← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

٦١٥ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه دلالة على جواز الحجامة للمحرم، وهو إجماع العلماء. ٢ - أنَّ إخراج الدم من سائر البدن ليس من محظورات الإحرام. ٣ - إذا تبع الحجامة قلع شعر المحرم، فإن كان بلا عذر حرُم وفدى، وإن كان لعذر أبيح، ولكن فيه الفدية لإزالة الشعر. ٤ - قال في سبل السلام: وقد نبَّه الحديث على قاعدة شرعية، وهي: أنَّ محرمات الإحرام من الحلق وقتل الصيد ونحوها تباح للحاجة، وعليه الفدية. ٥ - وفيه جواز الحجامة لمن تفيده طبيًا، وتخرج منه فضلات الدم المؤذية. ...

стр. 1857

٦١٦ - وَعَن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: "حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ والقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بلَغَ بِكَ مَا أرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مسَاكينَ، لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ نِصْفُ صَاعٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - عُجْرة: بضم العين، وسكون الجيم الموحدة التحتية، بعده راء مهملة، ثم هاء. - حُملْت: بالبناء للمجهول، وكأنه لشدة المرض لا يستطيع المشي. - القَمل: بفتح القاف وسكون الميم، جمع قملة، حشرة تتولد على البدن عند دفعه العفونة إلى الخارج. قال الدميري: والقمل يتولد من العرق والوسخ، إذا أصاب ثوبًا، أو بدنًا، أو ريشًا، أو شعرًا، حينما يصير المكان عفنًا. - أُرى: بضم الهمزة بمعنى أظن. - الوجع: بفتحتين، اسم جامع لكل مرض مؤلم، جمعه أوجاع. - ما أرى: بفتح الهمزة، بمعنى أشاهد. - صاع: يذكر ويؤنث، ويجمع جمع قلة على أصوع، وجمع كثرة على صيعان وآصع، ففاء آصع صاد وعينها واو، قلبت الواو همزة ونقلت إِلى موضع الفاء، ثم قلبت الهمزة فاء فصار آصعًا، وقدِّر صاع النبي ﷺ بـ (٣٠٠٠) غرام.

стр. 1858

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز حلق الشعر للمحرم، مع التضرر، ببقائه ويفدي، فإنَّه لم يسأله عن قدرته على الفدية، إلاَّ ليأذن له بالحلق، كما صرَّح به في الرواية الأخرى. ٢ - تحريم أخذ شعر المحرم، إذا لم يحتج إلى ذلك، ولو فدى. ٣ - الأفضل في الفدية شاة، فإن لم يجدها، أو لم يجد ثمنها صام ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. ٤ - عموم الحديث يفيد أنَّ نصف الصاع يخرج، سواء كانت الفدية من البُر أو غيره، وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد، وقال به جماهير العلماء. أما المشهور في مذهب أحمد فيجزيء مُدّ من بُرّ، أو نصف صاع من غيره. وأما أبو حنيفة فيرى إخراج نصف صاع من الحنطة، وصاع من غيرها. والقول الأول أرجح الثلاثة. ٥ - يجوز الحلق قبل التكفير، وبعد إخراج الكفارة. ٦ - أنَّ السنَّة مفسِّرة للقرآن، فإنَّ الصدقة في قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، هي الإطعام في هذا الحديث. ٧ - رأفة النبي ﷺ بأمته، وتفقده لأحوالهم. ٨ - ما دام تحقق من الحديث أنَّ المخرَج هنا هو فدية، فهو جار مجرى الكفارة، فلا يجوز للمخرج أن يأكل، أو ينتفع منه بشيء، وكذلك مَن تجب عليه نفقته بقرابة، أو عوض، سواء كانت الفدية بدم، أو طعام. ٩ - قال ابن القيم: يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتابٍ ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه، وليس في ذلك مما يحرم على المحرم تسريح شعره.

стр. 1859

قال الشيخ تقي الدين: إذا اغتسل، وسقط شىء من شعره بذلك، لم يضره؛ وإن تيقن أنَّه قطع بالغسل. ١٠ - عموم الحديث يفيد أنَّ هذه الفدية يجوز أداؤها في الحرم وخارجه، سواء كانت صيامًا، أو نسكًا، إو إطعامًا، فأما الصيام فقد اتَّفق العلماء على جواز أدائه في الحرم أو خارجه؛ لأنَّ نفعه مقصور على صاحبه، وأما النسك والإطعام فعند مالك أنَّهما كالصوم، وعند الشافعي وأحمد تخصيصهما بالحرم. * تحقيق التخيير فيى الفدية: الحديث الذي معنا يفيد تقديم الشاة، فإن لم يستطع فهو مخيَّر بين الصيام والإطعام. أما الآية وبقية روايات الحديث فهي تفيد التخيير بين الثلاثة، فقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفي البخاري عن كعب بن عجرة أنَّ رسول الله ﷺ قال له: "لعلَّه آذاك هوام رأسك؟ قال نعم، فقال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة". فهذا كله يفيد التخيير، وقد جمع بينهما العلماء، وأحسنهم جمعًا هو ابن حزم حيث قال: إنَّ الأحاديث الواردة عن كعب بن عجرة جاءت من طريقين: أحدهما: طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب، وهو الذي يفيد التخيير، والثاني: طريق عبد الله بن معقل عن كعب أيضًا، وهو الذي يفيد الترتيب. وقد حكم ابن حزم على رواية عبد الله بالاضطراب، وقال في طريق عبد الرحمن: "هذا أكمل الأحاديث وأبينها". قُلْتُ: وهَذا الجمع أحق، لأنَّ القصة واحدة، فلا يمكن الجمع إلاَّ

стр. 1860

بهذا، وطريق ابن أبي ليلى موافق للآية الكريمة. قال في الشرح: "والظاهر أنَّ التخيير إجماع". وقال ابن عبد البر: "عامة الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن العظيم، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار" والله أعلم. * فائدة: - الفدية: هي ما وجب بسب حرم أو إحرام، وهي: إما دمٌ، أو إطعامٌ، أو صومٌ، وهي قسمان: الأولى على التخيير، وهما نوعان: ١ - فدية الأذى: من لُبس مخيطٍ، أو تغطية رأسٍ، أو طيبٍ، أو إزالة شعرٍ، ونحو ذلك، فيخير المخرج بين ذبح شاةٍ أو إطعام ستة فساكين، أو صوم ثلاث أيام. ٢ - جزاء الصيد: يخير المخرج بين مثل الصيد من النَّعم، أو تقويم النعم، ويشتري بقيمته طعامًا، لكلِ مسكين مد برٍّ، أو نصف صاعٍ من غيره، أو يصوم عن كل إطعام مسكين يومًا. القسم الثّاني: على الترتيب، وأنواعه أربعة: ١ - دم متعة، أو قران. ٢ - دم وجب لترك واجب. ٣ - دم الوطء، أو الإنزال بالمباشرة ونحوها. ٤ - دم الإحصار. فيجب الدم، فإن لم يجد صام عشرة أيام. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن نقل لحوم الهدي والأضاحي: قال مجلس هيئة كبار العلماء في قراره (٧٧) وتاريخ ٢١/ ١٠/ ١٤٠٠ هـ ما يلي: وبعد مناقشة موضوع نقل اللحوم المشروعة بسبب حرمٍ أو إحرام،

стр. 1861

وتداول الرأي فيها رأى المجلس بالأكثرية إصدار قرار يوضح الحكم في نقل اللحوم إلى خارجه، حيث كان القرار السابق مختصًا باللحوم التي تبقى فيه؛ وبناءً على هذا فإنَّ ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع: ١ - هدي التمتع أو القران، فهذا يجوز النقل منه إلى خارج الحرم، وقد نقل الصحابة -رضوان الله عليهم- من لحوم هداياهم إلى المدينة، ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنَّا لا نأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاثة منى، فرخَّص لنا النَّبي ﷺ قال: "كلوا وتزوَّدوا، فأكلنا وتزودنا". ٢ - ما يذبحه الحاج داخل الحرم جزاء لصيد، أو فدية لإزالة أذى، أو ارتكاب محظور، أو ترك واجب، فهذا النوع لا يجوز نقل شيء منه؛ لأنَّه كله لفقراء الحرم. ٣ - ما ذبح خارج الحرم من فدية الجزا، أو هدي الإحصار، أو غيرهما مما يسوغ ذبحه خارج الحرم، فهذا يوزعِّ حيث ذُبِحَ، ولا يمنع نقله من مكان ذبحه إلى مكان آخر. هيئة كبار العلماء ***

стр. 1862

٦١٧ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ الله تعَالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ مكَّةَ، قَامَ رَسُولُ الله ﷺ في النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرِيْنِ، فَقَالَ العَبَّاسُ: إلاَّ الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ الله! فَإنَّا نَجْعَلَهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: إِلَّا الإِذْخِرَ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - حبس الفيل: أي منعه من الانبعاث، فالحبس هو مصدر حبسته، من باب ضرب، ويجمع الحَبْس على حُبوس، مثل فَلْس وفُلُوس. - الفيل: حيوان ضخم الجسم، من فصيلة العواثب الثديية، ذو خرطوم طويل، يتناول به الأشياء كاليد، وله نابان بارزان كبيران، يُتَّخذ منهما العاج، جمعه أفيال وفيلة. - سلَّط: بتشديد اللام، من التسليط، هو التغليب والتمكين. - ساعة من نهار: السّاعة هي الوقت من ليل أو نهار، والعرب تطلقها وتريد بها الحين، والوقت إن قلَّ، والمراد هنا يوم الفتح. - لا ينَفَّر صيدها: مبني للمجهول بتشديد الفاء، يقال نفر ينفر نفورًا، أو نفارًا،

стр. 1863

إذا فرَّ وذهب، والمراد هنا: لا يزعج من مكانه، ويذعر. - صيدها: الصيد هو ما كان وحشيًا أصلًا، مما يحل أكله من الطير والحيوان. - ولا يُخْتَلى شوكها: بالخاء المعجمة مبني للمجهول، يقال: اختلى الحشيش أو الشجر قطع الرطب من الكلأ، وأما اليابس منه فيسمى حشيشًا، والخلا: بفتح الخاء مقصور، مفرده خلاة، وهي الواحدة من النبات، وأصله يأتي لقولهم؛ خليت البقل، أي قطعته. ومعنى: "لا يختلى خلاها": لا يحصد كلأها، وهو مقصور، قال العيني: ومده بعض الرواة وهو خطأ. - ساقطتها إلاَّ لمُنْشد: الساقطة هي اللقطة، والمنشِد هو المعرِّف لها، أما الناشد فهو الذي يطلبها، ويسأل عنها. - ومن قُتِل: على صيغة المجهول و"مَنْ" اسم موصول متضمن معنى الشرط، ولهذا دخلتِ في خبرها الفاء، وهو قوله "فهو بخير النظرين". - بخير النَّظرَين: أي يختار أحد الأمرين، إما الدية، أو قتل القاتل. - الإذخر: بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء، يجوز أن يكون استفهامًا حذفت همزته، وأن يكون خبرًا فهمه العبَّاس قبل ذلك، وهو منصوب على الاستثناء، أو مرفوع على البدل، والإذخر واحده إذخرة، وهو شجر صغار عروقه تمضي في الأرض، وقضبانه دقاق، ورائحته طيبة. - في قبورنا وبيوتنا: يسدون به خَلَل اللَّبِن في القبور، ويجعلونه تحت الطين وفوق الخشب عند تسقيف البيوت؛ ليسد الخلل، ويمسك الطين فلا يسقط. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - خطبة النبي ﷺ ثاني يوم فتح مكة؛ ليبين للناس الأحكام، وليعيد في نفوس النَّاس عظمة الكعبة المشرفة وحرمتها، فلا يظنوا أنَّها صارت مباحة الحرمة كغيرها من البلاد.

стр. 1864

٢ - الإفادة بالعلم وقت الحاجة إليه، لأنَّه أعلق بالنفوس. ٣ - من تعظيم مكة وحرمتها حبس فيل الحبشة عنها، لأنَّهم قصدوا بدخولها الاعتداء والظلم، وانتهاك حرمة البيت المطهر، أما النَّبي ﷺ فيقصد بقتال يوم فتح مكة تطهيرها من الشرك والأوثان، وعبادة غير الله تعالى، وتعظيم البيت وتقديسه عن الجاهلية، فسلَّطه الله على أهله حتى استولى عليها، وأصبحت بلدة إسلامية. ٤ - أنَّ حلَّ القتال بمكة للنبي ﷺ خاص بساعة الفتح للحاجة، وإلاَّ فمكة محرَّمة في كل الأزمنة الماضية والقادمة، فلا يحل القتال فيها ولا يجوز ترخص أحد بالقتال فيها، بقتال النبي ﷺ يوم الفتح. ٥ - تحريم سفك الدماء بمكة المكرمة إلاَّ في إقامة الحدود، فالصحيح جوازه، وهو قول مالك والشافعي. وأما جمهور العلماء فيرون تحريم سفك الدم مطلقًا، ويضيَّق على مَن وجب عليه حد حتى يخرج من الحرم، والصحيح الأول لعموم الأدلة. ٦ - أنَّ تحريم مكة شامل حتى لصيدها، فلا يحل تنفيره من مكان لآخر، فيكون إمساكه أو قتله أشد تحريمًا، وأعظم إثمًا. ٧ - أنَّ شجر مكة وشوكها وحشيشها مما ينبت بنفسه يحرم قطعه، أما ما أنبته الآدمي فهو ملكه، فيجوز له قَطعه واحتشاشه، وهو قول جمهور العلماء. أم الشافعي فيأخذ بعموم الحديث، فلا يجوز عنده قطع الشجر مطلقًا. ٨ - اللقطة الساقطة في أرض الحرم لا يحل لأحد أن يأخذها ليعرفها، ثم يتملكها بعد حول من تعريفها، فإنَّها لا تُملك، فإن أراد أن يأخذها ليعرفها مدى الدهر فلا بأس من أخذها. ٩ - أنَّ من قُتِل له قتيل عمدًا فهو مخيَّر بين القصاص، أو أخذ الدية. ١٠ - استثني من شجر الحرم ونباته الإذخر؛ لحاجة سكان الحرم إليه، فأبيح

стр. 1865

أخذه ليجعلوه فوق اللَّبِن المنصوب على اللحد في القبور، وبين الطين والخشب لتسقيف البيوت، فيسد خلل بيوت الأحياء والأموات. ١١ - الحديث دليل على أنَّ مكة فتحت عُنْوةً لا صلحًا، وهو أحد قولي العلماء وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد، والقول الثاني: أنَّها فتحت صلحًا، وإليه ذهب الشافعي، والأول أصح. ١٢ - إجابة العباس، وقبول شفاعته في استثناء الإذخر، إما باجتهاد منه ﷺ ، أو بوحي من الله تعالى. * تكميل: للبيت العتيق حرم جعله الله تعالى لتعظيمه، فجعل فيه الأمان حتى شمل ما فيه من الشجر والنبات فلا يؤخذ، وما فيه من الصيد فلا ينفر، وجعل ثواب الأعمال فيه أفضل من ثوابها في غيره، ومضاعفة أجر الصلاة إِلى مائة ألف، والحرم دائر على مكة المكرمة، وبعض حدوده أقرب من بعض، وقد نصبت أعلام على حدوده في الطرق الرئيسية المؤدية إلى مكة المكرمة، وهي: ١ - حده من الغرب: الشميسي "الحديبية" فبعضها في الحل، وبعضها في الحرم، وهي أبعد الحدود، فتبعد بـ (٢٢) كيلو ويمره طريق جدة. ٢ - الجنوب: "إضاة لَبِنَ" في طريق اليمن الآتي مع تهامة، وتبعد بـ (١٢) كيلو. ٢ - الشرق: ضفة وادي عرنة الغربية، وهو طريق الطائف، والحجاز "السراة"، ونجد، واليمن، ويبعد (١٥) كيلو. ٤ - الشمال الشرقي، طريق الجعرانة عند جبل المقطع بالقرب من قرية "شرائع المجاهدين" وتبعد بنحو (١٦) كيلو. ٥ - الشمال وحده التنعيم، وهو طريق المدينة المنورة المتَّجه مع وادي فاطمة "الجموم" ويبعده بـ (٧) كيلوات، وهو أقرب حدود الحرم، كما أنَّ أبعدها "الشميسي"، وقد شكلت لجنة عام ١٣٨٧ هـ لتحديد الحرم المكي من جميع

стр. 1866

جهاته، وكنت مع تلك اللجنة، وبعد أن حددنا نصف دائرة الحرم توقف العمل، والنية متجهة إِلَّا اتمامه إن شاء الله تعالى، وقد وجدنا أعلامًا قديمة منصوبة في سفوح الجبال التي هي الحد بين الحل والحرم. بعد كتابة ما سبق تمَّ ولله الحمد، تحديد الحرم من جميع جهاته، ورفع القرار إلى الجهة العليا في الدولة للموافقة عليه، والأمر بتنفيذه بوضع أعلام بارزة على مدار حد الحرم من الحل، ونسأل الله تعالى التوفيق. بعد كتابة ما سبق صدرت الموافقة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود وفَّقه الله بوضع أعلام بارزة على حدود حرميْ مَكَّة والمدينة، وسيبدأ التنفيذ قريبًا إن شاء الله، وأنا أحد أعضاء اللجنة المنفذة، نسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق. ***

стр. 1867

٦١٨ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بِنْ عَاصِمٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَي مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ٦١٩ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). ــ * مفردات الحديث: - حرم مكة: الحرام هو الشيء الممنوع منه بتحريم إلهي، أو بمنع عقلي، والحرم سمي بذلك؛ لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا، مما لم يحرم في غيره من المواضع. - عير: بفتح العين ثم ياء ساكنة ثم راء مهملة، جبل أسود بحمرة مستطيل من الشرق إلى الغرب، يشرف على المدينة المنورة من الجنوب، وبسفحه الشمالي وادي العقيق، الذي فيه بئر عروة بن الزبير، ولا تزال مشهورة إلى الآن. - ثور: جَبل صغير مستدير أحمر، يقع شمال المدينة المنورة، وموقعه خلف جبل أحد، إذا اتَّجه الإنسان من المدينة إلى المطار، وحاذى جبل أُحُد يراه عن يساره بالصِّفَة التي ذكرناها. ولكون جبل ثور المدينة غير معروف ولا مشهور، والمشهور هو جبل ثور

стр. 1868

بمكة المكرمة، فإن كثيرًا من الكاتبين أخطأوا هنا حتى نفوا وجوده بالمدينة، والحق أنَّه موجود ومعروف، وعلى هذا التحديد فما بين الجبلين هو حرم المدينة، فإنَّ جبل أحد داخل حرم المدينة المنورة، فصارت حدود حرم المدينة من الشرق إِلى الغرب الحرتان، ومن الجنوب جبل عَير، ومن الشمال جبل ثور. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد حرم المدينة: قرار رقم: (١٦٦) وتاريخ (١٧/ ٨/ ١٤١٥ هـ) الحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده محمَّد وعلى آله وصحبه وبعد: ففي الدورة الخامسة والثلاثين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الرياض ابتداء من ٨/ ٦/ ١٤١٠ هـ، وبناء على خطاب المقام السامي رقم: ١٨٦١ م وتاريخ ١١/ ٩/ ١٤٠٩ هـ بخصوص تحديد الحرم المدني. فقد جرى من المجلس قراءة القرار الصادر من اللجنة المشكلة لذلك عام (١٣٨٩هـ) والمؤيد من سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم ﵀ وبعد التأمل والمذاكرة والمداولة والمناقشة لذلك، رأى المجلس الموافقة عليه، وأن توضع الأعلام للحرم على الحدود التي ذكرت في القرار. نص القرار الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: فبناء على الأوامر الصادرة بتحديد حرم المدينة المنورة من رئيس مجلس الوزراء برقم (٢٩٥٣) في ٢٥/ ٢/ ١٣٧٨ هـ، ومن سماحة مفتي الديار

стр. 1869

السعودية برقم (١/ ٣٣١٧) وتاريخ ١٢/ ١١/ ١٣٨٦ هـ، ومن وزارة الداخلية برقم (١٨٦٧) وتاريخ ٨/ ٣/ ١٣٧٨ هـ، ومن إمارة المدينة برقم (٤٢٤٨) وتاريخ ١٥/ ٣/ ١٣٧٨ هـ، ومن المحكمة الكبرى بالمدينة برقم (١١٣٩)، وتاريخ ٢٥/ ٣/ ١٣٧٨ هـ، وهذه الأوامر مرفقة بالمعاملة التي بين يدي اللجنة والواردة أخيرًا إلى سماحة المفتي من رئيس المحكمة الكبرى بالمدينة برقم (٢٠٥٢) وتاريخ ٢٦/ ٢/ ١٣٨٧ هـ، وتنص هذه الأوامر على تشكيل لجنة علمية لمعرفة مواضع حدود الحرم المدني ووضع علامات عليها، وقد شكلت اللجنة المذكورة من كل من: فضيلة الشيخ محمَّد الحافظ القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة رئيسًا، وكل من: السيد محمود أحمد، والسيد عبيد مدني، والشيخ عمار بن عبد الله، والشيخ أبو بكر جابر، والأستاذ أسعد طرابزوني أعضاء. وقد اجتمعت اللجنة فور تشكيلها، وقامت بما عهد إليهاة غير أنَّه أشكل عليها نقاط وارتأت عرضها على سماحة المفتي الأكبر، وعندما رفعت المعاملة إلى سماحته أمر بأن يكون مع اللجنة مندوب من قبل سماحته ليجتمع باللجنة، ويقفوا جميعًا على حدود الحرم، ويعرفوا مسميَّات تلك الحدود، ثمَّ يعود المندوب إلى سماحته، وقد تضمنت النصوص الواردة في هذا تحديد الحرم: باللابتين تارة، وبعِير وثور تارة، وبالمأزمين تارة، وبالجبلين تارة، وأحاديث اللابتين أكثر من أحَاديث الجبلين، والجبلان هما عير وثور. والمأزمان هما الجبلان، فأما عير وثور فخارجان عن الحرم كما هو الأصل في التحديدات، وأما اللابتان فداخلتان في الحرم لما يلي: أ - قصة بني حارثة حين قال لهم النبي ﷺ : "أراكم يا بَني حارثة قد خَرَجْتُم من الحرم ثمَّ التفَتَ فقال: بل أنتُمْ فيهِ" ومنازلهم في سند الحرة الشرقية مما يلي العريض، وحصنهم باقية آثاره حتى الآن، فدل على أنَّ هذه الحرَّة من الحرم، وهي محاذية لعير وثور، فكأنَّه ﷺ لما التفت فرأى عيرًا قال لهم بل

стр. 1870

أنتم في الحرم. ب - قصة سعد بن أبي وقاص حينما أخذ سلب الرَّجل الذي وجده يقطع الشجر في العقيق، والعقيق ليس حرة، بل هو واد منقطع عن الحرة الغربية، وأبعد منها عن المدينة، ولكن القسم الأعلى منه مسامت لجبل عير من الشمال والغرب. ج - حديث تحريم ما بين حرتيها وجامها، والجمارات الثلاث معروفة، وتقع بعد العقيق وبعد الحرة الغربية كما هو مشاهد. د - أنَّ الحرة الغربية تبدأُ من عند باب العنبرية وتمتد غربًا، والحرة الشرقية تبدأ من نهاية شارع أبي ذر بطريق المطار بنحو مائتي متر، فإن لم نقل بأنَّهما داخلتان في الحرم لخرجت جملة كثيرة من منازل المدينة عن الحرم: ولا قائل بهذا من أهل العلم الذين اطَّلعنا على كلامهم. هـ - ذكر العلماء مسافة الحرم بريدًا في بريد، واستدلوا بما ورد في هذا، ولا يمكن تطبيق هذه المسافة إلاَّ إذا أدخلنا الحرتين، لأنَّ الحرتين قريبتان من الحرم، بخلاف الجبلين فيبعدان جدًّا بالنسبة إلى قرب اللابتين. وقد أخذت الهيئة المساحة من الجهات الأربع من المسجد إلى "عير" جنوبًا، ومن المسجد إلى "ثور" شمالًا، ومن المسجد إلى الحرَّة الغربية عند محاذاة "عير" غربًا، ومن المسجد إِلى الحرة الشرقية عند محاذاة "ثور" شرقًا، فكانت المسافة متقاربة في الجميع، وتبلغ أحد عشر كيلو مترًا تقريبًا بعداد السيارة وإن كانت السيارة لا تسير باتجاه واحد بل تأخذ يمينًا وشمالًا حسب سهولة الخط، ولكن هذا يعطي فكرة تقريبية للمسافة من الجهات الأربع، وهذه المسافة مقاربة لإثني عشر ميلًا الواردة في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم قال: "حرَّم رسول الل ﷺ ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حِمى" وهذا من أدلة من قال بريدًا في بريد؛ لأنَّ البريد

стр. 1871

أربع فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. والمسافة التي بين عير وثور من الناحية الشرقية تقدر باثني عشر ميلًا، ومثلها المسافة التي بينهما من الناحية الغربية". ثم مشت اللجنة على مواضع الحدود لتطبيق ما ناقشوه من النصوص وما فهموه منها وكان ممشاها على ما يلي: ١ - وصلت اللجنة إلى جبل "ثور" ويقع خلف أحد من الشمال الشرقي، طلعت فوقه ووجدته كما وصفه العلماء، جبل صغير بالنسبة إِلى جبل أحد، والجبال التي حوله بتدوير، وليس بمستطيل، لونه يقرب إلى الحمرة، خلف أحد من الشمال الشرقي، وبينه وبين أحد مقدار خمسين مترًا تقريبًا. ٢ - ثم انتقلت اللجنة إلى "اللابة الشرقية" ووجدت حرَّة ذات حجارة سوداء نخرة كأنَّها أُحرقت بالنار، وتنقطع هذه الحرَّة في بعض المواضع خصوصًا في جهتها الشمالية، وتمتد في مواضع ولاسيَّما جهتها الجنوبية، فكأنَّها حرار متعددة، وهذه الحرَّة تسمى "حرة واقم" ويفضلها عن "أُحد" الشرقي وسفح جبل وغيره، وتشمل منازل بني حارثة وبني ظفر وبني عبد الأشهل وبني معاوية، كما تشمل منطقة العريض وما حولها من المصانع والبساتين وبعاث المسمى الآن بـ"المبعوث" إلى العوالي وقربان ومنازل بني قريظة وبني النضير، ولم يكن الحد في هذه الحرة واضحًا كوضوحه من جهة الجبلين: عير، وثور، لهذا مشت اللجنة وسط الحرة في موضع متوسط بين عير وثور، ووقفت هناك لتحقق لها المسافة بين الجبلين وتتمكن من أخذ مقاسها. ٣ - ثم انتقلت اللجنة إلى طرف "عير" من هذه الناحية أعني الناحية الجنوبية الشرقية، ووقفت قريبًا من الجبل مما يلي سد بطحان، وعرفت مقياس مسافته لجبل ثور مع متوسط اللابة الشرقية، وتقرَّر أن تبدأ من طرف عير الجنوبي الشرقي مدخلة مد بطحان ومذينيب، وتنقاد ببئر متواصلة مع وسط الحرة بعد كل ثلاثة كيلوات بِتَر كبيرة ملونة يكتب عليها حد الحرم إلى أن

стр. 1872

تصل جبل ثور من الشمال الشرقي مخرجة جبل وغيره، ومدخلة جيمع جبل أُحد والخزان الذي حوله، والمصانع وماحولها من البساتين ومنطقة العريض والعوالي وقربان إلى امتداد سد بطحان حتى يحاذي طرف عير من الشرق. ٤ - ثم انتقلت الهيئة إلى طرف "عير" من الناحية الجنوبية الغربية مما يلي ذا الحليفة، لأنَّ عيرًا جبل كبير مستطيل، فقربت الهيئة من طرفه، ووقفت على ربوة بسفحه، وتطلعت إلى ما حوله وما يحاذيه من اللابة الغربية والشمالية الغربية. ٥ - انتقلت اللجنة إلى "الحرة الغربية" وهي أقرب إلى المدينة من الحرة الشرقية، فالغربية تبدأ من عند باب العنبرية كما مرَّ، وهي من جنس الشرقية في كونها تنقطع في مواضع ولاسيَّما في جهتها الشمالية، كما هو مشاهد عند مسجد القبلتين حيث يوجد هناك فضاء واسع فيه المزارع والرمال والسباخ وتتخللها الطرق والعيون والأودية إلى أحد والجرف وما حوله، وتمتد الحرة من الناحية الجنوبية إلى أن تدنو من شرقي عير قريبًا من طرف الحرة الشرقية من ناحية قباء، ويفصل بينها وبين الحرَّة الشرقية بساتين قباء وقربان، والعوالي ووادي مهزور، ومذينيب وجفاف، وبطحان والرانونة. وقد مضت اللجنة من "عير" إلى "أحد" لنصل منه إلى "ثور" وسلكت في أثناء ممشاها مع الطريق الجديد الموضوع للأجانب ومن لا يريد دخول المدينة ويسمى بالتحويلة ويبدأُ من نهاية البيداء آخر الخط الآتي من جدة قبل أن يصل إلى ذي الحليفة ثم يتجه شمالًا تاركًا المدينة على ميمنه، ورأت اللجنة هذا الطريق في أثنائه مسامتًا لما بين عير وثور من هذه الناحية، إلاَّ أنَّه قد تجاوزها من أوله وآخره، فقررت اللجنة أن توضع البدأ [لعلَّه البتر] من طرف عير الغربي متَّجهة إلى الغرب ثم إلى الشمال الغربي فتدخل ذا الحليفة والعقيق وسد عروة والجماوات الثلاث، وبنايات الجامعة

стр. 1873

الإسلامية والقصور الملكية والجرف، وبئر رومة وما حولها من البساتين إلى أُحد، كل هذه داخلة في حدود الحرم، فإذا وصلت إِلى ما سامتها من التحويلة، صارت التحويلة هي الحد، فتوضع البئر على جانبها الشرقي، وتستمر البئر مع هدذه التحويلة حتى تحاذي ثور خلف أُحد من الشمال الشرقي، وحينئذٍ تأخذ البتر ذات اليمين صوب الجنوب لتلتقي بالبئر التي مرَّ ذكرها في الحرَّة الشرقية، وتترك التحويلة لأنَّها تستمر شرقًا حتى تصل شارع المطار، وبهذا تصبح حدود الحرم تابعة من جميع جهاتها سواءٌ حدد من عير إلى ثور، أو باللابتين، أو باثني عشر ميلًا وفي بريد في بريد كما سبق إيضاح ذلك وأخذ مسافته. ونظرًا لأنَّ هذه أعمال هندسية، وتحتاج إلى مهندس فني، فينبغي تعميد بلدية المدينة بهذا؛ ليقوم مهندسوها بمسحها مسحًا فنيًّا، مع وضع العلامات اللازمة على ضوء ما ذكرنا، ويكون ذلك بإشراف الشيخ محمَّد الحافظ. ولا يفوتني أن نذكر هنا تتميمًا للفائدة أنَّ حرم المدينة يخالف حرم مكة في ثلاثة أشياء. أوَّلًا: أنَّ صيده وقطع شجره لا جزاء فيه بخلاف حرم مكة. ثانيًا: أنَّ من أدخل صيدًا من خارج الحرم جاز له إمساكه وذبحه بدليل قوله ﷺ : "يا أبا عُمَير ما فعل النُّغَير" وهذا بخلاف حرم مكة. ثالثًا: جواز قطع ما تدعو حاجة الفلاحين إليه من آلات الحرث والرحل كالمساند وغيرها. هذا ما جرى دراسته وتحريره بعد كمال التحري وبذل الجهد، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم أجمعين. هيئة تحديد حدود المدينة المنورة

стр. 1874

* ما يؤخذ من الحديثين: ١ - أنَّ الذي حرم مكة المكرمة هو النبي إبراهيم الخليل ﷺ ، كما أنَّ الذي حرَّم المدينة المنورة هو النبي ﷺ ، وقد جاء في البخاري (١٨٩)، ومسلم (١٣٥٣)، "أنَّ هذا البلد مكة، حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض"، ومعناه أنَّ تحريم مكة قديم وشريعة سالفة مستمرة، ليس مما أُحدث، أما ما جاء في الرواية الأخرى: أنَّ إبراهيم ﵇ هو الذي حرَّم مكَّة، فهو من حيث إنَّه هو الذي بلغ تحريمها فإنَّ الحاكم بالشرائع هو الله تعالى، والأنبياء يبلغونها، فإنَّه كما يضاف التحريم إلى الله من حيث إنَّه هو الحاكم بها، فإنَّها تضاف أيضًا إِلى الرسول، حيث إنَّه هو المبلغ عن الله تعالى. ٢ - معنى تحريم المدينتين هو أنَّهما بلدتان آمنتان، فلا يقطع الشجر في حرمهما، ولا يقتل الصيد، ولا ينفر فيه. ٣ - أنَّ إبراهيم ﵊ دعا لأهل مكة بالبركة، وسعة الرزق، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ﴾ [البقرة: ١٢٦]. ٤ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ دعا لأهل المدينة بالبركة وسعة الرزق، كدعوة إبراهيم لأهل مكة، بل دعا أن تكون البركة في المدينة ضعفي بركة مكة. ٥ - أنَّ حرم المدينة يحده من الناحية الجنوبية جبل عَير، ومن الجهة الشمالية جبل ثور، كما نص الحديث. ٦ - أما حد الحرم الشرقي والغربي في المدينة فهما الحرتان الشرقية والغربية، لما جاء في البخاري (١٨٦٩) ومسلم (١٣٧٢) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "حرَّم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حمًى". وجمهور العلماء قالوا بتحريم الحرم المدني، عملًا بالنصوص الصحيحة الآتية، ومنهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد، بخلاف أبي حنيفة فلا يرى

стр. 1875

تحريمه من ناحية الصيد، وقطع الشجر، ولا مدفع عنده للنصوص الصحيحة الآتي بعضها. ٧ - جاءت نصوص كثيرة في تحريم قتل الصيد، وقطع الشجر في الحرم المدني منها: ما رواه مسلم (١٣٦٢) عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي حرَّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عَضَاها، ولا يصاد صيدها". وله أيضًا من حديث أبي شريح (١٣٥٤) "ولا يخبط فيها شجر إلاَّ لعلف"، وتحريم النبي ﷺ المدينة لتعظيمها وتقديسها، ولكن تحريم حرم المدينة لا يأخذ كل أحكام حرم مكة. ٨ - ذكر العلماء فروقًا بين الحرم المكي والحرم المدني ترجع إلى أنَّ العقاب والجزاء في الحرم المدني أخف من الحرم المكي. منها: أنَّ ذبح الصيد أو قتله في الحرم المدني، يحِلّ أكله، بخلاف المكي فيعتبر ميتة محرَّمة، ومنها: أنَّه لا جزاء في الصيد في الحرم المدني ... ، بخلاف المكي ففي قتله الجزاء، ومنها أخذ ما تدعو الحاجة إليه من شجرها كالقنب وآلة الحرث كلها، لما جاء في مسند أحمد من حديث جابر أنَّ النَّبىَّ ﷺ لما حرم المدينة، قالوا يا رسول الله إنَّا أصحاب عمل وأصحاب نضح، فرخِّص لنا فقال "القائمتان والوساد، والعارضة والمسند، وأما غير ذلك فلا يعضد" ولقوله ﵊ في حديث أبي شريح: "ولايخبط فيها شجر إلاَّ لعلف" [رواه مسلم (١٣٥٤)]. * فائدة: آثار إبراهيم الخليل ﵊ بمكة المكرمة كثيرة، فهو: أولًا: أول من أسس مكة وسكنها، بوضعه ابنه وزوجته هاجر فيها. ثانيًا: دعا لأهلها بسعة الرزق، وأن يكون البلد مثابة للناس وأمنًا. ثالثًا: هو الذي أعلن تحريمها، وعظمتها عن أمر الله تعالى.

стр. 1876

رابعًا: هو الذي بنى البيت الحرام، ووضع قواعده، وساعده ابنه إسماعيل. خامسًا: هو الذي نادى الناس ليحجوه. سادسًا: هو الذي أقام شعائر الحج، فهي من مآثره. سابعًا: هو الذي أعلن فيها التوحيد، وعبادة الله وحده. ثامنًا: هو أول من حدد الحرم بتعليم من جبريل. ***

стр. 1877

باب صفة الحج ودخول مكة مقدمة صفة الحج بيان ما شرع فيه من أقوال وأفعال، وفيها حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم، فإنه وصف حجة النبي ﷺ من حين خرج من المدينة حاجًّا إلى أن عاد إليها من حجته ﷺ ، وسيكون بيان الحج وصفته بذكر ما ساقه المؤلف من هذا الحديث الشريف، وشرحه إن شاء الله تعالى. وأما مكة المكرَّمة التي شرفها الله تعالى ببيته الحرام والبقاع المقدسة، فهي البلد الحرام الذي جعله الله تعالى مبعثًا لخاتم أنبيائه، ومهبطًا لآخر رسالاته، تلك الرسالة العامة الشاملة الثابتة الباقية، لما جعل الله تعالى فيها من مقومات البقاء، وعناصر الخلود، مما يكفل لها هذا البقاء الأبدي والشمول الذي لا ينتهي، فكان مصدرها من أم القرى، التي صارت بهذه الرسالة عاصمة الدنيا، وقبلة المسلمين. قال الأستاذ حسين كمال الدين أحمد: إنَّ مكة المكرمة في الإسقاط المساحي المكي هي مركز العالم كله، ولقد أصبح من البديهي أنَّ الأرض كروية، وأنَّ الكرة الأرضية تدور حول نفسها دورة منتظمة، ولابد من محور ثابت داخل هذه الكرة يحدد النقطتين الثابتتين القطب الشمالي والقطب الجنوبي، والخط الدائري هو خط الاستواء. وعندما تمَّ توقيع حدود القارات السبع على خريطة الإسقاط، وجدنا أنَّ الحدود الخارجية لهذه القارات يجمعها محيط دائرة واحدة، مركزها عند مكة المكرمة، أي أنَّ مكة المكرمة تعتبر مركزًا وسطًا للأرض اليابسة على سطح الكرة الأرضية، فهذا الإسقاط المكي الجديد يعطي مكة المكرمة مركزًا خاصًّا بين أماكن العالم، ولله في خلقه أسرار.

стр. 1878

٦٣٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَال: اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِري بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي، وَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ أَهلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ لبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكُ، لَا شَرِيْكَ لَكَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا البَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصلَّى، وَرَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِن البَابِ إلى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَفَا قَرأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأ اللهُ بِهِ، فَرَقَى الصَّفَا حَتَّى رَأى البَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهُ وَكَبَّرَهُ، وَقَال: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لَا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذلِك، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى إلَى المَرْوَةِ، فَفَعَلَ عَلى المَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا ... وَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفَيهِ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِتةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، وَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَصلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ، وَالعِشَاءَ، وَالفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأَجَازَ حَتَّى

стр. 1879

عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَب النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكَبَ حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءَ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بمنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى إِذَا غَابَ القُرْصُ، وَدَفعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأَسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ: السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، وَكُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبالِ أرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعدَ، حَتَّى أَتَى المزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبح بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فَاسْتَقْبلَ القِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهلَّلَهُ، وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيْقَ الوُسْطى الَّتِي تَخْرُجُ عَلى الجَمْرَةِ الكُبْرى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَى الخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ

стр. 1880

رَسُولُ اللهِ، فَأَفَاضَ إِلَى البّيْتِ، فَصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا (١). ــ * مفردات الحديث: - أسماء بنت عُميس: بضم العين وفتح الميم بعدها ياء ثم سين مهملة، الخثعمية كانت تحت جعفر بن أبي طالب، وأولاده منها، فقتل شهيدًا بغزوة مؤتة فتزوَّجها أبو بكر الصديق، فولدت له محمَّدًا في الميقات، وبعد وفاة أبي بكر تزوجها علي بن أبي طالب. - استثفري: بسين مهملة فمثناة فوقية ثم ثاؤ ثم فاء ثم راء، واستثفار المرأة أن تشد على وسطها شيئًا ثم تأخذ خرقة عريضة، تجعلها في محل الدم، وتشدها من ورائها وقدامها، ليمنع الخارج، وفي معناها الحفائض الآن. - القصواء: بفتح القاف وسكون الصاد ثم واو وألف ممدودة، قال في النهاية: القصواء: الناقة التي قُطع طرف أذنها، وناقة النبي ﷺ لم تكن مقطوعة الأذن، قال محمَّد بن إبراهيم التيمي: إنَّ القصواء والعَضْبَاء والجَدْعَاء، اسم لناقة للنبي ﷺ واحدة، وهي التي هاجر عليها النَّبي ﷺ ، وهي التي سُبِقت، فشقَّ ذلك على الصحابة. - البيداء: بفتح الباء بعدها ياء مثناة ثم دال مهملة ثم ألف ممدودة، هي الفلاة، جمعها بِيْد. - أهلَّ بالتوحيد: رفع صوته بالتلبية، التي تشمل على توحيد الله تعالى بألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته، فكل أنواع التوحيد الثلاثة تشتمل عليها التلبية، وفيه تعريض لما كان يفعله أهل الجاهلية من انضمام قولهم: "إلاَّ شريكًا هو

стр. 1881

لكَ تملكه، وما ملك". - لَبَّيْكَ: أصله ألبَّ بالمكان إذا لزمه، نصب على المصدر، فهو من المصادر التي يجب حذف فعلها لكونه وقع مثنى، ولذلك يجب حذف فعله قياسًا؛ لأنَّ العرب لما ثنوه للتأكيد كأنَّهم ذكروه مرَّتين. فمعنى لبَّيك: إجابة لك بعد إجابة، وإقامة على طاعتك دائمة، والمراد بالتثنية التأكيد والتكثير. - إنَّ الحمد: بفتح الهمزة وكسرها، فالكسر على الابتداء، والفتح على المصدرية، قال ثعلب: الاختيار الكسر فهو أجود من الفتح؛ لأنَّ الذي يكسر يذهب إِلى أنَّ الحمد والنعمة لله على كل حال، وأما الذي يفتح فيذهب إلى أنَّه معنى لبيك؛ لأنَّ الحمد لك، أي لبَّيك لهذا السبب. - والنعمة: بكسر النون هي المسرة واليد البيضاء بالعطاء، والأشهر في إعرابها الفتح معطوف على الحمد اسم "إنَّ"، والخبر محذوف، والجار والمجرور "لك" يتعلَّق بالخبر المحذوف، ويجوز الرفع على الابتداء. - الركن: هو الركن الشرقي من الكعبة المشرفة، الذي فيه الحجر الأسود، والذي يمسح منه الحجر الأسود. فرمل: الرَّمل هو الإسراع في المشي والهرولة، مع هز المنكب، وذلك في الثلاثة الأشواط الأُوَل من طواف القدوم. - مقام إبراهيم: هو الحَجَر الذي كان يقوم عليه إبراهيم أثناء بنائه البيت هو وإسماعيل، وهو الآن في حاشية المطاف، تجاه باب الكعبة المشرفة. - رقى: قال في المصباح ما خلاصته: رقيت في السلم أرقى رقيًا، من باب تعب، ورقيت الجمل علوته، وأما رقيته أرقيه من باب رمى: عوذته بالله، والاسم الرقيا على وزن فعلى، والجمع رُقًى. - الصفا: مقصور، جمع صفاة، وهو الحجر الضخم الصلد الأملس، وهكذا

стр. 1882

هذا المشعر، وهو أصل جبل أبي قيس، وهو من الشعائر المقدسة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. - المروة: جمعها مرو هي الحجارة البيض الرقاق البراقة في الشمس، وهكذا صفة المروة التيِ هي أحد المشاعر المقدسة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. - شعائر الله: الشعائر جمع شعيرة وهي أعلام الإسلام، والشعائر هنا هي أعلام الحج، ليقوم الحاج بتعظيمها، والطواف بهما. - أنجز: نجز الوعد نجزًا -من باب قتل- تعجل، ويتعدى بالهمزة وبالحرف، فيقال: أنجزته ونجزت به إذا عجلته، وقد تحقق هذا الوعد بنصر الله لنبيه، حين هزم الأحزاب وحده. - وعده: وعد يستعمل في الخير والشر، فيقال: وعده خيرًا وبالخير، وشرًا وبالشر، وقد أسقطوا لفظي: الخير والشر، وقالوا: في الخير: وعده وعدًا، وفي الشر: وعده وعيدًا، فالمصدر هو الذي يفرق بينهما، فالوعد للخير والوعيد للشر. - نصر عبده: ينصره نصرًا، أعانه وقواه، والمعنى: نصر الله نبيه محمَّدًا ﷺ على أعدائه، حتى صارت له الغلبة عليهم، وفتح البلاد. - هزَم: يهزم هزمًا -من باب ضرب- كسره وفلَّه، فالاسم الهزيمة، والجمع هزمات. - الأحزاب: الأحزاب: هم تلك القبائل الذين تحزبوا، وتجمعوا وحاصروا المدينة، فهزمهم الله تعالى وحده من غير قتال الآدميين، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب].

стр. 1883

- انصبَّت قدماه: في بطن الوادي: نصب ينصب نصابًا، انحدر فهو مستعار من انصباب الماء في بطن الوادي، فالانصباب الانحدار. - طن الوادي: ما خفي منه، وانخفض. - سعى: يسعى سعيًا، السعي يطلق في لسان العرب على الإسراع، والعَدْو الشديد، ويطلق على الكسب للخير أو الشر، فإن كان يعدى بـ"إلى" فالمراد منه الجري، وإن كان المراد به العمل والكسب فيعدى باللام، قال تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]، أي عمل لها، وأما قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فيعتبر بمعنى المضي، ولذا فإنَّ قراءة عمر وابنه وابن مسعود: "فامضوا"، والمراد بالسعي هنا العَدو الشديد، وقت شعيرة السعي في بطن الوادي، والآن مكان العدْو هو ما بين العَلَمَيْنِ الأخضرين، اللذين هما علامة على ضفتي الوادي. - يوم التروية: بفتح المثناة الفوقية فراء، هو اليوم الثّامن من ذي الحجة، سمي بذلك، لأنَّهم كانوا يتروون فيه الماء ليوم عرفة، ذلك أنَّه لم يكن فيه حينذاك ماء. - فأجاز: جاز المكان يجوزه جوزًا وجوازًا: سار فيه، وأجازه بالألف قطعه ومعناه هنا: جاوز المزدلفة، ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات. - عرفة: هي مشْعر حلال، فهي خارج حدود الحرم لأنَّها واقعة في الحل وحدودها كالآتي: الحد الشمالي: ملتقى وادي وصيق بوادي عرنة. الحد الجنوبي: ما بعد مسجد نمرة جنوبًا بنحو كيلو ونصف. الحد الغربي: هو وادي عرنة، ويمتد هذا الحهد من ملتقى وادي وصيق حتى يحاذي جبل نمرة. الحد الشرقي: هي الجبال المحيطة المقوسة على ميدان عرفات من الثنية التي

стр. 1884

ينفذ معها طريق الطائف، وتستمر سلسلة تلك الجبال شمالًا حتى تنتهي سفوحها عند ملتقى وصيق بعرنة. قال العيني: وأما عرفة فإنَّها تطلق على الزمان، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وعلى المكان وهو الموضع المعروف. حتى أن عرفة: نقول فيه ما قاله النووي: المراد قارب عرفات، فإنَّ نمرة ليست من عرفات. - القُبة: بضم القاف وتشديد الباء الموحدة التحتية ثم تاء التأنيث، هي الخيمة الصغيرة. قال ابن الأثير: القبة من الخيام بيت صغير مستدير، والجمع قِبَب وقِباب. - ضُرِبت له: ضرب القبة نصبها، وإقامتها على أوتاد مضروبة في الأرض. - نَمِرَة: بفتح النون وكسر الميم فراء فتاء تأنيث جبلان، صغيران هما منتهى حد الحرم من الجهة الشرقية، فهما محاذيان لأنصاب الحرم، فنمرة تكون على يمين الخارج من المأزمين والأنصاب عن يساره، ووادي عرنة يفصل بين نمرة وبين عرفات. - بطن الوادي: أي وادي عرنة الذي فيه مقدمة مسجد نمرة، ووادي عرنة ليس من موقف عرفات بل هو حدها الغربي كما تقدم. - الصخرات: هي صخرات ملتصقة بالأرض تقع خلف جبل عرفات، فهي عنه شرقًا، فالواقف عندها يستقبل جبل الرحمة، والقبلة معًا، وهو موقف النبي ﷺ ، وهو موقف الولاة بعده حتى الآن. - حبْل المشاة: الأصح أنَّها بالحاء المهملة وبعدها باء موحدة ثم لام، وهو الطريق الذي يسلكه المشاة، ويكون هذا الحبل أمام الواقف على الصخرات وبين يديه. - المشاة: بضم الشين، جمع ماش.

стр. 1885

- الصفرة: بضم الصاد وسكون الفاء، لونٌ دون الحمرة، وهو شعاع الشمس بعد مغيبها. - حتى غربت الشمس حتى غاب القرص: قال النووي: "هكذا في جميع النسخ، ويحتمل أن يكون قوله "حتى غاب القرص" بيانًا لقوله غربت الشمس وذهبت الصفرة، فإنَّ هذه تطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال، بقوله حتى غاب القرص. وقال القاضي عياض: ولعلَّ الصواب؛ حين غاب القرص، ويحتمل الأول ويكون الكلام على ظاهره، وجاء بقوله: حتى غاب القرص لدفع توهم المجاز. - دفع: يقال دفع السيل من الجبل إذا انصب منه، الدفع هنا المراد به: الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة. - شنقَ: بفتح الشين المعجمة والنون الفوقية الموحدة مخففة ثم قاف مثناة، ضمَّ وضيَّق. - الزِّمَام: بكسر الزاي المعجمة، هو الخيط الذي يشد إلى الحلقة التي في أنف البعير، ليقاد به، ويمنع به. - مورِك: بفتح الميم وكسر الراء الموضع من الرحْل، يجعل عليه الراكب رجله، وتسميها العامة "ميركة". - رَحْله: بالحاء المهملة ما يوضع على ظهر البعير للركوب، ويسمى الكُور بضم الكاف وسكون الواو، وهي لغة فصحى. - السكينة السكينة: مرتين، الأولى منصوبة بفعل محذوف على الإغراء، أي الزموا السكينة، والسكينة الثانية توكيد لها، والسكنية في السير من السكون ضد الحركة، أي كونوا مطمئنين خاشعين. - حَبْلًا: بالحاء المهملة وإسكان الباء، وهو التل اللطيف من الرمل الضخم.

стр. 1886

- حتى تصعد: بفتح التاء المثناة الفوقية وضمها، فَإنَّه يقال: صعدت الجبال وأصعد إذا ارتفعت في جبل أو غيره، فالإصعاد السير في مستوى من الأرض والصعود الارتفاج على الجبال والسطوح والسلالم والدرج، ومنه: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. - المزدلفة: مأخوذ من الازدلاف، وهو التقرب، فالحاج يتقرَّب بها من عرفة إِلى منى، أما حدودها فهي: الحد الشرقي: من مفيض المأزمين الغربي. الحد الغربي: وادي مُحسِّر. الحد الشمالي: جبل ثَبِير. الحد الجنوبي: جبال المريخيات. فما بين هذه الحدود الأربعة من شعاب، ووهادٍ، وروابٍ، وسهولٍ كلها مزدلفة، وتسمى جَمْعًا؛ لاجتماع الناس فيها ليلة يوم النحر. - لم يسبح بينهما: أي لم يصلِّ نافلة بين صلاتي المغرب والعشاء. - المشعر الحرام: هو جبل صغير في المزدلفة، يسمَّى قُزَح بضم القاف وفتح الزاي آخره حاء مهملة، وقد أزيل وجعل مكانه المسجد الكبير الموجود الآن في مزدلفة. - أسفر جدًا: بكسر الجيم، أي إسفارًا بالغًا، والضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور. - مُحَسِّر: بضم الميم وفتح الحاء المهملة ثم سين مهملة وآخره راء، هو وادٍ يقع بين مزدلفة ومنى، وليس من واحد منهما، وإنما هو برزخ حاجز بينهما، وروافده جبل ثبير الأثبرة، ومنتهاه ملتقاه بسيل مزدلفة، ثم يتَّجهان حتى يجتمعا بوادي عرنة المتجه غربًا إلى البحر الأحمر في جنوب جده. - حرَّك: أي حث دابته، واستخرج جريها.

стр. 1887

- الطريق الوسطى: هي الطريق القاصدة إلى الجمرات. - الجمرة: جمعها جِمار، والجِمَار عند العرب الحجارو الصغار، وبه سميت جمار منى، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى. - حصى الخذْف: بفتح الخاء المعجمة ثم ذال معجمة ساكنة ففاء موحَّدة، وقدر الحصاة مثل حبة الباقلاء، أو الفول. والخذف: هو الرمي بالحصى بالأصابع، وذلك بأن يجعل الحصاة بين سبابتيه ويرمي بها، قال ابن الأثير: ويستعمل في الرمي والضرب. - نَحر: النحر هو الطعن بالسكين، أو الحربة في الوهدة، التي بين أصل العنق والصدر، والنحر للإبل خاصة. - فأفاض إلى البيت: قال في الفائق: الإفاضة في الأصل الصب، فالمراد بهما الدفع بكثرة، تشبيهًا لها بفيض الماء الكثير، والمعنى هنا: دفع من منى إلى الكعبة المشرفة لطواف الإفاضة. * ما يؤخذ من الحديث: قال الإمام النووي في شرحه على مسلم: "حديث جابر حديث عظيم مشتمل على جُمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي: وقد تكلَّم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنَّف فيه ابن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرَّج من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه" اهـ. وقال شارح البلوغ: "وليعلم أنَّ الأصل في كل ما ثبت أنَّه فعله ﷺ في حجه الوجوب، وذلك لأمرين: أحدهما: أنَّ أفعاله في الحج بيان للحج الذي أمر الله به، والأفعال في بيان الوجوب محمولة على الوجوب.

стр. 1888

الثاني: قوله ﷺ : "خذوا عنِّي مناسككم" فمن ادَّعى عدم وجوب شيء من أفعاله في الحج فعليه الدليل" اهـ. وهذه جمل من فوائده، ونفائسه: ١ - أنَّ الحُليفة هي ميقات أهل المدينة، ومن أتى عليها من غير أهلها. ٢ - استحباب اغتسال الحائض والنفساء للإحرام، فغيرهما يكون أولى بذلك. ٣ - استحباب استثفار الحائض والنفساء في حالة الإحرام، ويقوم مقامها الحفائظ المستعملة الآن. ٤ - صحة إحرام الحائض والنفساء، فإذا طرأ الحيض والنفاس بعد الإحرام، فجواز المضي فيه من باب أولى. ٥ - إذا كان الإحرام وقت فريضة أو بعد نافلة لها سبب، كسنة الوضوء، استحب أن يكون الإحرام بعد تلك الصلاة، وإن لم يكن شيء من ذلك، فبعض العلماء يرى استحباب ركعتين قبل الإحرام، ومنهم الحنابلة، ومنهم من لا يرى مشروعية ذلك؛ لأنَّه لا دليل عليه، والعبادات توقيفية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أولى. ٦ - الإهلال بالتلبية حينما يستقل المحرم مركوبه، وتقدَّم أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَهلَّ بالإحرام بالمسجد بعد انصرافه من الصلاة، ولعلَّ جابرًا من الذين لم يسمعوا إهلاله إلاَّ بعد استوائه على ناقته فحدَّث بما سمع ورأى. ٧ - تسمية التلبية توحيدًا لاشتمالها عليه، ففيها أنواع التوحيد الثلاثة، فتوحيد الإلهية في "لبيك لا شريك لك لبيك" فهو الاستقامة على عبوديته وحده، وتوحيد الربوبية في إثبات "أنَّ النعمة لك والملك لا شريك لك" وتوحيد الأسماء والصفات في إثبات "الحمد" المتضمن إثبات صفاته تعالى الكاملة. ٨ - الإشارة إلى إهلاله ﷺ بالتوحيد مخالفة لتلبية المشركين الشركية. ٩ - أنَّ تحيَّة المسجد البدء بالطواف في البيت، فأول شيء بدأ به ﷺ الطواف.

стр. 1889

١٠ - شرط الطواف البدء من الركن الذي فيه الحجر الأسود. ١١ - استحباب استلام الحجر الأسود في أول الطواف، وعند محاذاته في كل الطواف. ١٢ - استحباب الرمل في الأشواط الثلاث الأُول، والمشي في الأربعة الباقية، والرمل خاص في طواف القدوم. ١٣ - استحباب صلاة ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم، وقد تلا ﵊ قوله تعالى: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فيكون فعله تفسيرًا للصلاة المذكورة في الآية، وتعبين مقام إبراهيم في هذا الحجر المعروف. ١٤ - استحباب استلام الحجر بعد صلاة ركعتي الطواف وقبل السعي، وليس بواجب بإجماع العلماء. ١٥ - قال الشيخ: الحج فيه ثلاثة أطوافة: - طواف عند دخول مكة، ويسمى طواف القدوم. - الطواف الثاني هو بعد عرفة، ويقال له طواف الإفاضة، وهو طواف الفرض الذي لابد منه. - الطواف الثالث: هو لمن أراد الخروج من مكة، وهو طواف الوداع، وإذا سعى عقب واحدٍ منها أجزأه، ولو لم يكن متوقفًا على تقدم الطواف عليه لما أخرته عائشة ﵂. ١٦ - كل طواف بعده سعي، يسن أن يعود المُحرم إِلى الحجر فليستلمه قبل السعي إن أمكن، لأنَّ الطواف لما كان يفتتح بالاستلام فكذا السعي، بخلاف ما إذا لم يكن بعده سعي، فلا يستلم بعد الركعتين. ١٨ - المعتمر -ولو كانت عمرة تمتع- إذا شرع في الطواف قطع التَّلبية؛ لأنَّ التَّلبية إجابة إلى العبادة، فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل،

стр. 1890

والأخذ في التحلل منافٍ للإجابة على العبادة، واستقبالها. ولما روى أبو داود (١٥٥١) من حديث ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يمسك عن التَّلبية في العمرة إذا استلم الحجر". قال النووي: الصحيح أنَّه لا يلبي في الطواف والسعي، لأنَّ لهما أذكارًا خاصة. ١٨ - استحباب الخروج للسعي من باب الصفا إن سهل ذلك. ١٩ - أنَّ السَّعي يكون بعد طواف النسك ولا يتقدمه، قال في الحاشية: وإن سعى قبل أن يطوف لم يجزئه السعي إجماعًا. ٢٠ - استحباب الموالاة بين الطواف والسعي. ٢١ - البداءة بالسعي من الصفا، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بالشوط الأول، والبدء بالصفا هو تفسير لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فقد بدأ بما قدَّم الله ذكره. ٢٢ - استحباب رقي الصفا واستقبال القبلة حينما يطلع عليه، وهو سنة، فيوحد الله، ويكبره، ويحمده بما ورد، قال الشيخ: لو ترك صعوده فلا شيء عليه إجماعًا. ٢٣ - الذكر المشروع على الصفا والمروة مناسب للمقام؛ لأنَّه في حجة الوداع التي تجلت فيها قوة الإسلام بعد ضعفه، وظهور الدين بعد خفائه، والجهر بعبادة الله تعالى بعد إسرارها في مكة، والقيام بركنية الحج ذلك العام خالصًا لله تعالى، بعد أن كان الحج لا يؤدى إلاَّ من المشركين وحدهم. وقد اشتمل على توحيد الله تعالى بالوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، والاعتراف بنعمه بما أنجز ما وعده المسلمين بظهور الدين، ونصر رسوله، وهزم أعداء الدين من الأحزاب، فهو على كل شيء قدير. ٢٤ - الذكر المشروع يكرره على الصفا ثلاث مرات يتخللهن الدعاء؛ لأنَّ هذا

стр. 1891

المشعر العظيم من مظان الإجابة. ٢٥ - بعد الذكر والدعاء يتجه إلى المروة، فما بين الصفا والمروة هو المسعى. ٢٦ - ولا تشترط الطهارة للسعي، بل تسن؛ لأنَّه ﷺ لم يأمر بالطهارة فيه، وليس بصلاة كما لا تشترط به ستر العورة. ٢٧ - فإذا حاذى العَلَم الأخضر هرول حتى العلم الثاني لأنَّ ما بينهما كان هو بطن الوادي، والهرولة خاصة للرجال، وبعد مجاوزة العَلَم الثاني يمشي حتى يصل المروة. قال الشيخ: وإن لم يسع في بطن الوادي بل مشى على هينته جميع ما بين الصفا والمروة، أجزأه باتفاق العلماء، ولا شيء عليه. ٢٨ - ثم يرقى على المروة ويقول ويفعل عليها مثل ما قاله وفعله على الصفا، من قراءة الآية المذكورة، واستقبال القبلة، والذكر، والدعاء، وبعد تمام السعي يحل من عمرته إن كان متمتعًا، وإن كان يشرع له البقاء في إحرامه بقي محرمًا حتى يتحلل من حجه. ٢٩ - قال النووي: فيه دلالة لمذهب الجمهور أنَّ الذهاب من الصفا إِلى المروة يحسب بعد الرجوع إِلى الصفا ثانية. قال الوزير: اتَّفق الأئمة أن يحتسب بالذهاب سعية، وبالرجوع سعية. ٣٠ - ثم قصَّر من شعره وحلَّ، ما لم يكن ساق الهدي. وبهذا قال أهل الحديث، وإمامهم أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر لبضعة عشرة حديثًا صحيحًا عن رسول الله ﷺ منها: "من لم يكن معه هدي فليحلل" [رواه مسلم (١٢١٣)]. وسأل سراقة بن مالك: هل هي لنا خاصة؟ قال: بل "للأبد"، [رواه مسلم (١٢١٨)]. قال ابن القيم: كل من طاف بالبيت، وسعى، ممن لا هدي معه، من

стр. 1892

مفرد، أو قارنٍ أو متمتعٍ، فقد حلَّ، هذه هي السنة التي لا رادَّ لها، ولا مدافع اهـ. ٣١ - استحباب التوجه إلى منى للحج يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وصلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفجر يوم التاسع فيها، ثم البقاء فيها حتى تطلع الشمس، واستحبابه إجماع العلماء. ٣٢ - فإذا طلعت الشمس توجه إِلى نمرة، وأقام فيها حتى تزول الشمس. ٣٣ - قوله: "ثم أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة" هذا الكلام يشعر بأنَّ نمرة في عرفة، وهي ليست بعرفة وإنما "نمرة" شعب بين جبلين"، هما نهاية حد الحرم من الشرق الجنوبي، وبجانبها أنصاب الحرم المنصوبة على طريق المأزمين، وبين عرفات والحرم "وادي عرنة" الذي ليس من الحرم وليس من عرفات. فيكون معنى قوله "حتى أتى عرفة" كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أي قَرُب من عرفات، وكتابتنا هذه عن مشاهدة، وتحرٍّ، وصحبةٍ لسكان تلك المنطقة، مع تطبيق النصوص على الموقع. كانت قريش في جاهليتها تقول: نحن أهل الحرم، وكانوا لا يجاوزون مزدلفة إلى عرفة، لأنَّ مزدلفة في الحرم، وعرفة في خارجه، وكان الناس يذهبون إِلى عرفة، ويقفون بها، فلما حجَّ النَّبي ﷺ ظنَّت قريش بأنه سينهج نهجهم فلا يجاوز مزدلفة إِلى عرفة، إلاَّ أنَّ الله تعالى أمره بذلك، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ٣٤ - قال الشيخ: ويصلي الإمام، ويصلي خلفه جميع الحجاج من أهل مكة، وغيرهم قصرًا وجمعًا، كما جاءت بذلك الأخبار عن النبي ﷺ ، فإنَّه لم يأمر أحدًا من أهل مكة أن يتموا، ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ باتفاق أهل الحديث، وإنما قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة.

стр. 1893

ومن قال: لا يجوز القصر إلاَّ لمن كان على مسافة قصر، فهو مخالف للسنة. ٣٥ - استحباب البقاء بنمرة إلى ما بعد الزوال، وصلاة الظهر والعصر فيها جمعًا، وهذا الجمع متَّفق على مشروعيته. واختلف في سببه، فذهب الحنفية وبعض الشافعية إلى أنَّ سببه النسك، وذهب الشافعية إلى أنَّ سببه السَّفر، وهذا هو التصحيح؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ قصر الرباعيتين، ولا تقصران إلاَّ في السفر. ٣٦ - استحباب الخطبة للإمام؛ ليعلم الناس صفة الوقوف، ويذكرهم بعِظم هذا اليوم، ويحثهم على الاجتهاد فيه بالدعاء والذكر. ٣٧ - بعد الزوال يذهب إلى مسجد نمرة، فيصلي بها مع الإمام الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، واستحب جمع التقديم هنا ليتسع وقت الوقوف، ولا يصلي بينهما، ولا بعدهما سنة. ٣٨ - على علماء المسلمين، وطلبة العلم الاقتداء بهديه ﵊، فيعلمون الناس، ويعظونهم ويذكرونهم أمر دينهم، وكيفية أداء مناسكهم. ٣٩ - ثمَّ يتَّجه إلى الموقف بعرفة، فيشتغل فيه بالدعاء، والذكر، والتلبية. ٤٠ - استدل بالحديث على أنَّ وقت الوقوف لا يدخل إلاَّ بالزوال. ٤١ - الأفضل الوقوف بعرفة بموقف النبي ﷺ إن سهل ذلك، وإلاَّ وقف بحيث كان منزله. قال النووي: وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل، فغلط بل الوقوف في كل جزء من أرض عرفات. ٤٢ - استقبال القبلة حين الدعاء والذكر، أفضل من استقبال الجبل لمن لم يسهل عليه استقبالها معًا. ٤٣ - من وقف بعرفة نهارًا فيجب عليه الاستمرار فيها حتى غروب الشمس.

стр. 1894

٤٤ - الدفع من عرفة إلى مزدلفة يكون بعد الغروب، وقبل الصلاة. ٤٥ - استحباب الدفع بسكينةٍ ووقارٍ وخضوعٍ، وخشوعٍ وتكبيرٍ، وتلبيةٍ، فإن وجد سائق السيارة طريقًا مشى، وإلاَّ انتظر حتى يمشي الذي أمامه، ولا يتجاوز السيارات، بل عليه بالنظام، ومراعاة خُطَّة السير، فهو آمن له، وأسهل لمن معه ولغيرهم من الحجاج. ٤٦ - جواز استظلال المحرم بالخيمة. ٤٧ - قال الشيخ: ولم يعين النبي ﷺ لعرفة دعاءً خاصًا، ولا ذِكْرًا خاصًا، بل يدعو الحاج بما شاء من الأدعية الشرعية، ويكبر، ويهلل، ويذكر الله تعالى حتى تغرب الشمس، وقد جاء في سنن الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلاَّ الله وحده لاشريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". ٤٨ - قال الشيخ: ويجتهد في الدعاء والذكر هذه العشية، فهو يوم تُرجى فيه الإجابة، ويَرْفع يديه. قال ابن عباس: "رأيت رسول الله ﷺ بعرفات يدعو ويداه إلى صدره" [رواه أبو داود]. وما رؤي إبليس في يوم هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أغيظ، ولا أدحر من عشية عرفة، لِما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلاَّ ما رؤي في يوم بدر. ٤٩ - ولا يستبطيء الإجابة، لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وليكثر من الاستغفار والتضرع، والخشوع، وإظهار الضعف، والافتقار، ويُلحَّ في الدعاء، فإنَّه موقف عظيم، تسكب فيه العبرات، وتُقال فيه العثرات، وهو أعظم مجامع الدنيا.

стр. 1895

فإنَّ تلك أسباب نصبها الله مقتضية لحصول الخير، ونزول الرحمة، فإن لم يقدر على البكاء فليتباك. وقد جاء في سنن الترمذي من حديث عمرو بن شعيب أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". قال العلماء: هذا وإن لم يكن دعاءً صريحًا فهو تعريض به، مراعاة للآداب، وأيضًا فإنَّ اشتغاله بخدمة المولى، والإعراض عن الطلب اعتمادًا على كرمه، فإنَّه سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، ففي الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، فالذاكر وإن لم يصرح بالطلب، فهو طالب بما هو أبلغ من التصريح. ٥٠ - استحباب جمع صلاتي المغرب والعشاء بمزدلفة تأخيرًا، وهذا جمع متَّفق عليه بين العلماء، على خلاف بينهم في حكمه: استحبابًا، أو وجوبًا. ٥١ - أن يصليهما بأذان واحد، وإقامتين، وهذه الرواية أصح الروايات. ٥٢ - أن لا يصلي بينهما نافلة، وكذا لا يصلي قبلهما، ولا بعدهما. ٥٣ - الاضطجاع بعد الصلاة حتى طلوع الفجر، ليتقوى على أعمال يوم العاشر الكثيرة الكبيرة. ٥٤ - استحباب البقاء بمزدلفة حتى طلوع الفجر، والصلاة، والبقاء إلى قرب طلوع الشمس. ٥٥ - أفضلية الوقوف عند المشعر الحرام مستقبلاً القبلة، والدعاء، والتكبير، التهليل عنده حتى الإسفار جدًّا. ٥٦ - استحباب الدفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، قال ابن القيم:
следующие страницы →