يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]
١١ - تحريم الحِيَل على استحلال المحرمات، أو ترك الواجبات، وأنَّها لا تغير حقائق الأشياء، ولو سميت بغير أسمائها، أو غيرت بعض صفاتها.
١٢ - تحذير هذه الأمة مما أقدم عليه اليهود من فعل المحارم بالحيل، لئلا يُصبها ما أصابهم من غضب الله، ولعنته، وأليم عقابه.
قال الخطابي: في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرَّم، فإنَّه لا يتغيَّر حكمه بتغير هيئته، وتبديل اسمه.
١٣ - قال ابن القيم: لعن الله اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، وأيضًا فإنَّ اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنَّها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك.
وقال في معالم السنن: الوسيلة إلى الحرام حرام في الكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإنَّ الله سبحانه مسَخَ اليهود قِردة وخنازير، لما توسلوا إلى البيع الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة، فإنَّ الطريق متي أفضت إلى الحرام، فإنَّ الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلاً لأنَّ إباحتها وتحريم الغاية جمع بين متناقضين، فلا نتصور أن يباح شيء ويحرم ما يُفضي إليه، بل لابد من تحريمها، أو إباحتها، والثاني: باطل قطعًا، ويتعيَّن الأول.
١٤ - يدل الحديث على القاعدة المشهورة: "إذا رجحت المفسدة على المصلحة فالمقدم هو درء المفسدة" فإنَّ المصلحة بشحوم الميتة ألغيت؛ نظرًا إلى مفسدة الانتفاع بالميتة.
***
стр. 1997
٦٦٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبايِعَانِ، وَلَيسَ بَيْنَهُمَا بيِّنَةٌ، فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلعَةِ، أوْ يَتَتَارَكَانِ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف ولكن تقوى بطرقه.
فقد أخرجه أحمد، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وصححه ابن السكن والحاكم، ورواه الشافعي منقطعًا بين عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وبين عبد الله بن مسعود، لكن جاء موصولاً، فرواه محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده مرفوعًا.
قال الألباني: الحديث قوي بمجموع طرقه.
* مفردات الحديث:
- بيِّنة: يقال: بأن يبين بيانًا وتبيانًا؛ اتَّضح وظهر، فالبينة ما أبان الحق وأظهره، من قرار وشهود وغيرهما.
- رب السلعة: أي صاحبها، والمراد به البائع.
- السلعة: بكسر السين المهملة وسكون اللام، هي البضاعة والمتاع الذي يتجر به، جمعها سلع.
- يتتاركان: يتفق البائع والمشتري على فسخ البيع.
стр. 1998
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّه إذا حصل خلاف بين البائع والمشتري، وليس لدى أحدهما بيِّنة، فإنَّ القول هو قول البائع، مع يمينه.
فإنَّ القاعدة الشرعية: أنَّ من كان القول قوله فعليه اليمين.
٢ - يطبق في هذا ما رواه البيهقي، وبعضه في الصحيحين، من حديث أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "البيِّنة على المدعي واليمين على من المنكر"
وعند هذا الحديث جمع شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ خلاف البائع والمشتري في صور، هذه خلاصتها:
١ - إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، ولا بينة، تحالفا، وصفة التحالف أن يحلف البائع ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا، ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا، ثم لكل منهما فسخ البيع.
٢ - إذا اختلفا في صفة الثمن أخذ نقد البلد، إن وافق قول أحدهما.
٣ - إذا اختلفا في عين المبيع أو قدره يتحالفان، ويفسخ العقد.
٤ - إذا اختلفا في شرطٍ، أو رهنٍ، أو ضمينٍ، فقول من ينفيه؛ لأنَّ الأصل عدمه.
٥ - إذا دعا أحدهما فساد العقد، وادَّعى الآخر صحته، فالأصل سلامة العقد، والقول قول مدعي الصحة، وعلى المدعي البيِّنة.
٦ - إذا بيع بصفةٍ أو رُؤيةٍ سابقة فادَّعى المشتري تغير الصفة، وأنكر البائع، فالقول قول المشتري، لأنَّ الأصل عدم لزوم الثمن على المشتري.
٧ - إذا اختلفا عند من حدث العيب مع الاحتمال، فالقول قول البائع على الصحيح، وعلى هذا القول عمل الناس.
***
стр. 1999
٦٦٣ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الكلب: بفتح فسكون، حيوان معروف، والأنثى كلبة، والجمع كلاب، والكلب مشهور بشدة الرياضة والوفاء.
قال علماء الأحياء: الكلب حيوان أهلي من الفصيلة الكلبية ورتبة اللواحم، ومنه سلالات كثيرة.
- مهر البغي: المهر هو العوض الذي يقدم في النكاح، ويسمى ما يدفع للزانية تجوزًا؛ لكونه على صورته.
- البَغي: بفتح الموحدة وكسرة الغين وتشديد الياء، هي الزانية، أصله بغوي على وزن فعيل بمعنى فاعله، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت الياء في الياء، فصار بغُي، ضم الغين، فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء، وتجمع البغي على بغايا.
فالبغاء: بكسر الباء ممدودًا هو الطلب، وكثُر استعماله في الزنا، فيقال: بغت المرأة تبغي بغاء: إذا زنت، فهي بغي فعولٌ بمعنما فاعلة، نسأل الله العافية.
- حُلْوَان الكاهن: بضم الحاء المهملة مصدر حلوته حلوانًا إذا أعطيته، شبه بالشيء الحلو من حيث إنه يؤخذ سهلاً بلا مشقة، فهو ما يأخذه الكاهن على
стр. 2000
كهانته، أما الكاهن فهو الذي يدعي علم الغيب، وهو شامل للعرَّاف، والمنجِّم، وضرَّاب الحصى، وقاريء الكف، وغيرهم من الدجالين والمشعوذين.
قال ابن الأثير: الكاهن الذي يخبر بالغيب المستقبل، والعرَّاف الذي يخبر بما خفي، فبعضهم زعم: أنَّ له تابعًا من الجن يلقي إليه الأخبار، وبعضهم يزعم: أنَّه: يعرف الأمور بمقدمات وأسباب، يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله، أو فعله، أو حاله، ومنهم من يدَّعي أنه يستدرك الأمور بفهمٍ أُعطيه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] فهو ﵎ أحلَّ الطيبات وحرَّم الخبائث، فالمكاسِب الخبيثة حرَّمها، فكان مما حرَّم ما جاء في هذا الحديث الشريف.
٢ - الكلب أنجس الحيوانات وأقذرها، فنجاسته لا يطهِّرها إلاَّ التراب، مع تكرير الغسل سبعًا، فنهى عن اقتنائه، وبيعه، واتخاذه، ما لم تشتد الحاجة إليه، لحراسة الغنم، أو الزرع، أو يتَّخذ للصيد فيباح اقتناؤه، أما النَّهي عن ثمنه فهو يحتمل أحد أمرين:
أحدهما: أنَّ النَّهي عن ثمنه؛ لأنَّه حرام، وهذا يقول به من يرى بطلان بيعه، وتحريم ثمنه، وهم جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، سواء جاز اقتناؤه، أو لا.
أما الإمام أبو حنيفة فيرى صحة بيعه، وإباحة ثمنه، والنَّهي عنه إنَّما هو لدناءته، لا لتحريمه، والراجح هو القول الأول.
٣ - سيأتي في حديث أبي الزبير عند مسلم زيادة للنسائي "إلاَّ كلب صيد" وبعض العلماء قيد إطلاق الحديث بها، والجمهور اعتبروها شاذةً وأخذوا بعموم الحديث.
стр. 2001
٤ - الزنا من أعظم المعاصي، وأفحش المنكرات، فما يؤخذ عليه من أجرٍ فهو خبيث حرام، سواء كانت الزانية حرةً، أو أمةً.
٥ - ادعاء علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به ذنب عظيم، وإثم كبير، وذلك بمثل ما يدعيه الكهان، والعرَّافون، والمنجمون، وأصحاب الشعوذة من أنَّهم يعلمون المغيبات، من الأمور المستقبلة، والأشياء الخفية، لاسيما إذا جعلت هذه الدعاوي الباطلة وسيلة لسلب أموال الناس بالباطل.
٦ - أنَّ ما يندر من صدق هدذه الدعوى الغيبية لا تكون إلاَّ بإخبار الشياطين لهم، والشياطين لا يخبرونهم إلاَّ إذا خدموهم وأطاعوهم بالكفر بالله تعالى، وما دونه من المعاصي، كما قال تعالى عنهم: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨].
٧ - الإتيان إلى هؤلاء الدجالين معصية قد تصل إلى الكفر عند تصديقهم بما يقولون، ففي الحديث "من أتى عرَّافًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمَّد" [رواه أحمد (٩١٧١)].
٨ - فالحديث ينهى عن الأمور التي تمس الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال، فيكون النَّهي فيها أشد، وعنها آكد، والنَّهي يقتضي التحريم.
٩ - الإسلام دين صدق فلا يقر الدجالين والمشعوذين، ودين طهارة ونزاهة فلا يرضى كسب المال بالطرق الوسخة والفاحشة المنكرة، ودين جِد فلا يرضى أخذ أموال الناس إلاَّ بطرقٍ نافعةٍ يستفيد منها الطرفان، أما المنَافع المحرَّمة فلا يعترف بها، ولا يجعل لها ثمنًا، ولا وزنًا.
١٠ - إذا كانت هذه الأمور منكرة فالعقود التي توصل إليها محرَّمة باطلة، وما ترتب عليها من كسب فهو حرام، فنهي الشارع يقتضي التحريم والفساد.
١١ - جاء في بعض روايات الحديث: "وثمن الدم"، والدم المسفوح، ومنه
стр. 2002
المسحوب من بدن الصحيح للمريض، فبيعه حرام، ولكن إذا اضطر إليه للمريض، أو للعمليات، فدفع العوض فيه جائز من أجل الضرورة، والإثم إنما هو على الآخذ، وليس على الباذل للعوض لحاجةٍ أو ضرورة إثمٌ، وقد أصدر في هذا مجلس كبار العلماء قرارًا، ذكروا فيه هذا التفصيل في حكمه.
***
стр. 2003
٦٦٤ - وَعَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله ﵄ "أَنَّهُ كَانَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أعْيَا، فَأَرَادَ أنْ يُسَيِّبهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبيُّ ﷺ ، فَدَعَا لِي وَضَرَبةُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَال: بِعْنيهِ بِأُوْقِيَّةٍ؟ قُلْتُ: لاَ، ثُمَّ قَالَ: بِعْنِيهِ، فَبِعْتُهُ بأُوْقِيَّةٍ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلاَنَهُ إلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بلَغْتُ أتيْتُهُ بِالجَمَل، فَنَقَدَنِي ثَمَنهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أثَرِي، فَقَال: أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ، لآخذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمسُلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- جمل: قال الفراء: الجمل زوج الناقة، ويجمع على جِمال وأجمال وجمالات.
- أعيا: بفتح الهمزة وسكون العين، أي كلَّ وعجز عن السير والذهاب إلى مقصده، يقال: أعيى فهو معي، وأعياه الله كلاهما بالهمزة، لازمًا ومتعديًا، ولا يقال: عياء.
- أن يسيِّبه: بضم الياء وفتح السين وتشديد الياء، من باب التفعيل، أي أراد أن يتركه رغبة عنه، فيطلقه ليذهب حيث شاء.
- أُوقيَّة: بضم الهمزة وكسر القاف وتشديد الياء، وجاء في رواية البخاري "وقية" بدون الهمزة، قال العيني: وليست بلُغَةٍ عالية.
والأوقية: أربعون درهمًا إسلاميًّا، والدرهم نصف مثقال وخُمُس مثقال، والمثقال أربعة غرامات ورُبع غرام.
стр. 2004
- قُلتُ لا: قال العيني: ثبت أنَّ جابرًا قال: لا أبيع، بل أهبه لك.
- حُملانه: بضم الحاء المهملة، أي أشترط أن يكون لي حق الحمل عليه إلى المدينة.
- نقدني ثمنه: أعطاني الثمن نقدًا معجلاً.
- أثري: بفتحتين، أو بكسر فسكون، أي بعث من يطلبني ويأتي بي إليه.
- أتُراني: بضم التاء، بمعنى تظنني كلَّمتك، لأجل نقص الثمن، لأخذ جملك، والاستفهام للإنكار، أي أتظنني وتحسبني.
- ماكستك: يقال: ماكسه مماكسةً: شاحَّه؛ لأجل انقاص الثمن.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - من حسن القيادة، والرفق برفقة السفر أن يكون قائدهم، وأميرهم في ساقتهم، فيكون في مؤخرة الجيش، أو القافلة، انتظارًا للعاجزين، ورفقًا بالمنقطعين.
٢ - رحمة النبي ورأفته، فإنَّه لما رأى جابرًا في هذه الحال أعانه بالدعاء والضربة المباركة لجَمَله الهزيل، فسار بإذن الله تعالى سيرًا صار أمام رفقته.
٣ - هذه الضربة منه ﷺ معجزة ظاهرة ناطقة بأنَّه رسول الله حقًّا، حينما مسَّ هذا الجمل المهزول العاجز المتخلف، فيسير على أثر هذه الضربة هذا السَّير الحسن، ويلحق بالجيش.
٤ - جواز البيع والشراء من الإمام لرعيته.
٥ - أنَّ مماكسة النبي ﷺ في البيع، والامتناع من البيع عليه لأجل الزيادة في الثمن، أو عدم الرغبة في البيع، لا يعد معصية ومخالفة لأمره ﷺ ، فإنَّ مثل هذه الأمور ليست على وجه العبادة والإلزام، وإنما هي عقود مباحة، ترجع إلى العادات، فيكون فيها خيار الطرفين، وأيضًا في الرواية الأخرى عند الإمام أحمد (١٤٤٩٥)، قال: "لا أبيع، بل أهبه لك".
стр. 2005
٦ - أخذ ابن رجب من هذا الحديث قاعدة عامة هي: أنَّه يجوز للإنسان نقل الملك في شيء، واستثناء نفعه المعلوم مدَّة معلومة.
٧ - أن لم يكن المستثنى معلومًا فإنَّ العقد لا يصح، فإنَّ استثناء المجهول من المعلوم يصيِّر المعلوم مجهولاً، وهذا يعم الإجارة، والهبة، والوقف، والوصية.
٨ - جواز عقد البيع، ولو لم يحصل قبض الثمن، ولا المبيع، ما لم يكن ذلك مما يجري فيه الربا، أو يكون رأس مال سلَمَ، أو المبيع في الذمة، فلابد من القبض في المجلس.
٩ - كرم النبي ﷺ ، وسماحته عند البيع والشراء.
١٠ - تطييب خاطر أصحابه، وممازحتهم بالحق والصدق.
١١ - جواز ترك الدابة رغبة عنها، إذا كان عندها ما تقتات منه.
١٢ - مشروعية عمل الأسباب حتى للنتائج الخارقة للعادة، التي تقع من الأنبياء والصالحين، كقصة مريم في هزها النخلة، وضرب جمل جابر ليسير سيرًا ما كان يسيره حال قوته ونشاطه.
١٣ - أنَّ تسليم المبيع من عُهدة البائع.
١٤ - جواز البيع الصوري إذا كان يتوصل بعقده على مصلحة، ولا يترتب عليه مضرة، ولا مفسدة.
١٥ - قوله: "فهو لك" ليس إنشاء وتمليكًا، وإنما إخبارًا عما في نفس الأمر وحقيقته.
١٦ - جواز أخذ الهدية إذا لم يستشرف لها الإنسان، ولم يسألها، لاسيَّما من ولاة الأمور.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء هل يجوز للبائع أن يشترط نفعًا معلومًا في المبيع،
стр. 2006
كسكنى الدار المباعة شهرًا؟ وهل يجوز -أيضًا- للمشتري أن يشترط على البائع نفعًا معلومًا في المبيع، كأن يشترط عليه حمل ما اشتراه إلى موضع معين، أو خياطة الثوب المبيع، ونحو ذلك؟
ذهب الأئمة الثلاثة إلى المنع، لِما رواه أبو داود (٣٤٠٥) والترمذي (١٢٩٠) عن جابر "أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن الثنيا إلاَّ أن تُعلم".
وذهب الإمام أحمد إلى جواز شرطٍ واحدٍ فقط، كان جَمَع بين شرطين بطل البيع، ووافقه إسحاق، والأوزاعي، وابن المنذر.
وعن الإمام أحمد رواية أخرى، أنَّ البيع صحيح مع الشروط العائدة للبائع أو المشتري، من منافع معلومة في المبيع والثمن، أو عائدة للمشتري لو كثرت. واختار هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي -رحمهم الله تعالى-.
قال شيخ الإسلام: الأصل في العقود والشروط الصحة والجواز، ولا يحرم منها ويبطل إلاَّ ما دلَّ الشرع على تحريمه وإبطاله. وقال ابن القيم: كل شرط لم يخالف كتاب الله تعالى فهو لازم.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الشرطان اللذان باجتماعهما تترتب مفسدة شرعية هي مسائل العينة.
وأدلة هؤلاء المحققين هي:
١ - حديث جابر الذي معنا في الباب.
٢ - "نهى عن الثنيا إلاَّ أن تعلم"، وهذه شروط واستثناءات معلومة.
٣ - قال ﷺ : "المسلمون على شروطهم، إلاَّ شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً"، وغير ذلك من النصوص الشرعية والاعتبارات المرعية.
стр. 2007
٦٦٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: "أَعْتَقَ رَجُل مِنَّا عَبدًا لَهُ عَنْ دُبرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّبيُّ ﷺ فَباعَهُ" مُتَّفَقٌ عَليْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- عن دبر: بضم الدال المهملة وضم الباء الموحدة، هو نقيض القُبُل من كل شيء، والمراد هنا أنَّه أعتقه وعلَّق عتقه بموت السيد، فهذا يسمى مدبَّرًا، كما سيأتي إن شاء الله بيانه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - التدبير هو عتق الرقيق بعد موت المعتِق، بأن يقول السيد لرقيقه: أنتَ حر بعد موتي، سمي بذلك؛ لأنَّ العتق دُبُر الحيَاة.
٢ - في الحديث جواز التدبير وصحته، وهلذا حكم متَّفق عليه عند العلماء.
٣ - أنَّ الرقيق المدبَّر يعتق من ثلث مال المتوفى، لا من رأس مال التركة، لأنَّ حكمه حكم الوصية؛ لأنَّ كلاً منهما لا ينفذ إلاَّ بعد الموت، وهذا مذهب جمهور العلماء.
٤ - جواز بيع المدبر، فعند الإمامين: الشافعي وأحمد جواز بيعه مطلقًا عند الحاجة وعدمها لأنَّه لما جاز في سورة من صور البيع جاز في كل صوره، ولأنَّه شبيه بالوصية التي يجوز الرجوع عنها، ما دام الموصي في حال الحياة، وبعضهم قيد جواز بيع المدبر بالحاجة فقط؛ عملاً بهذا الحديث.
٥ - الواجب على من ليس عنده سعة في الرزق أن يجعل ذلك لنفسه ولمن
стр. 2008
يعول، فهم أولى من نوافل الصدقات.
وفي الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يعول" [رواه مسلم].
أما من وسَّع الله عليه فليحرص على اغتنام الفرص، فليس له من ماله إلاَّ ما قدمه لآخراه: ﴿مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]
٦ - البداءة بالأهم في الأعمال، وتقديم الواجبات على المستحبات.
٧ - كل عمل يُقدم عليه الإنسان وهو مخالف للشرع فهو باطلٌ لاغٍ؛ لقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" [رواه مسلم].
فالأعمال التي ليست على وفق ما شرع الله من العبادات، وما أباح من المعاملات فهي باطلة.
***
стр. 2009
٦٦٦ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ فَأْرةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْهَا، فَقَال: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوه" رَواهُ البُخَارِيُّ.
وزَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: "في سَمْنٍ جَامِدٍ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
زيادة أحمد والنسائي وتقييدها: "في سمن جامد" حكم عليها بالشذوذ الإمام البخاري وابن تيمية، وذلك لتفرد عبد الرحمن بن مهدي بها، ومخالفته لرواية الجماعة عن الإمام مالك.
وفي التلخيص الحبير لابن حجر: ذكر عدَّة روايات وطرق تقوي هذه الزيادة، وتجود الحديث، وكذلك في الفتح (٩/ ٦٦٩) لكن رجح فيه الوقف.
* مفردات الحديث:
- فأرة: بفتح الفاء تُهمز ولا تُهمز، الواحدة من الفار، وتقع على الواحدة من الذكر والأنثى، وهو جنس حيوان من الفصيلة الفأرية، ورتبة القوارض.
- سَمْن: بفتح السين وسكون الميم، هو سلاء الزبد، وهو ما يذاب ويخلص منه بعد إغلائه.
- جامد: جمد الماء، وكل سائل يجمد جمْدًا وجُمُودًا -من بابي نصر وكرم- يبس، وضد ذاب.
...
стр. 2010
٦٦٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا وَقَعَتِ الفَأَرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإنْ كانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوه" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ البُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بِالوَهْمِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
قال الشيخ محمَّد زكريا الكاندهلوي في شرحه على الموطأ ما خلاصته: رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ، "سئل رسول الله ﷺ ... "، الحديث.
قال: حكى الترمذي عن البخاري أنَّه قال في رواية معمر: هذه خطأ، وقال ابن أبي حاتم: إنَّها وَهَم، وأشار الترمذي إلى أنَّها شاذة، وقد حكم البخاري وأبو حاتم عليه بالوهم، وقالوا: إنَّ معمرًا قد غلط على الزهري لأنَّ الصحيح هو الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة.
* مفردات الحديث:
- مائع: يقال: ماع الشيء يميع ميعًا: سال وجرى، فالمائع خلاف الجامد.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - يدل الحديثان على نجاسة الفأرة، وأنَّها من الخبائث، فلقد جاء في الصحيحين أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتلها، وسمَّاها فاسقة.
٢ - أنَّ الفأرة إذا وقعت في سمن أو مائع، وماتت فيه نجَّست ما حولها مما وقعت فيه، فيجب إلقاؤها وإلقاء ما حولها.
стр. 2011
قال الحافظ: لم يأت تحديد ما يُلقى، لكن أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عطاء: أن يكون قدر الكف، وسنده جيد لولا أنَّه مرسل.
٣ - أنَّ بقية السمن أو اللبن أو نحوهما مما ليس حولها طاهرٌ، يجوز أكله واستعماله، فلا تسري النجاسة إلى كل أجزائه.
٤ - أنَّ ذكر السمن إنَّما هو واقعة عين لميمونة، وإلاَّ فالحكم عام في كل المائعات من دهنٍ، وزيتٍ، ولبنٍ، وعصيرٍ، وغير ذلك.
قال الحافظ: وإلحاق غير السمن به في القياس واضح.
٥ - قال الخطابي: في الحديث دليل على أن المائعات لا تزال بها النجاسة، وذلك أنَّها إذا لم تدفع عن نفسها النجاسات، فلأن لا تدفع عن غيرها أولى.
٦ - في الحديث دلالة على تحريم الأعيان النجسة، وأنه لا يجوز الاستفادة منها ولا استعمالها، وتقدم مثله في حديث جابر (٦٦١).
٧ - مفهوم قوله: "فماتت فيه" أنَّها لو سقطت فيه وخرجت حية أنَّ السمن لا ينجس، فإنَّ الفقهاء جعلوا الهرة وما دونها في الخلقة طاهرًا في حال الحياة، لقوله ﷺ : "إنَّها ليست بنجس، إنَّها من الطوَّافين عليكم" وقيس عليها الباقي.
٨ - قوله: "كلوه" ليس أمرًا، وإنما هو إباحة، وبيان حكم طهارته.
٩ - هذا الحكم ما لم يتغيَّر السمن بالنجاسة في ريحه، أو طعمه، أو لونه، فإن تغيَّر فإنَّه نجس لا يجوز استعماله ولا قربه، فإنَّ الماء وهو الطهور إذا تغيَّر طعمه أو ريحه أو لونه بالنجاسة نجس، فكيف بالمائعات التي لا تدفع عن نفسها نجاسة.
١٠ - الحديث عام في السمن: قليله وكثيره، فليس فيه تقييد، فيبقى على عمومه أنَّ الفأرة إذا وقعت فيه وماتت ولم تغيره أنَّها تلقى، ويؤكل السمن، كثُر أو قلَّ.
стр. 2012
١١ - وفي الحديث: دلالة على جواز ملامسة النجاسة لإزالتها، وتطهير المكان منها، ومن أدلة هذه المسألة مشروعية الاستنجاء، وغسل النجاسات.
١٢ - رواية البخاري مطلقة تعم السمن المائع والجامد، ورواية أحمد والنسائي تقيد ذلك في السمن الجامد، ولكن محققي المحدثين كالبخاري وأبي حاتم حكموا على رواية "في سمن جامد"، بالوهم.
قال الترمذي: سمعت البخاري يقول: هو خطأ، والصواب: ما رواه الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة ﵃.
وقال الترمذي: هو حديث غير محفوظ.
قال ابن القيم: اختلف العلماء في هذا الحديث إسنادًا ومتنًا، ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يرَوْه صحيحًا، بل رأوه خطأ محضًا، فكثير من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية: "إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائبًا فلا تقربوه" موهومة معلولة، فإنَّ النَّاس إنما رووه عن سفيان عن الزهري من غير تفصيل، كما رواه البخاري وغيره.
***
стр. 2013
٦٦٨ - وَعَنْ أَبِى الزُّبَيرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَالكَلْبِ، فَقَال: زَجَرَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ ذلِكَ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ والنَّسَائيُّ، وزَادَ: "إلاَّ كلْبَ صَيْدٍ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
زيادة النسائي ضعَّفها الإمام أحمد، واستنكرها النسائي، وضعَّفها النووي والسيوطي، ونقلا اتفاق المحدثين على ذلك.
* مفردات الحديث:
- السِّنَّوْر: بكسر السين المهملة وتشديد النون، هو الهِرّ والقطّ، وهو حيوان أليف من الفصيلة السنورية ورتبة اللواحم، والأنثى سنورة، جمعه سنانير.
- الكلب: كل سبع عقور، وغلب على هذا النابح بل صارت حقيقة لغوية فيه لا تحتمل غيره، الجمع: أكلب وكلاب، والأنثى كلبة، وجمعها كلاب وكلبات.
- زجر عن ذلك: يقال: زجره يزجره زجرًا: منعه ونهاه عنه، وأمره بالكفِّ عن بيعه، والانتفاع بثمنه بعنفٍ وشدةٍ.
- صيد: صاد الطير وغيره يصيده صيدًا واصطاده: اقتنصه وأمسكه بمشقة، فالطير مصيد، والرجل صائد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على النَّهي عن بيع السنور، وتحريم ثمنه وإن جاز اقتناؤه لغير حاجة، لعدم النَّهي عن ذلك، ولما في الصحيحين: "أنَّ امرأة دخلت النَّار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".
стр. 2014
ولأنَّها طاهرة في الحياة، وهذا مذهب طائفة من العلماء، ومنهم الحنابلة، إذ صحة البيع إنما تكون في عين مالية، والسنور ليس بمال.
وذهب الجمهور إلى جواز بيعه، وحملوا الحديث على التنزيه ومكارم الأخلاق، وأنَّ هذا مما اعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة فيه، ولكنه خلاف الظاهرة لأنَّ النَّهي يقتضي التحريم، ففيه زجر، وهو أبلغ من النَّهي، وتكون العلة في تحريم بيعه لعدم النفع المقصود فيه.
٢ - يدل الحديث على تحريم ثمن الكلب وتحريم بيعه؛ لما في الصحيحين من حديث أبي مسعود "نهى النَّبيُّ ﷺ عن ثمن الكلب"، والنَّص على تحريم ثمنه يدل باللزوم على تحريم بيعه؛ لأنَّه نجس العين، ولا ينتفع به إلاَّ لحاجة.
٣ - الحديث الذي في الصحيحين عام، ولكن عند النسائي زيادة تقدم حكمها وأنَّها ضعيفة: "إلاَّ كلب صيد".
ومن أجل هذه الزيادة اختلف العلماء في جواز بيعه.
فذهب الجمهور -ومنهم الإمامان: الشافعي وأحمد- إلى تحريم بيعه، وإن كان كلب صيدٍ، أو زرعٍ، أو ماشيةٍ، ويباح اقتناؤه لهذه الحاجة مع تحريم بيعه وثمنه، لأنَّ الأصل في النَّهي أنَّه للتحريم.
قال الخطابي: جواز الانتفاع بالشيء إذا كان لأجل الضرورة لم يكن يدل على جواز بيعه، كالميتة يجوز الانتفاع بها للمضطر ولا يجوز بيعها، وذهب أبو حنيفة إلى جواز بيعه مطلقًا، سواء جاز اقتناؤه، أو لا.
وقال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي: ما أبيح من الكلاب فبيعه جائز، وما حرم اقتناؤه منها فبيعه محرَّم.
***
جمعت على الرقيق، أو من المكاتبة، وهو العقد بينها وبين مواليها من الأنصار.
- أواق: تقدم أنَّ الأوقية أربعون درهمًا إسلاميًا، وأنَّ الدرهم نصف مثقال وخمس مثقال، والمثقال (٤.٢٥) غرامات.
أواق: جمع أوقية، وأصلها أواقي بتشديد الياء، فحذفت إحدى الياءين تخفيفًا، والثانية على طريقة قاضٍ.
- ولاؤك لي: أي ولاء عتقك يكون لي.
- ما بال: جواب أما، والأصل أن يكون بالفاء، ولكنها قد تحذف، ومعنى "بال" يعني ما حال رجال، وشأنهم.
- رجال: لإشعار النبي ﷺ أنَّ قصة المبايعة كانت مع رجال، وفي بعض روايات البخاري: "ما بال أقوام" وفي بعضها: "ما بال أناس".
- ليست في كتاب الله: أي ليست الشروط في حكم الله تعالى وقضائه في كتابه، وسنة رسوله ﷺ ، بل هي مما يخالف الكتاب والسنة والإجماع.
- ما كان: كلمة "ما" شوطية، فلذلك دخلت الفاء في جوابها، وهو قوله: "فهو باطل".
- باطل: في اللغة: ذاهبٌ ضائعٌ لاغٍ.
وشرعًا: ما وقع غير صحيح من أصله، فلا نفاذ له.
- وإن كان مائة شرط: لم يقصد بالمائة التحديد، وإنما قصد التوكيد، والمبالغة للعموم، يعني أنَّ الشروط التي لم تشرع باطلة، ولو كثرت.
- أحق وأوثق: جاءا على صيغة التفضيل، وليسا على بابهما، وإنما هما صفتان مشتبهتان، فالمراد: إنَّ قضاء الله، وشوط الله هما الحق القوي.
- أوثق: يقال: وثُق الشيء يوثُق وثاقة: قوي وكان محكمًا، والمعنى: أقوى وأشد استحكامًا.
стр. 2017
- إنما الولاء لمن أعتق: هذه صيغة حصر: بأنَّ ولاء العتاقة، وما يترتب عليه من عصوبةٍ، ومناصرةٍ، وتوارثٍ، ونحوها هي لمن أسدى النعمة على الرقيق بالعتق، وصار سببًا في حريته.
قوله: "أحق وأوثق"، و"لمن أعتق"، فيه سجع، وهو نوع من أنواع البديع، وهو من محسِّنات اللفظ إذا لم يكن فيه تكلف، وإنَّما نهى عن سجع الكهَّان لما فيه من التكلف.
- الولاء: يقال: والى فلانًا موالاة: ناصره وأعانه، فالولاء بفتح الواو ممدود لغة: القرابة.
وشرعًا: عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق.
* ما يؤخذ من الحديث:
هذا الحديث جليل عظيم الفائدة؛ لما اشتمل عليه من الأحكام، ولِما حوى من الفوائد والفرائد.
وقد أفرده بعض العلماء بالتصنيف، واستخرجوا منه ما يزيد على أربعمائة فائدة، ونحن نجمل أهم الأحكام الظاهرة في:
١ - خلاصة القصة أنَّ أمةً لأحد بيوت أهل المدينة، يقال لها "برِيرة" اشترت نفسها من أسيادهم بتسع أواق فضة، لهم كل عام أوقية واحدة، فجاءت تستعين عائشة على وفاء دَيْنها، فقالت لها عائشة: اذهبي إلى أسيادك فأخبريهم أني مستعدة أن أدفع أقساط دين الكتابة مرَّة واحدة، ليكون ولاؤك خالصًا، فأخبرتهم فأبوا إلاَّ أن يكون لهم الولاء، فعلِمَ النَّبيُّ ﷺ ، وقال لعائشة: اشتريها واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الوَلاء لمن أعتق".
ثم خطب النبي ﷺ الناس، ونهاهم عن الشروط المحرَّمة، وأخبرهم بأنَّ أي شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وبيَّن لهم أنَّ الولاء لمن أعتق.
٢ - مشروعية مكاتبة الرقيق، لأنَّها طريق إلى تخليصه من الرق، الذي هو من
стр. 2018
أفضل الأعمال الصالحة.
٣ - أنَّ دين الكتابة يكون مؤجلاً يحل قسطًا قسطًا؛ لأنَّ الرقيق حين عقد الكتابة لا يملك شيئًا، فصار التأجيل فيها لازمًا، ومن هذا أخذ العلماء معناها واشتقاقها.
٤ - جواز تعجيل تسليم الأقساط المؤجلة، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرَّ عائشة على استعدادها لدفعها لهم معجلةً.
٥ - أنَّ الولاء لمن أعتق؛ لأنَّه لُحْمة كَلُحمَة النسب، أما اشتراطه للبائع فباطل.
٦ - أنَّ اشتراطه من البائع لا يؤثر في صحة عقد البيع، إنما الذي يَبْطل: الشرطُ وحده، لمخالفته مقتضى العقد.
٧ - استحباب تبيين الأحكام عند المناسبات، وأن يكون في المجامع الحافلة، كخطب الجمعة، والمجامع الكبيرة، ووسائل الإعلام، من الصحف، والإذاعة، والتلفاز وغير ذلك.
٨ - استحباب افتتاح الخطب، بحمد الله والثناء عليه، لتحل بها البركة.
٩ - استحباب الابتداء بـ"أما بعد"؛ لأنَّها يؤتى بها في الكلام، للانتقال من أسلوب إلى غيره، ومن موضوع إلى آخر.
١٠ - أنَّ كل شرط يخالف حكم الله فهو باطل مردود، وإن أكثر، فليس المائة في الحديث بعدد مقصود، وإنما المراد به التكثير والمبالغة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
١١ - أنَّ حدود الله وأحكامه وأقضيته وشروطه هى المتبعة، وما عداها فلا يلتفت إليه، "فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق".
١٢ - أنَّ العتق بأي طريق يسبب الولاء، سواء كان منجزًا، أو مكاتباً، أو غير ذلك من طرقه، لعموم "الولاء لمن أعتق".
١٣ - أنَّ الشروط التي على خلاف مقتضى العقد فاسدة بنفسها، ولكنها غير
стр. 2019
مفسدة للعقد.
١٤ - قوله: "شروطًا ليست في كتاب الله": قال ابن القيم: ليس المراد به القرآن قطعًا، فإنَّ أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل علمت من السنة، فعلم أنَّ المراد بكتاب الله حكمه، فإنَّه يطلق على كلامه، وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله ﷺ ، ومعلوم أنَّ كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له، فيكون باطلاً، والصواب إلغاء كل شرط خالف حكم الله، واعتبار كل شرط لم يحرمه الله، ولم يمنع منه.
١٥ - الولاء عصوبة سببها نعمة المُعتِق على عتيقه، ولذَا جاء في الحديث الذي رواه الحاكم (٧٩٩٠) وابن حبان (٤٩٥٠) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الولاء لُحْمَة كلُحمة النسب، لا يباع، ولا يوهب".
يرث به المعتِق -بكسر التاء- وترث به عصبة المعتِق المتعصبون بأنفسهم، كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى.
١٦ - أشكل على كثير من العلماء إذن النبي ﷺ لعائشة بشراء بريرة، واشتراط الولاء لهم، وهو شرط باطل، وأحسن جواب عن ذلك: أنَّهم يعلمون فساد الشرط، وأقدموا عليه، فأراد ﷺ أن يعاملهم بنقيض قصدهم، فأمهلهم يمارسون هذا الشرط، ثم أعلن فساده، وعدم نفوذه، وغضب وزجرهم عن التلاعب بأحكام الله، إلاَّ أنَّه ﷺ جعل وعظه وزجره عامًّا ليكون؛ ردعًا لهم ولغيرهم، كما هي عادته في مثل هذه المواقف.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل الأصل في العقود والشروط الحظر إلاَّ ما ورد الشرع بإجازته، أو أنَّ الأصل فيها الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلاَّ ما دلَّ الشرع على تحريمه وبطلانه؟
قال شيخ الإسلام: إنَّ القول الأول هو قول الظاهرية، وكثير من أصول
стр. 2020
أبي حنيفة، وكثير من أصول الشافعي، وأصول الطائفة من أصحاب مالك وأحمد.
فأهل الظاهر لا يصححون عقدًا، ولا شرطًا إلاَّ ما ثبت جوازه بنصٍّ، أو إجماعٍ.
أما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنَّه لا يصح من العقود والشروط ما يخالف مقتضى العقد، وكذلك الشافعي يوافق أبا حنيفة على أنَّ كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل، لكنه يستثني مواضع لدليل خاص.
وكذلك طائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول، لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي.
وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، فيتوسعون في الشروط أكثر منهم لقولهم بالقياس، ولما يفهمونه من معاني النصوص، التي ينفردون بها عن أهل الظاهر.
وحجة هؤلاء:
١ - قوله ﷺ : "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" فكل شرط ليس في القرآن، ولا في السنة، ولم يُجْمِع عليه العلماء فهو مردود.
٢ - قياسهم جميع الشروط التي تنافي موجَب العقد على اشتراط الوَلاء؛ لأنَّ العامة فيه كونه مخالفًا لمقتضى العقد؛ لأنَّ العقود توجب متقضياتها بالشرع، فيعتبر تغييرًا لما أوجبه الشرع، بمنزلة تغيير العبادات، وهذه نكتة القاعدة، وهي أنَّ العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع.
أما دليل القول الثاني: فقد جاء في الكتاب والسنة الأمر بالوفاء بالعهود، والمواثيق، والشروط، والعقود، وأداء الأمانة، وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورًا به، عُلِم أنَّ الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للتصحيح
стр. 2021
إلاَّ ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده، ومقصوده العقد هو الوفاء به.
وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون على شروطهم" [قال الترمذي: حسن صحيح]، وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة.
فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبًا، ولا حرامًا، فما كان مباحًا بدون الشرط فالشرط يوجبه.
والقياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء المحدثين، أنَّ اشتراط الزيادة واشتراط النقص جائز، ما لم يمنع منه شيء.
قال شيخ الإسلام: وتصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، وسواء اشترط على البائع فعلاً أو تركًا في البيع، مما هو مقصود للبائع، أو المبيع نفسه، فيصح البيع والشرط.
وقال ابن القيم: الضابط الشرعي أنَّ كل شرط خالف حكم الله تعالى وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف فهو لازم، فإنَّ المسلمين على شروطهم إلاَّ شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرم حلالاً، وهو اختيار شيخنا ابن تيمية ﵀.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن صحة الشرط الجزائي ولزومه:
وملخص قرارهم ما يلي:
إنَّ الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر، يجب الأخذ به، ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالتزام الموجب له، يعتبر شرعًا، فيكون العذر مسقطًا لوجوبه حتى يزول، وإذا كان الشرط الجزائي كثيرًا عرفًا بحيث يراد به التهديد المالي، ويكون بعيدًا عن مقتضى القواعد الشرعية، فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف، على حسب ما فات من منفعة، أو لَحِق من مضرة، ويرجع تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي، عن طريق أهل النظر والخبرة؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا
стр. 2022
بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وبالله التوفيق.
* قرار مجمع الفقه الإسلامى بشأن موضوع الشرط الجزائي:
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادي الآخرة ١٤٢١ هـ، إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ (٢٣ - ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠).
بعد اطِّلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع "الشرط الجزائي"، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع، بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء.
قرَّر ما يلي:
أولاً: الشرط الجزائي في القانون: هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شُرِط له عن الضرر الذي يلحقه، إذا لم يُنَفِّذ الطرف الآخر ما التزم به، أو تأخر في تنفيذه.
ثانيًا: يؤكد المجلس قرارته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السَّلَم، رقم: (٨٥) (٢/ ٩)، ونصه: "لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلَّم فيه؛ لأنَّه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير" وقراره في الاستصناع رقم: (٦٥)، (٣/ ٧) ونصه: "يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًا بمقتضى ما اتَّفق عليه العاقدان، ما لم تكن هناك ظروف قاهرة" وقراره في البيع بالتقسيط رقم: (٥١) (٢/ ٦) ونصه: "إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط بعد الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه. أي زيادة على الدين، بشرط سابقٍ أو بدون شرط، لأنَّ ذلك ربًا محرم".
ثالثًا: يجوز أن يكون الشرط الجزائي مقترنًا بالعقد الأصلي، كما يجوز أن
стр. 2023
يكون في اتفاق لاحق قبل حدوث الضرر.
رابعًا: يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية، ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا، فإنَّ هذا من الربا الصريح.
وبناءً على هذا، فيجوز هذا الشرط مثلاً في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، وعقد التوريد بالنسبة للمورد، وعقد الاستصناع بالنسبة للصانع، إذا لم ينفذ ما التزم به، أو تأخر في تنفيذه.
ولا يجوز مثلاً في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية، سواء كان بسبب الإعسار، أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه.
خامسًا: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي، وما لَحِقَ المضرور من خسارة حقيقية، وما فاته من كسب مؤكد، ولا يشمل الضرر الأدبي، أو المعنوي.
سادسًا: لا يُعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شُرط عليه أنَّ إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته، أو أثبت أنَّ من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد.
سابعًا: يجوز للمحكمة بناءً على طلب أحد الطرفين أن تُعدِّل في مقدار التعويض، إذا وجدت مبررًا لذلك، أو كان مبالغًا فيه.
* توصيات:
يوصي المجمع بعقد ندوة متخصصة لبحث الشروط، والتدابير التي تقترح للمصارف الإسلامية، لضمان حصولها على الديون المستحقة لها.
والله أعلم
***
стр. 2024
٦٧٠ - وَعَن ابْن عُمَرَ -رَضِىَ اللهُ عنْهُمَا- قَالَ: "نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ، فقال: لا تُباعُ، وَلا تُوهَبُ، وَلا تُورثُ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإذَا مَاتَ فَهِيَ حُرّةٌ" رَوَاهُ مَالكٌ وَالبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
أثر موقوف صحيح.
رواه الدارقطني وقال: الصحيح وقفه على عمر، ومثله قال البيهقي وعبد الحق، وقال ابن دقيق العيد: المعروف فيه الوقف، وفي الباب آثار عن الصحابة.
وقال ابن عبد الهادي في المحرر: رواه مالك في الموطأ، وقال غلط فيه بعض الرواة فرفعه.
* مفردات الحديث:
- أمهات الأولاد: أم الولد: هي من كانت رقيقة فولدت من مالكها مولودًا حيًّا أو ميتًا، ولو لم يكن إلاَّ صورة خفية من إنسان، فإنها تعتق بموت سيدها.
- ما بدا له: بدا الأمر يبدو بُدُوًّا: ظهر، أي إلى متى شاء.
- ما: ظرفية مصدرية، وهي وما دخلت عليه في تأويل "مدة بدوه له".
...
стр. 2025
٦٧١ - وَعنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَنا أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ، وَالنَّبيُّ ﷺ حَيٌّ لاَ يرَى بذلِكَ بأْسًا" رواه النَّسَائيُّ وابنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
قال المؤلف: رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني، وصحَّحه ابن حبان، وقال في التلخيص: وأخرجه أحمد والشافعي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي والحاكم، ورواه الحاكم من حديث أبي سعيد، وإسناده ضعيف.
قال البيهقي: وليس في شيء من الطرق أنَّ النَّبيَّ ﷺ اطَّلع على بيع أمهات الأولاد، وأقرَّهم عليه.
وتعقَّبه ابن حجر بأنَّه روى ابن أبي شيبة عن جابر ما يدل على ذلك.
وقال ابن عبد الهادي: إسناده على شرط مسلم.
وصحح الحديث الألباني في إرواء الغليل بمجموع طرقه، وأيضًا لا يشترط لإقرار الحكم اطلاعه ﷺ ، فإنَّ الله مطَّلع عليه، ولا يقر نبيه على خلاف ما شرعه.
* مفردات الحديث:
- سرارينا: مفردها سُرِّية، بضم السين وكسر الراء وتشديدها ثم ياء مفتوحة آخرها تاء التانيث، هي الجارية المملوكة.
- بأسًا: "لا يرى بذلك بأسًا" أي إثمًا وحرجًا، قال في المحيط: قيل المعنى: لايؤجر عليه، ولا يؤثم به".
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - يدل أثر عمر ﵁ على تحريم بيع أمهات الأولاد، وتحريم نقل
стр. 2026
الملك فيهن بأي طريقة ووسيلة، سواء كان بيعًا، أو هبة، أو إرثًا، وإنما تبقى أم ولد، تأخذ من أحكام الأحرار عدم جواز التصرف فيها بما ينقل الملك، أو يسببه، وتأخذ من أحكام الرقيق جواز الخدمة، والاستمتاع.
٢ - أنَّها بعد موت سيدها تكون حرَّة تامة الحرية، تملك جميع تصرفاتها، فبدأ عتقها بولادتها من سيدها، وبعد موته كمل عتقها.
٣ - أما حديث جابر فيدل على جواز بيع أمهات الأولاد، وأنَّ النَّبي ﷺ يعلم ذلك ويقرهم عليه.
٤ - جمهور العلماء أخذوا بما نهى عنه عمر، واعتبروه إجماعًا من الصحابة، وأيدوه بما رواه أحمد وابن ماجه والحاكم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دُبُره".
٥ - أجابوا عن حديث جابر بأنَّه مجرد إقرار على فعلٍ، وقته لا يعرف بالتحديد، وتتطرق إليه احتمالات كثيرة.
٦ - قال فقهاؤنا: إذا أولد حرٌّ أمته ولدًا حيًّا أو ميتًا، قد تبيَّن فيه خلق الإنسان صارت أم ولدٍ له، تعتق بموته من كل ماله، ولو لم يملك غيرها، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة؛ لحديث ابن عبَّاس يرفعه: "من وطيء أمته فولدت فهي معتقة عن دبر منه" [رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني].
وذكرت أم إبراهيم عند النَّبي ﷺ فقال: "أعتقها ولدها".
وهو قول أصحاب النبي ﷺ ومذهب جماهير العلماء.
٧ - قال ابن رشد: الثابت عن عمر أنَّه قضى بأنَّ أم الولد لا تباع، وأنَّها حرَّة من رأس مال سيدها إذا مات، وهو قول أكثر التابعين، وجمهور فقهاء الأمصار، وحكى ابن عبد البر والإسفراييني والباجي والبغوي وغيرهم الإجماع على أنَّه لا يجوز بيعها، ولا نقل الملك فيها.
***
стр. 2027
٦٧٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عن بيْع فَضْلِ المَاءِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: "وَعنْ بيْع ضِرَابِ الجَمَلِ" (١).
٦٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٢)
ــ
* مفردات الحديثين:
- فضْل الماء: هو الماء الزائد عن حاجة الإنسان.
- ضِراب الجمل: بكسر الضاد المعجمة، وهو ماء الفعل الذي يقذفه في رحم أنثاه، والمنهي عنه أخذ الأجر عليه.
- عَسب: بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة وآخره باء موحدة، المراد بالضراب والعسب هو ماء الفحل، الذي يقذفه في رحم أنثاه، وقيل: عسب الفعل الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفعل، وهذا المعنى أعدل، لأنَّ نفس الضراب غير منهي عنه.
قال أبو عبيد: العسب في الحديث الكراء، ويدل على صحة ما قاله أبو عبيد رواية الشافعي: "نهى عن ثمن بيع عسب الفحل".
قال في القاموس: ومورد النَّهي في الحديث الأجرة التي تؤخذ على ضِراب الفعل.
- الفَحل: هو الذكر من كل حيوان، جملاً كان، أو خروفًا، أو تيسًا، أو فرسًا، أو غير ذلك.
стр. 2028
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديث رقم (٦٧٢) دليل على تحريم بيع فضل الماء، وأنَّ الواجب بذل الزائد منه لمحتاجه.
٢ - الماء الواجب بذل زائده هو ما كان نقع بئرٍ، أو نبع عينٍ، أو نهرًا جارٍ، أو مشربًا من وادٍ، ولو كان ذلك في أرض مملوكة، ما دام الماء زائدًا عن حاجة صاحب الأرض، وليس عليه ضرر كبير من دخول المُسْتَقِين أَرْضَه.
قال في الشرح الكبير: أما الأنهار النابعة في غير ملك، فلا تملك بحال، وأما ما ينبع في ملكه كالبئر، فنفس البئر مملوكة لمالك الأرض، والماء غير مملوك في ظاهر المذهب، والوجه الثاني: يملك، والخلاف إنما هو قبل حيازته، أما بعدها فلا ريب أنَّه يملكه حائزه.
٣ - أما المياه المحوزة بالقِرَب والأواني والخزانات والبِرك فهي مياه مملوكة، لا يحل أخذها إلاَّ بإذن صاحبها، ولا يجب على صاحبه بذله إلاَّ لمضطرٍّ.
٤ - قال في الإقناع وشرحه: وإذا حفر بئرًا بأرض مَوَات لنفع المجتازين، فالناس مشتركون في مائها، والحافر لها كأحدهم في السقي والزرع والشرب؛ لأنَّه لم يخُصَّ بها نفسه، ولا غيره.
وإن حفرها ليرتفق هو بمائها لم يملكها، لأنَّه عازم بانتقاله عنها، وتركها لمن ينزل منزله، بخلاف الحافر للتملك فهو أحق بمائها ما قام فيها؛ لسبقه، وعليه بذل الفاضل من الماء، وبعد رحيله تكون لسابلة المسلمين، فإن عاد الحاضر إليها كان أحق بها من غيره.
٥ - يدل الحديمث رقم (٦٧٣) على النَّهي عن بيع ضراب الفعل، ووجوب بذله مجانًا، ذلك أنَّ في أخذ الأجرة على هذه النطفة دناءة، وضعة نفس، فهو من الأمور التي ينبغي أن يجري فيها الإحسان، والتَّعاون بين الناس، وهذا مذهب جمهور العلماء.
стр. 2029
٦٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عنْ بيعِ حَبل الحَبلَةِ -وَكَانَ بَيْعًا يَبْتَاعُهُ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ- كَانَ الرَّجلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إِلَى أنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- حبل: بفتحتين، قال النووي: وإسكان الباء غلط، وهو مصدر أريد به الجنين الموجود في بطن أمه حين العقد، قال في المصباح: قال بعضهم الحبل مختص بالآدميات دون البهائم والشجر، فيقال فيه: "حمل" بالميم.
- الحَبلَة: بفتحتين، والمراد حمل الحمل أي إنتاج الجنين، فهو ولد الولد الذي في بطن الناقة، وأدخلت عليه الهاء للمبالغة.
- الجاهلية: يطلق هذا الاسم على الزمن الذي قبل الإسلام، وأصله مشتق من الجهل، لغلبته عليهم، أي الطيش وسرعة الغضب، والانفعال، والعدوان.
- الجَزُور: بفتح الجيم المعجمة، هو البعير ذكرًا كان أو أنثى، وجمعه جزر وجزائر.
- تُنتج الناقة: بضم التاء المثناة الفوقية وسكون النون، هذا الفعل على صيغة المبني للمجهول دائمًا، ومعناه إلى أن تلد، والناقة هي الأنثى من الإبل.
- تنتج التي في بطنها: فالمراد به النَّهي عن بيع النتائج، أي بيع أولاد أولادها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النَّهي عن بيع حبل الحبلة، فسَّره هنا بأن يبيع الرجل الجَزور بثمن مؤجل
стр. 2030
يحل عند حصول نتاج النتاج.
٢ - خصت هلذه الصورة من البيع؛ لأنَّها كانت بيعًا يبيع به أهل الجاهلية، فيجعلون أجل حل الدين بهذا التحديد.
٣ - أما تحريمه فقد جاء من أنَّه من بيوع الغررة لجهالة الأجل، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال ﷺ : "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، إلى أجل معلوم" [رواه البخاري].
ولأنَّ جهالة الأجل تفضي إلى الخصام والنزاع، والإسلام جاء بالمحبة والمودة والوئام.
٤ - فسَّر بعضهم بيع حبل الحبلة بأنَّه بيع نتاج النتاج.
وعلة التحريم هنا أعظم من الأولى، ففي هذا جهالة المبيع، فلا يعلم قدره ونوعه، وفيه جهالة الأجل؛ لأنَّه أجل غير محدد بزمن قد يطول وقد يقصر، وقد يتخلف فلا يوجد أصلاً.
٥ - النَّهي على كلا التفسيرين للتحريم، ويفيد فساد العقد المنهي عنه.
***
стр. 2031
٦٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ "نَهَى عَنْ بيْع الوَلاَءِ، وَعَنْ هِبتَهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الوَلاء: بفتح الواو ممدودًا، هو لغةً: السلطة والنصرة، والمراد به هنا ولاء العتاقة، الذي سببه نعمة المعتِق على من أعتقه بالعتق، فهو لُحْمَة كلُحمة النسب، لا يباع ولا يورث، وإنما يورث بسببه، واللُّحمة بالضم القرابة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتِق على عتيقه بالإعتاق، لأنَّ العبد كان في حال الرقّ كالمعدوم، فلا يملك ولا يتصرف، فلما أعتقه سيده صيَّره موجودًا كامل الوجود، كما أنَّ الولد كان معدومًا، والأب تسبب في وجوده، فكان للسيد فضل الإعتاق.
٢ - يرث به المعتق -بكسر التاء- ذكرًا كان أو أنثى، كما يرث به عصبته المتعصبون بأنفسهم، إذا لم يوجد للعتيق قرابة وارثة من النسب.
٣ - جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وابن حبان أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الولاءُ لُحْمَة كلُحمة النسب، لا يباع ولا يوهب".
فهو كالنسب لا يزول بالإزالة، ومن هذا فلا يتصور بيعه، ولا نقل الملك فيه بأي طريق، إذ لا يمكن ذلك، لأنَّه كالنسب الذي جاء فيه حديث: "لعن الله من انتسب إلى غير أبيه".
٤ - النَّهي في الحديث يفيد التحريم، ويقتضي فساد العقد المنهي عنه، فلا
стр. 2032
يصح، ولا ينفذ لو فعل.
٥ - النَّهي والتحريم ليس خاصًّا في صورتي البيع والهبة، وإنَّما هو محرَّم وفاسد بكل صورة من صور نقل الحق فيه.
***
стр. 2033
٦٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَن بيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بيْع الغَرَرِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- بيع الحَصاة: بفتح الحاء، واحد الحصى، من باب إضافة المصدر إلى نوعه، وليس من إضافة المصدر إلى مفعوله، وصفة بيع الحصاة: هو أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة، فأيَّ ثوب تقع عليه فعليك بكذا، أو أن يبيعه من أرضه ما انتهى إليه رمي الحصاة.
- الغرر: بفتحتين، من إضافة المصدر إلى نوعه، من غرَّ يغِر بالكسر، هو الخطر. قال ابن عرفة: بيع الغرر ما كان ظاهره يغرر، وباطنه مجهول، فهو مجهول العاقبة، وقد يكون جهل عاقبته إما لعدمه كبيع حبل الحبلة، وإما للعجز عنه كالجمل الشارد، أو المجهول المطلق، أو المعين المجهول قدره، أو جنسه، أو صفته، فالغرر يجمع وجوهًا كثيرة من المخاطر، وأصل الغرر النقصان، من قول العرب: غارت الناقة: إذا نقص لبنها، وغارت البئر: إذا قلَّ ماؤها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النَّهي عن بيع الحصاة، مما يقتضي تحريمه وعدم صحته.
٢ - للعرب في الجاهلية أنواع من صور البيع يتخذونها في أسواقهم، وأكثرها مما يغبن فيه البائع أو المشتري، ولذا حرمها الإسلام، فمنها بيع الحصاة، وله صور منها:
стр. 2034
- أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوبٍ وقعت فهو لك بكذا.
أن يقول البائع: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو مباع منك بكذا، فيجعل الرمي بالحصاة نفسه بيعًا.
- أن يعترض القطيع من الغنم -مثلاً- فيأخذ حصاة، ويقول: أي شاة أصابتها فهي لك بكذا.
- أن يقول: بعتك على أنَّك بالخيار إلى أن أرمى بهذه الحصاة، فإذا نبذتها وجب البيع.
- أو أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة.
وهكذا من الصور المتعددة، وكلها بيوعات جاهلية، فيها غررٌ، ومخاطرةٌ، وجهالةٌ، لذا جاء الإسلام بتحريمها.
٣ - الحديث يفيد النَّهي عن بيع الغرر، والنَّهي يقتضي التحريم، كما يقتضي فساد العقد.
٤ - الغرر: هو ما لا تعلم عاقبته من الخطر، مما طوي عنك علمه، وخفِي عليك أمره.
٥ - قد جاء النَّهي عن الغرر في أحاديث كثيرة.
٦ - قال النووي: النَّهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع العبد الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لا يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع ثوب من الأثواب، وشاة من الشياه، ونظائر ذلك، وكل ذلك باطلٌ؛ لأنَّه غرر كبير من غير حاجة.
٧ - قال شيخ الإسلام: وأما الغرر: فالأصل في ذلك أنَّ الله حرَّم في كتابه أكل
стр. 2035
أموال الناس بالباطل، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل، والنبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، والغرر هو المجهول العاقبة، فمن أنواعه:
- بيع حَبَل الحَبَلَة.
- بيع الملاقيح.
- بيع المضامين.
- بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها.
- بيع الملامسة والمنابذة، ونحو ذلك من أنواعه وصوره.
والغرر ثلاثة أنواع:
- بيع المعدوم كحَبَل الحَبَلَة.
- بيع المعجوز عن تسليمه كالجمل الشارد.
- بيع المجهول المطلق، أو المجهول الجنس، أو المجهول القدر.
قال النووي: واعلم أنَّ بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، هي داخلة في النَّهي عن بيع الغرر، وللكن أفردت بالذكر ونهي عنها؛ لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ثبت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين تحريم الميسر، وهو نوعان:
الأول: المغالبات والرهان، فهذا كله حرام، لم يبح منه الشارع إلاَّ ما كان معينًا على طاعته، والجهاد في سبيله، بأخذ العوض على مسابقة الخيل، والركاب، والسهام.
الثاني: الميسر في المعاملات، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، وهذا شامل للبيع بأنواعه، والإجارات، فالشيء الذي يشك في حصوله، أو تجهل حاله، وصفاته المقصودة داخل في الغررة لأنَّ أحد العاقدين إما أن يغنم،