← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

٨٣١ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إلاَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أفَأتَصَدَّقُ بثُلُثَيْ مَالي؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: أفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: أفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّك أَنْ تَذَرَ وَرثَتَكَ أَغنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - الشطر: بفتح الشين، وسكون الطاء المهملة، آخره راء، الشطر له عدة معانٍ، والمراد به النصف. - الثُّلث والثلث: الأول يجوز فيه الرفع على أنَّه مبتدأ، والتقدير: الثلث يكفيك، أو على أنه فاعل يكفيك، ويجوز فيه النصب على الإغراء، أو على تقدير: أعط الثلث، وأمَّا "الثلث" الثاني فهو مبتدأ، وخبره كثير. - كثير: أكثر الروايات بالثاء المثلثة، وهو المحفوظ، وفي رواية للبخاري: كثير أو كبير، قال: إنَّه شكٌّ من الراوي. - إنَّك: "إنَّ" مشددة من نواصب الاسم، والكاف اسمها. - أنْ تَذَرَ: بفتح الهمزة، و"أنْ" وما دخلت عليه في تأويل مصدر، محله الرفع مبتدأ، أي تركك أولادك أغنياء، وخبره خير، والجملة بأسرها خبر "إنَّ"، وروي بكسر الهمزة على أنَّها شرطية جوابها محذوف، وتقديره: إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير. قال النووي: الروايتان صحيحتان، وأيَّد هذا الإعراب الإِمام النحوي ابن

стр. 2557

مالك، وهو شيخ الإِمام النووي. - تَذَر: قال في المصباح وغيره: هذا فعل أماتت العرب ماضيه ومصدره، فإذا أريد الماضي قيل: ترك، فيكون تأويل مصدره هنا مع أنَّ: تَرْكك ورثتك. - عالة: بفتح العين، جمع عائل: فقراء، من عال يعيل إذا افتقر، والعيلة الفقر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨]. - يتكففون الناس: مأخوذ من الكف، وهي اليد، أي يسألون الناس بأكفهم، أو يسألون ما في أكف الناس. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مرض سعد بن أبي وقاص بمكة عام حجة الوداع، فعاده النبي ﷺ ، فذكر له سعد بأنَّه صاحب مالٍ كثير، وليس له من الورثة إلاَّ بنت واحدة، فهل يتصدق بماله كله؟ كما في رواية أحمد والنسائي، فقال له النبي ﷺ : لا، فقال: بالثلثين؛ فقال: لا، فقال: بالنصف؛ فقال: لا، قال: بالثلث؟ فقال: الثلث، والثلث كثير. ثم بيَّن له أن ترْكه ورثته أغنياء لهم ما يكفيهم ويغنيهم عن الناس، خير من أن يدعهم فقراء، يسألون النَّاس، ويعيشون على إحسانهم إليهم. ٢ - سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري من السابقين إلى الإِسلام، ومن المهاجرين الأولين، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ومنها بدر، وكان له بلاءٌ عظيمٌ يوم أحد، حتى قال له النَّبِيُّ ﷺ : "فداك أبي وأمي"، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة أصحاب الشورى، وهو قائد جيوش المسلمين التي هزمت الفرس، وفتحت القادسية، والمدائن، وغيرها، وهو ممَّن اعتزل فتنة الصحابة لما قُتِل عثمان ﵃، وعاش إلى عام (٥٤) من الهجرة، ولم يمت حتى صار له من الأبناء خمسة، والسادسة بنت، ﵀، ورضي عنه.

стр. 2558

٣ - استحباب عيادة المريض، وتتأكد فيمن له حقٌّ من قريبٍ، وصديقٍ، وجارٍ، ونحوهم. ٤ - جواز إخبار المريض بمرضه، وبيان شدته، إذا لم يقصد التشكي والتسخط، وينبغي ذكره للفائدة، كطبيبٍ يعينه على تشخيص مرضه، أو مسعف يتسبب له في العلاج. ٥ - استشارة العلماء، واستفتاؤهم في أموره. ٦ - إباحة جمع المال إذا كان من طرقه المباحة. ٧ - استحباب الوصية، وأن تكون بالثلث من المال، فأقل، ولو ممن هو صاحب مال كثير. ٨ - الأفضل أن يكون بأقل من الثلث، وذلك لحق الورثة. ٩ - أنَّ إبقاء المال للورثة مع حاجتهم إليه، أفضل من التصدق به على البعيدين؛ لكون الوارث أولى ببره من غيره. ١٠ - أنَّ النفقة على الأولاد والزوجة عبادةٌ جليلةٌ مع النية الحسنة. وذكر ابن دقيق: أنَّ الثواب في الإنفاق مشروطٌ في حصول النية بابتغاء وجه الله، وهذا دقيقٌ عسر؛ لأنَّه بمقتضى الطبع والشهوة، فلابد من أن يمازجه ذلك عند معظم الناس، ثم بيَّن ﵀ أنَّ الواجبات المالية إذا أُدِّيت على وجه أداء الواجب، وابتغاء وجه الله، أُثيب فاعلها، وإن أُشربت نيته -مع إرادة وجه الله- الرغبة في أداء الواجب، فإنَّ أداء الواجب امتثالٌ، وبراءةٌ، وعبادةٌ. ١١ - وفيه مذمَّة مسألة النَّاس أموالهم، وإظهار الحاجة إليهم، وأنَّه على الإنسان أن يسعى بأي عملٍ يغنيه عنهم، وعمَّا في أيديهم. ١٢ - وفيه حسن جمع المال من حله؛ للاستغناء به عن الحاجة إلى الناس، ومن حسن توفير المال الاقتصاد في النفقات.

стр. 2559

١٣ - وفيه أنَّ حق الورثة متعلق بمال قريبهم، الذي يرثونه حتى في حال حياته، فلا يحل له أن يحتال على إنفاقه أو التصرف فيه تصرفات يقصد بها حرمانهم من الميراث. ١٤ - في الحديث حثٌّ على صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، والشفقة على الورثة، فإنَّ صلة القريب الأقرب، والإحسان إليه، أفضل من الأبعد. ١٥ - وفيه فضل الإنفاق في وجوه الخير، وإنما يثاب على عمله بنيته، وأنَّ الإنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى، وأنَّ المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة. ***

стр. 2560

٨٣٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصِ، وَأظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها؟ قَالَ: نَعَمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). ــ * مفردات الحديث: - رجلًا: هو سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي ﵁، سيد الخزرج، اسم أمه عَمْرة بنت مسعود الأنصارية، من بني النجار. - افْتُلِتَتْ: بضم الهمزة، وسكون الفاء، وضم التاء المثناة، ثم لام مكسورة، مبني للمجهول، ومعناه ماتت بغتة وفجأة. - نفْسُهَا: فيها إعرابان: إمَّا مرفوعةٌ على أنَّها نائب فاعل، وإما منصوبة على أنَّها مفعول ثانٍ، بمعنى سلبت نفسها، قال في النهاية: ماتت فجأة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ الصدقة عن الميت جائزة، وأنَّ ثوابها يصل إليه، وهذا لا يعارض قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]. فإنَّه إذا منحه أحد من سعيه كان له زيادة على ماله من السَّعي. ٢ - استحباب الصدقة عن الميت، ولو لم يوص بذلك، لاسيَّما إذا عرف أنه لو تكلَّم، أو حصلت له مهلةٌ لأوصى بالصدقة. ٣ - فضيلة بر الوالدين، وأنَّ من برِّهما بعد مماتهما الدعاء لهما، والصدقة عنهما، وفعل القُرب الصالحة، وإهداءَها إليهما.

стр. 2561

٤ - أنَّه ينبغي لمن أراد الوصية أن يبادر بها؛ لينفذ وصيته بنفسه، ليحرز ثوابه كله، وليخرجها حسب رغبته فيها، من قدْرها، ونوعها، وطريق مصرفها. ٥ - المبادرة بتنفيذ وصايا الميت؛ ليحرز أجرها، وأهم من ذلك المبادرة بأداء الواجبات، والحقوق التي عليه، سواء كانت لله كالحج والزكاة، والكفارات والنذور، أو كانت للناس كالديون. ٦ - مبادرة الحياة بفعل الطاعات، وعمل الخيرات، فالدنيا سباق في تحصيل الفضائل، واقتناص الثواب، فمن عَلَت مرتبته في الفضائل، زادت مرتبه في دار الجزاء. * خلاف العلماء: أجمع العلماء علماً أنَّ الدعاء، والاستغفار، والعبادات المالية، من الصدقات، والحج، والعمرة، أنه يصل ثوابها إلى الميت. فالدعاء والاستغفار دليله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وقوله ﷺ : "استغفروا لأخيكم فإنَّه الآن يسأل" [رواه أبو داود]. وأما الصدقة فدليلها حديث الباب. وفي الحج ما في البخاري أنَّ امرأةً من جهينة قالت: يا رسول الله، إنَّ أُمِّي نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها، اقضوا الله، فإنَّه أحق بالوفاء". والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة جدًّا. وقد ساق منها ابن القيم في "كتاب الروح" جملة صالحة. قال شيخ الإِسلام: أئمة الإِسلام متَّفقون على انتفاع الميت بدعاء الخلق له، وبما يُعمل عنه من البر، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإِسلام، وقد دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، فمن خالف فيه كان من أهل البدع.

стр. 2562

وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم] وقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله"؛ لأنَّ ذلك من عمله. وذلك بأن يثيب الساعي على سعيه وعمله، ويرحم الميت بسعي هذا الحي ويزيد في حسناته. واختلف العلماء في العبادات البدنية كالصلاة والصيام وقراءة القرآن. فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى وصول ثوابها. وذهب مالك والشافعي إلى عدم وصولها، والاقتصار على العبادات المالية، والدعاء، والاستغفار. ومن أدلة أبي حنيفة وأحمد. ١ - أنَّ الدعاء والاستغفار من العبادات البدنية وغيرها مثلها. ٢ - أنَّ الصيام من العبادات البدنية، وقد جاء في الصحيحين أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من مات وعليه صيامٌ، صام عنه وليه". ٣ - ما جاء في البخاري أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله! إنَّ أمي ماتت، وعليها صيام نذر، فقال: "صومي عن أمك". وأما دليل مالك والشافعي فقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]. وأُجيب بأنَّ كون الإنسان لا يملك إلاَّ سعيه، لا ينافي أنَّ غيره يهدي إليه من سعيه، فيزيد في حسناته. وقد أجاب ابن القيم عن أدلتهما في "كتاب الروح" بما لا مزيد عليه.

стр. 2563

٨٣٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" رَواهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إِلاَّ النَّسَائيَّ، وَحسَّنَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ (١)، وَرَواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ في آخِرِهِ: "إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الوَرَثَةُ"، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فقد جاء عن جماعةٍ كبيرةٍ من الصحابة، منهم أبو أمامة، وعمرو بن خارجة، وابن عباس، وأنس، وابن عمر، وجابر، وعلي، وعبد الله بن عمرو، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم. قال الشيخ الألباني: وخلاصة القول أنَّ الحديث صحيح، لا شكَّ فيه، فهو من رواية شراحيل بن مسلم الخولاني قال: سمعتُ أبا أُمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وجلال الدين السيوطي وغيره من المتأخرين جعلوا هذا الحديث من الأحاديث المتواترة، وذلك بانضمام طرقه بعضها إلى بعض، وإن كان في

стр. 2564

بعضها ضعفٌ فهو ضعف محتمل، وبعضه حسن لذاته، لاسيَّما أنَّه لا يشترط في الحديث المتواتر سلامة طرقه من الضعف؛ لأنَّ ثبوته إنَّما هو بمجموعها، لا بفردٍ منها. أما رواية: "إلاَّ أن يشاء الورثة" فهي من رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، وعطاء الخراساني لم يدرك ابن عباس، قاله البيهقي، وقد جاء من وجهٍ آخر عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، لكن عطاء الخراساني غير قوي، ولذا رجَّح الحافظ ابن حجر المرسل، أما ابن القطان فحسَّنه مرفوعًا موصولًا. قال الشيخ الألباني: ينبغي أن تكون هذه الزيادة منكرة، على ما تقتضيه القواعد الحديثية. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كانت الوصية في صدر الإِسلام للأقارب فرضًا، وذلك قبل نزول آية الميراث، فلما نزلت بطلت الوصية لهم إلاَّ برضا الورثة الراشدين، وذلك لما جاء في بعض روايات الحديث: "لا وصيَّة لوارث، إلاَّ أن يشاء الورثة" ولأنَّ الحق لهم، فإذا رضوا، فلا مانع. ٢ - يدل الحديث على صحة الوصية ومشروعيتها، ما دام أنَّه جاءها التعديل والتوجيه من الشارع الحكيم، فيدل على أنَّ أصلها صحيح. ٣ - فالمسلم في حياته قد جعل الله له أن ينفق من ماله بعد مماته بقدر ثلث تركته في سُبُل الخير، وأن يدع الباقي لورثته، ومن هم أولى النَّاس ببرِّه من أقاربه الوارثين فروعًا وأصولاً، أو حواشي، فلا يزيد في وصيته عن الثلث؛ لئلا يجحف بنصيب الورثة. ٤ - وإذا وصَّى فلتكن وصيته لمن لا يرثه من أقاربه، أو من الفقراء، أو أهل العلم، أو المجاهدين، أو سائر طرق الخير والبر، أما من جعل وصيته

стр. 2565

لورثته أو لبعضهم فقد تعدى حدود الله فيها، وظلم نفسه وظلم غيره، فإنَّ الوصية لا تجوز، إذ لا وصية لوارث. ٥ - كما أنَّ محاباة بعض الورثة، وإعطاءَهُ ما لم يعط الباقين، أو حرمان بعضهم من إرثه بحيلة من الحيل: من تعدي حدود الله تعالى، سواء كان ذلك هبةً، أو بيعًا صوريًّا، أو إقرارًا كاذبًا. ٦ - والوصية بالثلث للأجنبي، والأجنبي هنا من ليس بوارث، أو للجهات الخيرية النافعة من مساجد، وربط، ومدارس، ونشر دعوة الله تعالى، فيجوز بالثلث، وما زاد على الثلث لا يجوز إلاَّ بموافقة الورثة البالغين الراشدين، فإن أذنوا جاز، وإن لم يأذنوا فالحق لهم، وهذا معنى قوله ﷺ : "إلاَّ أن يشاء الورثة"، إن صحَّت هذه الزيادة. ***

стр. 2566

٨٣٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، زِيَادَةً في حَسَنَاتِكُمْ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبي الدَّرْدَاءِ (٢)، وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (٣)، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. ــ * درجة الحديث: حديث الباب حسن لغيره، وله شواهد منها: ما أخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وكلها ضعيفة، ولكن يقوي بعضها بعضًا، فقد جاء الحديث من عدَّة طرق حيث روي من حديث أبي هريرة، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي بكر الصديق، وخالد بن عبيد السلمي. قال الشيخ الألباني عن هذه الطرق: إنَّ جميع طرق الحديث ضعيفة شديدة الضعف، إلاَّ أنَّ ضعف طريق أبي الدرداء، وطريق معاذ بن جبل، وطريق خالد بن عبيد يسير، لذلك فالحديث بمجموع هذه الطرق الثلاث يرتقي إلى درجة الحسن، وسائر الطرق إن لم تزده قوَّة لم تضره، والله أعلم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الله تعالى لطيف بعباده، لاسيَّما بعباده المؤمنين، فقد سهل لهم من سبل

стр. 2567

الخير، وطرق البر ما تزداد به حسناتهم، وتنمو به أعمالهم الصالحة، من الأيام المباركات، والليالي الفاضلات، والساعات ذات النفحات، والأمكنة المقدسة، والأذكار الجامعة. ومن ذلك أنْ تفضل عليهم بثلث أموالهم، لتكون صدقة لهم بعد مماتهم تزيد بها حسناتهم. ٢ - فالصدقة الكاملة والإحسان الحقيقي هو ما يخرجه الإنسان في حياته، وحال صحته وقوته، ورغبته في المال، كما قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان]، وكما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت شحيحٌ صحيح، تخشى الفقر، وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان". ٣ - لكن الله جلَّ وعلا من فضله على عباده، وبره بهم، وعلمه بحبهم المال، وشدتهم عليه، جعل لهم الصدقة بثلث أموالهم عند وفاتهم، زيادة في حسناتهم. ٤ - جواز الوصية بالمال بقدر الثلث للأجنبي، والأجنبي هنا: معناه غير الوارث. ٥ - تحريم الزيادة عن الثلث إلاَّ بإذن الورثة البالغين الراشدين، وموافقتهم. ٦ - أنَّ زمن قبول الوصية وتنفيذها يكون بعد الموت؛ لأنَّ ذلك الوقت هو وقت ثبوت حق الموصى له. ٧ - أنَّ الوصية بثلث التركة يعتبر بعد مؤن التجهيز، وبعد وفاء جميع الديون، سواءٌ كانت لله، أو للنَّاس. ٨ - أنَّ الوصيَّة بالمال فيها فضل، وفيها أجر، فإنَّ الله لم يشرعها لخلقه، وتفضل بها على عباده، إلاَّ لما فيها من الثواب الكبير؛ لأنَّها إحسانٌ، وصدقةٌ جاريةٌ، قال تعالي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ

стр. 2568

أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس]. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في صحة الوصية للوارث، إذا أجاز ذلك الورثة. فذهب جمهور العلماء إلى صحة الوصية للوارث، إذا أجاز الورثة، ذلك أنَّهم قد أخذوا بهذه الزيادة "إلاَّ أن يشاء الورثة"، وإسنادها حسن. قال الشيخ تقي الدين: لا تصح لوارث بغير رضى الورثة: قال في الروض؛ ولا تجوز الوصية لوارث بشيء إلاَّ بإجازة الورثة بعد الموت؛ لقوله ﵊: "لا وصية لوارث"، فإنْ أجاز الورثة، فإنَّه تصح تنفيذًا؛ لأنَّها إمضاءٌ لقول وارث. وقال الشيخ عبد الله بن محمد: اتَّفق العلماء أنَّه لا وصية لوارث، إلاَّ إذا أجاز الورثة، وكانوا راشدين، وعلَّق الفقهاء جوازها باعتبار إجازتهم؛ لأنَّ المنع من الوصية للوارث لحقهم، فإذا أجازوا، نُفِّذ ذلك؛ لأنَّ الحق لهم. وذهب الظاهرية إلى أنَّ الوصية للوارث، لا تصح، ولو أجاز الورثة، فإنَّه لا أثر لإجازتهم. وقال الشيخ الألباني عن حديث: "إلاَّ أن يشاء الورثة" ينبغي أن يكون حديثًا منكرًا على ما تقتضيه القواعد الحديثية. اهـ. وحديث: "لا وصية لوارث" جزم الشافعي في الأم أنَّه متنٌ متواتر، وأنَّه متلقًّى بالقبول من كافة الأمة. وقد ترجم له البخاري فقال: "باب لا وصية لوارث" وإن لم يكن على شرطه. وقال شيخ الإِسلام: اتَّفقت الأمة عليه. وقال المجد: مَن حفظنا عنهم مِن أهل العلم لا يختلفون أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال

стр. 2569

عام الفتح: "لا وصيَّة لوارث". قال الحافظ: أجمع العلماء على مقتضاه. وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح؛ لأنَّ المنع لحقهم وحدهم، وقد أجازوا. * فوائد: الأولى: إنَّ الموصي ما دام حيًّا فهو حر التصرف في وصيته، والتغيير والتبديل فيها، وفي مصرفها, وله الزيادة والنقص ما دام في حدود الثلث، ولا يزيد عليه. الثانية: الوصية تبطل بوجود واحد من خمسة أشياء: ١ - برجوع الموصي يقول أو فعل يدل على الرجوع، كبيع العين الموصى بها. ٢ - إذا مات الموصى له قبل موت الموصي. ٣ - إذا قتل الموصى له الموصي، سواء كان عمدًا أو خطأ، للقاعدة الشرعية: "من تعجَّل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه" هذا في حق العامد، ومن باب "سد الذرائع" في حق غير العامد. ٤ - إذا ردَّ الموصى له الوصية بعد موت الموصي، ولم يقبلها. ٥ - إذا تلفت العين الموصى بها. الثالثة: الأفضل أن تكون الوصية للأقارب المحتاجين، الذين لا يرثون الموصي؛ لأنَّهم أولى الناس ببرِّه، ولما جاء في مسند الإِمام أحمد عن أنس قال: جاء أبو طلحة إلي النَّبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنَّ الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإن أحبَّ أموالي إليَّ ببيرحاء، وإنها صدقةٌ لله، أرجو برها، وذُخرها عند الله تعالى، فضعْها حيث أراك الله، فقال النبي ﷺ : "بخٍ بخٍ، ذاك مالٌ رابحٌ، ذاك مالٌ رابح، أرى أن تجعلها في الأقربين" فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.

стр. 2570

ولما في الصحيحين من حديث زينب امرأة ابن مسعود أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة". الرابعة: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: تجري في الوصية الأحكام الخمسة: ١ - تجب على من عليه حق بلا بينة. ٢ - تحرم على من له وارث، إذا وصى بأكثر من الثلث، أو وصى لوارث بشيءٍ، ما لم تُجِز الورثة. ٣ - تسن لمن ترك خيرًا كثيرًا بالثلث فأقل في الطرق النافعة. ٤ - تكره لفقير، وارثُه محتاج. ٥ - تباح للفقير إذا كان وارثه غنيًّا. وقد تقدم هذا قريبًا. * فائدة: قال كل من الشيخ عبد الله أبابطين، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، والشيخ حسن ابن حسين، والشيخ عبد العزيز بن حسن: إنَّ وصيَّة الرجل لأُمه، وأبيه، وأخته، ونحوهم، بحجَّة، أو أضحية، وهم أحياء، لا مانع منها؛ لأنَّ هذا من باب البر والإحسان إليهم بالثواب، وليس من الوصية الممنوعة شرعًا، التي يقصد بها تمليك الموصى له، بحيث إنَّ الموصى له يتصرَّف فيها تصرف الملاك بالبيع وغيره. ***

стр. 2571

باب الوديعة مقدمة الوديعة: فعيلة بمعنى مفعولة، من الوَدْع، وهو الترك؛ لأنَّها متروكة عند المودع، والإيداع: توكيل في الحفظ، والاستيداع: فيه توكيل كذلك. والوديعة شرعًا: توكيل المودع من يحفظ ماله بلا عوض. وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. ومن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وأما السنة: فمثل حديث الباب. وأما الإجماع: فأجمع العلماء على جوازها. وهي من القُرب المندوب إليها باتفاق أهل العلم. وفي حفظها ثوابٌ جزيل، ففي الحديث: "والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه" والحاجة داعيةٌ إلى ذلك، فهي من الإعانة على الخير. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] كما اتَّفقوا على أنَّها عقدٌ جائزٌ، غير لازمٍ، فإنْ طلبَها صاحبها، وجب ردها إليه، وإن ردَّها المستودع، لزم صاحبها قبولهَا. ويستحب قبولها لمن وثق من نفسه الأمانة عليها، والقدرة على حفظها. قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الوديعة أمانة محضة لا تضمن إلاَّ بالتَّعدي، أو التفريط، وأنَّه إذا أودعه على شرط الضمان لا يضمن بالشرط، وحكى ذلك إجماعًا.

стр. 2572

٨٣٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنُ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١). وبابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ تَقَدَّمَ في آخِرِ الزَّكَاةِ، وَبَابُ قَسْمِ الفَيءِ وَالغَنِيمَةِ يَأْتِي عَقِبَ الجِهَادِ، إِنْ شَاءَ اللهُ تعَالَى. ــ * درجة الحديث: الحديث حسن لغيره. أخرجه ابن ماجه من طريق أيوب بن سويد عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث، وهذا سندٌ ضعيف، فالمثنى ضعيف، أورده الذَّهبي في الضعفاء. وقال: ضعَّفه ابن معين، وقال النسائي: متروك، وللحديث ثلاثة طرق أخر ضعيفة، إلاَّ أنه يحصل له بمجموعها قبول، فيكون حسنًا لغيره. * مفردات تتعلَّق بالوديعة: - المودع: بكسر الدال، هو من صاحب الوديعة، ومؤمنها. - المودع: بفتح الدال، هو من وضعت عنده الوديعة؛ لحفظها بلا عوض. - الودِيعة: هي المال المودع عند من يحفظه بلا عوض. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الوديعة أمانة من الأمانات، والأمانة لا يضمنها المؤتمَنُ عليها إلاَّ بالتَّعدي

стр. 2573

عليها، أو التفريط فيها. ٢ - التعدي: هو فعل ما لا يجوز، والتفريط: هو ترك ما يجب، فمن تعدى على الأمانة، أو فرط فيها فهو ضامن؛ لأنَّ يده يد معتدية، ومن لم يتعد، ولم يفرط فلا ضمان عليه؛ لأنَّه أمين. ٣ - قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الوديعة أمانة محضة، غير مضمونة إلاَّ بالتَّعدي، أو التفريط، واتَّفقوا على أنَّه إذا أودعه على شرط الضمان أنه لا يضمن بالشرط، حكى ذلك إجماعًا. قال في شرح الإقناع: وإن شرط ربُّ الوديعة على المودعَ ضمان الوديعة لم يصح الشرط، ولا يضمنها الوديع؛ لأنَّه شرطٌ ينافي مقتضا العقد، فلم يضمنها. ٤ - قال في شرح الإقناع أيضًا: المودعَ أمين، والقول قوله مع يمينه فيما يدَّعيه من رد؛ لأنَّه لا منفعة له في قبضها، ويقبل قوله أيضًا في نفس ما يدعى عليه من خيانةٍ، أو تفريطٍ؛ لأنَّ الأصل عدمها؛ ولأنَّ الله تعالى أمره بأدائها إلى أهلها؛ ولو لم يكن قوله معتبرًا مقبولاً ما وُجِّه الأمر إليه فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. قال ابن هبيرة: اتفقوا على قبول قول المودع في التلف، والرد مع يمينه. ٥ - ويجب حفظ الوديعة في حرز مثلها عرفا، كما يحفظ ماله؛ لأنَّه تعالى أمر بأدائها, ولا يمكن ذلك إلاَّ بالحفظ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. * فوائد: الأولى: قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أنَّ المستودع إذا أحرز الوديعة، ثم ذكر أنَّها ضاعت، قُبِل قوله بيمينه. الثانية: قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ القول قول المستودع في التلف والرد مع

стр. 2574

يمينه. الثالثة: يقبل قول المودع في عدم التفريط والخيانة؛ لأنَّه أمين، والأصل براءته، وهكذا حكم سائر الأمانات. قال ابن القيم: إن لم يكذبهم شاهد الحال. الرابعة: قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه متى طلب الوديعة صاحبُهَا، وجَبَ على المودع أن لا يمنعها مع إمكان الرد، وإن لم يفعل فهو ضامن، فإن طلبها في وقتٍ لا يمكنه دفعها إليه، لم يكن متعديًا. ... انتهى كتاب البيوع

стр. 2575

كتاب النكاح مقدمة النكاح لغة: الضم، وهو حقيقة الوطء، ويطلق مجازًا على العقد من إطلاق المسبب على السبب. وكل ما ورد في القرآن من لفظ النكاح فالمراد به العقد، إلاَّ قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فالمراد به الوطء. والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وغيرها من الآيات. وأما السنة: فآثارٌ كثيرةٌ، قوليةٌ، وفعليةٌ، وتقريريةٌ، ومنها: حديث الباب: "يا معشر الشباب .. إلخ". وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعيته، وقد حثَّ عليه الشارع الحكيم؛ لما يترتب عليه من المصالح الجليلة، ويدفع به من المفاسد الجسيمة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وهذا أمرٌ، وقال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وهذا نهي. وقال ﷺ : "النكاح سُنَّتي فمن رغب عن سُنتي فليس منِّي". وقال: "تناكحوا تكثُرُوا، فإني مباهٍ بكُم الأُمم يوم القيامة". والنصوص في هذا المعنى كثيرة. كل هذا لما يترتب عليه من المنافع العظيمة، التي تعود على الزوجين،

стр. 2576

والأولاد، والمجتمع، والدين بالمصالح الكثيرة. فمن ذلك: ما فيه من تحصين فرْجَي الزوجين، وقصر نظر كل منهما بهذا العقد المبارك على صاحبه عن الخِلان والخليلات. ومن ذلك: ما فيه من تكثير الأمة بالتناسل؛ ليكثر عباد الله تعالى، ويعظم سوادهم، ولما فيه من اتباع سنة النبي ﷺ ، وتحقيق المباهاة، ولِما فيه من التساعد على أعمال الحياة، وعمار الكون. ومنها: حفظ الأنساب التي يحصل بها التعارف والتآلف والتعاون والتناصر، فلولا عقد النكاح وحفظ الفروج به، لضاعت الأنساب والأصول، ولأصبحت الحياة فوضى لا وراثة، ولا حقوق، ولا أصول، ولا فروع. ومنها: ما يحصل بالزواج من الألفة والمودة، والرحمة بين الزوجين، فإنَّ الإنسان لابد له من شريك في حياته، يشاطره همومه وغمومه، ويشاركه في أفراحه وسروره، وفي عقد الزواج سرٌّ ربانيٌّ عظيم، تتم عند عقده إذا قدر الله الألفة، فيحصل بين الزوجين من معاني الود والرحمة ما لا يحصل بين الصديقين أو القريبين إلاَّ بعد الخلطة الطويلة، وإلى هذا المعنى أشار ﵎ بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم]. ومنها: ما يحصل في اجتماع الزوجين من قيام البيت والأسرة الذي هو نواة قيام المجتمع وصلاحه. فالزوج يكد ويكدح ويتكسب، فينفق ويعول. والمرأة تدبر المنزل، وتنظم المعيشة، وتربي الأطفال، وتقوم بشؤونهم، وبهذا تستقيم الأحوال، وتنتظم الأمور. وبهذا نعلم أنَّ للمرأة في بيتها عملًا كبيرًا، لا يقل عن عمل الرجل في خارج البيت، وأنَّها إذا أحسنت القيام بما نيط بها، فقد أدَّت للمجتمع كله

стр. 2577

أعمالًا كبيرةً وجليلة. فتبيَّن أنَّ الذين يريدون إخراجها من بيتها ومقر عملها, لتشارك الرجل في عمله، قد ضلوا عن معرفة مصالح الدين والدنيا ضلالاً بعيدًا، أو عرفوا وأرادوا الإضلال. وفوائد النكاح كثيرة يصعب عدها وإحصاؤها؛ لأنَّه نظامٌ شرعي إلهيٌّ، سُنَّ ليحقِّق مصالح الآخرة والأولى. - وللزواج آدابٌ وحدودٌ لابُدَّ من مراعاتها، والقيام بها من الجانبين؛ لتتم به النعم، وتتحقَّق السعادة، ويصفو العيش، وهي أن يقوم كل واحدٍ من الزوجين بما لصاحبه من حقوق، ويراعي ماله من واجبات. فعلى الزوج القيام بالإنفاق، وما يتبعه من كسوةٍ وسكنٍ بالمعروف، وأن يكون طيب النفس، وأن يحسن العشرة باللطف، واللين، والبشاشة، والإنس، وحسن الصحبة. وعليها أن تقوم بخدمته، وإصلاح بيته، وتدبير منزله ونفقته، وتحسن إلى أولاده بتربيتهم، وتحفظ زوجها في نفسها وبيته وماله، وأن تقابله بالطلاقة والبشاشة، وتهيىء له أسباب الراحة، وتُدخل على نفسه السرور؛ ليجد في بيته السعادة والانشراح، والراحة بعد نصب العمل وتعبه، وهو يبادلها الاحترام والبشاشة، والطلاقة وحسن العشرة، والقيام بالواجبات. فإذا قام كل من الزوجين بما لصاحبه من الحقوق والواجبات، صارت حياتهما سعيدة، واجتماعهما حميدًا، ورفرف على بيتهما السرور والحبور، ونشأ الأطفال في هذا الجو الهادىء الوادع، فتربَّوا علَى كَرَم الطباع، وحسن الشمائل، ولطيف الأخلاق. وهذا النكاح الذي أتينا على شيءٍ من فوائده، ثم ذكرنا ما يحقِّق من السعادة، هو النكاح الشرعي الإِسلامي الذي يكفل صلاح البشر، وعمار

стр. 2578

الكون، وسعادة الدارين، فإن لم يحقق المقاصد فإنَّ النُّظُم الإلهية التي أمر بها، وحثَّ عليها, لم تراع فيه، وبهذا تدرك سمو الدين، وجليل أهدافه ومقاصده. * فائدة: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: عقد النكاح يفارق غيره من العقود بأحكام منها: ١ - له من الفضائل والمصالح بها ليس لغيره. ٢ - جميع العقود لا حَجْر على الإنسان في الإكثار منها، أما النكاح فالنهاية أربع في وقت واحد. ٣ - النكاح لابد في عقده من الصيغة القولية؛ لخطره، بخلاف غيره فينعقد بما دلَّ عليه. ٤ - الإشهاد على النكاح شرطٌ في صحته، وأما غيره فالإشهاد سنة لا واجب. ٥ - لابدَّ في تزويج المرأة من ولي، ويجوز أن تباشر المرأة بقية العقود بلا ولي. ٦ - العقود يجوز أن تُعقد بلا عوض، وأما النكاح فلابد فيه من الصداق. ٧ - المعاوضات لا يصح جعل شيء من العوض لغير الباذل، وأما النكاح فيجوز جعل بعضه لأبيها. ٨ - لا يجوز للأب أن يبيع شيئًا من مال ولده القاصر بدون المثل، ويجوز أن يزوج ابنته الصغير بأقل من صداق مثلها. ٩ - ليس في النكاح خيار مجلس، ولا خيار شرط، بخلاف البيع وما في معناه. ١٠ - العقود على المنافع لابد لها من مدة معيَّنة، بخلاف النكاح فلا يحل أن يحدد بمدة معيَّنة، وإلاَّ صار نكاح متعة. ١١ - العوض المؤجل في العقود لابد أن يكون أجله معلومًا، بخلاف الصَّداق

стр. 2579

المؤجل، فلا يشترط كون أجله معلومًا، وإذا لم يشترط له أجل فحلوله الفراق بالحياة أو الممات. ١٢ - جميع العقود الفاسدة لا تحتاج إلى فسخ لفسادها، بل يصير وجودها كعدمها، إلاَّ النكاح الفاسد فلابد فيه من طلاقٍ أو فسخٍ. ***

стр. 2580

٨٣٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيتزَوَّجْ، فَانهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْج، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوم، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - معشر: المعشر: هم الجماعة الذين أمرُهُم واحد، مختلطين كانوا، أو غير مختلطين، كالشباب، والشيوخ، وهو جمعٌ لا واحد له من لفظه، ويُجمَع على معاشر. - الشباب: جمع شاب، ويجمع علماً شُبَّان، بضم أوله، وتشديد الباء. قال الأزهري: إنَّه لم يجمع فاعل على فعلان غيره، وأصل المادة الحركة والنشاط، وهو من البلوغ إلى بلوغ الأربعين، هذا أحسن تحديدٍ له. وإنَّما خص الشباب بالخطاب؛ لأنَّ الغالب وجود قوَّة الداعي فيهم إلى الجماع، بخلاف الشيوخ. - من استطاع: قال القرطبي: الاستطاعة هنا عبارة عن وجود ما به يتزوج، ولم يرد القدرة على الوطء. - الباءة: فيه أربع لغات، المشهور منها هو المد وتاء التأنيث، والمعنى اللغوي للباءة: هو الجِماع، ولكن المراد هنا مؤن النكاح من المهر والنفقة. والمعنى: من استطاع منكم أسباب الجماع، ومؤنه فليتزوج. - فإنَّه: أي التزوج ويدل عليه: فليتزوج.

стр. 2581

- أغض: بالغين والضاد المعجمتين، يقال: غض طرفه يغض غضًّا: خفضه، وكفه ومنعه مما لا يحل له رؤيته، والمعنى أنَّه أدعى إلى خفض البصر، وأدفع لعين المتزوج عن النظر المحرم. - أحصن: يقال: حصن المكان حصانة: منع، فهو حصين، وأحصن الزواج الرجل: عصمه، وأحصن البعل زوجته: عصمها، والمعنى أنه أدعى إلى إحصان الفرج. - فعليه بالصوم: قيل إنَّه إغراء لغائبٍ، وسهَّل ذلك فيه أنَّ المغرى به تقدم ذكره، وقيل: إنَّ الباءة زائدة، فيكون بمعنى الخبر. - الوِجَاء: يقال: وجأه يجؤه وَجْئًا، ضربه بالسكين في أي موضع كان، والاسم الوجاء، بكسر الواو والمد، وهو رض الخصيتين، وقيل رض العرق، والخصيتان باقيتان بحالهما؛ لتذهب بذلك شهوة الجماع، وكذلك الصوم فإنَّه مُضْعِف للشَّهوة، أي أنَّ الصوم حماية ووقاية من شرور الشهوة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العفة واجبة، وضدها محرَّم، وهي تأتي من شدَّة الشهوة مع ضعف الإيمان, والشباب أشد شهوة من الشيوخ، ولذا أرشدهم ﷺ إلى طريق العفة، وذلك أنَّ من يجد مؤنة النكاح من المهر والنفقة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنَّ له أجرًا، ويقيه عن الوقوع في المعصية، حيث يقمع شهوة الجماع ويضعفها، وذلك بترك الطعام والشراب، فكان الصوم وِجَاء له عن شدة الشَّهوة. ٢ - قال شيخ الإِسلام: استطاعة النكاح هي القدرة على المؤنة، وليس هو القدرة على الوطء، فإنَّ الخطاب إنَّما جاء للقادر على الوطء، ولذا قال ﷺ : "ومن لم يستطع، فعليه بالصوم فإنَّه له وجاء". ٣ - من المعنى الذي خوطب لأجله الشباب يكون الأمر بالنكاح لكل مستطيع

стр. 2582

لمؤنته، وقد غلبته الشهوة من الكهول والشيوخ، ولكن خص الشباب لما لديهم من الدافع في هذه الناحية. ٤ - التعليل بأنَّه أغض للبصر وأحصن للفرج، دليل على وجوب غضّ البصر، وإحصان الفرج، وتحريم النظر، وعدم إحصان الفرج، وهو أمرٌ مجمع عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥]. ٥ - قال شيخ الإِسلام: من لا مال له هل يستحب له أن يقترض؟ فيه نزاع في مذهب أحمد وغيره، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. ٦ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: النكاح من نِعم الله العظيمة، حيث شرعه لعباده، وجعله وسيلةً وطريقًا إلى مصالح ومنافع لا تحصر، ورتَّب عليه من الأحكام الشرعية والحقوق الداخلية والخارجية أشياء كثيرة، وجعله من سنن المرسلين. ٧ - وقال الأستاذ طبارة: الزواج في الإِسلام يختلف عن القوانين الوضعية التي تجرده من الصفة الدينية، بينما الشريعة الإِسلامية تعتبر الزواج من المسائل الدينية، على معنى أنَّه استمد قواعده من الدين، لا على أنَّه لابد من حضور رجال الدين وإقامة المراسم الدينية، وإنما هو عقدٌ وعهدٌ بين الرجل والمرأة، يعتمد على الإيجاب والقبول، وتوثيقه بالشاهدين، وشهرته وإعلانه ليخالف السفاح. ٨ - أنَّه ينبغي للواعظ والمرشد والخطيب وكل داعية أن يوجه المخاطبين إلى الحال التي تنفعهم، وتناسب حال وضعهم الذي هم فيه. ٩ - وفيه رحمة الله تعالى بخلقه وعنايته بهم بإبعادهم عن كل شرٍّ ومحظور، وأنَّه إذا حرَّم عليهم شيئًا فتَح لهم بابًا مباحًا يغنيهم ويكفيهم عنه.

стр. 2583

١٠ - وفيه درء المفاسد بقدر المستطاع، وبما يمكن وقفها به، فإنَّه ﷺ حضَّهم على الزواج، ومن لم يجد دلَّه على طريق أخرى. ١١ - يفهم من الحديث وجوب المهر ونفقة الزوجة على الزوج، فإنَّه المخاطَب بذلك. ١٢ - في الحديث وجوب درء الأخطار، ومحاولة دفعها من الطريق التي يخاف أن تأتي منها، فإنَّ الفساد يخشى أن يأتي من الشباب الذين لديهم دوافعه؛ فالنبي ﷺ عني بهم في هذه الناحية. فكل مصْلِح ينبغي له أن يتفقد أمكنة الخطر والثغور التي يخشى أن يأتي منها. ١٣ - الأمر بالنكاح لمن استطاعه، وتاقت إليه نفسه، ولم يخف الفتنة، هو على سبيل الندب عند جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فلو كان النكاح واجبًا لما خيَّره بين النكاح والتسري، وممن أوجبه داود الظاهري، ورواية عن الإِمام أحمد؛ للأمر به هنا. ***

стр. 2584

٨٣٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "لَكِنَيِّ أنَا أصَلِّي، وَأنَامُ، وَأصُومُ، وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - لكني: استدراك عما قبله، حذفه المؤلف للاختصار. - فمنْ رغِب: الرَّغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: من ترك طريقتي وأخذ طريقة غيري، فليس مني، ولمَّح بذلك إلى طريق الرهبانية الذين ابتدعوا التشديد. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تمام الحديث وفيه بيان سببه كما ذكره البخاري في صحيحه, أنَّه جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النَّبي ﷺ ، فلما أُخبروا، كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلِّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدَّهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم، وأفطر ... إلخ". ٢ - بنيت هذه الشريعة السامية على السماح واليُسر، وإرضاء النفوس والغرائز بطيبات الحياة المباحة، وكرهت العنت والشدة، وحرمان النفس ممَّا أباح الله تعالى. ٣ - أنَّ الخير والبركة في الاقتداء، واتباع أحوال النبي ﷺ ، فهو الخير والبركة،

стр. 2585

وهي العدل والوسط في الأمور. ٤ - أنَّ أخذ النفس بالعنت والمشقة والحرمان ليس من الدين في شيء، بل هو من سنن المبتدعين المخالفين لسنة سيد المرسلين ﷺ . ٥ - أنَّ ترك لذائذ الحياة المباحة زهادةً وعبادةً، خروجٌ عن السنَّة المطهَّرة، واتباعٌ لغير سبيل المؤمنين. ٦ - في مثل هذا الحديث الشريف بيان أنَّ الإِسلام ليس دين رهبانيةٍ وحرمان، وإنَّما هو الدِّين الذي جاء لإصلاح الدين والدنيا، وأنَّه أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلله تعالى حقه من العبادة، وللبدن حقه من طيبات الحياة، وللنَّفس حقها من الراحة. ٧ - الله جلَّت حكمته هو الذي ركَّب في الإنسان الغرائز والمطالب، فأشبع تلك الغرائز بمطالبها المباحة، ولم يكبحها ويحرمها ممَّا طُبِعَت عليه؛ لأنَّ في هذه المتنفسَّات المباحة عمارة الكون، وبقاء النوع، وصلاح الأمور. ٨ - السنة هي الطريقة، ولا يلزم من الرغبة عن السنة بهذا المعنى، الخروج من الملة، لمن كانت رغبته عنها لنوع من التأويل، يُعْذر فيه صاحبه. ٩ - الرغبة عن الشيء معناه الإعراض عنه، والممنوع أن يكون ترك ذلك إمعانًا في العبادة، واعتقادًا لتحريم ما أحلَّ الله تعالى. ١٠ - قال شيخ الإِسلام: الإعراض عن الأهل والأولاد ليس مما يحبه الله ورسوله، وليس هو من دين الأنبياء والرسل، فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. ١١ - قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ من تاقت نفسه إلى النكاح، وخاف العنت، فإنه يتأكَّد في حقه، ويكون أفضل من حجٍّ وصلاةٍ وصومٍ وتطوعٍ. وقال الشيخ تقي الدين: يجب النكاح على من خاف على نفسه العنت في قول عامَّة الفقهاء، إذا قدر على المهر.

стр. 2586

٨٣٨ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، ويَقُولُ: "تَزَوَّجُوا الوَلُودَ الوَدُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١)، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه ابن حبان، وأحمد، والطبراني، وسعيد بن منصور، والبيهقي، من طريق خلف بن خليفة، عن حفص، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ : يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا" وللحديث شواهدُ كثيرةٌ هو بها صحيح، كما قال الألباني. وقال الهيثمي: إسناده حسن. ومن شواهده حديث معقل بن يسار، صححه الحاكم، ووافقه الذَّهبي، ومنها حديث ابن عمر عند الخطيب في تاريخه، وسنده جيد، وصححه السيوطي في الجامع الكبير. * مفردات الحديث: - التبتل: بتل بتلاً من باب قتل، قطعه وأبانه. فالبتل أصله الانقطاع، والمراد به الانقطاع عن الزواج، وعما أباح الله

стр. 2587

تعالى من الطيبات تعبدًا وإقبالاً على الطاعة، وامرأة بتول منقطعة عن الرجال فلا شهوة لها فيهم. - الولود: كثيرة الولادة، فإذا لم يتقدم لها زواج؛ فيعرف ذلك منها بقريباتها من أمٍّ وجدَّات، وخالات وأخوات، ونحو ذلك. - مكاثر: التكاثر هو التباهي والتفاخر بكثرة الأتبَاع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الشارع الحكيم يأمر بالزواج، لما فيه من المصالح الكبيرة، والمنافع الكثيرة، والأمر يقتضي الوجوب، وإنما العلماء قالوا: إن كان يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة فيجب عليه النكاح؛ حفظًا لفرجه وغضًّا لبصره، وإن كان لا يخشى فيستحب في حقه، بل هو أفضل من نوافل العبادات، لما يحقق من المصالح الكبيرة الكثيرة. ٢ - التبتل والانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعًا إلى العبادة منهيٌّ عنه، والنَّهي يقتضي التحريم، لاسيَّما والنَّهي في هذا شديد؛ لأنَّه مخالفٌ لسنن المرسلين؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] وفيه تعطيل لإرادة الله تعالى الكونية من عمَارة هذا الكون. ٣ - الدِّين الإِسلامي دين السماح واليسر، فهو يكره التنطع والتشدد في الأمور، ويأمر بالتوسط والاعتدال فيها؛ ليؤدي الإنسان جميع الأعمال المطلوبة منه، والتي أعدَّ للقيام بها. وكان التبتل من شريعة النصارى، فنهى النبي ﷺ أمته عنه؛ ليكثر النسل، ويعظم سواد المسلمين، ويقوم الجهاد ويدوم. ٤ - قال تعالى عاتبًا على النصارى غُلوَّهم في العبادة، وتنطعهم في دينهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] أي أنَّها مبتدعة من قِبل أنفسهم لم يشرعها الله لهم، ولم يأمرهم بها، بل ساروا عليها غلوًّا في

стр. 2588

العبادة، وحمَّلوا أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم، والمشرب، والمنكح. ٥ - وفي الحديث الترغيب في نكاح المرأة الولودة ليكثر نسل المسلمين، ويعظم سَوادهم، ويكونوا قوة في وجه أعداء الله وعدوهم، وليعمروا الأرض، ويخرجوا خيراتها، ويبحثوا عن كنوزها، فيحققوا مراد الله تعالى من عمرانها. ٦ - من فوائد كثرة النسل تحقيق مباهاة النبي ﷺ ، ومكاثرته بأمته الأنبياء يوم القيامة، فهي مفخرة كبيرة، ومباهاة عظيمة، فإنَّ الله ﵎ أنجح رسالته، وأيَّد دعوته، وأظهره على الدين كله، فصارت أمته أكثر الأمم، وأفضل الأمم، وخير الأتباع، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط هو الخيار. ٧ - الدين الإِسلامي دين حركةٍ وعمل، وليس دين عزلةٍ وانقطاعٍ وبُعدٍ عن معترك الحياة، على ألاَّ تطغى أعمال الدنيا على أعمال الآخرة، وعلى أن تكون أعمال الدنيا مقصودًا بها رفعة الإِسلام وعزه، والنَّفع المتعدي، فإنَّ الإِسلام دينٌ ودولة، وليس يقتصر على العبادات، ثم إنَّ أعمال الدنيا وعاداتها إذا قصد بها الإصلاح، والنفع العام أو الخاص أصبحت عبادات. ٨ - فيه دليل على أنَّ المسارعة إلى فعل الخير والتسابق إليه والتنافس فيه لا يعد من الرياء المذموم، ما دام العبد يقصد وجه الله تعالى والدار الآخرة. ٩ - وفيه دليل على استحباب إيثار العبد نفسه بفعل الخيرات، ومحاولة سبق أقرانه في ذلك، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١].

стр. 2589

١٠ - في الحديث حث العلماء والدعاة إلى أنَّه ينبغي لهم أن يستكثروا من المستفيدين من علمهم ودعوتهم، وأعظِمْ بذلك فإنَّ هذا فضلٌ كبير، فقد وقال ﷺ : "لأن يهدي الله بك رجلًا واحداً خيرٌ لك من حمر النعم" [متفق عليه]. * نبذة عن تحديد النسل: ظهر في القرن الثامن عشر الميلادي عالم اقتصادي إنجليزي اسمه "مالتس" اشتهر بنظريته في تحديد النسل، خشية من نمو السكان وزيادته تزيد بكثير على نسبة زيادة المواد الغذائية، فيحل بالعالم مجاعة، وأن توازن السكان مع قدر ما يتوقع إنتاجه من المواد الغذائية، أمان من كارثة المجاعة. وما زالت هذه النظرية تتسع وتروج حتى أخذ بها مبدأ اقتصاديًّا كثير من الدول. ثم إنَّ هذه النظرية دخلت علينا نحن المسلمين من أعداء الإِسلام، الذين يكيدون للإسلام، ويريدون أن يقلِّلوا من عدده، ويضعفوا من كيانه، فراقت لكثير من أتباع الغربيين، فأخذوا بها معجَبين بآراء أصحاب العقول القاصرة، والأنظار القريبة، ومعرِضين عما جاء من لدُن حكيم خيبر، هو الذي خلق الخلق وتكفَّل برزقهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وقال تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] وقال تعالى عاتبًا على الكفار الجفاة الجهلة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]. والنصوص في هذا الباب كثيرة. وخشية من وقوع بعض البسطاء بهذه الفكرة الضالة، فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء أصدر فيها قرارًا. وكذلك أصدر فيها مجلس المجمع الفقهي بمكة التابع لرابطة العالم الإسلامي.

стр. 2590

* قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد النسل: رقم (٤٢) وتاريح ١٤/ ٤/ ١٣٩٦ هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد: ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء، المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام: ١٣٩٦ هـ، بَحَثَ المَجلس موضوع منع الحمل، وتحديد النسل وتنظيمه، بناءً على ما تقرر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان عام: ١٣٩٥ هـ، من إدراج موضوعها في جدول أعمال الدورة الثامنة، وقد اطَّلع المجلس على البحث المعد في ذلك مِن قِبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي، والمناقشة بين الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النظر، قرَّر المجلس ما يلي: - نظرًا إلى أنَّ الشريعة الإِسلامية ترغب في انتشار النَّسل، وتكثيره، وتعتبر النسل نعمةً كبرى، ومنَّةً عظيمة منَّ الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ممَّا أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، والإفتاء في بحثها المعد للهيئة، والمقدم لها. ونظرًا إلى أنَّ القول بتحديد النسل، أو منع الحمل، مصادمٌ للفطرة الإنسانية، التي فطر الله الخلق عليها, وللشريعة الإِسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرًا إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة، حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوءَ ظنٍّ بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإِسلامي، المتكون من كثرة اللَّبنَات البشرية وترابطها. لذلك كلِّه فإنَّ المجلس يقرر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا, ولا يجوز

стр. 2591

منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين، وما من دابَّة في الأرض إلاَّ على الله رزقها. أما إذا كان منع الحمل لضرورة محقَّقة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما، لمصلحةٍ يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذٍ من منع الحمل، أو تأخيره، عملًا بما جاء في الأحاديث "الصحيحة" وما روي عن جمع الصحابة -رضوان الله عليهم- من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حال ثبوت الضرورة المحققة، وقد توقف الشيخ عبد الله بن غديان في حكم الاستثناء، وصلى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء * قرار مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي بشأن تحديد النسل: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه. وبعد: فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي في موضوع تحديد النسل، أو ما يسمى تضليلاً بـ "تنظيم النسل"، وبعد المناقشة، وتبادل الآراء في ذلك، قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي: نظرًا إلى أنَّ الشريعة الإِسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، وتعتبر النسل نعمة كبرى، ومنة عظيمة منَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، ودلَّت على أنَّ القول بتحديد النسل، أو منع الحمل يصادم الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها, وللشريعة الإِسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده، ونظرًا

стр. 2592

إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلا الكيد للمسلمين؛ لتقليل عددهم بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة، والشعوب المستضعفة بصفة خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإِسلامية، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضرباً من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإِسلامي المتكون من كثرة اللَّبنَات البشرية، وترابطها. لذلك كله فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي يقرر بالإجماع أنَّه لا يجوز تحديد النسل مطلقاً, ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزاق ذو القوَّة المتين، وما من دابة في الأرض إلاَّ على الله رزقها، أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرة شرعًا. أما تعاطي أسباب منع الحمل، أو تأخيره في حالاتٍ قهريةٍ؛ لضررٍ محقَّقٍ، ككون المرأة لا تلد ولادةً عاديةً، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية؛ لإخراج الجنين، فإنَّه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسبابٍ أخرى شرعيَّةٍ أو صحيَّةٍ، يُقرِّرها طبيبٌ مسلمٌ ثقةٌ، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقَّق على أمه، إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير ممن يوثق به من الأطباء المسلمين. أما الدعوة إلى تحديد النسل، أو منع الحمل بصفة عامة، فلا تجوز شرعًا؛ للأسباب المتقدم ذكرها، وأشد من ذلك في الإثم إلزام الشعوب بذلك، وفرضه عليها، في الوقت الذي تُنفق فيه الأموال الضخمة على سباق التسلح العالمي للسيطرة والتدمير، بدلاً من إنفاقه في التنمية الاقتصادية والتعمير. مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي

стр. 2593

* قرار المجمع الفقهي الإِسلامي حول التلقيح الاصطناعي وأطفال الأنابيب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمَّد ﷺ . وبعد: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي قد نظر في الدراسة التي قدمها عضو المجلس مصطفى أحمد الزرقاء، حول التلقيح الاصطناعي، وأطفال الأنابيب، الأمر الذي شغل النَّاس، وكان من أبرز قضايا الساعة في العالم، واستعرض المجلس ما تحقَّق في هذا المجال من إنجازات طبية، توصَّل إليها العلم والتقنية في العصر الحاضر؛ لإنجاب الأطفال من بني الإنسان، والتغلب على أسباب العقم المختلفة المانعة من الاستيلاد. وقد تبيَّن للمجلس من تلك الدراسة الوافية المشار إليها أنَّ التلقيح الاصطناعي بغية الاستيلاد -بغير الطريق الطبيعي، وهو الاتصال الجنسي المباشر بين الرجل والمرأة- يتم بأحد طريقين أساسيين. ١ - طريق التلقيح الداخلي، وذلك بحقن نطفة الرجل في الموقع المناسب من بطن المرأة. ٢ - وطريق التلقيح الخارجي بين نطفة الرجل، وبويضة المرأة في أنبوب اختبار، في المختبرات الطبية، ثم زرع البويضة الملقحة "اللقيحة" في رحم المرأة. ولابد في الطريقين من انكشاف المرأة على من يقوم بتنفيذ العملية. وقد تبيَّن لمجلس المجمع من تلك الدراسة المقدمة إليه في الموضوع، وممَّا أظهرته المذاكرة والمناقشة، أنَّ الأساليب والوسائل التي يجري بها التلقيح الاصطناعي بطريقيه: الداخلي والخارجي؛ لأجل الاستيلاد، هي سبعة أساليب بحسب الأحوال المختلفة، للتلقيح الداخلي فيها أسلوبان، وللخارجي خمسة من الناحية الواقعية، بقطع النظر عن حلها أو حرمتها شرعًا، وهي

стр. 2594

الأساليب التالية: في التلقيح الاصطناعي الداخلي: الأسلوب الأول: أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجلٍ متزوج، وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته، أو رحمها، حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيًّا بالبويضة التي يفرزها مبيض زوجته، ويقع التلقيح بينهما، ثم العلوق في جدار الرحم بإذن الله، كما في حالة الجماع، وهذا الأسلوب يلجأ إليه إذا كان في الزوج قصور؛ لسبب مانعٍ من إيصال مائه في المواقعة، إلى الموضع المناسب. الأسلوب الثاني: أن تؤخذ نطفة من رجل، وتحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل آخر، حتى يقع التلقيح داخليًّا، ثم العلوق في الرحم، كما في الأسلوب الأول، ويلجأ إلى هذا الأسلوب حين يكون الزوج عقيمًا لا بذرة في مائه، فيأخذون النطفة الذكرية من غيره. في طريق التلقيح الخارجي: الأسلوب الثالث: أن تؤخذ نطفة من زوج، وبويضة من مبيض زوجته، فتوضعا في أنبوب اختبار طبي، بشروط فيزيائية معيَّنة، حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة، لتعلق في جداره، وتنمو، وتتخلق ككل جنين، ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية تلده الزوجة طفلاً أو طفلة، وهذا هو طفل الأنبوب الذي حققه الإنجاز العلمي الذي يسَّره الله، وولد به إلى اليوم عدد من الأولاد ذكورًا وإناثًا وتوائم، تناقلت أخبارها الصحف العالمية، ووسائل الإعلام المختلفة، ويلجأ إلى هذا

стр. 2595

الأسلوب الثالث عندما تكون الزوجة عقيمًا بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها، ورحمها "قناة فالوب". الأسلوب الرابع: أنْ يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار بين نطفة مأخوذة من زوج، وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة، ليست زوجته -يسمونها متبرعة- ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته. ويلجأون إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلاً أو معطلاً، ولكن رحمها سليم، قابل لعلوق اللقيحة فيه. الأسلوب الخامس: أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب اختبار بين نطفة رجل، وبويضة من امرأة ليس زوجة له -يسمونهما متبرعين- ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى متزوجة، ويلجأون إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة التي زرعت اللقيحة فيها عقيمًا، بسبب تعطل مبيضها, لكن رحمها سليم، وزوجها أيضًا عقيم، ويريدان ولدًا. الأسلوب السادس: أن يجري تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها. ويلجأون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل؛ لسبب في رحمها, ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل ترفُّهًا، فتتطوع امرأة أخرى بالحمل عنها. الأسلوب السابع: هو السادس نفسه، إذا كانت المتطوعة بالحمل هي زوجة ثانية للزوج صاحب النطفة، فتتطوع لها ضرَّتها, لحمل اللقيحة عنها، وهذا الأسلوب لا
следующие страницы →