: "مجموعة بن لادن السعودية، واتحاد المهندسين الاستشاريين، والرئاسة العامة لشؤن المسجد الحرام والمسجد النبوي" المتضمن ايجاد حل لهذا الموضوع، وذلك بتوسعة سطح المسجد الحرام من الجهة الشرقية مما يلي صحن المطاف من خلال اضافة ثلاثة عشر مترًا "١٣ م" إلى الممر الضيق، ليصبح عرض الممر كاملاً عشرين مترًا "٢٠ م"، وهذا يتطلب عمل قواعد أرضية، وأعمدة جديدة من الأرض إلى السطح، تخترق المبني القديم للحرم في ذلك الجزء. ويرى المجلس الموافقة على رأي اللجنة الهندسية المذكور بعالية، لما فيه من المصلحة العامة للطائفين من الحجاج والمعتمرين، ولكونه لا يجوز الطواف خارج المسجد الحرام، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه ... ***

стр. 1917

٦٣٠ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: "طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أخْضَرَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال في المنتقى: رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وصححه. قال الشوكاني: حديث يعلى بن أمية صححه الترمذي، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وصححه النووي. * مفردات الحديث: - مضطبعًا: الاضطباع افتعال من الضَبعْ بالسكون، هو العضد، أما بضم الباء فهو الحيوان المعروف، والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء على كتفه الأيسر، وبهذا يبدو ضبعه الأيمن، والضبع هو الكتف. - بُرد: بضم الباء وسكون الراء المهملة، قال في المعجم الوسيط: البُرد كساء مخطط يلتحف به، جمعه: أَبْرَاد، وأبرُد، وبُرود. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الاضطباع في طواف القدوم خاصة، حيث لم يرد في غيره من الطواف.

стр. 1918

٢ - قال العلماء: والحكمة في فعله أنَّه يُعين على إسراع المشي، وأول من اضطبع النبي ﷺ وأصحابه في عمرة القضاء؛ ليستعينوا بذلك على الرمل؛ ليرى المشركون قوتهم وجلدهم، ثم صار سنة. ٣ - لا يشرع الاضطباع بعد هذا الطواف، فإذا قضى طوافه سوَّى ثيابه، فلا يضطبع في ركعتي الطواف. ٤ - كثير من المحرمين يضطبع منذ يلبس ملابس الإحرام حتى يحل منها، وهذا غير مشروع. ٥ - جواز الإحرام بالأخضر وغيره من الألوان، مع فضيلة الأبيض. ***

стр. 1919

٦٣١ - وَعنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ يُهلَّ مِنَّا المُهلُّ، فَلاَ يُنْكرُ علَيْهِ، وَيُكبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ، فَلاَ يُنكرُ عَلَيه" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث بتمامه في صحيح مسلم: سأل محمَّد بن أبي بكر أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في مثل هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: "كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منَّا فلا ينكر عليه". ففي الحديث رد على من قال: يقطع التلبية صبح يوم عرفة. ٢ - الإهلال: هو رفع الصوت بالتلبية، فالحديث دليل على جواز جعل التكبير مكان التلبية، فتارةً يفعل هلذا، وتارةً يفعل هذا، فكله سنة، أقرَّ النبي ﷺ أصحابه عليها. ٣ - الحديث يدل بفحواه على أنَّ الصحابة ﵃ ينكرون على من خالف النَّهج الصستقيم في قولٍ أو فعلٍ، وأنَّهم لا يقرون مخطئًا على خطئه للمداهنة والمجاملة. ...

стр. 1920

٦٣٢ - وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "بَعَثنَي النَّبيُّ ﷺ في الثَّقَلِ -أو قَالَ: فِي الضَّعَفَةِ- مِنْ جَمْعٍ بلَيْلٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - الثقل: بفتح الثاء المثلثة وفتح القاف، قال في النهاية: هو متاع المسافر. - الضَعَفة: بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة والفاء، جمع ضعيف، هم النساء والأطفال، وكبار السن والمرضى. - جَمْع: بفتح الجيم وسكون الميم فعين مهملة، هي مزدلفة، سمِّيت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها، أو لجمع الصلاتين المغرب والعشاء فيها. ...

стр. 1921

٦٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ليْلَةَ المُزْدَلِفَةِ أنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ ثَبِطَةً -يعْنِي ثَقِيلَةً- فأَذِنَ لَهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - ثَبطَة: يقال: ثبّطه يثبّطه ثبطًا، من باب نصر، بمعنى عوَّقه وبطَّأه، فالثَبِط هو الثقيل، والمرأة ثَبِطة، جمعها ثبِطَات. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - في الحديثين دليل على أنَّ هديه ﷺ البيات بمزدلفة إلى بعد طلوع الفجر. قال في المغني: والمستحب الاقتداء برسول الله ﷺ في المبيت إلى أن يصبح، ثم يقف حتى يسفر. ٢ - أما الضعفة من النساء، والصبيان، والكبار العاجزين، والمرضى، وكذلك مَن لا يستغنون عن رفقته من الأقوياء، فلا بأس من تقديمهم بعد منتصف ليلة النحر إلى منى. قال في المغني: ولا نعلم في تقديمهم مخالفًا، ولأنَّ فيه رِفْقًا بهم، ودفعًا لمشقة الزحام عنهم، واقتداء بفعل نبيهم ﷺ . ٣ - قال الوزير: أجمعوا على جواز الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل إلاَّ أبا حنيفة قال: عليه دم. ودليل الجمهور حديث ابن عباس: "كنتُ فيمن قدم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى". [رواه البخاري (١٦٧٨)، مسلم (١٢٩٣)].

стр. 1922

قال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم. قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: وله الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل، وبعض أهل العلم يأبى ذلك، ويقول: إنه ما جاء إلاَّ في حق الضعيف، فلا يكون مسوغًا لبقية الناس أن يدفعوا مثلهم، وهذا أحوط، وإلى هذا ذهب الشيخ، وابن القيم. والليل الشرعي المعتبر من غياب الشمس إلى طلوع الفجر. ٤ - مكان الوقوف يكون في أي جزء من مزدلفة التي تقدم تحديدها، وأفضله عند المشعر الحرام، وهو الجبل الصغير الذي فيه المسجد لمن سهل عليه ذلك، أما من لم يسهل عليه، فالرفق بنفسه ورفقته أولى. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم المبيت بمزدلفة، ويراد بالمبيت بها الحصول فيها تلك الليلة. فذهب الإمام أحمد إلى وجوبه إلى بعد منتصف الليل، على غير السقاة والرعاة، وإن لم يدركها إلاَّ بعد نصف الليل أجزأ، لأنَّ الحكم منوط بالنصف الأخير، وأما الشافعي: فالصحيح من مذهبه أنَّ الواجب جزء من النصف الثاني من الليل، وقال مالك: الواجب هو النزول بمزدلفة ليلاً قبل الفجر، بقدر ما يحط رحاله، وهو سائر من عرفة إلى منى. وأما الأحناف: فالمبيت بمزدلفة عندهم سنة، والواجب عندهم هو الوقوف زمنًا بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس. وذهب قلة من العلماء منهم الشعبي، وعلقمة، والنَّخعي، وأبو بكر بن خزيمة إلى أنَّ من فاته الوقوف بمزدلفة فاته الحج. وأقرب هذه الأقوال للصواب الذي هو هدي النبي ﷺ في حجته القول الأول، ولا يخالفه شيء من الأدلة عند التامل، والله أعلم.

стр. 1923

٦٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ، وفِيهِ انْقِطَاعٌ (١). ٦٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ، فَأَفَاضَتْ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وإِسْنَادُهُ علَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (٢) ــ * درجة الحديثين: أما حديث ابن عباس، فحسَّنه الحافظ في الفتح، وله طرق ذكرها الألباني في إرواء الغليل، وصحَّحه ابن حبَّان، لكن قال ابن عبد الهادي والحافظ: في إسناده انقطاع. وأما حديث عائشة فأخرجه الحاكم والبيهقي ورجاله رجال الصحيح. وقال ابن عبد الهادي: رجاله رجال مسلم، وقال البيهقي: إسناده صحيح لا غبار عليه. * مفردات الحديث: - فأفاضت: قال الجوهري: أفاض الناس من عرفات إلى جمع أي دفعوا، وكل دفعة إفاضة، والمراد هنا أنَّ أم سلمة ﵂ لما رمت جمرة العقبة أفاضت إلى مكة فطافت طواف الإفاضة، وهو أحد أركان الحج.

стр. 1924

* ما يؤخذ من الحديثين: ١ - حديث ابن عباس يدل على أنَّ وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر لا يدخل إلاَّ بعد طلوع الشمس، وحديث عائشة يدل على جواز رميها قبل طلوع الفجر وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. ٢ - الحديثان يدلان على جواز دفع الضعفة من النساء والصبيان ونحوهم من مزدلفة إلى منا قبل طلوع الفجر. ٣ - حديث عائشة يدل على أنَّ وقت رمي جمرة العقبة يبدأ قبل طلوع فجر يوم النحر، وحدده الشافعية والحنابلة بدخول النصف الثاني من ليلة النحر. قال ابن القيم: والذي دلت عليه السنة إنَّما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل، والله أعلم. ٤ - فيه دليل على دخول وقت الإفاضة من منى إلى البيت لطواف الحج قبل طلوع الفجر من ليلة النحر، وحدده الشافعية والحنابلة بنصف الليل. ٥ - حديث عائشة أصح من حديث ابن عباس، فعند تعارض الحديثين في دخول وقت الرمي يكون العمل بحديث عائشة أولى، على أنَّه يمكن الجمع بينهما بحمل حديث ابن عباس على الندب، وحديث عائشة على الجواز، مع أنَّه من الرحمة واليسر العمل بحديث عائشة في هذه الأزمنة، التي تضخمت فيه أعداد الحجاج، ووجدت المشقة العظيمة عند رمي الجمار. ***

стр. 1925

٦٣٦ - وَعنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ . "مَنْ شَهِدَ صَلاَتَنا هَذِهِ -يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةَ- فَوَقَفَ مَعَناَ حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبلْ ذلِكَ لَيْلاً أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّةُ، وَقَضَى تَفَثَهُ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال في التلخيص: رواه أحمد وأصحاب السنن وابن حبَّان والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث عروة بن مضرس بألفاظ مختلفة، وصحَّحه هذا الحديث الدارقطني والحاكم والقاضي أبو بكر بن العربي، وقال: إنَّه على شرطهما، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح. * مفردات الحديث: - من شهد: أي حضر. - صلاتنا هذه: صلاة الفجر بمزدلفة. - ندفع: أي نرحل ونفيض من مزدلفة إلى منى. - تفثه: بفتح التاء المثناة الفوقية والفاء الموحدة والثاء المثلثة. قال في النهاية: التفث هو ما يفعله المحرم بالحج إذا حلَّ، كقص الشارب، والأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ويقال للرجل: تفِث، وللمرأة تَفِثَة.

стр. 1926

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - استدل به الحنابلة على أنَّ وقت الوقوف بعرفة يدخل من فجر يوم التاسع؛ لعموم قوله: "ليلاً أو نهارًا" وهو شامل لما قبل الزوال، وهو من مفردات المذهب، أما الجمهور فيرون أن الوقت لا يدخل إلاَّ بالزوال، والعمل يقول الجمهور أحوط. ٢ - قال الخطابي: في هذا الحديث من الفقه أنَّ من وقف بعرفات وقفة بعد الزوال من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، فقد أدرك الحج. ٣ - قوله: "فقد تمَّ حجه" يريد به معظم الحج، وهو الوقوف بعرفة، لأنَّه أَمِنَ فوات الحج، أما الطواف وهو ركن كبير، فلا يخشى فواته، لبقاء وقته وامتداده. ٤ - قوله: "وقضى تفثه" أي قرُب من التحلل الذي يزيل به ما علقه، بسبب الإحرام، من شعور، وأظفار، وأدران. ٥ - هذا الحديث هو حجة الشعبي وعلقمة والنَّخعي وغيرهم في أنَّ من فاته الوقوف بمزدلفة فقد فاته الحج، ويجعل إحرامه عمرة، كما لو فاته الوقوف بعرفة؛ لقوله ﵊: "من شهد صلاتنا هذه" حيث جعلها شرطًا لصحة الحج. وقد خالفهم جمهور العلماء فاوجبوا دمًا على من فاته المبيت بمزدلفة، وعلى هذا عمل المسلمين الآن. ٦ - استدل به الفقهاء على أنَّه لا يشترط لصحة الوقفة بعرفة أن يعلم الواقف أنَّها عرفة. ٧ - استدل به على أنَّ من لم يقف بعرفة إلاَّ ليلاً، فإنَّ حجَّه صحيح، وأنه لا يجب عليه دم، لفواته جزء من وقوف النهار. ٨ - استدل به على مشروعية الدفع مع الإمام أو بعده؛ لأنَّه هو قائد مسيرة الحج،

стр. 1927

فهو قدوتهم في أعماله. ٩ - استدل به على مشروعية شهود صلاة الصبح في مزدلفة مع الإمام، فهو من كمال النسك. ١٠ - الوقوف -هنا- المراد به الحصول في مزدلفة في ذلك الزمن، لا نفس الوقوف. ١١ - في الحديث ترتيب أعمال مناسك الحج، وأنَّه لا يقدم شيء على شيء، فلو قدم المبيت بمزدلفة على الوقوف بعرفة، فإنَّه لا يجزئه هذا المبيت. ١٢ - فيه جواز التعبير عن تمام الشيء بالإتيان ببعضه. ***

стр. 1928

٦٣٧ - وَعَنْ عُمرَ ﵁ قَالَ: "إِنَّ المُشْرِكينَ كَانُوا لاَ يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ويَقُولُون: أشْرِقْ ثَبِيرُ، وإنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - أشرق ثَبير: ثبير بفتح الثاء المثلثة ثم باء موحدة مكسورة ثم ياء ساكنة آخره راء مهملة، هو الجبل الكبير الشاهق الواقع علما حد مزدلفة الشمالي. وكانت العرب في الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلى منى إلاَّ بعد إشراق الشمس على قمة هذا الجبل، فكانوا يقولون: أشرق ثبير، كيما نغير. - أشْرِق: بفتح الهمزة، فعل أمر من الإشراق، أي أدخل في وقت الإشراق، وفي بعض نسخ البخاري "كيما نغير" أي لنذهب سريعًا إلى منى، كالمغيرين من سرعة الدفع. - فأفاض: أصله من إفاضة الماء، وهو صبه بكثرة، فالمراد هنا: الدفع من مزدلفة إلى منى، أما الإفاضة الأولى التي قال الله تعالى عنها: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] فهي من عرفة إلى مزدلفة. وأما الإفاضة الثالثة التي مرَّت في حديث جابر، فهي الإفاضة من منى إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة، وبها سمِّي طواف الحج "طواف الإفاضة"، وهذه الإفاضة الثانية من مزدلفة إلى منى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ المشركين كانوا يعظمون البيت، ويحجونه، ويقفون في المشاعر إرثًا من

стр. 1929

أبيهم إبراهيم ﵇، إلاَّ أنَّهم غيَّروا، وبدَّلوا في صفة النسك. ٢ - أنَّ المشركين في حجهم يبقون في مزدلفة صبح يوم النحر حتى تشرق الشمس، ثم يفيضون إلى منى. ٣ - النَّبي ﷺ خالفهم فدفع من مزدلفة إلى منى وقت الإسفار قبل طلوع الشمس. ٤ - وجوب مخالفة الكفار على تنوع مللهم، في أعمالهم، وأحوالهم، وشعائرهم؛ ليكون للمسلمين كيان مستقل عنهم، وميزة تبرزهم وتميزهم عن غيرهم، فلا يذوبون في الأوساط والمجتمعات المخالفة لنهجهم، والمؤسف أنَّ المسلمين الآن يترسمون خطاهم، فيحاكونهم في كل شيء بلا بصيرة. ٥ - قوله: "وإنَّ النَّبيَّ ﷺ خالفهم" يفهم قصد مخالفة الكفار، والابتعاد عن مشابهتهم. ٦ - تحصل من الاستقراء أنَّ إفاضات الحجيج ثلاث: الأولى: من عرفة إلى مزدلفة ليلة عيد النحر، وهذه هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] الثانية: من مزدلفة إلى منى، وهذه هي المذكورة في هذا الحديث: "فأفاض قبل أن تطلع الشمس". الثالثة: الإفاضة من منى إلى مكة المكرَّمة لأداء طواف الحج المسمى "طواف الإفاضة"، وهي المشار إليها في حديث جابر السابق، وفيه: "ثم ركب رسول الله ﷺ ، فأفاض إلى البيت". ***

стр. 1930

فصل في رمي الجمار مقدمة التجمر هو التجمع، وسميت الجمار؛ لاجتماع الناس حوله أو لاجتماع الحصا عندها، وهي من الشعائر المقدسة، ومن مناسك الحج، والجمار ثلاث: الأولى: وتلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة: التي تلي مكة، والتي هي نهاية حد منى الغربي. قال الشيخ حسن مكرم في كتاب "غنية الناسك": الجمرة موضع الشاخص، لا الشاخص، فإنَّه علامة الجمرة. وقال الشافعي: الجمرة مجتمع الحصى، لا ما سال من الحصى. وقال المحب الطبري: حده ما كان بينه وبين أصل الجمرة ثلاثة أذرع. وقال الشيخ سليمان بن علي بن مشرف: المرمى هو الأرض المحيطة بالميل المبني. قال محرره: بقي مكان الرمي طوال القرون الماضية غير محاط بشيء، ولا معلم عليه بشيء، وفي عام (١٢٩٢ هـ) وضع شبك حديدي لمنع الزحام، وذلك بفتوى من بعض علماء مكة، فاعترض على هلذا العمل بعض العلماء، وأشدهم اعتراضًا الشيخ علي باصرين عالم جدّه، وقال: إنَّ هذا الشبك يوهم بأنَّ ما أحاط به الشبك كله مرمى، فأزيل ووضع الحائط المحيط بالجمرات الآن، وذلك عام (١٢٩٣ هـ). أما جمرة العقبة فهي نصف دائرة، ولم تزل العقبة التي تسند عليها
следующие страницы →