← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين، وما من دابَّة في الأرض إلاَّ على الله رزقها. أما إذا كان منع الحمل لضرورة محقَّقة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما، لمصلحةٍ يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذٍ من منع الحمل، أو تأخيره، عملًا بما جاء في الأحاديث "الصحيحة" وما روي عن جمع الصحابة -رضوان الله عليهم- من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حال ثبوت الضرورة المحققة، وقد توقف الشيخ عبد الله بن غديان في حكم الاستثناء، وصلى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء * قرار مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي بشأن تحديد النسل: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه. وبعد: فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي في موضوع تحديد النسل، أو ما يسمى تضليلاً بـ "تنظيم النسل"، وبعد المناقشة، وتبادل الآراء في ذلك، قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي: نظرًا إلى أنَّ الشريعة الإِسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، وتعتبر النسل نعمة كبرى، ومنة عظيمة منَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، ودلَّت على أنَّ القول بتحديد النسل، أو منع الحمل يصادم الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها, وللشريعة الإِسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده، ونظرًا

стр. 2592

إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلا الكيد للمسلمين؛ لتقليل عددهم بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة، والشعوب المستضعفة بصفة خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإِسلامية، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضرباً من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإِسلامي المتكون من كثرة اللَّبنَات البشرية، وترابطها. لذلك كله فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي يقرر بالإجماع أنَّه لا يجوز تحديد النسل مطلقاً, ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزاق ذو القوَّة المتين، وما من دابة في الأرض إلاَّ على الله رزقها، أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرة شرعًا. أما تعاطي أسباب منع الحمل، أو تأخيره في حالاتٍ قهريةٍ؛ لضررٍ محقَّقٍ، ككون المرأة لا تلد ولادةً عاديةً، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية؛ لإخراج الجنين، فإنَّه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسبابٍ أخرى شرعيَّةٍ أو صحيَّةٍ، يُقرِّرها طبيبٌ مسلمٌ ثقةٌ، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقَّق على أمه، إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير ممن يوثق به من الأطباء المسلمين. أما الدعوة إلى تحديد النسل، أو منع الحمل بصفة عامة، فلا تجوز شرعًا؛ للأسباب المتقدم ذكرها، وأشد من ذلك في الإثم إلزام الشعوب بذلك، وفرضه عليها، في الوقت الذي تُنفق فيه الأموال الضخمة على سباق التسلح العالمي للسيطرة والتدمير، بدلاً من إنفاقه في التنمية الاقتصادية والتعمير. مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي

стр. 2593

* قرار المجمع الفقهي الإِسلامي حول التلقيح الاصطناعي وأطفال الأنابيب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمَّد ﷺ . وبعد: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي قد نظر في الدراسة التي قدمها عضو المجلس مصطفى أحمد الزرقاء، حول التلقيح الاصطناعي، وأطفال الأنابيب، الأمر الذي شغل النَّاس، وكان من أبرز قضايا الساعة في العالم، واستعرض المجلس ما تحقَّق في هذا المجال من إنجازات طبية، توصَّل إليها العلم والتقنية في العصر الحاضر؛ لإنجاب الأطفال من بني الإنسان، والتغلب على أسباب العقم المختلفة المانعة من الاستيلاد. وقد تبيَّن للمجلس من تلك الدراسة الوافية المشار إليها أنَّ التلقيح الاصطناعي بغية الاستيلاد -بغير الطريق الطبيعي، وهو الاتصال الجنسي المباشر بين الرجل والمرأة- يتم بأحد طريقين أساسيين. ١ - طريق التلقيح الداخلي، وذلك بحقن نطفة الرجل في الموقع المناسب من بطن المرأة. ٢ - وطريق التلقيح الخارجي بين نطفة الرجل، وبويضة المرأة في أنبوب اختبار، في المختبرات الطبية، ثم زرع البويضة الملقحة "اللقيحة" في رحم المرأة. ولابد في الطريقين من انكشاف المرأة على من يقوم بتنفيذ العملية. وقد تبيَّن لمجلس المجمع من تلك الدراسة المقدمة إليه في الموضوع، وممَّا أظهرته المذاكرة والمناقشة، أنَّ الأساليب والوسائل التي يجري بها التلقيح الاصطناعي بطريقيه: الداخلي والخارجي؛ لأجل الاستيلاد، هي سبعة أساليب بحسب الأحوال المختلفة، للتلقيح الداخلي فيها أسلوبان، وللخارجي خمسة من الناحية الواقعية، بقطع النظر عن حلها أو حرمتها شرعًا، وهي

стр. 2594

الأساليب التالية: في التلقيح الاصطناعي الداخلي: الأسلوب الأول: أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجلٍ متزوج، وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته، أو رحمها، حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيًّا بالبويضة التي يفرزها مبيض زوجته، ويقع التلقيح بينهما، ثم العلوق في جدار الرحم بإذن الله، كما في حالة الجماع، وهذا الأسلوب يلجأ إليه إذا كان في الزوج قصور؛ لسبب مانعٍ من إيصال مائه في المواقعة، إلى الموضع المناسب. الأسلوب الثاني: أن تؤخذ نطفة من رجل، وتحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل آخر، حتى يقع التلقيح داخليًّا، ثم العلوق في الرحم، كما في الأسلوب الأول، ويلجأ إلى هذا الأسلوب حين يكون الزوج عقيمًا لا بذرة في مائه، فيأخذون النطفة الذكرية من غيره. في طريق التلقيح الخارجي: الأسلوب الثالث: أن تؤخذ نطفة من زوج، وبويضة من مبيض زوجته، فتوضعا في أنبوب اختبار طبي، بشروط فيزيائية معيَّنة، حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة، لتعلق في جداره، وتنمو، وتتخلق ككل جنين، ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية تلده الزوجة طفلاً أو طفلة، وهذا هو طفل الأنبوب الذي حققه الإنجاز العلمي الذي يسَّره الله، وولد به إلى اليوم عدد من الأولاد ذكورًا وإناثًا وتوائم، تناقلت أخبارها الصحف العالمية، ووسائل الإعلام المختلفة، ويلجأ إلى هذا

стр. 2595

الأسلوب الثالث عندما تكون الزوجة عقيمًا بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها، ورحمها "قناة فالوب". الأسلوب الرابع: أنْ يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار بين نطفة مأخوذة من زوج، وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة، ليست زوجته -يسمونها متبرعة- ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته. ويلجأون إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلاً أو معطلاً، ولكن رحمها سليم، قابل لعلوق اللقيحة فيه. الأسلوب الخامس: أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب اختبار بين نطفة رجل، وبويضة من امرأة ليس زوجة له -يسمونهما متبرعين- ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى متزوجة، ويلجأون إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة التي زرعت اللقيحة فيها عقيمًا، بسبب تعطل مبيضها, لكن رحمها سليم، وزوجها أيضًا عقيم، ويريدان ولدًا. الأسلوب السادس: أن يجري تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها. ويلجأون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل؛ لسبب في رحمها, ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل ترفُّهًا، فتتطوع امرأة أخرى بالحمل عنها. الأسلوب السابع: هو السادس نفسه، إذا كانت المتطوعة بالحمل هي زوجة ثانية للزوج صاحب النطفة، فتتطوع لها ضرَّتها, لحمل اللقيحة عنها، وهذا الأسلوب لا

стр. 2596

يجري في البلاد الأجنبية التي يمنع نظامها تعدد الزوجات، بل في البلاد التي تبيح هذا التعدد. هذه هي أساليب التلقيح الاصطناعي، الذي حقَّقه العلم؛ لمعالجة أسباب عدم الحمل. وقد نظر مجلس المجمع فيما نشر وأذيع، أنَّه يتم فعلا تطبيقه في أوربا وأمريكا، من استخدام هذه الإنجازات لأغراض مختلفة، منها تجاري، ومنها ما يجري تحت عنوان: "تحسين النوع البشري"، ومنها ما يتم لتلبية الرغبة في الأمومة، لدى نساء غير متزوجات، أو نساء متزوجات لا يحملن؛ لسبب فيهن، أو في أزواجهنَّ، وما أنشيء لتلك الأغراض المختلفة من مصارف النطف الإنسانية التي تحفظ فيها نطف الرجال، بصورة تقنية تجعلها قابلة للتلقيح بها إلى مدة طويلة، وتؤخذ من رجال معينين أو غير معيَّنين، تبرعًا أو لقاء عوض، إلى آخر ما يقال: إنه واقع اليوم في بعض بلاد العالم المتمِّدن. النظر الشرعي بمنظار الشريعة الإِسلامية: هذا، وإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي بعد النظر فيما تجمع لديه من معلوماتٍ موثقة، ممَّا كُتِب ونشر في هذا الشأن، وتطبيق قواعد الشريعة الإِسلامية ومقاصدها, لمعرفة حكم هذه الأساليب المعروضة، وما تستلزمه، قد انتهى إلى القرار التفصيلي التالي: أولًا: أحكام عامة: (أ) أنَّ انكشاف المرأة المسلمة على غير من يحل شرعًا بينها وبينه الاتصال الجنسي، لا يجوز بحالٍ من الأحوال، إلاَّ لغرضٍ مشروع، يعتبره الشرع مبيحًا لهذا الانكشاف. (ب) أنَّ احتياج المرأة إلى العلاج من مرض يؤذيها، أو من حالةٍ غير طبيعية في جسمها، تسبب لها إزعاجًا، يعتبر ذلك غرضًا مشروعًا يبيح لها

стр. 2597

الانكشاف على غير زوجها لهذا العلاج، وعندئذٍ يتقيَّد ذلك الانكشاف بقدر الضرورة. (ج) كلما كان انكشاف المرأة على غير من يحل بينها وبينه الاتصال الجنسي مباحًا؛ لغرض مشروع، يجب أن يكون المعالج امرأة مسلمة إن أمكن ذلك، وإلاَّ فامرأة غير مسلمة، وإلاَّ فطبيب مسلم ثقة، وإلاَّ فغير مسلم بهذا الترتيب. ولا تجوز الخلوة بين المعالج والمرأة التي يعالج، إلاَّ بحضور زوجها، أو امرأة أخرى. ثانيًا: حكم التلقيح الاصطناعي: ١ - أنَّ حاجة المرأة المتزوجة التي لا تحمل، وحاجة زوجها إلى الولد تعتبر غرضًا مشروعًا يبيح معالجتها بالطريقة المباحة من طرق التلقيح الاصطناعي. ٢ - أنَّ الأسلوب الأول: -الذي تؤخذ فيه النطفة الذكرية من رجل متزوج، ثمَّ تحقن في رحم زوجته نفسها في طريقة التلقيح الداخلي- هو أسلوب جائز شرعًا بالشروط العامة الآنفة الذكر، وذلك بعد أنْ تثبت حاجة المرأة إلى هذه العملية لأجل الحمل. ٣ - أنَّ الأسلوب الثالث -الذي تؤخذ فيه البذرتان الذكرية والأنثوية من رجل وامرأة، زوجين أحدهما للآخر، ويتم تلقيحها خارجيًّا في أنبوب اختبار، ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة- هو أسلوب مقبول مبدئيًّا في ذاته بالنظر الشرعي، لكنه غير سليم تمامًا من موجبات الشك فيما يستلزمه، ويحيط به من ملابسات، فينبغي أن لا يلجأ إليه، إلاَّ في حالات الضرورة القصوى، وبعد أن تتوفر الشرائط العامة الآنفة الذكر. ٤ - أنَّ الأسلوب السابع -الذي تؤخذ فيه النطفة والبويضة من زوجين

стр. 2598

وبعد تلقيحهما في وعاء الاختبار، تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الآخر للزوج نفسه، حيث تتطوع بمحض اختيارها بهذا الحمل عن ضرَّتها المنزوعة الرحم -يظهر لمجلس المجمع أنَّه جائز عند الحاجة، وبالشروط العامة المذكورة. ٥ - وفي حالات الجواز الثلاث يقرر المجمع أنَّ نسب المولود يثبت من الزوجين مصدر البذرتين، ويتبع الميراث، والحقوق الآخرى ثبوت النسب، فحين يثبت نسب المولود من الرجل، أو المرأة يثبت الإرث وغيره من الأحكام بين الولد، ومن التحق نسبه به. أما الزوجة المتطوعة بالحمل عن ضرَّتها -في الأسلوب السابع المذكور- فتكون في حكم الأم الرضاعية للمولود؛ لأنَّه اكتسب من جسمها وعضويتها أكثر ممَّا يكتسب الرضيع من مرضعته في نصاب الرضاع الذي يحرم به ما يحرم من النسب. ٦ - أما الأساليب الأربعة الأخرى من أساليب التلقيح الاصطناعي في الطريقين الداخلي والخارجي مما سبق بيانه، فجميعها محرَّمة في الشرع الإِسلامي، لا مجال لإباحة شيء منها؛ لأنَّ البذرتين الذكرية والأنثوية فيها ليستا من زوجين، أو لأنَّ المتطوعة بالحمل هي أجنبية عن الزوجين مصدر البذرتين. هذا، ونظرًا لما في التلقيح الاصطناعي بوجهٍ عامٍ من ملابسات حتى في الصور الجائزة شرعًا، ومن احتمال اختلاط النطف، أو اللقائح في أوعية الاختبار، ولاسيَّما إذا كثرت ممارسته، وشاعت فإنَّ مجلس المجمع ينصح الحريصين على دينهم أن لا يلجأوا إلى ممارسته إلاَّ في حالة الضرورة القصوى، وبمنتهى الاحتياط والحذر من اختلاط النطف أو اللقائح. هذا ما ظهر لمجلس المجمع في هذه القضية ذات الحساسية الدينية القوية من قضايا الساعة، ويرجو من الله أن يكون صوابًا. والله سبحانه أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وولي التوفيق.

стр. 2599

٨٣٩ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُنْكَحُ المَرْأة لأِرْبعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِيْنِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ (١). ــ * مفردات الحديث: - تُنكح المرأة: مبني للمجهول، فهو مضموم بتاء المضارع، والمراد يُرغبُ في نكاحها، ويعقد عليها. - تُنكح: نكَحَ من باب ضرب، وأصل المادة الانضمام والاختلاط، واختلف أهل اللغة، فقال بعضهم: هو حقيقةٌ في العقد، مجازٌ في الوطء، وقال بعضهم: بالعكس، وقال بعضهم: حقيقة فيهما، وهو الذي اختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية. ولذا لا يعرف هذا من هذا إلاَّ بالقرينة، فإن قيل: نكح بنت فلان، فالمراد العقد، وإن قيل: نكح امرأته، فالمراد الوطء، أما صاحب المصباح فيقول: النكاح مجاز فيهما, لأنَّ أصله الانضمام، ولكن الحقيقة هي الأصل، وقال العلماء: إنَّه لم يأت في القرآن لفظ النكاح بمعنى الوطء إلاَّ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. - تُنكح المرأة لأربع: الفعل مبني للمجهول، والمرأة نائب فاعل مرفوع. - لأربع: أي: يرغب في نكاحها لأربع خصال. - حسَبها: بفتح الحاء والسين المهملتين، العز والشرف للمرأة، أو لأهلها وأقاربها، و"لمالها" تكون بدلًا من "أربع"، بإعادة العامل، وقد جاءت اللام

стр. 2600

مكررة في الخصال الأربع في رواية مسلم، وليس في صحيح البخاري اللام في "جمالها"، وتكريرها مؤذِن بأنَّ كل واحدةٍ منهنَّ مستقلة في الغرض. - فاظفر بذات الدِّين: جزاء شرط محذوف، أي: إذا تحقق ما فصلت لك تفصيلًا بيِّنًا، فاظفر بذات الدين، ومعنى الظفر: تمكَّنْ من ذات الدين، وفز بالحصول عليها، واغلب غيرَك بالسبق إليها. - تَرِبَتْ يَداك: أي التصقت يداك بالتراب من الفقر، وهذه الكلمة خارجة مخرج ما يعتاده الناس في المخاطبات، لا أنَّه ﷺ قصد بها الدعاء. قال في المصباح: قوله: "تربت يداك" كلمة جاءت في كلام العرب على صورة الدعاء، ولا يراد بها الدعاء، بل يراد بها الحث والتحريض. كما يقصد بها أيضًا المعاتبة والإنكار، والتعجب وتعظيم الأمر، والمراد بها هنا: الحث. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يخبر النبي ﷺ أنَّ الذي يدعو الرِّجال إلا اختيار المرأة زوجةً هو أحد أربعة أمور: (أ) فبعض الرجال يريد في المرأة الحَسَب، والشرف الباقي لها، ولآبائها، فالحسب هو الأفعال الجميلة للرجل ولآبائه. (ب) وبعض الرجال يرغب في المال والشراء، فنظرته مادِّيةٌ بحتة. (ج) وبعض الرجال يطلب الجمال، ويهيم في الحسن الظاهري، ولا ينظر إلى ما سواه. (د) وبعض الرجال يبحث عن الدين والتقى، فهو مقصده ومراده، وهذه الصفة الأخيرة هي التي حثَّ عليها النبي ﷺ بقوله: "فاظفر بذات الدِّين تربت بداك" كلمة يؤتى بها للحث على الشيء، والأخذ به، وعدم التفريط فيه، واللائق بذوي المروءة، وأرباب الصلاح، أن يكون الدِّين هو مطمح

стр. 2601

نظرهم فيما يأتون ويذرون، لاسيَّما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره، فلذلك اختاره النبي ﷺ بآكد وجهٍ وأبلغه، فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية ومنتهى الاختيار. ٢ - وفي الحديث ما يدل على استحباب صحبة الأخيار، ومجالستهم، للاقتباس من فضلهم، وحسن القدوة بهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، والابتعاد عن الشر وأهله. قال تعالى حكايته عن موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]. وجاء في الصحيحين من حديث أبي موسى أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنما مَثَل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك: إمَّا أن يحذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحةً طيبة، ونافخ الكير: إما أن يُحرِق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة". والنصوص في هذا المعنى كثيرة وظاهرة. ٣ - قال النووي: معناه أنَّ الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنتَ على ذات الدِّين، واظفر بها، واحرص على صحبتها. ٤ - قال الرافعي في الأماني: يرغب في النكاح لفوائد دينية ودنيوية، ومن الدواعي القوية إليه الجمال، وقد نهى عن تزوج المرأة الحسناء، وليس المراد النَّهي عن رعاية الجمال على الإطلاق، ألا ترى أنه قد أمر بنظر المخطوبة، ولكن النَّهي محمولٌ على ما إذا كان القصد مجرَّد الحسن، واكتفى به عن سائر الخصال. ٥ - ومن الدواعي الغالبة المال، وهو غادٍ ورائحٌ، فلا يوثق بدوام الألفة، لاسيَّما إذا قلَّ، وقد قيل: عظَّمك عند استغلالك، واستقلَّك عند إقلالك.

стр. 2602

٦ - وأما إذا كان الداعي الدين، فهو الحبْل المتين، الذي لا ينفصم، فكان عقْده أدوم، وعاقبته أحمد. ٧ - جاء في معنى الحديث ما أخرجه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تنكحوا النساء لحسنهنَّ، فلعله يرديهن، ولا لمالهنَّ فلعلَّه يطغيهن، وانكحوهن للدِّين، ولأمةٌ سوداء خرقاء ذات دين أفضل". قال ابن كثير: فيه الإفريقي ضعيف، ولكن قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، والإفريقي الذي في إسناده ثقة، وقد أخطأ من ضعَّفه. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١]. فهذه المقارنة يقصد بها فضل صاحب الدين والخلق. ٨ - في الحديث أنَّ الإنسان لا ينبغي له أن يكون الناس هم قدوته، ولا أن تكون أعمالهم هي المرغوبة عنده، فالنبي ﷺ ذكَر في هذا الحديث أنَّ ثلاثة أصناف من الناس مخطئون في اختيارهم لصفات الزوجة، وأنَّ صنفًا واحدًا هو المصيب. ٩ - وفيه أنه ينبغي للإنسان أن ينظر في أموره لمستَقْبلها، وألاَّ تكون النظرة الحاضرة العاجلة هي هدفه، فإنَّ الزوجة الصالحة في دينها هي التي تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وهي القرين الصالح الأمين. ١٠ - فيه أنَّ الرجل لا يحرم عليه إذا كان من رغبته في الزوجة الحسب والجمال والمال مع الدين، وإنما يعاب عليه إن أهمل أهم صفات الزوجة، وهي الدين.

стр. 2603

١١ - النبي ﷺ أخبر بما يفعله النَّاس في العادة، فإنَّهم يقصدون هذه الخصال الأربع، ويؤخرون "ذات الدين" فأمر ﷺ أن يقدَّم ما يؤخرون فقال: فاظفر أنت أيُّها المسترشد بذات الدين، وفُزْ بها. روي أنَّ رجلًا جاء إلا الحسن البصري، وقال له: إنَّ لي بنتًا أحبها، وقد خطبها الكثير، فمن تشير عليَّ أن أزوجها له؟ قال: زوِّجها رجلًا يخاف الله، فإنه إن أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها. ١٢ - في الحديث أنَّ الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو مدلولها الذم والتقبيح، مما هو جارٍ على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، أنه لا إثم على قائلها إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما ساقها كما يسوقها الناس مثل: "تربت يداك"، و"ثكلتك أمك"، ومثل: "ويل أمه مِسعر حرب" ونحو ذلك. ***

стр. 2604

٨٤٠ - وَعَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَان إذا رفَّأ إنْسَانًا إذَا تَزوَّجَ قَالَ: "بارَكَ اللهُ لَكَ، وَبارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا في خَيْرٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والبيهقي، ورجاله ثقات، وقد روي من طريقين: إحداهما: عن الحسن البصري عن عقيل بن أبي طالب بالعنعنة، فليس فيه تصريح بالسماع، فهو في حكم المنقطع. الثانية: رواه الإِمام أحمد عن عقيل من طريق أخرى، فالحديث قوي باجتماع هذين الطريقين، وقد صحَّحه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي، وابن دقيق العيد. * مفردات الحديث: - رَفَّأ إنسانًا: بفتح الراء، وتشديد الفاء، يجوز فيه الهمز، وعدمه. الرفاء: الموافقة، وحسن العشرة، وهو من رَفَأَ الثوب، أي أصلحه. والمعنى: دعا له بالتوفيق، وحسن العشرة، وهنَّاء بزواجه.

стр. 2605

- بارك: يقال: بارك الله لك، وفيك، وعليك: جعلك مباركًا، ووضع فيك البركة، والبركة: الخير والزيادة، حسيَّة أو معنوية، والبركة أيضًا: ثبوت الخير الإلهي، وداومه في الشيء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - عقد النكاح صفقة هامة جدًّا، هذا العقد بحتاج من أصحابه إلى النصح الخالص، والدعاء الصالح. وعاقبة هذا العقد مجهولة خطرة، فهي إما من أكبر السعادات، وإما من أخسر الصفقات. ٢ - لذا كان ﷺ إذا دعا لإنسان قد تزوج دعا له بهذه الدعوات الطيبات الكريمات، أن تحل فيه بركة الله، وأن تنزل عليه، وأن يجمع الله بينه وبين زوجته في خير. ٣ - والخير كلمةٌ جامعةٌ لمعاني السعادة، من العشرة الحسنة، والرَّغد في العيش، وحصول الأولاد الصالحين. ٤ - فيستحب لمن حضر عقد النكاح أن يدعو للمتزوج بهذا الدعاء، وهذا أفضل من دعاء الجاهلية: "بالرفاء والبنين"، فإنَّه دعاء قاصر، قليل البركة، ولا يكفي ما تعارفه الناس الآن من قولهم للمتزوج أو الخاطب: "مبروك"، ونحوه، فالأفضل أن يكون بهذه الصيغة النبوية الكريمة، فإنَّها جامعةٌ لمعاني الخير والسعادة. ٥ - أما المتزوج فالسنة في حقِّه ما رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا أفاد أحدكم امرأة، فليأخذ بناصيتها, وليقل: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما جُبِلت عليه، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما جُبلت عليه" ومعنى أفاد، أي: استفاد. ٦ - استحباب دعاء المسلمين بعضهم لبعض، لاسيَّما عند المناسبات، أو عند

стр. 2606

الأزمات، وفائدة الدعاء أنَّه وسيلةٌ قويةٌ لحصول المطلوب، إذا توفَّرت شروطه، وانتفت موانعه. ٧ - روى الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا دخلْت على أهلك فصلِّ ركعتين، ثم خُذ برأس أهلك، ثم قل: اللَّهمَّ بارك في أهلي، وبارك لأهلي فيَّ، وارزقني منهم". ***

стр. 2607

٨٤١ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّد في الحَاجَةِ: "إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينه، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَاشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقْرَأ ثَلاَثَ آياتٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح: هذا الحديث يسمى "حديث الحاجة"، قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذا في خطبة النكاح، أو في غيرها؟ قال: "في كل حاجة"، وفي شرح السنة للبغوي: عن ابن مسعود في خطبة النكاح وغيره. قال الترمذي: حديثٌ حسن، وصحَّحه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، وابن خزيمة. قال في التلخيص: وروى البيهقي من حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يحدث عن أبيه، قال: علَّمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: "الحمد لله، أو إنَّ الحمد لله" ورواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، والحاكم، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وهناك رواية موقوفة، رواها أبو داود والنسائي أيضًا من هذا الوجه، وهناك طرق أخر

стр. 2608

مروية من غير طريق أبي عبيدة، وقراءة الآيات الثلاثة جاءت في رواية النسائي. * مفردات الحديث: - الحاجة: ما يفتقر إليه الإنسان ويطلبه، جمعه حوائج، زاد ابن كثير في الإرشاد: في النكاح، أو غيره. - إنَّ الحمد: "إنَّ" مثقلة مكسورة الهمزة وجوبًا؛ لأنَّه لا يصح أن يقوم مقامها ومقام معموليها مصدر، فهي هنا جاءت في ابتداء الكلام. - الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، واللام فيه لاستغراق الحمد؛ ليفيد أنَّ جميع المحامد له تعالى، كما يفيد أنَّها مختصة بالرب تعالي، فالَّلام أفادت الأمرين: الاستغراق والحصر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث هو خطبة، تسمى خطبة الحاجة، يستحب الإتيان بها عند الابتداء بكل حاجة هامَّة، ومن ذلك عند عقد النكاح. ٢ - أما الآيات الثلاث، فهي قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ...﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ...﴾ [النساء: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ والآية التي بعدها إلا قوله: ﴿عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب]. ٣ - الحديث اشتمل على إثبات صفات المحامد لله، واستحقاقه لها، واتصافه بها. ٤ - واشتمل على طلب العون من الله تعالى، والمساعدة على طلب التسهيل، والتيسير على الحاجة، التي سيُقدِم عليها الإنسان، لاسيَّما النكاح بكلفه ومؤنته. ٥ - واشتمل على طلب المغفرة منه تعالى، وستر العيوب والذنوب، والاعتراف بالقصور والتقصير، وأن يمحو ذلك ويغفره. ٦ - واشتمل على الاستعاذة به، والاعتصام به، من شرور النفس الأمارة

стр. 2609

بالسوء، التي تنازعه إلى فعل ما يحرم، وترك ما يجب، إلاَّ من عصمه الله تعالى وأعاذه. ٧ - واشتمل على الإقرار بأنَّه تعالى صاحب التصرف المطلق في خلقه، وأنَّ هداية القلوب وضلالها بيده: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وهذه الجملة كالتعليل لما قبلها من طلب الاستعاذة، والعصمة من الله وحده. ٨ - واشتمل على الإقرار بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإِسلام، وهما أصله وأساسه، فالإنسان لا يكون مسلمًا إلاَّ بإقراره بهما، إقرارًا نابعًا من قلبه. ٩ - قال النووي: واعلم أنَّ هذه الخطبة سنة، لو لم يأت بشيء منها صحَّ النكاح باتفاق العلماء. ١٠ - وحكي عن داود الظاهري وجوبها, ولكن العلماء المحققين لا يعدون خلاف داود خلافًا معتبرًا, ولا ينخرم به الإجماع. قال إمام الحرمين؛ الذي ذهب إليه أهل التحقيق أنَّ منكري القياس لا يُعَدُّون من علماء الأمة، وحملة الشريعة؛ لأنَّهم معاندون فيما ثبتت استفاضته وتواتر؛ لأنَّ معظم الشريعة صادرةٌ عن الاجتهاد، ولا تقي النصوص بعشر معشارها. أما ابن الصلاح فقال: الذي اختار أبو منصور، وذكر أنَّه الصحيح من المذهب، أنَّ خلاف دواد معتبر، وهو الذي استقرَّ عليه الأمر، فالأئمة المتأخرون من الشافعية، كالغزالي والمحاملي، أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم. انتهى من الطبقات الكبرى لابن السبكي. ١١ - أنَّ هذه الخطبة الهامة، الجامعة لمحامد الله، وطلب عونه، والالتجاء إليه من الشرور، وتلاوة تلك الآيات الكريمات، ينبغي للإنسان أن يقدمها بين

стр. 2610

يدي أعماله، وأقواله؛ لتحلها البركة، وليكون لها الأثر الطيب فيما تقدمته من الأعمال، فهي سنَّةٌ مؤكَّدة، ولكنَّها أُهمِلَت وهُجِرت، فمن أحياها فله أجرها، وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجر عملهم شيء. ١٢ - الأعمال تكون بأسباب العبد وبإرادته المرتبطة بإرادة الله، ولكنْ وراء هذه الأسباب، وهذه الإرادة، ربٌّ مدبِّرٌ، متصرفٌ بجميع الأُمور، فإذا اقترنت هذه الأسباب المادية، وتلك الإرادة الإنسانية، بالاستعانة بالله تعالى، والتوكل عليه، وتفويض الأمور كلها إليه، وقدم العبد أمام هذه الأعمال وأسبابها المادية قوَّةً روحيةً، وشحنةً إيمانيةً، تستمد من الاعتماد على الله تعالى، والتوكل عليه، وإسناد الأمور إليه، حصلت البركة، وحصل النجاح في الأعمال بإذن الله تعالى. ١٣ - قال شيخ الإِسلام: الأركان الثلاثة التي اشتملت عليها خطبة ابن مسعود هي: الحمد لله -نستعينه- نستغفره. قال الشيخ عبد القادر والشاذلي: إنَّ جوامع الكلام النَّافع هي: الحمد لله، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله. والتحقيق أنَّ الثلاث الأُوَل هي جوامع الكلم. وهذه الخطبة تُستحَب في مخاطبة الناس بالعلم من تعليم الكتاب والسنة، والفقه، وموعظة الناس، فهي لا تخص النكاح وحده، وإنما هي خطبة لكل حاجة، والنكاح من جملة ذلك. وإنَّ مراعاة السنن الشرعية في الأقوال والأعمال في جميع العبادات والعادات هو كمال الصراط المستقيم. اهـ. ١٤ - قوله: من شرور أنفسنا: نسب الشرور إلى الأنفس، ولم ينسبها إلى الله تعالى، مع أنَّ الأمور كلها بتقدير الله وتدبيره، إلاَّ أنَّ ما يصدر من الله ليس في ذاته شر.

стр. 2611

٨٤٢ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا خَطَبَ أحَدُكُمُ المَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَات، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ المُغِيرَةِ (٢)، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ (٣). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. أخرجه الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والطحاوي، وابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي، من طريق محمَّد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن واقد بن عبد الرحمن، عن جابر به، وصحَّح الحديث ابن حبان، وحسَّنه الترمذي، وقال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، أما حديث محمَّد ابن مسلمة فقد صحَّحه ابن حبان، وله طرق لا تخلو من مقال، إلاَّ أنَّه يجبر بعضها بعضًا. قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبِي، وحسَّن سنده الحافظ ابن حجر، وقال: رجاله ثقات.

стр. 2612

* مفردات الحديث: - ما يدعوه إلى نكاحها: تقدم أنَّ الدَّاعي إلى النكاح، هو المال، أو الحسب، أو الجمال، أو الدين، وعليه فمن كان غرضه الجمال، فليتحرَّ في النَّظر إلى ما قصده بأن ينظر إليها بنفسه، أوأن يبعث من ينعتها له. ***

стр. 2613

٨٤٣ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِرَجُلٍ تزَوَّجَ امْرَأَةً: "أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا" (١). ــ * مفردات الحديث: - تزوَّج: أي خَطَبَ، عبَّر عن الخِطبه باعتبار ما يكون، وهذا متعيَّن؛ ليفيد الأمر بالنظر إليها. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - تقدَّم أنَّ الجمال الظاهري مطلبٌ من مطالب النكاح، وأنه وإن كان الأفضل هو البحث عن الدِّين والخُلق، إلاَّ أنَّه أيضًا أمرٌ مرغوبٌ فيه، قد يقدِّمه بعض الراغبين في الزواج على غيره من الصفات، وحينئذٍ يكون الجمال مطلوبًا، إذ يحصل التحصين به، كيف والغالب أنَّ حسن الخَلق والخُلق لا يفترقان، وأنَّ ما روي أنَّ المرأة تُنكَح لجمالها, ليس زجرًا عن رعاية الجمال، بل هو زجرٌ عن النكاح لأجل الجمال المحض مع عدم مراعاة غيره. ٢ - إذا كان الجمال أمراً مطلوبًا مرغوبًا فيه، وأنَّ الرجل قد يكره المرأة لدمامتها، أو هي تنفر من منظره، فإنَّ المستحب هو أن ينظر إليها إذا عزم على خطبتها، واعتقد إجابته إلى ذلك، وهي أيضًا تنظر إليه وتسمع منه. ٣ - قال في "نيل المآرب": ويباح لمريد النكاح نظر ما يظهر غالبًا من المرأة، كوجهٍ، ورقبةٍ، ويدٍ، وقدمٍ، إذا أراد خِطبتها، وغَلَب على ظنِّه إجابته، وَيُكرِّر النظر بلا خلوة.

стр. 2614

والمشهور من المذهب هو الإباحة فقط، أما مذهب جمهور العلماء فهو الاستحباب؛ لأنَّه أقل أحوال الأمر، وممَّن يرى الاستحباب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد. قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ من أراد أن يتزوج امرأةً، فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة، وقيل: يسن، وصوَّبه في الإنصاف، وظاهر الحديث استحبابه. ٤ - واختلفوا في الأعضاء التي ينظر إليها، والحديث مطلق لم يخصص موضعًا، فيحمل على المحل المقصود من معرفة جمالها، ويدل على ذلك فهم الصحابة وعملهم، فقد روى عبد الرزاق وسعيد بن منصور: "أنَّ عمر كشف عن ساق أم كلثوم بنت علي، لما بعث بها عليٌّ إليه، لينظر إليها". ٥ - قال في نيل المآرب: ولا يحتاج إلى إذنها، ويدل على ذلك فعل جابر، فقد روى أحمد، والشافعي، والحاكم، وفيه: "فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها". ٦ - الحكمة في هذا ما جاء في المسند عن المغيرة بن شعبة، أنَّه خطب امرأة، فقال النبي ﷺ : "انظر إليها، فإنَّه أحرى أن يُؤدَم بينكما" فنظرُ الرجل إليها، وتروِّي فكره فيها، قبل الخطبة، أقرب إلى الوفاق والاتفاق بينهما؛ لأنَّه يقدم على بصيرة من أمره. ٧ - قال بعضهم: ويثبت هذا الحكم للمرأة، فإنَّها تنظر إلى خاطبها، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، ويفهم هذا المعنى المراد من الحديث، ويؤيده إجابة طلب زوجة ثابت بن قيس فراقَه، لما علَّلت من دمامته. فقد أخرج ابن أبي خيثمة، والطبراني عن ابن عباس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: يا جميلة! ما كرهت من ثابت؟ فقالت: والله ما كرهتُ منه شيئًا إلاَّ دمامته، فقال: أتردِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، ففرَّق بينهما. وحينئذ فالمرأة أولى بالنظر؛ لأنَّه يباح لها أن تنظر إلى الرجل، ولو بلا

стр. 2615

حاجة إذا لم يكن لشهوة، أما الرجل فلا ينظر إليها إلاَّ لحاجة، فإباحة النظر لها في هذه المسألة أولى. ٨ - المسلمون في هذه المسألة بين طرفي نقيض، فبعضهم متشددون متعصبون، عطَّلوا هذه السنَّة المجمع عليها، فيمنعون الخُطَّاب من رؤية بناتهم ومولياتهم، وهذا مخالفة للشرع الظاهر الصريح الصحيح. وبعضهم يرخون للخطَّابين العنان، ويدعونهما يخلوان، ويتنزهان في المواطن البعيدة الخالية، وهذا حرامٌ لا يجوز. والخير كله بالاقتصار على الأمور الشرعية، فلا تعطل السنة، ولا تتعدى إلى ما حرَّم الله تعالى. ٩ - جاء في بعض ألفاظ الحديث: "إذا خطب أحدكم فلا جناح عليه أن ينظر منها" والرواية الأخرى عند أحمد وابن ماجه: "إذا ألقى الله في قلب امريءٍ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها". فهذا دليلٌ على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية، وإلى ما يباح للخاطب النظر من جسمها، وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى ولا عبرة بالأقوال الضعيفة التي لا تستند إلى حقٍّ وصواب. ١٠ - إذا علمنا أنَّ النظر إلى الأجنبية محرَّم إلاَّ لحاجة، فقد قسَّم الفقهاء النظر إلى ثمانية أقسام، هي ما يأتي: الأول: نظر الرجل البالغ للحرَّة البالغة الأجنبية لغير حاجة، فلا يجوز له نظر شيء منها حتى شعرها المتَّصل. الثاني: نظر الرجلالبالغ لمن لا تُشتهى كعجوز، وقبيحة، فيجوز لوجهها. الثالث: نظر الرجل للشهادة على الأجنبية أو لمعاملتها، فيجوز نظره إلى وجهها وكفَّيها.

стр. 2616

الرابع: نظره لحرَّةٍ بالغةٍ ليخطبها، فيجوز للرقبة والوجه واليد والقدم. الخامس: نظره إلى ذوات محارمه، أو لبنت تسع، أو كان هو لا شهوة له، أو كان مميزًا وله شهوة، فيجوز لوجهٍ ورقبةٍ ويدٍ وقدمٍ ورأسٍ وساق. السادس: نظره للمداوة، فيجوز إلى المواضع التي يحتاج إليها. السابع: نظره لحرة مميِّزة دون تسع، ونظر المرأة للرجل الأجنبي، ونظر المميز الذي لا شهوة له للمرأة، ونظر الرجل ولو أمرد، فيجوز إلى ما عدا ما بين السرة والركبة. الثامن: نظره لزوجته وبالعكس، ولو لشهوة، فيجوز لكل منهما نظر جميع بدن الآخر، وكذا يجوز النظر إلى جميع بدن مَن دون السابعة. ويحرم النظرة لشهوة، أو مع خوف ثورانها، إلى أحد ممن ذكرنا، ولمسٌ كنظر، ويحرم التلذذ بصوت الأجنبية ولو بقراءة، وتحرم خلوة رجل غير محرم بالنساء وعكسه. ١١ - قال ابن القطان المالكي: أجمعوا على أنه يحرم النظر إلى الأمرد، لقصد التلذذ بالنظر إليه، وأجمعوا على جواز النظر إليه بغير قصد اللذة. ١٢ - يحرم تزين امرأة لمَحرم غير زوج وسيد. ١٣ - سئل أحمد عن تقبيل ذوات المحارم منه؟ فقال: إذا قدم من سفر، وأمن الفتنة، ولا يفعله على الفم. ١٤ - قال شيخ الإِسلام: النظر داعيةٌ إلى فساد القلب، ولهذا أمر الله بغض الأبصار، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "زنا العين النظر"، وفي الطبراني من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ النظر سهمٌ من سهام إبليس، مسموم، فمن تركه من مخافة الله أبدله الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه".

стр. 2617

* قرار المجمع الفقهي بشأن مداواة الرجل للمرأة: قرار رقم (٨١): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإِسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندرسيري باجوان، بروناي دار السلام، من ١ إلى ٧ محرَّم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "مداوة الرجل للمرأة"، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. قرَّر ما يلي: ١ - الأصل أنَّه إذا توافرت طبيبة متخصصة، يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك، فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم، يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على أن يطَّلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم، أو زوج، أو امرأة ثقة، خشية الخلوة. ٢ - يوصي المجمع أن تولي السلطات الصحية جل جهدها؛ لتشجيع النساء على الانخراط في مجال العلوم الطبية، والتخصص في كل فروعها، وخاصة أمراض النساء والتوليد، نظرًا لندرة النساء في هذه التخصصات الطبية، حتى لا تضطر إلى قاعدة الاستثناء، والله أعلم.

стр. 2618

٨٤٤ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلى خِطْبةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ، أوْ يَأذَنَ لَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). ــ * مفردات الحديث: - لا يخطب: "لا" ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها، وهو من باب قتل، والخِطبة بكسر الخاء: طلب المرأة للزواج، والخطيبة: المرأة المخطوبة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّهي عن خِطبة المرأة على خِطبة آخر تقدم، والنَّهي أصله التحريم. ٢ - قال في الكشاف ما خلاصته: ولا يحل لرجل أن يخطب امرأة على خِطبة مسلم إن علم الخاطب الثاني بخطبة الأول. فإن خطب على خِطبته صحَّ العقد؛ لأنَّ التحريم ليس في صلب العقد، فلم يؤثر فيه، وفيه خلاف سيأتي. ٣ - فإن لم يعلم الثاني جاز؛ لأنَّه معذور، أو رُدَّت خِطبة الأول جاز، أو أذِن الأول للثاني في الخِطبة جاز؛ لأنَّه أسقط حقه، أو ترك الأول الخِطبة جاز للثاني أن يخطب. ٤ - ولا يكره للولي ولا للمرأة الرجوع عن الإجابة لغرض صحيح؛ لأنَّه عقد يدوم الضرر فيه، فكان لها الاحتياط لنفسها، والنظر في حظها، أما رجوعها بلا غرض صحيح فيكره منه ومنها, لِما فيه من إخلاف الوعد، ولكنه لا يحرم؛ لأنَّ الحق لم يلزم بعد.

стр. 2619

٥ - وتحريم الخِطبة على الخِطبة وقايةٌ إسلاميةٌ كريمةٌ عن وقوع العداوات، والشحناء بين المسلمين، فإنَّ الإِسلام يحث على الألفة والمودة، ويبعد كل ما من شأنه إحداث التباغض، والتعادي بين المسلمين. و ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. و"المؤمن للمؤمن كالبنيان". و"لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخِيه ما يحب لنفسه". فهذه هي آداب الإِسلام، وأهدافه الكريمة، ومقاصده الحسنة، جعلنا الله تعالى ممَّن اتَّصف بهذه الأوصاف الحميدة، آمين. * خلاف العلماء: قال شيخ الإِسلام: اتَّفق الأئمة الأربعة على تحريم الخِطبة على خِطبة الرجل، وتنازعوا في صحة نِكاح الثاني على قولين: أحدهما: ذهب مالك إلا أنه باطل، وهي إحدى الروايتين عن أحمد. الثاني: أنَّه صحيح، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، مع اتفاقهم على أنَّ فاعل ذلك عاصٍ لله ولرسوله ﷺ ، وتجب عقوبته. ***

стр. 2620

٨٤٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵄ قَالَ: "جَاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! جِئْتُ أهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبه، ثُمَّ طَأطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأتِ المَرْأةُ أنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامِ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَالَ: فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيءِ؟ فَقَالَ: لاَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لاَ، وَاللهِ! مَا وَجَدْتُ شَيئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ، تمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لاَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! وَلاَ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -قَالَ سَهلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا تَصْنعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّا إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ لَه، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَهُّ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرآنِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وفِي رِوَايَةٍ لَهُ: انْطَلِقْ، فَقَدْ زوَّجْتكهَا، فَعلِّمْهَا مِن القُرْآنِ".

стр. 2621

وَفِي رِوَايَةٍ للبُخَارِيِّ: "أمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (١). وَلأبي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "مَا تَحْفَظُ؟ قَالَ: سُورَةَ البَقَرَةِ، وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً" (٢). ــ * درجة الحديث: رواية أبي داود ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح في زيادات الباب، فهي صحيحةٌ، أو حسنةٌ على قاعدته. أما الألباني فقال: هذه الزيادة منكرة؛ لمنافاتها للرواية الصحيحة, ولتفرد عِسْل بن سفيان بها، وهو ضعيف. * مفردات الحديث: - امرأة: قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها، وقال العيني: الصحيح أنَّها خولة بنت حكيم، أو أم شريك الأزدية. - أهب لك نفسي: أي ملَّكتك المتعة بنفسي، وكان هذا من خصائصه ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي قد أحللناها لك. - صعَّد النظر: بفتح الصاد، وتشديد العين المهملة: رفع بصره، أي نظر إلى أعلاها، وتأملها. - صوَّب النظر: بفتح الصاد، وتشديد الواو، أي خفض رأسه ضدّ صعَّده، فنظر إلى أسفلها، وتأمَّلها.

стр. 2622

- طأطأ رأسه: خفض رأسه، وصاغره، وطامنه. - رجل: قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه. - خاتمًا: يقال: ختم عليه يختم ختمًا أي طبع عليه، والخاتم: حلقة ذات فص، تلبس في الأصبع، وقد يحفر عليه اسم اللابس، جمعه: خواتم. - حديد: عنصر فلزي يجذبه المغناطيس، يصدأ، هو مادة صلبة يضرب به المثل في الصلابة، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه منيع، ومن أنواعه الحديد الزهر والمطاوع والصُّلب، جمعه حدائد. - إزاري: الملحفة، وكل ما ستر أسفل البدن يذكر ويؤنث فيقال: هو إزار وهي إزار، وربما أنث بالهاء: إزارة، هو كساء صغير، جمعه آزر وأزر. - رداء: بكسر الراء، وفتح الدال المهملة، وجمعه أردية، ما يلبس فوق الثياب كالجبة والعباءة وقيل: هو الملحفة تغطى أعلى البدن، ولعلَّه المراد هنا. - عن ظهر قلبك: يقال قرأ القرآن عن ظهر قلبه، أي: من حِفظه، لا كتابة. - ملكتُكَها بما معك من القرآن: اختلفت الروايات في هذه اللفظة، قال الدارقطني: الصواب رواية "زوجتكها بما معك من القرآن" فهي أكثر وأحفظ، قال النووي: ويحتمل صحة اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أولًا فملكها، ثم قال له: اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق. - بما معك: قال بعضهم: إن الباء للبدل والمقابلة والمعاوضة، وبعضهم قال: إنَّ الباء للسببية، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز عرض المرأة نفسها على رجل من أهل الصلاح والخير لزواجه بها. ٢ - جواز نظر الرجل إلى المرأة لإرادة الخطبة وإن لم يخطب، بل قد استحبه بعضهم هنا قبل أن يقدم على الخِطبة، حتى لا يخطب إلاَّ بعد وجود الرغبة. ٣ - ولاية الإِمام على المرأة التي لا ولي لها، إذا أذنت ورغبت في الزواج.

стр. 2623

٤ - أنَّه لابد من الصداق في النكاح، وأنه يصح أن يكون شيئًا يسيرًا جدًّا، فيصح بكل ما تراضى عليه الزوجان، أو مَن إليه ولاية العقد. قال عياض: أجمع العلماء عليها أنَّه لا يصح أن يكون مما لا قيمة له، وأنه لا يحل به النكاح. ٥ - أنَّه يستحب تسمية الصداق في العقد؛ لأنَّه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير صداق صحَّ العقد، ووجب لها مهر المثل بالدخول. ٦ - أنه يجوز الحَلف، وإن لم يُطلَبْ منه، ولم يتوجه عليه. ٧ - أنَّه لا يجوز للإنسان أن يُخرج من ملكه ما هو من ضرورياته، كالذي يستر عورته، أو يسد خلته، من الطعام والشراب. ٨ - التحقيق مع مدَّعي الإعسار، فإنَّه ﷺ لم يصدقه في أول دعواه الإعسار، حتى ظهرت له قرائن صدقه. ٩ - أنَّ خُطبَةَ العقد لا تجب؛ لأنَّها لم تذكر في شيء من طرق الحديث. ١٠ - أنه يصح أن يكون الصداق منفعة، كالتعليم والخدمة، كقصة موسى مع صاحب مدين، فقوله ﷺ : "فعلمها من القرآن" أي قدرًا معيَّنًا منه، وذلك صداقها. ١١ - أنَّ النكاح ينعقد بلفظ التمليك لقوله في بعض الروايات؛ "ملَّكتها". قال شيخ الإِسلام: الذي عليه أكثر أهل العلم أنَّ النكاح ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج. وقال ابن القيم: أصح قولي العلماء أنَّ النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه، ولا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج، وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة، ومالك، وأحد القولين في مذهب أحمد، بل نصوصه لا تدل إلاَّ على هذا الوجه. ١٢ - فيه جواز زواج المعسر المعدَمِ، إذا رضيت المرأة بعسرته وعدمه.

стр. 2624

١٣ - فيه أنَّه يستحب لمن طُلب منه حاجة، أن لا يسارع في رد طالبها، بل يسكت، لعلَّ السائل يفهم هذا من سكوته، فيعرض بدون خجل. ١٤ - فيه أنَّه تجوز الخِطبة إذا ظنَّ الخاطب الثاني بالقرينة أنَّه لم يحصل اتفاق مع الخاطب الأول. ١٥ - جواز هبة المرأة نفسها للنبي ﷺ ، وهي خاصة له ﷺ قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ١٦ - أنه لا يتم العقد بعد الإيجاب إلاَّ بالقبول، ذلك أنَّ المرأة وهبت، ولكن النبي ﷺ سكت ولم يقبل، ثم زوجها من الرجل الآخر، ممَّا يدل على أنَّ سكوته خلق كريم منه، وليس قبولاً، وقد فهم الحاضرون ذلك؛ ولذا قال الخاطب: "إن لم تكن لك بها حاجة فزوِّجنيها". ١٧ - فيه حسن خطاب هذا الخاطب، وجميل طلبه، فإنَّه علَّق خِطبته ورغبته فيها على عدم رغبة النبي ﷺ في المرأة. ١٨ - فيه جواز لبس الخاتم من الحديد للحاجة، فهو مكروه أزالت كراهيته الحاجة، والدليل على كراهته ما جاء في السنن أنَّه حلية أهل النار. ١٩ - فيه شفقة النبي ﷺ بأمته، فإنَّه لما رأى عُدم هذا الرجل وفقره، وحاجته إلى الزواج، زوَّجه بما لم تجر العادة اتخاذه عوضًا وأجرة. ***

стр. 2625

٨٤٦ - وعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيه ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَعْلِنُوا النِّكَاحَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. رواه أحمد، وابن حبان، والطبراني، والضياء المقدسي، عن عبد الله بن الأسود، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه مرفوعًا، وسنده حسن، ورجاله ثقات معروفون، وصحَّحه الحاكم، وابن دقيق العيد في الإلمام الذي اشترط فيه أن لا يورد فيه إلاَّ ما كان صحيحًا. * مفردات الحديث: - أعلنوا: علن الأمر يعلن علنًا: ظهر وانتشر، خلاف خفي، وأعلن الأمر: أظهره وجهر به، ومنه إعلان النكاح وإظهاره. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تمام الحديث: "أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغِربال" الغربال هو الدف. ٢ - الإعلان هو خلاف الإسرار، وقد دلَّت الأحاديث على الأمر بإعلان النكاح، وعلى الأمر بضرب الغربال؛ لأنَّ ضرب الدف أبلغ في الإعلان. ٣ - تدل الأحاديث على مشروعية إعلان النكاح، والضرب عليه بالدف، بشرط أن لا يصحبه محرم، من التغني بصوتٍ رخيم من أنثى، يسمعه أغلب المجاورين، أو يكون الغناء بقصائد فيها مجون وغزل مكشوف.

стр. 2626

٤ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: إعلان النكاح بالدف سنة، وفيه مصلحة لا تخفى، فهو مشروع لإظهار النكاح. ٥ - وقال أيضًا: الأغاني التي تصدر في الإذاعات والحفلات قسمان: الأول: ما اشتمل على حِكم، ومواعظ، ونصائح، وحماسٍ، ونحو ذلك مما لا غرام فيه، ولا يشتمل على صوت مزمار ونحوه، فهذه لا محذور فيه، لما فيه من المصلحة. الثاني: ما فيه غرام، ويشتمل على صوت مزمار وما أشبه ذلك، فهو حرام، والأصل في ذلك الكتاب والسنة، وقد حكى ابن الصلاح الإجماع على تحريم الغناء إذا اقترن به شيء من آلات اللهو. ٦ - إعلان النكاح مشروع، فقد جاء في السنن عن محمد بن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح" ولكن الناس أسرفوا في هذه الناحية، فأحيوا الليل بغناء امرأة يبلغ صوتها بمكبرات الصوت إلى أقصى الحي، ممَّا يقلق الناس ويزعجهم، ويَحرِمهم من النوم والراحة، وهي تتغنى بهذا الصوت الناعم الرخيم، وقد جُلِبَتْ لهذا الحفل بعشرات الألوف من الريالات، مما يعد إسرافًا في النفقة، وارتفاعًا لصوت امرأة أجنبية بغناء محرَّم، بألفاظه الماجنة، ورخامته المثيرة، وقد حصل به من الأذية، وحرمان المجاورين من الراحة. ٧ - من إعلان النكاح الإشهاد عليه عند عقده، وهو بهذا فارق سائر العقود، فإنَّ الإشهاد عليه شرط لصحته عند جمهور العلماء، وأما الإشهاد على غيره من العقود، فهو مستحب غير واجب. ٨ - قال في نيل المآرب: الشرط الرابع: الشهادة، فلا يصح النكاح إلاَّ بحضرة شاهدين ذكرين عدلين مكلَّفين. ٩ - قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ:

стр. 2627

(أ) إذا كان النكاح معلنًا مشهودًا عليه من اثنين، فلا نزاع في صحته. (ب) وإن كان خاليًا من الشاهدين، ومن الإعلان، فلا نزاع في عدم صحته. (ج) وإن كان معلنًا فيه فقط بدون شاهدين فهذا صحيح، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، فإنه يرى أنَّ الإشهاد على النكاح ليس له أصل في الكتاب والسنة، وأنَّ الإشهاد وحده بدون إعلان النكاح لا يصح معه النكاح، فيقول: الذي لا ريب فيه أن النكاح مع الإعلان يصح، وإن لم يشهد شاهدان. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في اشتراط الشهادة لصحة النكاح: فذهب إلى اشتراطها جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والحسن، والنَّخعي، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وذلك احتياطًا للنسب، وخوف الإنكار والخلاف، ولما روى الدارقطني عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلاَّ بولي، وشاهدي عدل" وذهب الإِمام مالك ورواية عن الإِمام أحمد اختارها شيخ الإِسلام إلى أنَّه إذا أعلن النكاح فلا يشترط الشهادة، وطعنوا في صحة الحديث، فقد قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين خبر. قال الشيخ تقي الدين: لا يشترط في صحة النِّكاح الإشهاد على إذن المرأة قبل النكاح في المذاهب الأربعة، بل إذا قال الولي: أذنت لي، جاز عقد النكاح. ولكن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية ألزمت مأذوني عقود الأنكحة بالإشهاد احتياطًا، وسلامةً من الخلافات، وهو قول في مذهب الشافعي وأحمد.

стр. 2628

٨٤٧ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أِبي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ" رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وصَحَّحَهُ ابنُ المَدِينِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (١). ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ مَرَفْوعًا: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ" (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أبو داود، والترمذي، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، وقد صحَّحه كل من ابن المديني، وأحمد، وابن معين، والترمذي، والذهلي، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي، وقال ابن الملقن في الخلاصة: إنَّ البخاري صحَّحه، واحتجَّ به ابن حزم، وقال الحاكم: قد صحت الرواية فيه عن زوجات النبي ﷺ الثلاث: عائشة، وزينب، وأم سلمة، ثم سرد ثلاثين صحابيًّا، كلهم رواه. قال الألباني: الحديث صحيحٌ بلا ريبٍ، فإنَّ حديث أبي موسى صحَّحه جماعةٌ من الأئمة، فإذا انضم إليه متابعة من تابعه، وبعض الشواهد التي لم يشتدَّ ضعفها، فإنَّ القلب يطمئن إليه.

стр. 2629

٨٤٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا باطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَه" أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. أخرجه أحمد، والشافعي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، من طرق عديدة، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، ورجال الحديث كلهم ثقات من رجال مسلم. وقد صحَّحه ابن معين، وحسَّنه الترمذي، كما صحَّحه أبو عوانة، وابن حبان، وقال الحاكم: إنَّه على شرط الشيخين، وقوَّاه ابن عدي، وصحَّحه ابن الجوزي، وأعلَّ بالإرسال، ولكن البيهقي قوَّاه وردَّ على من أعلَّه، وعلى هذا فالحديث حسن الإسناد، والله أعلم. * مفردات الحديث: - أيُّما: من ألفاظ العموم، فهي تفيد طلب الولاية عن المرأة مطلقًا من غير تخصيص.

стр. 2630

- اشتجروا: شجر الأمر بينهم يشجر شجورًا، تنازعوا فيه، ومنه في سورة النساء: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] أي فيما وقع بينهم من الاختلاف، فاشتجر القوم، أي: تنازعوا. - بما: "الباء" للسببية، أو المعاوضة، و"ما" اسم موصول بمعنى الذي. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الولي في النكاح شرط لصحته، فلا يصح النكاح إلاَّ بولي، يتولى عقد النكاح، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء. ٢ - ودليل اشتراط الولي حديث: "لا نكاح إلاَّ بولي"، قال المناوي في شرح الجامع الصغير: إنَّه حديث متواتر، وأخرجه الحاكم من نحو ثلاثين وجهًا، وحديث عائشة رقم (٨٤٨) صريح في بطلانه بدون ولي، ونصه: "أيما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل". ٣ - عقد النكاح عقد خَطِر، يحتاج إلى كثير من المعرفة بمصالح النكاح ومضاره، ويفتقر إلى التروِّي والبحث والمشاورة، والمرأة ناقصة قاصرة قريبة النظر والفكر، فاحتاجت إلى ولي يحتاط لهذا العقد، من حيث مصلحته، ومن حيث الاستيثاق فيه، لذا صار شرطًا من شروط العقد، للنص الصحيح، ولقول جماهير العلماء. ٤ - يشترط في الولي التكليف، والذكورية، والرشد في معرفة مصالح النكاح، واتفاق الدين بين الولي والموليِّ عليها، فمن لم يتَّصف بهذه الصفات فليس أهلاً للولاية في عقد النكاح. ٥ - الولي هو أقرب الرجال إلى المرأة، فلا يزوجها ولي بعيد مع وجود أقرب منه، وأقربهم أبوها، ثم جدها من الأب، وإن علا، ثم ابنها، وإن نزل، الأقرب فالأقرب، ثم شقيقها، ثم أخوها لأب، وهكذا على حسب
следующие страницы →