← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

بخلاف الجناية على النفس أو الطرف، ممَّا شُرع فيه القصاص؛ لأنَّ الجنايات لا يقمعها إلاَّ عقوبةٌ من جنسها. ٥ - فالحديث يفيد وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل، والإمكانيات الممكنة، وفقًا للسياسة الشرعية، ويكون دفعه بدون ضرر أصلًا، وإلاَّ فيدفع بالقدر الممكن. ٦ - الشرع إنَّما جاء ليحافظ على الضروريات الخمس، فيحفظ على الناس دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأنسابهم، وأعراضهم، فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة، يجب إزالتها ما أمكن، وفي سبيل تأييد مقاصده، يدفع الضرر الأعم، بارتكاب الضرر الأخص، ولهذه الحكمة شُرعَ القصاص وقتل المرتد، صيانةً للأنفس والأديان، وشُرعَ حد الزنا والقذف، صيانةً للأعراض، وشُرع حد شرب الخمر، حفظًا للعقول، وشُرع القطع في السرقة، حمايةً للأموال. ***

стр. 2452

٧٩٢ - وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال في التلخيص: حديث سمرة رواه أحمد، وأبو داود عنه، والطبراني، والبيهقي من حديث الحسن عنه، وفي صحة سماعه منه خلافٌ. ورواه عبد بن حميد من طريق سليمان اليشكري عن جابر، وسكت عنه الحافظ في التلخيص، وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على أحد أنواع الإحياء، وهو إحاطة الأرض الموات بحائط يمنع الحيوانات من القفز من أعلاه، فمن أحاط أرضًا بجدار منيع فقد أحيا تلك الأرض. ٢ - وإذا أحيا الأرض فقد ملكها ملكًا شرعيًّا؛ لقوله ﷺ : "فهى له". ٣ - قال الفقهاء: من أحاط مواتًا بأن أدار حوله حائطًا منيعًا بما جرت به عادة أهل البلد بالبناء، من لبنٍ، أو طوبٍ، أو حجرٍ، أو قصبٍ، أو خشبٍ ونحوه، فقد أحياه سواء أرادها للبناء أو غيره. والمقدار المعتبر ما يسمى حائطًا في اللغة. قال الطيبي في شرح المشكاة: قوله: "أحاط" يدل على أنَّه بنى حائطًا

стр. 2453

مانعًا محيطًا بما يتوسطه من الأشياء. والعمل في المحاكم في المملكة أنَّه إذا كان ارتفاع الجدار مترًا ونصف المتر فهو إحياءٌ؛ لأنَّه منيع، وما كان دون ذلك فهو تحجرٌ، وليس إحياءً. ٤ - وإحاطة الأرض الموات بالجدار المنيع يعتبر إحياءً، ولو لم يُرِدها للبناء، فمجرَّد الإحاطة كافٍ في الإحياء، والملك. ***

стр. 2454

٧٩٣ - وَعَنْ عَبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَفَرَ بئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، عَطَنًا لِمَاشِيتَهِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال في التلخيص: رواه ابن ماجه، وفي سنده إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف، وقد أخرجه الطبراني من طريق أشعت عن الحسن، وقد ضعفه ابن الجوزي، وابن عبد الهادي. وقواه الزيلعي، وقال البوصيري في الزوائد: مدار هذا الحديث على إسماعيل بن مسلم الحكمي، وقد اختلفوا في توثيقه. اهـ. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٤٩٤). * مفردات الحديث: - ذراعًا: بكسر الذال، وذراع الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، وأشهر أنواعه الذراع الهاشمية وهي (٣٢) إصبعًا أو (٦٤) سنتيمترًا. - عطنًا: يُقال: عطنت النَّاقة عطونًا: روت ثمَّ بركت، فهي عاطنة، فالعطن بفتحتين: جمع معاطن، وهو مبارك الإبل، ومربض الغنم حول الماء؛ لتشرب عَلَلاً بعد نَهَلٍ. - ماشيته: هي الإبل والبقر، والغنم، وأكثر ما يستعمل في الغنم جمعها مواش.

стр. 2455

* ما يؤخذ من الحديث: يتعلق بحفر الآبار ثلاثة أحكام: أحدها: متى تُحْيا، وتكون ملكًا بالحفر؟ الثاني: تقسيمها حسب إرادة من حفرها. الثالث: حريم الآبار يختلف باختلاف المراد منها. الحكم الأول: إذا حفر إنسان بئرًا، فوصل في حفره إلى الماء فقد أحياها، فإن حفرها، ولم يصل إلى الماء فليس حفره إحياءً، وإنما يعتبر تحجرًا، فهو أحق بها من غيره، فإن وُجد متشوف لإحيائها والانتفاع بها، ضَرَبَ ولي الأمر مدَّة للتحجر، فإِن أتمَّ إحياءها في تلك المدة المضروبة، وإلاَّ نزعها منه وأعطاها المتشوفَ لإحيائها. الحكم الثاني: إذا حفرها ووصل إلى الماء لا يخلو قصده من ثلاثة أمور: - إما أن يريد تملكها لزراعةٍ، أو سقايةٍ خاصَّةٍ به، فهذه محياة مملوكة. - وإما أن يكون حفرها لنفع المجتازين، فهذه يشترك الناس في مائها، لا فضل لأحد على أحد، والحافر لها كأحدهم في السقي والشرب؛ لأنَّ الحافر لم يخص بها نفسه ولا غيره. - وإما أن يحفرها لا ليملكها، بل ليرتفق بمائها، ما دام مقيمًا عليها، فإذا رحل عنها انتفع بها غيره، فهذه لا يملكها، وإنما هو أحق بمائها ما دام باقيًا عندها، فإذا رحل صارت سابلة لعموم الناس، فإذا عاد عاد إليه حقه بالاختصاص بالارتفاق بمائها. وهذه طريقة البادية الرحّل الذين يقيمون إقامة مؤقتة، ويظعنون تجاه المراعي، وحسب فصول السنة. الحكم الثالث: ما قدر حريمها؟

стр. 2456

إذا حفر الإنسان بئرًا فوصل إلى مائها، فلا يخلو من ثلاثة أمور: الأول: أن تكون البئر محاطة من جميع جوانبها بأملاك الغير، فهذه ليس لها حريمٌ، ولا مرافقُ، وإنما كل واحدٍ ينتفع بما جرت به العادة. الثاني: أن يريدها الحافر لسقي الماشية ونحو ذلك، فهذه إن كانت البئر قديمة ثم جذد حفرها، فحريمها خمسون ذراعًا من كل جانب من جوانبها، وإن كانت بدية محدثة، فحريمها خمسة وعشرون ذراعًا من كل جانب، وذلك بذراع اليد، وجعلت القديمة أكثر حرمًا؛ لأنَّ ماءها غالبًا أغزر، وحاجتها إلى الساحة أكثر، وذلك لما روى أبو عبيد في الأموال، عن سعيد بن المسيب، قال: "السُّنَّة في حريم القليب العادي خمسون ذراعًا"، وبعض العلماء جعل حريم البئر أربعين ذراعًا، كما في حديث الباب، وهذا الحريم هو معاطن للإبل، ومجرٌّ للبئر، ومرافقُ لها. وقال القاضي وغيره: ليس هذا على طريق التحديد، بل حريمها في الحقيقة ما يحتاج إليه في ترقية مائها منها، وهذا قول جيد. الثالث: وإن كانت البئر تراد للزراعة، فقد جاء في سنن الدارقطني من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبىَّ ﷺ قَال: "وَعين الزرع ستمائة ذراع" وهذا قول أكثر العلماء. وقيل: قدر الحاجة، اختاره القاضي والموفق وغيرها. قال مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "الحافر لغير الشرب كمريد إحياء الأرض للفلاحة، فله ما حواليه مقدار الزرع؛ لأنَّه جاء ليزرع، فما كان حواليه فلا يعترضه أحد؛ لأنَّه سبق إليها، فيترك له ما جرت العادة به أن يزرع، وفَرْقٌ بين من حفر على الارتوازي، والذي على الحيوان". اهـ. قُلتُ: وكلام المفتي -رحمه الله تعالى- هو عين الصواب، والله أعلم.

стр. 2457

٧٩٤ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صححه الترمذي، وابن حبَّان. قال في التلخيص: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصححه، ورواه البيهقي، والطبراني، وابن حبان، وصححه. * مفردات الحديث: - أقطعه: أي ملكه أرضًا يستبد بها، وينفرد بها، والإقطاع يكون تمليكًا، وغير تمليك، وإنما هي للارتفاق والمنفعة. وإقطاع الإمام هو لمن يراه أهلاً لذلك، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم. - بحضْرموْت: والتركيب مزجي، منطقة بجنوب الجزيرة العربية مشهورة، عاصمتها مدينة المكلا. ...

стр. 2458

٧٩٥ - وَعَنِ ابنِ عُمرَ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى سَوْطَهُ، فَقَال: أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ السَّوطُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيه ضعْفٌ. (١) ــ * درجة الحديث: أصل الحديث في الصحيح. قال في التلخيص: رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر، وفيه العمري ضعيف، وله أصل في الصحيح من حديث أسماء بنت أبي بكر. * مفردات الحديث: - أقطع الزبير: الإقطاع تعيين قطعة من الأرض لغيره، يقال: أقطع الإمام إقطاعًا: جعلها للمقطع، وهو مأخوذٌ من القطع، كأنه يقطع له قطعة من الأرض، وإقطاع الإمام نوعان: إقطاع إرفاق، وإقطاع تمليك، كما سيأتي إن شاء الله. - حُضر فرسه: بضم الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، الحُضر: عدْوٌ، ووثبٌ والمراد قدر عدو فرسه، ولكنه أقام المصدر مقام الاسم، ومعناه موضع حُضر فرسه. - حُضْر: منصوب على حذف المضاف، أي: قدر ما يعدو عدوة واحدة. - السَّوط: بفتح السين، ما يضرب به من جلد، سواء أكان موضونًا، أم لم يكن، جمعه أسواط وسياط.

стр. 2459

* ما يؤخذ من الحديثين: ١ - إقطاع الإمام هو تسويغه من مال الله شيئًا لمن يراه أهلاً لذلك. ٢ - ففي الحديثين جواز إقطاع الإمام أرضًا مواتًا لمن يحييها. ٣ - ويكون الإقطاع هو تسويغ من مال الله تعالى العائدة مصالحه إلى المسلمين، والإمام هو نائب المسلمين أنيط الإقطاع به، فلا يكون من غيره أو نائبه ولأنَّ الإقطاع راجع إلى رأي الإمام في المصلحة العامة. ٤ - ففي الحديثين إقطاع النبي ﷺ وائلَ بن حُجر أرضًا بحضرموت، ومناسبة إقطاعه هناك أنَّها بلاده، وهو قادر على إحيائها، والانتفاع بها، وإقطاع الزبير بن العوام قدر عدو فرسه. ٥ - وفيهما جواز إقطاع المساحة الكبيرة للشخص الواحد، إذا رأى الإمام في ذلك مصلحةً، بأن يكون عنده القدرة على إصلاحها، واستثمارها. ٦ - وفيهما أنَّه لا يذم الإنسان، -وإن كان فاضلاً- على الرغبة في الحصول على الدنيا من طرقها المشروعة، ومن تلك الطرف عطايا الإمام. فالنبي ﷺ أقرَّ الزبير على حُضْر فرسه حتى وقف، ثم زاد على حُضْر الفرس أن رمى سوطه فأعطاه ما رغب فيه، وهو منتهى ما وصل إليه سوطه. * فوائد: الأولى: قسَّم الفقهاء الإقطاع إلى ثلاثة أقسام: ١ - إقطاع قصد به تمليك المقطع لما أُقطع. ٢ - إقطاع استغلال: بأن يقطع الإمام أو نائبه من يرى في إقطاعه مصلحةً، لينتفع بالشيء الذي أقطعه، فإذا فقدت المصلحة فللإمام استرجاعه. ٣ - إقطاع إرفاق: بأن يقطع الإمام أو نائبه الباعة الجلوس في الطرف الواسعة، والميادين، والرحاب، ونحو ذلك. فأما إقطاع التمليك: فالمذهب أنَّ المقطع لا يملك الموات بالإقطاع،

стр. 2460

وإنما يصير كالمتحجر الشارع في الإحياء، فإن أحياه ملكه، وحينئذٍ لا يجوز استرجاعه منه بعد إحيائه؛ لأنَّه ملكه بالإحياء، فإن لم يُحْيه وَوُجد متشوف لإحيائه، ضرب الإمام أو نائبه للمقطع مدةً حسب ما يراه، إن أَحياه فيها، وإلاَّ استرجعه. قال في الإنصاف: يثبت الملك بنفس الإقطاع، فيبيع، ويورَث عنه. وهو الصحيح، وبهذا القول أفتت الهيئة القضائية بالديار السعودية. قال في الإقناع وشرحه: وإن أحياه غير المتحجر في مدة المهلة أو قبله لم يملكه، لأنَّ حق المتحجر أسبق فكان أولى، ولمفهوم قوله ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة غير حق مسلم فهي له". ولا ينبغي للإمام أن يقطع إلاَّ ما قدَّر المقطع على إحيائه؛ لأنَّ في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حقٍّ مشتركٍ بينهم، وقد استرجع عمر في خلافته من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من العَقِيق الذي أقطعه النبي ﷺ . قال الشيخ محمد بن إبراهيم: لا يقطع كل فردٍ إلاَّ الشيء الذي يقدر على إحيائه؛ لأنَّ في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حقٍّ مشتركٍ بينهم. قال في شرح الإقناع وغيره: ولا يجوز للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه ممَّا قَرُب من العامر، وتعلَّق بمصالحه؛ لأنَّه في حكم المملوك لأهل العامر. وقالت الهيئة القضائية في الديار السعودية: إقطاع الأرض الموات لا يسري على أملاك الآخرين، ومرافق البلد، ومصالحها، وما تحتاج إليه. الثانية: قال شيخ الإسلام: ما علمت أحدًا من علماء المسلمين من الأئمة الأربعة ولا غيرهم قال: إجارة الإقطاعات لا تجوز، حتى حدَث بعض أهل زماننا، فابتدع القول بعدم الجواز.

стр. 2461

٧٩٦ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵁ قَالَ: غَزوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: فِي الكَلأِ، وَالمَاءِ، وَالنَّارِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أبو داود بسند صحيح. والحديث بلفظ "الناس" شاذٌّ، تفرَّد به يزيد بن هارون عند أبي عبيد، فخالفه كلٌّ من علي بن الجعد، وعيسى بن يونس عند أبي داود، وثور الشامي عند أحمد والبيهقي، وكلهم عن حريز بن عثمان حدثنا أبو خداش، عن رجل من الصحابة، وفيه "المسلمون" بدل "الناس". وللحديث شواهدُ منها: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يمنعن: الماء، والكلأ، والنار" أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ صحيح، قاله الحافظ وصاحب الزوائد. * مفردات الحديث: - في ثلاث: لما كانت الأسماء الثلاثة في معنى الجمع أنَّثها بهذا الاعتبار. - الكلأ: بفتح الكاف واللام، مهموز في آخره، مقصور، هو العشب رطبًا كان أو يابسًا، جمعه أكلاء، قال الصاغاني: وأما الحشيش فمختصٌّ باليابس. - الماء: أصله ماه بالهاء، فأبدلت همزة؛ لأنَّها أقوى على الحركة، ويدل على

стр. 2462

هذا الأصل ظهورها في الجمع فتقول: مياه وأمواه، وفي التصغير: مويه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على عدم اختصاص أحد من الناس بواحد من الأشياء الثلاثة، وإنما تبقى مشاعة عامة بين الناس؛ لأنَّ هذه الأشياء الثلاثة من الأمور الضرورية، المبذولة لعامة المنتفعين، فلا يجوز لأحد أن يختص بها، ويمنع منها أحدًا محتاجًا إليها. ٢ - وهذا من أحكام الإسلام العادلة، وإباحته الشاملة، وإفضاله على أهله، فأمورهم الضرورية، وحاجتهم المشاعة هي شركة للجميع، من حازها ملكها وانتفع بها، وهذا مبدأ اقتصادي هام، وهذه الثلاث هي: أولًا: الكلأ الذي هو الحشيش، سواءٌ كان رطبًا أو يابسًا، فهو نبت الفيافي والقفار، وهو علف المواشي من الإبل والبقر والغنم، وغيرها من الحيوانات، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:٥٤،٥٣]. وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا حمى إلاَّ لله ولرسوله". وقال الفقهاء: ولايصح بيع ما نبت بأرضه من كلأٍ وشوكٍ لقوله ﷺ "الناس شركاء في ثلاث" ثانيًا: الماء، فلا يجوز بيعه ما لم يَحُزه في بِركته، أو قِربته، أو إنائه ونحوه، وأما الذي لم يحز من ماء السماء، أو ماء العيون، أو نقع الآبار، فلا يملك، ولا يصح بيعه، قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ [الحجر] وقال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة].

стр. 2463

وجاء في صحيح مسلم عن جابر أنَّ النَّبيَّ ﷺ : "نهى عن بيع فضل الماء". ثالثًا: النار، فهي من الأشياء المشاعة العامة، ولا يجوز بيعها، وإنما يجب بذلها لمحتاجها، سواءٌ في ذلك وقودها كالحطب، أو جذوتها كالقبس، أو الاستدفاء، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ [الواقعة]. ٣ - فهذه الأشياء الثلاثة من المرافق العامة التي يجب بذلها لمحتاجها، ويحرم منع أحد عنها؛ لأنَّها أمور أشاعها الله تعالى بين خلقه، والضرورة تدعو إليها، فمنعها أو منع أحد محتاج إليها منها، لا يجوز، وهو من الدناءة التي يكرهها الإسلام السمح. ***

стр. 2464

باب الوقف مقدمة الوقف: مصدر وقَفَ الشيء، وحَبَسَه وسبله بمعنى واحد، وأوقفه لغة شاذة. قال ابن فارس: الواو والقاف والفاء أصل يدل على مكث، ثم يقاس عليه. قلتُ: ومن هذا الأصل المقيس يؤخذ الوقف، فإنه ماكث الأصل. وتعريفه شرعًا: حبس مالكٍ مالَه المنتفَع به، مع بقاء عينه عن التصرفات برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنول القُرب، ابتغاء وجه الله. حكمه: الاستحباب، وقد ثبت بالسنة بأحاديث كثيرة: منها حديث أبي هريرة أن النَّبيَّ ﷺ قَال: "إذَا مَاتَ ابْن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية ... " إلخ. وأجمع الصدر الأول من الصحابة والتابعين، على جوازه ولزومه. قال الترمذي: لا نعلم أحدًا من الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خالف في جواز وقف الأرضين. قال جابر: لم يكن أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ذا مقدرةٍ إلاَّ وقف. وبهذا يُعلم إجماع القرن المفضل، فلا يُلتَفت إلى خلافٍ بعده، كما جاء عن شريح أنَّه أنكر الحبس. وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه.

стр. 2465

فضله: فهو أفضل الصدقات التي حثَّ الله عليها؛ لأنَّه صدقةٌ دائمةٌ ثابتةٌ. وهذا الفضل المترتب عليه إذا كان وقفًا شرعيًّا، مقصودًا به وجه الله تعالى، موجهة مصارفه إلى وجوه البر والإحسان، من بناء المساجد، والإعانة على علمٍ نافع، والدعوة إلى الله، والمشاريع الخيرية، وصرفه إلى ذوي القربى والفقراء والمساكين، ومساعدة أهل الخير والصلاح على طاعة الله تعالى. أمَّا أن يحجر على أولاده وورثته باسم الوقف لئلا يبيعوه، فمثل هذا لا يُعطى حكم الوقف من حيث الثواب والفضل، وإن أخذ حكمه من حيث اللزوم عند كثير من الفقهاء. وأما أن تكثر ديونه فيقف العقار خشية أن يباع لإيفاء أصحاب الحقوق، أو يقفه على أولاده، فيحابي بعضهم، ويحرم بعضهم، أو يفضل بعضهم على بعض بلا مسوِّغ شرعي. فمثل هذا لا يعطى حكم الوقف من حيث الثواب والفضل، وإن أخذ حكمه من حيث اللزوم عند كثير من الفقهاء، وبهذا يدخل في باب الظلم بدلاً من باب البر؛ لأنَّه ليس على مراد الله تعالى. وكل ما أحدث في غير أمر الله تعالى فهو مردودٌ غير مقبولٍ. فالوقف برٌّ وإحسانٌ على الموقوف عليهم، إما لقرابتهم، وإما لحاجتهم، وإما للحاجة إليهم. وهو صدقةٌ مؤبدةٌ للواقف يجري عليه ثوابها بعد انقطاع أعماله، وانتهاء آماله، بخروجه من دنياه إلى آخرته. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس].

стр. 2466

٧٩٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا مَاتَ الإنْسَان انْقَطَع عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، اوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالحٍ يَدْعُو لَهُ" روَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - المؤلف ذكر هذا الحديث في هذا الباب؛ لأنَّ الوقف من الصدقة الجارية. ٢ - أول من وقف في الإسلام عمر بن الخطاب ﵁، كما أخرج ابن أبي شيبة: "إنَّ أول من وقف في الإسلام وقف عمر" وسيأتي إن شاء الله. ٣ - الدنيا جعلها الله تعالى دار عمل يتزود منها العباد من الخير، أو يحملون معهم من الشر للدار الأخرى، التي هي دار الجزاء، وسيفلح المؤمنون، كما سيخسر المفرطون. ٤ - إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاَّ من هذه الأعمال الثلاثة، التي هي من آثار عمله، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]. ٥ - الأول: الصدقة الجارية كوقف العقار الذي ينتفع به، والحيوان المنتفع بركوبه، والأواني المستعملة، وكتب العلم، والمصاحف الشريفة، والمساجد والربط، فكل هذه وأمثالها أجرها جار على العبد ما دامت باقية، وهذا أعظم فضائل الوقف النافع الذي يعين على الخير، والأعمال الصالحة من علمٍ وجهادٍ وعبادةٍ، ونحو ذلك.

стр. 2467

٦ - من هذا نستدل على أنَّ الوقف الشرعي الصحيح هو ما كان على جهة بر من قريبٍ، أو فقيرٍ، أو جهةٍ خيريةٍ نافعة. ٧ - الثاني: العلم الذي يُنتفع به بعد وفاته من طلاب محصلين ينشرون العلم، وكتب مؤلفة يستفاد منها، أو كتب طبعها وأعان على نشرها بين الناس، ففي الحديث الصحيح؛ "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لكَ من حُمْر النَّعَم". ٨ - الثالث: الولد الصالح، سواء كان ولد صلب، أو ولد ولد، ذكرًا كان أو أنثى، فينتفع بدعائه وإهدائه القُرب والأعمال الصالحة إليه، وإذا عبد الله تعالى استفاد والده، أو جده من عمله. ٩ - قد يجتمع للعبد الثلاثة كلها، بأن يجعل صدقة جارية، ويستفاد من عليه، أو نشره الكتب، ويكون له ذرية صالحون، يدعون له، ويهدون إليه الأعمال الصالحة، ففضل الله واسع. ١٠ - قال ابن الجوزي: من علم أنَّ الدنيا دار سباق، وتحصيل الفضائل، وأنَّه كلما علت مرتبته في علم وعمل، زادت مرتبته في دار الجزاء، أنهب الزمان، ولم يُضِعْ لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلاَّ حصلها، ومن وُفِّق لهذا فليغتنم زمانه بالعلم، وليصابر كل محنةٍ وفقرٍ إلى أن يحصل له ما يريد. ***

стр. 2468

٧٩٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "أَصَابَ عُمَرُ ﵁ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يسْتأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبرَ، لَم أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَقَال: إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ ﵁: أَنَّهُ لاَ يُباَعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُوْرَثُ، وَلا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ، وَفِي القُرْبىَ، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيل، والضَّيفِ، لاَ جُنَاحَ عَلى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "تَصَدَّقَ بأَصْلِهَا، لاَ يُباَعُ، وَلاَ يُوهَب، وَلكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ" (١). ــ * مفردات الحديث: - أرضًا بخيبر: اسم تلك الأرض "ثمغ" بفتح الثاء المثلثة، وسكون الميم، وآخره غين معجمة. - يستأمره: أي يستشيره فيها. - أنفس عندي: يقال: نفُس، -بضم الفاء- نفاسة، والمراد: أجودُ وأعجبُ مالٍ عندي.

стр. 2469

- القربى: قرابة الإنسان الشاملة لجهة الأب، وجهة الأم، والمراد قربى الواقف. - الرقاب: وهم الأرقاء، الذين كاتبهم أسيادهم، ولا يجدون وفاء كتابتهم وديْنهم. - في سبيل الله: هم الغزاة، وجميع ما أعان على إعلاء كلمة الله، ونشر دينه. - ابن السبيل: هو المسافر الذي انقطعت به النفقة في غير بلده، فالسبيل هو الطريق، سمي ابن السبيل لملازمته له. - الضيف: النزيل ينزل على غيره، دعي أو لم يدع، يكون للواحد والجمع؛ لأنَّه في الأصل مصدر، وقد يجمع على أضياف وضيوف. - لا جُنَاح: بضم الجيم، وهو الإثم على من وليها أن يأكل من رَيعها بالمعروف. - غير مُتمول: حال من قوله "من وليها"، أي أكله وإطعامه غير متَّخذ من الوقف ملكًا له، فليس له سوى ما ينفقه، بلا مجاوزة للمعتاد. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أصاب عمر بن الخطاب ﵁ أرضًا بخيبر هي أغلى مال عنده، فجاء إلى النبي ﷺ يستشيره في صفة الصدقة بها، فأشار عليه بتحبيس أصلها عن التصرفات، والصدقة بِغَلَّتها، ففعل، فكان هو أول من وقف في الإسلام ﵁. ٢ - ففي الحديث بيان معنى الوقف، من أنَّه تحبيس الأصل عن التصرف بالرقبة بما ينقل ملكها، أو يكون سببًا لذلك، وتسبيل المنفعة. ٣ - قوله: "غير أنَّه لا يُباع أصلها" فيه بيان حكم التصرف في الوقف، فإنَّه لا يجوز بما ينقل الملك، كالبيع والهبة، وإنما يجب بقاء الرقبة يعمل فيه حسب الشرط الشرعي من الواقف.

стр. 2470

٤ - أنَّ الوقف لا يكون إلاَّ في الأشياء التي ينتفع بها، وتبقى أعيانها، فأما الذي يذهب بالانتفاع به فهو صدقةٌ، وليس وقفًا. ٥ - قوله: "فتصدَّق بها في الفقراء" فيه بيان مصرف الوقف، ذلك بأن يكون في وجوه البر العام أو الخاص، كالقرابة، والفقراء، وطلاب العلم، والمجاهدين، ونحو ذلك. ٦ - قوله: "لا جناح علما من وَلِيَهَا" فيه مشروعية وجود ناظر للوقف، ينفذ شرط الواقف، ويصلح الوقف، ويصرفه مصارفه. ٧ - قوله: "أن يأكل منها بالمعروف" فيه بيان أنَّ الناظر له قدر نفقته من الوقف بالمعروف، وذلك مقابل عمله، ومقابل حبسه نفسه على إصلاحه وأعماله. ٨ - وفيه أنَّ للواقف أن يشترط شروطًا عادلةً جائزةً شرعًا، وأنَّه يجب إنفاذها، والعمل بها، ولولا ذلك ما كان لاشتراطها فائدة. ٩ - فيه فضيلة الوقف، وأنَّه من الصدقات الجارية، والإحسان المستمر. ١٠ - وفيه أنه ينبغي أن يكون الوقف من أطيب المال وأحسنه، طمَعًا في ثواب الله تعالى، حيث قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] , قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة]. ١١ - وفيه وجوب النصح لمن استشار، وأن يدله على أفضل الطرق، وأحسن الوجوه. ١٢ - وفيه فضيلة استشارة العلماء، وأهل الرأي والنصِج، وأنَّ الإنسان لا يستبد بأموره الهامة، فقد قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا﴾ [الشورى: ٣٨] ففي هذا السداد، والرشاد، والنجاح في الأمور غالبًا.

стр. 2471

١٣ - فيه ما يدل على أنَّه يجب أن تكون شروط الواقف من الشروط العادلة الصحيحة الشرعية؛ لأنَّه جاء في الحديث الذي في الصحيحين أنَّه ﷺ قال: "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط". أما الشروط الجائرة الظالمة، مثل الشروط التي يقصد بها حرمان بعض الورثة، ومحاباة بعضهم بلا مسوغ، فهذه شروطٌ باطلةٌ محرَّمةٌ، لا تصح. ١٤ - فيه أنَّه يجب على العلماء، والقضاة، وكتَّاب العدل، ونحوإ لك ممن يتولون كتابة وثائق الناس في أوقافهم، ووصاياهم، أن يدلوهم على ما يوافق كتاب الله وسنة رسوله، وأن يجنبوا الواقفين والموصين الظلم والحَيف، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من اشترط في الوقف، أو الهبة، أو البيع، أو النكاح، أو الإجارة، أو النذر، أو غير ذلك، شروطًا تخالف ما كتبه الله على عباده، بحيث تتضمن الشروط الأمر بما نهى الله عنه، أو النَّهي عما أمر الله به، أو تحليل ما حرَّمه الله، أو تحريم ما حلَّله، فهذه الشروط باطلة باتفاف المسلمين في جميع العقود الوقف وغيره. ١٥ - فيه بيان بعض جهات البر التي ينبغي أن يكون مصرف الوقف فيها وهي: - الفقراء: ويدخل معهم المساكين، وهم من لا يجدون كفاية عامهم من النفقات. قال الشيخ: إذا وقف على الفقراء، فأقارب الواقف الفقراء أحق من الفقراء الأجانب، مع التساوي في الحاجة. - القُربى: وهم قرابة الإنسان من النسب أو المصاهرة، والأفضل أن تكون بالأقرب فالأقرب، مع الاستواء في الحاجة، وإلاَّ فتقدَّم الحاجة.

стр. 2472

- الرقاب: من عتق الأرقاء، وفكاك الأسرى. - وفي سبيل الله: من المرافق العامة النافعة للمسلمين، من الدعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيله، والملاجيء، والمساجد، وغير ذلك. - ابن السبيل: المسافرون المنقطعون عن بلدانهم وأموالهم وعن بعضهم، فيعطون ما يبلغهم إلى أوطانهم. - والضيف: بره والإحسان إليه، والواجب يوم وليلة، والمستحب أدناه ثلاثة أيام. ١٦ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: اشتراط البر والقربة في الوقف يدل على أنَّ الوقف على بعض الورثة دون البعض الآخر يحرم، ولا يصح. ١٧ - وقال الشيخ تقي الدين: اتَّفق العلماء على أنَّه لا يجوز بذل المال إلاَّ لمنفعة تعود على الدِّين أو الدنيا، والوقف لا يعود على الدنيا لصاحبه، وحينئذٍ فلا ينتفع به الدِّين إلاَّ لما يقفه في سبيل طاعة الله تعالى. ١٨ - وقال الشيخ: اتَّفق العلماء على أنَّ شروط الوقف تنقسم إلى صحيح وفاسد، كما في سائر العقود، ومن قال من الفقهاء: إنَّ شروط الواقف كنصوص الشارع، فمراده في الدلالة على المراد، لا في وجوب العمل بها، مع أنَّ التحقيق في هذا أنَّ لفظ الحالف، والموصي، وكل عاقد يُحمل قوله على عادته في خطابه، ولغته التي يتكلم بها، سواء وافقت العربية الفصحى، أو العربية المولدة، أو العربية الملحونة، أو كانت غير عربية، وسواء وافقت لغة الشارع أو لم توافقه، فإنَّ المقصود من الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها، فنحن نرجع في معرفة كلام الواقف إلى معرفة لغته وعرفه وعادته. وقال ابن القيم: إنَّ أحسن حمل لقول: "نص الواقف كنص الشارع" بمعنى تخصيص عامها بخاصها، وحمل مطلقها على مقيَّدها، واعتبار

стр. 2473

مفهومها كاعتبار منطوقها، وأما وجوب الاتباع فلا يظن ذلك من له نسبة إلى العلم، وإذا كان حكم الحاكم يرد منه ما خالف حكم الله ورسوله، فنص الواقف أولى. * خلاف العلماء: يرى الإمام أبو حنيفة جواز بيع الوقف والرجوع فيه إلاَّ أن يحكم به الحاكم، أو يعلقه بموته، فيقول: إذا مت فقد وقفت داري على كذا، فيلزم حينئذٍ، وخالفه أصحابه في ذلك، قال أبو يوسف: لو بلغ أبا حنيفة "حديث عمر" لقال به، ورجع عن بيع الوقف، والمفتى به في المذهب الحنفي هو قول أبي يوسف ﵀. قال القرطبي: الرجوع في الوقف مخالفٌ للإجماع، فلا يلتفت إليه. وذهب مالك والشافعي إلى لزوم الوقف، وعدم جواز بيعه بحال، أخذًا بعموم الحديث: "غير أنَّه لا يُباع أصلها". وذهب أحمد إلى قول وسط، وهو أنه لا يجوز بيعه ولا الاستبدال به، إلاَّ أن تتعطَّل منافعه، فيجوز بيعه، واستبداله بغيره. استدل على ذلك بفعل عمر حينما بلغه أنَّ بيت المال الذي بالكوفة نقب، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص أمير الكوفة: "أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلى". وكان هذا بمحضر من الصحابة، فلم يُنْكر، فهو كالإجماع. وشبَّهه الإمام أحمد بالهَدي الذي يعطب قبل بلوغه محله، فإنَّه يذبح بالحال، وتترك مراعاة المحل لإفضائها إلى فوات الانتفاع بالكلية. قال ابن عقيل: الوقف مؤبد، ولما لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض، وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وإيصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض. اهـ.

стр. 2474

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومع الحاجة يجب إبدال الوقف بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة". وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: إذا نقص الموقوف، أو قلَّت منافعه، وكان غيره أصلح منه، وأنفع للموقوف عليهم، ففيه عن أحمد روايتان: المذهب: المنع، والأخرى: الجواز، وهو اختيار شيخ الإسلام. قُلتُ: وعليها العمل في الديار السعودية، ولكن بعْد نظر الحاكم الشرعي وحكمه، ثم تمييز الحكم من محكمة التمييز. ***

стр. 2475

٧٩٩ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "بعثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلى الصَّدَقَةِ ... الحَديثَ، وفِيهِ: فَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أدْرَاعَهُ وَاعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - احتبس: التحبيس ابتغاء وجه الله تعالى بوقف عين ينتفع بها، ويبقى أصلها. - أدْرَاعه: مفرده درع، والدرع قميص من حلقات من الحديد متشابكة، يلبس وقايةً من السلاح، يذكَّر ويؤنَّث. - أَعْتاده: مفرده عتاد، بفتح العين، والعتاد آلات الحرب من سلاح وغيره. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بعث النبي ﷺ عمر بن الخطاب لجباية الزكاة، فجاء إلى خالد بن الوليد، وإلى ابن جميل، فمنعا أداءها، فشكاهما عمر إلى النبي ﷺ ، فَقال ﷺ "أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، فلا زكاة عليه، وأما ابن جميل فليس له من العذر، إلاَّ أنَّه كان فقيرًا فأغناه الله". ٢ - ففيه مشروعية بعث الإمام السعاة لجباية الزكاة من أهلها. ٣ - جواز شكوى من امتنع من أداء الواجبات إلى من يقدر على إجباره على أدائها، وأنَّ هذا لا يُعدُّ من الغيبة المحرَّمة. ٤ - قبيح فعل من جحد نعمة الله عليه شرعًا وعقلاً؛ لأنَّه جعل كفر النعمة مكان شكرها. ٥ - أنَّ الأشياء الموقوفة على جهة برٍّ، كالمساجد، والربط، والمدارس،

стр. 2476

والفقراء، ليس فيها زكاة؛ لأنَّه ليس لها مالك معيَّن. ٦ - أما الموقوفة على معيَّن ففيها الزكاة، إذا بلغت حصة كل واحد منهم نصابًا. ٧ - جواز جعل الأعيان المنقولة وقفًا لله تعالى، فلا يختص الوقف بالعقار، وجواز وقف الحيوان، فقد فسرت الأعتاد بالخيل. ٨ - إن الوقف جهة برٍّ، ثوابه كبير، وأجره عظيم. ٩ - إنَّ الحقيقة الشرعية "في سبيل الله" هي الغزو وقتال الكفار، لا جميع المرافق التي ينتفع المسلمين، كما أدخلها بعضهم. ١٠ - وفيه فضيلة الوقف والتحبيس على الجهاد في سبيله، وأنَّ هذا من جهات البرِّ النَّافعة. ١١ - الجهاد الغرض منه نشر الدعوة، وإعلاء كلمة الله تعالى، وهذا كما يكون بالقتال يكون أيضًا بالدعوة إلى الله تعالى، وما يعين عليها. ١٢ - قوله: "في سبيل الله" دليلٌ على أنَّ الوقف لا يُشرع، ولا يصح، إلاَّ إذا كان على قُربة، وبر، يرجو الواقف ثوابه عند الله تعالى؛ لأنَّه صدقةٌ، والصدقة يقصد بها الثواب. قال ابن القيم: الوقف على المَشَاهد باطلٌ، وهو مالٌ ضائعٌ فيصرف في مصالح المسلمين، فإنَّ الوقف لا يصح إلاَّ في قربةٍ وطاعة الله ورسوله، فلا يصح على قبور تُسْرج وتعظَّم، وتُتَّخذ من دون الله، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة المسلمين، ومن اتَّبع سبيلهم. ***

стр. 2477

باب الهبة والعمرى والرقبى مقدمة الهبة: بكسر الهاء، وتخفيف الباء، يقال: وهبت له شيئًا وَهْبًا، -بإسكان الهاء وفتحها- وهبة، والاسم الموهوب. وهي مشتقةٌ من هبوب الريح، أي مرورها. وشرعًا: تمليك جائز التصرف غيره مالاً معلومًا، أو مجهولاً مقدورًا على تسليمه، غير واجب في الحياة، بلا عوض. قال النووي: الهبة، والهدية، وصدقة التطوع، أنواع من البر متقاربة، يجمعها: "تمليك عين بلا عوض". العُمْرى: بضم العين نوع من الهبة مأخوذة من العُمُر، لأنَّها توهب مدة عمر الموهوب له. الرُّقْبى: بضم الراء، مأخوذة من المراقبة، قال في النهاية: هو أن يقول الرجل للرجل: قد وهبت لك هذه الدار، فإن متَّ قبلي رجعت إليَّ، وإن مُتُّ قبلك فهي لك، فكل واحد منهما يرقب موت صاحبه. وهي نوع من الهبة أيضًا يعلق الرجوع بها بموت الموهوب، فهو يترقب وفاته، وهذا مأخذ اشتقاقها. والهبة أنواع: ١ - الهبة المطلقة: ما قصد بها التودد.

стр. 2478

٢ - الصدقة: ما قصد بها محض ثواب الآخرة. ٣ - العطية: هي الهبة في مرض الموت المخوف، وتشارك الوصية في أكثر أحكامها. ٤ - هبة الدَّين: هو الإبراء من الدَّين. ٥ - هبة الثواب: يقصد بها ثواب الدنيا، وعوضها في الدنيا، وهي نوع من البيع، ولها أحكام البيع. وإذا أطلقت الهبة فالمراد بها الأولى من هذه الأنواع. وللهبة فوائد كثيرةٌ، وحِكَمٌ عظيمةٌ، من إسداء المعروف، وجلب المحبة والمودة، لاسيَّما إذا كانت على قريب، أو جار، أو ذي عداوة، فإنَّها تحقق من المصالح والمنافع الخير الكثير، وتكون من أنول العبادات الجليلة المتعدي نفعها، والجالبة لكل خير. فالشارع الحكيم حينما قال: "تهادوا تحابوا" إنَّما قصد كل ما فيه الخير والصلاح، والله الموفق. ***

стр. 2479

٨٠٠ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ "أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فقال: إِنِّى نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غَلاَمَا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ فَقَال: لاَ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَرْجِعهُ". وَفِي لَفْظٍ: "فَانْطَلَقَ أَبِي إِلى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي, فَقَالَ: افَعَلْتَ هَذَا بولَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لا، فَقَالَ: اتَّقُوا الله واعْدِلُوا بينَ أَوْلاَدِكُمْ، فَرَجَعَ أَبِي فرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "فَأَشْهِدْ عَلى هَذَا غَيْرِي، ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي البِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بلَى، قَالَ: فَلاَ إِذَنْ" (١). ــ * مفردات الحديث: - نحلت: نحلته نُحلاً، بضم النون وسكون الهاء المهملة، أعطيته شيئًا من غير عوض بطيب نفسٍ، والاسم النِحل بكسر النون، والمراد بها هنا: عطية يخص الرجل بها أحد أولاده. - غلامًا: رقيقًا شابًّا. - أكُلَّ وَلدك نَحَلْتَه: الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، و"كل" منصوب بفعل محذوف تقديره: "نحلت" مفعول به. وقال بعض النحاة: الأفضل فيه الرفع على أنَّ "كل" مبتدأ.

стр. 2480

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - جاء بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي بابنه النعمان إلى النبي ﷺ ؛ ليُشْهِدَه على أنَّه نحله غلامًا، فقال له النبي ﷺ "أكل ولدك نحلته غلامًا، مثل هذا الابن؟ فقال: لا، فقَال النَّبي- ﷺ : اتَّقُوا الله واعدلوا بين أولادكم, فرجع والده، وردَّ تلك النِّحلة ولم يُمْضِهَا". ٢ - وجوب العدل بين الأولاد، وتحريم تفضيل بعضهم على بعض، أو تخصيص بعضهم دون بعض. ٣ - أنَّ التخصيص أو التفضيل من الجَوْر والظلم، لا تجوز الشهادة فيه، لا تحمُّلاً ولا أداءً. ٤ - قال العلماء: يجب الإنكار على من خالف، ففضَّل بعض أولاده على بعضهم في الهبة؛ لأنَّه حيْفٌ وظلمٌ, والنبي ﷺ أنكر على بشير. ٥ - هذا ما لم يكن التخصيص أو التفضيل لمسوغٍ شرعيٍّ يدعو إلى ذلك، فإن كان ثَمَّ مسوغ فلا بأس، كأن يكون أحد الأولاد فقيرًا، والباقون أغنياء، أو يكون ذا عاهةٍ، لا يعمل معها، أو يكون متفرِّغًا لطلب العلم، والباقون منشغلون بالدنيا، ونحو ذلك، فهذا يجوز فيه التخصيص، فقد فضَّل أبو بكر عائشة بجذاذ عشرين وسقًا، نَحلها إياها دون سائر أولاده، وفضَّل عمر ابنه عاصمًا بشيءٍ أعطاه، وفضَّل عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم، وكان هذا على علمٍ من الصحابة فلم ينكروا، فكان إجماعًا، وهم لم يفضلوهم إلاَّ لمعنًى رأوه، وإنما الذي لا يجوز التفضيل أو التخصيص به إذا كان على سبيل الأثَرة فقط. قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا فضَّل بعض أولاده لمعنًى فيه، كفقرٍ أو زمانةٍ فهذه المسألة فيها خلاف، واختار الموفق الجواز، واستدل عليه بقضية عائشة مع أبيها، وقوَّى هذا القول في "الإنصاف".

стр. 2481

٦ - قال شيخ الإسلام: ويجب التعديل في عطية أولاده على حسب ميراثهم، وهو مذهب أحمد، فإنْ خصَّ بعضهم لمعنًى يقتضي ذلك من حاجةٍ، أو زمانة، أو لانشغاله بالعلم، أو صرف عطيته عن بعض ولده؛ لفسقه، أو بدعته، فقد روي عن الإمام أحمد ما يدل على جواز ذلك، فإنَّه قال: لا بأس إذا كان التخصيص لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة. قال في الإنصاف: وهذا قويٌّ جدًّا. واختاره علماء الدعوة السلفية. ٧ - أنَّ الحكم الذي يجري على خلاف الشرع، فإنه محرَّمٌ غير نافذ، فالنبي ﷺ لم يقبل من بشير ما نفذ من الوصية، وإنما زجره، وردها. ولقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". ٨ - قال شيخ الإسلام أيضًا: الحديث والآثار تدل على وجوب العدل، ثم هنا نوعان: - نوعٌ يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك، فالعدل فيه أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير. - نوع حاجتهم إليه متساوية من عطية أو تزويج، فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه بينهم. - نشأ نوعٌ ثالث: هو أن ينفرد أحدهم بحاجة غير معتادة، مثل أن يقضي عن أحدهم دينًا وجب عليه من أرش جناية، أو يعطيه نفقة الزوجة ونحو ذلك. ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر. اهـ من الاختيارات. ٩ - ظاهر الحديث التسوية بين الذكر والأنثى، "سوِّ بينهم" وهو قول الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل والحارثي. والمشهور من مذهب أحمد أن يقسمه بينهم على حسب ميراثهم، للذَّكَر مثل حظ الأُنثيين، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، والشيخ

стр. 2482

محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمهم الله تعالى-. ١٠ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الابن في عمل والده له حال عالية، وهي: أن يسعى في خدمة والده، والقيام بأعماله، يرجو ثواب الله تعالى، والبر بوالده وإخوانه، وله حالة أخرى لا حرج عليه فيها هي: أن يعقد مع والده عقد إجارة، فهذا يكون مثل الأجير. وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: أما إذا كان ابنه يعمل معه فيجعل له أجرة مقابل عمله، فلا أرى بأسًا، وليس هذا من باب التخصيص بل هو إجارة. ١١ - قال الموفق والشيخ تقي الدين وغيرهما: لا يجب على الإنسان التسوية بين أقاربه ولا إعطاؤهم على قدر ميراثهم؛ لأنَّ الأصل إباحة الإنسان التصرف في ماله كيف شاء، ولا يصح قياسهم على الأولاد. قال الحارثي: وهو المذهب عند المتقدمين، أما المشهور من المذهب عند المتأخرين: فيجب إعطاؤهم بقدر إرثهم، قياسًا لحال الحياة على حال الموت. والقول الأول أرجح. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على مشروعية العدل، والتسوية بين الأولاد في الهبة. واختلفوا في وجوب التسوية بينهم. فذهب أحمد والبخاري وإسحاق والثوري وجماعة إلى وجوبها، وإلى تحريم التفضيل بينهم، أو تخصيص بعضهم دون بعض، أخذًا بظاهر الحديث. وذهب الجمهور إلى أنَّ التسوية بينهم سنة وأنَّها غير واجبة، وأطالوا الاعتذار عن الأخذ بالحديث بما لا مقنع فيه. والحق الذي لا شكَّ فيه وجوب التسوية بينهم؛ لظاهر الحديث، ولما فيه

стр. 2483

من المصالح الكبيرة، ودفع المضار والمفسدة الوخيمة. واختلفوا فيما إذا خصَّ الوالد بعض أولاده دون بعض، أو فضله دون البعض الآخر، بلا مسوِّغٍ شرعي، ثمَّ مات الوالد قبل أن يرجع فيما خصَّ به، ولا بما زاد به بعضهم على بعض، فهل تمضي العطية لمن أُعطِيَها، والإثم على الوالد المفضل بينهم؟ أم يرجع الورثة على المُعْطَى، ويكونون فيها سواء؟ ذهب جمهور العلماء إلى القول الأول، ومنهم الأئمة الأربعة. والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، أنَّ العطية لا تثبت، وللباقين الرجوع، واختاره ابن عقيل، والعكبري، والشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، واختاره الشيخ عبد الله بن محمَّد بن عبد الوهاب، وهو قول عروة بن الزبير، وإسحاق. ***

стр. 2484

٨٠١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "العَائِدُ فِي هِبِتَهِ كَالكَلْبِ, يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ" (١). ــ * مفرادت الحديث: - العائد في هبته: الراجع في الهبة التي أعطاها. - قيْئه: القيء ما قذفته المعدة، والتشبيه من حيث إنَّه ظاهر القبح مروءةً وخُلُقًا. - ليس لنا مثل السوء: أي لا ينبغي لنا نحن المسلمين، أن نتصف بصفةٍ ذميمة، يساهمنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحواله. - ليس: فعل ماض جامد ناقص للنفي، ترفع الاسم وتنصب الخبر، فاسمها "مثل السَّوء" وخبرها متعلق الجار والمجرور "لنا". ***

стр. 2485

٨٠٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عبَّاسٍ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ يَحلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعطِيَ العَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيْهَا، إِلاَّ الوَالِدَ فِيْمَا يُعْطِي وَلَدَهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال في التلخيص: رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم من حديث طاووس عن ابن عباس. وقد رواه الشافعي عن طاووس مرسلاً، وقال: لو اتصل لقلنا به. قال الحافظ: صحَّحه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - تحريم العَوْد في الهبة والصدقة، وأنَّ هذا من لُؤم الطبع والدناءة، مما يدل على أنَّ قلبه متعلق بما أخرج، وأنَّه لم يعطه من نفس سمحة طيبة. ٢ - التعبير عن ذلك بهذا المثل الكريه المستقذر، الذي هو الغاية في البشاعة والدناءة والخسة، للإقلاع عن هذا الخلق اللئيم. ٣ - الإسلام يدعو إلى مكارم الأخلاق، ورفيع الصفات، ويحذِّر وينهى عن سفاسف الأمور ووضيعها، فهو دين الكمال والسمو. ٤ - استثنى جمهور العلماء من تحريم العود في الهبة ما يهبه الوالد لولده، فإنَّ له

стр. 2486

الرجوع في ذلك؛ عملًا بالحديث رقم (٨٠٢)، ولأنَّ هذا ليس فيه دناءة، فمال الأب والابن واحد، فكأنه نقل ماله من مكان إلى مكان آخر. ٥ - قال الفقهاء يشترط لصحة رجوع الأب فيما وهبه لولده أربعة شروط: - أن يكون ما وهبه عينًا باقية في ملك الولد. - أن تكون باقية في تصرفه ببيع، أو رهن لم ينفك، أو غير ذلك. - أن لا تزيد عند الولد زيادة متصلة كسِمَن وحمل، فإنَّ الزيادة للموهوب له، فيمتنع الرجوع فيها حينئذٍ، كما يمتنع الرجوع في الأصل. - أن لا يكون الأب قد أسقط حقه من الرجوع، أو أفلس الابن، وحجر عليه، فلا رجوع، قال الحارثي: هو الصواب بلا خلاف، وصرَّح به الموفق. ***

стр. 2487

٨٠٣ - وَعنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبلُ الهَدِيَّهَ، وَيُثِيِبُ عَلَيْهَا" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ٨٠٤ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضِيْتَ؟ قَالَ: لاَ، فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيْتَ؟ قَالَ: لاَ، فزَادَهُ فَقَالَ: رَضِيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٢). ــ * درجة الحديث (٨٠٤): الحديث صحيح. قال في التلخيص: رواه أحمد وابن حبان من حديث ابن عباس، ورواه الحاكم وصححه، وقال: على شرط مسلم، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الألباني في إرواء الغليل. * مفردات الحديث (٨٠٤): - يُثيِبُ عليها: يقال: أثاب الرجل مثوبة: أعطاه إيَّاه. قال في المحيط: والثواب مطلق الجزاء على أعمال خيرًا أو شرًّا وأكثر استعماله في ثواب الأخرة، فالمراد في الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ يكافىء على الهدية صاحبها بمثلها أو بأحسن منها.

стр. 2488

* ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الهبة نوعان: أحدهما: هبة مطلقة لا تقتضي عوضًا؛ لأنَّها عطيَّة على وجه التبرع، يقصد بها التودد، سواء كانت لمن دونه، أو أعلى منه، أو مثله، وهي الأصل. الثاني: هبة يقصد بها ثواب الدنيا، فهذه حكمها حكم البيع، والغالب أنَّ المهدي يقصد بها أن يُعطى أكثر مما أهدى، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر] أي لا تعط شيئًا؛ لتأخذ أكثر منه. ٢ - النبي ﷺ يثيب على الهدية بأكثر منها وأفضل، فقد روى ابن أبي شيبة عن عائشة: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يثيب عليها ما هو خير منها"، لما جُبِل عليه ﷺ من مكارم الأخلاق وحسن المكافأة. ٣ - وفيه مشروعية قبول الهدية؛ لأنَّ في قبولها إرضاء للمهدي، وإفهامه بوجود المحبة والصلة، وفي ردها عليه كسر قلبه، وإضعاف نفسه، ويحمل الرد على محامل كثيرةٍ، وظنونٍ بعيدةٍ. ٤ - مشروعية الإثابة عليها بما يناسب الحال والمقام، فقد قال ﷺ : "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه". ٥ - وفيه أنَّ المهدي إذا قصد بهديته الثواب والعوض، فالأفضل أن يُعطى حتى يرضى؛ لأنَّه لم يقدم هديته إلاَّ رجاءً لأفضل منها، والغالب أنَّ المهدي فقير وصاحب حاجة، وأنَّ المهدى إليه في سعة وفي غنًى. ٦ - تمام الحديث: "لقد هممت أن لا أقبل إلاَّ من قرشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثقفيٍّ" وهو يشير بهذا إلى أهل المدن والحاضرة، فهم أطيب نفوسًا من البادية المصابين بداء الطمع، ففيه دليلٌ على استحباب القناعة، وأنَّ المهدي إذا أُعطي مقابل هديته أىَّ شيء عليه أن يقنع بذلك، ولا يجعل الهدية طريقًا إلى ابتزار أموال الناس.

стр. 2489

٨٠٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "العُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ" مُتَّفَقٌ عَليْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: "أَمْسِكُوا عَلَيْكُم أَمْوَالَكُمْ، وَلاَ تُفْسِدوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَميِّتًا، وَلِعَقبِهِ". وفَي لَفْظٍ: "إِنَّمَا العُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقُولَ: هيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا". ولأَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: "لاَ تُرْقِبُوا، وَلاَ تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ" (١). ــ * درجة الحديث: رواية أبي داود والنسائي: قال عنها ابن عبد الهادي في المحرر: رواته ثقات، وقال ابن دقيق العيد: صحيح على شرط الشيخين. * مفردات الحديث: - العُمْرَى: بضم العين، وسكون الميم على الأشهر، وحكي بضم الميم، مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون، مقصورة، مأخوذة من العمر. - الرُّقْبى: بزنة العمرى، مأخوذة من المراقبة؛ لأنَّ كل واحد منهما يرقب موت الآخر؛ لترجع إليه.

стр. 2490

- حيًّا وميتًا: أي في حال حياته، وبعد مماته تكون إرثًا لمن خلفه، ولا ترجع إلى الأول أبدًا. - عقبه: بفتح العين، وكسر القاف، هو الولد وولد الولد ما تناسلوا، وله معانٍ أخرى. - أجازها: يقال: أجاز العطية يجيزها إجازة، والمعنى: نفذها، وجعلها جائزة. - ما عشت: "ما" مصدرية ظرفية يقال: عاش يعيش عيشًا: صار ذا حياةٍ، فهو عائش. والمعنى: مدة عيشك في هذه الحياة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العمرى ثلاثة أنواع: - أن تؤبد كقوله: هي لك، ولعقبك من بعدك. - أن تطلق كقوله: هي لك عمرك أو عمري. - أن يشترط الواهب الرجوع فيها بعد موت أحدهما. فهل يصح الشرط، أو يلغى، وتكون مؤبدة؟ أما النوعان الأولان: فمذهب جمهور العلماء على صحة الهبة، وتأبيدها للموهوب له، ولورثته من بعده. أما النوع الثالث: فذهب إلى صحة شرط الرجوع جماعة من العلماء، منهم الزهري، ومالك، وأبو ثور، وداود، وهو رواية عن أحمد، اختارها الشيخ تقي الدين، وغيره من الأصحاب، لحديث "المسلمون على شروطهم". والمشهور من مذهب الإمام أحمد إلغاء الشرط، ولزوم الهبة، وتأبيدها، قال الشيخ عبد الله بن محمَّد: وأما العمرى والرقبى ففيهما خلاف مشهور، والأحاديث فيهما متعارضة، والذي نختاره أنَّه إذا شرط الرجوع فيها رجعت إلى مالكها.
следующие страницы →