← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

فأما القول الثالث: فواجب، وإليه ذهب أبو حنيفة، والثوري، والحسن البصري، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه القاضي، والتميمي، وصاحب الشرح الكبير، وصاحب الفائق، وجزم بها في الوجيز، ورجحها الإمام ابن قدامة في المغني فقال: "وقول القاضي أقرب إلى الحق إن شاء الله تعالى، فإنَّ فِعل النبي ﷺ وأصحابه دليل وجوبه كالرمي والحلاقة، ولا يلزم أن يكون ركنًا، وقول عائشة يعارضه قول غيرها". وقال في الشرح الكبير حين ذكر رواية الوجوب: "وهو أولى؛ لأنَّ دليل من أوجبه دلَّ على مطلق الوجوب، لا على أنَّه لا يتم الحج إلاَّ به". أما أدلة أنَّه سنة فغير ناهضة، فالآية نزلت لمَّا تحرَّج الصحابة من السعي لوجود صنمين، أحدهما على الصفا، والثاني على المروة في الجاهلية، وأدلة الوجوب قوية، لكنها لا توصله إلى الركنية. ***

стр. 1962

٦٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبع الَّذِي افَاضَ فِيهِ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ التِّرْمِذِي، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال الحاكم: هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي على ذلك. وقال عطاء الراوي عن ابن عباس: "لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه". قال محرره: ويؤيده أنَّ كل من وصف حجة النبي ﷺ ومنهم جابر في حديثه الطويل- لم يذكروا أنَّه ﷺ رمل في غير طواف القدوم، وقد أخرجه أبو داود وسكت عنه. والحكمة من مشروعيته قد تتحقق بالطواف الأول، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في الكلام على فقه الحديث. * مفردات الحديث: - في السبع: فيه لغتان إحداهما: فتح السين وإسكان الباء، والمراد سبع مرات، والثانية: بضم السين والباء وإسكانها، وهو الجزء من السبعة، من إطلاق الجزء على الكل، والمراد سبع مرات.

стр. 1963

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - الرمل مستحب في الطوفات الثلاث من السبع، ويكون على البيت، كله حتى فيما بين الركنين: اليماني والأسود. ٢ - الرمل لا يكون إلاَّ في طواف القدوم للمفرِد والقارِن، أو إذا قام مقامه طواف العمرة للمعتمر والمتمتع. ٣ - لذا فإنَّ الرَّمل لا يكون في طواف الإفاضة، كما دلَّ عليه الحديث، كما لا يكون في طواف الوداع؛ لأنَّ الوداع ينافي القدوم. ٤ - أما سبب مشروعية الرمل وحكمته، فهو ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عبَّاس قال: "قدم النبي ﷺ وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنَّه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة" ولو زال سببه فإنَّ شرعيته مستمرة بدليل فعله ﵊، في حجة الوداع، وذلك إظهارًا لشكر الله في عز دينه، وظهور أمره، وتذكر حال سلفنا الصالح، وما قاسوا في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، كما أنَّ فيه كمال الاتباع والاقتداء. ***

стр. 1964

٦٥٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ "أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكبَ إِلَى البيتِ فَطَافَ بِهِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ٦٥٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذلِكَ -أَيْ النُّزُولَ بالأَبْطَحِ- وَتَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ الله ﷺ ، لأِنَّهُ كَانَ مَنْزِلاً أسْمَحَ لِخرُوجِهِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). ــ * مفردات الحديث: - رَقْدة: بفتح الراء المهملة وسكون القاف المثناة ثم دال فتاء تأنيث، أي نام نومة ليست بالطويلة. - المُحصَّب: بالمهملتين، بزنة مكرم، اسم مفعول، مأخوذ من الحصباء، وهي صغار الحجارة، وسمي محصبًا؛ لاجتماع الحصى فيه، لأنَّ السيل يحمل إليه الحصباء، والمراد به هنا وادي إبراهيم، المنحدر من أعلى مكة، والخارج من أسفلها، لكن حد المحصب هنا هو من المنحنى إلى مقبرة الحجون "المعلا"، ويسمى الأبطح والبطحاء، وقد أدركته قبل زفلتته، وأرضه حصباء، أما الآن فلا حصباء، ولا محصب، ولا بطحاء فقد زُفْلِتَ الشارع، وبلِّط جانباه، وقامت العمائر على جنبيه، وأصبح المحصَّب من أهم أسواق مكة التجارية.

стр. 1965

وحينما بدأت الزفلتة في شارع المحصب كَتَب الأستاذ الأديب "حسين سرحان" في "جريدة البلاد السعودية" كلمة بعنوان: "لا بطحاء بعد اليوم" وأخذ يحن عليها، ويتوجد على بقائها، ويذكر أيامها، والسمر فوق حصبائها الناعمة. - الأبطح: هو المحصَّب، كما تقدم. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على أنَّ النَّبي ﷺ حينما رمى الجمار بعد الزوال من اليوم الثالث لأيام التشريق دفع من منى، ونزل الأبطح، وصلَّى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم نام نومة خفيفة، ثم ركب راحلته ومرَّ بالبيت، فطاف فيه طواف الوداع، ثم سافر عائدًا إلى المدينة. والخلاف بينهم هل نزوله الأبطح ﷺ على وجه القُربة والعبادة، فيتبع فيه، أم أنَّه فعله على أنه منزل واقع في طريقه، فارتاح فيه هذا الوقت، فيكون نزوله غير متعبد به، وليس فيه فضيلة؟ فذهب إلى القول بفضيلته الجمهور، قال في طرح التثريب: "هو قول الأئمة الأربعة، وتقدم أنَّ في صحيح مسلم، "عن أبي بكر، وعمر، وابنه أنَّهم كانوا يفعلون ذلك"، وحكى في شرح المهذب عن القاضي عياض أنَّه قال: النزول بالمحصب مستحب عند جميع العلماء، وأجمعوا على أنَّه ليس بواجب، وأجمعوا على أنَّه من تركه لا شيء عليه". وذهب بعض العلماء إلى أنَّه ليس بسنة، قال في طرح التثريب: وأنكر التحصيب جماعة من السلف، فروى الشيخان عن ابن عباس قال: "ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ". ومنهم عائشة كما في حديث الباب، ومن الذين لا يحصبون إذا حجوا طاووس، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير.

стр. 1966

استدل الأولون بما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة "أن النَّبيَّ ﷺ قال حين أراد، أن ينفر من منى: "نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" وهذا المكان هو الذي تحالفت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، حتى يسلموا لهم رسلو الله ﷺ ، فقصد ﵊ إظهار شعائر الإسلام، حيث أظهرت شعائر الكفر. واستدل الآخرون بما جاء في صحيح مسلم عن أبي رافع قال: "لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربت قبته، ثم جاء فنزل". قال ابن القيم: فأنزل الله فيه تصديقًا لقول رسول الله ﷺ : "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة". والقصد أنَّه ليس من واجبات الحج، وليس على تاركه شيء بإجماع العلماء، وله الحمد والمنة. ***

стр. 1967

٦٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أُمرِ النَّاسُ أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مقصود الحج الأكبر هو البيت العتيق، وبقية المشاعر عظمت وفضلت لقربها منه، فكما أنَّ المشروع للقادم هو طواف القدوم، وكذلك يكون المشروع في حقه طواف الوداع. ٢ - "أمر الناس" الآمر هو النبي ﷺ ، كما جاء في مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينصرفن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت". ٣ - الأمر يدل على الوجوب، فطواف الوداع واجب، ويأتي الكلام في الخلاف فيه. ٤ - الحديث صريح في عدم وجوبه على المرأة الحائض، ومثلها النفساء. ٥ - الحديث صريح أنَّ طواف الوداع يكون عند الرحيل، إلاَّ قضاء بعض حاجات السفر بعد الوداع، وانتظار الرفقة للمدة اليسيرة، أو توديع الأقارب، فلا يبطل طواف الوداع، بل يبطله المبيت في مكة، أو التجارة، والإقامة الطويلة، على خلافٍ في ذلك بين الفقهاء. ٦ - قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: من طاف للإفاضة قبل الرمي، ونوى في طوافه أنَّ الطواف طواف إفاضةٍ ووداعٍ، فهذا لا يجزئه عن الوداع، لأنَّه لم يكمل أعمال الحج بعد، ولو كان طوافه المذكور بعد فراغه من الرمي،

стр. 1968

واكتفى به عن الوداع، ولم يقم بعده، بل سافر في الحال، كفاه عن طواف الوداع. * خلاف العلماء: ذهب الأئمة الثلاثة إلى اشتراط الوضوء في الطواف، وذهب أبو حنيفة إلى عدم اشتراطه، لكن قالوا بوجوبه، وثمرة الخلاف أنَّ طواف المحدث عند الحنفية صحيح، لكن يجب عليه الفداء على تفصيل في ذلك، وعند غير الحنفية الطواف غير صحيح. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم تردد الطواف بين أن يلحق حكمه بحكم الصلاة، أو لا يلحق، وذلك أنَّه ثبت أنَّ رسول الله ﷺ منع الحائض من الطواف، كما منعها من الصلاة، فأشبه الصلاة من هذه الجهة، وحجة أبي حنيفة أنَّه ليس كل شيء منعه الحيض، فالطهارة شرط في فعله. * فائدة: - أطوفة النسك ثلاثة: أحدها: طواف القدوم، وهو سنة بإجماع العلماء. والثاني: طواف الإفاضة، وهو ركن في الحج والعمرة، فلا يحل تحلل بدونه، ولا يقوم مقامه دم ولا غيره، وهذا بإجماع العلماء. والثالث: طواف الوداع، وهو واجب عند جمهور العلماء، وسنة عند المالكية، والحج يصح بدونه، ويجب في تركه على غير حائض ونفساء دم، عند من قال بوجوبه. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن طواف الوداع: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيه محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد: فقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمدينة الطائف، ابتداءً من ١٠/ ١٠/ ١٣٩٩هـ حتى ٢١/ ١٠/ ١٣٩٩ هـ، في حكم

стр. 1969

طواف الوداع للخارج من مكة المكرمة، سواء كان حاجًّا، أو معتمرًا، وغيرهما، وهل يفرق بين من كان سفره مسافة قصر، ومن كان دون ذلك، واطَّلع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الموضوع، على طلب المجلس في دورته الثالثة عشرة، وقد تبيَّن له أنَّ العلماء مختلفون في تلك المسائل تبعًا لاختلاف اجتهادهم، والخلاف فيها معروف بين العلماء، ومدون في كتب الأحاديث، وكتب الفقه، والمناسك وما زال عمل العلماء جاريًا على الأخذ بما يترجح لهم دليله، وينبغي للحاج وغيره أن يحرص على الاقتداء برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ لقوله ﷺ : "خذوا عنِّي مناسككم"، لذلك يرى المجلس في هذه المسائل الخلافية أن يستفتي العامي من يثق بدينه وأمانته، ومذهب العامي مذهب من يفتيه من أهل العلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء ***

стр. 1970

٦٥٦ - وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلاَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ أفْضَلُ مِنْ صَلاَةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمَائة صَلاَةٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال في التلخيص: رواه أحمد وابن حبَّان والبيهقي (١٠٠٥٨). وقال ابن عبد الهادي في المحرر: إسناده على شرط الشيخين. قال في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي مسلم من حديث ابن عمر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فضل الحرمين الشريفين: الحرم المكي الشريف، والحرم المدني الشريف. ٢ - مضاعفة الصلاة، والأعمال الصالحة فيهما. ٣ - أنَّ مضاعفة المسجد النبوي على غيره من المساجد بقدر ألف صلاة، إلاَّ المسجد الحرام. أما المسجد الحرام ففضله على المسجد النبوي بمائة صلاة، فتكون مضاعفة المسجد الحرام على غيره من المساجد عدا -المسجد النبوي- بمائة ألف صلاة. ٤ - أنَّ المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي، وأكثر مضاعفة في ثواب

стр. 1971

الأعمال الصالحة. ٥ - لأجل هذا الفضل، وتلك المضاعفة في الأعمال أبيح السفر إليهما، وجاز شد الرحل إليهما، أما ما عداهما من البقاع، فلا يجوز إلاَّ المسجد الأقصى، لأنَّ له ميزة فضل، ومضاعفة. ٦ - أنَّ العمل الصالح يفضل، ويضاعف بفضل زمانه، ومكانه. ٧ - قال الشيخ: إذا دخل المدينة فإنَّه يأتي مسجد النبي ﷺ ، ويصلي فيه، والصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام، ولا تشد الرحال إلاَّ إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في الصحيحين، والمشروع بالنص والإجماع هو قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه. ٨ - قال الشيخ: ويسلم على النبي ﷺ مستقبل الحجرة مستدبرة القبلة، عند أكثر العلماء، ويسلم على أبي بكر وعمر ﵄ ولا يدعو مستقبل الحجرة، فإنَّه منهي عنه باتفاق الأئمة، ويكره رفع الصوت عند حجرته ﷺ لأنَّه في التوقير والحرمة كحياته. ٩ - قال ابن القيم: الاعتمار في أشهر الحج أفضل من سائر السنة بلا شك، سوى رمضان، فإنَّ الله لم يكن ليختار لنبيه ﷺ إلاَّ أولى الأوقات، وأحقها بها، فكانت عُمره ﷺ في أشهر الحج، فهذه الأشهر قد خصَّصها بهذه العبادة، وجعلها وقتًا لها، والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج. * خلاف العلماء: اختلف العلماء هل المضاعفة خاصة بالصلاة، أو يلحق بهما بقية الأعمال الصالحة؟ والصحيح العموم. واختلفوا في المضاعفة هل هي مقصورة على المسجد الحرام أو تشمل عموم الحرم؟ والصحيح شمولها لعموم الحرم.

стр. 1972

باب الفوات والإحصار ٦٥٧ - عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلاً" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - أُحصر رسول الله: يقال: حصره يحصره حصرًا، من بابي ضرب ونصر، حبسه وضيق عليه، والمعنى أنَّ قريشًا منعت رسول الله ﷺ من أداء عمرته يوم الحديبية، فصالحهم على أن يرجع عنهم ذلك العام، ويعود من قابل. - هَدْيه: الهدي بفتح الهاء وسكون الدال، اسم لما يهدى إلى الكعبة المشرفة عبادةً لله ونفعًا لمساكين الحرم. قال ابن عباس: إنَّها كانت سبعين بدنة، كان فيها جمل لأبي جهل، في رأسه برة من فضة، أصيب مع غنائم بدر، فجيء به من الهدي ليغيظ به المشركين. - قابلاً: القابل خلاف الدابر، والمراد هنا السنة المقبلة، وقد اعتمر عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة.

стр. 1973

* مايؤخذ من الحديث: ١ - كان حصره ﷺ في عمرة الحديبية، سنة ست من الهجرة، حينما صدَّه المشركون عن دخول مكة، فحلق ﷺ رأسه، ونحر هديه، ثم اعتمر عمرة القضاء في السنة التي بعدها. ٢ - ما بين عمرة الحديبية، وعمرة القضاء لم يُمنع عليه شيء من محظورات الإحرام؛ لأنَّه حلَّ التحلل الكامل. ٣ - قال الفقهاء: كان أخطأ الناس فوقفوا في الثامن، أو العاشر، أجزأهم ذلك إجماعًا؛ لقوله ﷺ : "الحج يوم يحج الناس". وإذا وقفوا في الثامن، وعلموا قبل فوات الوقت، وجب الوقوف في الوقت. ٤ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أنَّها نزلت في حَصْر الحديبية. وفي الصحيح: أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال في صلح الحديبية: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا"، ولأنَّ الحاجة داعية إلى الحل، لما في تركه من المشقة العظيمة وهي منتفية شرعًا. قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الإحصار بالعدو يبيح التحلل. ٥ - إذا اشترط المحرم في ابتداء إحرامه، فقال: إنَّ محلِّي حيث حبستني، فحبسس، فله التحلل مجانًا في الجميع، فلا هدي ولا قضاء، سواء كان حصر بمرضٍ، أو عدوٍ، أو ضياع نفقةٍ، أو غير ذلك، وهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمدَ -رحمهما الله تعالى-. ٦ - قال ابن القيم: لا يلزم المحصر هديٌ ولا قضاءٌ؛ لعدم أمر الشارع به، ومعنى قضية الصلح الذي وقع في الحديبية، وقد أحصروا عام الحديبية، ولم يعتمر منهم معه في عمرة القضاء إلا البعض، فعُلِم أنَّها لم تكن قضاء،

стр. 1974

ولم ينقل أنَّه أمر الباقين بالقضاء، وفارق الفوات، لأنَّه مفرط بخلاف المحصر. ٧ - قال في الشرح الكبير: في وجوب القضاء روايتان: إحداهما: تجب، سواء كان الفائت واجبًا، أو تطوعًا، وهي المذهب، وهو قول الأئمة الثلاثة عدا مالك، لما روى الدارقطني من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاته عرفات فقد فاته الحج، فليتحلل بعمرة، وعليه القضاء" فهو بعمومه شمامل للفرض والنفل. الرواية الثانية: لا قضاء عليه إن كان نفلاً، وأما الفرض فهو عليه بالوجوب الأول، وهو مذهب المالكية. ٨ - هل يلزم من فاته الحج دم، أم لا؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد يلزمه صححه في المغني والشرح الكبير. قال في الإنصاف: وهو المذهب. والرواية الأخرى: لا يلزمه، ورجحها جماعة من المحققين. * خلاف العلماء: اختلف العلماء بماذا يكون الحصر؟ والصحيح أنَّ كل مانع من إكمال النسك وكل حصر وجد، من عدوٍّ، أو مرضٍ، أو ضياع نفقةٍ، أو غير ذلك، فهو حصر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. واختلف العلماء في وجوب الهدي على المحصر، فذهب جمهور العلماء إلى وجوبه، فإن لم يجد صام عشرة أيام، بنية التحلل، والصحيح عدم وجوبه وهو مذهب مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، فإنَّه لم يكن مع كل المحصرين الذين كانوا مع النبي ﷺ هدي، ولم يأمرهم، ولم يوجبه عليهم بل أمرهم بالتحلل مطلقًا. واختلف العلماء في وجوب القضاء وعدمه، والراجح عدم وجوبه، ذلك أن الذين كانوا مع النبي ﷺ في عمرة القضاء، أقل من الذين كانوا معه في عمرة الحديبية، فهو لم يأمرهم بالقضاء.

стр. 1975

٦٥٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ على ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبيَرِ ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي ارِيْدُ الحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حُجِّي، وَاشْتَرِطِي: أنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - ضُباعة: بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة التحتية، ابنة عم النبي ﷺ ، فهي بنت الزبير بن عبد المطلب، تزوَّجها المقداد بن الأسود، فولدت له عبد الله وكريمة. - شاكية: شكا العلة يشكو شكاية وشكيًا: ذكرها وأخبر بها، فهو شاكٍ، وهي شاكية. - اشترطي: يقال: شرط يشرط شرطًا من بابي ضرب ونصر، والشرط: الإلزام بشيء، فالاشتراط هو أنَّ من أراد الإحرام اشترط على ربه، متى صده عدو عن البيت، أو حبسه حابس من مرضٍ، أو ضياعٍ أو ذهاب نفقة، فإنه يحل من إحرامه بلا هديٍ، ولا صيامٍ، ولا قضاءٍ، وأنَّ له على ربه ما اشترط. - مَحِلِّي: بفتح الميم وكسر الحاء، مأخوذ من حل، إذا خرج من الإحرام، أي محل خروجي من الإحرام بالحج أو العمرة في زمانه، أو مكانه. - حيث حبَسْتَني: أي في المكان والزمان الذي يحصل لي فيه الحبس، هو مكان وزمان حلي من إحرامي.

стр. 1976

* خلاف العلماء: اختلف العلماء في مشروعية الاشتراط عند الإحرام. فذهب إلى استحبابه طائفة من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمد، كما نصره ابن حزم في المحلى. ودليلهم هذا الحديث الصحيح الصريح. وذهب الإمامان: أبو حنيفة ومالك إلى عدم مشروعية الاشتراط، وعدم فائدته، فلو اشترط وحصل له عذر فليس له أن يتحلل من إحرامه، فقد كان ابن عمر ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: "أليس حسبكم سنة نبيكم ﷺ ". ذلك أنَّ الاشتراط لم يكن معروفًا عن النَّبي ﷺ ، ولا عن صحابته، عدا قضية ضباعة. ولذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى مشروعية الاشتراط للخائف خاصة، كحال ضباعة، جمعًا بين الأدلة. وهذا هو اختيار عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى- * فائدة: الاشتراط يفيد صاحبه أمرين: الأول: أنه إذا منعه عدوٌّ، أو مرضٌ، أو ذهاب نفقةٍ، ونحو ذلك فله التحلل. الثاني: أنَّه متى حلَّ لعذرٍ، فلا يجب عليه البقاء في إحرامه، ولا يلزمه قضاءٌ ولا فداءٌ. فإن اشتراطه على ربه بقوله: "فإن حبسني حابس فَمَحِلِّي حيث حبسني" إفادة الحرية المطلقة عند العذر. ***

стр. 1977

٦٥٩ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرو الأنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "مَنْ كُسِرَ أوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ" قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالاَ: "صَدَقَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَحسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه غير واحد عن الحجاج بن الصواف، وهو ثقة حافظ عند أهل الحديث، وقد رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وقال ابن عبد الهادي في المحرر: وقد روي هذا الحديث عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج، وهو أصح، قاله البخاري. * مفردات الحديث: - كُسر: بالبناء للمجهول، يقال: كسر العظم يكسره -كسرًا من باب ضرب- فصله من غير نفوذ جسم فيه، فالكسر: فصل الجسم الصلب من غير نفوذ جسم فيه. - عرَج: بفتح العين والراء، أصابه شيء في رجله، هلذا ضبطه إذا لم يكن خِلْقةً، فإن كان عرجه خِلْقَةً فهو بكسر الراء.

стр. 1978

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ المحرم بحج أو عمرة إذا أصابه عذر منعه من إكمال نسكه: من كسرٍ، أو مرضٍ، أو حادثٍ، فإنَّه يحل من إحرامه بحصول ذلك المانع. ٢ - قال ابن القيم: لو لم يأت نص بحل المحصَر بالمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يفيده، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه. ٣ - عليه القضاء من قابل لقوله: "وعليه حجة أخرى". ٤ - أمر عمر ﵁ من فاته الحج بفوات الوقوف بعرفة أن يتحلل بالعمرة، ثم يحجٍ من قابل. لكن إن كان فرضا فهو موضع إجماع بين العلماء، وإن كان نفلاً فهو مذهب الجمهور. ٥ - هل يجب عليه الهدي؟ ذهب الجمهور إلى أنَّ على من فاته الحج الهدي، والرواية الأخرى عن أحمد: لا يجب عليه الهدي؛ لأنَّه لو كان الفوات سببًا لوجوب الهدي لزم الحصر هديان، هدي للقوات، وهدي للإحصار. ***

стр. 1979

كتاب البيوع مقدمة لما فرغ المؤلف من بيان العبادات، التي يقصد منها الثواب الأخروي، شرع في بيان المعاملات التي يقصد منها التحصيل الدنيوي، فبعد أن جاء بالعبادات؛ لأهميتها، ثنَّى بالمعاملات؛ لأنَّها ضرورية، وأخَّر النكاح؛ لأنَّ شهوته متأخرة عن الأكل والشرب ونحوهما، وختم بالجنايات والمخاصمات؛ لأنَّ وقوع ذلك -في الغالب- إنما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج. والبيوع: جمع بيع، والبيع مصدر، والمصادر لا تجتمع، لكن جمع لملاحظة تعدد أنواعه، واختلافها. وهو لغةً: أخذ شيء وإعطاء شيء، فهو مشتق من الباع، الذي يمد إما عندما يعقد الصفقة، أو عند أخذ المعقود عليه من الثمن، أو المثمن. وهو شرعًا: مبادلةُ مالٍ بمالٍ لقصد التملك، بما يدل عليه من صيغ العقد القولية، وما يدل عليه من الفعل، وهو جائز بالأصول الأربعة. ١ - الكتاب: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ٢ - السنة: قال ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" [رواه البخاري (٢١٠٨)، ومسلم (١٥٣٢)]. ٣ - وأجمع المسلمون على جوازه. ٤ - ويقتضيه القياس: لأنَّ الحاجة داعية إليه، فلا يحصل الإنسان على ما

стр. 1980

يحتاجه إذا كان بيد غيره -غالبًا- إلاَّ بطريقه. * الصيغة: الصيغة التي ينعقد بها البيع هي الإيجاب المصادر من البائع، كقوله: بعتكه بكذا، والقبول المصادر من المشتري، كقوله: قبلتُ ونحوه. وأجاز الحنابلة عقده بالصيغة الفعلية وتسمى "المعاطاة" وذلك بأن لا يصدر من العاقدين إيجاب وقبول، بل يضمع المشتري الثمن، ويأخذ المثمن، أو لا تصدر إلاَّ من واحد منهما، فحينئذٍ تقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول؛ للدلالة على الرضا، ولعدم التعبد بألفاظه. أما شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول: إنه ينعقد بكل قول أو فعل عده الناس بيعًا، لأنَّ الله لم يتعبدنا بألفاظ معيَّنة، وإنما القصد الدلالة على معناه، فبأي لفظٍ دلَّ عليه حصل المقصود. فالعقد عند كل قوم يتم بما يفهمونه بينهم من الصيغ، وليس لذلك حدٌّ مستمرٌ، لا في شرعٍ ولا في لغةٍ، بل بتنوع اصطلاح الناس، كما في تنوع لغاتهم، وهذه القاعدة تدل عليها أصول الشريعة، وهي التي تعرفها القلوب. وهي الغالب على أصول مالك وأحمد. والأصل: في المعاملات والعادات الحل والإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. فمن حرم شيئًا من ذلك فعليه الدليل؛ لأنَّه على خلاف الأصل، وبهذا يعلم سماحة الشريعة، وسعتها، ومرونتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وتطورها حسب مقتضيات أحوال البشر، ومصالح الناس، والعدل بينهم. أما المعاملات والعقود المحرَّمة: فترجع إلى ظلم الطرفين، أو أحدهما، وذلك راجع إلى قواعد ثلاث هي: ١ - قاعدة الربا.

стр. 1981

٢ - قاعدة الغرر والجهالة. ٣ - قاعدة الخداع والتغرير. فهي أساس المعاملات المحرَّمة، ويدخل تحتها من الصور والجزئيات الشيء الكثير، من العقود والأحكام التي يحرمها الإسلام، وقد فصَّلت الشريعة أحكام المعاملات والأحوال الشخصية، والجنايات والعقوبات، مما يدل على أنَّ الإسلام دين ودولة، فكما أنَّه يُعنى فيما بين العبد وبين ربه من عبادات، كذلك ينظم أعماله وتصرفاته في أعمال الحياة الدنيا. فالإسلام لم يدع شيئاً مما يصلح أحوال هذا المجتمع إلاَّ نظَّمه أحسن نظام: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة]. * شروط البيع، وما نهي عنه: الشروط: مفرده شرط، وهو ما يلزم من عدمه العلم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. البيع: عقد من العقود التي لا تصح إلاَّ بوجود شروطها، وانتفاء موانعها، وبدون ذلك فلا يصح أن يكون محل عقد. ونلخص الشروط التي اعتبرها الفقهاء شروطًا لصحة البيع بالاستقراء والتتبع، نلخصها بهذه الفقرات: ١ - الرضا من المتعاقدين: فلا يصح من مكرَه بغير حق. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: الرضا أصل ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو مقتضى العدل والإنصاف. ٢ - أهلية العاقد: وهو البائع والمشتري، بأن يكون جائز التصرف، وهو المكلف الرشيد. ٣ - أن يكون المعقود عليه: أو على منفعته، من ثمن أو مثمن مباح النفع. ٤ - أن يكون العاقد: مالكًا للمعقود عليه، أو مأذونًا له في العقد عليه.

стр. 1982

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: وهذه قاعدة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. ٥ - أن يكون المعقود عليه مقدورًا على تسليمه. ٦ - أن يكون المبيع والثمن، معلومين للبائع والمشتري، فلا يصح على مجهول. أما ما نهي عنه من البيع فهو إما يرجع إلى الجهالة، أو إلى الغرر، أو إلى الربا بأنواعه، وستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى. * قرار المجمع الفقهي بشأن حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه، إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة، في المملكة العربية السعودية، من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤ - ٢٠ آذار مارس ١٩٩٠ م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة". ونظرًا إلى التطور الكبير الذي حصل في وسائل الاتصال وجريان العمل بها في إبرام العقود، لسرعة إنجاز المعاملات المالية والتصرفات، وباستحضار ما تعرض له الفقهاء بشأن إبرام العقود بالخطاب، وبالكتابة، وبالإشارة، وبالرسول، وما تقرر من أنَّ التعاقد بين الحاضرين يشترط له اتحاد المجلس عدا الوصية، والإيصاء، والوكالة، وتطابق الإيجاب والقبول، وعدم ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالاة بين الإيجاب والقبول، بحسب العرف.

стр. 1983

قرَّر: ١ - إذا تمَّ التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة، أو الرسالة، أو السفارة "الرسول"، وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس، وشاشات الحاسب الآلي "الكمبيوتر"، ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله. ٢ - إذا تمَّ التعاقد بين طرفين في وقت واحد، وهما في مكانين متباعدين، وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي، فإنَّ التعاقد بينهما يعتبر تعاقدًا بين حاضرين، وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء، المشار إليها في الديباجة. ٣ - إذا أصدر العارض بهذه الوسائل إيجابًا محدد المدة، يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه. ٤ - أنَّ القواعد السابقة لا تشمل النكاح؛ لاشتراط الإشهاد فيه، ولا الصرف؛ لاشتراط التقابض، ولا السلم؛ لاشتراط تعجيل رأس المال. ٥ - ما يتعلَّق باحتمال التزييف، أو التزوير، أو الغلط، يرجع فيه إلى القواعد العامة للإثبات. * قرار المجمع الفقهي بشأن انتزاع الملكية للمصلحة العامة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ الموافق ٦ - ١١

стр. 1984

فبراير ١٩٨٨ م. بعد الاطلاع على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع "انتزاع الملك للمصلحة العامة". وفي ضوء: ما هو مسلم في أصول الشريعة، من احترام الملكية الفردية، حتى أصبح ذلك من قواطع الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، وأنَّ حفظ المال أحد الضروريات الخمس، التي عرف من مقاصد الشريعة رعايتها، وتواردت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على صونها، مع استحضار ما ثبت بدلالة السنة النبوية، وعمل الصحابة ﵃ فمن بعدهم من نزع ملكية العقار للمصلحة العامة، وتطبيقًا لقواعد الشريعة العامة في رعاية المصالح، وتنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة، وتحمل الضرر الخاص لتفادي الضرر العام. قرَّر ما يلي: أولاً: يجب رعاية الملكية الفردية وصيانتها من أي اعتداء عليها، ولا يجوز تضييق نطاقها، أو الحد منها، وللمالك مسلط على ملكه، وله في حدود المشروع التصرف فيه بجميع وجوهه، وجميع الانتفاعات الشرعية. ثانيًا: لا يجوز نزع ملكية العقار للمصلحة العامة إلاَّ بمراعاة الضوابط والشروط الشرعية التالية: ١ - أن يكون نزع العقار مقابل تعويض فوري. عادل، يقدره أهل الخبرة بما لا يقل عن ثمن المثل. ٢ - أن يكون نازعه ولي الأمر، أو نائبه في ذلك المجال. ٣ - أن يكون النزع للمصلحة العامة التي تدعو إليها ضرورة عامة، أو حاجة عامة، تنزل منزلتها كالمساجد والطرق والجسور. ٤ - أن لا يؤول العقار المنزوع من مالكه إلى توظيفه في الاستثمار العام أو

стр. 1985

الخاص، وألا يعجل نزع ملكيته قبل الأوان. فإن اختلت هذه الشروط أو بعضها كان نزع ملكية العقار من الظلم في الأرض، والغصوب التي نهى الله تعالى عنها، ورسوله ﷺ . على أنَّه إذا صرف النظر عن استخدام العقار المنزوعة ملكيته في المصلحة المشار إليها تكون أولوية استرداده لمالكه الأصلي، أو لورثته بالتعويض العادل. والله أعلم. ***

стр. 1986

باب شروطه وما نُهِي عَنْهُ ٦٦٠ - عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: "عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِه، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ" رَوَاهُ البَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح بتعدد طرقه. قال المؤلف: رواه البزار وصححه الحاكم. قال في التلخيص: رواه الحاكم والطبراني، ورجح البخاري وابن أبي حاتم والبيهقي إرساله عن سعيد بن عمير. وفي الباب عن علي وابن عمر ذكرهما ابن أبي حاتم، وأخرج الطبراني في الأوسط حديث ابن عمر، ورجاله لا بأس بهم. قال في بلوغ الأماني: رواه الإمام أحمد وأخرجه السيوطي في الجامع الصغير، ورواه البيهقي مرسلاً، وقال: هذا هو المحفوظ والله أعلم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد أن ذكر له عدَّة طرق، فقال عن طريق الطبراني: رجاله ثقات، وقال عن طريق أحمد: رجاله ثقات. * مفردات الحديث: - الكسب: كسب يتعدى بنفسه، وبالهمزة إلى مفعول ثان، فيقال: أكسبت زيدًا

стр. 1987

مالاً: أي أنلته، والكسب طلب الرزق، وإصابته بتصرف وجهد. - أطيب: أي أفضل عملاً، وأكثر بركةً، وأحلَّ أكلاً. - بيع: باعه يبيعه بيعًا، فهو بائع، والشيء مبيع ومبيوع، وهو بائع العين، وهو من الأضداد مثل الشراء، فيطلق على كلٍّ من المتعاقدين بائع. قال ابن قتيبة: بعت الشيء بمعنى ابتعه، وبمعنى اشتريته، وشريت الشيء بمعنى بعته، ولكن إذا أطلق البائع، فالمتبادر إلا الذهن أنَّه باذل السلعة، والبيع اسم مصدر، والجمع بيوع، والمصدر لا يجمع، ولكنه جُمعَ نظرًا إلم اختلاف أنواعه، وتفسيره لغةً: مطلق المبادلة. وتعريفه شرعًا: هو مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي. - مبرور: يقال: برَّ يبر برًّا، فالبار هو الصادق الصالح، وضد العاق، جمعه أبرار وبررة، فالبيع المبرور هو الذي لم يخالطه شيء من المأثم، كالكذب، والخداع، واليمين الكاذبة، ونحو ذلك. قال ابن القيم: "البر" كلمة جامعة لجميع أنواع الخير، والكمال المطلوب من العبد، وفي مقابلتها كلمة "الإثم" الجامعة لأنواع الشر، ورديء العيوب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث دليل على ما في الإسلام من حثٍّ؛ على الحركة والعمل، وطلب المكاسب الطيبة، وأنَّه دين ودولة، فكما يأمر العبد بالقيام بحق الله تعالى عليه، يأمره أيضًا بطلب الرزق والسعي في الأرض؛ لعمارتها واستثمارها، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. ٢ - يدل على أنَّ أفضل المكاسب عمل الرجل بيده، فقد جاء في صحيح البخاري (٢٠٧٢) أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرٌ مِنْ أن يأكل من عمل يده".

стр. 1988

٣ - يدل على أنَّ التجارة من أطيب المكاسب، إذا سلمت من العقود المحرَّمة، كالربا، والغرر، والخداع، والتدليس، ونحو ذلك من أكل أموال الناس بالباطل. ٤ - يدل الحديث على أنَّ البر كما يكون في العبادات، يكونُ أيضًا في المعاملات، فإذا نصَحَ المسلم في بيعه، وشرائه، وصناعته، وعمله، وحرفته، فإنَّ عمله هذا من البر والإحسان، الذي يثاب عليه في الدنيا والآخرة. ٥ - يدل على أنَّ أي عمل يقوم به المسلم ليعف به نفسه، ويستغني به عمَّا في أيدي النَّاس أنَّه من المكاسب الطيبة، وكل إنسانٍ مهيَّىء لِمَا يناسبه من الأعمال، والحرف، والصناعات. ٦ - عدم تخصيص الشارع وتعيينه عملاً بعينه، دليل على قصد تنفيذ الإرادة الكونية في عمَارة هذا الكون، وذلك بأن يقوم كل إنسان، وكل طائفة بالعمل الذي لا تقوم به الطائفة الأخرى، فالله ﵎: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه]. ٧ - الرجل في الحديث ليس مقصودًا، وإنما سيق مساق الغالب، فإنَّ الرجال غالبًا هم أصحاب الكسب والإنفاق. ٨ - البيع المبرور هو الذي يعقد على مقتضى الشرع، باجتماع شروطه وأركانه ومتمماته، وانتفاء موانعه ومفسداته، فتجتمع فيه الشروط المتقدمة، وتنتفي عنه موانعه، من الغرر، والجهالة، والمقامرة، والمخاطرة، وعقود الربا، والغش والتدليس، وإخفاء العيوب. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في تعيين أطيب المكاسب وأحسنها. فقال الماوردي: أطيبها الزراعة، لأنَّها أقرب إلى التوكل. وقال النووي: أطيب المكاسب عمل الإنسان بيده، فإن كان زراعة فهو

стр. 1989

أطيب المكاسب لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي والدواب والطير. وقال الحافظ ابن حجر: أفضل المكاسب من أموال الكفار بالجهاد، فهو مكسب النبي ﷺ ، ولما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: اختلف العلماء أي المكاسب الدنيوية أولى، فمنهم من فضَّل الزراعة، ومنهم من فضَّل التجارة، ومنهم من فضَّل العمل باليد من الصنائع والحِرف. وأحسن ما يقال في هذا الباب: أنَّ الأفضل لكل أحد ما يناسب حاله، ولابدَّ في جميع المكاسب من النصح وعدم الغش، والقيام بالواجب من جميع الوجوه. قال ابن مفلح في "الأداب الشرعية" ما خلاصته: يسن التكسب حتى مع الكفاية، كما يباح كسب الحلال لزيادة المال والجاه، والترفه، والتنعم، والتوسعة على العيال، مع سلامة الدين، والعرض، والمروءة، وبراءة الذمة. ويجب ذلك على من لا قوت له، ولمن تلزمه نفقته، ويقدم الكسب العياله لقوله ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته" [رواه مسلم (٩٩٦)]. قال القاضي: الكسب الذي لا يقصد به التكاثر، وإنما يقصد به التوسل إلى طاعة الله، من صلة الإخوان، أو التعفف عن وجوه الناس، فهو أفضل لما فيه من منفعة غيره ومنفعة نفسه، وهو أفضل من التفرغ لنوافل العبادات، لما فيه من منافع الناس، وخيرُ الناس أنفعهم للناس. * فائدة: قال الخطابي: كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه؛ لحديث: "دع ما يريبك

стр. 1990

إلى ما لا يريبك" [رواه أحمد (١٦٣٠)]. وقال الغزالي: ورع الصديقين: ترك ما يتناول لغير نية القوة على العبادة، وورع المتقين: ترك ما لا شبهة فيه خشية أن يجرَّ إلى الحرام. وورع الصالحين: ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم، بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن له موقع فهو ورع الموسوسين. قال ابن تيمية: الفرق بين الزهد والورع، أنَّ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخاف ضرره في الآخرة. قال ابن القيم: إنَّ هذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها. وقال ابن القيم أيضًا: التحقيق أنَّ النعم إن شغلته عن الله، فالزهد فيها أفضل، وإن لم تشغله عن ذكر الله بل كان شاكرًا فيها، فحاله أفضل، والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها، والطمأنينة إليها. * قرار المجمع الفقهي بشأن حكم الحقوق المعنوية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت، من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ، ١٠ إلى ١٥ كانون الأول ديسمبر ١٩٨٨ م، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء، في موضوع الحقوق المعنوية، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله. قرَّر: أولاً: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف،

стр. 1991

والاختراع، أو الابتكار، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة؛ لتمول الناس لها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها. ثانيًا: يجوز التصرف في الاسم التجاري، أو العنوان التجاري، أو العلامة التجارية، ونقل أي منها بعوض مالي، إذا انتفى الغرر، والتدليس، والغش، باعتبار أنَّ ذلك أصبح حقًّا ماليًّا. ثالثًا: حقوق التأليف، والاختراع، أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها. ***

стр. 1992

٦٦١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ عَامَ الفَتْحِ، وَهُوَ بمَكَّةَ: "إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حرَّمَ بيَعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالخِنْزِيرِ، وَالأَصْنامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟، فَقَالَ: لاَ، هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذلِكَ: قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّم عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ باعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنه" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - عام الفتح: يعني فتح مكة المكرمة، في شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة. - حرَّم: قال في فتح الباري: هكذا في الصحيحين بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد، وفي بعض طرقه "إنَّ الله حرَّم" وفي وجه: "إنَّ الله ورسوله حرَّما" والتحقيق جواز الإفراد، إشارةً إلى أنَّ أمر النبي ﷺ ناشىءٌ عن أمر الله، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فالجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها. - لا، هو حرام: "لا" ناهية، وبعدها فعل محذوف مجزوم، والتقدير: لا تبيعوها، فإنَّ بيعها حرام، وما حَرُمَ بيعه حَرُمَ الانتفاع به. - الخمر: مادة خمر تدل على الستر والتغطية، ومنه خِمار المرأة الساتر لرأسها

стр. 1993

ووجهها، وتخمير الأواني: تغطيتها، ومن هنا أخذ معنى الخمر للمادة المسكرة، لأنَّها تغطي العقل، وكل ما أسكر فهو خمر من أي نوع من عنب أو تمرٍ، أو شعيرٍ، وهذه المشروبات المستحدثة. - الميتة: ما مات حتف أنفه، أو ذكي ذكاة غير شرعية. - الخنزير: الخنزير حيوان خبيث قذر من الفصيلة الخنزيرية، جمعه خنازير. - الأصنام: ما ينحت من حجارة، أو يصنع من حديد، أو طين، أو خشب، أو أي مادة كانت، لتُعبد من دون الله تعالى، وقد يكون الصنم على صورة إنسان، وقد يكون على صورة حيوان، كعجل بني إسرائيل، أو صورة شيطان يتخيلونه. - أرأيتَ: بمعنى أخبرنا. - تُطْلَى بِهَا السفن: طلا يطليه طليًا: لطخه، والطلاء: القطران وكل ما يطلى به، فطلاء السفن أن تدهن حتى يَزُول عنها الماء، فلا يفسدها. - السُّفن: بضمتين جمع سفينة يقال: سفن الشيء يسفنه سفنًا قشره، السفينة، المركب البحري سميت بذلك؛ لقشرها وجه الماء. - ويستصْبِح بها الناس: استصبح الرجل إذا أوقد المصباح واستضاء به، فالاستصباح: الاستضاءة. - فقال: لا، هو حرام: قيل: الضمير يرجع إلى الانتفاع المفهوم من قوله: "فإنَّها تطلى بها السفن ... " إلخ، ولكن الراجح أنَّ الضمير يرجع إلى البيع؛ لأنَّ السائل إنَّما سأل عنه، ولأنَّ الكلام مسوق له ويؤيده قوله: "ثم باعوه". - قاتل الله اليهود: يقال قتله يقتله قتلاً: أزهق روحه وأماته، قال أهل اللغة: قاتله الله لعنه وعاداه، ولعن الله اليهود لاستعمالهم الحيل. - جملوه: بفتح الجيم والميم، أذابوا الشحم المحرَّم عليهم أكله، يقال: جمل الشحم يجمله، من باب نصر، ومنه الجميل، الشحم المذاب، ثم باعوه

стр. 1994

ليحتالوا على الانتفاع بالشحوم، والضمير في "جملوه" راجع إلى الشحوم على تأويل المذكور. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جاءت هدذه الشريعة الإسلامية المحمَّدية بكل ما فيه صلاح البشر، وحذَّرت من كل ما فيه مضرة تعود على الأديان، والأبدان، والعقول، والأعراض، والأموال. ٢ - تحريم الخمر، عمله، وبيعه، وشربه، وكل وسيلة تعين عليه، والخمر: كل ما أسكر وغطَّى العقل من أي نوع يكون، سواء كان سائلاً أو جامدًا. ٣ - إذا كان الخمر حرامًا تناوله، وبيعه، وترويجه، فما كان أشد منه مفسدة وضررًا أشد حرمة، وأكبر إثمًا وهي المخدرات: التي أفسدت الأخلاق، وأضعفت العقول، وأذهبت الأموال، وأضاعت الأديان، وهدمت الصحة. ٤ - تحريم أكل الميتة، والانتفاع بها: بلحمها، أو شحمها، أو دمها، أو عصبها، وكل ما تسير إليه الحياة من أجزائها، وحرمت لقذراتها ونجاستها، ومضرتها على الأبدان والصحة. ٥ - استثنى جمهور العلماء من الميتة: الشعر، والوبر، والصوف، والريش، إذا لم تتبعها أصولها؛ لأنَّه ليس لها صلة بمادة الميتة، فلا يكتسب من خبثها ونجاستها؛ فهذه الأشياء لا تحلها الحياة، فلا يصدق عليها اسم الميتة وتقدم في باب الآنية الكلام على جلد الميتة، وخلاف العلماء فيه. ٦ - تحريم الخنزير أكله وبيعه وملامسته، لأنَّه خبيث رجس، فضرره على الدين بالنجاسة والدياثة، وضرره على العقل بذهاب الغيرة الواجبة، وضرره على البدن بالأمراض، وكل هذه المضار حقائق صدقتها الاكتشافات العلمية. ٧ - مما يلحق بالأصنام في التحريم الصور الخليعة، التي تظهر في المجلات، والصحف، والأفلام الماجنة، التي تعود على الأخلاق بالفساد، وتسبب

стр. 1995

فتنة الشباب والشابات، لما تحركه من الغرائز الجنسية، ومن الأصنام: الصليب الذي هو شعار النصارى، ومن الأصنام، تماثيل الزعماء التي تنصب بالميادين والشوارع العامة، ففيها فتنة وغلو، يجر إلى الشرك بالله تعالى. ٨ - أنَّ المحرمات المعدودة في الحديث ما هي إلاَّ نماذج لأنواع الخبائث التي يعود ضررها على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعِرض، والعقل، والمال. ولتحريمها حِكمٌ وعللٌ، فَعِلَّةُ تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير: النجاسة، فتتعدى إلى كل نجاسة، والعلة في منع بيع الأصنام، البعد عن طاعة الله، فكل ما ألهى وشغل عن طاعة الله فهو حرام، ومن لك التماثيل والصور المجسمة، وآلات اللهو والطرب. ٩ - جواز استعمال النجاسة على وجه لا يتعدى، فقد أقرَّهم ﷺ على دهن الجلود، وطلي السفن بها، فإنَّ الضمير في قوله ﷺ : "لا، هو حرام" راجع إلى البيع. قال ابن القيم في الهدي: ينبغي أن يعلم أنَّ باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، إذ لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع. أما ابن حجر في فتح الباري فقال: قوله: "لا هو حرام" حمله الجمهور على الانتفاع، فقالوا يحرم الانتفاع بالميتة إلاَّ ما خصه الدليل، وهو الجلد المدبوغ. كما أنَّه المشهور من مذهب أحمد. قال في شرح الاقناع "ولا يصح بيع الأدهان النجسة العين، من شحوم الميتة وغيرها، ولا يحل الانتفاع بها، استصباحًا ولا غيره، لحديث جابر". ١٠ - أنَّ التحايل على محارم الله هو عمل اليهود فقد صب عليهم غضبه ولعنته، فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً

стр. 1996

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] ١١ - تحريم الحِيَل على استحلال المحرمات، أو ترك الواجبات، وأنَّها لا تغير حقائق الأشياء، ولو سميت بغير أسمائها، أو غيرت بعض صفاتها. ١٢ - تحذير هذه الأمة مما أقدم عليه اليهود من فعل المحارم بالحيل، لئلا يُصبها ما أصابهم من غضب الله، ولعنته، وأليم عقابه. قال الخطابي: في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرَّم، فإنَّه لا يتغيَّر حكمه بتغير هيئته، وتبديل اسمه. ١٣ - قال ابن القيم: لعن الله اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، وأيضًا فإنَّ اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنَّها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك. وقال في معالم السنن: الوسيلة إلى الحرام حرام في الكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإنَّ الله سبحانه مسَخَ اليهود قِردة وخنازير، لما توسلوا إلى البيع الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة، فإنَّ الطريق متي أفضت إلى الحرام، فإنَّ الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلاً لأنَّ إباحتها وتحريم الغاية جمع بين متناقضين، فلا نتصور أن يباح شيء ويحرم ما يُفضي إليه، بل لابد من تحريمها، أو إباحتها، والثاني: باطل قطعًا، ويتعيَّن الأول. ١٤ - يدل الحديث على القاعدة المشهورة: "إذا رجحت المفسدة على المصلحة فالمقدم هو درء المفسدة" فإنَّ المصلحة بشحوم الميتة ألغيت؛ نظرًا إلى مفسدة الانتفاع بالميتة. ***

стр. 1997

٦٦٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبايِعَانِ، وَلَيسَ بَيْنَهُمَا بيِّنَةٌ، فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلعَةِ، أوْ يَتَتَارَكَانِ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف ولكن تقوى بطرقه. فقد أخرجه أحمد، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وصححه ابن السكن والحاكم، ورواه الشافعي منقطعًا بين عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وبين عبد الله بن مسعود، لكن جاء موصولاً، فرواه محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده مرفوعًا. قال الألباني: الحديث قوي بمجموع طرقه. * مفردات الحديث: - بيِّنة: يقال: بأن يبين بيانًا وتبيانًا؛ اتَّضح وظهر، فالبينة ما أبان الحق وأظهره، من قرار وشهود وغيرهما. - رب السلعة: أي صاحبها، والمراد به البائع. - السلعة: بكسر السين المهملة وسكون اللام، هي البضاعة والمتاع الذي يتجر به، جمعها سلع. - يتتاركان: يتفق البائع والمشتري على فسخ البيع.

стр. 1998

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّه إذا حصل خلاف بين البائع والمشتري، وليس لدى أحدهما بيِّنة، فإنَّ القول هو قول البائع، مع يمينه. فإنَّ القاعدة الشرعية: أنَّ من كان القول قوله فعليه اليمين. ٢ - يطبق في هذا ما رواه البيهقي، وبعضه في الصحيحين، من حديث أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "البيِّنة على المدعي واليمين على من المنكر" وعند هذا الحديث جمع شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ خلاف البائع والمشتري في صور، هذه خلاصتها: ١ - إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، ولا بينة، تحالفا، وصفة التحالف أن يحلف البائع ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا، ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا، ثم لكل منهما فسخ البيع. ٢ - إذا اختلفا في صفة الثمن أخذ نقد البلد، إن وافق قول أحدهما. ٣ - إذا اختلفا في عين المبيع أو قدره يتحالفان، ويفسخ العقد. ٤ - إذا اختلفا في شرطٍ، أو رهنٍ، أو ضمينٍ، فقول من ينفيه؛ لأنَّ الأصل عدمه. ٥ - إذا دعا أحدهما فساد العقد، وادَّعى الآخر صحته، فالأصل سلامة العقد، والقول قول مدعي الصحة، وعلى المدعي البيِّنة. ٦ - إذا بيع بصفةٍ أو رُؤيةٍ سابقة فادَّعى المشتري تغير الصفة، وأنكر البائع، فالقول قول المشتري، لأنَّ الأصل عدم لزوم الثمن على المشتري. ٧ - إذا اختلفا عند من حدث العيب مع الاحتمال، فالقول قول البائع على الصحيح، وعلى هذا القول عمل الناس. ***

стр. 1999

٦٦٣ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - الكلب: بفتح فسكون، حيوان معروف، والأنثى كلبة، والجمع كلاب، والكلب مشهور بشدة الرياضة والوفاء. قال علماء الأحياء: الكلب حيوان أهلي من الفصيلة الكلبية ورتبة اللواحم، ومنه سلالات كثيرة. - مهر البغي: المهر هو العوض الذي يقدم في النكاح، ويسمى ما يدفع للزانية تجوزًا؛ لكونه على صورته. - البَغي: بفتح الموحدة وكسرة الغين وتشديد الياء، هي الزانية، أصله بغوي على وزن فعيل بمعنى فاعله، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت الياء في الياء، فصار بغُي، ضم الغين، فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء، وتجمع البغي على بغايا. فالبغاء: بكسر الباء ممدودًا هو الطلب، وكثُر استعماله في الزنا، فيقال: بغت المرأة تبغي بغاء: إذا زنت، فهي بغي فعولٌ بمعنما فاعلة، نسأل الله العافية. - حُلْوَان الكاهن: بضم الحاء المهملة مصدر حلوته حلوانًا إذا أعطيته، شبه بالشيء الحلو من حيث إنه يؤخذ سهلاً بلا مشقة، فهو ما يأخذه الكاهن على

стр. 2000

كهانته، أما الكاهن فهو الذي يدعي علم الغيب، وهو شامل للعرَّاف، والمنجِّم، وضرَّاب الحصى، وقاريء الكف، وغيرهم من الدجالين والمشعوذين. قال ابن الأثير: الكاهن الذي يخبر بالغيب المستقبل، والعرَّاف الذي يخبر بما خفي، فبعضهم زعم: أنَّ له تابعًا من الجن يلقي إليه الأخبار، وبعضهم يزعم: أنَّه: يعرف الأمور بمقدمات وأسباب، يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله، أو فعله، أو حاله، ومنهم من يدَّعي أنه يستدرك الأمور بفهمٍ أُعطيه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] فهو ﵎ أحلَّ الطيبات وحرَّم الخبائث، فالمكاسِب الخبيثة حرَّمها، فكان مما حرَّم ما جاء في هذا الحديث الشريف. ٢ - الكلب أنجس الحيوانات وأقذرها، فنجاسته لا يطهِّرها إلاَّ التراب، مع تكرير الغسل سبعًا، فنهى عن اقتنائه، وبيعه، واتخاذه، ما لم تشتد الحاجة إليه، لحراسة الغنم، أو الزرع، أو يتَّخذ للصيد فيباح اقتناؤه، أما النَّهي عن ثمنه فهو يحتمل أحد أمرين: أحدهما: أنَّ النَّهي عن ثمنه؛ لأنَّه حرام، وهذا يقول به من يرى بطلان بيعه، وتحريم ثمنه، وهم جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، سواء جاز اقتناؤه، أو لا. أما الإمام أبو حنيفة فيرى صحة بيعه، وإباحة ثمنه، والنَّهي عنه إنَّما هو لدناءته، لا لتحريمه، والراجح هو القول الأول. ٣ - سيأتي في حديث أبي الزبير عند مسلم زيادة للنسائي "إلاَّ كلب صيد" وبعض العلماء قيد إطلاق الحديث بها، والجمهور اعتبروها شاذةً وأخذوا بعموم الحديث.
следующие страницы →