* ما يؤخذ من الحديث:
١ - شدة تحريم هذه الجرائم الثلاث، ووصف صاحبها بأنَّه أشد الناس تجبرًا وعتوًا، وهذه الثلاث هي:
الأولى: مَنْ قتل نفسًا محرَّمة في حرَم الله الآمن؛ لأنَّ قتل النفس التي حرَّم الله أعظم الذنوب بعد الشرك، وهي في حرم الله أشد حرمة، وأعظم إثمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج].
قال ابن مسعود: "ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، إِلَّا أن يكون رجلًا بالبيت الحرام، لأذاقه الله تعالى من عذاب أليم".
وقد صحَّ عنه ﷺ قوله: "إنَّ دماءكم، وأعراضكم، وأموالكم عليكم حرام، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا" [رواه مسلم (١٢١٨)].
الثانية: من المحرَّمات الثلاث: منْ قتل غير قاتله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
وذلك بأن يقتل غير قاتله، أو يقتل معه غيره، أو يمثِّل بقاتله.
وكان الإسراف في القتل بهذه الأمور الثلاثة عادة جاهلية نهى الله تعالى عنها.
الثالثة: القتل من أجل عداوات الجاهلية وثآراتها التي قضا عليها الإسلام وأبطلها، فقال ﷺ في حجة الوداع: "ودماء الجاهلية موضوعة، وإنَّ أوَّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة، وكان مسترضعًا في بني سعد، فقتله هذيل".
٢ - ذهب جمهور العلماء إلى تغليظ الدية في الجملة، ولكنهم اختلفوا في تفصيلها.
فذهب الإمام مالك إلى: أنَّ الدية تغلظ في قتل الخطأ والعمد، فيما إذا
стр. 3117
قتل الأب، أو الأم، وإن علوا من الأجداد والجدات، إذا قتل واحدٌ منهم ابنه، أو حفيده، أو سبطه، فتغلظ عليه الدية بالتثليث؛ لامتناع القصاص في العمد منه للأبوة.
وذهب الإمام الشافعي إِلى: تغليظ دية الخطأ فقط؛ إذا أوقع القتل في البلد الحرام، أو في الشهر الحرام، أو النسب المحرَّم.
وذهب الإمام أحمد إلى: تغليظ الدية في البلد الحرام، وفي الشهر الحرم، وفي حالة الإحرام، وهذا القول هو المشهور من المذهب عند المتأخرين، ومشى عليه في "الإقناع" و"المنتهى"، وهي بهذه الصفة من المفردات، وصفة التغليظ أن يزاد لكل حال ثلث الدية.
والرواية الأُخرى عن أحمد: أنه لا تغليظ مطلقًا، واختارها الخرقي، وابن قدامة في "المغني"، وصاحب "الشرح الكبير"؛ لظاهر الآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّساء: ٩٢].
وهذا يقتضي أن تكون الدية واحدة في كل مكان وعلى أي حال، وهو ظاهر الأخبار، وعلى هذه الرواية العمل في المحاكم الشرعية في المملكة العربية السعودية.
* تنبيه: التغليظ هو عند الجمهور بقتل الخطأ فقط، دون العمد.
***
стр. 3118
١٠٢٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَإِ شِبْهَ العَمْدِ: مَا كَانَ بالسَّوْطِ وَالَعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الإِبلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صحَّحه ابن حبان وابن القطان.
قال في "التلخيص": رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه ابن حبان، وقال ابن القطان: هو صحيح، ولا يضره الاختلاف.
وللحديث طرق متعددة، قوَّى بعضها بعضًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - "شبه العمد"، أو "خطأ العمد" عرَّفه الفقهاء: بأن يقصد الجاني جِناية لا تَقتل غالبًا، مثل: أن يضرب شخصًا بسَوط، أو عصا، أو حجر صغير في غير مَقْتل.
٢ - و"قتل شبه العمد": أخذ صورة العمد من حيث قصد الاعتداء، وأخذ صورة الخطأ من حيث عدم إرادة القتل، وعدم الآلة القاتلة.
٣ - دية شبه العمد كَدِية العمد في تغليظها، فحديث الباب: "مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها".
стр. 3119
٤ - أما تقدير تغليظها عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماعة من السلف-: فهو ما روي عن ابن مسعود من أنَّها تقسم أرباعًا: "خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حِقَّة، وخمس وعشرون جذعة".
وجاء هذا الأثر عن السائب بن يزيد، ﵄ مرفوعًا.
٥ - ودية شبه العمد كَدِية الخطأ في وجوبها على عاقلة الجاني؛ لِما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى، بحجر فقتلها، وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أنَّ دية جنينها عبدٌ أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها".
***
стр. 3120
١٠٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هذِهِ وَهَذِه سَوَاءٌ" يَعْنِي الخِنْصَرَ، وَالإِبْهَامَ. رَواهُ البُخَارِيُّ.
وَلأَبي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ: "دِيَةُ الأَصَابعِ سَوَاءٌ، وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ".
وَلابْنِ حِبَّانَ: "دِيَةُ أَصَابعِ اليَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشْرَةٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ إِصْبعٍ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
رواية أبي داود، والترمذي صححهما الترمذي، وابن حبان، وابن عبد الهادي، وقال ابن القطان: رجاله كلهم ثقات.
وأما رواية ابن حبان: فصححها ابن حبان، وقال الشوكاني: رجال إسناده رجال التصحيح.
* مفردات الحديث:
- الأصابع: جمع "أصبع"؛ وهو أحد اليد أو القدم.
- الأسنان: جمع "سِن"؛ وهو قطعة من العظم، مؤنثة، تنبت في الفك.
- الثَّنِيَّة: إحدى الأسنان الأربع، التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت.
- الضرْس: السن الطاحنة، يذكر ويؤنث، جمع: " أضراس وضروس".
стр. 3121
- سواء: -بالفتح ممدودة، وتضم سينه، ويقصر- وهو المثل والنظير، والمعنى: أنَّ دية كل واحدة، من الأصابع واحدة وكل من الأسنان واحدة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - اليدان فيهما عشرة أصابع، كل أصبع فيها عُشْر الدية من الإبل، لا فرق بينهما في ذلك، فالخنصر الصغير الذي في طرف الكف، والإبهام الكبير الذي عليه الاعتماد في القبض، والبطش وغير ذلك، كلاهما على حد سواء في قدر الدية، ومجموع الأصابع العشرة في اليدين فيها الدية كاملة.
والرِّجْلان مثل اليدين والأصابع، وإن اختلفت، فكل واحد منها يؤدي دورًا لا يقوم به الأصبع الآخر، والله حكيم خبير.
٢ - أما الأسنان فهي اثنتان وثلاثون: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وعشرون ضرسًا، في كل جانب عشرة: الأعلى خمسة، وتحتها خمسة، والجانب الآخر كذلك.
٣ - كل واحدة من هذه الاثنتين والثلاثين سواء في الدية، فكل واحد منها له وظيفته الخاصة من حيث الجمال، ومن حيث القطع، ومن حيث المضغ وغيره.
قال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة": "ثم زيَّن سبحانه الفم من الأسنان التي هي جمال له وزينه .. وبها قوام العبد وغذاؤه، وجعل بعضها أرحاء للطحن، وبعضها آلة القطع، فأحكم أصولها، وحدد رؤوسها، وبيَّض لونها، ورتَّب صفوفها، متساوية الرؤوس، متناسقة الترتيب".
٤ - كل واحد من الأسنان، أو الأضراس فيه خمسة من الإبل، مجموع ديتها: "مائة وستون" بعيرًا.
***
стр. 3122
١٠٢٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ ﵃ رَفَعَهُ قَالَ: "مَنْ تَطَبَّبَ -وَلَمْ يَكُنْ بِالطِّبِّ مَعْرُوفًا- فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، إِلاَّ أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى مِمَّنْ وَصَلَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن بطريقه الآخر.
قال المصنف: أخرجه الدارقطني، وصححه الحاكم، ورواه أبو داود والنسائي، وغيرهما، إِلاَّ أنَّ إرساله أقوى من وصله، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبى.
وله شاهد من طريق عمر بن عبد العزيز عن الوفد الذي قدموا على النَّبيِّ ﷺ : فذكره بنحوه.
* مفردات الحديث:
- تطَبَّبَ: يعني: ادَّعى علم الطب، ولم يكن طبيبًا؛ بأن لم يكن عنده علم، ولا خبرة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ من ادَّعى علم الطب، وليس بعالم فيه، ولا يحسنه،
стр. 3123
فغرَّ النَّاس، وعالجهم، فأتلف بعلاجه نفسًا، فما دونها من الأعضاء، فهو ضامن؛ لأنَّه متعدٍ، حيث غرَّ النَّاس، وأعدَّ نفسه لما لا يعرفه.
قال الطيبي في "شرح المشكاة": لا أعلم خلافًا في أنَّ المعالج إذا تعدى، فتلف المريض كان ضامنًا، وكذا المتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه، فهو متعدٍّ، فإن تولد من فعله التلف ضمن الدية، وسقط عنه القود؛ لأنَّه لم يستبد بذلك دون إذن المريض.
٢ - أما حكم عمله: فإنَّه محرَّم عليه هذه الدعوى الكاذبة، والتغرير بالناس، والعبث بأبدانهم بالجهل والكذب.
٣ - وما أخذه من أجرة: فهي محرَّمة؛ لأنَّها من أكل أموال النَّاس بالباطل، ونتيجة خداع، وثمرة تمويه.
٤ - هذه الطريقة يتعاطاها، ويفعلها كثير ممن يدعون المعرفة بالطب الشعبي، يظهرون أمام البسطاء بالمعرفة، فيكوونهم بالنار، ويصِفُون لهم الوصفات، التي إن لم تضر فإنها لا تنفع.
٥ - يقاس على ادِّعاء الطب بالجهل كل عمل يدعيه الإنسان، أو صنعة ينسب إليها، وهو لا يحسن ذلك، ثم يفسد على الناس أموالهم، فإنَّه بادعائه هذا أو إقدامه على دعوى الإصلاح ضامن لكل ما خرَّب، أو فسد من جرَّاء عمله، وما يأخذه من مال فهو حرام، وأكل لأموال النَّاس بالباطل.
٦ - وأعظم من هذا كله ادعاء العلم الشرعي، وتعاطي الفتوى مع الجهل، فإذا كانت الأبدان تضمن مع الجهل، فكيف الإضرار بالدين؟!
٧ - وهذه فتوى حول الموضوع صادرة من مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها في زمنه: سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تعالى- قال: من محمَّد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز أيَّده الله بتوفيقه.
стр. 3124
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فالإشارة إِلى خطاب جلالتكم رقم: ٥/ ١٢/ ١٠/ ١٥٣١ في ١٥/ ٨/ ١٣٨٠ هـ المتضمن السؤال عمَّا يحل من حوداث السيارات، وعما ينشأ على أيدي الأطباء عند إجراء العمليات من حوادث الوفيات ... إلخ.
المسألة الأولى: إذا انقلبت السيارة، وكان الانقلاب ناتجًا عن تفريط السائق أو تعديه، مثل السرعة الزائدة، أو عدم ضبطه آلات السيارة، أو غفلته عن تفقدها، أو لم يكن السائق يحسن القيادة، أو نحو ذلك، مما يعد تفريطًا، أو تعديًا -فإنَّه يضمن كل ما نتج، لأنَّه متسبب.
وإن لم يكن شيء من ذلك، وكان السائق حاذقًا ومتفقدًا لآلاتها، ولم يكن مسرعًا سرعة زائدة، فلا ضمان عليه؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة، وإن اختلفا، فالبينة على الركَّاب، وعليه اليمين عند عجزهم.
المسألة الثانية: إذا نام إنسان تحت سيارة، فشغل سيارته وأتلفته، فالسائق ضامن كل ما نتج عنه؛ لأنَّه هو المباشر، والمفرط بعدم تفقده ما تحت سيارته، وينطبق عليه حكم من فعل ما له فعله، فأصاب آدميًّا معصومًا.
المسألة الثالثة: إذا ألقى الراكب نفسه من السيارة، وهي تسير بدون علم السائق، فلا ضمان على أحد، ما دام الراكب بالغًا عاقلًا، بخلاف الصغير والمجنون.
المسألة الرابعة: إذا عالج الطبيب مريضًا، وحصل من علاجه تلف نفس، أو طرف -فإنَّه يضمن إذا تعدى أو فرط.
* وخطأ الطبيب:
١ - إما أن يكون بجهله بالطب، فهو ضامن كل ما تلف بسببه، من نفس، فما دونها بالدية، ويسقط عنه القصاص.
٢ - أن يكون حاذقًا في الطب، ولكنه أخطأ الدواء، أو صفة استعماله، أو
стр. 3125
جنت يده على عضو صحيح، فهذا الطبيب جنى جناية خطأ مضمونة، فإذا كانت أقل من الثُّلث، ففي مال الطبيب خاصته، وإلاَّ فعلى عاقلته.
٣ - أن يكون الطبيب حاذقًا، وأعطى الصنعة حقها، ولم تجن يده، أو يقصِّر في اختيار الدواء في الكمية والكيفية، فإذا استعمل كل ما يمكنه، ونتج عن فعله المأذون من المكلف أو غير المكلف تلف، فلا ضمان عليه؛ لأنَّها سراية مضمون فيها، كسراية الحد والقصاص، والله أعلم.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن حوادث السير: قرار رقم (٧١):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النببين، وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندرسيري باجوان بروناي دار السلام، من ١ إلى ٧ محرَّم ١٤١٤ هـ، الموافق ٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إِلى المجمع بخصوص موضوع: "حوادث السير"
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، وبالنظر إلى تفاقم حوادث السير، وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم، واقتضاء المصلحة سن الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات، بما يحقق شروط الأمن، كسلامة الأجهزة، وقواعد نقل الملكية، ورخص القيادة، والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن، والقدرة والرؤية، والدراية بقواعد المرور، والتقيد بها، وتحديد السرعة المعقولة، والحمولة.
стр. 3126
قرَّر ما يلي:
١ - أ) إنَّ الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجب شرعًا؛ لأنَّه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات؛ بناءً على دليل المصالح المرسلة، ويبنغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.
ب) مما تقتضيه المصلحة أيضًا سن الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزير المالي، لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور؛ لردع من يعرض أمن الناس للخطر في الطرقات، والأسواق من أصحاب المركبات، ووسائل النقل الأخرى؛ أخذًا بأحكام الحسبة المقررة.
٢ - الحوادث التي تنتج عن تيسير المركبات، تطبق عليها أحكام الجِنايات، المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار؛ سواء في البدن، أم المال، إذا تحققت عناصرها من خطأ، وضرر، ولا يعفى من هذه المسؤولية إِلاَّ في الحالات الآتية:
أ) إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها، وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.
ب) إذا كان بسبب فعل متضرر المؤثر تأثيرًا قويًّا في أحداث النتيجة.
ج) إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه، فيتحمل ذلك الغير المسؤلية.
٣ - ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها، إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء.
٤ - إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر، كان على كل واحد منهما
стр. 3127
تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.
٥ - أ) مراعاة ما سيأتي من تفصيل؛ فإنَّ الأصل أنَّ المباشر ضامن، ولو لم يكن متعديًا، وأما المتسبب فلا يضمن إِلاَّ إذا كان متعديًا، أو مفرطًا.
ب) إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب، إِلاَّ إذا كان المتسبب متعديًا، والمباشر غير متعدٍّ.
ج) إذا اجتمع سببان مختلفان، كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسؤلية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا، أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما، فالتبعة عليهما على السواء، والله أعلم.
***
стр. 3128
١٠٢٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "فِي المَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ.
وَزَادَ أَحْمَدُ: "وَالأَصَابعُ سَوَاءٌ، كُلُّهُنَّ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ". وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال المصنف: رواه الإمام أحمد، والأربعة، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود.
وقال الشوكاني: سكت عنه أبو داود، والمنذري، وصاحب "التلخيص"، ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات.
وقد حسَّنه الترمذي.
* مفردات الحديث:
- المواضح: جمع "مُوضِحة": والموضحة هي؛ الشجة في الرأس، أو الوجه خاصة، تشق الجلد، وتبرز العظم، وتوضحه ولا تكسره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المواضح جمع "موضحة"، وهي إحدى شجاج الرأس والوجه خاصة،
стр. 3129
سميت: "موضحة"؛ لأنَّها توضح العظم وتبرزه، وديتها نصف عُشر الدية، خمس من الإبل، فإن نزلت إِلى الوجه فموضحتان، لأنَّها أوضحته في عضوين، وإن كان بينهما حاجز فموضحتان، ولو كانتا في الرأس وحده، أو في الوجه وحده.
٢ - أما أصابع اليدين والرجلين، فتقدم أنَّ دية كل أصبع عشْر من الإبل، فأصابع اليدين فيها دية كاملة، وهي مائة من الإبل، ومثلها أصابع الرجلين.
***
стр. 3130
١٠٣٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ.
وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: "دِيةُ المُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ".
وَلِلنَّسَائِيِّ: "عَقْلُ المَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا". وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وقال الترمذي: حديث حسن، وقد صحَّحه ابن خزيمة.
وإسناده حسن، على الخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وللحديث شاهد عند الطبراني في "الأوسط".
قال الألباني: وأما رواية النسائي في عقل المرأة فإنَّها ضعيفة، ولها علَّتان:
الأولى: عنعنعة ابن جريج، فإنَّه مدلس.
والأخرى: ضعف إسماعيل بن عياش.
стр. 3131
* مفردات الحديث:
- أهل الذمة: هم بعض الكفار الذين يقرون على كفرهم، بعقد، يلتزمون فيه بذل الجزية، والتزام أحكام الملة.
- المعاهَد: هو الكافر الذي أُعطي أمانًا وعهدًا، يُحرم به قتله، ورِقه، وأسره.
- عَقْل المرأة: عقل المرأة ديتها، ودية المرأة على النّصف من دية الرجل، إِلاَّ فيما دون ثلث الدية، فتكون ديتها مثل دية الرجل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذا الحديث نوعان من الديات:
الأول: دية الكتابي نصف دية الحر المسلم؛ سواء كان ذميًّا، أو معاهَدًا، أو مستأمنًا؛ لاشتراكهم في وجوب حقن الدم.
وجراحاتهم من دياتهم، كجراحات المسلمين من دياتهم؛ لأنَّ الجرح تابع للقتل.
الثاني: دية المرأة، مسلمةً كانت أو كافرةً، فهي على النصف من دية رجل من أهل دينها، نقل ابن عبد البر، وابن المنذر إجماع العلماء عليه.
٢ - وجراحها تساوي جراح الرجل من أهل دينها، فيما دون ثلث ديته، فإذا بلغت الثلث، أو زادت عليه، صارت على النصف منه.
وذلك لما روي النسائي والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "عقل المرأة مثل عقل الرَّجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها" قال ربيعة: قلتُ لسعيد بن المسيب: لما عظمت مصيبتها، قلَّ عقلها، قال: "هكذا السنة، يا ابن أخي".
٤ - ومساواتها للرجل إِلى ثلث الدية هو مذهب الإمامين مالك وأحمد، وأما أبو حنيفة والشافعي: فيريان أنَّها على النصف من دية الرجل مطلقًا.
стр. 3132
* خلاف العلماء:
ذهب مالك وأحمد إلى: ما دلَّ عليه هذا الحديث؛ من أنَّ دية الذمي هي على النصف من دية المسلم، قال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى: أنَّ دية الذمي مثل دية المسلم، ودليلهما: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النِّساء: ٩٢].
والظاهر من الإطلاق الكمال، والجواب أنَّ الآية مجملة، ولا يخفى أنَّ دليل القول الأول أقوى وأرجح، والله أعلم.
***
стр. 3133
١٠٣١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَقْلُ شِبْهِ العَمْدِ مُغَلَّظٌ، مِثْلُ عَقْلِ العَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ، وَذلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ، فَتَكُونَ دِمَاءٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ، وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَضَعَّفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه الدارقطني وضعَّفه، وأخرجه البيهقي بإسناده، ولم يضعفه. وروي الحديث الإمام أحمد في "مسنده"، وقال في "بلوغ الأماني": في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وفيه مقال، وقد روي من طريق أخرى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، صحَّحه ابن حبان، وابن القطان، والسيوطي.
* مفردات الحديث:
- شِبهُ العمد: هو أن يقصد جنايةً بما لا يقتل غالبًا، فيموت من تلك الجِناية.
- مغلظة: الغلظة خلاف الرِّقة، والدية المغلظة: هي التي تكون في قتل العمد وشبه العمد، فتؤخذ أرباعًا من أسنان الإبل: بنات المخاض، واللبون، والحِقاق، والجذل.
- يَنْزُو الشيطان: نزا الفحل نزوًا: وثب، ونزا به الشر: تحرك، قال في "النهاية": يقال: نزوتُ على الشيء إذا وثبت عليه، وقد يكون في الأجسام
стр. 3134
والمعاني. والمراد ضغينته: هي الحقد والعداوة والبغضاء؛ جمعها: "ضغائن" من نزو الشيطان، وساوسه، وإغوائه بالإفساد بين الناس.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم تعريف قتل شبه العمد، وأنَّ فيه شائبة العمد؛ من حيث قصد الجناية، وشائبة الخطأ؛ من حيث عدم قصد القتل، وضعف الدلالة.
٢ - ولعدم ثبوت القصاص فيه، وأخذه صفة العمدية من حيث قصد الجِناية -فإنَّ الدية فيه مغلظة.
٣ - التغليظ في الدية فيه قولان للعلماء:
أحدهما: أن تكون الدية تجب أرباعًا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حِقَّة، وخمس وعشرون "جَذَعة"، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، وهو مروي عن عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه- موقوفًا، وعن غيره مرفوعًا، وتقدم.
الثاني: أنَّ تغليظ الدية هو: ثلاثون حِقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلِفَة في بطونها أولادها وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه.
٤ - قتل شبه العمد يأتي من غير عداوة ولا ضغينة، ولا حمل سلاح، وإنما ينزو الشيطان بسبب مزاح أو لعب، فيحصل القتل الذي لم يقصد، فتتكوَّن الدماء بين الناس، والله لطيف بعباده.
***
стр. 3135
١٠٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشْرَ أَلْفًا". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مرسل.
راوه الأربعة، والدارمي، والدارقطني والبيهقي من طريق عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، ورجَّح النسائي وأبو حاتم إرساله. وقد روي موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن إسحاق قال حدثني: عبد الرحمن بن أبي زيد عن نافع بن جبير عن ابن عباس، قلتُ: هذا سند ضعيف، علَّته عبد الرحمن هذا، وهو ابن البيلماني، وهو ضعيف، كما هو مبيَّن في كتب الجرح والتعديل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم الخلاف في أنواع الدية، وأنَّها خمس هي: الإبل، والبقر، والغنم، والذَّهب، والفضة.
فبعض العلماء يرى: أنَّ هذه الخمسة كلها أصول في الدية، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
٢ - وبعضهم يرى: أنَّ الأصل هو الإبل فقط، والباقيات أبدال عنها، وهو القول الراجح، وتقدم بيان أدلة هذا القول.
٣ - هذا الحديث فيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ ودى القتيل بالفضة، وهي اثنا عشر ألف
стр. 3136
درهم، فيكون من أدلة مَنْ يرى أنَّ الخمسة كلها أصول، ولكن يمكن حمله بأنَّه لم يكن عند الجاني إبل في الوقت، أو أنَّ النَّبيَّ ﷺ صالح بين أهل القتيل والجاني.
٤ - كون الدية اثني عشر ألفًا هو مذهب الأئمة الثلاثة، أما مذهب الإمام أبي حنيفة فيرى أنَّ الدية عشرة آلاف.
***
стр. 3137
١٠٣٣ - وَعَنْ أَبي رِمْثَةَ ﵁ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَمَعِي ابْنِي، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: ابْنِي، أَشْهَدُ بِهِ، فَقَال: أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في "التلخيص": رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم من رواية أبي رمثة، ورواه أحمد أيضًا، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص، ورواه أحمد وابن ماجه وابن حبَّان من رواية الخشخاش العنبري، وروط أحمد أيضًا، والنسائي معناه من رواية ثعلبة بن زهدم، وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود.
وهذه الأحاديث يشد بعضمها بعضًا، ويقوِّي بعضها بعضًا، وهي معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
* مفردات الحديث:
- لا يجني عليك، ولا تجني عليه: الجِناية: الذنب، أو ما يفعله الإنسان مما يوجب العقاب، أو القصاص، ومعناه: أنَّ الإنسان لا يطالب بجناية غيره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أنَّه لا يطالب أحد بجناية غيره، قريبًا كان أو بعيدًا، حتى الأب مع ابنه، والابن مع أبيه، فالجاني يُطلب وحده بِجِنايته، ولا يطلب
стр. 3138
بجنايته غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وكانت المطالبة بجناية القريب عادةً جاهليةً، أبطلها الإسلام، وهذا في العمد خاصة، أما في غيره فسيأتي.
٢ - الحديث يشير إلى حكم العاقلة في الشريعة الإسلامية اِلحكيمة، ونحن نورد فيها جملًا طيبة مفيدة، لتكمل أبواب كتاب الجنايات من هذا الكتاب، ويكون منها فائدة للقارىء إن شاء الله تعالى.
٣ - العاقلة: هم ذكور العصبة نسبًا، من آباء، وأبناء، واخوة لغير أم، وأعمام، وأبنائهم، ووَلاء القريب منهم والبعيد، الذي يغرمون ثلث الدية فأكثر بسبب جناية قريبهم.
٤ - قال الشيخ تقي الدين: جناية الخطأ مما يعذر فيه الإنسان، فإيجاب الدية على الجاني خطأً ضررٌ عظيم به، من غير ذنب تعمده، والشارع أوجب على مَنْ عليهم موالاة القاتل ونصْره أن يعينوه على ذلك، فكان هذا كإيجاب النفقات التي تجب للقريب، فكان تحملها على وفق القياس.
٥ - ولا يعتبر في العاقلة أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا وارثين لولا الحجب عقلوا.
٦ - ولا عقل على غير مكلف، ولا على فقير، ولا على أنثى، ولا مخالف لدين الجاني.
٧ - ولا تَحْمِل العاقلة عمدًا محضًا، بل تحمل الخطأ وشبه العمد، كما لا تحمل صلحًا عن إنكار، ولا اعترافًا لم تصدق به، ولا قيمة متلَف، ولا ما دون ثلث الدية الكاملة، بل يكون ذلك كله في مال الجاني.
٨ - يؤجل ما وجب على العاقلة على ثلاث سنين، من حين زهوق روح المجني عليه، أما الجروح فابتداء الحول من حين اندماله، يسلم عند رأس كل حول ثلثًا، فإن كانت الدية ثلثًا كدية المأمومة، حلَّت في آخر السنة الأولى، وإن
стр. 3139
كانت نصف الدية، فالثلث في آخر السنة الأولى، والسدس الباقي في آخر السنة الثانية، وإن قتل اثنين ولو بجناية واحدة، فديتهما في ثلاث سنين.
٩ - يجتهد الحاكم في تحميل العاقلة كل واحد منهم ما يسهل عليه، ويبدأ بالأقرب، فالذي يليه، فإن اتَّسعت أموال الأقربين، لم يتجاوزهم إِلى من بعدهم، وإلاَّ انتقل إِلى من يليهم، كالميراث.
١٠ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: المذهب أنَّ الجاني لا يلزمه أن يحمل مع العاقلة شيئًا من الدية.
والقول الآخر: أنَّه يحمل مع العاقلة؛ لأنَّهم حملوا بسببه، ولا ينافي هذا أن الشارع جعل الدية على العاقلة، فإنَّها من باب التحمل؛ لأنَّها في الأصل واجبة على المتلِف.
١١ - قال في "المقنع" و"حاشيته": ومن لا عاقلة له، فإن كان مسلمًا ففي بيت المال، فإن لم يكن فلا شيء على القاتل على المذهب، ويحتمل أنَّها تجب في مال القاتل، وهو أولى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
١٢ - قال الشيخ صالح الحصين: إنَّ وجوب العقل واجب على بيت المال في كل حالةٍ لا يبقى فيها سبيل للثبوت على غير بيت المال، ولا يوجد ما يُسقط العقل عنه.
١٣ - وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الذي يتحمَّله بيت المال في الديات والديون هي:
الأولى: إذا مات أحد المسلمين، وعليه دين أو دية، أو غيرها، ولم يخلف وفاء، فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال، كما ثبت بالأحاديث الصحيحة.
الثانية: إذا جنى إنسان على آخر، وكانت الجِناية خطأ أو شبه عمد، ولم
стр. 3140
تكن له عاقلة موسرة -فالمشهور من المذهب أنَّ الدية في بيت المال.
الثالثة: إذا حكم القاضي بالقسامة، فنكل الورثة عن حلف الأيمان، ولم يرضوا بيمين المدَّعي عليه، فإنَّ الإمام يفديه من بيت المال.
الرابعة؛ كل مقتول جُهل قاتله، كمن مات في زحمة طواف، أو عند الجمرة، ونحو ذلك، فديته في بيت المال.
أما الدية في قتل العمد: فتجب في مال الجاني، وتكون من ضمن الديون التي في ذمته، فإن كان موسرًا لزمه الوفاء، وإن كان معسرًا فَنَظِرة إلى ميسرة، ويسوغ أن يُدفع له من الزكاة؛ ليوفي به هذه الدين؛ لأنَّه من الغارمين. وإن مات مدينًا فعلى ولي الأمر قضاء دينه من بيت مال المسلمين.
***
стр. 3141
باب القسامة
مقدِّمة
القسامة: بفتح القاف، وتخفيف السين المهملة، مصدر: أقسم إقسامًا وقسامةً، والقسامة اسم للقسم، وهو اليمين، أقيم مقام المصدر، فالقسامة هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة.
والقسامة شرعًا: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
وصورة القسامة: أن يوجد قتيل بجراح أو غيره، ولا يعرف قاتله، ولا تقوم البينة على مَنْ قتله، ويدَّعي أولياء المقتول على واحد معيِّن أنَّه قاتله، وتقوم القرينة، أو القرائن على صدق المدَّعي.
والقرائن كثيرة: منها العداوة بين القتيل والمدَّعى عليه، أو أن يوجد في دار المدَّعي عليه قتيلًا، أو يوجد أثاثه مع إنسان، أو نحو ذلك، حينئذٍ يحلف المدَّعي خمسين يمينًا أنَّ المدَّعى عليه هو القاتل، ويستحق دم المدعى عليه، فإن نكل عن الأيمان، حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرىء، وإن نكل قضي عليه بالنكول.
والقسامة ثبتت مشروعيتها في السنة.
قال القاضي عياض: هي أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد.
وهذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وبها أخذ الأئمة.
قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ القسامة مشروعة في القتيل إذا وُجد، ولم يُعلم قاتله، فتخصص بها الأدلة العامة.
стр. 3142
وقد روي ابن عبد البر من حديث عمرو بن شعيب مرفوعًا: "البيِّنة على المدَّعي، واليمن على من أنكر، إِلاَّ في القسامة". قال الموفق: وهذه الزيادة يتعيَّن العمل بها؛ لأنَّ الزيادة من الثقة مقبولة.
ونكتة مسألة القسامة: أنَّ اليمين تكون في جانب من قوي جانبه من المترافعين، والأصل في الدعاوى أنَّ جانب المدعى عليه المنكِر أقوى؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة، لكن في القسامة لما كان مع المدَّعي اللوث، قال شيخ الإسلام: كل قرينة أيَّدت الدعوى على المدعى عليه، رُجِّحَت حينئذٍ دعوى المدَّعي، فصارت اليمين في جانبه، ولِعِظَمِ القَسامة، وخطر الدماء، لم يُكْتفَ بيمين واحدة، بل لابد من تكريرها خمسين مرَّة.
قال الإمام أحمد: أذهب إلى القسامة، إذا كان ثَمَّ سبب بيَّن.
وقال شيخ الإسلام: اللوث ما يغلب على الظن صحة الدعوى.
وقال العلامة ابن القيم: وهذا من أحسن الاستشهاد على ظاهر الأمارات المغلبة على الظن لصدق المدعي، فيجوز له أن يحلف بناء على ذلك، ويجب على الحاكم أن يحكم، فيثبت حق القصاص، أو الدية، مع علمه أنه لم يرد، ولم يشهد.
***
стр. 3143
١٠٣٤ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقَرَّ القَسَامَةَ علَى مَا كانَتْ عَلَيْهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى اليَهُود". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - القسامة شرعًا: هي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
٢ - قال ابن قتيبة: أوَّل من قضى بالقسامة في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فأقرَّها النبي ﷺ في الإسلام.
فالإسلام يقر من الأقوال والأفعال ما حقق مصلحة، أو كانت راجحة على المفسدة.
٣ - الحديث يدل على إقرار القسامة على ما كانت عليه، وقد قضى بها النبي ﷺ بين ناس من الأنصار، على ما سيأتي في حديث سهل بن أبي حثمة بعد هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
٤ - بعضهم يرى: أنَّ القسامة جاءت على خلاف القياس؛ ذلك أنَّ البيِّنة تكون على المدَّعي، واليمين على من أنكر، والقسامة عكست الوضع، فصارت الأيمان مطلوبة من المدَّعي، أو المدعين.
٥ - وعند التأمل يظهر أنَّها على وفق القياس، وليست على خلافه، ذلك أنَّ الضابط أنَّ اليمين تكون في الجانب الأقوى من المتداعين، والقسامة لا تكون دعواها إلاَّ مع قرينة قوية، تدل على صحة الدعوى، وقوَّة اتِّهام المدعى عليه، وحينئذٍ صارت اليمين في حق المدعي؛ لأنَّ جانبهم قوي بالقرينة.
- كَبِّر كَبِّر: بلفظ الأمر فيهما، والثاني تأكيد للأول، وللمبالغة، ومعناه: قدِّم الأسن في الكلام.
- يَدُوا: أي: تُؤدي لكم يهود الدية.
- يأذنوا بحرب: يقال: آذنه -بالمد- بالحرب يؤذنه: أعلمه بها، والمراد: ينذروا بالحرب والشر، ويراد بذلك: تهديدهم.
- أتحلِفُون: الهمزة فيه للاستفهام، على سبيل الاستخبار.
- رَكَضَتْنِي: ضربتني برجلها، فالركض الأصل هو: الضرب بالرِّجْل، ومنه قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢].
- ناقة: الأنثى من الإبل، جمعها: ناق ونوق وأنوق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث أصل في "مسألة القسامة"، وصفتها: أن يوجد قتيل بجراح، اْو غيره، ولا يعرف قاتله، ولا تقوم البينة على مَنْ قتله، ويدَّعي أولياء المقتول على واحد بقتله، وتقوم القرائن على صدق المدَّعي: إما بعداوة بين القتيل والمدَّعى عليه، أو أن يوجد في داره قتيلًا، أو يوجد أثاثه مع إنسان، ونحو ذلك من القرائن، فيحلف المدَّعي خمسين يمينًا، ويستحق دم الذي يزعم أنَّه القاتل.
قال في "فتح الباري": اتَّفقوا على أنَّها لا تجب لمجرد دعوى الأولياء، حتى تقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها.
فإن نكل، حلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا، وبرىء، وإن نكل قضي عليه بالنكول.
٢ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لابد في صحة دعوى المدَّعي من قرينة العداوة بين المقتول والمدعى عليه؛ وهو ما يسمى بـ"اللوث"، فإن لم يكن ثَمَّ عداوة، فلا قسامة.
стр. 3146
والرواية الثانية عنه: صحة الدعوى، وتوجه التهمة بما يغلب على الظن من القرائن، كأن يوجد القتيل في دار إنسان، أو يرى أثاثه عنده، أو توجد شهادة لا تثبت القتل، كشهادة الصبيان، ونحو ذلك من القرائن.
واختار هذه الرواية: ابن الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، قال في "الإنصاف": وهو الصواب، وهو مذهب الإمام الشافعي.
٣ - دعوى القسامة خالفت سائر الدعاوى بأمور:
الأول: أنَّ اليمين توجهت على المدَّعي، وبقية الدعاوى البينة على المدَّعي، واليمين على المدعى عليه "المُنكر".
الثاني: أنَّه يبدأ بأيمان المدعي، أو المدعِين، إن كانوا أكثر من واحد.
الثالث: تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة، وتشابه القسامة: "مسألة اللعان"، وتقدمت في بابها.
٤ - إذا وجد قتيل، لا يعلم قاتله، ووجدت القرائن على قاتله -حَلَف أولياء المقتول خمسين يمينًا على صحة دعواهم، فيستحقون دم المدَّعى عليه، إذا كان القتل عمدًا محضًا؛ روي عن جماعة من الصحابة، وهو مذهب مالك وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وهو المذهب القديم للشافعي؛ لقوله ﷺ : "يُقْسِم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته".
ولمسلم في صحيحه: "ويُسلم إليكم"، وفي لفظ: "تستحقون دم صاحبكم"؛ ولأنه حجة قوية، يثبت بها العمد، فيجب بها القتل، كالبينة.
أما المشهور من مذهب الشافعي: فلا يستحقون إلاَّ الدية؛ لقوله ﷺ : "إمَّا أنْ يدُوا صاحبكم، وإما أن يُؤْذنوا بحرب".
وإن كان القتل غير عمد، وثبت القتل على المتَّهم، فعليه الدية.
٥ - إذا نكل المدعون عن اليمين، أو كانوا من غير أهل الأيمان (النساء والصبيان) -توجهت الأيمان على المتَّهمين في القتل، فيحلفون خمسين
стр. 3147
يمينًا؛ أنَّهم لم يقتلوه، وأنَّهم لا يعلمون قاتله، فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا، أدينوا بثبوت الدعوى عليهم، فتجب الدية.
٦ - إذا نكل أولياء المقتول عن الأيمان، وحلف المدَّعى عليهم، فحينئذٍ تكون دية القتيل من بيت المال، حتى لا يضيع دمه، ومثله المقتول في زحام حج، أو مسجد، أو حفل، أو وجد مقتولًا، ولا يعلم قاتله، ولا تدل القرائن على قاتل؛ كل هؤلاء ونحوهم تكون دياتهم من خزينة الدولة.
٧ - أنَّ اليمين تكون في جانب الأقوى من المتخاصِمَيْن.
ففي دعوى القسامة توجهت الأيمان على أولياء المقتول أولًا؛ لأنَّ جانبهم تقوَّى بالقرائن الدالة على صحة دعواهم في قتل صاحبهم، والقرائن إذا قويت، فإنَّها من البينات الواضحة، فإن نكلوا عن الأيمان، دلَّ نكولهم على قوة جانب المدعى عليهم، فيحلفون، ويبرؤون من التُّهمة.
٨ - استحباب تقديم الأكبر سنًّا في الأمور؛ لما له من شرف السن، وكثرة العبادة، وممارسة الأمور، وكترة الخبرة.
٩ - جواز الوكالة في المطالبة بالحدود.
١٠ - فإن قيل: كيف عرض النبي ﷺ اليمين على الرجال الثلاثة، والوارث منهم هو عبد الرحمن خاصة، واليمين لا توجه إلاَّ عليه، ولا تؤخذ إلاَّ منه؟
فالجواب: أنَّه ﷺ لما سمع كلام الجميع في صورة القتل، وكيفية ما جرى فيه، صار لا لبْس أنَّ حقيقة الدعوى مختصة بالوارث، وأنَّ اليمين متوجهة إليه خاصة، دون صاحبيه، وإنما وجه صورة الكلام إليهم لاهتمامهم جميعًا بالقضية.
١١ - وفي الحديث: فضيلة السن عند التساوي في الفضائل، والمواهب في الأمور، مثل: الإمامة، وولاية النكاح، وغير ذلك؛ لمزيد خبرته، وفضل سابقته.
стр. 3148
١٢ - واشترط الفقهاء لصحة القسامة عشرة شروط:
أحدها: اللوث -وهو على المذهب-: العداوة الظاهرة، نحو ما بين الأنصار وأهل خيبر، والرواية الأخرى: صحة دعوى القسامة، وتوجه التهمة بكل ما يغلب على الظن من القرائن، واختار هذه الرواية ابن الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، قال في "الإنصاف": وهو الصواب، وهو مذهب الشافعي.
الثاني: أن يكون المدعى عليه القتل مكلفًا؛ لتصح الدعوى عليه، فإنَّها لا تصح على غير المكلف.
الثالث: إمكان القتل من المدعى عليه، فإذا لم يمكن لنحو زمانة، لم تصح؛ كبقية الدعاوى التي يكذبها الحس.
الرابع: وصف القتل في الدعوى؛ كأن يقول: جرحه بسيفه في محل كذا من بدنه.
الخامس: اتفاق جميع الورثة على الدعوى للقتل، فلا يكفي عدم تكذيب بعضهم بعضًا، إذ الساكت لا ينسب إليه حكم.
السادس: طلب جميع الورثة، فلا يكفي طلب بعضهم؛ لعدم انفرداه بالحق.
السابع: اتفاق جميع الورثة على القتل، فإن أنكر بعض الورثة القتل، فلا قسامة.
الثامن: اتفاق جميع الورثة على عين القاتل، فلو قال بعضهم: قتله زيد، وقال بعضهم: قتله بكر، فلا قسامة.
التاسع: أن يكون في الورثة ذكور مكلفون؛ لأنَّ القسامة يثبت بها قتل العمد، فلم تسمع من النساء، ولا يقدم بيمينه بعضهم، ولا عدم تكليفه، أو نكوله عن اليمين.
стр. 3149
العاشر: أن تكون الدعوى على واحد، لا اثنين فأكثر، فلو قال ورثة القتيل: قتله هذا مع آخر، فلا قسامة.
ولا يشترط أن تكون القسامة بقتل عمد؛ لأنَّها حجة شرعية، فوجب أن يكتب بها الخطأ، كالعمد.
وإذا تمت بشروطها العشرة، أُقيد بها.
ويبدأ فيها بأيمان ذكور عصبة القتيل الوارثين، ومتى حلفوا، فالحق الواجب بالقتل لجميع الورثة، وإن نكلوا، حلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا، وبرىء إن رضوا أيمانه، وإن نكل المدعى عليه، لزمته الدية، وإن نكل الورثة عن الأيمان، ولم يقبلوا يمين المدعى عليه، فدى الإمام القتيل.
* قرار مجلس هيئة كبار العلماء بشأن القسامة:
قرار رقم (٤١) وتاريخ ١٣/ ٤/ ١٣٩٦ هـ جاء فيه:
بعد استماع المجلس ما أعدَّ من أقوال أهل العلم، وتداول الرأي -قرَّر المجلس بالأكثرية أنَّ الذي يحلف من الورثة هم الذكور العقلاء، ولو واحدًا؛ سواء كانوا عصبة، أو لا؛ لِما في الصحيحين من حديث سهل بن أبي حثمة، ولأنَّها يمين في دعوى حق، فلا تشرع في حق غير المتداعين؛ كسائر الأيمان، وبالله التوفيق.
هيئة كبار العلماء
***
стр. 3150
باب قتال أهل البغي
مقدمة
القتال: مصدر "قاتله"، أي: حاربه وواقعه.
البغي: بغي عليه -بالغين المعجمة- بغْيًا، بفتح الموحدة، وسكون المعجمة-: عدا، وظلم، وعدل عن الحق.
والمراد هنا: البغاة الظلمة الخارجون عن طاعة الإمام، المعتدون عليه، فإذا خرجوا عن طاعة الإمام، الواجبة عليهم، دعاهم الإمام وكشف شبهتهم، فإن أقروا -بأن رجعوا عن بغيهم- تركهم، فإن أبوا الرجوع وعَظَهم، وخوَّفهم القتال، وإن أصروا قاتلهم، لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه إذا خرج على إمام المسلمين طائفةٌ ذات شوكة بتأويل سائغ، فإنه يباح قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله.
ويجب نصب الإمام للمسلمين؛ لحماية بيضة الإسلام، والذود عن حوزته، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وتدبير أحوال المسلمين.
وتثبت ولايته بواحد من الأمور الآتية:
١ - أن تكون باختيار وإجماع المسلمين، كإمامة أبي بكر الصديق.
٢ - أن تكون إمامته بنص الإمام الذي قبله؛ كولاية عمر بن الخطاب حينما استخلفه أبو بكر الصديق ﵄.
стр. 3151
٣ - أو يجعل الأمر شورى في عدد معيَّن محصور؛ ليتَّفق أهل البيعة على أحدهم، ثم يتَّفقون عليه؛ كبيعة وإمامة عثمان بن عفان ﵁.
٤ - أو يتولى على النَّاس بقهره وقوته حتى يدعنوا له، ويَدْعوه إمامًا، فتثبت له الإمامة، ويلزم الرعية طاعته، كولاية عبد الملك بن مروان.
***
стр. 3152
١٠٣٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - البغي له معانٍ كثيرةٌ: منها الظلم والسَّعي بالفساد، والعدول عن الحق، وغير ذلك من الأمور التي تعود إِلى الإفساد في الأرض.
٢ - المراد بالبغي هنا: الخروج عن طاعة ولي أمر المسلمين بغير حق، فالباغي هو الخارج عن الطاعة الواجبة عليه للإمام بغير حق.
٣ - إذا فعل قوم ذلك، وخرجوا عن الطاعة، فعلى الإمام أن يدعوهم، ويكشف شبهتهم، فإن تمردوا، بدأ بقتالهم حتى يفيئوا إِلى أمر الله.
٤ - على الرعية القيام مع الإمام، ومساندته، ونصرته إذا خرج عليه قوم لهم شوكة ومنعة، وشقوا عصا الطاعة.
٥ - الحديث يدل على تحريم حمل السلاح على المسلمين، وأنَّ من حمله عليهم وأخافهم، فقد شذَّ وخرج عن جماعة المسلمين، وعِداد صفوفهم.
٦ - أنَّ الإسلام دين الألفة والجماعة؛ قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢].
أما التفرق والشقاق والتعادي، فهذا عمل مناف للإسلام، وتعاليمه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران].
٧ - وحامل السلاح على المسلمين إن كان مستحلًّا لقتالهم فهو كافر، وإن كان
стр. 3153
لم يستحله، وإنما حمله، وخرج عليهم؛ لاعتقاده تعديل وضع الحكم، أو الطمع في السلطة ونحو ذلك -فهو باغٍ يحل قتاله حتى يعود إِلى جماعة المسلمين، فإذا عاد كُفَّ عنه.
٨ - قال الشيخ: اتَّفقوا على أنَّ قطاع الطريق؛ إذا انشقوا على ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك -لم يسقط عنهم الحدّ، بل تجب إقامته عليهم، وإن تابوا؛ لئلا يُتَّخذ ذلك ذريعة إلى تعطيل حدود الله.
***
стр. 3154
١٠٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، وَمَاتَ -فَمِيْتَتُهُ مِيْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- من خرج عن الطاعة: أي: طاعة ولي أمر المسلمين.
- مِيتة: هذا هو مصدر الهيئة من الثلاثي المجرد على وزن "فِعْلة"، بكسر الفاء، تقول: عاش عِيشةً حسنةً، ومات مِيتَةً سيئةً، وما فوق الثلاثي يكون مصدره مصدر نوع.
- جَاهلية: منسوبة إِلى: الجهل، والمراد به: من مات على الكفر قبل الإسلام.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - نصب إمام المسلمين فرض كفاية، ويتم نصبه بمبايعته من أهل العقد من العلماء، ووجوه الناس، وأعيانهم.
٢ - مهمة الإمام: حفظ الدين، وحماية بيضة الإسلام، وإقامة الحدود، وتحصين الثغور، وجهاد المعاند، وجباية الصدقات، وتقدير العطاء، واستكفاء الأمناء.
٣ - من خرج عن طاعة الإمام، وفارق الجماعة، فشذَّ عن جماعتهم -فقد ذكر العلماء أنَّهم أحد أصناف أربعة:
أحدها: قوم خرجوا على الإمام وطاعته بلا تأويل، فهؤلاء قُطَّاع طريق.
الثاني: خرجوا بتأويل، إلاَّ أنَّهم نفر يسير لا منعة لهم؛ كالعشرة ونحوهم،
стр. 3155
فهؤلاء حكمهم حكم قطاع الطويق.
الثالث: قومٍ خرجوا على الإمام، وراموا خَلعه بتأويل سائغ؛ سواء كان تأويلهم خطأً وصوابًا، ولهم شوكة ومنعة -فهؤلاء هم البغاة، فعلى الإمام أن يراسلهم، وينظر ما يدَّعون، وما ينقمون، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها، فإن فاؤوا، وإلاَّ قاتلهم وجوبًا، وعلى رعيته إعانته.
الرابع: الخوارج الذين يكفِّرون بالذنب، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم -فهؤلاء فسقة، يجوز قتالهم ابتداء.
٤ - فأي إنسان خرج من المسلمين بداعٍ من هذه الدواعي الأربعة، فهو خارج عن طاعة الإمام، ومفارق جماعة المسلمين، فإذا مات على هذه الحال، فقد مات على طريق أهل الجاهلية، الذين لا ينظمهم إمام، ولا تجمعهم كلمة.
٥ - قال شيخ الإسلام: جمهور المسلمين يفرقون بين الخوارج، والبغاة، والمتأولين، وهو المعروف عن الصحابة.
٦ - قال شيخ الإسلام: طاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بها، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمور، فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم، إلاَّ لما يأخذه من المال، فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم -فما له في الآخرة من خلاق، والقصد أنَّ طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله واجبة، ومناصحتهم من باب التعاون على البر والتقوى.
٧ - قال شيخ الإسلام: لا يخفى أنَّ الله قد فضَّل الرجال على النِّساء، فلا يحل أن تُسَاوى المرأة بالرجل فيما من شأنه الاختصاص بالرجال، كالولايات، فقد قال ﷺ : "لا يفلح قوم، ولَّوا أمرهم امرأة".
وأما حضور المرأة مجالس الرجال: فإن كان في حضورها مصلحة، وكانت متحجبة متسترة، فلا بأس في ذلك.