← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لاعتقاده أنَّها زيادة غير محفوظة، وإنَّما تفرَّد بها بعض بالرواة. لكن قال الحافظ في فتح الباري: إنها زيادة ثابتة من طرقٍ، ينتفي معها تفرُّد من ذكرهم مسلم. ١٥ - المؤلِّف أورد هذا الحديث في باب نواقض الوضوء لأجل هذه الزيادة: "ثمَّ توضئي لكلِّ صلاة"، وإلاَّ فمناسبة الحديث أن يُذْكَرَ في "باب الحيض" وقد أعاده هناك، والله أعلم. ١٦ - جوازُ سماعِ الرجلِ الأجنبيِّ صوتَ المرأة عند الحاجة، إذا لم تليِّنه وتُخْضِعْهُ. ١٧ - الأمرُ بإزالة النَّجاسة. ١٨ - فيه أنَّ الدَّم نجسٌ، وهو إجماعٌ إلاَّ خلافًا شاذًّا. ١٩ - أنَّ الصلاة تجب بمجرّد انقطاع دم الحيض. ٢٠ - أنَّ الصلاة تصح حتَّى في حال جريان الدم الذي لا ينقطع. ***

стр. 282

٦٣ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً, فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ? فَقَالَ: فِيهِ الْوُضُوءُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). ــ * مفردات الحديث: - رجلًا: خبر كان، و"مذَّاء" صفة لرجل. - مذَّاء: بفتح الميم، وتشديد الذَّال المعجمة، ثُمَّ ألف ممدودة، من صيغ المبالغة، من كثرة المذي، والمذي، بفتح الميم، وسكون الذَّال المعجمة، وأيضًا: بكسر الذَّال، وتشديد الياء، جمعه: مُذًى، ومُذَايَات، ومُذَى. وقال في الصحاح: قال الأزهري: الوديّ والمذيّ والمنيّ مشدَّدات، قال أبو عبيدة: المنيّ مشدَّد، والآخران مخففان، وهذا أشهر. والمَذْيُ: ماءٌ أبيضُ لزجٌ رقيق، يخرُجُ عند الملاعبة ونحوها، وخروجه من مجرى البول من إفراز الغدد المبالية. - أنْ يسأل: أي: بأن يسأل، فـ "أنْ " مصدرية، أي: أمرتُه بسؤال رسول الله ﷺ . - فيه الوضوء: جملة اسمية؛ لأنَّ "الوضوء" مبتدأ مؤخر، وقوله: "فيه" خبر مقدَّم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ خروج المذي يوجب الوضوء، ولا يوجب الغسل؛ وهو إجماع. ٢ - في بعض ألفاظ الحديث عند البخاري (١٧٨): "فاستحييت أنْ أسال رسول الله ﷺ "، وفي لفظ مسلم (٣٠٣) "لمكان فاطمة".

стр. 283

فالحياء هو الذي منع عليًّا ﵁ من أنْ يشافه النَّبي ﷺ بهذا السؤال. ٣ - فيه قبول خبر الواحد، والعمل به في مثل هذه الأمور. ٤ - جاء في أحد ألفاظ مسلم لهذا الحديث: "اغسلْ ذكرك وتوضَّأ"، وورد في بعض ألفاظه أيضًا: "واغسل الأُنثيين". فقد دلَّت هاتان الروايتان على وجوب غسل الذكر والأنثيين، والوضوء بعد ذلك؛ لأنَّ المذي مخرجه مخرج البول، ولما سيأتي من رواية أبي داود في الفقرة السابعة. ٥ - الأمر بغسل الذكر والأنثيين دليلٌ على نجاسة المذي، ولكن بعض العلماء قال: يُعْفَى عن يسيره لمشقَّة التحرُّز منه. ٦ - أنَّه لا يكفي في الطهارة من المذي الاستجمار، بل لابد من الماء؛ وذلك -والله أعلم- لأَنَّه ليس من الخارج المعتاد؛ كالبول. ٧ - ذهب الحنابلة وبعض المالكية: إلى وجوب غسلِ الذكر كله، والأنثيين من خروج المذي؛ مستدلين بهذا الحديث ورواياته الثابتة، فقد صرَّحت بغسل الذكر وهو حقيقة يطلق عليه، ولما جاء في رواية أبي داود (٢٠٨) فقال: "يغسلُ ذكره وأُنثييه ويتوضَّأ". ***

стр. 284

٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ, وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف، ومنهم من قوَّاهُ وصحَّحه. قال ابن حجر في التلخيص: الحديث معلول، ذكر علَّته أبو داود، والتِّرمذي، والنِّسائي، والدَّارقطني، والبيهقيُّ، وابن حزم، وقال: لا يصح في هذا الباب شيءٌ. قال الترمذي: سمعت البخاري يضعِّف هذا الحديث، وأبو داود أخرجه من طريق إبراهيم التيمي عن عائشة، ولم يسمع منها شيئًا؛ فهو مرسل. وقال المصنف: رُوِيَ من عشرة أوجه عن عائشة أوردها البيهقي في الخلافيات وضعَّفها. وقوَّى الحديثَ جماعةٌ من الأئمة؛ منهم: عبد الحق وقال: لا أعلم له علَّة، وقال الزيلعي: سنده جيد، وصحَّحه أحمد شاكر والألباني. * مفردات الحديث: - قبَّل: تقبيلاً، والاسمُ: القُبْلة، جمعها قُبَلٌ، مثل غرفة وغرف، والقُبْلة هنا: اللَّثْمَةُ على الفَمِ. - بعض نسائه: هي عائشة راوية الحديث ﵂ فقد أخرج إسحاق في مسنده (٢/ ١٧٢)، عن عروة عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قبَّلها وقال: "إنَّ القبلة لا تنقض الوضوء".

стр. 285

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - ظاهر الحديث يدل على أنَّ تقبيل المرأة ولمسها لا ينقض الوضوء، وهو الأصل، والحديث مقرِّر لهذا الأصل من عدم الوجوب. ٢ - لكن الحديث معارَضٌ بالآية الكريمة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، واللَّمْسُ الحقيقي في اليد، وإذا وجد احتمال إرادة الجماع، فقراءة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ ظاهرة في مجرَّد لمس اليد، والأصل اتفاق معنى القراءتين. ٣ - الأفضل هو حمل هذا الحديث على تقبيل لم يصاحبه شهوة، وإنَّما هو تقبيل مودَّة ورحمة، وهذا النوع من اللمس قد تقرَّر عَدَمُ نقضه للوضوء؛ لما جاء "أن عائشة نامَتْ معترضةً في مصلَّى النَّبي ﷺ ، فإذا أراد أنْ يسجد، غمزها في الظلام، لتكف رجليها"، رواه البخاري (٣٧٥)، ومسلم (٥١٢). واللمس ذاته ليس ناقضًا، ولكنَّه مَظِنَّةُ خروج ناقض، فيبقى اللمس المعتاد المجرَّد عن الشهوة على أصل عدم النَّقض. ٤ - على فرض صحته حُمِلَ الحديث على ما تقدَّم، وإلاَّ فهو ضعيفٌ؛ فالبخاري يضعِّفه، وذكر أصحاب السنن أنَّ له علَّة، وقال ابن حزم: لا يصح في هذا الباب شيءٌ، وقال ابن حجر: الحديث معلول. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في اللمس هل ينقض الوضوء أم لا؟: ذهب الحنفية: إلى عدم النقض باللمس مطلقاً، ومن أدلتهم حديث الباب، وحديث اعتراضِ عائشة ﵂ في مصلَّى النبي ﷺ ، وغمزِه لها واستمرارِهِ في الصلاة. وذهب مالك: إلى انتقاض الوضوء بلمس المتوضىء البالغ بلذَّة لشخص يلتذ به عادة. وذهب الإمام الشَّافعي: إلى أنَّ مجرَّد لمس الرجل المرأة، أو المرأة

стр. 286

الرَّجل أنه ناقضٌ للوضوء، بشرط عدم المحرميَّة بينهما، فلا ينتقض بلمس المحرم على الصحيح عندهم. أمَّا المشهور من مذهب أحمد: فإنَّ النَّقض لا يكون إلاَّ من مس بشهوة بلا حائل، وهذا هو الرَّاجح؛ ذلك أنَّ مظنَّة خروج المذي، إنُّما يكون من لمس مصاحب للشهوة. ***

стр. 287

٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا, فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا? فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا, أَوْ يَجِدَ رِيحًا". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - إذَا وَجَدَ: أحسَّ شيئًا؛ كالقرقرة، بتردُّد الرِّيح في بطنه. - فأشْكَلَ عَلَيْهِ: التبس عليه الأمر، أَوَجَدَ ناقضٌ للوضوء أم لا؟ -صوتًا أو ريحًا: أي: صوتَ الرِّيح عند خروجها من الدبر، أو نَتْنَ ريحها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث أحد أدَّلة القاعدة الكلية الكبرى، وهي: "اليقين لا يزول بالشك"؛ فاليقين: هو طمأنينةُ القلب على حقيقة الشيء. فلذا: فإنَّ الأمر المتيقَّن ثبوته لا يرتفع إلاَّ بدليلٍ قاطع، ولا يحكم بزواله بمجرَّد الشك، كذلك الأمر المتيقن عدم ثبوته، لا يحكم بثبوته بمجرَّد الشك؛ لأنَّ الشكَّ لا يقاوِمُ اليقينَ، فلا يعارضه ثبوتًا ولا عدمًا. ٢ - قال النووي: هذا الحديثُ أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الفقه، وهي أنَّ الأشياء يحكم ببقائها على أصولها، حتَّى يُتيقنَ خلاف ذلك، ولا يضر الشكُّ الطارىء عليها. فمن ذلك: مسألة الباب التي ورد فيها الحديث، وهي أنَّ من تيقنَّ الطهارةَ، وشكَّ في الحدث-: حكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين

стр. 288

حصول هذا الشك في نفس الصلاة، أو حصوله خارج الصلاة. ٣ - العقل السليم يؤيِّد هذه القاعدةَ الشرعية؛ ذلك أنَّ اليقين أقوى من الشك؛ لأنَّ في اليقين حكمًا قطعيًّا جازمًا، فلا ينهدم بالشك. ٤ - إذا خُيِّل إلى الإنسان أنَّه خرَجَ منه شيءٌ ناقضٌ للوضوء، وأشكَلَ عليه أخرَجَ منه شيءٌ أم لا؟ فالأصل: بقاء طهارته، فلا يبطل وضوؤه، ولا ينفتل من صلاته حتَّى يتيقنَ أنَّه خرَجَ منه شيء؛ لأنَّ اليقين لا يزول بالشك، وقد بوَّب البخاري ﵀ لهذا الحديث بقوله: "باب لا يتوضأ من الشك حتَّى يستيقن". ٥ - أنَّ الرِّيح الخارجة من الدُّبر-بصوت أو بغير صوت- ناقضةٌ للوضوء. ٦ - يراد بسماع الصوت ووجدان الرِّيح في الحديث التيقُّنُ من ذلك، فلو كان لا يسمع ولا يشم، وتيقَّن بغير هاتين الطريقتين -انتقض وضؤوه، وإنَّما خصَّهما بالذِّكْر؛ لكونهما الغالب. ٧ - تحريم الانصراف من الصلاة لغير سبب بيِّن. ٨ - قال الخطابي: في الحديث حجَّة لمن أوجب الحدَّ على من وُجِدَتْ رائحةُ المسكر من فيه، وإنْ لم يشاهَدْ يشربه، ولا شَهِدَ عليه الشهود، ولا اعترف به. ***

стр. 289

٦٦ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: مَسِسْتُ ذَكَرِي، أَوْ قَالَ: الرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ, أَعَلَيْهِ الْوُضُوءٌ? فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لاَ, إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ" أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِيْنِيِّ: هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيْثِ بُسْرَةَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. قال في التلخيص: رواه أحمد، وأصحاب السنن، والدَّارقطني، وقال ابن المديني: هو عندنا أحسن من حديث بسرة، وقال الطحاوي: إسناده مستقيمٌ غيرُ مضطرب، بخلاف حديث بسرة، وصحَّحه أيضًا ابن حبَّان، والطبراني، وابن حزم، وضعَّفه الشَّافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدَّارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي، وأوضَحَ ابنُ حِبَّان ذلك. * مفردات الحديث: - مسست ذكري: مَسِسْتُهُ مَسًّا من باب قتل، ومعناه: أفضيت بيدي، - أعليه: الهمزةُ للاستفهام، وتأتي لطلب التصوُّر أو التصديق، والمراد هنا طلب التصور الذي جوابه بنعم أو لا؛ ولذا أجاب ﷺ بِلاَ. - إنَّما هُوَ بِضْعَةٌ مِنْكَ: تعليل لعدم وجوب الوضوء من مسَّ ذكره. - إنَّما: "إنَّ" حرف توكيد، ينصب الاسم، ويرفع الخبر، إلاَّ أنَّ "ما" الحرفية

стр. 290

كفَّتها عن العمل، فصار منهما أداة حصر قامت مقام النَّفي و"إلاَّ"؛ فأفادت الحصر. - بضعة: بفتح الباء الموحَّدة وكسرها، بعدها ضاد معجمة ساكنة: هي القطعة من اللحم وغيره. - منك: أي: من جسدك، مثل اليد والرجل وغيرهما. ***

стр. 291

٦٧ - وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه مالك (٩٣)، والشَّافعي (٢/ ١٢)، وأبو داود، والنسائي، والترمذي والدَّارقطني والحاكم، وصحَّحه أحمد والبخاري والترمذي والدَّارقطني وابن معين والحازمي والبيهقي (١/ ١٣٢) وغيرهم. قال في التلخيص: قال البيهقي: يكفي في ترجيح حديث بُسْرة على حديث طَلْق: أنَّ حديث طلق لم يخرجه الشيخان، ولم يحتجَّا بأحد رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته، إلاَّ أنَّهما لم يخرجاه. قال مُحَرِّره عفا الله عنه: إذا تأمَّلنا كلامَ أئمَّة الحديث في الحديثين: حديث طلق وحديث بسرة، لم نجد فيهما ما يوجبُ إسقاطَ أحدهما بالآخر، وعدم اعتباره، فيبقَى وجه الجمع بين الحديثَيْن، وسيأتي في الكلام على متن الحديثين إنْ شاء الله تعالى. * مفردات الحديث: - بسرة: بضم الباء الموحدة، وسكون السِّين المهملة: القرشية الأسدية. - مَنِ: اسمُ شرط جازم، "مَسَّ" فعل الشرط، و"الفاء" رابطة، و"ليتوضأ" جواب الشرط.

стр. 292

* ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديثان صحيحان، ومهما أمكَنَ الجمع بينهما وإعمالُهُما، فهو أولَى من إسقاط أحدهما بالآخر. ٢ - حديث طلق يدُلُّ على أنَّ مسَّ الذَّكَرِ لا ينقضُ الوضوء، وقد علَّله ﷺ بقوله: "إنَّما هُو بَضْعَةٌ مِنْكَ"، والبضعة: القطعة من أي عضوٍ من أعضائك. ٣ - حديث بسرة يدل على أنَّ مسَّ الذَّكَر ينقض الوضوء. ٤ - أفضل ما يجمع بين الحديثَيْن بأحد طريقين: الأوَّل: أنَّه ينقُضُ الوضوء إذا مسَّه مِنْ غير حائل، فإنْ مسَّهُ بحائل لم ينقض؛ ويؤيِّد هذا القول رواية: "الرجُلُ يَمَسُّ ذكره في الصلاة"، فالصلاة ليست محلَّ لَمْسِ الفرج بلا حائل. الثاني: أنَّ مسَّه بشهوةٍ ينقُضُ الوضوء، ومسَّه بدونها لا ينقُضُ. والجمع الأخير أوجه وأقرب، ذلك أنَّ الذَّكر قطعة وبضعةٌ منك، فما دام أنَّ المس مس عادي، لم يصاحبه شهوة، فمجرَّد اللمس ليس ناقضًا، وإنَّما النَّاقض ما يخرج من أحد السبيلَيْن بسبب اللمس، وبدون شهوة هذا الخارجُ منتفٍ، أمَّا إذا صاحبته الشهوة، فإنَّ ذلك يكون مظنَّةَ خروج المذي، وهو ناقضٌ؛ كما أنَّ فوران الشهوة وحرارتها المنافية للعبادة لا يُطْفِئُها ويسكِّنُ هيجانَها إلاَّ الماءُ، لاسيَّما بنيَّة الوضوء، وهو عبادة يصاحبها من النية والذكر ما يسكِّن الشهوة. ***

стр. 293

٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ, أَوْ قَلَسٌ, أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ, ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ, وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف، والصواب إرساله. قال الحافظ في التلخيص: أعلَّه غير واحد بأنَّه من رواية إسماعيل بن عيَّاش، عن ابن جريج، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وقد خالفه الحفَّاظُ من أصحاب ابن جريج، فَرَوَوْهُ عنه، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ مرسلًا، وصحَّح هذه الطريقَ المرسلةَ محمدُ بن يحيى الذهلي، والدَّاقطني في العلل، وأبو حاتم، وقال: رواية إسماعيل خطأ، وقال ابن معين: حديث ضعيف، وقال ابن عدي: هكذا رواه إسماعيل مرَّةً، وقال مرَّةً: عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة، وكلاهما ضعيف، وقال أحمد: الصوابُ: عن ابن جريج، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ مرسلاً. * مفردات الحديث: - قَيْء: بفتح القاف المثنَّاة، وسكون الياء، بعدها همزة، وهو تفريغُ محتويات المعدة عن طريق الفم، وينشأ عادةً من تهيج الغشاء المخاطي، وله عدَّة أسباب، وإذا استمرَّ، فهو من النزلات المعوية. - رُعاف: بضم الرَّاء المهملة، ثُمَّ عين مهملة، ثمَّ ألف، بعدها فاء: هو نزيفٌ

стр. 294

من داخل تجويف الأنف، ينتج عن أسباب محلِّية في الأنف، أو أسباب عامَّة كالالتهاب، والاحتقان، وزيادة ضغط الدم. - قَلَس: بفتح القاف، وسكون اللام وفتحها، ثمَّ سين مهملة: القيء الذي لا يزيد عن ملء الفم أو دونه. - ليبن علي صلاته: اللاَّم لام الأمر، ومعنى البناء على الصلاة، أنْ يحسب ما كان قد صلَّى قبل الوضوء من ركعة أو أكثر، ويصلِّي ما كان باقيًا. * مفردات الحديث: ١ - يَدُلُّ الحديث بظاهره على أنَّ من أصابه قيءٌ أو رعافٌ أو قلس أو مذي، وهو في الصلاة، فعليه أنْ يَنْصرِفَ عنها، ثمَّ يتوضَّأ، ثمَّ ليبن علي صلاته ويتمَّها، فهي لم تَبْطُلْ. ٢ - شَرَطَ في ذلك أنه لا يتكلَّم؛ فمفهومه أنَّه لو تكلَّم، بَطَلَتْ صلاته، ولا يمكنه البناء عليها، بل يجبُ عليه إعادتها. ٣ - أخَذَ بهذا -وهو جواز البناء على الصلاة-: الحنفية والزيدية ومالك وأحد قولي الشَّافعي، وذهب جمهور العلماء إلى بطلان الصلاة إذا حصل ناقضٌ للوضوء، وعدم جواز البناء عليها. ٤ - الحديث ضعيف؛ فقد ضعَّفه الشَّافعي وأحمد والدَّارقطني وغيرهم، هذا لو سلم من المعارض، فكيف وهو معارضٌ بنصوصٍ صحيحة صريحة، منها ما رواه أبو داود (٢٠٥) من حديث علي بن طلق قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرفْ وليتوضأ، وليعد الصلاة"، قال الترمذي (١١٦٤): هذا حديث حسن. ٥ - وجه الشذوذ في الحديث هو جوازُ البناء على الصلاة في مثل هذه الحال، أمَّا المعدوداتُ في الحديث: فإنَّ بطلانَ الوضوء فيها موضعُ نزاعٍ قويِّ بين العلماء، عدا المذي، فهو ناقضٌ بالإجماع؛ لأنَّه خارجٌ من أحد السبيلين.

стр. 295

* خلاف العلماء: اختلف العلماء في الخارج النَّجسِ من غير السبيلين غير البول والغائط؛ وذلك كالقيء والدم والصديد ونحوها، هل خروجُها ينقُض الوضوءَ أو لا؟: ذهب الإمامان مالك، والشَّافعي: إلى أنَّ خروج هذه الأمور وأمثالها لا ينقض الوضوء ولو كثر. قال البغوي: هو قول أكثر الصحابة والتَّابعين. قال النووي: لم يثبت قطّ أنَّ النَّبي ﷺ أوجَبَ الوضوء من ذلك. قال الشيخ تقي الدِّين: الدم والقيء وغيرهما من النجاسات الخارجة من غير المخرج المعتاد لا تنقض الوضوءَ ولو كَثُرَتْ. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ الدم والقيء ونحوهما لا ينقض الوضوء -قليلها وكثيرها-؛ لأنَّه لم يَرِدْ دليلٌ على نقض الوضوء بها والأصلُ بقاءُ الطهارة. استدل هؤلاء بأدلَّة: أحدها: البراءةُ الأصليَّة؛ فالأصل بقاء الطهارة ما لم يثبُتْ ضدُّها، ولم يثبت عندهم شيء. الثاني: عدمُ صلاحية القياس هنا؛ لأنَّ علَّة الحكم ليست واحدة. الثالث: يروون في ذلك آثارًا منها: ١ - صلاة عمر بن الخطاب وجُرْحُهُ يثْعَبُ دمًا. ٢ - كان ابن عمر يعصر الدمَ من عينه، ويصلِّي ولم يتوضأ. ٣ - قال الحسن البصري: ما زال المسلمون يصلُّون في جراحاتهم. وذهب الإمامان أبو حنيفة، وأحمد: إلى أنَّ خروج هذه الأمور وأمثالها ينقض إذا كان كثيرًا، ولا ينقض اليسير منه. استدلُّوا على ذلك بما رواه أحمد (٢٦٩٨٩) والترمذي (٨٧)، من

стр. 296

حديث أبي الدرداء؛ أنَّه ﷺ قاء فتوضأ، قال الألباني: صحيح ورجاله ثقات. وأجاب الأولون: بأنَّ الفعل لا يدل على الوجوب، وغايته إنَّما يدل على مشروعية التَّأسِّي به في ذلك. قال شيخ الإسلام: استحبابُ الوضوء من الحجامة والقيء ونحوهما متوجِّه ظاهر، والله أعلم.

стр. 297

٦٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُوْمِ الْغَنَمِ? قَالَ: إِنْ شِئْتَ، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ? قَالَ: نَعَمْ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - الغَنَم: بفتح الغين المعجمة والنون: القطيع من المعز والضأن، اسم جنس، مؤنثة، لا واحد لها من لفظها، جمعه: أغنام، سُمِّيت بذلك لأنَّه ليس لها آلة دفاع، فكانت غنيمة لكلِّ طالب. - الإِبِل: بكسر الهمزة وكسر الباء الموحَّدة: الجمال والنوق، لا واحد له من لفظه، مؤنَّث، جمعه آبال. - أتوضأ من لحوم الغنم: بتقدير همزة الاستفهام المحذوفة، والأصل: أأتوضأ ... إلخ. - من لحوم الغنم: أي: لأجل أكلها. - نعم: تقدَّم شرحها في حديث رقم (٦٠). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - إباحةُ الوضوء بعد أَكْلِ لحومِ الغنم ولا يجبُ؛ لأنَّ لَحْمَها غيرُ ناقضٍ للوضوء. ٢ - أن أكل لحوم الإبل ينقُضُ الوضوء، ويوجبه عند فِعْلِ الصلاة، ونحوها ممَّا يشترط له الطهارة. ٣ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ النَّاقض من أجزاء الإبل هو الهَبْرُ فقط؛

стр. 298

لأنَّهم خصُّوا اللحم بالهَبْرِ دون بقيَّة أجزائها، فهم يَرَوْنَ أنَّ القلب، والكبد، والكرش، والسنام، ونحو ذلك من أجزائها، لا يتناوله النَّص. قال في المغني: والوجه الثاني: ينقض؛ لأنَّه مِنْ جملة الجزور، وإطلاقُ اللحم في الحيوان يراد به جملته؛ لأنَّه أكثر ما فيه، وكذلك لما حرَّم الله تعالى لحم الخنزير، كان تحريمًا لجملته. قال في المبدع: الوجه الثاني: ينقض؛ فإطلاق لفظ اللحم يتناوله. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيحُ أنَّ جميع أجزاء الإبل، كالكَرِشِ، والقلب داخلٌ في حكمها ولفظها ومعناها، والتفريق بين أجزائها ليس له دليل ولا تعليل. ولا يدخل في ذلك الحليبُ، واللبن، والدهن؛ لأنَّه ليس لحمًا، ولا يشمل مسمَّاه. ٤ - لا يوجد في الشريعة الإسلامية حيوان تُبَعَّضُ الأحكامُ في أجزائه، بعضها حلال، وبعضها حرام، وإنَّما الحيوانُ: إمَّا حرامٌ كلُّه كالخنزير، وإمَّا حلالٌ كله كبهيمة الأنعام. وهذا التبعض يوجد في شريعة اليهود؛ فهم الذين حرَّمُ الله عليهم من الحيوانِ الطاهِرَ الحلال، فأباحَ لهم البَقَرَ والغنم، وحرَّم عليهم بعض شحومها. أما هذه الملَّة السمحة: فإنَّ الله لم يعنتها، ولم يشدِّد عليها، فالحيوان إمَّا خبيث فكله حرام، وإمَّا طيب فكله حلال. ٥ - الأصل في وجوب الوضوء من لحم الإبل: حديثان صحيحان، هما: حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب، وكلاهما في صحيح مسلم، ولكن العلماء تلمسوا معرفة السر والحكمة، فكان أقرب ما وصَلُوا إليه هو أنَّ الإبلَ فيها قوَّةٌ شيطانية، أشار إليها النَّبي ﷺ بقوله: "إنَّها من الجِنِّ" [رواه

стр. 299

أحمد (٢٠٠٣٤)] فأكلها يورث قوَّةً شيطانية تزولُ بالوضوء، والله أعلم. ويؤيِّد ذلك: أنَ رعاة الإبل عندهم كِبْرٌ وَزَهْوٌ وترفّع، اكتسبوا هذه الطباع من طول بقائهم عندها، ومعاشرتهم لها، بخلاف أصحاب الغنم: فعليهم السكينةُ والهدوءُ ولِينُ القلب، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في أنَّه ما من نَبِيِّ إلاَّ وقد رعى الغنم. ٦ - قوله: "إنْ شِئْتَ" يفيد: عدم وجوب الوضوء من أكل لحم الغنم. ٧ - لدينا حديثان: أحدهما: حديث الباب: "أتوضا من لحوم الغنم؟ قال: إنْ شئت" [رواه مسلم (٣٦٠)]. الثاني: ما رواه مسلم (٢٥٣) عن عائشة وأبي هريرة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "توضؤوا ممَّا مسَّت النَّار". ففي هذين الحديثين عمومٌ وخصوص، فالأوَّل عامٌّ في المطبوخ من لحم الغنم، والثاني عامٌّ في الشيء المطبوخ. والفاصل في ذلك: ما رواه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥)، عن جابر قال: "آخِرُ الأمرَيْن من رسول الله ﷺ تَرْكُ الوضوءِ ممَّا مسَّت النَّار". وما جاء في البخاري (٢١٠) ومسلم (٣٥٥) "أنَّ النبَّيَّ ﷺ أكَلَ من كتف شاة وصلى، ولم يتوضأ". فيكون حديثُ الباب من نواسخ حديثِ الوضوء ممَّا مسَّت النَّار. ٨ - ألبانُ الإبل فيها روايتان عن الإمام أحمد في نقضها الوضوء، والرواية الرَّاجحةُ في المذهب: أنَّ الألبان لا تنقض، وهو الصحيح؛ فإنَّ النَّبي ﷺ لم يأمر العُرَنِيِّينَ بالوضوء من ألبان الإبل، وقد أمرهم بشُرْبها، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، أمَّا قياسها على اللحم بجامع التغذِّي بها كاللحم: فإنَّ هذه العلَّة لم ينصَّ عليها، وإنَّما ظنَّها بعضُ العلماء ظنًّا.

стр. 300

* خلاف العلماء: ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، والشَّافعي، وأتباعهم: إلى عدم الوضوء من أكل لحم الجزور. قال النووي: احتجَّ أصحابنا بأنباء ضعيفة، في مقابل هذين الحديثين، وكأن الحديثين لم يصحَّا عند الإمامِ الشافعي؛ ولذا قال: إنْ صحَّ الحديث في لحوم الإبل، قُلْتُ به. وقال النووي في موضعٍ آخر: لعلَّهم لم يسمعوا نصوصه، أو لم يعرفوا العلَّة. وذهب الإمام أحمد، وأتباعه: إلى نقض الوضوء من أكل لحم الإبل، وهو قول إسحاق بن راهويه. قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامَّةُ أصحاب الحديث. وقال ابن خزيمة: لم نر خلافًا بين علماء الحديث. وأشار البيهقي إلى ترجيحه، واختياره، والذبِّ عنه. وقال الشَّافعي: إنْ صحَّ الحديث في لحوم الإبل، قلت به. قال البيهقي: قد صحَّ فيه حديثان. وقال النووي في المجموع: القولُ القديم: إنَّه ينقض، وهو الأقوى من حيثُ الدليلُ، وهو الذي أعتقد رجحانه. ودليل النقض هذا الحديثان الصحيحان: أحدهما: حديث البراء بن عازب: "أنَّ رسول الله ﷺ سُئِل أنتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قال: نعم، قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا" رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. الثاني: حديث جابر بن سمرة أنَّ رجلًا سأل النَّبي ﷺ : "أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إنْ شِئْتَ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم" أخرجه مسلم.

стр. 301

واختار البيهقي هذا القولَ، والنوويُّ، والشيخ تقي الدِّين، وابن القيم، والشوكاني، وعلماء الدعوة السلفية النجدية، ورجال الحديث الذين يقدِّمون الآثار على الآراء. * فائدة: أصحابُ القياس الفاسد قالوا: إنَّ الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس؛ لأنَّها لحمٌ، واللحم لا يُتَؤَضَّأُ منه. أمَّا صاحبُ الشريعة ﷺ : ففرَّق بين لحم الإبل، ولحم الغنم ونحوها؛ كما فرَّق بينهما في: ١ - المعاطن: حيث أجازَ الصلاةَ في معاطن الغنم، ومنع الصلاة في معاطن الإبل. ٢ - أصحابُ الإبل أصحابُ فَخْرٍ وخيلاء، وأصحابُ الغنمِ ذَوُو سكينةٍ وهدوء. ذلك أنَّ الإبل فيها قوَّة شيطانية، والغذاء له تأثيرٌ على المتغذِّي؛ ولذا حرَّم أَكْلَ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير؛ لأنَّها جارحة؛ فالاغتذاءُ بلحومها يجعَلُ في خُلُقِ الإنسان من العدوان ما يَضُرُّ بدينه، فنُهِيَ عن ذلك، والثورةُ الشيطانية إنَّما يطفئها الماءُ، فكان الوضوءُ من لحومها على وفق القياسِ الصحيح، والله أعلم. ***

стр. 302

٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا فَلْيَغْتَسِلْ, وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ, وَالنَّسَائِيُّ, وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ (١). ــ * درجة الحديث: رَجَّحَ أكثر الأئمة وقفه، وهو حسن بكثرة طرقه. قالَ البَيْهَقِي: والصحيح أَنَّهُ مَوْقُوف، وقَالَ البُخاري: الأشبه أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَقال ابن أَبي حَاتم: لا يرفعه الثقات، إنَّما هو موقوف، وقال الرَّافعي: لمْ يُصحِّح علماء الحديث في هَذا البَابِ شَيْئًا مرفوعًا. وقال الإمام أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء، وقال الذهبي: لا أعلم فيهم حديثًا ثابتًا. وَقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت. وقال ابن المديني: لا يصح في هذا الباب شيءٌ. وقد حسَّنه الترمذي والذهبي، وصحَّحه ابن حبَّان وابن القطَّان وابن حزم وابن دقيق العيد والألباني، وقال ابن دقيق العيد: رجاله رجال مسلم. وفي الباب: عن عائشة رواه أحمد وأبو داود وفيه مصعب بن شيبة، ضعَّفه أحمد وأبو زرعة والبخاري وصحَّحه ابن خزيمة، وفيه عن حذيفة، قال ابن أبي حاتم والدَّارقطني: لا يثبت. * مفردات الحديث: - ميتاً: بالتثقيل والتخفيف، فأَمَّا الحيِّ: فبالتثقيل "ميَّت"؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ

стр. 303

مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠] أي: ستموتون، وأَمَّا الإنسان الذي فارق الحياة فبالتخفيف؛ قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والموتُ: مفارقةُ الرُّوح للجسد، وتدلُّ عليها تغيُّراتٌ ظاهرة تحدُثُ إثرَ مفارقة الحياة، وأُخرى خفيَّة تحدث ببطء، وأَوَّل ما يحدثُ في الموت وَقْفُ التنفُّس. - مَن: اسمُ شرطٍ جازمٌ يجزم فعلين، الأوَّل: فعل الشرط، وهو "غسَّلَ" المبنيُّ على الفتح في محل جزم، والثاني: جوابه وجزاؤه، وهو المجزومُ بالسكون بلام الأمر، والجملة جواب الشَّرْط، والفاء رابطةٌ للجواب. وهكَذا إِعْراب: "وَمن حمله فليتوضَّأ". * ما يُؤْخَذُ مِن الحديث: ١ - ظاهر الحديث وجوبُ الغُسْل على من غسَّل ميتًا كله أو بعضه. ٢ - عمومُ الحديث يفيدُ عمومَ الأموات، من كبيرٍ أو صغيرٍ، ذكرًا كان أو أُنثى، مسلمًا كان أو كافرًا، بحائلٍ أَوْ بِدون حائل. ٣ - قال الفقهاء: الغاسل: هو من يقلِّبه ويباشره ولو مرَّةً، لا من يَصُبُّ الماء ونحوه، ولا من ييمِّمه؛ فليسوا بغاسلين. ٤ - عارض هَذا الحديثَ ما رواه البيهقي (١/ ٣٠٦) عن ابن عبَّاس؛ أَنَّ النَّبي ﷺ قال: "ليس عليكم في غُسْلِ ميتكم غُسْلٌ إذا غسَّلتموه، إنَّ ميتكم يموت طاهرًا وليس بنجس، فحسبكم أنْ تغسلوا أيديكم"، قال الحافظ ابن حجر: حديثٌ حسن. والجمع بين الحديثين: أَنَّ الأمر في حديث أبي هريرة للنَّدب، ويؤيد هذا الجمع: ما روى عبد الله ابن الإمام أحمد عن ابن عمر قال: "كُنَّا نغسِّل الميت، فمنَّا من يغتسل، ومنَّا من لا يغتسل"، قَال الحافظ: إسناده صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين هذين الحديثين.

стр. 304

٥ - يؤيد هذا الجمع قاعدةُ ذكرها ابن مفلح في "الفروع" هي أَنَّ الحديث الضعيف إِذا كان دالاًّ على الوجوب بصيغته، أو دالاًّ على التحريم بصيغته، فإنَّه يُحْمَلُ على الاستحباب في الأمر، وعلى الكراهة في النَّهْي؛ احتياطًا، ولا يُلْزَمُ المسلمون بحكمه وجوبًا أو تحريمًا. ٦ - أَمَّا قوله: "ومن حمله فليتوضَّأ" فقال الصنعاني: "لا أَعلَمُ قائلاً بالوضوء من حَمْلِ الميت، والوضوءُ يُفَسَّر بغسل اليدين فقطْ، فيكونُ غسلُ اليدين مندوبًا من حَمْلِ الميت، وهو يناسبُ نظافةَ الإسلام؛ ويدل على ندب غسل اليدين ما تقدَّم من حديث ابن عبَّاس: "حسبكم أنْ تغسلوا أيديكم". ولولا وجودُ هذا الحديثِ، وعدَمُ وجود قائلٍ بالوضوء مِنْ حمله، وضعفٌ ظاهرٌ في حديث الأصل أيضًا -لحملنا الحديث على الحقيقة الشرعية، وهي الوضوءُ الشرعيُّ بغَسْلِ الأعضاء الأربعة من حمل الميت؛ لأنَّ الأصل في ألفاظ الشرِع أنْ تُحْمَلَ على الحقائق الشرعية. ٧ - الحمل هنا مطلقٌ سواء باشرَ الحملَ بيده، أوْ حمله بنعشه. ***

стр. 305

٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵀: "أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ" رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا, وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ, وَابْنُ حِبَّانَ, وَهُوَ مَعْلُولٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. إلاَّ أَنَّ المُحَدِّثِيْنَ اخْتَلَفُوا في صحَّة هَذا الحديث، فقال أبو داود: قد أُسْنِدَ هذا الحديث ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وهمٌ، إنَّما هو سليمان بن أرقم، وهَكَذَا قالَ أَبُو زرعة الدمشقي: إنَّه الصَّوَاب، وتبعه صالح جزرة، وأبو الحسن الهروي. وَقالَ النَّسائِيُّ: وهذا أشبه بالصواب (يعني: عن سليمان بن أرقم). وقال ابن حزم: صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا تقوم بها حجَّة، وسليمان بن داود متفق على تركه. قَالَ ابن حبَّان: سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعَّفه فإنَّما ظنَّ أنَّ الرَّاوي له هو اليمامي. قَالَ ابن حجر: ولولا ما تقدَّم من أنَّ الحكم بن موسى وهم في قوله: سليمان بن داود، وإنَّما هو سليمان بن أرقم، لكان لكلام ابن حبَّان وجه. وصحَّحه الحاكم، وابن حبَّان، والبيهقي، ونقل عن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا.

стр. 306

وقد صحَّح الحديثَ بالكتاب المذكور جماعةٌ من الأئمة، لا من حيث الإسناد، لكنْ من حيث الشهرة: فقال الشَّافعي: لم يقبلوا هذا الحديث حتَّى ثبت عندهم أنَّه كتاب رسول الله ﷺ ، وَقال ابن عبد البر: هذا كتابٌ مشهورٌ عند أهل السير، معروفٌ ما فيه عند أهل العلم، معرفةً يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنَّه أشبه التواتُرَ في مجيئه، لتلقِّي النَّاس له بالقَبُولِ والمعرفة. وَقال العُقَيْليّ: هذا حديثٌ ثابتٌ محفوظٌ إلاَّ ألا نَرَى أَنَّه كتابٌ غير مسموعٍ عمَّن فوق الزهري. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصحَّ من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإنَّ أصحاب رسول الله ﷺ والتَّابعين يرجعون إليه وَيَدَعُونَ رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمامُ عصره الزهريُّ لهذا الكتاب بالصحة. * مفردات الحديث: - إلاَّ طاهر: الطَّاهر لفظ مشترك، يطلَقُ على الطَّاهر من الحَدَثِ الأكبر، ويطلق على الطَّاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على مَنْ لبس على بدنه نجاسة، والرَّاجحُ أنَّ المراد هُنا: الطَّاهر من الحدث الأصغر؛ كما سيأتي تحقيقه في الكلام على فقه الحديث، إنْ شاء الله تعالى. - القرآن: مصدر مرادف للقراءة، ثُمَّ نُقَلِ، فجعل اسمًا للكلامِ المُعْجزِ المنزَّلِ على النَّبيِّ محمد ﷺ ؛ من باب إطلاق المصدر على مفعوله. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - عمرو بن حزم الأنصاريُّ حينما بعثه النَّبيُّ ﷺ إِلى نَجْرَانَ، ليفقَّههم في الدِّين كتب له هذا الكتاب العظيم، الذي جمع كثيرًا من السنن، وتلقَّته الأمَّة بالقبول.

стр. 307

قال الحاكم: حديث عمرو بن حزم من قواعد الإسلام. ٢ - في هذا الكتاب "أنَّه لا يمس القرآن إلاَّ طاهر"، والمؤلِّف ساقه لبيان منع المُحْدِث حدثًا أصغر من مسَّه، وكذلك صاحبُ الحَدَثِ الأكبر مِنْ باب أولى. ٣ - ظاهر الحديث تحريمُ مَسِّ المصحف بدون حائل لغير المتوضِّىء. ٤ - قال الوزير ابن هبيرة: أجمعوا أَنَّه لا يجوزُ للمُحْدِثِ مَسُّ المصحف بلا حائل. وقال شيخ الإسلام: مذهب الأئمة الأربعة: أنَّه لا يمس المصحف إلاَّ طاهر، والَّذي دلَّ عليه الكتاب والسنَّة هو أنَّ مسَّ المصحف لا يجوز للمُحْدِثِ، وهو قولُ الجمهور، والمعروفُ عن الصحابة. ٥ - للصغير في مَسِّ المصحف وجهان: أحدهما: المنعُ؛ اعتبارًا بالكبار. الثاني: الجواز للضرورة؛ فلو لم يُمَكَّنْ منه، لم يحفظه. قال في الإنصاف: فيه روايتان في المذهب. قال الشيخ عبد الله أبابطين: المشهورُ من المذهب: أنَّه لا يجوز، وفيه روايةٌ عن أحمد بالجواز. ٦ - قوله: "إلاَّ طاهر" هذا اللفظ مشتَرَكٌ بين أربعة أمور: (أ) المراد بالطاهر المسلم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد بها: طهارةٌ معنويَّهٌ اعتقادية. (ب) المراد به الطاهرُ من النجاسة؛ كقوله ﷺ في الهرَّة: "إنَّها ليست بنجس". (ج) المراد به الطَّاهرُ من الجنابة؛ لما روى أحمد (٦٤٠)، وأبو داود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، والنسائي (٢٦٥)، وابن ماجه (٥٩٤) عن عليٍّ

стр. 308

-﵁: "أنَّ النبَّي ﷺ لا يحجزه شيءٌ عن القرآن ليس الجنابة". (د) أنَّ المراد بالطَّاهر المتوضِّىءُ؛ لما روى البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢٥٥) أَنَّ النَّبي ﷺ قال: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ أحَدِكُمْ إذا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَؤَضَّأ". كل هذه المعاني للطهارة في الشَّرع محتملَةٌ في المراد من هذا الحديث، وليس لدينا مرجِّح لأحدها على الآخر، فالأولى حَمْلُهَا على أدنى محاملها، وهو المُحْدِثُ حدثًا أصغر؛ فإنَّه المتيقن، وهو موافق لما ذهب إليه الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم. وهذا لا يعطي المسألة دليلاً قاطعًا على تحريم مَسِّ المصحف للمحدث؛ لأنَّ الشك في صِحَّته موجود، ولكن الاحتياط والأولى هو ذاك. قال ابن رشد: السبَبُ في اختلافهم تردُّد مفهوم قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة]، بين أنْ يكون ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ هم بنو آدم، وبين أنْ يكونوا هم الملائكة، وبين أنْ يكون هذا الخبر مفهومه النَّهْي، وبين أنْ يكون خبرًا لا نهيًا. فمن فهم من ﴿المطهرون﴾ بني آدم، وفهم من الخبر النَّهي، قال: لا يجوز أنْ يَمَسَّ المصحفَ إلاَّ طاهر. ومن فهم منه الخبَرَ فقطْ، وفهم من لفظ ﴿المطهرون﴾ الملائكة، فال: إنَّه ليس في الآية دليلٌ على اشتراط هذه الطهارة لِمَسِّ المصحف، وإذًا فلا دليلَ من كتابٍ ولا سنَّةٍ ثابتةٍ على قولِ مَنْ لا يرى قبولَ الحديث. ٧ - في الحديث تعظيمُ القرآن، وأنَّه يجبُ احترامه، فلا يجوزُ مَسُّ المصحف بنجاسة، ولا يُجْعَلُ في مكانٍ لا يليق؛ إمَّا لنجاستِهِ، وإمَّا بجانب صور، أو تعلق آياته بجانب صورٍ، أو يُتْلَى في مكانِ لهوٍ أو عند الأغاني، أو عند أحدٍ يشرب الدخان، أو في مكان لغطٍ وأصواتٍ، ونحو ذلك ممَّا يعرِّض كتاب الله تعالى للإهانة.

стр. 309

٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ, وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - أحيانه: جمع حين، قال في المصباح: الحِينُ: الزمان قلَّ أو كثر، والمراد بكلِّ أحيانه: معظمها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث مقرِّرٌ للأصْلِ، وهو ذِكْرُ الله تعالى على كل حالٍ من الأحوال، ولو كان محدثًا أو جنبًا، والذِّكْرُ بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، وشبهها من الأذكار جائزٌ كلَّ حين بإجماع المسلمين. ٢ - يدخُلُ في الذكر تلاوةُ القرآن، إلاَّ أنَّ التلاوة مخصَّصة بحديث عليٍّ ﵁ قال: "كان النَّبي ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً" [رواه الإمام أحمد (٦٢٨)، وأبو داود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، والنسائي (٢٦٥)، وابن ماجه (٥٩٤)، وصححه الترمذي]. ٣ - يخصَّص كذلك بحالة البول والغائط والجماع. هذا إذا كان الذّكْرُ باللسان، أمَّا الذكْرُ في القلب: فلا مانع منه في هذه الأحوال، والرَّاجحُ أنَّ مراد عائشة باللسان. ٤ - هذا الحديثُ في معنى الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. ...

стр. 310

٧٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلَيَّنَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ. قال الحافظ في التلخيص: في إسناده صالح بن مقاتل، وهو ضعيف، قال الدَّارقطني عقبه: صالح بن مقاتل ليس بالقوي، وذكره النَّووي في فصل الضعيف، ويروى ما يؤيِّد معناه عن عدَّه من الصحابة، منهم عبد الله بن عمر علَّقه البخاري، وابن عباس رواه الشَّافعي، وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة ذكرهما الشَّافعي ووصلهما البيهقي، وجابر علَّقه البخاري ووصله ابن خزيمة وأبو داود. وفيه عقيل بن جابر لم يوثِّقه إلاَّ ابن حبَّان وصحَّح حديثه، وكذا ابن خزيمة والحاكم، وعن عائشة، قال الحافظ: لم أقف عليه. * مفردات الحديث: - احتجم: أخرج الدم بالمِحْجَمِ، والمحجم: أداةُ سَحْبِ الدَّمِ من المحجوم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ الحجامة لا تنقُضُ الوضوء، بل تجوزُ الصلاةُ بعدها. ٢ - الحديث مقرِّر للأصل، وهو أنَّ خروج الدَّم من البدن غير الفرجين لا ينقف الوضوء، والأصلُ عدمُ النَّقْضِ حتَّى يقوم ما يرفع الأصل. ٣ - المشهورُ من مذهب الإمام أحمد: أنَّ النَّجس الخارج من غير السبيلين إذا فَحُشَ أنَّه ينقُضُ الوضوء. قال في الشرح الكبير: النجس من غير السبيلين غير البول والغائط ينقض

стр. 311

كثيره، بغير خلافٍ في المذهب. وقال مالك والشَّافعي وأصحابهما: لا وضوء منه؛ واختاره الشيخ تقي الدِّين؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا يصحُّ قياسه على الخارج من السبيل، وإِنَّما هو كالبُصاقِ والمُخَاط، والأصلُ بقاءُ الطهارة حتَّى يأتي ما يرفَعُ هذا الأصل، واختاره شيخُنَا عبد الرحمن السعدي، وتقدَّم الخلافُ في ذلك. ٤ - حديثُ عائشة السَّابقُ أنَّ الرُّعافَ والقيء والقَلَسَ ونحوها ممَّا يخرج من البدن من غير السبيلين: ناقضٌ للوضوء، ولكنَّ الحديثَ ضعيف، وعند الترجيح لا يعارِضُ هذا الحديث الذي معنا، لاسيَّما وهذا الحديثُ يقرِّر أصلًا هو أنَّ الأصل بقاء الطهارة. ٥ - الحجامة دواء؛ وقد جاء في صحيح البخاري (٥٦٨٠)، عن ابن عبَّاس عن النَّبي ﷺ قال: "الشِّفَاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيَّة نار". قال ابن القيم: إذا كان المرض حَارًّا، عالجناه بإخراج الدَّم بالفصد أو بالحجامة؛ لأنَّ في ذلك استفراغًا للمادة، وتبريدًا للمزاج، ففيه استحباب التداوي، واستحباب الحجامة، وأنَّها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال. ٦ - استحباب التداوي؛ ففي مسلم (٢٢٠٤) من حديث جابر أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لكلِّ داءٍ دواء، فإذا أصيب بدواء الدَّاء، بَرَأَ بإذْنِ الله ". وفي مسند الإِمَام أحمد (١٧٩٨٧)، عنَ أسامة بن شريك؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "يا عباد الله تداوَوْا، فإنَّ الله لم يضعْ داءً إلاَّ وضع له شفاءً". قال ابن القيم -لما ذكر أحاديث التداوي-: فقد تضمَّنت هذه الأحاديث الأسبابَ والمسبَّبات، وإبطالَ قول مَنْ أنكرها، ففي هذه الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنَّه لا ينافي التوكل. فكان هديه ﷺ فِعْلَ التداوي في نفسه، والأمْرَ به لمن أصابه مَرَضٌ من أهله، أو أصحابه.

стр. 312

٧٤ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ, فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ، اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَالطَّبَرَانِيُّ، وَزَادَ: "وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ"، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيْثِ عَلِيٍّ، دُونَ قَوْلِهِ: "اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ"، وَفِي كِلَا الْإِسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ (١). وَلِأَبِي دَاوُدَ -أَيْضًا- عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: "إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا". وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (٢). ــ * درجة الحديث: حديث عليٍّ حسنٌ، أمَّا حديثُ معاوية: فقد رواه أحمد، والطبراني، والدَّارقطني، وفي إسناده بقيَّة، عن أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيفٌ، وكان قد سُرق بيته فاختلط. وحديث عليٍّ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدَّارقطني، وفيه الوضين ابن عطاء -وهو ضعيف- عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي. قال أبو زرعة: لم يسمع منه، قال الحافظ: وفي هذا النَّفي نظر؛ لأنَّه يروي عن عمر كما جزم به البخاري، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذين الحديثين؟ فقال: ليسا بقويين، وقال الإمام أحمد: حديث علي أثبت من حديث معاوية. وحسَّن حديث عليٍّ: المنذريُّ، وابن الصلاح، والنووي. وأمَّا حديث ابن عبَّاس: فقد ضعَّفه البخاري، وأحمد، والترمذي، وقال

стр. 313

أبو داود: إنَّه حديثٌ منكر، وقال البيهقي: تفرَّد به أبو خالد الدالاني، وأنكره عليه جميع أئمة الحديث، وقال ابن الملقن: هو حديثٌ ضعيفٌ باتفاقهم. * مفردات الحديث: - وكَاء: بكسر الواو والمد: الخيط الذي تُشَدُّ به الصُرَّةُ أو الكيسُ أو القربة. - السَّه: بفتح السين المهملة وكسرها: هي حلقة الدبر، أصلها سَتَهٌ، فسقطت منها عين الكلمة. ومعنى كون العين وكاءَ السه: أنَّ اليقظةَ تحفظُ الدبر، وتمنع خروجَ الخارج منه، كما يحفظ الوكاءُ الماءَ في السِّقاء، ويمنَعُ خروجه. - استطلق: يُقال: طَلُقَ يَطْلُقُ طلاقًا من باب كرم، والطلاق: أصله التخلية من القيد، وباقي معانيه متشعِّبةٌ منه. والمراد هُنا: أنَّ النائم إذا نام، لم يكن له شعور يحبس به الخارج. - مضطجعًا: أصله مضتجعًا؛ لأنَّه من باب الافتعال؛ فقلبت التَّاء طاءً. وأمّا إعرابه فهو حال من فاعل نام، والاضطجاع معناه: وضع الجنب على الأرض. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نقض الوضوء من الرِّيح الخارجة من الدبر بصوتٍ أو بدونه. ٢ - الحديثُ يدُلُّ على أنَّ النَّوْمَ ليس بناقضٍ بنفسه، وإنَّما هو مظنَّةُ النَّقض، فلا ينقُضُ إلاَّ النُّوْمُ المستغرقُ الذي هو مظنَّة الحدث، وأَمَّا الخفيف فلا ينقض. ٣ - مثل النوم كلُّ ما أزال العقل؛ من جنون، أو إغماء، أو سُكْر، أو غيره، فكله من نواقض الوضوء، بجامع زوالِ الإحساسِ في الكل. ٤ - قال علماءُ وظائفِ الأعضاء: إنَّ النَّوْمَ فترةٌ من الخمود مصحوبةٌ بنفي الإدراكِ والشعور، وأكثَرُ أجهزة الجسم توقُّفًا عن العمل أثناءَ النوم، هي المراكزُ العليا للمخ، التي تختصُّ بالإدراك والتمييز والتفكير، والرَّدِّ على المؤثِّرات الخارجية بما يناسبها، ومن أهم مميِّزات النوم: ارتخاء العضلات الإرادية، وعدَمُ القدرة على ضبط النفس.

стр. 314

٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ فَيَنْفُخُ فِي مَقْعَدَتِهِ، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ وَلَمْ يُحْدِثْ, فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا". أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ (١)، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ (٢)، وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ (٣). وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ, فَقَالَ: إِنَّكَ أَحْدَثْتَ, فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ"، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ كَذلِكَ بِلَفْظِ: "فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ" (٤). ــ * مفردات الحديث: - ينفخ: نفَخَ بفمه نفخًا: أخرج منه الرِّيح. - في مقعدته: يُقال: قعد يقعد قعوفا، من باب نصر، والمقعدة: بفتح الميم، وسكون القاف: السَّافلة من الشخص. - يخيَّل إليه: يُقال: خال يخال خيلًا، من باب علم: إذا ظنَّ وتوهَّم، وخُيِّلَ له كذا -بالبناء للمجهول-: إذا توهَّمه أو ظنَّهُ، وهو من أفعال القلوب، والمعنى توهُّم خروج الرَّيحِ من مقعدته.

стр. 315

- أحدث: مأخوذٌ من الحدوث، وهو كون الشيء لم يكن؛ فالحدث شرعًا: وجود ما ينقض الطهارة. - حتَّى: للغاية، بمعنى "إلى"، و"يسمع": منصوبٌ بـ"أن" مضمرة بعدها، وَ"يجد" معطوف عليه. - صَوتًا ... ريحًا: يعني يسمع صوتًا من الدبر، ويجد ريحًا من الدبر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا كان الإنسانُ متطهِّرًا، فخيِّل إليه أنَّه أحدث، ولكنَّه لم يتحقَّقْ ذلك يقينًا، فالأصل أنَّه باقٍ على طهارته، ولا يلتفت إلى هذه الشكوك والوساوس. ٢ - أنَّ الشيطان يتكيَّف ويتمثَّل، فيعمل الأعمال التي يُظَنُّ أنَّها حقيقة، وهي في نفسِ الأمرِ ما هي إلاَّ من خِدَعِهِ، التي يريد أنْ يفسد بها على المسلم عبادته، ويوقعه في شكوكٍ وأوهامٍ. ٣ - الواجبُ على المسلم أنْ يكونَ قويَّ الإرادة، نافذ العزيمة، فلا يجدُ الشيطانُ سبيلًا إلى تلبيس عبادته عليه. وأنْ يجاهد هذه الخيالات الشيطانيَّة، فإذا نَفَخَ الشيطانُ في رُوعِهِ فقال: إنَّك أحدثت، فليقل: كَذَبْتَ!. ٤ - الشيطانُ عدوٌّ مبينٌ لبني آدم، فمن تمادَى معه، أغواه وأضله، فإذا لم يستطع إغواءه بالشهوات، جاءه من طريق الشبهات؛ فالواجب على المسلم مجاهدته وطرده ودحره؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر]. ٥ - الريِّح الخارجة من الدبر مبطلةٌ للوضوء، مفسدةٌ للصَّلاة، بشرط التيقُّن من خروجها. ٦ - إذا كثرت الشكوكُ مع الإنسان، فإنَّها لا تُؤَثِّرُ؛ فلا يلتفت إليها.

стр. 316

٧ - لا أثر للشكِّ بعد الفراغ من العبادة، فلو فَرَغَ من الوضوء، وشَكَّ هل تمضمَضَ؟ أو فرغ من الصلاة، وشكَّ هل قرأ الفاتحة؟ أو لم يسجد إلاَّ مرَّةً واحدة؟ فلا يلتفت إلى ذلك، والأصل صحَّة العبادة. قال ابن عبد القوي: وَلا الشَّكَّ مِنْ بَعْدِ الفَرَاغ بمُبْطِلٍ ... يُقَاسُ عَلَى هَذَا جَمِيعُ التَّعبُّدِ ***

стр. 317

باب آداب قضاء الحاجة مقدمة أدَّبته أدباً: علَّمتُهُ رياضةَ النفس، ومحاسنَ الأخلاق. قال أبو زيد الأنصاري: الأدبُ يقع على كلِّ رياضةٍ محمودة، يتخرَّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. وجمع الأدب آدابٌ، مثل سببٌ وأسبابٌ. "قضاء الحاجة": يُكنَّى بها عمَّا يقبُحُ التصريحُ بذكره. وآداب قضاء الحاجة يشمل أقوالاً وأفعالاً، يشرع للمسلم اتباعها، من الابتعاد عن النَّاس، والاستتار عن الأنظار، واختيار المكان المطمئنِّ الآمن به مِنْ رشاش البول، والذِّكْرِ عند دخولِ الخلاء، وعند الخروجِ منه، وهيئةِ الجلوس، والاستعدادِ بأداة التطهير من الأحجار ونحوها، والماء، والتحاشي من التطهُّر بالموادِّ النجسة، أو العظامِ، أو الأشياءِ المحرَّمة، والابتعادِ عند قضاءِ الحاجة عن مجالس النَّاس، ومرافِقِهِمُ العامَّة، وتحت الأشجارِ المُثْمِرة، أو استقبالِ القبلة أو استدبارها، ولزوم السكوت حال قضاء الحاجة، ثمَّ قطع الخارج، والتطهُّر منه، والتحرُّزِ من أنْ يصيبه شيءٌ منه، وغير ذلك من الآداب المرعيَّة في هذا الباب؛ فإن الشريعة الكريمة علَّمتنا كلَّ شيءٍ، وسارت مع المسلمين في كلِّ أعمالهم وتصرفاتهم، ولله الحمد.

стр. 318

٧٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ" أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ, وَهُوَ مَعْلُولٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث معلول. قال النسائي: هذا حديث غير محفوظ، وقال أبو داود: منكر، وقال المؤلف: معلولٌ؛ لانقطاع سنده بين ابن جريج والزهري حيث لم يسمع منه، وقال ابن القيم: إنَّه شاذٌّ ومنكرٌ وغريب. لكن نقل ابن حجر في التلخيص الحبير تصحيحَهُ عن الترمذي وابن حبَّان والمنذري والقشيري في الاقتراح، واعتمد التصحيحَ السيوطيُّ في الجامع الصغير، ومال الحافظ مغلطاي إلى تحسينه. ومن صحَّحه قال مجيبًا عن العلَّة التي ذكروها مِنْ عدم سماع ابن جريج من الزهري، قالوا: فقد سمعه من زياد بن سعد عن الزهري بلفطٍ آخر، فزالت علَّته، ورواته ثقات. * مفردات الحديث: - دخل: يعني أراد دخوله؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النَّحل] يعني: إِذا أَرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآن. - الخلاء: بفتح الخاء والمد: المكانُ الخالي، ويراد به المكانُ المُعَدُّ لقضاء الحاجة، فإنْ أراد قضاءَ حاجته بفضاء، فلا داعي إلى تأويلِ الدخول بإرادة الدخول. - خاتمه: خَتَمْتَ الكتابَ ختمًا، وَخَتَمْتُ عليه، من باب ضرب: طبعت، والخاتم بفتح التاء وكسرها، والكسر أشهر.

стр. 319

قال في المصباح: الخاتم: حَلْقةٌ ذات فَصٍّ من غيرها، فإنْ لم يكنْ، فهي فَتْخَة، بفاء وتاء مثنَّاة من فوق وخاء معجمة. قال ابن كثير: اتخذ ﷺ خاتمًا من فضَّة، ونقش فيه: "محمَّد رسول الله"؛ هكَذا رواه البخاري. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - خاتم النَّبي ﷺ مكتوبٌ عليه "محمد رسول الله"، فكان لا يدخل فيه الخلاء، ويضعه خارجه. ٢ - كراهة دخول الإنسان الخلاء أو المكان الذي سيقضي فيه حاجته، ومعه شيءٌ مكتوبٌ فيه ذكر الله تعالى، أو أسمائه وصفاته. ٣ - قال الفقهاء: إلاَّ إذا كان دخوله به لحاجةٍ كخشية سرقته أو نسيانه، وهذا الاستثناء مبنيٌّ على قاعدة: أنَّ الكراهة تزول مع الحاجة. قال شيخ الإسلام: الدَّراهم إذا كُتب عليها "لا إله إلاَّ الله"، وكانت في منديل أو خريطة، يجوز أنْ يدخل بها الخلاء. ٤ - وجوبُ تعظيم ذكر الله تعالى وأسمائه تعالى، وإبعادها عن كلِّ ما يَمَسُّ قدسيتها وكرامتها؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج]. ٥ - اقتصارُ الحكم على الكراهة؛ ذلك أنَّ مجرَّد ترك الفعل لا يدل على التحريم. ٦ - إباحةُ اتخاذ الخاتم للرجل، وأنْ يَكْتُبَ عليه، ولو كان اسمُهُ فيه اسمٌ من أسماء الله تعالى؛ كعبد الله، وعبد الرحمن. ٧ - أمَّا المصحفُ: فيحرُمُ إدخاله، أو إدخالُ بعضه المكانَ المُعَدَّ لقضاء الحاجة، ولو كان ملفوفًا بحائل، لما له من مكانةٍ لا تسامى، وقد جاء نعته ووصفه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة]، وإنَّه ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾ [البروج]، و ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ [فصلت]، وإنَّهُ ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء:٥٠]، إِلى غير ذلك من النعوت الكريمة.

стр. 320

٧٧ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ" أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١). ــ * مفردات الحديث: - أعوذ: يُقال: عُذْتُ به عَوْذًا وعِيَاذًا ومَعَاذًا: لجأْتُ إليه، والمَعَاذُ يسمَّى به المصدرُ والمكانُ والزمان، ومعنى أعوذُ به: أعتصِمُ به وألتجىء إليه. - الخبث: فيه لغتان: بضم الباء، وهو: جمع خبيث، وبسكون الباء -على الرَّاجح من قولي أهل اللغة- يراد به الشر. - الخبائث: جمع خبيثة، أي: أهل الشر، وهم الشياطين. قال ابن الأعرابي: أصلُ الخبث في كلام العرب: المكروه، فإنْ كان من الكلام فهو الشتم، وإنْ كان من المِلَل فهو الكفر، وإنْ كان من الطعام فهو الحرام، وإنْ كان من الشراب فهو الضار. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قوله: "إذا دخل الخلاء" المراد أراد دخوله؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النَّحل] يعني: إذا أردت قراءته، وجاء في الأدب المفرد للبخاري عن أنس قال: كَانَ رسول الله ﷺ "إِذا أراد أنْ يدخل الخلاء، قال: "اللهم إنِّي أعوذ بك من الخبث والخبائث". ٢ - هذه الاستعاذة ليحصِّن بها المسلم نفسه من محاولة الشيطان إيذاءه
следующие страницы →