- إلاَّ: استثناءٌ من النَّفي، وهي في أوَّل الكلام للحصر.
- فُتِحَتْ: بالتخفيف والتشديد: أزيل إغلاقها، والتشديدُ مبالغةٌ في فتح أبواب الجنَّة.
- الجنَّة: مادة "جنن" تدل على الستر والإخفاء، والمراد بالجَنَّة هنا: دار النَّعيم في الآخرة، جمعها جِنَانٌ.
- الثَّمانية: هذه الأبوابَ جاءتْ مبيَّنةً في بعض الأحاديث؛ ففي الصحيحين: باب الصلاة، وباب الجهاد، وباب الصيام، وباب الصدقة، وجاء في مسند أحمد وغيره: باب الكاظمين الغيظ، وباب المتوكِّلين، وباب الذكر، وباب التوبة.
وسيأتي تكميل البحث عنها في الكلام على فقه الحديث، إنْ شاء الله تعالى.
- التَّوَّابين: التوبة: الاعترافُ بالذنب، والنَّدَمُ والإقلاع، والعَزْمُ على أنْ لا يعاودَ الإنسانُ ما اقترفه من الذنوب؛ فهي الرجوع عن الذنوب والعيوب، إلى طاعة علاَّم الغيوب، وهذه الصيغةُ -صيغة فعَّال- تأتي للمبالغة، وتأتي للنسبة، وهي هنا محتملة للأمرين، أي: اجعلني من ذوي التوبة، فتكون للنسبة، وأنْ أكون من كثيري التوبة، فتكون للمبالغة؛ وكل من المعنيين صحيح.
- المتطهِّرين: بالخلاص من تبعات الذنوب السَّابقة، ومن التلوُّث بالسيئات اللاَّحقة.
- التَّوَّاب: من أسماء الله الحسنى، بمعنى: أنَّه الموفِّقُ للتوبة، القابلُ لها؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]. يعني: وفَّقهم للتوبة، ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾ [البقرة: ١٦٠] يعني: قابل التوبة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فضيلةُ الوضوء، وما يعود به على صاحبه مِنَ الثواب الجزيل.
٢ - مشروعيةُ إسباغِ الوضوء وإتمامِهِ، وما يحصُلُ به من الأجر العظيم.
стр. 247
٣ - فضل هذا الذكر الجليل، وأنَّه سبب السعادة الأبدية، وهو مستحبٌّ بإجماع العلماء هنا، وبعد الفراغ من الغسل والتيمم؛ لأنَّه طهارة، فسن فيه الذكر.
٤ - أنَّ إسباغ الوضوء، والإتيان بعده بهذا الذكر، من أقوى الأسباب في دخول الجنَّة.
٥ - إثباتُ البعثِ، والجزاء بعد الموت.
٦ - إثباتُ وجودِ الجنَّةِ وأبوابِها الثمانية، والتخيير في الدخولِ من أبوابها لصاحب العمل الفاضل، ممَّن طهر ظاهره وباطنه.
٧ - تفتيح أبواب الجنَّة لصاحب هذه المنزلة، يُحمل على أمرين:
أحدهما: تيسيرُ الوصول وتسهيلُ سبل الخير إلى تلك الأبواب، بمعنى أنَّ الله تعالى يُهيِّىء له أسبابَ الأعمال الصالحة التي تبلِّغه هذه الأبواب؛ قال تعالي: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
الثاني: معنى "فتحت" أي: ستفتح يوم القيامة، فوضع الماضي موضع المستقبل لتحقُّق وقوعه وقربه، وهو ضربٌ من التعبير البلاغي؛ قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
٨ - مطابقة هذا الذكر مكمِّلٌ لطهارة الوضوء؛ فإنَّه بعد أنْ طهَّر ظاهره بالوضوء بالماء، طهَّر باطنه بعقيدة التوحيد، وكلمة الإخلاص التي هي أشرف الكلمات.
٩ - كلمة التوحيد: هي مجموعُ شهادةِ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَشَهادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ الله؛ فلا تكفي إحداهما عن الأخرى.
١٠ - زيادة الترمذي لا تنافي الحديث ولا تعارضه، وهي زيادةٌ من ثقة، فهي زيادة مقبولة، فيكون الدعاء بطَلب التوبة، وتطهيرِ الظاهر بالماء، وتطهيرِ الباطن عن الأخلاق الرذيلة، والتطهُّرِ من دنس الذنوب والمعاصي -مناسبٌ عند انتهاء التطهُّر من الحدث الأصغر والأكبر.
стр. 248
فالتوبة: طهارة الباطن، والوضوء: طهارة الظاهر، فكان ذكرهما جميعًا في غاية المناسبة؛ فهو من الأدعية المستحبة في هذا الموطن.
وقال الطيبي: قول الشهادتين عَقِبَ الوضوء، إشارةٌ إلى إخلاصِ العمل من الشرك والرِّياء، بعد طهارة الأعضاء من الخَبَثِ والحدث.
قال الصنعاني: ولا يخفى حُسْنُ خَتْمِ هذا الباب بهذا الدعاء.
١١ - قال ابن القيم: كلُّ حديثٍ في أذكار الوضوء التي تقولها العامَّةُ عند كلِّ عضوٍ بدعةٌ لا أصل لها، وأحاديثها مُختَلَقَةٌ مكذوبةٌ؛ فلم يقل النَّبي ﷺ شيئًا، ولا علَّمه أمته، ولا ثبت عنه غير التسمية في أوَّله، وهذا الذكر في آخره، ولا نُقِلَ عن أحدٍ من الصحابة ولا التَّابعين ولا الأئمة الأربعة.
وقال النووي: الأدعية في أثناء الوضوء لا أَصْلَ لها، ولم يذكرها المتقدمون.
وقال ابن الصلاح: لم يصحَّ فيه حديث.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: روي عن علي من طرقٍ ضعيفةٍ جدًّا.
١٢ - قال شيخ الإِسلام: الوضوءُ عبادةٌ كالصلاة والصوم، فهو لا يعلم إلاَّ من الشّارع، وكلُّ ما لا يعلم إلاَّ من الشَّارع فهو عبادة، وقال: من اعتقد أنَّ البدع قربةٌ وطاعةٌ وطريقٌ إلى الله تعالى، وجعلها من تمام الدين، فهو ضال.
١٣ - التواب: اسم من أسماء الله تعالى، ويسمَّى الإنسان أيضًا بالتواب، ولكن الاشتراك هو باللفظ فقط.
أمَّا المعنى: فالله تعالى وصف نفسه بأنَّه توَّابٌ بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة] يعني: أنا الذي أوفِّق عبادي للتوبة، وأقبلها منهم، ووصف عباده بالتوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة]؛ فوصفهم بكثرة الرجوع إلى الله تعالى، ممَّا عسى أنْ
стр. 249
يبدر منهم من الذنوب، فلكلِّ لفظٍ معنًى، غير معنى اللفظ الآخر، مع العلم بأنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء، في ذاته ولا صفاته.
- توبةُ العبد لله تعالى واجبة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
وللتوبة النصوح شروط:
أحدها: الندمُ على ما وقع من الذنب.
الثاني: الإقلاعُ عن الذنب إنْ كان متلبِّسًا به.
الثالث: العزمُ على أنْ لا يعود إليه في المستقبل.
الرادح: الإخلاصُ لله تعالى في التوبة.
الخامس: أنْ يتُوبَ قبل حضور الأجل، ومعاينة مقدِّمات الموت.
السادس: إنْ كان الحَقُّ الذي عليه لآدمي، ردَّه إليه أو استسمحه.
***
стр. 250
باب المسح على الخفين
مقدِّمة
المسح لغة: إمرار اليد على الشيء.
وشرعًا: إصابة اليد المبتلَّة بالماء، لحائل مخصوص، في زمنٍ مخصوص.
والخف لغةً: بضمِّ الخاء وتشديد الفاء: واحد الخِفَافِ التي تلبس على الرِّجل، سمِّي بذلك؛ لخفَّته.
وشرعًا: السَّاتر للقدمين إلى الكعبين فأكثر، من جلد وغيره.
وَذُكِرَ بعد الوضوء؛ لأنَّه بَدَلٌ عن غَسْلِ ما تحته.
والمسح رخصة:
والرخصة لغةً: التسهيلُ في الأمر.
وشرعًا: ما ثبَتَ على خلاف دليلٍ شرعيٍّ، لمعارضِ راجح.
وفي الحديث: "إنَّ الله يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى رخصه" [رواه ابن خزيمة (٣/ ٢٥٩) وابن حبان (٨/ ٣٣٣)].
والمسح دلَّت عليه الأحاديثُ المتواترة:
قال الحسن البصري: حدَّثني سبعون من أصحاب النَّبي ﷺ : أنَّه ﷺ مسح على خفيه.
وقال الإمام أحمد: ليس في نفسي مِنَ المَسْحِ شيء؛ فيه أربعون
стр. 251
حديثًا عن النَّبي ﷺ .
وقال ابن المبارك: ليس بين الصحابة خلافٌ في جواز المسح على الخفين.
ونقل ابن المنذر الإجماعَ على جوازه، واتفق عليه أهل السنَّة والجماعة؛ فهو جائزٌ في الحضر والسفر، للرِّجال والنِّساء؛ تيسيرًا على المسلمين.
***
стр. 252
٥٣ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَتَوَضَّأَ, فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ, فَقَالَ: "دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. .
وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْهُ إِلَّا النَّسَائِيَّ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ"، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (١).
ــ
* درجة الحديث:
ما زاده الأربعة إلاَّ النسائيُّ، قال المؤلف: في إسناده ضعفٌ.
قال في التلخيص: "مسح أعلى الخف وأسفله" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة، عن المغيرة؛ وأحمد يضعِّف كاتب المغيرة.
وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه وأبي زرعة: حديث الوليد ليس بمحفوظٍ، قال الترمذي: هذا حديثٌ معلولٌ لم يسنده عن ثور غير الوليد.
* مفردات الحديث:
- فأهوَيْتُ: قال في المصباح: أهوَى إلى الشيء بيده: مدَّها ليأخذه، إذا كان عن قرب، فإنْ كان عن بُعْدٍ، قيل: هوى إليه بغير ألف.
- لأنزع: نزع ينزع، من باب ضرب، قلع الشيء، والمراد: لأقلع خفيه من رجليه، فالنزع: قلع الشيء من مكانه.
стр. 253
- خفيه: تثنية خف، هو ما يلبس في الرِّجْلِ من جِلْدٍ ساتر للكعبين، وقد يستر ما فوقهما، جمعه: خِفَافٌ وأخفاف.
- كنت مع النَّبي ﷺ : في غزوة تبوك في رجب سنة تسع؛ كما جاء مبينًا في روايةٍ أخرى من روايات صحيح البخاري.
- دعهما: فعل أمرٍ من وَدَعَ، فهو معتلُّ الفاء، فتحذف إذا صيغ منه فعل أمر، ومعناه: اتركهما في مكانهما.
- فإنِّي أدخلتهما طاهرتين: تعليلٌ لترك نزعهما، والضميرُ في "أدخلتهما" يعود إلى القدمين.
- طاهرتين: حالٌ من ضمير القدمَيْن، كما بينَتْ ذلك روايةُ أبى داود (١٦٥): "فإِنِّي أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان".
- فمسح عليهما: الضمير يعود إلى الخفين، وتثنية الضمير لا يجوز إلاَّ إذا وجد دليل يعيِّن مرجع كل ضميرة كما هو الحال هنا.
وفيه إضمارٌ، تقديره: فأحدَثَ فمسَحَ عليهما؛ لأنَّ وقت جواز المسح بعد الحَدَثِ لا قبله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا أحدُ أدلَّة جواز المسح على الخفَّيْنِ من النصوص المتواترة، والمسح لمن عليه الخُفَّان أفضلُ من الغَسْلِ، مراعاةً لأصل التشريع، فالفرعُ أفضل من الأصل، وأمَّا مع عَدَمِ اللُّبْسِ فالأفضلُ الغسل، ولا يلبس ليمسح؛ لأنَّ الغسل هو الأصل.
٢ - اشتراطُ كمال الطهارة لجوازِ المَسْحِ على الخفين، فلو غَسَلَ إحدى رجلَيْهِ، ثم أدخلها الخفَّ، قبل غسل الأخرَى، لم يجزىء المسح؛ لقوله ﷺ : "فإنِّي أدخلتهما طاهرتين"؛ فهذه علَّةٌ لترك نزع الخفين، وجواز المسح عليهما.
стр. 254
وبيان علَّة الحكم يحصل منها ثلاث فوائد:
الأولى: اطمئنان القلب بالحكم، وارتياحه إليه.
الثانية: سمو الشريعة الإسلامية، مِنْ أنَّه لا يوجد حكمٌ، إلاَّ وله علَّة وحكمة.
الثالثة: ثبوت الحكم لكلِّ ما ماثَلَ الحكم المعلَّل لعموم العلَّة.
قال شيخ الإسلام: إنَّ العِلَلَ مناطُهَا وتعلُّقها بالمعاني المرادة، لا بالأشخاص، فخصائصُ النَّبي ﷺ إنَّما جاءَتْ من أجل أنَّه ﷺ نبي.
٣ - قال النووي: إنْ لبس مُحْدِثًا، لم يجزئه المسح إجماعًا.
٤ - أنَّ رواية النسائي تدل على أنَّ المسح يكون على أعلى الخف وأسفله، ولكن ضعَّف أئمةُ الحديث هذه الزيادة، فالصحيحُ: أنَّ المسح يكون على أعلى الخف فقط.
قال الوزير: أجمعوا على أنَّ المسح يختصُّ بظاهر الخف.
قال ابن القيم: لم يصحَّ عنه أنَّه مسح أسفلهما، وإنَّما جاء في حديثٍ منقطع، والأحاديثُ الصحيحةُ على خلافه.
٥ - وجوبُ غسل الرجلين في الوضوء؛ لما استقرَّ في نفس الصحابي من نزع الخفين لغسل الرجلين عند الوضوء، وإقرار النَّبي ﷺ له على ذلك، لولا أنَّه يريد المسح عليهما.
٦ - أنْ يكون الخف ساترًا لمحلِّ العضو المفروض، وهذا مأخوذٌ من مسمَّى الخف، فإن لم يستر العضو لخَرْقٍ فيه وشق ونحوهما، فالرَّاجحُ: جواز المسح عليه، وَإِنْ ظهر بعضُ العضو، فإنَّ الظاهر تابع للمستور، فإنَّه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالاً.
٧ - الوضوءُ أمام النَّاس لا ينافي الآداب العامة، لاسيما مع الأصحاب والمستخدمين والأتباع.
стр. 255
٨ - تشرُّف المغيرة بن شعبة بخدمة النَّبيِّ ﷺ ، مع كونه من أَكْبَرِ بيت في قبيلة ثقيف.
٩ - جواز خِدْمَةِ الفاضلِ بتقديمِ حذائِهِ وخلعهما أو حملهما، إذا كانت الخدمةُ لدينه وعلمه، أو لحقِّهِ من أبوَّةٍ أو ولايةٍ عامَّة ونحو ذلك، وأنَّه لا يعتبر مِنَ المخدوم تكبُّرًا على غيره واستهانةً بهم، ما دام الحاملُ على ذلك النظرَ إلى مبدأٍ شريفٍ وَسامٍ، كما أنه لا يعتبر من الخادم ذُلاًّ وإهانةً لنفسه، ما دام الحاملُ له غرضٌ شريفٌ، ومقصدٌ حسنٌ.
١٠ - توجيهُ الخادمِ إلى الصواب مع بيانِ وجه الحكم؛ ليكونَ أشدَّ طمأنينةً لقلبه، وأفقه لنفسه، وأسرع لقبوله.
١١ - الطهارةُ عند كثيرٍ من الفقهاء -ومنهم أصحابنا الحنابلة- لا تكون إلاَّ إذا كانت بالماء، دون التيمُّم؛ فهو عندهم مبيحٌ لا رافع للحدث، وعلى هذا: يشترط لجواز المسح أَنْ تكون الطهارة التي لَبِسَ بعدها الخفين هي طهارة بالماء.
ولكن القول الثاني الذي يعتبر فيه التيمُّم بدلاً من الماء، وقائمًا مقامَهُ في كلِّ شيء، حتَّى في رفع الحدث: فإنَّه يجوز أنْ يمسح ولو كانت الطهارة طهارة تيمُّم، وهو الصحيح.
١٢ - جواز إعانه المتوضىء على وضوئه بتقريب الماء أو الصبِّ عليه ونحو ذلك، أمَّا غَسْل أعضائه: فلا يكون إلاَّ من حاجة.
***
стр. 256
٥٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁-أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ، لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ, وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١).
ــ
*درجة الحديث:
الحديث صحيح. فقد أخرجه أبو داود بإسنادٍ حسن، وقال المؤلِّف في التلخيص: وفي الباب حديثٌ عن علي، إسناده صحيح.
* مفردات الحديث:
- لو: حرف شرطٍ غير جازم، وهي حرف امتناع لا متناع، فينتفي جوابها لانتفاء شرطها، ففي الحديث انتفاء مشروعية المسح على ظاهر الخف؛ لانتفاء كون دين الله بمجرَّد العقل.
- الدِّين: المراد به هنا الشرع، وله معانٍ أخر.
- الرأي: يطلق على الاعتقاد والتَّدبير والعقل، وجمعه آراء، ومجرَّد العقلِ دون الرواية والنَّقْل ليس بِشَرْعٍ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوبُ كون مسح الخف على أعلى الخف فقطْ، فلا يجزىء مسح غيره، ولا يشرع مسح غيره معه، سواء الأسفل أو الجوانب.
٢ - إنَّ الدِّين مبناه على النَّقْلِ عن الله تعالى، أو عن رسوله ﷺ ، وليس الرأي هو المُحْكَمَ فيه، فالواجبُ الاتباعُ، لا الابتداع.
٣ - الذي يتبادر للذِّهْن هو أنَّ الأولى بالمسح هو أسفل الخف، لا أعلاه؛ لأنَّ
стр. 257
الأسفل هو الذي يباشر الأرض، وربمَّا أصابته النجاسة، فكان أولى بالإزالة، ولكن الواجب هو تقديمُ النَّقل الصحيحِ على الرأي؛ فإنَّ الذي شرع ذلك هو أعلم بالمصالح. وليس معنى هذا أنَّ الشرع لا يعبأ بالعقل ولا يعتبره؛ فإنَّ تشريف العقل في القرآن الكريم، وتوجيه مواهبهِ ومخاطبته، هي أكثر وأكبر من أن يستشهد بها؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ [يس: ٦٨]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾ [الروم: ٢٤]، وقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]، فالعقل نعمةٌ كُبرى أَنعم الله بها على الإنسان. وإنَّما معناه: أنَّ العقل غير مستقلٍّ بالتَّشريع، فهو يسلِّم ويتلقَّى شرع الله تعالى بنفسٍ راضيةٍ، ويحاول فهم أسرار الله فيها، فإنْ أدرك؛ فذاك من نعمة الله عليه؛ وإلاَّ سلك سبيل الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
٤ - العقل السليم يوافق النقل الصحيح، فالشريعة التي أنزلها الله تعالى لا تقصد إلاَّ نفس الغرض، الذي خُلِقَ العقل من أجله، حينما يكون العقل سليمًا صحيحًا لم يغلبه الهَوَى والشهوات، ولم يمسَّه الضعفُ والخِفَّة. على أنَّه من المعلوم أنَّ العقل لا يكون معيارًا على الشريعة، بل الشريعة هي التي تكون مقياسًا لنقد العقول، فإذا كان هناك عقلٌ يقبل أحكام الشرع، عُلِمَ أنَّه عقلٌ سليمٌ بريءٌ من العلاَّت، وإذا أبى قبولها، علم أنَّه مريض وعليل.
٥ - وجوب الخضوع والتسليم، لأوامر الله تعالى، وأوامر رسوله محمد ﷺ ، وهذا هو غايةُ العبادة، وهو كمالُ الانقياد والتسليم.
٦ - لعلَّ -والله أعلم- مِنْ حكمة هذا الحكم، أنَّ الغَسْلَ يُتْلَفُ الخف، فاكتفي بالمسح تيسيرًا وتسهيلًا، وحفظًا لمالية الخف، والمسح ليس غسلًا يزيل النجاسة وينقِّي الخف، وما دام أنَّ المسح لن يَزِيلَ الأذى العالق بأسفل الخف، بل إنْ مسحه بالماء يسبِّب حمله للنجاسة، جعل المسح أعلاه ليزيل
стр. 258
ما علق به من غبار؛ لأنَّ ظاهر الخف هو الذي يُرَى، والأفضل أنْ يكون المصلِّي في غاية النظافة، والله أعلم.
٧ - مسح الخف في حديث المغيرة مجمَلٌ، وهذا الحديث بيَّن صفته وكيفيته.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء هل المسح على جميع ظاهر الخف أم لا؟:
والرّاجح: أنَّ المسح يكون على أكثره؛ لأنَّ المسح عليهما لا بهما.
واختلفوا هل يمسحان كالأذنين معًا، أم تقدَّم اليمنى؟:
والرَّاجح: تقديم اليمنى؛ وذلك لأنَّ الرِّجْلين مستقلتان، وليستا كالأذنين تابعتين للرَّأس.
ولأنَّ مسحهما فَرْعُ غَسْلهما، والغسل فيه استحباب التيامن.
ولأنَّ حديث عائشة صريحٌ في استحباب تيامنه في طهوره، ومسح الخفين من الطهور، فيسن أنْ يمسح بأصابع يديه على ظهور قدميه، فيمسح اليمنى باليمنى، ثمَّ يمسح اليسرى باليسرى، ويفرِّج بين أصابعه، وكيفما مسح أجزأ.
وأجمعوا على أنَّ المسح عليه مرَّةً واحدة، وأنَّه لا يسن تكراره.
***
стр. 259
٥٥ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا، أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ, وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ, وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاهُ (١).
ــ
*درجة الحديث:
الحديث صحيح. فقد صحَّحَهُ الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبَّان، والطحاوي، ونقل الترمذي عن البخاري أنَّه قال: حديثٌ حسنٌ، ليس في التوقيت شيءٌ أصح منه، وقال النووي: إنَّه جاء بأسانيدَ صحيحةٍ.
وَقال ابن عبد الهادي في المحرَّر: رواه أحمد (١٧٦٢٥)، والنسائي، وابن ماجه (٤٧٨)، ورواه ابن خزيمة، وابن حبَّان (٤/ ١٤٩).
* مفردات الحديث:
- سَفْرًا: بفتح السِّين، وسكون الفاء، آخره راء: جمع مسافر، مثل راكب ورَكْب، وصاحب وصَحْب، وكان في الأصل مصدرًا، فأمَّا مسافر فجمعه: مسافرون.
- ننزع: يُقال: نَزَعَ يَنْزِعُ نَزْعًا -من باب ضرب-: قلعه، فالنزع: الجذب والقلع.
- خِفَاف: بكسر الخاء، ففاء مفتوحة: جمع خُفّ، والخف: ما يُلبس في الرجل من جلدٍ رقيق.
- جنابة: تقدّمت، وسيأتي بيانها أتم في باب الغسل، إنْ شاء الله تعالى.
- غائط: أصله: المكان المنخفض الواسع من الأرض، فكان من أراد أنْ يتبرَّز
стр. 260
يستتر به عن النَّاظرين، وكثر استعماله حتَّى سُمِّيَ الخارجُ من الإنسان غائطًا، من باب الكناية، وجمعه غوط وغياط.
- بَوْل: بفتح فسكون: سائلٌ تفرزه الكليتان، فيجتمع في المثانة حتَّى تدفعه إلى الخارج، عن طريق مسلكه، جمعه أبوال، وتقدَّم.
- نَوْم: فترة من الخمود، مصحوبة بنقصٍ في الإدراك والشعور، تتوقَّف فيها الوظائف البدنية، وهو فترة راحة تساعد الجسم على تعويض ما فقده، من طاقات مختلفة، خلال العمل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جوازُ المسح على الخفَّيْن في السفر، كما كان في الحضر؛ بل الحاجة إليه في السفر أشد.
٢ - أنَّ مدَّةَ المسحِ على الخُفَّيْنِ في السفر ثلاثة أيَّامٍ بلَيالِيْهِنَّ، وأنَّهُ بعد الثَّلاثَة يَجبُ خَلعهما، وغَسْلُ ما تحتهما من القدمين في الوضوء.
٣ - إنَّ المسح على الخفين يكون من الحدث الأصغر، دون الحدث الأكبر؛ ففيه: يجب خلعهما وغسل ما تحتهما، وهو حكم مُجْمَع عليه بين العلماء.
٤ - نقض الوضوء من الخارج من السبيلين، وأهمُّه البول والغائط.
٥ - نقض الوضوء من النوم.
٦ - مثل النَّوم في نقض الوضوء، كلُّ ما أزال العقلَ وغطَّاهُ؛ من إغماءٍ وبنجٍ ومسكر وغيرها.
٧ - عمومُ الحديث يفيدُ جوازَ المسحِ على الخفَّيْنِ، سواءٌ كان صالحًا أو مخروقًا؛ فإنَّ الغالبَ على خفاف الصحابة ﵃ أنْ لا تسلم من وجود الشقوق والخروق.
وهذا خلاف ما قيَّده به أصحاب الإمامين الشَّافعي وأحمد، من اشتراط عدم الخرق أو الشق في الخف، وهو قولٌ مرجوحٌ، والله أعلم.
стр. 261
٨ - لا يجوز المسح على مالا يستر محل الفرض؛ أخذًا من مسمَّى الخف عندهم.
٩ - جواز المسح على الجوربين ونحوهما، ممَّا له حكم الخفين، يستر محل الفرض، والحاجة إلى لُبْسهِ والمشقَّة في نزعه، من أي شيءٍ يكون الجورب؛ من صوفٍ أو وبرٍ أَو قطنٍ أو غيرها.
١٠ - قال في المغني: ولا يجوز المسح على الخف الرقيق الذي يصف البَشَرَةَ؛ لأنَّه غير ساترٍ لمحل الفرض؛ فأشبه النَّعل.
وقال النووي في المجموع: وحكى أصحابنا عن عمر وعلي ﵄ جواز المسح على الجورب وإنْ كان رقيقًا، وحكوه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود.
* خلاف العلماء:
ذهب الإمام أحمد: إلى جواز المسح على الجوربين، وهما ما يصنع على هيئة الخف من غير الجلد.
قال ابن المنذر: تروى إباحةُ المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة، وهم: علي وعمَّار وابن مسعود وأنس وابن عمر والبراء وبلال وابن أبي أوفى وسهل بن سعد.
وهو قول: عطاء والحسن وابن المسيب وابن المبارك والثوري وإسحاق وأبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ لما روى الإمام أحمد (١٧٧٤)، وأبو داود (١٥٩)، والترمذي (٩٩) عن المغيرة بن شعبة أنَّ النَّبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين.
قال الترمذي: حسنٌ صحيح.
قال الألباني: رجاله كلهم ثقات؛ فإنَّهم رجال البخاري في صحيحه محتجًّا بهم.
стр. 262
وذهب الأئمة الثلاثة -فيما استقرَّت عليه مذاهبهم أخيرًا- إلى جواز المسح عليهما.
واختلف العلماء: أيهما أفضل الغَسْلُ أو المسح؟:
فذهب الشافعية: إلى أنَّ الغَسْلَ أفضل؛ بشرط أنَّه لا يترك المسح رغبةً عن السنَّة.
وذهب الحنابلة: إلى أنَّ المسح أفضل من الغسل.
قال في شرح الإقناع: المسح على الخفين أفضل من الغسل؛ لأنَّه ﷺ وأصحابه إنَّما طلبوا الأفضل، وفيه مخالفةُ أهل البدع، ولقوله ﷺ : "إنَّ الله يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ برخصه" [رواه ابن خزيمة (٣/ ٢٥٩)، وابن حبَّان (٨/ ٣٣٣)].
وأمَّا ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقال: لم يكن ﷺ يتكلَّف ضد حاله التي عليها قدماه، فإنْ كانتا في الخف، مَسَحَ عليهما، وإِنْ كَانتا مكشوفتين، غسل القدمين".
وقال ﵀: هذا أعدل الأقوال.
***
стр. 263
٥٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ, وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ" يَعْنِي فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ثلاثة أيام: اليوم: من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ ولذا من فعل شيئًا بالنَّهار، وأخبر به بعد غروب الشمس، يقول: فعلته أمس، واستحسن بعضهم أنْ يقول: أمسِ الأقربَ، وهو مذكَّر، وجمعه أيام، جمعه مؤنث، فيقال: أيام مباركة.
- لياليهنَّ: جمع ليلة، قال في المصباح: وقياس جمعها ليلات، والليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
وقال في المعجم الوسيط: تقول: فعلت الليلة كذا، من الصبح إلى نصف النَّهار، فإذا انتصف النَّهار قلتَ: البارحة، أي: الليلة التي قد مضت.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مدَّة مسح المقيم: يومٌ وليلةٌ، ويكون -على الرَّاجح من قولي العلماء- من ابتداء المسح بعد الحدث، إلى مثل وقته من اليوم الثاني.
٢ - مدَّه مسح المسافر: ثلاثة أيام ولياليهنَّ، وهو من ابتداء المسح بعد الحدث إلى مثل وقته من اليوم الرَّابع.
٣ - مثل الخفين في المدَّة: العمامةُ، وخُمُرُ النِّساء، عند من يقول بجواز المسح عليها؛ ففيها خلاف، والرَّاجح: جواز ذلك.
стр. 264
٤ - في الحديث دليلٌ على حكمةِ الشرع، وتنزيل الأمور منازلها، واعتبارِ الأحوال؛ فإنَّ النَّبي ﷺ فرَّق -هنا- بين المسافر والمقيم، فجعل للمسافر مُدَّةً أطول من مدَّة المقيم، مراعاةً بحال المسافر ومشقَّته، واحتياجه إلى زيادة المدَّة، بخلاف المقيم المستقر المرتاح، والله حكيمٌ عليم.
٥ - فيه بيانُ يُسْرِ الشريعة وسماحَتِها، ومراعاتِها لأحوالِ النَّاسِ في قوتهم وضعفهم وحاجتهم.
***
стр. 265
٥٧ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً, فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ -يَعْنِي: الْعَمَائِمَ- وَالتَّسَاخِينِ -يَعْنِي: الْخِفَافَ-" رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَأَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صححَّه الحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال في المحرَّر: رواه أحمد وأبو داود وأبو يعلى الموصلي والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وفي قوله نظر؛ فإنَّه من رواية ثور بن زيد عن راشد بن سعد، عن ثوبان، وثور لم يرو له مسلم، بل انفرد به البخاري، وراشد بن سعد لم يحتجَّ به الشيخان، ووثَّقه ابن معين وأبو حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وخالفهم ابن حزم، والحق معهم.
وقال الحافظ في الدراية (١/ ٧٢): إسناده منقطع، وضعَّفه البيهقي، وقال البخاري: حديث لا يصح.
* مفردات الحديث:
- سرية: جمعها سرايا، وهي القطعةُ من الجيش، سُمِّيَتْ سريةً؛ لأنَّها تَسْرِي في خُفْية، وهي ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، وهي من الخيل نحو أربعمائة، واصطلَحَ علماءُ السيرة النبوية على أنَّ كلَّ جيش لم يكن فيه رسول الله ﷺ يسمي سريَّه، وكُلَّ ما حضر فيه ﷺ يسمَّى غزوة.
- العصائب: مفردها عِصَابة، وهي ما عُصبَ به الرَّأسُ من منديل ونحوه.
- العمائم: مفردها عمامة، وهي ما يلف على الرَّأس.
стр. 266
- التساخين: بفتح التاء: نوعٌ من الخفاف، قال ثعلب: لا واحد لها من لفظها، يعني: الخفاف أو الأخفاف.
* ما يُؤْخذ من الحديث:
١ - جواز المسح على العمامة، والخفاف في السفر.
٢ - كما يجوز في السفر، فإنَّه يجوز أيضًا في الحضر؛ فالرخصة عامَّة.
٣ - فيه تعليم الجيش والغزاة والمسافرين، إلى ما يحتاجون إليه من الأحكام الشرعية؛ ففيه تنبيهُ ولاةِ الأمور وقُوَّادِ الجيوش وكبارِ رجال الأمن، أنْ يُعْنَوْا بتوعية جنودهم التوعية الشرعية، لاسيَّما في الأحكام التي يحتاجون إليها.
٤ - أنَّ الأنسب في توجيه العامَّة، وإرشادهم، أنْ يُعْطَوْا من العلم المسائلُ التي هم في حاجتها، والتي تدورُ في محيطهم الحاضر؛ لأنَّهم في حاجتها الآن.
٥ - صفة مسح العمامة، وهو أنْ يمسح بيده المبتلَّة بالماء ظاهرَ العمامةِ دون باطنها؛ لأنَّ أعلاها يشبه ظاهر الخف، ولا يجب أنْ يمسح مع العمامة ما جرت العادةُ بكشفه من الرَّأس.
٦ - هؤلاء الذين أمرهم النَّبي ﷺ بالمسح على العصائب والخفاف جنودٌ كثيرون ومسافرون، وحالة الصحابة ﵃ في تقلُّلهم من الدنيا ومتاعها معلومةٌ، فيكون من المحقَّق أنَّ غالب عمائمهم وخفافهم قديمةٌ وممزَّقة، ويبدو منها بعض محل الفرض، فمسحوا عليها، وسيأتي بيان الخلاف، إِنْ شاءَ الله تعالى.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في جواز المسح على الخف المخرَّق:
فذهب الإمامان الشافعي وأحمد وأتباعهما: إلى أنَّه لا يجوز المسح عليه، ولو كان خرقًا واحدًا، أو كان صغيرًا أيضًا، ودليلهم: أنَّ ما ظهر من محل الفرض ففرضه الغَسْل، وما سُتِرَ ففرضه المسح؛ والغسل لا يجامع
стр. 267
المسح، إذ لا يُجْمَع بين البدلِ والمبدَلِ منه، في محلٍّ واحدٍ.
وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أنَّه لا يجوز المسح عليه إذا كان الخرق قدر ثلاثة أصابع فأكثر.
وذهب الإمام مالك: إلى أنَّه لا يمسح عليه إذا أكثر وفحش، ويحدِّد فحشَهُ العرف.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى جواز المسح على الخُفِّ المخروق، مادام اسمُ الخفِّ باقيًا عليه، وهو مذهبُ الثوري وإسحاق وابن المنذر والأوزاعي.
وقال شيخ الإسلام: إنَّ هذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد ونصوصه في العفو عن يسير ستر العورة، وعن يسير النجاسة ونحو ذلك؛ فإنَّ السنَّة وردت بالمسح على الخفين مطلقًا، وقد استفاضت الأخبار عن النَّبي ﷺ في الصحيح: "أنَّه مسح على الخفين"، وتلقَّى الصحابة عنه ذلك، فأطلقوا القول بجواز المسح على الخفين، ومعلومٌ أنَّ الخفاف عادةً لا يخلو كثيرٌ منها من فَتْق أو خَرْق، وكان كثير من الصحابة فُقَراءَ لم يكنْ يمكنهم تجديدُ ذلك.
ومن تدبَّر الشريعةَ، وأعطى القياس حقَّه، علم أنَّ الرخصة في هذا الباب واسعة، وأنَّ ذلك من محاسن الشريعة، ومن الحنيفية السمحة، والأدلَّة على رفع الحرج عن هذه الأمَّة بَلَغَتْ مبلغ القطع، ومقصدُ الشَّارع من مشروعية الرخصة الرفقُ في تحمُّل المشاقِّ، فالأخذُ بها مطلقًا موافقة للعقيدة.
أمَّا لو زال اسم الخفِّ منه، وزال معناه والفائدة منه: فهذا لا يصح المسح عليه.
***
стр. 268
٥٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ مَوْقُوفًا، وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلَبِسَ خُفَّيْهِ، فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا, وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا, وَلَا يَخْلَعْهُمَا -إِنْ شَاءَ- إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ, وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (١).
ــ
*درجة الحديث:
الحديث شاذٌّ.
والمحفوظ في المسح على الخفين ونحوهما: هو التوقيت؛ للمقيم يومٌ وليلة، وللمسافر ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ.
وقد تكلَّم ابن دقيق العيد عن هذا الحديث موقوفاً ومرفوعًا في كتابه "الإلمام"؛ فقال: رواه الدَّارقطني من جهة أسد، ووثَّقه الكوفي والنسائي والبزَّار، قال الحاكم: وروي عن أنس مرفوعًا بإسنادٍ صحيحٍ، ورواته عن آخرهم ثقات إلاَّ أنَّه شاذٌّ بمرة.
قال محرِّره عفا الله عنه: والشذوذ في الحديث لا ينافي ثقة رواته؛ ولذا قال صاحب التنقيح: إسناده قوي، ولكن مخالفته لمن هو أوثق منه تُوجِبُ ردَّه، واعتباره من قسم الضعيف في الحديث.
* مفردات الحديث:
- ولا يخلعهما: "لا" ناهية، إلاَّ أنَّه لم يُرِدِ النَهْيَ؛ بدليل قوله: "إنْ شاء"، ومعنى "لا يخلعهما" أي: لا ينزع الخفين من الرِّجْلين.
стр. 269
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه اشتراط الطهارة في المسح على الخفين، وأنَّه لا يجوز المسح عليهما إلاَّ إذا لُبسَا بعد كمال الطهارة؛ كما تقدَّم في حديث المغيرة بن شعبة.
٢ - أنَّ الَمسح رخصةٌ، فهو جائزٌ، وليس بواجبٍ، وقد قُيِّد الأمر بالمسح، ويحتمل أنْ يكونَ للاستحباب.
قال شيخ الإسلام: الأفضل لِلاَبس الخف: أنْ يمسح عليه، والأفضل لمن قدماه مكشوفتان: غسلهما؛ اقتداءً بالنَّبي ﷺ وأصحابه.
٣ - الحديث مطلق عن التوقيت؛ ولكنَّه مقيد بالأحاديث الأُخر التي تقدَّمت، ومنها حديث علي، وحديث صفوان ﵄ من أنَّ للمسح مدَّةً محدودة.
٤ - المسح على الخفين ونحوهما خاصٌّ بالحدث الأصغر؛ أمَّا الحدث الأكبر فلا يجوز المسح معه، بل لابد من خلع الخفين وغسل القدمين؛ لقوله: "إلاَّ من جنابة"؛ لأنَّ حدث الجنابة أشدُّ وأغلظُ من الحدث الأصغر، فإنَّه يحرُمُ على الجنب ما لا يحرُمُ على صاحب الحدث الأصغر.
٥ - فيه مشروعيةُ الصلاة في الخفين ونحوهما؛ لقوله: "وليصل فيهما"، كما صحَّ: "أنَّه ﷺ كان يصلي في نعليه".
***
стр. 270
٥٩ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ, وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح. قال الحافظ في التلخيص: أخرجه ابن خزيمة، واللفظ له، وصحَّحه الخطابي، ونقل البيهقي أنَّ الشَّافعي صحَّحه.
وقد رواه ابن ماجه، وابن حبَّان (٤/ ١٥٤)، وابن الجارود (٢/ ٢٣٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢١٦٣)، والدَّارقطني، والترمذي في العلل.
* مفردات الحديث:
- رخَّص: الرُّخْصة، بضم الرَّاء، وسكون الخاء، وزن غُرْفة، جمعها رُخَصٌ، وهي التسهيل في الأمر والتيسير.
- إذا تطهَّر: المراد بالتطهُّر هنا: الطهارة من المحدثين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مدَّة مسح المسافر ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ، ومسح المقيم يوم وليلة.
٢ - أنْ يكون المسح بعد طهارةٍ كاملةٍ، ولُبْسِ الخفين بعدها.
٣ - الفرق بين المسافر والمقيم: هو أنَّ المسافر في مظنَّة الحاجة إلى طول المدَّة لمشقَّة السفر والبَرْدِ والحفاءِ وتوفيرِ الوقت، بخلاف المقيمِ فهو في راحةٍ من هذا كلِّه.
стр. 271
٤ - المسح على الخفين ونحوهما رخصةٌ من الله تعالى، وتسهيلٌ على خلقه، والنَّبي ﷺ المرخِّصُ مبلِّغٌ عن الله تعالى.
٥ - كلَّما اشتدَّتِ الحاجةُ حصلتِ الرخصة والتيسير، وهذه هي قاعدة الإسلام الكبرى في أحكامه الرشيدة.
٦ - قوله: "رخَّص" دليلٌ على أنَّ المسح على الخفين رخصةٌ لا عزيمة، والرخصةُ ليست بواجبة، فيكونُ المسحُ على الخفين ليس بواجب.
٧ - الرخصة لغةً: السهولة، واصطلاحًا: ما ثَبَتَ على خلافِ دليلٍ شرعي لمعارضٍ راجحٍ؛ فالدليل الشرعي -هنا -وهو: وجوبُ غَسْلِ الرجلين في الوضوء، ومسح الرَّأس، أمَّا المعارض الرَّاجح: فهو التسهيل بالمسح.
٨ - وفيه دليلٌ على أنَّ الشرع ينزل المكلَّفين على موجب أحوالهم؛ فكل واحدٍ له منزلته المناسبة لحاله.
***
стр. 272
٦٠ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ ﵁ "أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ? قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَوْمًا? قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ? قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَثَلَاثَةً أَيَّامٍ؟ قَالَ: نَعَمْ, وَمَا شِئْتَ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ, وَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال المؤلِّف في التلخيص: ضعَّفه البخاري، فقال: لا يصح، وقال أبو داود: اختُلِفَ في إسناده، وليس بالقوي، وقال أحمد: رجالُهُ لا يُعْرَفون، وقال أبو الفتح الأزدي: هو حديثٌ ليس بالقائم. وقال ابن حبَّان: لست أعتمد على إسناد خبره، وقال الدَّارقطني: لا يثبت، وقال ابن عبد البر: لا يثبت، وليس له إسنادٌ قائم، ونقل النووي في شرح المهذب اتفاق الأئمة على ضعفه.
* مفردات الحديث:
- أمسح: الهمزة هي أصلُ أدواتِ الاستفهام، وقد حُذِفَتْ هنا للتسهيل والاكتفاء بالهمزة الثانية.
- نعم: بفتحتين: حرف جواب يؤتَى بها للدَّلالة على جملة الجواب المحذوفة قائمة مقامها، فقوله في الحديث "نعم" أي: امسَحْ على الخفين.
وهذا المعنى هو أحد استعمالاتها الثلاثة.
*ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على عَدَمِ توقيتِ المسح على الخفين، وأنَّ المتوضِّىء يمسح
стр. 273
عليهما اليومَ واليومَيْن والثلاثة، وما شاء بعدها من الأيَّام.
٢ - الحديثُ على فرض صحَّته مقيَّدٌ بأحاديث التوقيت باليوم والليلة للمقيم، وثلاثةِ أيَّامٍ للمسافر، ويمكنُ جعلُ إطلاقه على ما قاله شيخ الإسلام: من أنَّه لا توقيت في حق المسافر الذي يشق عليه اشتغاله بالخلع واللبس، بل يمسح حتَّى تَنْفَكَّ أزمته وانشغاله.
٣ - وعلى كلٍّ، فالحديث ضعيف؛ وبناءً عليه: فلا يقاوم أحاديث التوقيت الصحيحة، ولا يُعْمَلُ به، وإنْ عُمِلَ به، قُيِّدَ بأحاديث التوقيت، أو يحمل على حالة عذر المسافر وانشغاله.
فائدة:
المؤلِّف ﵀ لم يأتِ بما يفيدُ جوازَ المسحِ على الجبيرة.
والجبيرة: ما يُربَطُ على كَسْرٍ أو جُرْحٍ؛ من أخشابٍ، أو أسياخٍ، أو خرقٍ أو جِبْس، ونحوها.
والأصل فيها: ما رواه أبو داود والدَّارقطني عن جابر أنَّ النَّبي ﷺ قال في صاحب الشجَّة: إنَّما يكفيه أنْ يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها، ويغسل سائر جسده.
على أنَّ الحديثَ يُضَعَّف أو ليس بالقوي، ولكن قال الصنعاني: إنَّه يَعْضُدُهُ حديثُ عيٍّ في المسح على الجبائر بالماء؛ فالجبيرةُ يمسحُ عليها كالخف والعمامة، ولكنَّها تخالفهما بأحكامٍ هي:
١ - أنَّه لا يشترط أنْ تستُرَ محلّ الفرض.
٢ - ويمسحُ عليها في الحدثِ الأصغرِ والأكبر.
٣ - والمسحُ عليها غيرُ مؤقَّت؛ بل يمسحُ حتَّى يحصل البرء.
٤ - والمسحُ يكون عليها كلها وليس على بعضها.
٥ - وعلى الرَّاجح من قولي العلماء: أنَّه لا يشترط الطهارة عند ربطها.
стр. 274
باب نواقض الوضوء
مقدمة
النواقض: جمع ناقض، والنقضُ في الأجسام: إبطال تركيبها، وفي المعاني: إخراجها عن إفادة ما هو المطلوبُ منها.
فنواقض الوضوء هي العلل المؤثِّرة في إخراجِ الوضوء عمَّا هو المطلوبُ منه، ثُمَّ استُعْمِلَ في إبطال الوضوء بما عيَّنه الشَّارع مبطلًا.
والنواقض قسمان:
أحدهما: أحداثٌ تنقُضُ الوضوء بنفسها.
الثاني: أسبابٌ، وهي ما كان مظنَّةً لخروج الحدث؛ كالنَّوم والمس.
والنواقض من حيث الدليل كالآتي:
الغائط: ثبت نقضه بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.
البول: ثبت نقضه بالسنَّة، والإجماع، والقياس على الغائط.
المذي: ثبت نقضه بالسنَّة، والإجماع، والقياس على البول.
دم الاستحاضة: ثبت نقضُهُ بما رواه أبو داود (٢٨٦) من حديث عائشة في قصَّة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش: "فتوضئي وصلي؛ فإنَّما ذلك عرق"، ورجال إسناده ثقات، وقال بذلك عامَّة أهل العلم.
النَّوم: تعارضَتْ فيه الآراء، واختلفَتْ فيه المذاهب: فبعضهم يرى النَّقض من قليله وكثيره، وبعضهم لا يرى النَّقض منه أصلاً، والجمهور سلكوا مسلك الجمع، وهو النَّقض بالكثير دون القليل، ولهم في النَّوم النَّاقض وغير النَّاقض تفصيل.
أمَّا ما عدا هذه الأشياء فقد قَوِيَ فيها خلافُ العلماء، وستأتي إنْ شاء الله.
стр. 275
٦١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ, ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ. فأصله في صحيح مسلم بلفظ: "كانُوا يتنظرون العشاء فينامون ثمَّ يصلون ولا يتوضؤون"، وقد صحَّحه الترمذي والدَّارقطني، قال البيهقي: رجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر: إسناده صحيح.
* مفردات الحديث:
- عهده: العهد: الزمن، يُقال: كان ذلك على عهد فلان، أي: على زمانه، جمعه عهود وعهاد.
- ينتظرون: يترقَّبون حضوره لأداء الصلاة.
- العِشَاء: بكسر العين والمد، وأوَّل دخول وقته بعد غياب الشفق الأحمر، سُمِّيَتِ الصلاة به؛ لأنَّها تُفْعَلُ فيه، ويُقال لها: العِشَاءُ الآخرة.
- حتَّى: حرفٌ يأتي لعدَّة معان، منها أنَّه يكون للغاية والانتهاء، وهو المراد هنا.
- تخفق: بكسر الفاء، فهو من باب ضرب، أي: تميل من النُّعاس.
قال في المصباح: خَفَقَ برأسه: إذا أخذته سِنَةٌ من النُّعاس، فمال رأسه دون سائر جسده.
стр. 276
- رؤوسهم: جمع رأس، وَرَأْسُ كلِّ شيء: أعلاه، ومنه سمي الرأس في الإنسان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النومُ اليسير من الجالس لا يَنْقُضُ الوضوء.
٢ - النومُ الكثير ناقضٌ للوضوء؛ لما تقرَّر في نفس الصحابي الرَّاوي أنَّ النَّوم ناقضٌ للوضوء، إلاَّ هذا القَدْرَ الذي شاهده.
٣ - الطهارةُ من الحدث شرطٌ لصحة الصلاة؛ فنفي الوضوء في هذه الحالة دليلٌ على وجوبها في غيرها، ممَّا يوجبُ نَقْضَ الطهارة.
٤ - استحبابُ تأخير صلاة العشاء عن أوَّل وقتها؛ فقد جاء في الصحيحين أنَّه ﷺ كان يستحبُّ أنْ يؤخِّر العشاء، ويقول: إنَّه لَوَقْتُها، لولا أنْ أَشُقَّ على أمتي.
٥ - حرص الصحابة ﵃ على البقاء في المسجد انتظارًا للصلاة، وفضل انتظارها؛ فقد جاء في البخاري (٦٤٧) ومسلم (٣٦٢) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا يزال أحدكم في صلاةٍ ما دامت الصلاة تحبسه".
٦ - جواز النعاسِ والرقودِ في المسجد، لاسيَّما لانتظار الصلاة.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في النوم هل ينقض الوضوء؟ على ثلاثة أقوال:
فذهب بعضهم: إلى أنَّ قليله وكثيره ناقض؛ بناءً منهم على أنَّ نفس النَّوم حَدَثٌ ينقض الوضوء.
وذهب بعضهم: إلى أنَّه لا ينقض قليله ولا كثيره، ما لم يتحقَّقْ خروج حدث؛ بناءً منهم على أنَّ النوم ليس بناقض، ولكنَّه مَظِنَّةُ الحدث.
وذهب جمهور العلماء: إلى أنَّ الكثير المستثقل ناقضٌ دون النوم اليسير، ولهم تفاصيلُ في تحديد القليل من الكثير، وصفاته النَّاقضة مذكورةٌ في كتب الأحكام.
стр. 277
وهذا القول هو الرَّاجح الذي تجتمعُ فيه الأدلَّة:
فإنَّ حديث صفوان بن عسَّال: "كان ﷺ يأمرنا إذا كُنَّا في سفر أنْ لا ننزع خفافنا ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ إلاَّ من جنابة، ولكن من غائطٍ وبولٍ ونوم" [رواه الترمذي (٣٣٥٢)، والنسائي (١٢٧)]-أثبَتَ نقضَ الوضوء من النومِ؛ كالغائط والبول.
وحديث أنس: "كان أصحاب رسول الله ﷺ على عهده ينتظرون العشاء حتَّى تَخْفِقَ رؤوسهم، ثمَّ يصلون ولا يتوضؤون" -دليلٌ على أنَّ يسير النوم لا ينقض.
***
стр. 278
٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ, أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ? قَالَ: لاَ، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ, فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاَةِ, وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ: "ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ". وَأَشَارَ مُسْلِمٌ إِلَى أَنَّهُ حَذَفَهَا عَمْدًا (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أُستحاض: من الاستحاضة، وهي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة، من مرضٍ وفساد، فيخرج الدم من عِرْقٍ فَمُهُ في أدنى الرحم، يسمَّى "العرق العاذل" وسيأتي بيانه بأتمَّ من هذا في باب الحيض، إنْ شاء اللهُ تعالى.
- أفأدع الصلاة: الهمزة للاستفهام الاستخباري، والفاء للتعقيب، وبعدها فعل مضارع للمتكلِّم.
- أفأدع: وَدَعْتُهُ أدَعُهُ وَدْعًا، أي: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثمَّ حذفت الواو، ثُمَّ فُتِحَ لأجل حرف الحلق.
قال النحاة: إنَّ العرب أماتَتْ ماضي "يَدَع"، ومصدره واسم فاعله، فلا توجد.
لا: تأتي على ثلاثة أوجه، أحدها: أنْ تكون جوابًا مناقضًا لـ"نعم"، وهي
стр. 279
المرادة هنا.
- ذلِكِ: بكسر الكاف: خطابٌ للمرأة السَّائلة، و"ذا": إشارةٌ إلى الدمِ الخارج منها.
- عرق: بكسر العين المهملة، وسكون الرَّاء، آخره قاف.
قال في الفتح: إنَّ هذا العرق يسمَّى العاذل، وقال في القاموس: يُسمَّى العاذر، أي: أنَّ دمك بسبب انفجار من عرق.
- فاذا أَقْبلَتْ حَيْضَتكِ: بفتح الحاء، ويجوز كسرها، المراد بالإقبال: حصول وقتها، وابتداء خروج دَم الحيض أيام عادتها.
- وإذا أدبرت: هو وقتُ انقطاعِ الدمِ عنها عند انتهاء أيام عادتها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ الخارج من السبيلين ناقضٌ للوضوء، ومنه خروجُ الدم، وهو إجماع العلماء.
٢ - أنَّ دم الاستحاضة ليس حَيْضًا، وإنَّما هو دمٌ له أسبابُهُ، وخصائصه، وأحكامه:
فسببه: انفتاحُ عرق العاذل، فهو مرضٌ يستدعي البحثَ عن سببه وعلاجه؛ ولذا ينظر الأطباء بقلقٍ بالغٍ إلى خروج الدم في غير وقت الحيض؛ لأنَّها تدل على وجود مرض، إمَّا بجسم المرأة وغددها، أو بجهازها التناسلي.
أمَّا دم الحيض: فيخرُجُ من قعر رحم المرأة.
فأخبرها ﷺ باختلاف المَخْرَجَيْن، وهو ردٌّ وتوجيهٌ لقولها: "فلا أطهر"، فأبان لها أنُّها طاهرة تلزمها الصلاة.
٣ - أمَّا خصائصُ دم الاستحاضة، فقال الأطباء: إنَّه دمٌ أحمَرُ مشرِقٌ خفيف، ليس ذا رائحة، بينما دمُ الحيض: أسودُ ثخين، له رائحة منتنة.
٤ - أمَّا أحكامُ دم الاستحاضة: فإنَّه لا يمنعُ شيئًا من العبادات، ولا الأمور التي يتوقَّف فعلها على طهارة المرأة من الحيض، فالمستحاضة تعتبر في حكم
стр. 280
الطاهرة.
٥ - لم يرخص لها النَّبي ﷺ في ترك الصلاة، وإنَّما نهاها عن تركها.
٦ - أَمَرَهَا ﵊ أنْ يتميز بين دم حيضها ودم استحاضتها، وذلك بأنْ تجلس فلا تصلي أيام عادتها؛ لأنَّ العادة أقوى من سائر الأدلة على تمييز دم الحيض من دم الاستحاضة.
فإنْ لم تعلم عادتها، عملت بالتمييز بين الدمين، فدم الحيض أسود ثخين منتن، ودم الاستحاضة خلاف ذلك.
٧ - وجوبُ غَسْلِ دمِ الحيض للصلاة؛ لأنَّه نجس، والطهارة من النَّجاسة شرطٌ لصحة الصلاة.
٨ - أنَّ على المستحاضة أنْ تتوضأ لكلِّ صلاةٍ، ومثلها كل مَنْ به حدثٌ دائم من سلس بولٍ، أو جُرحٍ لا يَرْقَى دمه، أو استمرارِ خروج الرِّيح.
٩ - نَهْيُ الحائض عن الصلاة، وتحريمُ ذلك عليها، وفسادها منها، وهو إجماع العلماء.
١٠ - أنَّ الحائض لا تقضي الصلاة بعد طهرها؛ وذلك أخذًا من عدم أمره ﷺ لها بذلك في هذا الحديث؛ فإنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
١١ - الحديثُ دليلٌ على قبول قول المرأة في أحوالها، من الحمل، والحيض والعدَّة وانقضائها، ونحو ذلك.
١٢ - أنَّ المستحاضة تصلِّي ولو مع جريان الدم؛ لأنَّها تعتبر من الطَّاهرات من الحيض.
١٣ - وَرَدَ في بعض طرق هذا الحديث عند البخاري: "واغتسلي"، والمراد به الاغتسال من الحيض إذا أدبرت أيام حيضها، لا أنَّه أمرٌ بالاغتسال لكلِّ صلاة.
١٤ - قوله: "ثمَّ توضئي لكلِّ صلاة" زيادة رواها البخاري، وحذفها مسلم عمدًا؛
стр. 281
لاعتقاده أنَّها زيادة غير محفوظة، وإنَّما تفرَّد بها بعض بالرواة.
لكن قال الحافظ في فتح الباري: إنها زيادة ثابتة من طرقٍ، ينتفي معها تفرُّد من ذكرهم مسلم.
١٥ - المؤلِّف أورد هذا الحديث في باب نواقض الوضوء لأجل هذه الزيادة: "ثمَّ توضئي لكلِّ صلاة"، وإلاَّ فمناسبة الحديث أن يُذْكَرَ في "باب الحيض" وقد أعاده هناك، والله أعلم.
١٦ - جوازُ سماعِ الرجلِ الأجنبيِّ صوتَ المرأة عند الحاجة، إذا لم تليِّنه وتُخْضِعْهُ.
١٧ - الأمرُ بإزالة النَّجاسة.
١٨ - فيه أنَّ الدَّم نجسٌ، وهو إجماعٌ إلاَّ خلافًا شاذًّا.
١٩ - أنَّ الصلاة تجب بمجرّد انقطاع دم الحيض.
٢٠ - أنَّ الصلاة تصح حتَّى في حال جريان الدم الذي لا ينقطع.
***
стр. 282
٦٣ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً, فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ? فَقَالَ: فِيهِ الْوُضُوءُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- رجلًا: خبر كان، و"مذَّاء" صفة لرجل.
- مذَّاء: بفتح الميم، وتشديد الذَّال المعجمة، ثُمَّ ألف ممدودة، من صيغ المبالغة، من كثرة المذي، والمذي، بفتح الميم، وسكون الذَّال المعجمة، وأيضًا: بكسر الذَّال، وتشديد الياء، جمعه: مُذًى، ومُذَايَات، ومُذَى.
وقال في الصحاح: قال الأزهري: الوديّ والمذيّ والمنيّ مشدَّدات، قال أبو عبيدة: المنيّ مشدَّد، والآخران مخففان، وهذا أشهر.
والمَذْيُ: ماءٌ أبيضُ لزجٌ رقيق، يخرُجُ عند الملاعبة ونحوها، وخروجه من مجرى البول من إفراز الغدد المبالية.
- أنْ يسأل: أي: بأن يسأل، فـ "أنْ " مصدرية، أي: أمرتُه بسؤال رسول الله ﷺ .
- فيه الوضوء: جملة اسمية؛ لأنَّ "الوضوء" مبتدأ مؤخر، وقوله: "فيه" خبر مقدَّم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ خروج المذي يوجب الوضوء، ولا يوجب الغسل؛ وهو إجماع.
٢ - في بعض ألفاظ الحديث عند البخاري (١٧٨): "فاستحييت أنْ أسال رسول الله ﷺ "، وفي لفظ مسلم (٣٠٣) "لمكان فاطمة".
стр. 283
فالحياء هو الذي منع عليًّا ﵁ من أنْ يشافه النَّبي ﷺ بهذا السؤال.
٣ - فيه قبول خبر الواحد، والعمل به في مثل هذه الأمور.
٤ - جاء في أحد ألفاظ مسلم لهذا الحديث: "اغسلْ ذكرك وتوضَّأ"، وورد في بعض ألفاظه أيضًا: "واغسل الأُنثيين".
فقد دلَّت هاتان الروايتان على وجوب غسل الذكر والأنثيين، والوضوء بعد ذلك؛ لأنَّ المذي مخرجه مخرج البول، ولما سيأتي من رواية أبي داود في الفقرة السابعة.
٥ - الأمر بغسل الذكر والأنثيين دليلٌ على نجاسة المذي، ولكن بعض العلماء قال: يُعْفَى عن يسيره لمشقَّة التحرُّز منه.
٦ - أنَّه لا يكفي في الطهارة من المذي الاستجمار، بل لابد من الماء؛ وذلك -والله أعلم- لأَنَّه ليس من الخارج المعتاد؛ كالبول.
٧ - ذهب الحنابلة وبعض المالكية: إلى وجوب غسلِ الذكر كله، والأنثيين من خروج المذي؛ مستدلين بهذا الحديث ورواياته الثابتة، فقد صرَّحت بغسل الذكر وهو حقيقة يطلق عليه، ولما جاء في رواية أبي داود (٢٠٨) فقال: "يغسلُ ذكره وأُنثييه ويتوضَّأ".
***
стр. 284
٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ, وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف، ومنهم من قوَّاهُ وصحَّحه.
قال ابن حجر في التلخيص: الحديث معلول، ذكر علَّته أبو داود، والتِّرمذي، والنِّسائي، والدَّارقطني، والبيهقيُّ، وابن حزم، وقال: لا يصح في هذا الباب شيءٌ.
قال الترمذي: سمعت البخاري يضعِّف هذا الحديث، وأبو داود أخرجه من طريق إبراهيم التيمي عن عائشة، ولم يسمع منها شيئًا؛ فهو مرسل.
وقال المصنف: رُوِيَ من عشرة أوجه عن عائشة أوردها البيهقي في الخلافيات وضعَّفها. وقوَّى الحديثَ جماعةٌ من الأئمة؛ منهم: عبد الحق وقال: لا أعلم له علَّة، وقال الزيلعي: سنده جيد، وصحَّحه أحمد شاكر والألباني.
* مفردات الحديث:
- قبَّل: تقبيلاً، والاسمُ: القُبْلة، جمعها قُبَلٌ، مثل غرفة وغرف، والقُبْلة هنا: اللَّثْمَةُ على الفَمِ.
- بعض نسائه: هي عائشة راوية الحديث ﵂ فقد أخرج إسحاق في مسنده (٢/ ١٧٢)، عن عروة عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قبَّلها وقال: "إنَّ القبلة لا تنقض الوضوء".
стр. 285
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ظاهر الحديث يدل على أنَّ تقبيل المرأة ولمسها لا ينقض الوضوء، وهو الأصل، والحديث مقرِّر لهذا الأصل من عدم الوجوب.
٢ - لكن الحديث معارَضٌ بالآية الكريمة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، واللَّمْسُ الحقيقي في اليد، وإذا وجد احتمال إرادة الجماع، فقراءة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ ظاهرة في مجرَّد لمس اليد، والأصل اتفاق معنى القراءتين.
٣ - الأفضل هو حمل هذا الحديث على تقبيل لم يصاحبه شهوة، وإنَّما هو تقبيل مودَّة ورحمة، وهذا النوع من اللمس قد تقرَّر عَدَمُ نقضه للوضوء؛ لما جاء "أن عائشة نامَتْ معترضةً في مصلَّى النَّبي ﷺ ، فإذا أراد أنْ يسجد، غمزها في الظلام، لتكف رجليها"، رواه البخاري (٣٧٥)، ومسلم (٥١٢).
واللمس ذاته ليس ناقضًا، ولكنَّه مَظِنَّةُ خروج ناقض، فيبقى اللمس المعتاد المجرَّد عن الشهوة على أصل عدم النَّقض.
٤ - على فرض صحته حُمِلَ الحديث على ما تقدَّم، وإلاَّ فهو ضعيفٌ؛ فالبخاري يضعِّفه، وذكر أصحاب السنن أنَّ له علَّة، وقال ابن حزم: لا يصح في هذا الباب شيءٌ، وقال ابن حجر: الحديث معلول.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في اللمس هل ينقض الوضوء أم لا؟:
ذهب الحنفية: إلى عدم النقض باللمس مطلقاً، ومن أدلتهم حديث الباب، وحديث اعتراضِ عائشة ﵂ في مصلَّى النبي ﷺ ، وغمزِه لها واستمرارِهِ في الصلاة.
وذهب مالك: إلى انتقاض الوضوء بلمس المتوضىء البالغ بلذَّة لشخص يلتذ به عادة.
وذهب الإمام الشَّافعي: إلى أنَّ مجرَّد لمس الرجل المرأة، أو المرأة