← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

١٠٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادْفَعُوا الحُدُودَ، مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعيفٍ (١). وأَخرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: "ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ، مَا اسْتَطَعْتُمْ"، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا (٢). وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عِليٍّ ﵁ مِن قَوْلهِ بلَفْظِ: "ادْرَءُو الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" (٣). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. أما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن ماجه من طريق إبراهيم بن الفضل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة به، ومن هذا الوجه رواه أبو يعلى في "مسنده"، قال في "الزوائد": هذا إسناد ضعيف، فإبراهيم بن الفضل المخزومي ضعَّفه أحمد، وابن معين، والبخاري، والنسائي. أما حديث عائشة: فأخرجه الترمذي، وفيه يزيد بن زياد متروك. وأما حديث علي: قال البيهقي: في إسناده ضعف، وعلَّته مختار التمار.

стр. 3222

قال البخاري: منكر الحديث. قال ابن حجر في "التلخيص": قد روي عن غير واحد من الصحابة أنَّهم قالوا ذلك، ورواه ابن حزم في الإيصال عن عمر بإسناد صحيح، وفي مسند أبي حنيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس مرفوعًا. * مفردات الحديث: - ادرءوا: من: درأ يدرء درءًا أي: دفعه، فالدرء: الدفع. والمعنى: التمسوا الأعذار مما يسقط الحد. - الشبهات: يقال: اشتبه الأمر: خفي والتبس، فالشبهة: التباس للأمر بالثبوت وعدمه، جمعه: "شُبَه وشُبُهَات". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة؛ لِما اتَّصف به جلَّ وعلا من الستر على عباده، والعفو، والمغفرة عن ذنوبهم، وخطاياهم. ٢ - ومن هذا ما جاء في هذا الحديث الذي جاء من طرق مرفوعة وموقوفة، يعضد بعضها بعضًا، لتدل على أصل هذا المعنى، وهو معنى دلَّ عليه كرم الله تعالى، وصفحه عن عباده. ٣ - فحدود الله تعالى، وحقوقه تدرأ وتدفع بالشبهات، ما وجد إلى درئها ودفعها سبيل، من الأمور التي يجوز دفعها، ويمكن درؤها؛ كأن تدعي المرأة الإكراه، أو أنَّها وطئت وهي نائمة، ونحو ذلك، فحينئذٍ يقبل قولها، ويدفع عنها الحد، ولا تكلف البينة فيما دفعت به، وزعمته. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ الحدود تدرأ بالشبهات. وقال الموفق: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّه لا حد مع الشبهة؛ لأنَّ الحدود تدرأ بالشُّبهات.

стр. 3223

قال الشوكاني عن حديث الباب: الحديث يصلح للاحتجاج على مشروعية درء الحدود بالشُّبهات المحتملة، لا مطلق الشبهة. ٤ - أما حقوق الخلق: فهي مبنية على الشح والتقصي، فالمقر بحق آدمي لا يقبل رجوعه عن إقراره، والقرينة على صحة الدعوى يعمل بها، ويحاول إظهار الحق ممن أنكره قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند هذا الحديث: يدل الحديث على أنَّ الحدود تدرأ بالشُّبهات، فإذا اشتبه أمر الإنسان: هل فعل ما يوجب الحد، أم لا؟ وهل هو عالم، أو جاهل؟ وهل هو متأول، أو معتقد حِلَّه، أم لا؟ دُرئت عنه العقوبة؛ لأنَّنا لم نتحقق موجبًا، فالخطأ في درء العقوبة، أهون من الخطأ في إيقاع العقوبة على من لم يفعل سببها؛ فإنَّ رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وشريعته مبنية على اليسر والسهولة، وهذا في الاحتمالات المعتبرة، أما الاحتمالات التي تشبه الوهم والخيال، فلا عبرة بها. وقال: وفي الحديث دليل على أصل هو: أنَّه إذا تعارضت مفسدتان، تحقيقًا أو احتمالاً، راعينا المفسدة الكبرى، فدفعناها؛ تخفيفًا للشر، والله أعلم. ***

стр. 3224

١٠٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْتَنِبُوا هَذِهِ القَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا، فَلْيَسْتَتِرْ بسِتْرِ اللهِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنا صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كتَابَ اللهَ تَعَالَى". رَوَاهُ الحَاكِمُ. وَهُوَ فِي "المُوطَّإِ" مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (١). ــ * درجة الحديث. الحديث صحيح. قال المصنف: رواه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين. وهو في "الموطأ" من مراسيل زيد بن أسلم، قال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث أُسْنِدَ بِوجه من الوجوه. ومراد ابن عبد البر بذلك: حديث مالك، وأما الحاكم: فرواه مسندًا عن أنس بن عياض عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذَّهبي، وصحَّحه ابن السكن. * مفردات الحديث: - القاذورات: مفرده: "قاذورة"، يقال: قذر الشيء -وهو مثلث العين- ومصدره: قذرًا وقذارة، وهو ضد النظيف، يقال: شيء قذْر بسكون العين وتثليث حركتها، والقاذورة لها عدة معانٍ؛ منها: الفاحشة، وهو المراد هنا. - ألَمَّ: يقال: لمّ الشيء يلمّه لمًّا؛ أي: جمعه وضمه، وألم الرجل بالذنب فعله.

стр. 3225

- يُبْدِ: من: بدا الأمر يبدو بَدْوًا وبُدُوًّا بمعنى: ظهر وبان. - صفحته: حقيقة الصفحة: جانب الوجه، فلكل وجه صفحتان هما الخدان، بمعنى: أظهر ذنبه وأبانه. - كتاب الله: جمعه: "كتب" -بضم العين وسكونها- وهو مصدر سمي به المكتوب؛ لجمعه أحكام الله، والمراد هنا: حكم الله الذي لا يخالف التنزيل. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - دلَّ الحديث على رغبة الشارع الحكيم من المذنب أن يستر نفسه، ويتوب عن الذنب فيما بينه وبين ربه، والله سبحانه غفور رحيم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]. ٢ - وكان ﷺ يُعرِض عن المقرين، والمعترفين عنده بذنوبهم؛ كقصة ماعز بن مالك، يريد بَذلك ﷺ أن تكون توبتهم فيما بينهم وبين ربهم، فيقول: لعلَّك قبَّلْت، لعلَّك غمزت، لعلَّك نظرت. ٣ - أما إذا رُفِع أمر من أتى بفاحشة، وأبان عن حقيقة حالة إلى ولي أمره، فإنَّه حينئذٍ يجب على ولي الأمر إقامة ذلك الحد؛ كما قال ﷺ : "من يُبْدِ لنا صفحته، نقم عليه كتاب الله ". وكما قال ﷺ لصفوان بن أمية حنيما شفع للسارق الذي سرق رداءه: "هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟! " وقال ﷺ منكرًا على أسامة بن زيد: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! ". ٤ - أما حديث: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم": فقد قال الإمام الشافعي: سمعت من يفسِّر هذا الحديث، فيقول: يتجاوز للرجل من ذوي الهيئات عثرته ما لم تكن حدًّا. قال الماوردي في تفسير العثرات: فيها وجهان: أحدهما: الصغائر.

стр. 3226

الثاني: أول معصية زلَّ فيها مطيع. والمتعارف عند الناس أنَّ ذوي الهيئات هم أصحاب الخصال الحميدة، وذوي المروءات، وكرائم الأخلاق. والمراد بقوله: "إلاَّ الحدود"؛ أي: فإنَّها لا تُقَالُ، بل تقام على ذي الهيئة، وغيره بعد الرفع إلى الإمام. ***

стр. 3227

باب حد القذف مقدمة القذف لغة: الرمي بالشيء، فيقال: قذف قذفًا، واسم الفاعل: قاذف، وجمعه: قذاف وقذفة. وشرعًا: الرمي بزنا أو لواط. القذف نوعان: ١ - قذف يُحَد عليه القاذف. ٢ - قذف يعاقب عليه بالتعزير. فأما الذي يحد فيه القاذف: فهو رمي المحصَن بالزنا، أو نفي نسبه، أو رميه باللواط. وأما ما فيه التعزير: فهو الرمي بما ليس صريحًا فيما تقدم، أو الرمي بغير ذلك. والقذف محرَّم بالكتاب، والسنة، والإجماع: فمن الكتاب: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ﴾ [النور: ٤]. ومن السنة: ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "اجتنبوا

стр. 3228

السبع الموبقات ... " وعدَّ منها القذف. وأجمع المسلمون على أنَّه من كبائر الذنوب. قال ابن رشد: اتَّفق العلماء على أنَّه يجب مع الحد سقوط شهادته، ما لم يتب، واتَّفقوا على أنَّ التوبة لا ترفع الحد. ***

стр. 3229

١٠٦٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذلِكَ، وَتَلاَ القُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ، أمَرَ بِرَجُلَيْنِ، وَامْرَأةٍ، فَضُرِبُوا الحَدَّ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلاَّ من حديث ابن إسحاق. قال المنذري: قد أسنده ابن إسحاق مرَّة، وأرسله أخرى. * مفردات الحديث: - عُذْرِي: يعني: لما نزلت براءة الصدِّيقة مما رميت به، وحُكِم ببراءتها في سورة النور من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ...﴾ الآيات الكريمة [النور]. - رَجُلَيْنِ: هما: حسَّان بن ثابت الأنصاري، ومِسْطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي، فهما اللَّذان خاضا بالإفك في عائشة، ﵂. - امرأة: هي: حمنة بنت جحش بن رئاب، من بني أسد بن خزيمة، هي أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين، وكانت تحت مصعب بن عمير، فاستشهد عنها في أحد، فتزوَّجها طلحة بن عبيد الله. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - القذف: هو الرمي بالزنا، أو اللواط، وهو من الكبائر.

стр. 3230

٢ - عائشة الصديقة وبنت الصديق ابتليت ﵂ بمن رماها بالفاحشة، مع صحابي تقي هو "صفوان بن المعطّل"، فبرَّأها الله تعالى من هذه الفرية التي زادتها نزاهة ورفعة، حينما نزل ببراءتها قرآن يُتلى إلى يوم القيامة من سورة النور. ٣ - لما نزلت براءتها، أخبر النبي ﷺ المسلمين؛ بذلك، وتلا القرآن النازل بالبراءة على المنبر، ثم نزل ﵊، فأُتي بالرجلين القاذفين: وهما حسَّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وبالمرأة وهي: حمنة بنت جحش، فأقام عليهم حد القذف؛ لثبوت كذبهم به. ٤ - ففي الحديث ثبوت القذف، وثبوت حده، ووجوب إقامته على القاذف الكاذب، وحد القذف ثمانون جلدة إن كان حرًّا، وإن كان القاذف عبدًا فأربعون جلدة. ٥ - يسقط حد القذف بواحدة من أربع: (أ) عفو المقذوف، قال الشيخ: لا يحد القاذف، إلاَّ بطلب إجماعًا. (ب) تصديق المقذوف للقاذف فيما رماه به. (ج) إقامة البينة على صحة القذف. (د) إذا قذف الرجل زوجته ولاعنها. ٦ - القذف له عدة أحكام: (أ) حرام: إذا كان كاذبًا في إخباره. (ب) واجب: على من رأى زوجته تزني، ثم تلد ولدًا يقوى ظنه أنَّه من الزاني. (ج) مباح: إذا رأى زوجته تزني، ولم تلد ما يلزمه نفيه، فهو مخيَّر بين فراقها وقذفها وفراقها، أولى من قذفها؛ لأنَّه أستر، ولأنَّ قذفها يلزم منه أن يحلف أحدهما كاذبًا، أو تقرَّ فتفتضح. ***

стр. 3231

١٠٦٤ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "أَوَّلُ لِعَانٍ كانَ فِي الإِسْلاَمِ، أَنَّ شَرِيْكَ بْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : البَيِّنَةَ، وَإِلاَّ فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ... " الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). وَفِي البُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عبَّاسٍ، ﵄ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فقد قال أبو يعلى: رجاله ثقات. وله شاهد من حديث ابن عبَّاس عند البخاري، وهو عند مسلم من حديث أنس بنحوه. * مفردات الحديث: - شَريك بن سَحْمَاء: بفتح الشين، فراء مكسورة، ثم ياء، فكاف، وأما سحماء: فسينه مفتوحة، وحاؤه ساكنة، وهو ممدود. - قَذفَه: من قذف قذفًا فهو قاذف، والقاذف في اللغة: الرمي بقوة. وشرعًا: الرمي بالزنا أو لواط، والمراد هنا: الرمي بالزنا. - البيِّنة: منصوب بفعل تقديره: أحضر البينة، ويجوز الرفع على تقدير: عليك البينة.

стр. 3232

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - الأصل أنَّ من قذف محصنًا بالزنا، فعليه إقامة البيِّنة، وبينة الزنا شهادة أربعة رجال، فإن لم يأت بهذه البينة، فعليه حد القذف: ثمانون جلدة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. ٢ - استثني من هذا العموم، إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، فعليه إقامة البينة أربعة شهود، فإن لم يكن لديه أربعة شهود، دُرِىء عنه حد القذف على أن يحلف أربع مرات أنَّه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا، وفي الخامسة يلعن نفسه، فيقول: وإنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتكون الشهادات قائمة مقام الأربعة الشهود. ٣ - ذلك أنَّ الرجل إذا رأى الفاحشة في زوجته، فلا يتمكن من السكوت، كما لو رآه من الأجنبية؛ لأنَّ هذا عار عليه، وفضيحة له، وانتهاك لحرمته، وإفساد لفراشه، فلا يقدم على قذف زوجته إلاَّ من تحقَّق؛ لأنَّه لن يقدم عليه إلاَّ بدافع من الغيرة الشديدة؛ إذ إنَّ العار واقع عليهما، فيكون هذا مقويًّا لصحة دعواه. ٤ - يدل الحديث على أنَّ هلال بن أمية قذف شريكًا بالزنا بزوجة القاذف، وليس القذف للزوجة إلاَّ ضمنًا. * خلاف العلماء: اختلف العلماء فيمن قذف رجلاً بزوجته: فذهب الإمامان: أبو حنيفة، ومالك إلى أن من قذف رجلاً بزوجته، فعليه إقامة البيِّنة على ذلك، وإلاَّ فعليه حد القذف؛ لأنَّه قذف من لم يكن له ضرورة إلى قذفه، فهو على أصل حد القذف. قال ابن العربي: وهذا هو ظاهر القرآن؛ لأنَّ الله تعالى وضع الحد في

стр. 3233

قذف الأجنبي، والزوجة مطلقين، ثم خصَّ الزوجة بالخلاص باللعان، وبقي الأجنبي على مطلق الآية، وإنما لم يحدّ النَّبيُّ ﷺ هلالاً لشريك؛ لأنَّه لم يطلبه، وحد القذف لا يقيمه إلاَّ الإمام بعد المطالبة إجماعًا. وذهب الإمامان: الشافعي، وأحمد إلى: أنَّ الزوج إذا قذف زوجته برجل معيَّن، ثم لاعن، سقط عنه الحد للزوجة، ومن قذفها به، ذكره في اللعان، أو لم يذكره فيه؛ لأنَّ اللعان بينة في أحد الطرفين، فكان بيِّنة في الطرف الآخر، كالشهادة، فإن لم يلاعن الزوج، فلكل واحد من الزوجة، والرجل المقذوف بها المطالبة بالحد، وأيهما طالب: حُدَّ له وحده دون من لم يطلب. واستدل الإمامان: بهذا الحديث؛ فإنَّ هلال بن أمية قذف شريكًا بزوجته، ولم يحده النبي ﷺ ، وأما قوله ﷺ لهلال بن أمية: "البيِّنة، وإلاَّ فحد في ظهرك" -فالبينة شهادات اللعان اللاتي تقوم مقام الأربعة الشهداء. ***

стр. 3234

١٠٦٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: "لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَر وَعُثْمَانَ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ فِي القَذْفِ إِلاَّ أَرْبَعِينَ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالثَّورِيُّ فِي "جَامِعِهِ" (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال في "أوجز المسالك في شرح موطأ مالك": أخرجه البيهقي من رواية يحيى بن بكير عن مالك عن ابن أبي الزناد، ثم قال: ورواه الثوري عن أبي الزناد حدَّثني عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: "لقد أدركتُ أبا بكر، وعمر، وعثمان، ومن بعدهم من الخلفاء، فَلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلاَّ أربعين". وأخرجه البيهقي من وجه آخر، وإسناده صحيح. ...

стр. 3235

١٠٦٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْه (١). ــ * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الأثر المروي عن الخلفاء الراشدين الثلاثة، أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ هو أنَّ العبدَ إذا قذف محصنًا فحده على النصف من حدّ الحر، فإنَّ حد الحر ثمانون جلدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. أما المملوك: فهو على النصف من حد الحرة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وعلى هذا إجماع الأئمة الأربعة. ٢ - أما الحديث رقم (١٠٦٦): فيدل على أنَّه يحرم على السيد أن يقذف مملوكه، وهو كاذب عليه في ذلك، فإنَّ للمماليك من الشعور والإحساس مثل ما للأحرار، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم". ٣ - أما إذا قذف السيد مملوكه، فلا يقام عليه الحد في الدنيا؛ ذلك أنَّ الحدود كفارات لمن أقيمت عليه، وما دام أنَّه سيلحقه العذاب في الآخرة، ويحد لذلك، فإنَّه دليل على أنَّه لا يحد في الدنيا، وعدم إقامة الحد عليه في الدنيا إجماع العلماء.

стр. 3236

٤ - قال في "شرح الإقناع": والقذف محرَّم إلاَّ في موضعين: أحدهما: أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه، ولو دون الفرج، فيعتزلها، ثم تلد ما يمكن أن يكون من الزاني، فيجب عليه قذفها، ونفي ولدها؛ لأنَّ ذلك يجري مجرى اليقين في أنَّ الولد من الزنا. الثاني: أن يراها تزني، ولم تلد ما يلزم نفيه، أو يستفيض زناها في الناس، أو يخبره ثقة، ونحو ذلك، فلا يجب قذفها؛ لأنَّه يمكنه فراقها، وهو أولى من قذفها؛ لأنَّه أستر، وتقدم. ***

стр. 3237

باب حد السرقة مقدمة يقال: سرق يسرق سرقًا، فهو سارق، والشيء مسروق، وصاحبه مسروق منه. والسرقة لغة: أخذ الشيء في خفاء وحيلة. وشرعًا: هي أخذ مال محتَرم لغيره، من حرز مثله، لا شبهة له فيه، على وجه الاختفاء. فلا قطع على منتهبٍ، ولا مختلسٍ، ولا خائنٍ، ولا جاحد وديعة، ونحوها من الأمانات؛ لأنَّهم لا يدخلون في التَّعريف المذكور. والأصل في قطع يد السارق: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فمن القرآن: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. ومن السنة: ما يأتي من الأحاديث. وأجمع عليه العلماء؛ استنادًا إلى هذه النصوص. وأما القياس: فإنَّ القياس والحكمة تقتضي إقامة الحدود كلها، كما أمر الله تعالى،

стр. 3238

حفظًا للأنفس، والأعراض، والأموال؛ ولذا نرى البلاد التي عملت بأحكام الله، ونفذت حدوده -استتب فيها الأمن، ولو كانت ضعيفة العدة. ونرى الفوضى، وقتل الأنفس، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال في البلاد التي حكمت القوانين، ولو كانت قوية متمدنة، فمضت حياتها ما بين سلب ونهب. ***

стр. 3239

١٠٦٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ، إِلاَّ فِي رُبعُ دِينَارٍ، فَصَاعِدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَلَفْظُ البُخَارِيِّ: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبعُ دِيْنَارٍ فَصَاعِدًا". وَفِي رِوَايَةٍ لأِحْمَد: "اقْطَعُوا فِي رُبعُ دِينَارٍ، وَلاَ تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أدْنَى مِنْ ذلِكَ" (١). ــ * درجة الحديث: رواية أحمد -وإن ضعفها بعض العلماء- فإنَّها تقوى بحديث عائشة المتقدم في الصحيحين؛ فإنَّ معناهما واحد. * مفردات الحديث: - فصاعدًا: منصوب على الحال المؤكدة، يستعمل بالفاء، وثم، ولا يستعمل بالواو، ومعناه: ولو زاد. - الدينار: هو المثقال من الذَّهب وزنه (٤) غرامات وربع من الذهب الصافي. ...

стр. 3240

١٠٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ، ثَمَنُهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - مِجَن: -بكسر الميم، وفتح الجيم المعجمة، آخره نون مشددة- هو الترس، جمعه "مجَان"، وزان: دواب، مأخوذ من: الاجتنان، وهو الاستتار؛ لأنَّ المِجن يُتَّقى به ضرب السلاح في الحرب. - الدرهم: وزن الدهم من الفضة هو (٢.٩٧٥) غرامًا. ...

стр. 3241

١٠٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْه أَيْضًا (١). ــ * ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة: ١ - أمَّن الله دماء الناس، وأعراضهم، وأموالهم بكل ما يكفل ردع المفسدين المعتدين، فكان أن جعل عقوبة السارق، الذي يأخذ المال من حرزه على وجه الاختفاء، قطع العضو الذي تناول به المال المسروق؛ ليكفر القطع ذنبه، وليرتدع هو وغيره عن الطرق الدنيئة، وينصرفوا إلى اكتساب المال من الطرق الشرعية الكريمة، فيكثر العمل، وتُستخرج الثمار، فيعمر الكون، وتعز النفوس. ٢ - ومن حكمته تعالى: أن جعل النصاب الذي تقطع فيه اليد ما يعادل ربع دينار من الذَّهب؛ حمايةً للأموال، وصيانةً للحياة، وليستتب الأمن، وتطمئن النفوس، وينشر الناس أموالهم للكسب، والاستثمار. ٣ - قطع يد السارق، والمراد بالسارق: الذي يأخذ المال من حرزه على وجه الاختفاء، وليس منه الغاصب، والمنتهب، والمختلس. قال القاضي عياض ﵀: صان الله الأموال بإيجاب القطع للسارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة؛ كالاختلاس، والانتهاب، والغصب؛ لأنَّه قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمر، وتسهل إقامة البينة عليه، بخلاف

стр. 3242

السرقة، فإنَّه تندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها، واشتدت عقوبتها أبلغ في الزجر عنها. وقد أجمع المسلمون على قطع يد السارق في الجملة. ٤ - في الحديثين الأولين: أنَّ نصاب القطع ربع دينار من الذَّهب، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من الفضة، ويأتي قريبًا مذاهب العلماء في بيان النصاب. ٥ - قال ابن دقيق العيد: القيمة، والثمن مختلفان في الحقيقة، فلو اختلفت القيمة والثمن الذي اشتراه به مالكه، لم تعتبر إلاَّ القيمة. ٦ - للعلماء شروط في قطع يد السارق، تقدم بعضها، وأهم الباقي: (أ) أن يكون المسروق من حرز مثله، والحرز يختلف باختلاف الأموال والبلدان والحاكم، ومرجع الحرز العرف، فلا قطع في سرقة من غير حرز مثلها. (ب) وأن تنتفي الشبهة، فلا قطع من مال له فيه شركة؛ كسرقة الابن من أبيه، أو الأب من ابنه، والفقير من غلة على الفقراء، أو من مال في شركة. (ج) وأن تثبت السرقة: إما بإقرار من السارق معتَبر، أو من شاهدين عدلين. ٧ - لهذا الحكم السامي، حكمته التشريعية العظمى. فالحدود كلها على وجه العموم رحمة ونعمة؛ فإنَّ في المجموعة البشرية أفرادًا تربَّت نفوسهم على حب الأذى، وإقلاق الناس، وإفزاعهم في أنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وأنه إذا لم يجعل لهؤلاء المجرمين رادع: من التأديب، والعقوبة، اضطربت الأحوال، وتقطعت السبل. ومن رحمته تعالى، أن جعل عقوبات تناسب هذه الجرائم؛ ليرتدع

стр. 3243

بها المجرم، وليكف عن الجرائم من يحاول غشيانها، ومن ذلك قطع يد السارق. فهذا المعتدي الذي ترك ما أباح الله تعالى له، من المكاسب الشريفة، التي تعود عليه، وعلى مجتمعه بالصالح العام، فأقدم على أموال الناس بغير حق، وأفزعهم -وأخافهم- يناسبه في العقوبة أن تقطع يده؛ لأنَّها الآلة الوحيدة لعملية الإجرام، ولكنا مع الأسف ابتلينا بهذه الطوائف المتزندقة، التي عشقت القوانين الأوربية الآثمة، تلك القوانين التي لم تحجز المجرمين عن إفسادهم في الأرض، وإخافة الأبرياء في بيوتهم وسبلهم. عشقوا تلك القوانين التي حاولت إصلاح المجرمين المفسدين بغير ما أنزل الله تعالى عليهم من العلاجات الشافية لهم، ولمن في قلبه مرض من أمثالهم، فلم تفلح، بل زادت عندهم الجرائم والمفاسد؛ لأنَّ عقابهم وعلاجهم السجن، مهما عظمت المعصية، وكبر الإجرام. والسجن يلَذ لكثير من المفسدين العاطلين، الذين يجدون فيه الطعام والشراب، وفي خارجه الجوع والبطالة. ولما كانت الحكومة السعودية، وفَّقها الله قائمة بتحكيم شرع الله تعالى -قلَّت عندها أعمال الإجرام، لاسيَّما سلب الأموال، بينما غيرها من الأمم تعج بالمنكرات، وعصابات المجرمين، وقطاع الطريق والمهاجمين، أعاد الله المسلمين إلى حظيرة دينهم، والعمل بما فيه من الخير والبركة.

стр. 3244

* قرار المجمع الفقهي بشأن حكم زراعة عضو استؤصل في حد، أو قصاص: قرار رقم (٥٨): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية، من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ، الموافق ١٤ - ٢٠ آذار "مارس" ١٩٩٥ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص". واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبمراعاة مقاصد الشريعة من تطبيق الحد في الزجر، والردع، والنكال، وإبقاء للمراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة، وقطع دابر الجريمة، ونظرًا إلى أنَّ إعادة العضو المقطوع تتطلب الفورية في عرف الطب الحديث، فلا يكون ذلك إلاَّ بتواطؤ، وإعداد طبي خاص، ينبىء عن التهاون في جدية إقامة الحد وفاعليته. قرَّر: ١ - لا يجوز شرعًا إعادة العضو المقطوع؛ تنفيذًا للحد؛ لأنَّ في بقاء أثر الحد تحقيقًا كاملاً للعقوبة المقررة شرعًا، ومنعًا للتعاون في استيفائها، وتفاديًا لمصادمة حكم الشرع في الظاهر. ٢ - بما أنَّ القصاص قد شرع لإقامة العدل، وإنصاف المجنى عليه، وصون حق الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار -فإنَّه لا يجوز إعادة عضو استؤصل تنفيذًا للقصاص، إلاَّ في الحالات التالية:

стр. 3245

(أ) أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع. (ب) أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة العضو المقطوع منه. ٣ - يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد، أو قصاص بسبب خطأ في الحكم، أو في التنفيذ. انتهى القرار. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في قدر النصاب الذي تقطع فيه يد السارق: فذهب الظاهرية إلى: أنَّه في القليل والكثير؛ مستدلين بقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وهي مطلقة في سرقة القليل والكثير. وبما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" وذهب جمهور العلماء إلى: أنَّه لابد في القطع من نصاب السرقة، مستدلين بالأحاديث الصحيحة في تحديد النصاب. وأجابوا عن أدلة الظاهرية: بأنَّ الآية مطلقة في جنس المسروق وقدره، والحديث بيان لها. وأما حديث البيضة والحبل: فالمراد بذلك بيان سخف وضعف عقل السارق، وخساسته، ودناءته؛ فإنَّه يخاطر بقطع يده للأشياء الحقيرة التافهة. فهذا التعبير نوع من أنواع البلاغة، فيه التنفير والتبشيع، وتصوير عمل المعاصي بالصورة المكروهة المستقبحة. ثم اختلف الجمهور في تحديد قدر النصاب الذي يقطع فيه، على أقوال كثيرة نذكر منها القوي: فذهب مالك، وأحمد، وإسحاق، إلى: أنَّ النصاب ربع دينار، أو

стр. 3246

ثلاثة دراهم، أو عرض تبلغ قيمة أحدهما. وذهب الشافعي إلى: أنَّ النصاب ربع دينار ذهبًا، أو ما قيمته ربع من الفضة، أو العروض، وبه قال كثير من العلماء، منهم عائشة، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والليث، وأبو ثور. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري إلى-: أنَّ النصاب عشرة دراهم مضروبة، أو ما يعادلها من ذهب، أو عروض. استدل الإمام أحمد، ومالك بما رواه أحمد ومسلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق، إلاَّ في ربع دينار، فصاعدًا". وكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا، [رواه أحمد عن ابن عمر]. وكما في حديث الباب عن ابن عمر، أنَّه ﷺ : "قطع في مِجَن، قيمته ثلاثة دراهم ". واستدل الشافعي والجمهور بالحديث السابق: "لا قطع إلاَّ في ربع دينار فصاعدًا"، فإنَّه جعل الذَّهب أصلاً يرجع إليه في النصاب. ولا ينافي حديث ابن عمر، فإنَّ قيمة الدراهم الثلاثة في ذلك الوقت ربع دينار؛ لأنَّ صرف الدينار اثنا عشر درهمًا. واستدل أبو حنيفة وأتباعه: بما ثبت في الصحيحين من أنَّه ﷺ قطع في مجن، وقد اختلف في قيمة هذه المجن، ومما جاء فيها ما أخرجه البيهقي والطحاوي من حديث ابن عباس: "أنَّه كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم". وهذه الرواية وإن خالفت ما في الصحيحين من أنَّ قيمته ثلاثة دراهم -فالواجب الاحتياط فيما يستباح به قطع العضو المحرَّم، فيجب الأخذ به، وهو الأكثر.

стр. 3247

وما أخرجه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع إلاَّ في عشرة دراهم"، وضعف العلماء هذا الحديث، وله طريق حسَّنها ابن حجر. واختلف العلماء في حقيقة اليد التي تقطع على أقوال: وأصحها ما ذهب إليه الجمهور، بل نقل فيه الإجماع، من أنَّها التي تبتدىء من الكوع، فالآية الكريمة ذكرت قطع اليد، واليد عند الإطلاق هي الكف فقط، ومع هذا، فقد بيَّنتها السنة؛ فإنَ الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، والنَّبي ﷺ مسح على كفَّيه فقط. ثم إنَّ الجمهور ذهبوا إلى أنَّ أوَّل ما يقطع اليد اليمنى، وبه قرأ ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما"، فإن سرقَ ثانيًا، قطعت الرِجل اليسر، ثم إن سرق، قطعت اليد اليسرى، ثم إن سرق، فالرِجل اليمنى، هذا عند الجمهور، وذكروا أدلتهم في المطولات. وفي الحديث دليل على جواز لعن العصاة غير المعينين؛ لأنَّه لعن جنس صاحب المعصية، لا له بعينه، وقد جاءت النصوص بذلك، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود]. ***

стр. 3248

١٠٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيْفُ تَرَكوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ، وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا" (١). ١٠٧١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلاَ مُخْتَلِسٍ، وَلاَ مُنْتَهِبٍ قَطْعُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (٢). ــ * درجة الحديث (١٠٧١): الحديث صحيح. أخرجه أبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن حبان والدارقطني, والبيهقي، كلهم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به.

стр. 3249

قال الترمذي: حديث حسن صحيح. لكن أعله الإمام أحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأبو داود، والنسائي؛ بأنَّ ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير، وتابعه سفيان الثوري عند النسائي لكن قال: لم يسمعه سفيان من أبي الزبير، وتابعه أيضًا المغيرة بن مسلم عند النسائي وغيره، فصحَّ بذلك الحديث. * مفردات الحديث: - خائن: ضد "الأمين"، فهو الذي يخون ما جعل عليه أمينًا؛ كأن يخون في وديعة أو عارية، أو نحوهما، فيدعي ضياع ما اؤتمن عليه، أو تلفه، وهو، كاذب. - مُخْتلس: اسم فاعل من: اختلس الشيء، إذا اختطفه، فالاختلاس نوع من الخطف؛ ذلك أنَّه يستخفي في ابتداء اختلاس الشي، ثم يمر به بانتهاء أمره. - مُنتهِب: المنتهب اسم فاعل من: انتهب الشيء، إذا استلبه، فهو الذي يأخذ المال على وجه العلانية، والمكابرة قهرًا. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - كانت امرأة من بني مخزوم تستعير المتاع من الناس احتيالاً؛ ثم تجحده، فاستعارت مرة حليًّا، فجحدته، فوُجِد عندها، وبلغ أمرها النبيَّ ﷺ ، فعزم على تنفيذ حد الله بقطع يدها، وكانت ذات شرف، ومن أسرة عريقة في قريش، فاهتمت قريش بها، وبهذا الحكم الذي سينفذ فيها، وتشاوروا فيمن يجعلونه واسطة إلى النبي ﷺ ، ليكلمه في خلاصها، فلم يروا أولى من أسامة بن زيد؛ فإنَّه المقرَّب المحبوب للنبي ﷺ ، فكلَّمه أسامة؛ فغضب منه ﷺ ، وقال له منكرًا عليه: "أتشفع

стр. 3250

في حد من حدود الله؟! " ثم قام خطيبًا في الناس؛ ليبين لهم خطورة مثل هذه الشفاعة، التي تعطل بها حدود الله، ولأنَّ الموضوع يهم الكثير منهم، فأخبرهم أنَّ سبب هلاك من قبلهم في دينهم، وفي دنياهم أنَّهم يقيمون الحدود على الضعفاء والفقراء، ويتركون الأقوياء والأغنياء، فتعم فيهم الفوضى، وينتشر الشر والفساد، فيحق عليه غضب الله، وعقابه. ثم أقسم ﷺ وهو الصادق- المصدوق لو وقع هذا الفعل من سيدة نساء العالمين: ابنته فاطمة، وقد أعاذها الله من ذلك- لنفَّذ فيها حكم الله تعالى. ٢ - تحريم الشفاعة في الحدود، والإنكار على الشافع، وذلك بعد أن تبلغ الحاكم. قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على امتناع الشفاعة في الحد بعد بلوغه السلطان، وفيه تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى. قلتُ: في تقييد ذلك بـ"قبل بلوغها الحاكم" ليس مأخوذًا من هذا الحديث الذي معنا، وإنما من نصوص أخر، مثل ما أخرجه أصحاب السنن، وأحمد عن صفوان بن أمية؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما أمر بقطع يد الذي سرق رداءه، فشفع فيه، فقال: "هلاَّ كان لك قبل أن تأتيني به؟ ". وأما قبل بلوغ الحاكم، فهل يرفعه أو يتركه؟ الأولى أن ينظر في ذلك إلى ما يترتب على ذلك من المصالح أو المفاسد، فإن كان ليس من أهل الشر والأذى، فالنبي ﷺ قال: "أقيلوا ذوي الهيئات زلاَّتهم". فإن كان يترتَّب عليه شيء من المفاسد، فالأحسن عدم رفعه، وإن

стр. 3251

كان في تركه مفسدة، وهو من أهل الأذى، ونحو ذلك من دواعي الرفع -فالأولى رفعه. ٣ - أنَّ جاحد العارية حكمه حكم السارق، فيقطع، ويأتي الخلاف فيه. ٤ - وجوب العدل والمساواة بين الناس؛ سواء منهم الغني أو الفقير، والشريف، أو الوضيع في الأحكام والحدود، وفيما هم مشتركون فيه. ٥ - أنَّ إقامة الحدود على الضعفاء، وتعطيلها في حق الأقوياء، سبب الهلاك والدمار، والشقاوة في الدارين. ٦ - مشروعية القَسم في الأمور الهامة؛ لتأكيدها وتأييدها. ٧ - جواز المبالغة في الكلام، والتشبيه والتمثيل لتوضيح الحق، وتبيينه، وتأكيده. ٨ - منقبة كبرى لأسامة؛ إذ لم يروا أولى منه للشفاعة عند النبي ﷺ ، وقد وقعت الحادثة في فتح مكة. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في جاحد العارية، هل يقطع، أو لا؟ فذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي- إلى: أنَّه لا يقطع، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه الخرقي، وأبو الخطاب، وابن قدامة، وصاحب "الشرح الكبير"؛ لقوله ﷺ : "لا قطع على خائن". وأجابوا عن حديث الباب: بأنَّها ذكرت بجحد العارية للتعريف، لا لأنَّها قطعت من أجله، وقد قطعت لأجل السرقة، ولذا وردت لفظة "السرقة" في الحديث. وأجابوا بغير ذلك، ولكنها أجوبة غير ناهضة. والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أنَّه يقطع، وهي المذهب.

стр. 3252

قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألتُ أبي، فقلت له: تذهب إلى هذا الحديث؟ فقال: لا أعلم شيئًا يدفعه. وبهذا القول قال إسحاق، والظاهرية، واستدلوا بهذا الحديث الذي جاء في قصة المخزومية، وجعلوا حديث: "لا قطع على خائن" مخصصًا بغير خائن العارية، والمعنى الموجود في السارق موجود مثله في جاحد العارية، بل الأخير أعظم، فهو مستثنى. * فائدة: أجمع العلماء على: أنَّ الغاصب، والمختلس، والمنتهب لا يقطعون، وليس ذلك لأنَّهم غير مجرمين أو مفسدين، فهم مفسدون معتدون، يجب تعزيرهم بما يردعهم. ولما جاء في السنن من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع". وإنما لم يُقطعوا أيضًا، لما قدمنا في أول الباب عن القاضي عياض، ولِحكم أخَر لا يعملها إلاَّ الذي شرع للناس ما يصلح حالهم. ***

стр. 3253

١٠٧٢ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلاَ كَثَرٍ". رَوَاهُ المَذْكُورُونَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو داود، والنسائي، ومالك، والشافعي، وابن أبي شيبة من طرق عن يحيى بن سعيد عن محمَّد بن يحيى بن حبَّان عن رافع بن خديج به، ورجال إسناده ثقات. قال الطحاوي: هذا الحديث تلقت العلماء متنه بالقبول. وصححه التِّرمذي، وابن حبَّان. * مفردات الحديث: - المذكورون: هم: أحمد، وأصحاب السنن الأربع. - ثَمرَ: واحده: "ثمرة"؛ مما كان معلقًا في النَّخل قبل أن يجذ. - كثر: -بفتح الكاف، والثاء المثلثة-: هو جمار النخل، وهو شحمه الذي في وسطه، قاله في "النهاية". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم أنَّ من شروط قطع يد السارق هو أن تكون السرقة من حرز، فإن سرق من غير حرز، فلا قطع على السارق، وتقدم أنَّ الحرز مرجعه إلى العرف،

стр. 3254

وهو يختلف باختلاف الأموال، والبلدان، وقوة السلطان، وضعفه؛ لأنَّ ما لم يثبت بالشرع اعتباره، رجع فيه إلى العرف. ٢ - قال في "الروض المربع وغيره": ومن سرق شيئًا من غير حرزا ثمرًا كان، أو كثرًا، أو غيرهما -ضمنه بعوضه مرَّتين، ولا قطع لفوات شرطه، وهو الحرز. ٣ - وهذه المسألة من مفردات الإمام أحمد عن الأئمة الثلاثة. قال في شرح المفردات: من سرق ثمرًا من رؤوس شجر، والماشية في المراعي- لم يقطع، ولو كان عليه حائط وحافظ، ويضمن عوضه مرَّتين؛ لحديث رافع بن خديج، والصحيح من المذهب أنَّ غير الشجر والماشية إذا سرقه من غير حرز، فلا يضمن عوضه إلاَّ مرَّة واحدة؛ لأنَّ التضعيف فيها على خلاف القياس، فلا يتجاوز به محل النص. ٤ - وقال أكثر الفقهاء: الواجب عوضه مرَّة واحدة في الجميع، وهو مذهب الأئمة الثلاثة. وأجابوا عن الحديث: بأنَّه منسوخ، وهي دعوى لا دليل عليها. قال الوزير: أجمعوا على أنَّه يسقط القطع عن سارق التمر المعلق على روؤس النخل، إذا لم يكن محرزًا، وكذا الكَثَر. ***

стр. 3255

١٠٧٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ ﵁ قَالَ: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلِصٍّ، قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ معَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ؟ قَالَ: بلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطعَ، وَجِيءَ بِه، فَقَالَ ﷺ : اسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُ اللهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ ثَلاَثًا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَسَاقَهُ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ فِيهِ: "اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوه". وَأَخْرَجَهُ البَزَّارُ أَيْضًا، وَقَالَ: لاَ بَأْسَ بإِسْنَادِهِ (٢). ــ * درجة الحديث: حديث أبي أمية حسن. وقد أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والطحاوي، والبيهقي من طريق أبي المنذر عن أبي أمية المخزومية. قال ابن حجر: رجاله ثقات. وأما حديث أبي هريرة: فرواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي موصولاً، وصحَّحه ابن القطان، ورجَّح ابن خزيمة، وابن المديني، وغير واحد إرساله

стр. 3256

عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان. * مفردات الحديث: - لِص: -بكسر اللام، وتشديد الصاد المهملة-: هو السارق، جمعه: "لصوص ولصصة". - ما إِخَالك سرقْت: بكسر الهمزة، هو المشهور، من خال: بمعنى: ظنَّ، أراد بذلك: تلقينه الرجوع عن الاعتراف. - اقطعوا: معناه: اقطعوا يده. - احسِمُوه: يقال: حسَمه حسمًا من باب ضرب، فانحسم بمعنى قطعه، فانقطع، والحسم هو: كيه بعد القطع؛ لئلا يسيل دمه، وينزف. والحسم عند الفقهاء والأطباء القدامى هو أن يغمس موضع القطع من مفصل الذراع في زيت مغلي؛ لتنسد أفواه العروق، فيقف النزيف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه دليل على أنَّ المعترِف بالسرقة إذا لم توجد معه، فإنَّه يشرع تلقينه الرجوع عن اعترافه؛ ليكون شبهة في درء حد السرقة عنه. ٢ - النبي ﷺ لقَّن السارق الرجوع عن اعترافه بقوله: "ما إخالك سرقت"، لكن السارق أصرَّ، على الاعتراف، بعد أن أعاد تلقين الرجوع عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فلما أصرَّ لم يبق إلاَّ تنفيذ حكم الله فيه، فأمر به فقُطِعت يده. ٣ - فيه دليل على أنَّ السارق المقر على نفسه، إذا لقن الرجوع عن إقراره، وأصرَّ عليه، فلم يرجع -أنه يقام عليه الحد فتقطع يده. ٤ - قال في "الروض المربع وحاشيته": ولا يقطع إلاَّ بإقرار مرَّتين بالسرقة، ولا يرجع عن إقراره حتى يقطع. قال الموفق: هذا قول أكثر الفقهاء؛ لأنَّه إنما ثبت بالاعتراف، فقُبِل رجوعه.

стр. 3257

٥ - وقال أيضًا: ولا بأس بتلقينه الإنكار؛ ليرجع عن إقراره. قال الموفق: هذا قول عامة الفقهاء. وأجمعوا على: أنَّه إذا بلغ الإمام، لم تجز الشفاعة فيه؛ لما تقدم. ٦ - تلقينه الإنكار، والرجوع وقبول ذلك منه، ما لم تثبت سرقته بشاهدين عدلين. قال في "شرح الإقناع": بخلاف ما لو ثبت القطع ببينة شهدت على فعله، فإنَّ إنكاره لا يقبل منه، بل يقطع. ٧ - إذا أقيم على السارق حد السرقة، فينبغي تذكيره بالتوبة والاستغفار، ليجمع الله تعالى في محو ذنبه بين إقامة الحد، والاستغفارة بالقلب واللسان، كما ينبغي أن يدعو له بالتوبة معاونةً له على نفسه، والشيطان. ٨ - ينبغي حسم مكان القطع بمادة توقف نزيف الدم، فإنَّه لو استمرَّ معه النزيف لهلك، وليس المراد إهلاكه، وإنما المراد إقامة الحد، وتطهيره. * خلاف العلماء: اختلف العلماء: هل من شروط القطع مطالبة المسروق منه السارقَ بماله؟ مذهب الأئمة الثلاثة: أنَّه يشترط، ونصره ابن قدامة في "المغني". وذهب الإمام مالك إلى: أنَّه لا يشترط، وهو رواية عن أحمد، اختارها الشيخ تقي الدين؛ لعموم الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة]. وإذا وجد المسروق مع المتَّهم، فقال ابن القيم: لم يزل الخلفاء والأئمة يحكمون بالقطع، وهذه قرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنَّهما خبران يتطرَّق إليهما الصدق والكذب، ووجود المال مع اللص نص صريح، ولا يتطرق إليه شبهة.

стр. 3258

وما قاله العلامة ابن القيم ﵀ هو ما دلَّ عليه حديث الباب، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ إنما لقَّن الذي أقرَّ، ولم يوجد معه متاع، وإنما هو مجرَّد اعتراف محتمل للصدق والكذب. ***

стр. 3259

١٠٧٤ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَغْرَمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَبيَّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث منقطع. قال المصنف: رواه النسائي، وبيَّن أنَّه منقطع؛ لأنَّه من حديث المسور ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والمسور لم يدرك جده عبد الرحمن، ورواه أبو حاتم، وقال: هو منكر. ورواه البيهقي، وذكر له علَّة أخرى. * مفردات الحديث: - لا يغرم: بفتح الياء، وسكون الغين، وفتح الراء، من: غَرِم يغْرم، وهو تضمينه قيمة ما سرق إن لم توجد عينه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - السارق عليه حقَّان: حق خاص: وهو عين المسروق إن كان موجودًا، أو مثله أو قيمته إن كان تالفًا. والحق العام: هو حق الله تعالى، وهو قطع يده، متى توفرت شروط القطع، أو تعزيره إن لم تكمل شروط قطع يده. ٢ - فإذا كان عين المسروق باقيًا، فقد اتَّفق الأئمة الأربعة وغيرهم على وجوب رده إلى صاحبه، ولا يكفي إقامة الحق العام عن رده.

стр. 3260

٣ - وأما إذا كان تالفًا، فقد اختلفوا في وجوب ردِّه: فذهب أبو حنيفة إلى: أنَّ السارق لا يغرمه؛ عملاً بهذا الحديث، والحديث ظاهر الدلالة على هذا، ولكن ليس بالقوي، وقد خالف عمومات هي أصح منه. وذهب مالك إلى: وجوب رده من السارق الموسر، وعدم رده إن كان السارق معسرًا، ويكفي قطع يده. وذهب الشافعي وأحمد: إلى أنَّه يجتمع على السارق الحقان مطلقًا؛ سواء كان موسرًا أو معسرًا، فالقطع هو الحق العام، فإن كان موسرًا، فيغرمه في ماله، وإن كان معسرًا فبذمته، كبقية الديون والمتلَفَات؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت، حتى تؤديه". وَقال ﷺ : "لا يحل مال امرىء مسلم، إلاَّ بطيبة من نفسه". ولأنَّه اجتمع في السرقة حقَّان: حق الله تعالى، وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبة، ولأنَّه قد قام الإجماع أنَّه إذا كان موجودًا بعينه أُخِذَ مِنْهُ، فيكون إذا لم يوجد في ضمانه قياسًا على سائر الأموال الواجبة. ***
следующие страницы →