← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

الرجوع في ذلك؛ عملًا بالحديث رقم (٨٠٢)، ولأنَّ هذا ليس فيه دناءة، فمال الأب والابن واحد، فكأنه نقل ماله من مكان إلى مكان آخر. ٥ - قال الفقهاء يشترط لصحة رجوع الأب فيما وهبه لولده أربعة شروط: - أن يكون ما وهبه عينًا باقية في ملك الولد. - أن تكون باقية في تصرفه ببيع، أو رهن لم ينفك، أو غير ذلك. - أن لا تزيد عند الولد زيادة متصلة كسِمَن وحمل، فإنَّ الزيادة للموهوب له، فيمتنع الرجوع فيها حينئذٍ، كما يمتنع الرجوع في الأصل. - أن لا يكون الأب قد أسقط حقه من الرجوع، أو أفلس الابن، وحجر عليه، فلا رجوع، قال الحارثي: هو الصواب بلا خلاف، وصرَّح به الموفق. ***

стр. 2487

٨٠٣ - وَعنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبلُ الهَدِيَّهَ، وَيُثِيِبُ عَلَيْهَا" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ٨٠٤ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضِيْتَ؟ قَالَ: لاَ، فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيْتَ؟ قَالَ: لاَ، فزَادَهُ فَقَالَ: رَضِيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٢). ــ * درجة الحديث (٨٠٤): الحديث صحيح. قال في التلخيص: رواه أحمد وابن حبان من حديث ابن عباس، ورواه الحاكم وصححه، وقال: على شرط مسلم، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الألباني في إرواء الغليل. * مفردات الحديث (٨٠٤): - يُثيِبُ عليها: يقال: أثاب الرجل مثوبة: أعطاه إيَّاه. قال في المحيط: والثواب مطلق الجزاء على أعمال خيرًا أو شرًّا وأكثر استعماله في ثواب الأخرة، فالمراد في الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ يكافىء على الهدية صاحبها بمثلها أو بأحسن منها.

стр. 2488

* ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الهبة نوعان: أحدهما: هبة مطلقة لا تقتضي عوضًا؛ لأنَّها عطيَّة على وجه التبرع، يقصد بها التودد، سواء كانت لمن دونه، أو أعلى منه، أو مثله، وهي الأصل. الثاني: هبة يقصد بها ثواب الدنيا، فهذه حكمها حكم البيع، والغالب أنَّ المهدي يقصد بها أن يُعطى أكثر مما أهدى، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر] أي لا تعط شيئًا؛ لتأخذ أكثر منه. ٢ - النبي ﷺ يثيب على الهدية بأكثر منها وأفضل، فقد روى ابن أبي شيبة عن عائشة: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يثيب عليها ما هو خير منها"، لما جُبِل عليه ﷺ من مكارم الأخلاق وحسن المكافأة. ٣ - وفيه مشروعية قبول الهدية؛ لأنَّ في قبولها إرضاء للمهدي، وإفهامه بوجود المحبة والصلة، وفي ردها عليه كسر قلبه، وإضعاف نفسه، ويحمل الرد على محامل كثيرةٍ، وظنونٍ بعيدةٍ. ٤ - مشروعية الإثابة عليها بما يناسب الحال والمقام، فقد قال ﷺ : "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه". ٥ - وفيه أنَّ المهدي إذا قصد بهديته الثواب والعوض، فالأفضل أن يُعطى حتى يرضى؛ لأنَّه لم يقدم هديته إلاَّ رجاءً لأفضل منها، والغالب أنَّ المهدي فقير وصاحب حاجة، وأنَّ المهدى إليه في سعة وفي غنًى. ٦ - تمام الحديث: "لقد هممت أن لا أقبل إلاَّ من قرشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثقفيٍّ" وهو يشير بهذا إلى أهل المدن والحاضرة، فهم أطيب نفوسًا من البادية المصابين بداء الطمع، ففيه دليلٌ على استحباب القناعة، وأنَّ المهدي إذا أُعطي مقابل هديته أىَّ شيء عليه أن يقنع بذلك، ولا يجعل الهدية طريقًا إلى ابتزار أموال الناس.

стр. 2489

٨٠٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "العُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ" مُتَّفَقٌ عَليْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: "أَمْسِكُوا عَلَيْكُم أَمْوَالَكُمْ، وَلاَ تُفْسِدوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَميِّتًا، وَلِعَقبِهِ". وفَي لَفْظٍ: "إِنَّمَا العُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقُولَ: هيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا". ولأَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: "لاَ تُرْقِبُوا، وَلاَ تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ" (١). ــ * درجة الحديث: رواية أبي داود والنسائي: قال عنها ابن عبد الهادي في المحرر: رواته ثقات، وقال ابن دقيق العيد: صحيح على شرط الشيخين. * مفردات الحديث: - العُمْرَى: بضم العين، وسكون الميم على الأشهر، وحكي بضم الميم، مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون، مقصورة، مأخوذة من العمر. - الرُّقْبى: بزنة العمرى، مأخوذة من المراقبة؛ لأنَّ كل واحد منهما يرقب موت الآخر؛ لترجع إليه.

стр. 2490

- حيًّا وميتًا: أي في حال حياته، وبعد مماته تكون إرثًا لمن خلفه، ولا ترجع إلى الأول أبدًا. - عقبه: بفتح العين، وكسر القاف، هو الولد وولد الولد ما تناسلوا، وله معانٍ أخرى. - أجازها: يقال: أجاز العطية يجيزها إجازة، والمعنى: نفذها، وجعلها جائزة. - ما عشت: "ما" مصدرية ظرفية يقال: عاش يعيش عيشًا: صار ذا حياةٍ، فهو عائش. والمعنى: مدة عيشك في هذه الحياة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العمرى ثلاثة أنواع: - أن تؤبد كقوله: هي لك، ولعقبك من بعدك. - أن تطلق كقوله: هي لك عمرك أو عمري. - أن يشترط الواهب الرجوع فيها بعد موت أحدهما. فهل يصح الشرط، أو يلغى، وتكون مؤبدة؟ أما النوعان الأولان: فمذهب جمهور العلماء على صحة الهبة، وتأبيدها للموهوب له، ولورثته من بعده. أما النوع الثالث: فذهب إلى صحة شرط الرجوع جماعة من العلماء، منهم الزهري، ومالك، وأبو ثور، وداود، وهو رواية عن أحمد، اختارها الشيخ تقي الدين، وغيره من الأصحاب، لحديث "المسلمون على شروطهم". والمشهور من مذهب الإمام أحمد إلغاء الشرط، ولزوم الهبة، وتأبيدها، قال الشيخ عبد الله بن محمَّد: وأما العمرى والرقبى ففيهما خلاف مشهور، والأحاديث فيهما متعارضة، والذي نختاره أنَّه إذا شرط الرجوع فيها رجعت إلى مالكها.

стр. 2491

٨٠٦ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ انَّهُ بَائِعُهُ برُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ, فَقَالَ: لاَ تَبتْعْهُ, وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ الحَدِيثَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - حمَلْتُ عَلى فرس: أي جعلت فرسًا حمولة لمن لم يكن له حمولة من المجاهدين، وملكته إيَّاه، ولذا ساغ بيعه. - في سبيل الله: المراد به جهة الغزاة، والجهاد. - فأضاعه صاحبُهُ: أساء سياسته بإهماله، ترك علفه، وخدمته حتى هزل، فصار كالشيء الهالك. - لا تبتعه: لا تشتره. - وإن أعطاكه بدرهم: متعلق بـ"لا تبتعه" مبالغة في رُخصه، وكان رخصه هو الحامل على الشراء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وهب عمر ﵁ رجلًا من المجاهدين فرسًا؛ ليجاهد عليه، فأهمل الرجل الفرس، وأضاعه حتى هزل، فأراد أن يشتريه منه؛ لأنَّه بهذه الصفة سيكون رخيص الثمن، فسأل النبي ﷺ عن حكم ذلك، فقال: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد. ٢ - ففي الحديث أنَّه لا ينبغي للواهب والمتصدق أن تتعلَّق نفسه بما وهب

стр. 2492

وأعطى، أو تصدق به، فهو من الترفع والتنزه المحمود. ٣ - وفيه أنَّ صاحب الخُلق الكريم، وصاحب الإخلاص في العمل لا ينتظر من الموهوب له، أو المحسَن إليه أي مكافأة على إحسانه، ولا ردّ معروف، وإنما يجعل فعله خالصًا لله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان]. ٤ - ظاهر النَّهي التحريم في شراء الصدقة، وإليه ذهب بعض العلماء، والجمهور حملوه على الكراهة والتنزيه. أما الرجوع في الهبة أو الصدقة، فإنَّه محرَّم، كما تقدم في الحديثين السابقين. ٥ - أما هبة الثواب فتقدم أنَّها نوع من البيع، وبهذا فإن الواهب إذا لم يرض بالعوض الذي يكافئه به الموهوب له، فإنَّ له الرجوع بهبته. ٦ - الإسلام في أحكامه وآدابه يريد أن يرفع من نفوس وأخلاق متبعية، حتى يصل بهم إلى قمة الفضائل، ويسمو بهم في أجواء عالية كريمة، من الخلق الرفيع، والمستوى العالي الحميد. ***

стр. 2493

٨٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَهَادَوْا تَحَابُّوا" رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي الأدَبِ المُفرَدِ، وَأَبُو يَعْلَى بِإسْنَادٍ حَسَنٍ (١). ــ * درجة الحديث: إسناده حسن. رواه البخاري في الأدب المفرد، ورواه أبو يعلى بإسنادٍ حسن. وله شاهدٌ من حديث أنس، عند ابن منده، وفيه بكر بن بكار، وهو ضعيف، ولكن قال ابن القطان: ليست أحاديثه بالمنكرة. وقال الحافظ في التلخيص: حديث حسن. وللحديث شواهد: عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعائشة. * مفردات الحديث: - تهادوا: فعل أمر جاء من باب المفاعلة التي هي في الأصل المشاركة بين اثنين. الهدية: ما قصد بها المودة والمحبة. قال في المصباح: أهديت الرجل كذا "بالألف"، بعثت به إليه إكرامًا، فهو هدية بالتثقيل لا غير. قال الفقهاء: الهدية ما قصد بها إكرامًا وتوددًا. ...

стр. 2494

٨٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَهَادَوْا، فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ" رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف؛ لأنَّ في سنده بكر بن بكار، وهو ضعيف، على أنَّ أحاديثه ليست منكرة، كما ضعَّفه في مجمع الزوائد برواية عائذ بن شريح. وللحديث شواهد كلها ضعيفة. * مفردات الحديث: - الهدية: بتشديد الياء من أهدى هدية، ولا يأتي الفعل إلاّ متعديًا بالهمزة، وهي العطية يقصد بها الإكرام والمودة. - تسل: سلَّ الشيء يسله سلاًّ، من باب قتل، بمعنى نزعه وأخرجه برفق وخفية، قال في النهاية: سل البعيرَ وغيره في جوف الليل إذا انتزعه من بين الإبل، فمعناه -هنا- إزالة الحقد بطرقٍ خفيَّةٍ رقيقة. - السَّخيمة: اسم مصدر جمعها سخائم، والأصل في السُّخْمَة أنَّها السواد، والمراد هنا الحقد والضغينة، ولعلَّ هناك علاقة بين السواد الحسي، وبين ما تسببه هذه المعاني القلبية من أثر يكون في الوجوه. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديث رقم (٨٥٧) يدل على أنَّ الهبة وثيقة في جلب المودة والمحبة بين الناس، ذلك أنَّ النفوس مجبولةٌ على حب من أحسن إليها. ٢ - لذا فإنَّ الهدية مشروعة لما تجلبه من الخير والألفة، فإنَّ دين الإِسلام هو

стр. 2495

دين الألفة والمحبة قال تعالى ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ٣ - ينبغي للمهدي أن ينظر إلى حال المهدى إليه؛ لتقع الهدية موقعها، فالفقير له هدية يقصد بها نفعه، وإعانته على مؤنته ونفقاته. والغني له هديةٌ تناسب حاله من التحف اللطيفة، كالطيب، ونحوه، فكلٌّ يقدَّم إليه ما يناسبه ويناسب مقامه. ٤ - أما الحديث رقم (٨٠٨) فهو يدل على أنَّ الهدية تُذْهب الحقد والعداوة بين المتعادين، وتجلب السرور والمودة في نفس المهدي إليه، فصار من فوائدها: جلب المودة ورفع العداوة، وكفى بهذا فائدة، فإنَّ هذا هو هدف الإِسلام في نهجه إلى جلب الخير ومنع الشر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. ٥ - ومحاولة سل السخائم والعداوات بين الناس لاسيَّما بين الأصدقاء والأقرباء هذا خلق سام كريم، وهو صعب على النفوس، لا يوفق له إلاَّ أصحاب النفوس العالية، والقلوب الكريمة الطيبة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]، والله الموفق. ***

стр. 2496

٨٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "يَانِسَاءَ المُسْلمَاتِ! لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتهَا، وَلَوْ فِرْسَنَ شَاةٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - لا تحقرنَّ: لا تقَالّ الشيء وتستصغره. - فِرْسَن: بكسر الفاء الموحدة، وسكون الراء المهملة، ثم سين مهملة، آخره نون، الفرسن من البعير كالحافر من الفرس والقدم للإنسان، وربما يستعار للشاة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث الترغيب في فعل الخير، والحث عليه، وأنَّ هذا من خلُق المسلمين، والمسلمات، فهم الذين ينبغي أن يتَّصفوا بهذه الصفة الكريمة. ٢ - وفي الحديث فضل الهدية لما تُحْدِثه في نفوس المتهادين من سل السخائم والعداوات، وجلب المودة والمحبة. ٣ - وفيه أنَّ المهدي لا يستحقر تقديم الهدية، وإن كانت قليلة حقيرة، فالمدار على معناها، والمقصود منها أثرها المعنوي لا ذاتها ونفعها المادي فقط، لأنَّها مهما قلَّت وضؤُلت فإنَّها تشعر بالمودة والإخاء. ٤ - وفيه دليل على أنَّ المعروف والعمل الصالح إذا قصد به وجه الله تعالى، وقصد منه معانيه الكريمة، فإن أثره عند الله عظيم. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة].

стр. 2497

٥ - وإذا كانت صدقةً على فقير، فإنَّها تنفع الفقير، وإن قلَّت، وتزيد حسنات المحسِن بحسب ما يصحبها من نية صالحة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. وجاء في الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرة". ٦ - وفيه بيان حق الجار وما ينبغي له من البر والإحسان, فإنَّ له حق الجوار، فإن كان مسلمًا فله -أيضًا- حق الإِسلام، وإنْ كان قريبًا فله -أيضًا- فله أيضًا حق القرابة، فللأول حقٌّ واحدٌ، وللثاني حقان، وللثالث ثلاثة حقوق. قال تعالى: ﴿ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثِر ماءَها وتعاهد جيرانك". ٧ - وفي الحديث جواز المبالغة في الكلام إذا ناسب مقتضى الحال، فإن القصد هنا هو التهييج على البر والإحسان إلى الجار، وأنَّ المهدي لا يحتقر شيئًا يقدمه، ولو قليلاً. ٨ - جواز تصرف المرأة في بيت زوجها بالأشياء اليسيرة التي جرت العادة بإعطائها، كالرغيف، وقليل الطعام والشراب، ونحو ذلك، إلاَّ أن يمنعها من ذلك، أو تعلم منه الشح فلا يجوز إلاَّ بإذنه. ***

стр. 2498

٨١٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا" رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، والمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: قَولُهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح موقوف على عمر ﵁. قال ابن حجر في التلخيص: رُوِيَ عن عمر ﵁، وروي مرفوعًا، وهو وهم، وصححه الحاكم، وابن حزم. وروى الموقوف: مالك في الموطأ (٢/ ٧٥٤)، بسند صحيح: "من وهب هبة لصلة الرحم، أو على وجه الصدقة، فإنَّه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يُرضَ منها". * مفردات الحديث: - من وهب هبة: وهب يهب هبةَ، ووَهبًا بفتح فسكون، إعطاءٌ بلا عوض، وأصل الهبة معلولة الفاء، فلما حذفت الواو تبعًا لفعله عُوِّض عنها الهاء فقيل: هبة. واصطلاحًا: تمليك المال بلا عوض. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدَّم أنَّ الهبة نوعان: الأوَّل: هبة لمحض الثواب الأخروي مع قصد الواد والتآلف، كما جاء في الحديث: "تهادوا تحابوا" وهذا هو الأصل في الهبة، وهذه تلزم بالقبض، فلا يجوز الرجوع فيها.

стр. 2499

الثاني: هدية يقصد بها مهديها ثواب الدنيا، والمكافأة عليها، وصاحبها هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر]، يعني لا تعط العطية تطلب بإعطائها أكثر منها عوضًا. ٢ - إذا فعل الإنسان هذا بأن وهب الهبة، لأجل أن يُثاب عليها من المهدي إليه، فإنَّ هذه حكمها حكم البيع، فإن أُعطي عنها ما يرضيه، وإلاَّ فله الرجوع فيها، بخلاف الهبة المطلقة الأولى، فليس له الرجوع فيها، كما تقدم. ٣ - الهبة في هذا الحديث من النوع الذي أباح الشارع لصاحبها أن يستردها، إذا لم يُثَب عليها، فهي من النوع الثاني، هبة الثواب الدنيوي والله أعلم. ***

стр. 2500

باب اللقطة مقدمة اللُّقَطة: فيها لغاتٌ، أشهرها: أنَّها بضم الَّلام، وفتح القاف، أو سكونها. وقال الخليل: قافها ساكنة، وأما بفتحها فهو اللاقط، كثير الالتقاط كضحكة؛ لكثير الضحك، وهذا هو القياس، إلاَّ أنه أجمع أهل اللغة والحديث على فتح القاف، حتى قيل؛ لا يجوز غيره. وشرعًا: هي مال، أو مختص ضلَّ عنه ربُّه، وَتَتْبَعُه همة أوساط الناس. حُكْمها: الأفضل لمن أَمِن نفسَه عليها، وقوي على تعريفها، والبحث عن صاحبها هو أخذها، ففي هذا حفظ مال الغير عن الضياع، أو تعرضه لأخذ من لا يقوم بواجب حفظه، والبحث عن صاحبه، وأما من عرف من نفسه التدني إلى الخيانة والعجز عن تعريفها، والبحث عن صاحبها، فهذا يحرم بحقه أخذها؛ لأنَّه يعرض نفسه للحرام ويَحْرِم صاحبها من العثور عليها. فالالتقاط أشبه شيء بالولايات، فمن قام بها وأدَّى حقَّ الله فيها، أُثيب على ذلك، ومن لم يقم بواجب العمل، أثِم وَعرَّض نفسه للخطر. * أقسام اللقطة: تنقسم إلى أربعة أقسام:

стр. 2501

الأول: ما لا تتبعها همة أوساط الناس كالسوط والرغيف، والنقد اليسير، فهذا يُملك بلا تعريف، وإن وَجد صاحبَه قبل إنفاقه، واستهلاكه، أعطاه إيَّاه. الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع كالإبل، والظباء، والطيور، فهو محصن، وممتنع، إما بقوته كالإبل، وإما بعدْوه كالغزال، وإما بطيرانه، فهذا يحرم التقاطه. الثالث: لقطة الحرم، فهذه يحرم التقاطها إلاَّ لمن يريد تعريفها أبد الدهر، لحديث: "وَلا تحل ساقطتها إلاَّ لمنشد". وهذا مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وأما مذهب الثلاثة فإنَّها كغيرها. الرابع: ما عدا ما تقدم من الأموال الضائعة عن أهلها من حيوان، وأثمان، ومتاع، فهذه يحل التقاطها، ويعرَّف عليها, ولها أحكام اللقطة الآتية، إن شاء الله تعالى. ***

стр. 2502

٨١١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَال: لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكلْتُهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث الدلالة على أنَّ قليل المال الساقط يملك بمجرد وجوده والتقاطه، ولا يجب تعريفه إن لم يُعْلم صاحبه، فإن عُلِم صاحبه وهو باقٍ رده إليه، وإن لم يكن باقيًا، فلا يلزم رد بدله. ٢ - وفيه تواضع النبي ﷺ ، فهو مع جلالة قدره، وعلو مقامه، لا يترفع عن أن يجد قليلاً حقيرًا فيأخذه ويأكله؛ لأنَّه من نِعم الله تعالى. ٣ - الزكاة محرَّمة على النبي ﷺ ، وعلى آله من بني هاشم، كما جاء في صحيح مسلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الصدقة لا تنبغي لآل محمَّد، إنما هي أوساخ الناس". ٤ - وفيه ورع النبي ﷺ فالتمرة مباحة له ﷺ ؛ لأنَّها من حيث الملك لقطة يسيرة، ومن حيث الصدقة لم تتحقق، ولكن ورعه كفَّه عمَّا فيه شبهة، وإن قلَّت. قال بعضهم: الورع مجتمع في قوله ﷺ : "منْ حُسْنِ إِسلام المرء تركه ما لا يعْنِيهِ" فالحديث يعم الكلام، والنظر، والاجتماع، والبطش، والمشي، وسائر الحركات الباطنة والظاهرة، فهذه الحكمة النبوية الشافية في الورع كافية. قال الإِمام الخطابي: كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه.

стр. 2503

وحديث: "دع ما يريبُك إلى مَا لاَ يَرِيبُك" معناه أنَّك إذا شككت في شيء فدعه. وقال شيخ الإِسلام: الورع ترك ما يُخاف ضرره في الآخرة. ٥ - وفيه أنَّ الورع لا يكون إلاَّ مع خوفٍ ووجود شبهة، أما الورع من دون ذلك فلا يسمى ورعًا، وإنما هو وسواس. قال في الإحياء: ورع الصالحين هو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم، بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن له موقع فهو ورع الموسوسين. ***

стр. 2504

٨١٢ - وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكاءَهَا، ثُمَّ عرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَشَأنُكَ بِهَا. قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ أوْ لأَخِيكَ أَوْ للذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبل؟ قَالَ: مَالَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤهَا وَحِذَاؤهَا، تَرِدُ المَاءَ، وَتأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - اعْرِف: بكسر الهمزة من المعرفة. - عِفَاصَهَا: بكسر العين، ففاء، ثم ألف، فصاد مهملة، هو وعاؤها، وفي رواية خِرْقتهَا، وَقال بعضهم: العِفَاص من جلد، يلبس رأس القارورة، وأما الذي يدخل في فيها، فهو الصمام. - وَوِكاءَهَا: بكسر الواو، ممدودًا، أصله من أوكيت إذا شددت، وفي الحديث: "لا توكي، فيوكي الله عليك" فهو ما يربطه به. قال ابن منظور: الذي يستخلص من كلام اللغويين أنَّ العفاص والوِكاء يشتركان فيما يطلقان عليه، فمرة على ما يربط أو يشد به الوعاء، ومرَّة على الوعاء نفسه. -عرِّفْهَا: بالتشديد، أمرٌ من التعريف، وهو أن ينادي عليها في الموضع الذي وجدها فيه، وفي الأسواق، والشوارع، وأبواب المساجد، ويقول: من ضاع

стр. 2505

له شيء، فليطلبه عندي. - فإن جاء صاحبُها: الجزاء محذوف وتقديره، فوصفها، فأعطِها إيَّاه. - فشأنك: يجوز فيها الرفع على الابتداء، والنصب على أنَّها مفعول لفعل محذوف. - سِقَاؤها: بكسر السين، وفتح القاف ممدوداً، جوفها الذي بمثابة السقاء الذي يحمل الماء. - حِذَاؤهَا: بكسر الحاء المهملة، فذال معجمة، خُفَّها الذي بمنزلة الحذاء. - تَرِدُ المَاء: هذه الجملة يجوز أن تكون بيانًا لما قبلها، فلا محل لها من الإعراب، ويجوز أن يكون محلها الرفع، على أنَّها خبر مبتدأ محذوف، أي هي ترد الماء. - فضالَّة الإبل: مبتدأ وخبره محذوف والتقدير: ما حكمها؟ - مالكَ وَلَها: أي مالك ولأخذها، والحال أنَّها مستقلة بأسباب تَمْنَعُها من الهلاك. - معها سقاؤها: على تقدير الحال، والمعنى مالك ولأخذها، والحال أنَّها مستقلة بأسباب تعيشها. - هي لك أو لأخيك أو للذئب: "أو" هنا للتقسيم والتنويع، والمعنى: هي لك إن أخذتَها وعرَّفتها, ولم تجد صاحبها، وهي لأخِيكَ إن جاء صَاحِبُهَا، فَهِي له، وهي للذئب إن تركتهَا ولم يأخذها أحدٌ غيرك فهي طعْمَة للذئب. - ربها: أي مالكها ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلاَّ مضافًا مقيَّدًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بيَّن النبي ﷺ للسائل أنَّ اللقطة نوعان: أحدهما: يجوز التقاطها لحفظها لصاحبها، أو دخولها في ملكه، إن لم يوجد صاحبها، وهي غالب الأموال من المتاع، والنقدين، والحيوان الذي

стр. 2506

لا يمتنع من صغار السباع. الثاني: هي ضالة الإبل، ويقاس عليها البقر لقوتها، والغزلان لعدْوها، والطير لطيرانها، فهذه الأشياء الممتنعة عن السباع تُتْرك، ولا تلتقط حتى يجدها ربُّها، فليس بحاجة إلى الحفظ. ٢ - استحباب أخذ اللقطة لحفطها لصاحبها، والبحث عنه لترد إليه، وهذا أرجح القولين لِمن أمِنَ على نفسه من الخيانة، وقوي على التعريف. ٣ - أن يعرف وَاجدُها وكَاءَها، ووِعَاءَها، وجنسها، وعددها؛ ليميِّزها من ماله، وليعرف صفاَتها؛ لاختبار مدعي ضياعها منه، فإنَّ ذلك من تمام حفظها وأدائها إلى ربِّها. ٤ - أن يعرِّفها سنة كاملة، ويكون تعريفها في مجامع الناس، كأبواب المساجد، والأسواق؛ والنوادي، والمدارس، ويكون قرب المكان الذي وجدها فيه؛ لأنَّه مكان بحث صاحبها عنها، أو يبلغ الجهات المسؤولة عنها، كدوائر الشرطة والإمارات، وفي زمننا وسائل الإعلام من الصحف والإذاعة والتلفاز إذا كانت لقطة هامة. ٥ - إذا مضى العام، ولم يعرف صاحبها ملكها واجدها ملكًا قهريًّا، فله إنفاقها مع عزْمه على تعويض صاحبها عنها إن وجده، فترد له بمثل المثلي، وقيمة المتقوم، وله بيعها, وله إبقاؤها، وهذا التخيير هو تخيير مصلحي، فينظر في ذلك إلى مصلحة اللقطة وصاحبها, وليس تخيير شهوة له، فإنَّ عمله فيها عمل يتْبع المصلحة حيث وجدت. ٧ - إن جاء صاحبها, ولو بعد مدة طويلة، فوصَفَها دفعت إليه بلا بينة ولا يمين، فوصْفها هو بينتها, لعموم قوله: "فإذا جاء طالبها يومًا من الدهر فأدِّها إليه". فالبينة ما أبان الحق وأظهره، ووصْفُها كافٍ لأن يكون بيِّنة، ما لم يكن له منازع فيها.

стр. 2507

قال في مغني ذوي الأفهام: وإن وصفها اثنان قسمت بينهما، وإن وصفها واحد، وأقام الآخر بينة، فهي لصاحب البينة. وقال في المنتهى: إذا وصفها اثنان، أُقرع بينهما، فمن قرع حُكم له بيمينه. ٨ - أما ضالة الإبل ونحوها مما يمتنع بقوته، أو بعدوه، أو بطيرانه فلا يجوز التقاطها؛ لأنَّ لها بما ركَّب الله في خلْقها ما يحفظها ويمنعها، فإن أخذها ضمنها بتلفها، فرَّط أو لم يفرِّط؛ لأنَّ يده يد متعدية كيد الغاصب، فقد قال ﷺ : "مَا لَكَ وَلَها، معها سِقَاؤها وحِذَاؤُها، تَرِدُ المَاء، وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربُّهَا". ٩ - أمَّا ضالَّة الغنم فيفعل فيها ما هو الأصلح، من أكلها مقدِّرًا قيمتها، أو بيعها وحفظ ثمنها، أو إبقائها مدة التعريف محفوظة، فإن جاء صاحبها رجع بها إن كانت موجودة، أو بثمنها إن كانت مباعة، وإن لم يأت فهي لمن وجدها، يملكها ملكًا قهريَّا كالإرث. وأفتى الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ بأنَّ الضوال واللقطة إذا باعها أمراء البلدان للمصلحة، وحفظوا ثمنها، وجاء صاحبها فليس له إلاَّ ذلك الثمن؛ لأنَّ الإِمام أو نائبه قائمان مقام الغائب في ماله. ١٠ - يستدل بقوله: "اعرف عِفَاصها ووكَاءها" على وجوب المحافظة على اللقطة، والعناية بها كسائر الأمانات، فإذا كان الأمر بالمعرفة للحفظ جاء في العفاص والوكاء، ففي اللقطة نفسها أهم وأولى. ١١ - بناء على أنَّ اللقطة مدَّة التعريف أمانة عند الملتقط، ولا تكون ملكًا للملتقط إلاَّ بعد حول التعريف، فإنَّها لو تلفت بلا تفريط، ولا تعدٍّ في مدة التعريف، فلا ضمان على الملتقِط، أما بعد حول التعريف، فيجب عليه ضمانها، تلفت بتفريط، أو تعدٍّ أو دونهما، لدخولها في ملكه، فتلَفُهَا من

стр. 2508

ماله، أما ملكه فهو مراعى يزول بمجيء صاحبها. ١٢ - قوله: "عرِّفْهَا سنة" ظاهره أنَّه لا يجب التعريف بعد السنة، وهو إجماع. ١٣ - قال الفقهاء: يكون التعريف فور وجودها أسبوعًا كل يوم؛ لأنَّ طلبها والبحث عنها فيه أكثر، ثم بعد الأسبوع عادة النَّاس في ذلك، فيقول المُنادي: من ضَاع منه شيء أو نفقة ونحو ذلك. واتَّفقوا على أنَّه لا يصفها؛ لأنَّه لا يؤْمَن أن يدَّعيها بعضُ من يسمع صفاتها فتضيع على مالكها. ١٤ - قال الوزير: الجمهور على أنَّ ملتقط اللقطة متطوع بحفظها، فلا يرجع بشيء من ذلك على صاحب اللقطة. ١٥ - قال الموفق: إذا التقطها عازمًا على تملكها بغير تعريف، فقد فعل محرَّمًا، ولا يحل له أخذها بهذه النية، فإن أخذها لزمه ضمانها, ولا يملكها، وإن عرفها؛ لأنَّه أخذ مال غيره على وجه ليس له أخذه، فهو كالغاصب. ***

стр. 2509

٨١٣ - وعَن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - آوى ضالَّة: أوى يأوي مأوى، كرمى يرمي، قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]. وأما آوى بالمدَّ، فمعناه ضم غيره إليه، قال تعالى: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] أي ضمه إلى نفسه، يقال: آواه وأواه. - ضالَّة: قال الأزهري وغيره: لا يقع اسم الضالة إلاَّ على الحيوان، فهي الضوال، وأما الأمتعة فيقال لها: لقطة، ولا يقال: ضالة. - فهو ضال: المراد بالضال هنا أنَّه غير رشيد، بل بعيد عن الصواب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّه لا يجوز التقاط ضوال الإبل، فإنَّ معها سِقاءها وحِذاءها، ترِدُ الماء، وتأكل الشجر، حتى يلقاها صاحبها. ٢ - أنَّ من التقطها فتلفت معه فهو غارم لها، سواء تلفت بتعدٍّ، أو تفريط، أو بدون ذلك؛ لأنَّ يده يد غصب. ٣ - وصف الملتقط بالحديث بأنَّه "ضال"؛ لأنَّه عمل عملًا بغير بصيرة، فإنَّ ترك الضوال في مكانها أقرب لأن يجدها مالكها؛ لأنَّه سيبحث عنها في المواطن التي ضلت عنه فيها، فهو حري بأن يجدها، وأما الملتقط فقد أخفاها،

стр. 2510

وأضلها عن صاحبها. ٤ - وهو ضال من حيث إنَّه فعل معصية باعتدائه على مال غيره بطريق الظلم والاعتداء، والضلال هو فعل على غير هدى. ٥ - إنَّ من اعتدى على حق غيره فهو ضال، فلا يحل مال امريءٍ إلاَّ بطيب نفسه، والنبي ﷺ قال في حجة الوداع: "إنَّ دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا". ٦ - قوله: "ما لم يعرفها" التعريف هنا مطلق لم يقيد بسنة، كالحديث الذي قبله، ولا يصلح حمل المطلق هنا على المقيَّد، لاختلاف الحكم، فإنَّ اللقطة في الحديث الأول مباحة الالتقاط، وفي الثاني: محرَّمة الالتقاط، فحينئذ يجب على ملتقط الضوال التعريف أبدًا حتى يجد صاحبها؛ لأنَّ الضوال لا يملكها الملتقط بعد حول التعريف، فطلب صاحبها على الدوام واجب، ولأنَّ ملتقطها معتد بالتقاطها، فكفارة اعتدائه استمرار تعريفه. ***

стр. 2511

٨١٤ - وَعنْ عِيَاضِ بن حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "منْ وَجَدَ لقَطَةً فَلْيشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ لاَ يَكْتُمْ، وَلاَ يُغَيِّبْ، فَإنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بهَا، وَإِلاَّ فَهُوَ مَالُ اللهِ، يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ إِلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه الإِمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، قال في التلخيص: وله طرق. قال ابن عبد الهادي؛ رجاله رجال الصحيح. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز أخذ اللقطة بالشرطين السابقين: الأمانة في حفظها، والقوة على تعريفها. ٢ - مشروعية الإشهاد عليها عند وجودها، فبعض العلماء قال: يجب ذلك، ومنهم الحنفية، وبعضهم قال: يستحب. وهو قول الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة. ٣ - حِكمة الإشهاد هو الحفاظ عليها؛ لئلا تضيع في ماله، فيجحدها وارثه، أو ينساها، وينسى أوصافها، فلا يؤديها كما التقطها.

стр. 2512

٤ - وليعرف عِفاصها، وهو وعاؤها، أو خِرقتها. ٥ - ويعرف وكاءها، وهو صفة شدِّها، وما ربطت به، فإنَّ معرفة ذلك من طالبها هو البينة على صحة دعواه، أنَّها لقطته وضالته. ٦ - ولا يحل لواجدها أن يكتم شيئًا منها، أو من صفاتها, ليضل صاحبها، إذا وصفها، كما لا يحل أن يغيِّب منها شيئًا، فإن فعل فهو ظالم في أمانته. ٧ - كون كتمان الملتقط بعض صفاتها محرَّمًا، دليل على أنَّ جحده وكتمانه لها معتبر، وأنَّ القول قوله في هلاكها، وفي قدرها وفي نقصها؛ لأنَّه أمين، والأمين مقبول القول، فيما اؤتمن عليه مع يمينه. ٨ - وجوب ردها على صاحبها إذا جاء، سواءٌ قبْل تمام الحول من التقاطها، أو بعده، فالحديث عام في ذلك، ولما جاء في الترمذي وأبي داود بلفظ: "عرِّفها سنة، فإن عرفت فأدِّها، وإلاَّ فاعرف عفاصها ووكاءها وعددها ثم كُلْها، فإن جاء صاحبها فأدها" فهذا يقتضي بقاء حق مالكها فيها بعد الحول إذا وُجِدَ. ٩ - فإن تَمَّ الحول من التقاطها، والتعريف عليها, ولم يجد صاحبها، فهي رزق من الله تعالى ساقه إلى الملتقط، فإنَّه يملكها ملكًا قهريًّا من حين تمَّ الحول على التقاطها. ١٠ - الأمر بالإشهاد عليها، وحفظ عفاصها ووكائها، وتحريم كتمانها وتغييبها، كل هذا دليل على وجوب العناية بحفظها وصيانتها حتى يعثر على صاحبها، فإنَّ هذه الوصايا إنما جاءت من أجل حفظها لصاحبها، فالشرع الحكيم بجانب الضعيف المحق، أما صاحب الحق الخاص به فعنده من الحرص عليه ما يكفيه عن التوصية والتأكيد. ١١ - إذا جاء طالبها، فوصفها, لزم دفعها إليه بلا بينةٍ، ولا يمينٍ، لأمره ﷺ بذلك، فقام وصفها مقام البينة واليمين، ولما روى مسلم من حديث زيد

стр. 2513

ابن خالد الجهني أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها، ووكاءها فأعطها إيَّاها". واتَّفق الأئمة الأربعة على أنَّها لا تدفع إليه إلاَّ إذا وصف العفاص والوكاء؛ لأنَّها أمانة في يد الملتقط، فلا يجوز له دفعها إلاَّ إلى من يُثْبِت أنَّه صاحبها. ***

стр. 2514

٨١٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ ﵁ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الحَاجِّ" رواهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ينص الحديث على أنَّ لقطة الحاج لا يحل التقاطها، وقد حُكي الإجماع على ذلك؛ لظاهر حديث الباب. ٢ - لقطة الحاج لا تخص الحرم وحده، بل تشمل الحرم، وأمكنة الحجاج من الحل كعرفات، والمواقيت، وطرق الحج. ٣ - لعل الحكمة في ذلك خدمة الآمّين إلى البيت الحرام، وأن في الإمكان عثور صاحب اللقطة عليها, لتحدد مكانها، كما يمكن حفظها عند المسؤولين عن أمن الحجاج، حتى يراجعهم صاحبها. ٤ - ويمكن تمييز لقطة الحاج عن لقطة غيره بقرائن الأحوال، كوجودها زمن اجتماعهم، أو وجودها في مكان ازدحامهم، كأن تكون عند الجمار، أو في المطاف والمسعى، وأماكن ازدحام الحجيج في تلك الأزمنة التي لا يكون فيها غالبًا إلاَّ الحجاج، والأحكام الشرعية إذا لم يوجد اليقين بنيت على غالب الظن. * خلاف العلماء: أما لقطة مكة وحرمها التي في غير مكان وجود الحجاج. فقد اختلف العلماء في جواز التقاطها لغير منشد عليها أبد الدهر. فذهب جمهور العلماء إلى إباحة التقاطها كسائر البقاع، ومن هؤلاء

стр. 2515

الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور من مذهبه. وقد روي عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب. مستدلين على ذلك بعموم أحاديث إباحة الالتقاط. وذهب الإِمام الشافعي إلى أنَّه لا يجوز أخذها للتعريف، ثم بعده للتملك، وإنَّما يجوز عند أخذها لحفظها أبدًا. وهذا القول روايةٌ عن الإِمام أحمد اختاره من الحنابلة الحارثي، واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وصاحب الفائق وغيرهم. مستدلين على ذلك بما جاء في الصحيحين أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ولاَ تَحل ساقطتها إلاَّ لمنشد" قال أبو عبيد في كتابه الأموال: المنشد هو المعرف. واعتبروا هذا من خصائص مكة لشرفها، وحرمها، وهذا القول راجح. وقد تمَّ والحمد لله بيان حدود الحرم من الحل في هذه السنة (١٤٢١ هـ) والاستعدادات من قبل الحكومة السعودية -وفقها الله تعالى- مستمرة لإحاطة ما بين الحل والحرم بأعلام بارزة من جميع جهاته؛ ليميز الحرم بأحكامه من الحل بأحكامه، وقد منَّ الله تعالى عليَّ بأن كنت أحد المشاركين في التحديد، وسأشارك -إن شاء الله تعالى- في الإشراف على وضع الأعلام من قبل المهندسين والفنيين، والله الموفق. ***

стр. 2516

٨١٦ - وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعديكَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "ألاَ لاَ يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، ولاَ الحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلاَ اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صالح غريب. الحديث رواه أبو داود، وسكت عنه، وأما المنذري فقال: ذكره الدارقطني مختصرًا، وأشار إلى غرابته. * مفردات الحديث: - ذو ناب: الناب هو السن الذي بجانب الرباعية، وهو للسَّبُع بمنزلة المخلب للطير الجوارح، جمعه أنياب ونيوب. - السِّباع: بكسر السين. السبع: كل ما له ناب، ويعدو على الناس والدواب، فيفترسها كالأسد والنمر. - الحِمار الأهلي: بكسر الحاء، نُسِب إلى الأهل؛ لكونه مستأنسًا مع الناس، وأليفًا لهم. - معاهد: المعاهد هو من أقرَّرناهُ من الكفار على دينه، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة. - أن يسْتَغْنِيَ: مثل أن تكون حقيرة مرغوبًا عنها.

стр. 2517

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ اللقطة من مال المعاهد، كاللقطة من مال المسلم في الحكم، فحرمة مال المعاهد كحرمة مال المسلم، فلا يحل لمسلم أن يجترىء عليه، فيستحل ماله متوسلاً إلى ذلك بكفره، فإنَّ له عهدًا وذمة، ولا يجوز خفر الذمة والعهد. ٢ - مثل هذه الأحكام الرشيدة تُظْهر ما في الإِسلام من عدالةٍ ومواساة، فإنَّ لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، ما داموا ملتزمين. ٣ - لقطة المعاهد ليس فيها أمارة تدل عليها, ولكن وجودها في حيّ أهله أو غالبهم، أهل ذمة، قرينةٌ قويةٌ على أنَّ هذه اللقطة من أموالهم، فيجب أن تعرَّف، كما تعرف لقطة المسلم، فإذا وجد صاحبها سلمت له، كما تسلم لقطة المسلم. ٤ - قوله: "إلاَّ أن يستغني عنها" دليلٌ على أنَّ اللقطة التي لا تتبعها همة أوساط الناس، مثل السوط، والرغيف، والتمرة، والنقد القليل، وكذا ما تركه صاحبه رغبةً عنه لا يجب تعريفه كله، وإنما تملك بمجرد الالتقاط. ٥ - تقدم أنَّ اللقطة اليسيرة التي لا تتبعها همة أوساط الناس، إذا وجد صاحبها -وهي موجودة- سُلِّمتْ له، وإن لم يعرف إلاَّ بعد إنفاقها، فإنَّها لا تضمن له. ٦ - أما تحريم أكل ذي الناب من السباع، والحمار الأهلي، فسيأتي الكلام عليه في كتاب الأطعمة، إن شاء الله تعالى. ***

стр. 2518

باب الفرائض مقدمة الفرائض: جمع فريضة، بمعنى مفروضة، والمفروض المقدر؛ لأنَّ الفرض التقدير، فكأنَّ اسمها ملاحظ فيه قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء]، أي مقدرًا معلومًا. وسماها النبي ﷺ فرائض في قوله: "تعلموا الفرائض". وتعريفها شرعًا: العلم بقسمة المواريث بين مستحقيها. والأصل فيها الكتاب لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١, ١٢]. والسنة: لحديث ابن عباس الآتي، وإجماع الأمة على أحكامها في الجملة. ولما كانت الأموال وقسمتها محط الأطماع، وكان الميراث في معظم الأحيان بين كبار وصغار، وضعفاء وأقوياء، تولى الله ﵎ قسمتها بنفسه في كتابه مبينةً مفصلةً، حتى لا يكون فيها مجال للآراء والأهواء، وسوَّاها بين الورثة على مقتضى العدل، والمصلحة، والمنفعة التي يعلمها. وأشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. فهذه قسمةٌ عادلة مبنيةٌ على مقتضى المصالح العامة والخاصة. والقياس: وبيانه يخرج بنا عن موضوع الكتاب، ويطيله علينا.

стр. 2519

وعلم الفرائض علم شريف جليل، وقد حثَّ النبي ﷺ على تعلمه وتعليمه في أحاديث منها: حديث ابن مسعود مرفوعًا: "تعلموا الفرائض، وعلموها الناس". وقد يُراد بالفرائض هنا عامَّةُ الأحكام الشرعية. وقد أفرد العلماء هذا العلم بالتصانيف الكثيرة من النَّظم والنَّثر، وأطالوا الكلام عليه، ويكفي في تعلم أحكامه فهم الآيات الثلاث من سورة النساء وحديث ابن عباس الآتي، فهذه النصوص الكريمة قد أحاطت بأمهات مسائله ولم يخرج عنها إلاَّ النَّادر. ونورد هنا بعد الكلام عن حديث ابن عباس مقدمات تتعلَّق بهذا الباب؛ لتكمل الفائدة من هذا الكتاب. ***

стр. 2520

٨١٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بقيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكرٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - ألحقوا: بفتح الهمزة، وكسر الحاء: أي أوصلوا. - بأهلها: أي: أعطوا أهل الفرائض أنصباءهم. - أولًا: المراد بالأولى الأقرب والأدنى، فهو بإسكان الواو. - رجل ذكر: قال في فتح الباري: هكذا في جميع الروايات، وأشكل التعبير بقوله: "ذكر" بعد التعبير بـ"رجل". قال البقري في حاشيته على الرحبية: إنَّما أتى بـ"ذَكر" بعد "رجل" ليفيد أنَّ المراد بالرجل الذكر؛ لأنَّ الرجل أصالةً هو الذكر البالغ من بني آدم، وليس مرادًا، وحينئذٍ فالذكر أعم ممَّا قبله، فهو وصف الرجل بالذكر؛ تنبيهًا على ﷺ سبب استحقاقه، وهي الذكورية، التي هي سبب العصوبة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث الجامع العظيم اشتمل على جُل أحكام المواريث، فقد فصَّلها الله ﵎ تفصيلاً تامًّا واضحًا، وأعطى كل ذي حق حقه. ٢ - أمر الله أن تُلْحق الفرائض بأهلها، فيقدمون على العصبات، ثم ما بقي بعدهم فهو لأولى رجل ذكر، وهم العصبة من الفروع المذكور، والأصول الذكور، وفروع الأصول الذكر، والوَلاء.

стр. 2521

٣ - وجهات العصوبة خمس: الأبوَّة، ثم البنوَّة، ثم الأخوَّة وبنوهم، ثم الأعمام وبنوهم، ثم الولاء. فإذا اجتمع عاصبان فأكثر قُدِّم الأقرب جهة، فإن كانوا في جهة واحدة، قُدِّم الأقرب منزلة، فإن كانوا في القرب سواء قُدِّم الأقوى, ولا يتصور ذلك إلاَّ في فروع الأصول، كالإخوة، والأعمام، وأبنائهم. وهذا هو معنى قوله: "فلأولى رجلٍ ذكرٍ" أي أقربهم جهةً أو منزلةً أو قوَّةً. ٤ - عُلِمَ من هذا الحديث أنَّ صاحب الفرض مقدم على العاصب في البداءة، وأنَّه إذا استغرقت الفروض التركة سقط العاصب في جميع مسائل الفرائض حتى في المُشَرَّكَة. ٥ - ويدل قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها" على أنَّ أصحاب الفروض إذا كثروا وتزاحمت فروضهم، ولم يحجب بعضهم بعضًا أنَّه يعول عليهم، وتنقص فروضهم بحسب ما عالت به. ٦ - ويدل الحديث على أنَّه إذا لم يوجد صاحب فرض، فالمال كله للعاصب، أو للعصبات. وإذا لم يوجد عاصب فإنه يردُّ على أصحاب الفروض على قدر فروضهم، كما تعال عليهم إذا تزاحموا، عدا الزوجين فلا يرد عليهم، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. ٧ - الحكمة في أنَّ العصوبة صارت في الرجال دون النساء، وزاد نصيبهم عليهنَّ هو أنَّ الرجال متحملون للنفقات، والمهور، والديات في العاقلة والضيقات وغير ذلك من الأمور، أما النساء فمكفيَّات النفقة، ومعفيَّات من كثير من الإلزامات المادية، فهذا هو العدل والإنصاف بين الجنسين، والله أعلم.

стр. 2522

* خلاصة عن الإرث: نبدأ بما بدأ الله به من توريث ذوي الفروض، الذين نصَّ الله تعالى على توريثهم، وقدَّر فرضهم، حتى إذا علمنا ما لهم، ذكرنا الذين يأخذون ما أبقت فروضهم، وهم العصبات. فالفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة هي: ١ - النصف. ٢ - الربع. ٣ - الثمن. ٤ - الثلثان. ٥ - الثلث. ٦ - السدس. ولكل فرض صاحبه أو أصحابه. ١ - النصف: ويكون للبنت، ولبنت الابن، وإن نزل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، وبنت الابن بنت. وهذا التوريث بالإجماع، بشرط أن لا يكون معها أحد من الأولاد. - وهو "أي النصف" فرض الزوج أيضًا، بشرط أن لا يكون للزوجة ولد من ذكر أو أنثى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]. - وهو "أي النصف" فرض الأخت الشقيقة، وإن لم توجد، فالأخت لأب، مع عدم الفرع الوارث، وعدم الأصول من المذكور، ومع انفراد كل واحدة منهما عن أخ أو أخت في قوتها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] وهذا في ولد الأبوين، أو لأب بالإجماع.

стр. 2523

٢ - الربع: ويكون للزوج مع وجود الفرع الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢]. وهو "أي الربع" فرض الزوجة فأكثر، معِ عدم الفرع الوارث للزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]. ٣ - الثمن: للزوجة فأكثر، مع وجود الفرع الوارث للزوج، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]. ٤ - الثلثان: للبنتين ولبنتي الابن وإن نزل إذا لم يُعصَّبْن. ودليل توريثهما الثلثين، حديث امرأة سعد بن الربيع، حين جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: هاتان ابنتا سعد، قُتِل أبوهما معكم يوم "أحد" شهيدًا، وإنَّ عمَّهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما شيئًا من ماله، ولا ينكحان إلاَّ بمال. فقال: "يقضي الله في ذلك" ونزلت آية المواريث. فدعا النبي ﷺ عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمَّهما الثمن، وما بقي فهو لك" رواه أبو داود وصححه الترمذي. وتأخذان الثلثين أيضًا بالقياس على الأختين المنصوص عليهما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فالبنتان، وبنتا الابن أولى بالثلثين من الأختين، وأما الثلاث من البنات، وبنات الابن فلهنَّ الثلثان بنص قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]. والثلثان فرض الأختين الشقيقتين فأكثر، وفي حال فقدهما يكون للأختين لأب فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] وذلك بإجماع العلماء، والمراد بالاثنين بنتا الأبوين، وبنتا الأب، وقاسوا ما زاد على الأختين عليهما.

стр. 2524

٥ - الثلث: فرض الأم مع عدم الفرع الوارث للميت، وعدم الجمع من الإخوة، فدليل الشرط الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]. ودليل الشرط الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]. وهو "أي الثلث" فرض الإخوة لأم، من الاثنين فصاعدًا، يستوي ذكرهم وأنثاهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. وأجمع العلماء على أنَّ المراد بالأخ والأخت: ولد الأم. وقرأ ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص: ﴿وله أخ أو أخت من أم﴾. ٦ - السدس: فرض الأم، مع وجود الورثة من الأولاد، أو وجود الجمع من الإخوة أو الأخوات، لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]. - وللجدة أو الجدات وإن علون بمحض الأمومة، وكذا من أدلى منهن بأب وارث، وقد ورد في إرثهن آثار، وشرط إرثهن عدم الأم، ويشتركن إذا تساوين، وتحجب القربى منهن البعدى. - وهو "أي السدس" فرض ولد الأم الواحد، ذكرًا كان أو أنثى، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] وتقدمت قراءة عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وهو إجماع العلماء. -وهو "أي السدس" فرض بنت الابن فأكثر مع بنت الصلب، لحديث ابن مسعود، وقد سئل عن بنت وبنت ابن، فقال: "أقضي فيهما قضاء رسول الله

стр. 2525

- ﷺ : للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت" رواه البخاري. وكذا حكم بنت ابن ابن، مع بنت ابن، وهكذا. - والسدس فرض الأخت لأب فأكثر، مع الشقيقة الواحدة، وكل هذا بالإجماع. - والسدس للأب -أو للجد عند عدم الأب-، مع وجود الفرع الوارث. * هذه هي الفروض الستة المذكورة في القرآن الكريم، وهؤلاء هم أصحابها، وكيفية أخذهم لها. فإن بقي بعد أصحابها شيء، أخذه العاصب؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فإنه يعني والباقي لأبيه تعصيبًا, ولقوله ﵊ في حديث الباب: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجلٍ ذكرٍ" وفي إرث أخي سعد بن الربيع: "وما بقي فهو لك". وللتعصيب جهات بعضها أقرب من بعض، فيرثون الميت بحسب قربهم منه، وجهات العصوبة: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة، وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم، ثم الوَلاء وهو المعتِق وعصباته الأقرب فالأقرب، كالنسب. فيقدم الأقرب جهةً، كالابن، فإنَّه مقدم على الأب. فإن كانوا في جهةٍ واحدة، قُدِّم الأقرب منزلة، على الميت كالابن، فإنَّه يقدم على ابن الابن، فإن كانوا في جهةٍ واحدةٍ، واستوت منزلتهم من الميت، قُدِّم الأقوى منهم، -وهو الشقيق- على مَن لأبٍ من إخوة، وأبنائهم، أو أعمام، وأبنائهم. * ويحجب الورثة بعضهم بعضًا حرمانًا، ونقصانًا. فالنقصان يدخل على جميعهم، والحرمان لا يدخل على الزوجين
следующие страницы →