٣ - أو يجعل الأمر شورى في عدد معيَّن محصور؛ ليتَّفق أهل البيعة على أحدهم، ثم يتَّفقون عليه؛ كبيعة وإمامة عثمان بن عفان ﵁.
٤ - أو يتولى على النَّاس بقهره وقوته حتى يدعنوا له، ويَدْعوه إمامًا، فتثبت له الإمامة، ويلزم الرعية طاعته، كولاية عبد الملك بن مروان.
***
стр. 3152
١٠٣٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - البغي له معانٍ كثيرةٌ: منها الظلم والسَّعي بالفساد، والعدول عن الحق، وغير ذلك من الأمور التي تعود إِلى الإفساد في الأرض.
٢ - المراد بالبغي هنا: الخروج عن طاعة ولي أمر المسلمين بغير حق، فالباغي هو الخارج عن الطاعة الواجبة عليه للإمام بغير حق.
٣ - إذا فعل قوم ذلك، وخرجوا عن الطاعة، فعلى الإمام أن يدعوهم، ويكشف شبهتهم، فإن تمردوا، بدأ بقتالهم حتى يفيئوا إِلى أمر الله.
٤ - على الرعية القيام مع الإمام، ومساندته، ونصرته إذا خرج عليه قوم لهم شوكة ومنعة، وشقوا عصا الطاعة.
٥ - الحديث يدل على تحريم حمل السلاح على المسلمين، وأنَّ من حمله عليهم وأخافهم، فقد شذَّ وخرج عن جماعة المسلمين، وعِداد صفوفهم.
٦ - أنَّ الإسلام دين الألفة والجماعة؛ قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢].
أما التفرق والشقاق والتعادي، فهذا عمل مناف للإسلام، وتعاليمه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران].
٧ - وحامل السلاح على المسلمين إن كان مستحلًّا لقتالهم فهو كافر، وإن كان
стр. 3153
لم يستحله، وإنما حمله، وخرج عليهم؛ لاعتقاده تعديل وضع الحكم، أو الطمع في السلطة ونحو ذلك -فهو باغٍ يحل قتاله حتى يعود إِلى جماعة المسلمين، فإذا عاد كُفَّ عنه.
٨ - قال الشيخ: اتَّفقوا على أنَّ قطاع الطريق؛ إذا انشقوا على ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك -لم يسقط عنهم الحدّ، بل تجب إقامته عليهم، وإن تابوا؛ لئلا يُتَّخذ ذلك ذريعة إلى تعطيل حدود الله.
***
стр. 3154
١٠٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، وَمَاتَ -فَمِيْتَتُهُ مِيْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- من خرج عن الطاعة: أي: طاعة ولي أمر المسلمين.
- مِيتة: هذا هو مصدر الهيئة من الثلاثي المجرد على وزن "فِعْلة"، بكسر الفاء، تقول: عاش عِيشةً حسنةً، ومات مِيتَةً سيئةً، وما فوق الثلاثي يكون مصدره مصدر نوع.
- جَاهلية: منسوبة إِلى: الجهل، والمراد به: من مات على الكفر قبل الإسلام.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - نصب إمام المسلمين فرض كفاية، ويتم نصبه بمبايعته من أهل العقد من العلماء، ووجوه الناس، وأعيانهم.
٢ - مهمة الإمام: حفظ الدين، وحماية بيضة الإسلام، وإقامة الحدود، وتحصين الثغور، وجهاد المعاند، وجباية الصدقات، وتقدير العطاء، واستكفاء الأمناء.
٣ - من خرج عن طاعة الإمام، وفارق الجماعة، فشذَّ عن جماعتهم -فقد ذكر العلماء أنَّهم أحد أصناف أربعة:
أحدها: قوم خرجوا على الإمام وطاعته بلا تأويل، فهؤلاء قُطَّاع طريق.
الثاني: خرجوا بتأويل، إلاَّ أنَّهم نفر يسير لا منعة لهم؛ كالعشرة ونحوهم،
стр. 3155
فهؤلاء حكمهم حكم قطاع الطويق.
الثالث: قومٍ خرجوا على الإمام، وراموا خَلعه بتأويل سائغ؛ سواء كان تأويلهم خطأً وصوابًا، ولهم شوكة ومنعة -فهؤلاء هم البغاة، فعلى الإمام أن يراسلهم، وينظر ما يدَّعون، وما ينقمون، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها، فإن فاؤوا، وإلاَّ قاتلهم وجوبًا، وعلى رعيته إعانته.
الرابع: الخوارج الذين يكفِّرون بالذنب، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم -فهؤلاء فسقة، يجوز قتالهم ابتداء.
٤ - فأي إنسان خرج من المسلمين بداعٍ من هذه الدواعي الأربعة، فهو خارج عن طاعة الإمام، ومفارق جماعة المسلمين، فإذا مات على هذه الحال، فقد مات على طريق أهل الجاهلية، الذين لا ينظمهم إمام، ولا تجمعهم كلمة.
٥ - قال شيخ الإسلام: جمهور المسلمين يفرقون بين الخوارج، والبغاة، والمتأولين، وهو المعروف عن الصحابة.
٦ - قال شيخ الإسلام: طاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بها، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمور، فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم، إلاَّ لما يأخذه من المال، فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم -فما له في الآخرة من خلاق، والقصد أنَّ طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله واجبة، ومناصحتهم من باب التعاون على البر والتقوى.
٧ - قال شيخ الإسلام: لا يخفى أنَّ الله قد فضَّل الرجال على النِّساء، فلا يحل أن تُسَاوى المرأة بالرجل فيما من شأنه الاختصاص بالرجال، كالولايات، فقد قال ﷺ : "لا يفلح قوم، ولَّوا أمرهم امرأة".
وأما حضور المرأة مجالس الرجال: فإن كان في حضورها مصلحة، وكانت متحجبة متسترة، فلا بأس في ذلك.
стр. 3156
١٠٣٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَقْتُلُ عَمَّارًا الفِئَةُ البَاغِيةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الفئة: على وزن: "عِد"؛ هي الجماعة والطائفة من الناس، والهاء عوض عن الياء، لأنَّ أصلها: "فِأَيٌ" جمعها. "فِآت"؛ قال في "الكليات": الفئة هي الجماعة المتظاهرة، التي يرجع بعضها إلى بعض في التعاضد.
وقال في "التعريفات": الفئة: الطائفة المقيمة وراء الجيش؛ للالتجاء إليهم عند الهزيمة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦].
- الباغية: يقال: بغى على فلان يبغي بغيًا: عدا عليه وظلمه، فالبغي هو الاعتداء والظلم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - لما قتل الخوارج الثائرون الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ بايع أهل الحل والعقد بالمدينة وغيرها عليَّ بن أبي طالب ﵁، وتمت له البيعة على المسلمين.
٢ - كان معاوية بن أبي سفيان بالشام أميرًا لعمر بن الخطاب، ثم لعثمان -رضي الله عن الجميع، فامتنع من بيعة علي؛ بحجة أنَّ قتلة ابن عمه عثمان منضمون مع علي، ويطلب تسليمهم؛ للانتقام منهم.
فانقسم المسلمون إِلى طائفتين: طائفة تؤثر الخليفة الرابع علي، والأخرى تؤثر معاوية؛ الذي يطالب بقتلة الخليفة المقتول ظلمًا.
стр. 3157
٣ - ووجد طائفة ثالثة اعتزلت المعسكرين، وابتعدت عن الفتنة.
٤ - حصلت معركة كبيرة جدًّا بين علي ومعاوية في صِفين، قُتل فيها عمَّار بن ياسر ﵁ الذي قال النبي ﷺ عنه: "تقتل عمَّارًا الفئة الباغية".
٥ - قال شيخ الإسلام: حديث عمَّار: "تقتله الفئة" قد طعن فيه طائفة من أهل العلم، ولكن رواه مسلم في "صحيحه"، وهو في بعض "نسخ البخاري"، ولكن ليس في كون عمار تقتله الفئة الباغية خروج تلك الفئة من الإيمان، فقد جعلهم القرآن إخوة، مع وجود القتال، والبغي منهم، لاسيَّما المتأول المجتهد.
٦ - قال الشيخ: بعض أكابر الصحابة يرى القتال مع الطائفة التي فيها عمَّار، وبعضهم يرى الإمساك عن القتال مطلقًا، فالذين يرونه مع طائفة عمار يحتجون بهذا الحديث؛ لأنَّ الله أمر بقتال الطائفة التي تبغي، والساكتون يحتجون بالأحاديث الصحيحة الكثيرة من أنَّ القعود في الفتنة خير من القتال.
٧ - مذهب أهل السنة والجماعة: يرون الصواب مع علي، ولكنهم يتولَّون الجميع، ويعرفون لهم سابقتهم، وصحبتهم، وفضلهم، ويسكتون عما جرى بينهم، ﵃ أجمعين.
٨ - أما أهل الأهواء: فقال عنهم شيخ الإسلام: إنَّهم في قتال علي ومحاربيه على أقوال:
الخوارج تكفِّر الطائفتين جميعًا.
الرافضة تكفر من قاتل عليًّا.
أما أهل السنة: فمتَّفقون على عدالة القوم، ثم لهم في التصويب والتخطئة مذاهب لأصحابنا، وغيرهم:
الأول: أنَّ المصيب علي ﵁.
стр. 3158
الثاني: الجميع مصيبون، ﵃.
الثالث: المصيب واحد، لا بعينه.
الرابع: الإمساك عما شجر بينهم مطلقًا، مع العلم أنَّ عليًّا وأصحابه أولى الطائفتين بالحق.
وجمهور أهل العلم: يفرقون بين الخوارج المارقين، وبين أهل الجمل وصفين، وغير أهل الجمل وصفين ممن يعدون البغاة المتأولين، وعليه عامة أهل الحديث والفقهاء، وعليه نصوص أكثر الأئمة الأربعة وأتباعهم.
***
стр. 3159
١٠٣٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَدْرِي -يَابْنَ أُمِّ عَبْدٍ- كَيْفَ حُكْمُ اللهِ فِيْمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الأُمَّة؟ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: لا يُجْهَزُ جَرِيحُهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤْهَا". رَوَاهُ البَزَّارُ وَالحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، فَوَهِمَ؛ لأَنَّ فِي إسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حكِيمٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ (١)، وَصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالحَاكِمُ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف جدًا، لكن صحَّ عن علي ﵁ موقوفًا.
قال ابن حجر في "التلخيص": رواه الحاكم والبيهقي، وسكت عنه الحاكم، وقال ابن عدي: هذا الحديث غير محفوظ، وقال البيهقي: ضعيف.
قال ابن حجر: في إسناده: كوثر بن حكيم، وقد قال البخاري: إنه متروك. اهـ.
فقول المصنف هنا في "بلوغ المرام": صحَّحه الحاكم، يعارضه ما في "التلخيص" أنَّه سكت، والواقع أنَّه سكت عنه كما في "المستدرك" (٢/ ١٥٥)، هذا عن المرفوع، لكن صحَّ عن علي موقوفًا.
* مفردات الحديث:
- ابن أم عبد: هو عبد الله بن مسعود ﵁ وأم عبد هي والدته، بنت
стр. 3160
عبد بن سواء بن قريم بن صاهك الهذلية، من قبيلة هذيل.
- لا يُجْهَز: من أجهز على الجريح وجهز، أي: أسرع في قتله، وأتمه.
- هاربها: المنهزم عن ساحة القتال.
- فيْؤها: الفيء في الأصل مصدر فاء يفيء فيئة وفيو، إذا رجع، ثم أُطلق على ما أخذ من مال الكفار بحق الكفر، بلا قتال؛ كجزيةٍ، وخراجٍ، وعُشر مال تجارة حربي، وما تركوه فزعًا منَّا، ومال المرتد إذا مات على ردته، فيصرف ماله في مصالح المسلمين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم أنَّ الخارجين على الإمام بتأويل سائغ ليسوا كفارًا، وإنما هم بغاة، يجب على الإمام مراسلتهم، وإزالة ما يدَّعون من مظلمة، وكشف ما لُبِّس عليهم من أمر، فإنَّ أصروا وتمردوا، قاتلهم الإمام، ووجب على رعيته معاونته على قتالهم، حتى يفيئوا ويرجعوا إِلى الطاعة، ولزوم الجماعة.
٢ - الدليل على هذا: ما شرع رسول الله ﷺ في حكم قتالهم، بألاَّ يتَمَّ على قتل جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يطلب هاربهم، ولا يقسم فيؤهم، فلا يعاملون معاملة الكفار في قتالهم من الإجهاز على جرحاهم، وجواز قتل أسراهم للمصلحة، والاستيلاء على أموالهم، إما غنيمة، أو فيئًا للمسلمين.
٣ - فالحديث يدل على أنَّ البغاة لا يخرجون ببغيهم، وخروجهم على الإمام عن دائرة الإسلام، أما قتالهم فما هو إلاَّ لتأديبهم؛ ليرجعوا إِلى الطاعة، ولزوم الجماعة، فإذا رجعوا، أو اندفع شرهم، كُفَّ عنهم.
٤ - قال في "المنتهى وشرحه": وإن اقتتلت طائفتان للمعصية، أو طلب رئاسة، فهما ظالمتان، تضمن كل منهما ما أتلفت على الأخرى.
قال الشيخ: فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة، وإن لم يُعلم عين المتلف.
***
стр. 3161
١٠٤٠ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "مَنْ أَتَاكُمْ -وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ- فَاقْتلُوه". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يفهم معنى الحديث من سوق طرقه:
فرواية مسلم جاءت بلفظ: "من أتاكم -وأمركم جميع، يريد أن يفرِّق جماعتكم- فاقتلوه".
وفي لفظ: "من أتاكم -وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرِّق جماعتكم- فاقتلوه".
وفي رواية لمسلم أيضًا: "من أراد أن يفرِّق أمر هذه الأُمَّة -وهي جميع- فاضربوه بالسيف كائنًا من كان".
٢ - هذه الطرق تدل على وجوب السمع والطاعة لولي أمر المسلمين، وتحريم الخروج عليه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من كره من أميره شيئًا، فليصبر؛ فإنَّه من خرج عن السلطان شبرًا، مات ميتة جاهلية".
وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "عليك بالسمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك".
стр. 3162
وجاء في مسلم أيضًا من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خلع يدًا من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية" أي: مات على ضلالة الجاهلية، الذين لا يدخلون تحت طاعة أمير، ويرون ذلك عيبًا ونقصًا في سيادتهم، والأحاديث في الباب كثيرة.
٣ - وهي تدل بمنطوقها على أنَّ من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين، فإنه قد استحق القتل؛ لإدخاله الضرر على العباد، وصريحها، ولو كان الإمام جائرًا.
٤ - جاء حديث مقيِّد إطلاق هذه الأحاديث؛ بلفظ: "ما لم تروا كفرًا بواحًا".
٥ - وجوب طاعة ولاة الأمر، وعدم الخروج عليهم، ولو وجد منهم أثرةً واستبدادًا بالأموال، أو تقصيرًا في بعض أمور الرعية؛ فإنَّه يحقق مصالح كبيرة من الأمن، والاستقرار، وحقن الدماء، أما الخروج وخلع طاعته، فإنه يجر من المفاسد، والفوضى، واختلال الأمن، وسفك الدماء أمورًا عظيمة، من هذا جاء أمر الشارع الحكيم بالسمع والطاعة، ولزوم الجماعة، فيما وافق نشاطك، وهواك، أو خالفهما، ما لم يؤمر بمعصية، أو يُرى كفرًا بواحًا.
***
стр. 3163
باب قتال الجاني وقتل المرتد
مقدمة
الجاني: جمعه: "جناة"، والجِناية لغة: التعدي على بدنٍ، أو مالٍ، أو عرضٍ.
فهذا يُدفع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلاَّ بالقتل، قتل بلا ضمان، ولا إثم.
أما المرتد: فهو لغةً: الراجع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١].
واصطلاحًا: الذي يكفر بعد إسلامه طوعًا.
فمن أشرك بالله تعالى، أو جحد ربوبيته، أو ألوهيته، أو صفة من صفاته، أو اتَّخذ لله صاحبة أو ولدًا، أو جحد بعض كتبه أو بعض رسله، أو سبَّ الله، أو أحدًا من رسله، أو جحد تحريم شيء من المحرَّمات الظاهرة المجمع عليها، كالزنا، أو جَحد حِلَّ ما أحلَّ الله لعباده مما لا خلاف فيه، كالخبز -عُرِّف حكم ذلك، فإن أصرَّ، أو كان مثله لا يجهله، كفر لمعاندته للإسلام، وامتناعه من الالتزام لأحكامه، وعدم قبوله لكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
стр. 3164
١٠٤١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ". رَوَاهُ أَبُو داوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد من طريق عبد الله بن علي بن أبي طالب.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلتُ: وإسناده صحيح، فرجاله كلهم ثقات، وللحديث طرق أُخر في "المسند"، وله شواهد كثير بزيادات في متنه، وقد ذكره السيوطي، والكتاني، والمناوي، وغيرهم من الأحاديث المتواترة، وقد جاء في ابن ماجه (٢٥٨١) من حديث عبد الله بن عمر بمعناه.
* مفردات الحديث:
- دون ماله: أي: في حفظه والدفاع عنه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الجاني هو المعتدي على نَفْسٍ، أو طرفٍ، أو عرضٍ، أو مال، فمن اعتدى على شيء من ذلك، فللمعتدي عليه الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإن لم يندفع إلاَّ بالقتل، فلا ضمان على المدافع.
وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.
стр. 3165
٢ - فإنْ قُتل المدافع عن شيء من هذه الأمور فهو شهيد؛ لأنَّه يدافع عن حق ضد باطل.
٣ - الشهيد -هنا- ليس كشهيد المعركة: لا يغسل، ولا يصلى عليه، ويدفن في ثيابه التي استشهد وهي عليه، وإنما هو شهيد في الآخرة، ولكن تجري عليه الأحكام الظاهرة من حيث التغسيل، والتكفين، والصلاة عليه.
٤ - مشروعية الدفاع عن النفس، والأهل، والعِرض والمال، ويكون بالأسهل، ما لم يخش أن يبدأه الصائل بالقتل إن لم يعاجله، فله ضربه بما يقتله، أو يقطع طرفه، ويكون ذلك هدرًا.
٥ - دفاع الصائل على النفس، والأهل، والعِرض، والمال مشروع -ما لم يكن زمن فتنة وخلاف وفرقة، فليستسلم، ولا يقاتل أحدًا.
قال الأوزاعي: فرْق بين الحال التي للناس فيها إمام وجماعة، فيُحْمل الحديث عنها.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن حوادث السطو والاختطاف وتعاطي المسكرات:
قرار رقم (٨٥) وتاريخ ١١/ ١١/ ١٤٠١ هـ:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
ففي الدورة السابعة عشرة لمجلس كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض في شهر رجب عام ١٤٠١ هـ، اطَّلع المجلس على كتاب جلالة الملك خالد بن عبد العزيز حفظه الله، الذي بعثه إلى سماحة الشيخ عبد الله بن محمَّد بن حميد رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وإلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، يطلب فيه جلالته دراسة موضوعين هامين، فيهما إفساد للأخلاق، وإخلال بالأمن:
أحدهما: قيام بعض المجرمين بحوادث السطو، والاختطاف داخل المدن،
стр. 3166
وخارجها، بقصد الاعتداء على العرض، أو النفس، أو المال.
الثاني: تعاطى المسكرات، والمخدرات على اختلاف أنواعها، وترويجها، وتهريبها، مما سبب كثرة استعمالها، وإدمان بعض المنحرفين على تعاطيها، حتى فسدت أخلاقهم، وذهبت معنوياتهم، وقاموا بحوادث جنائية.
وذكر جلالته أنَّه لا يقضي على هذه الأمور إلاَّ عقوبات فورية رادعة، في حدود ما تقتضيه الشريعة الإسلامية المطهرة؛ لأنَّ إطالة الإجراءات في مثل هذه المسائل يسبب تأخير تنفيذ الجزاء، ونسيان الجريمة.
وقد أحاله سماحته إِلى المجلس للقيام بالدراسة المطلوبة، ولما نظر المجلس في الموضوع، رأى أنَّه ينبغي دراسته دراسة وافية متأنية، وأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثًا فيه، ثم يناقش في الدورة الثامنة عشر، وأصدر قراره رقم (٨٣) وتاريخ ٢٣/ ٧/ ١٤٠١ هـ يتضمن الوصية بالتعميم على الدوائر المختصة بمكافحة الجرائم، والتحقيق فيها، ودوائر القضاء بأن يهتم المختصون في تلك الدوائر بإعطاء هذا الجرائم أولوية في النظر والإنجاز، وأن يولوها اهتمامًا بالغًا من الإسراع، الذي لا يخل بما يقتضيه العمل من إتقان.
وفي الدورة الثامنة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف من ٢٩/ ١٠/ ١٤٠١ هـ حتى ١١/ ١١/ ١٤٠١ هـ، نظر المجلس في الموضوع، واطَّلع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة، وبعد المناقشة المستفيضة، وتداول الرأي، انتهى المجلس إِلى ما يلي:
أولًا: ما يتعلَّق بقضايا السطو والخطف:
لقد اطَّلع المجلس على ما ذكره أهل العلم من أنَّ الأحكام الشرعية تدور من حيث الجملة على وجوب حماية الضروريات الخمس، والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة، وهي الدين، والنفس، والعرض، والعقل،
стр. 3167
والمال، وقدر تلك الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على حرمات المسلمين في نفوسهم، أو أعراضهم، أو أموالهم، وما تسببه من التهديد للأمن العام في البلاد، والله قد حفظ للناس أديانهم، وأبدانهم، وأرواحهم، وأعراضهم، وعقولهم بما شرعه من الحدود، والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، وأنَّ تنفيذ مقتضى آية الحرابة، وما حكم به ﷺ في المحاربين -كفيل بإشاعة الأمن والاطمئنان، وردع من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين؛ إذ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
وفي الصحيحين -واللفظ للبخاري- عن أنس ﵁ قال: "قدم رهط من عكل على النبي ﷺ ، كانوا في الصفة، فاجتووا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، ابعثنا رسلًا، فقال: ما أجد لكم إلاَّ أن تلحقو بإبل رسول الله ﷺ ، فأتوها، فشربوا من ألبانها، وأبوالها، حتى صحوا وسمنوا، وقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، فأتى النبي ﷺ الصريخ، فبعث الطلب في آثارهم، فما ترجَّل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير فأحميت، فكحلهم، وقطع أيديهم، وأرجلهم، وما حسمهم، ثم ألقوا في الحرة يستسقون، فما سقوا حتى ماتوا، قال أبو قلابة: سرقوا وقتلوا وحاربوا الله ورسوله" اهـ.
وبناء على ما تقدم، فإنَّ المجلس يقرر الأمور التالية:
(أ) أنَّ جرائم الخطف والسطو لانتهاك حرمات المسلمين على سبيل المكابرة والمجاهرة -من ضروب المحاربة، والسعي في الأرض
стр. 3168
فسادًا، المستحقة للعقاب الذي ذكره الله سبحانه في آية المائدة؛ سواء وقع ذلك على النفس، أو المال، أو العرض، أو أحدث إخافة السبل، وقطع الطريق، ولا فرق في ذلك بين وقوعه في المدن والقرى، أو في الصحارى والقفار، كما هو الراجح من آراء العلماء -رحمهم الله تعالى- قال ابن العربي -يحكي عن وقت قضائه-: "رفع إليَّ قوم خرجوا محاربين إلى رفقة، فأخذوا منهم امرأة مغالبةً على نفسها من زوجها، ومن جملة المسلمين معه فيها، فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب، فأخذوا، وجيء بهم، فسألت من كان ابتلاني الله بهم من المفتين، فقالوا: ليسوا محاربين؛ لأنَّ الحرابة إنما تكون في الأموال، لا في الفروج، فقلت لهم: إنَّا لله وإنا إليه راجعون، ألَمْ تعلموا أنَّ الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، وأنَّ الناس كلهم ليرضون أن تذهب أموالهم، وتحرب من بين أيديهم، ولا يحرب الرجل من زوجته وبنته، ولو كان فوق ما قال الله عقوبة، لكانت لمن يسلب الفروج. اهـ.
(ب) يرى المجلس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] أنَّ "أو" للتخيير، كما هو الظّاهر من الآية الكريمة، وقول كثيرين من المحققين من أهل العلم، ﵏.
(ج) يرى المجلس بالأكثرية أن يتولى نواب الإمام القضاة إثبات نوع الجريمة، والحكم فيها، فإذا ثبت لديهم أنَّها من المحاربة لله ورسوله، والسَّعي في الأرض فسادًا -فإنَّهم مخيرون في الحكم فيها بين القتل، أو الصلب، أو قطع اليد والرِّجل من خلاف، أو النفي من الأرض؛ بناءً على اجتهادهم، مراعين واقع المجرم، وظروف الجريمة،
стр. 3169
وأثرها في المجتمع، وما يحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، إلاَّ إذا كان المحارب قد قتل، فإنَّه يتعيَّن قتله حتمًا، كما حكاه ابن العربي المالكي إجماعًا، وقال صاحب "الإنصاف" من الحنابلة: "لا نزاع فيه".
ثانيًا: ما يتعلَّق بقضايا المسكرات والمخدرات:
نظرًا إلى أنَّ للمخدرات آثارًا سيئة على نفوس متعاطيها، وتحملهم على ارتكاب جرائم الفتك، وحوادث السيارات، والجري وراء أوهام تؤدي إِلى ذلك، وأنَّها توجد طبقة من المجرمين شأنهم العدوان، وأنَّها تسبب حالة من المرح والتهيج، مع اعتقاد متعاطيها أنَّه قادر على كل شيء، فضلًا عن اتجاهه إِلى اختراع أفكار وهمية، تحمله على ارتكاب الجريمة، كما أنَّ لها أثارًا ضارة بالصحة العامة، وقد تؤدي إلى الخلل في العقل، والجنون، وحيث إنَّ أصحاب هذه الجرائم فريقان:
أحدهما: يتعاطاها للاستعمال فقط، فهذا يجري في حقه الحكم الشرعي للسكر، فإن أدمن على تعاطيها، ولم يجد في حقه إقامة الحد، كان للحاكم الشرعي الاجتهاد في تقرير العقوبة التعزيرية، الموجبة للزجر والردع، ولو بقتله.
الثاني: من يروجها؛ سواء كان ذلك بطريق التصنيع، أو الاستيراد، بيعًا وشراءً، أو إهداءً، ونحو ذلك من ضروب إشاعتها ونشرها، فإن كان ذلك للمرة الأولى، فيعزر تعزيرًا بليغًا، بالحبس، أو الجلد، أو الغرامة المالية، أو بها جميعًا، حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإنَّ تكرر منه ذلك، فيعزر بما يقطع شره عن المجتمع، ولو كان ذلك بالقتل؛ لأنَّه بفعله هذا يعتبر من المفسدين في الأرض، وممن تأصل الإجرام في نفوسهم، وقد قرَّر المحققون من أهل العلم أنَّ القتل ضرب من التعزير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: ومن لم يندفع فساده
стр. 3170
في الأرض إلاَّ بالقتل، قتل؛ مثل: قتل المفرق لجماعة المسلمين، الداعي للبدع في الدين -إِلى أن قال-: وأمر النبي ﷺ بقتل رجل تعمَّد الكذب عليه، وسأله ابن الديلمي: عمن لم ينته عن شرب الخمر، فقال: من لم ينته عنها فاقتلوه. وفي موضع آخر قال ﵀ في تعليل القتل تعزيرًا ما نصه: "وهذا لأنَّ المفسد كالصائل وإذا لم يندفع الصائل إلاَّ بالقتل، قتل".
ثالثًا: نظرًا إلى أنَّ جرائم الخطف والسطو وتعاطى المسكرات والمخدرات على سبيل الترويج لها من القضايا الهامة التي قد يحكم فيها بالقتل تعزيرًا -فإنَّه ينبغي أن تختص بنظرها المحاكم العامة، وأن تنظر من ثلاثة قضاة، كما هو الحال في قضايا القتل والرجم، وأن ترفع للتمييز، ثم للمجلس الأعلى للقضاء؛ لمراجعة الأحكام الصادرة بخصوصها، براءةً للذمة، واحتياطًا لسفك الدماء.
رابعًا: ما يتعلَّق بالنواحي الإدارية:
نظرًا لما لاحظه المجلس من كثرة وقوع جرائم القتل، والسطو، والخطف، وتناول المخدرات، والمسكرات، وضرورة اتِّخاذ إجراءات، وتدابير وقائية تعين على ما تهدف إليه حكومة جلالة الملك حفظه الله من استتباب الأمن، وتقليل الحوادث -فإنَّه يوصي بالأمور التالية:
١ - ستقوم الحكومة وفقها الله بتقوية أجهزة الإمارات، ورجال الأمن، وخاصة في كون المسئولين فيها من الرجال المعروفين بالدين، والقوَّة، والأمانة، ويشعر كل أمير ناحية بأنَّه المسئول الأول من ناحية حفظ الأمن، في البلاد التي تقع تحت أمارته، وأنَّ على الشرطة ورجال الإمارات الجِدّ والاجتهاد في سبيل تأدية واجباتهم، والقيام بمتابعة الجميع، ومعاقبة المَقصر في أداء واجبه، بما يكفي لردع أمثاله.
стр. 3171
٢ - تؤكد الدولة وفقها الله على الإمارات، بأنه إذا وقعت جريمة القتل، أو السطو، والاعتداء على العرض، ونحو ذلك من الجرائم المخلة بالأمن، فإنَّ إمارة الجهة التي وقعت فيها مسؤولة عن القضية من ابتدائها حتى يتم تنفيذ مقتضى الحكم الصادر فيها، فتقوم ببذل جميع الأسباب والوسائل للقبض على الجاني، وسرعة إنهاء الإجراءات الضرورية، ما دامت لديها، ثم تتابعها، وتكلف مندوبًا من جهتها يقوم بالتعقيب عليها لدى الجهات الأخرى، ويطلب من كل أمير ناحية أن يكتب تقريرًا عن القضية بعد انتهائها، وتنفيذ الحكم الصادر فيها يبين سيرها، وملاحظاته بشأنها.
٣ - يرى المجلس تأليف لجنة من مندوبين؛ أحدهما: من وزارة الداخلية، والثّاني: من وزارة العدل؛ لدراسة مجرى المعاملات الجنائية، والروتين الذي تمر به، والبحث عن الطريقة المثلى لذلك، مما لا يؤثر على الإجراءات الضرورية في التحقيق، والنظر القضائي.
وصلى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
стр. 3172
١٠٤٢ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: "قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَاخْتَصَمَا إِلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، كَما يَعَضُّ الفَحْلُ؟! لَا دِيَةَ لَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ثَنِيَّته: الثنية: إحدى الأسنان الأربع، التي في مقدم الفم: ثنتان من فوق، وثنتان من تحت.
- الفَحْل: -بفتح الفاء، وسكون الحاء، بعدها لام- جمعه: فحول، هو الذكر من الحيوانات، والمراد هنا: الجمل، وهو الفحل من الإبل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تخاصم يعلى بن أمية مع أجير له، فعضَّ يعلى يد أجيره، فانتزع المعضوضة يده من فم يعلى، ونزع مع اليد ثنيته، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فأبطل دية الثنيتين، ولم يوجب لهما ضمانًا، وعدم الضمان في هذه الصورة هو مذهب الأئمة الثلاثة، أما الإمام مالك فيوجب الضمان.
٢ - ثم قال ﷺ زاجرًا وناهيًا عن مثل هذه الحال: "أيعض أحدكم أخاه، كما يعض الفحل"؟!.
٣ - فالحديث يدل على أنَّ العاض معتدٍ صائلٍ على المعضوض، وأنَّ للمعضوض الدفاع عن نفسه، ولا يترتَّب على دفاعه ضمان ما يتلف بسببه؛ لأنَّه دفاع مشروع مأذون، وما ترتب على المأذون فغير مضمون.
стр. 3173
٤ - الخصومةُ عامةً ممقوتةٌ، ولكن تزيد بشاعتها إذا كانت بطريقة وحشية، تشبه عمل الحيوانات الشرسة من فحول الإبل ونحوها.
٥ - النبي ﷺ أهدر سقوط الثنيتين قصاصًا ودية؛ ذلك أنَّه اعتبره من الدفاع بالمبادرة، التي لا يوجد في تلك الحال أسهل منها.
قال في "الإقناع وشرحه": وإن عض يده إنسان عضًّا محرمًا، فانتزع المعضوض، يده من فيه، ولو بعنف، فسقطت ثنايا العاض -فهدر، ظالمًا كان المعضوض، أو مظلومًا؛ لحديث عمران بن حصين.
***
стр. 3174
١٠٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَع عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ -لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ".
وَفِي لَفْظ لأحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: "فَلَا دِيَةَ لهُ، وَلَا قِصَاصَ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
لفظ أحمد، والنسائي صحَّحه الترمذي، وابن حبان، والبيهقي، قال ذلك الحافظ في "الفتح".
* مفردات الحديث:
- اطَّلع: طلع ونظر، قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصافات]. أي: تطالع إليه، ونظر إليه؛ ليعرفه.
- فحَذَفْته: بالحاء المهملة، أي؛ رماه بحصاة، وروي بالخاء المعجمة الفوقية، والمعنى: رميته بالحصاة من أصبعيك، وهذا هو الخذف.
- فَفَقَأْتَ عينه: فقأ العين، أو البشرة ونحوها -بالهمز-: شقَّها، فخرج ما فيها.
- جُنَاح: -بضم الجيم- هو الإثم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تحريم النظر إِلى بيوت الناس؛ سواء كان من مكان عال، كالمنارة، أو
стр. 3175
البيت المشرف، ونحوهما، أو كان من خلال الباب، أو نوافذ الجدر، فمن أي طريق فهو محرَّم، لا يجوز؛ لأنَّه اطلاع على عورات الناس، والنساء خاصّة، وكشف أحوالهم، وهذا اعتداء محرَّم، لا يجوز.
٢ - أنَّ من اطَّلع على بيت غيره بغير إذنه، فإنَّه لا حرمة له، ولا لنظره، فلو حذفه صاحب المنزل بحصاة، ففقأ عينه، لم يكن عليه إثم، ولا قصاص، ولا دية؛ لأنَّه مأذون له في هذا الدفاع، والمترتب على المأذون غير مضمون.
٣ - أما إذا حصل الإذن بالدخول، أو بالنظر من مكانٍ عالٍ على المنزل، فوقعت عين الأجنبي على ما لا يحل، فلا جناح عليه.
وإن فقأ عينه صاحب المنزل، فهو آثم ضامن؛ لأنَّ التقصير من المنظور إليه، وإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء.
٤ - الحديث يدل على جواز رمي الناظر قبل الإنذار، فق؛ جاء في الحديث الآخر: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جعل يَخْتِل المطلع؛ ليطعنه".
٥ - هذا التأديب الإسلامي كله؛ محافظة على حرية الإنسان المباحة في بيته، فإنَّ الإنسان يتبذل ويتبسط، ويكون في حالة لا يرغب أن يطَّلع عليه أحد وهو فيها، فإذا أراد معتد أن يكشف حاله بدون إذنه، فجزاؤه ردعه بما يناسبه.
٦ - من هذا نأخذ وجوب أخذ احتياط الجيران عند البناء، بألا يكشف جار جاره، وأنَّه يجب على الجهة المسؤولة عن تنظيم العمران، وهي "البلدية"، أن تلاحظ بأن يكون بناء المنطقة على سمت واحد في الارتفاع، أو تعمل عملًا وتصميمًا خاصًّا، حتى لا يكشف جار جاره؛ وقد روى الواقدي أنَّ عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص وهو واليه على مصر: "سلام عليك، بلغني أنَّ خارجة بن حذافة بنى غرفة، لقد أراد أن يطِّلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابي هذا، فاهدمها، إن شاء الله تعالى، والسلام".
стр. 3176
١٠٤٤ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ حِفْظَ الحوَائِطِ بالنَّهَارِ عَلى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ المَاشِيَّةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ المَاشِيَّةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ، إِلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَفِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
صحَّحه ابن حبان، وهو حديث مقبول.
قال المصنف: رواه الإمام أحمد، والأربعة، إلاَّ الترمذي، وصحَّحه ابن حبان، وفي إسناده اختلاف، ومدار هذا الاختلاف على الزهري، فقد روي من طرق كلها عنه عن حزام عن البراء، وحزام لم يسمع من البراء، قاله عبد الحق وابن حزم، وقال الشافعي: أخذنا به؛ لثبوته، واتصاله، ومعرفة رجاله.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو مشهور، وحدَّث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول.
* مفردات الحديث:
- الحوائط: جمع "حائط"؛ وهو البستان المحاط بسور.
- الماشية: هي: الإبل، والبقر، والغنم، وأكثر ما يستعمل في الغنم، جمعه: "المواشي".
стр. 3177
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أنَّ الواجب على أصحاب البساتين حفظها بالنهار، لأنَّهم منتشرون فيها، ويعلمون فيها، وأما المواشي فهذا أوان رعيها، التي جرت عادتها أن ترعى فيه.
٢ - أما في الليل، فأصحاب البساتين ينامون، ويرتاحون من عناء النهار، وبساتينهم ليس عليها حائط، فهي مُشْرَعة.
والليل ليس وقت رعي المواشي، فعلى أصحاب المواشى حفظها باللّيل؛ لئلا تُفسِد على الناس مزارعهم، وهم عنها غافلون.
٣ - قال في "الإقناع وشرحه": ويضمن رب البهائم ما أفسدت من زرعٍ، وشجرٍ، وغيرهما ليلًا؛ لحديث البراء.
قال ابن عبد البر: هذا وإن كان مرسلًا فهو مشهور، وحدث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول.
ذلك أنَّ العادة من أهل المواشي إرسالها نهارًا للرعي، وحفظها ليلًا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا، فإذا أفسدت شيئًا ليلًا كان من ضمان من هي بيده، إنَّ فرَّط في حفظها.
قال النووي: أجمع العلماء على أنَّ جناية البهائم بالنَّهار لا ضمان فيها، إلاَّ أن يكون معها سائق، أو قائد، فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته، وأما إذا أتلفت ليلًا فمذهب الشافعي، وأحمد الضمان على صاحبها.
٤ - في زماننا ابتلى الناس بأعظم مما في البساتين، وهي الطرق البرية، التي تمر معها السيارات، التي تجد المواشي في وسط الطريق، فتصدم بها ليلًا، فيحصل نتيجة هذا الحادث الوفيات الجماعية، فتزهق فيها النفوس البريئة، والبوادي مسربون مواشيهم في هذه الطرق، وبهذا فلابد أن يُضرب على يد هؤلاء المتهاونين والمتساهلين بأرواح الناس بيد من حديد، ويجازون
стр. 3178
الجزاء الذي يضطرهم أن يُبعدوا مواشيهم عن الطرق المعدة للسير.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن ضمان البهائم التي تعترض الطرق:
رقم (١١١) وتاريخ ١٢/ ١١/ ١٤٠٣ هـ:
وقد جاء فيه ما نصه:
أوَّلًا: عدم ضمان البهائم التي تعترض الطرق العامة المبعدة بالإسفلت، إذا تلفت نتيجة اعتراضها بالطرق المذكورة، فصدمت فهي هدر، وصاحبها آثم بتركها وإهمالها؛ لما يترتب على ذلك من أخطار جسيمة، تتمثَّل في إتلاف الأنفس، والأموال، وتكرار الحوادث المفجعة، ولما يترتب على حفظها وإبعادها عن الطرق العامة من أسباب السلامة، وأمن الطرق، والأخذ بالحيطة في حفظ الأموال، والأنفس؛ تحقيقًا للمقتضى الشرعي، وتحريًا للمصالح العامة، وامتثالًا لأمر ولي الأمر.
ثانيًا: نظرًا إِلى أن ولي الأمر سبق وأن حذَّر أصحاب المواشي من الاقتراب بمواشيهم إِلى الطرق العامة، فإنَّ المجلس يرى أنَّ على ولي الأمر التأكيد على تحذير أصحاب المواشي، وإعلامهم بهدر مواشيهم في حال تعرضها للطرق وصدمها؛ وذلك في وسائل الإعلام المختلفة من تلفزة وإذاعة، وإبلاغ ذلك إلى رؤساء القبائل وأعيانها، وبالله التوفيق.
وصلى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
***
١٠٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أَمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، أَخَذَ المِغْوَلَ، فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكأَ عَلَيْهَا، فَقَتَلَهَا، فَبلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: أَلَا اشْهَدُوا أنَّ دَمَهَا هَدَرٌ". رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (١).
ــ
* درجة الحديث.
الحديث حسن. قال المصنف: رواه أبو داود، ورواته ثقات. اهـ.
وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، وأخرجه النسائي.
قال الشوكاني: وفي الباب عن أبي برزة عند أبي داود والنسائي.
قال ابن عبد الهادي: واستدل به الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله.
* مفردات الحديث:
- أم ولد: الأم أصلها: "أمه"، ولذلك جمعت على: " أمَّات" باعتبار اللفظ، و"أمهات" باعتبار الأصل، وأم الولد هي مَنْ ولدت من مالكها ما فيه صورة إنسان، ولو خفية أو ميتًا، وهذه السابَّة غير مسلمة، ولذا اجترأت على هذا الأمر الشنيع.
- المِغْوَل: -بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة-: عصا فيه سنان دقيق، جمعه: "مغاول".
- واتَّكأ عليها: تحامل عليها بعصاه حتى قتلها.
- دمها هدَر: أهدر دمها، معناه: أباحه، وأسقط القصاص فيه، والدية.
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
١ - المرتد لغة: هو الراجع.
стр. 3181
وشرعًا: الذي يكفر بعد إسلامه.
قال في "المغني": المرتد أغلظ كفرًا من الكافر الأصلي.
٢ - قال في "نيل المآرب": من ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار، دُعِي إلى الإسلام ثلاثة أيام وجوبًا، وضيق عليه، وحبس، فإن أسلم، وإلاَّ قُتِل بالسيف.
٣ - الأحاديث الثلاثة كلها تدل على وجوب قتل المرتد عن دين الإسلام، وقتْلُ المرتد إجماع أهل العلم؛ ذلك أنَّ كفره أغلظ من الكافر الأصلي، فالذي دخل الإسلام وعرفه، ثم رغب عنه، وكفر به، هذا دليل على خبث طويته، وسوء نيته، فمثل هذه النفس الخبيثة ليس لها جزاء إلاَّ القتل.
٤ - ودليل هذا الحكم حديث الباب رقم (١٠٤٦): "من بدَّل دينه، فاقتلوه" أي: مَنْ ارتد عن الإسلام، وهو عامٌّ للرجال والنساء.
٥ - أما أنَّ حد المرتد هو قتله، فهو إجماع العلماء، وإنما الخلاف هل تجب استتابته قبل قتله، أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا تجب استتابته، بل تستحب، وقال الثلاثة: يستتاب.
٦ - قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: تنقسم الأشياء التي تحصل بها الردة إلى ثلاثة أشياء:
الأول: إذا جحد ما علم أنَّ الرسول جاء به، وخالف ما عُلِم بالضرورة أنَّ الرسول بلَّغه الأصول، أو الفروع.
الثاني: ما يخفى دليله، فهذا لا يكفر حتى تقام عليه الحجة، من حيث الثبوت، ومن حيث الدلالة.
الثالث: أشياء تكون غامضة، فهذه لا تكفّر الشخص، ولو بعد إقامة الأدلة عليه؛ سواء كانت في الفروع أو الأصول، فلا يكفر إلاَّ المعاند فقط.
٧ - الكفار نوعان:
أحدهما: لم يدخل الإسلام أصلًا، فالكتاب، والسنة، والإجماع على كفرهم.
стр. 3182
الثاني: من يدَّعون الإسلام، ثم يصدر منهم ما يناقض هذا الإسلام، فهؤلاء لتكفيرهم أسباب منها:
(أ) الشرك بالله تعالى: إما في الربوبية، أو في الإلهية، بأن يصرف نوعًا من العبادة لغير الله: من الذبح، أو النذر وغير ذلك.
(ب) أن يجعل بينه وبين الله وسائط، يتقرَّب إليهم، ليقربوه إِلى الله، كما هو شرك المشركين.
(ج) أو جَحَدَ لبعض رسالة النبي محمَّد ﷺ ، بأنَّه رسول الله ببعض الأمور دون بعض، أو شرائع الدين دون حقائقه.
(د) من جَحَدَ وجوب الصلاة، أو الزَّكاة، أو الصيام، أو الحج إِلى بيت الله الحرام.
(هـ) من أنكر حكمًا ظاهرًا في الكتاب، والسنة، والإجماع، كأن يحرم أكل لحم الإبل، أو حِل الخنزير، أو ينكر حرمة الزنا، أو شرب الخمر.
٨ - تنبيهان: الأول:
يوجد ممن يقر بالشهادتين، ويؤدي شعائر الإسلام، ولكن يأتي ببعض الأعمال الشركية، بعضها شرك في الربوبية، وبعضها شرك في الإلهية، جهلًا وتقليدًا، فهؤلاء يجب أن يبيَّن لهم، ويوجَّهوا قبل أن يطلق على أعيانهم الكفر، أما وصف أعمالهم بأنَّها شرك وكفر، فهذا واجب.
الثاني: يوجد بعض الطوائف من أهل القبلة؛ كالخوارج الذين يكفِّرون الصحابة من أهل الجمل وصفين، ويجيزون الخروج على الإمام الظالم، ويكفِّرون مرتكبي الذنوب.
ومثل القدرية نُفاة القدر، الذين نَفَوا عن الله تعالى صفاته الأزلية، كالقدرة، والسمع، والبصر، واستحالة رؤية الله تعالى بالأبصار، وأنَّ كلامه حادث مخلوق، وكذلك المعتزلة، ممن اشتملت مقالاتهم على تكذيب
стр. 3183
نصوص الكتاب والسنة في نفي صفات الله تعالى.
فأهل السنة والجماعة ينكرون على أصحاب هذه المذاهب والمقالات، ويرون أنَّ بدعهم القولية والفعلية بدع خبيثة خطيرة جدًّا؛ لأنَّها خالفت الحق بأجلى معانيه ومظاهره، ويقسمونهم إِلى ثلاثة أقسام:
أحدها: عارف بأنَّ بدعته مخالفة للكتاب والسنة، فنبَذَ ذلك، واتَّبع هواه، وما يميله أقرانه، فهذا لا شكَّ في كفره.
الثاني: راض ببدعته، ومُعرِض عن طلب الحق، والصواب من أدلته الصحيحة، فهذا ظالم فاسق.
الثالث: حريص على اتباع الحق، ومجتهد في إصابته، ولكن لم يتبيَّن له، ولم يظهر له، فأقام على ما هو عليه ظانًا أنَّه الصواب، فهذا ربَّما يغفر الله له خطأه، والله أعلم.
٩ - وفي هذه الأزمنة الأخيرة، ظهرت طوائف بأسماء جديدة وأفكار جديدة، هم أشد كفرًا وإلحادًا ممن قبلهم، نذكر أسماءهم فيما يلي:
(أ) الماسونية: التي خدمت الصهيونية والاستعمار، فهي أخطر جرثومة على العالم كله.
(ب) الشيوعية: التي ضمت ثلاث حركات تخريبية ملحدة من الشيوعية العالمية، والفاشية، والصهيونية.
(ج) البهائية والبابية: التي قامت على أسس من الوثنية في دعوى إلهية البهاء، وسلطته في تنفيذ مخططات تغيير الشريعة الإسلامية.
(د) القاديانية: الجادة في هدم العقيدة والشريعة الإسلامية بأسلوب ماكر خبيث.
فهذه الطوائف أصدر فيها المجمع الفقهي بمكة المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي، أصدر في كل نِحلة منها قرارًا بأنَّها نِحَل خارجة عن الإسلام، وأنَّ من اعتنقها ليس مسلمًا؛ والله الهادي إِلى سواء السبيل.
стр. 3184
كتاب الحدود
بَابُ حَدِّ الزَّانِي
الحدود: هي جمع "حد"، وهو لغة: المانع، والحاجز بين الشيئين، يمنع اختلاط أحدهما بالآخر.
وشرعًا: هي عقوبات؛ لتَمْنَعَ من الوقوع في مثل الذنب، الذي شُرِع له وحدود الله تعالى تُطلق على ثلاثة أنواع:
الأول: نفس المحارم التي نهى الله عنها؛ وذلك كالزنا، فهذه عبَّر القرآن الكريم عنها بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] فقد نهى عنها، وعن الوسائل التي قد تُوقع فيها.
الثاني: حدود الله تعالى التي نهى عن تعدِّيها، والمراد بها: جملة ما أذِنَ الله تعالى بفعله؛ سواء كان فعله عن طريق الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، والاعتداء فيها هو تجاوزها، وعبَّر القرآن الكريم عن مثل هذا بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وهذه الآية وردت فيمن يتجاوز ما أباح الله له من إمساك الزوجة بمعروف، أو تسريحها بإحسان، فإذا أمسكها بغير معروف، أو سرَّحها بغير إحسان -فقد تعدى ما أباح الله له إِلى ما حرَّم عليه.
الثالث: يراد بها الحدود المقدَّرة الرادعة عن المحارم، فيقال: حد
стр. 3185
الزِّنا، وحد الشرب، وحد السرقة، وفد جاء في الحديث التصحيح: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لأسامة بن زيد: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله"؟! يريد بذلك حد السّرقة، فهذه يجب الوقوف عند ما قُدِّر فيها، بلا زيادة ولا نقصان.
ويَحْسُنُ بنا أن نوردَ في هذه المقدمة هذا الحديث العظيم؛ فقد روى الدارقطني وغيره: "عن أبي ثعلبة الخُشني ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرَّم حرمات فلا تنتهكوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"، حسَّنه النووي.
قال السمعاني: هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين وفروعه، منْ عمل به فأدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عمَّا غاب عنه -فقد استوفى أقسام الفضل، ووفَّى حقوق الدين.
وقال بعضهم: جمع النبي ﷺ الدين في أربع كلمات، وذكر الحديث.
والحدود الرادعة ثابتة بالكتاب، والسنة، وإجماع العلماء في الجملة، ويقتضيها القياس التصحيح، فهي جزاء لما انتهكه العاصي من محارم الله تعالى.
* حكمتها التشريعية:
لها حِكم جليلة، ومعانٍ سامية، وأهداف كريمة.
ولذا يجب إقامتها لداعي التأديب والتطهير والمعالجة، لا لغرض التشفِّي والانتقام؛ لتحصل البركة والمصلحة، فهي نعمة من الله تعالى كبيرة على خلقه، فهي للمحدود طُهرة عن إثم المعصية، وكفارة عن عقابها الأخروي، وهي له ولغيره رادعة عن الوقوع في المعاصي.
وهي مانعة وحاجزة من انتشار الشرور، والفساد في الأرض، وبإقامتها يصلح الكون، وتعمر به الأرض، ويسود الهدوء والسكون، وتتم النعمة، بانقماع أهل الشر والفساد، وبتركها -والعياذ بالله- ينتشر الشرّ، ويكثر الفساد،
стр. 3186
فيحصل من الفضائح، والقبائح، ما معه يكون بطن الأرض خيرًا من ظهرها.
ولا شكَّ أنَّها من حكمة الله تعالى ورحمته، والله عزيز حكيم، وهو الشارع الرحيم حين شرع الحدود سبقت رحمته فيها عقابه، فعفا عن الصغار، وذاهبي العقول، والذين فعلوها لجهل بحقيقتها.
وصعَّبَ أيضًا ثبوتها، فاشترط في الزنا أربعة رجال عدول، يشهدون بصريح وقوع الفاحشة، أو اعترافًا من الزاني بلا إكراه، وبقاء منه على اعترافه حتى يُقام عليه الحد.
وفي السرقة لا قطع إلاَّ بالثبوت التام، وانتفاء الشبهة، إلى غير ذلك، مما هو مذكور في بابه، وأمر بدرء الحدود بالشبهات، كل هذا؛ لتكون توبة العبد بينه وبين نفسه، والله غفور رحيم.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن مرض نقص المناعة المكتسب "الإيدز": قرار رقم (٨٢):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النببين وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري باجوان، بروناي دار السلام، من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ، الموافق ٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "مرض نقص المناعة المكتسب "الإيدز".
وبعد استماعه إِلى المناقشات التي دارت حوله.
قرَّر ما يلي:
١ - بما أنَّ ارتكاب فاحشتي الزنا واللواط أهم سبب للأمراض الجنسية، التي
стр. 3187
أخطرها الإيدز "متلازمة العوز المناعي المكتسب"؛ فإنَّ محاربة الرذيلة، وتوجيه الإعلام، والسياحة وجهةً صالحةً، تعتبر عوامل هامة في الوقاية منها، ولا شكَّ أنَّ الالتزام بتعاليم الإسلام الحنيف، ومحاربة الرذيلة، وإصلاح أجهزة الإعلام، ومنع الأفلام والمسلسلات الخليعة ومراقبة السياحة -تعتبر من العوامل الأساسية للوقاية من هذه الأمراض.
ويوصي مجلس المجمع الجهات المختصة في الدول الإسلامية باتخاذ كافة التدابير للوقاية من الإيدز، ومعاقبة من يقوم بنقل الإيدز إِلى غيره متعمدًا، كما يوصي حكومة المملكة العربية السعودية بمواصلة تكثيف الجهود لحماية ضيوف الرحمن، واتخاذ ما تراه من إجراءات كفيلة بوقايتهم من احتمال الإصابة بمرض الإيدز.
٢ - في حالة إصابة أحد الزوجين بهذا المرض، فإنَّ عليه أن يخبر الآخر، وأن يتعاون معه في إجراءات الوقاية كافة.
ويوصي المجمع بتوفير الرعاية للمصابين بهذا المرض، ويجب على المصاب، أو حامل الفيروس أن يتجنب كل وسيلة يعدي بها غيره، كما ينبغي توفير التعليم للأطفال، الذي يحملون فيروس الإيدز بالطرق المناسبة. والله أعلم.
***
- أفْقه منه: الفقه لغة: الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه] وكان أفقه منه: الواو للحال، ويحتمل أنه أفقه مطلقًا، أو أفقه في هذه القضية.
- عسِيفًا: بفتح العين المهملة، وكسر السين المهملة، ثم ياء، ففاء موحدة، على وزن فعيل، بمعنى مفعول، والعسيف هو: الأجير المستعان به، جمعه: عسفاء وعسفة.
- على هذا: قال علماء اللغة: إنما قال: "على هذا"؛ لما يتوجه للأجير على المستأجر من الأجرة، بخلاف ما لو قال: "عسيفًا لهذا"؛ لما يتوجه للمستأجر عليه من الخدمة والعمل، فـ"على هذا" صفة مميزة لـ"الأجير"، فأجرته عليه ثابتة.
- افْتَدَيْتُ مِنه: أي: استنقذت ابني من الرجم بمائة شاة وأمة.
- وليدة: الشابة من العبيد.
- لأقضين بينكما بكتاب الله: أي: بحكمه؛ إذ ليس في الكتاب ذكر الرجم منصوصًا عليه.
- فاقض: "الفاء" جزاء شرط محذوف، أي: إذا اتَّفقت معه بما عرض عليك فاقض، فوضع كلمة التصديق موضع الشرط.
- تغريب عام: التغريب: التسفير سفرًا بعيدًا، ومعناه الشرعي: نفي المحدود عن بلده سنةً كاملةً.
- اغْدُ يا أُنَيس: اغد من: غدا يغدو -بالغين المعجمة- من: الغدو، وهو الذهاب بالغداة، وقيل: المراد مطلق الذهاب، أي: بكِّر إليها صباحًا.
- أُنَيس: تصغير "أنس"، وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي، وقد عيَّنه ﷺ لهذه
стр. 3190
المهمة؛ لأنَّه من القبيلة التي سيقام على امرأة منهم الحد، والقبيلة تمكن من إقامة ذلك إذا كان المتولي إقامته منهم.
- ارْجُمْهَا: الرَّجْم هو: الرمي بالحجارة حتى الموت، وهو حد الزاني الثيب.
***