عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان.
* مفردات الحديث:
- لِص: -بكسر اللام، وتشديد الصاد المهملة-: هو السارق، جمعه: "لصوص ولصصة".
- ما إِخَالك سرقْت: بكسر الهمزة، هو المشهور، من خال: بمعنى: ظنَّ، أراد بذلك: تلقينه الرجوع عن الاعتراف.
- اقطعوا: معناه: اقطعوا يده.
- احسِمُوه: يقال: حسَمه حسمًا من باب ضرب، فانحسم بمعنى قطعه، فانقطع، والحسم هو: كيه بعد القطع؛ لئلا يسيل دمه، وينزف.
والحسم عند الفقهاء والأطباء القدامى هو أن يغمس موضع القطع من مفصل الذراع في زيت مغلي؛ لتنسد أفواه العروق، فيقف النزيف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه دليل على أنَّ المعترِف بالسرقة إذا لم توجد معه، فإنَّه يشرع تلقينه الرجوع عن اعترافه؛ ليكون شبهة في درء حد السرقة عنه.
٢ - النبي ﷺ لقَّن السارق الرجوع عن اعترافه بقوله: "ما إخالك سرقت"، لكن السارق أصرَّ، على الاعتراف، بعد أن أعاد تلقين الرجوع عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فلما أصرَّ لم يبق إلاَّ تنفيذ حكم الله فيه، فأمر به فقُطِعت يده.
٣ - فيه دليل على أنَّ السارق المقر على نفسه، إذا لقن الرجوع عن إقراره، وأصرَّ عليه، فلم يرجع -أنه يقام عليه الحد فتقطع يده.
٤ - قال في "الروض المربع وحاشيته": ولا يقطع إلاَّ بإقرار مرَّتين بالسرقة، ولا يرجع عن إقراره حتى يقطع.
قال الموفق: هذا قول أكثر الفقهاء؛ لأنَّه إنما ثبت بالاعتراف، فقُبِل رجوعه.
стр. 3257
٥ - وقال أيضًا: ولا بأس بتلقينه الإنكار؛ ليرجع عن إقراره.
قال الموفق: هذا قول عامة الفقهاء.
وأجمعوا على: أنَّه إذا بلغ الإمام، لم تجز الشفاعة فيه؛ لما تقدم.
٦ - تلقينه الإنكار، والرجوع وقبول ذلك منه، ما لم تثبت سرقته بشاهدين عدلين.
قال في "شرح الإقناع": بخلاف ما لو ثبت القطع ببينة شهدت على فعله، فإنَّ إنكاره لا يقبل منه، بل يقطع.
٧ - إذا أقيم على السارق حد السرقة، فينبغي تذكيره بالتوبة والاستغفار، ليجمع الله تعالى في محو ذنبه بين إقامة الحد، والاستغفارة بالقلب واللسان، كما ينبغي أن يدعو له بالتوبة معاونةً له على نفسه، والشيطان.
٨ - ينبغي حسم مكان القطع بمادة توقف نزيف الدم، فإنَّه لو استمرَّ معه النزيف لهلك، وليس المراد إهلاكه، وإنما المراد إقامة الحد، وتطهيره.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل من شروط القطع مطالبة المسروق منه السارقَ بماله؟
مذهب الأئمة الثلاثة: أنَّه يشترط، ونصره ابن قدامة في "المغني".
وذهب الإمام مالك إلى: أنَّه لا يشترط، وهو رواية عن أحمد، اختارها الشيخ تقي الدين؛ لعموم الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة].
وإذا وجد المسروق مع المتَّهم، فقال ابن القيم: لم يزل الخلفاء والأئمة يحكمون بالقطع، وهذه قرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنَّهما خبران يتطرَّق إليهما الصدق والكذب، ووجود المال مع اللص نص صريح، ولا يتطرق إليه شبهة.
стр. 3258
وما قاله العلامة ابن القيم ﵀ هو ما دلَّ عليه حديث الباب، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ إنما لقَّن الذي أقرَّ، ولم يوجد معه متاع، وإنما هو مجرَّد اعتراف محتمل للصدق والكذب.
***
стр. 3259
١٠٧٤ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَغْرَمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَبيَّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث منقطع.
قال المصنف: رواه النسائي، وبيَّن أنَّه منقطع؛ لأنَّه من حديث المسور ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والمسور لم يدرك جده عبد الرحمن، ورواه أبو حاتم، وقال: هو منكر.
ورواه البيهقي، وذكر له علَّة أخرى.
* مفردات الحديث:
- لا يغرم: بفتح الياء، وسكون الغين، وفتح الراء، من: غَرِم يغْرم، وهو تضمينه قيمة ما سرق إن لم توجد عينه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - السارق عليه حقَّان: حق خاص: وهو عين المسروق إن كان موجودًا، أو مثله أو قيمته إن كان تالفًا.
والحق العام: هو حق الله تعالى، وهو قطع يده، متى توفرت شروط القطع، أو تعزيره إن لم تكمل شروط قطع يده.
٢ - فإذا كان عين المسروق باقيًا، فقد اتَّفق الأئمة الأربعة وغيرهم على وجوب رده إلى صاحبه، ولا يكفي إقامة الحق العام عن رده.
стр. 3260
٣ - وأما إذا كان تالفًا، فقد اختلفوا في وجوب ردِّه:
فذهب أبو حنيفة إلى: أنَّ السارق لا يغرمه؛ عملاً بهذا الحديث، والحديث ظاهر الدلالة على هذا، ولكن ليس بالقوي، وقد خالف عمومات هي أصح منه.
وذهب مالك إلى: وجوب رده من السارق الموسر، وعدم رده إن كان السارق معسرًا، ويكفي قطع يده.
وذهب الشافعي وأحمد: إلى أنَّه يجتمع على السارق الحقان مطلقًا؛ سواء كان موسرًا أو معسرًا، فالقطع هو الحق العام، فإن كان موسرًا، فيغرمه في ماله، وإن كان معسرًا فبذمته، كبقية الديون والمتلَفَات؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت، حتى تؤديه".
وَقال ﷺ : "لا يحل مال امرىء مسلم، إلاَّ بطيبة من نفسه".
ولأنَّه اجتمع في السرقة حقَّان: حق الله تعالى، وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبة، ولأنَّه قد قام الإجماع أنَّه إذا كان موجودًا بعينه أُخِذَ مِنْهُ، فيكون إذا لم يوجد في ضمانه قياسًا على سائر الأموال الواجبة.
***
стр. 3261
١٠٧٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّمْرِ المُعَلَّقِ، فَقَال: "مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبنَةً، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءَ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الغَرَامَةُ، والعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيءٍ مِنْهُ بَعْدَ أنْ يُؤْوِيَهُ الجَرِينُ، فَبلَغ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صححه الحاكم، وحسَّنه الترمذي.
ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
* مفردات الحديث:
- خُبنَة: بضم الخاء، وسكون الباء، قال في "النهاية": الخبنة: معطف الإزار، وطرف الثوب، أي: لا يأخذ منه في ثوبه شيئًا.
- فعليه الغرامة: وذلك بأن يغرم المسروق لصاحبه، إما يرده بعينه إليه، أو يرد بدله غرامة عليه.
- العقوبة: الحد بالقطع إن تمت شروطه، أو التعزير إن تخلَّف بعضها.
- الجَرِين: -بفتح الجيم، فراء مكسورة، ثم ياء، آخره نون-: هو الموضع الذي يجفف فيه التمر، ويخلص، ويصفى فيه الحب من تبنه، وقشره.
стр. 3262
- المِجَن: -بكسر الميم-: هو الترس، وهو آلة من حديد تجعل في الحرب؛ وقايةً للرأس من ضرب السلاح.
* ما يؤخذ من الحديث:
هذا الحديث الشريف فيه تفصيل لحكم أخذ التمر من مال الغير، هذا التفصيل يوافق ما صحَّت به الآثار، وهو:
الحالة الأولى: أن يمر الإنسان بالتمر على رؤوس النخل، أو الثمر في الشجرة، أو الماشية واللبن في ضروعها، فيأكل، أو يشرب حاجته، من غير أن يحمل معه شيئًا؛ لأنَّ أصحاب البساتين، وأصحاب الماشية جرت عادتهم بالسماحة والرضا بمثل هذا، والإذن العرفي، كالإذن اللفظي.
الحالة الثانية: أن يأخذ من التمر على رؤوس النخل، ومن الثمر في شجره، ويذهب به، فهذا أخذ من مال الغير بدون إذنه، ولا رضاه، فعليه الغرامة بالمثل، أو القيمة، وعليه التعزير بما يراه الحاكم بدون قطع؛ لأنَّه لم يأخذ مالاً من حرزه.
الحالة الثالثة: أن يأخذ من الطعام المودعَ في الجرِين والبيدر، ويكون ما أخذه قدر نصاب حد السرقة، فهذا نصاب من حرزه، فعليه الحد بقطع يده.
ويعضده: ما رواه أحمد، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "وما أخذ من أجرانه، ففيه القطع، إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المِجَن".
***
стр. 3263
١٠٧٦ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ -لَمَّا أَمَرَ بِقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ-: هَلاَّ كانَ ذلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟! " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ، وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال الألباني: الحديث له طرق:
الأولى: عن حميد ابن أخي صفوان عن صفوان، أخرجه أبو داود، والنسائي، والحاكم، والبيهقي.
الثانية: عن عكرمة عن صفوان أخرجه النسائي، ورجال إسناده ثقات.
الثالثة: عن طاوس عن صفوان بن أمية، أخرجه النسائي، والدارقطني، والحاكم، وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذَّهبي، وهو كما قالا، فرجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين.
الرابعة: عن طارق بن مرتفع عن صفوان بن أمية، أخرجه أحمد، والنسائي، ورجاله ثقات رجال الصحيحين، غير طارق.
الخامسة: عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أخرجه أحمد.
وهذا مرسل قوي يشهد للموصولات قبله، وجملة القول: أنَّ الحديث صحيح الإسناد من بعض طرقه، وهو صحيح قطعًا لمجموعها.
стр. 3264
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قصة الحديث: أنَّ صفوان بن أمية كان نائمًا؛ إذ جاء إنسان، فأخذ رداءه من تحت رأسه، فأتى صفوان بالسارق للنبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال صفوان: إني أعفو وأتجاوز، فقال: "فهلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟! ".
٢ - أنَّ فراش النائم تحته أو معه أثناء نومه هو في حرز، يقطع فيه يد السارق.
٣ - أنَّ الرداء وما يساويه من مال هو نصاب تقطع فيه يد السارق.
٤ - أنَّ الشفاعة في السارق، أو إسقاط حده فيها بعد أن تبلغ ولي الأمر -لا تُسقط الحد، بل يجب تنفيذه.
٥ - أنَّ الشفاعة والستر على السارق قبل أن تبلغ الإمام جائزة، ومسقطة للحد.
٦ - اختلفت الروايات -هل كان صفوان بن أمية نائمًا لما سُرق رداؤه؟
فقيل: هو مضطجع بالبطحاء، وقيل: في المسجد الحرام، وقيل: في مسجد المدينة.
٧ - صفوان بن أمية الجحمي من أشراف قريش، أسلم بعد فتح مكة بأيام، وشهد حُنَينًا، وهو على كفره، وأعطاه النبي ﷺ مالاً جزيلاً، فهو من المؤلفة قلوبهم، ولما أسلم حسن إسلامه، وأقام بمكة؛ لأنَّ الهجرة من مكة انتهت بفتحها، ولم يزل شريفًا مطاعًا فيها، حتى مات سنة اثنتين وأربعين، ﵁.
٨ - قال شيخ الإسلام: المتَّهم في السرقة، وقاطع الطريق، ونحو ذلك ثلاثة أصناف:
الأول: معروف بالدِّين والورع، وليس من أهل التُّهم، فهذا يُخلَّى سبيله.
الثانى: مجهول الحال، فهذا يحبس، حتى يكشف أمره وحاله، والأصل في ذلك ما رواه أبو داود: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ في تُهْمَة"، وقَد نصَّ على ذلك الأئمة.
стр. 3265
الثالث: معروف بالفجور، فهذا لوث في التُّهمة، فيمتحن بالضرب حتى يقر بالجناية؛ قاله طائفة من العلماء.
٩ - وقال الشيخ: لا يشترط في القطع مطالبة المسروق منه بماله، وهو رواية عن أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز.
وقال ابن القيم: لم يزل الخلفاء والأئمة يحكمون إذا وجد المال المسروق مع المتَّهم، فإنَّ هذه القرينة أقوى من البيِّنة والإقرار، فإنَّهما خبران يتطرَّق إليهما الصدق والكذب، ووجود المال معه نصٌّ صريحٌ، لا يتطرق إليه شبهة.
***
стр. 3266
١٠٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَقَالُوا: إِنَّما سَرَقَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيةَ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ كذلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بهِ الخَامِسَةَ، فَقَال: اقْتُلُوه". أَخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَاسْتَنْكَرَهُ، (١) وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ، (٢) وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ القَتْلَ فِي الخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ.
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في "التلخيص": رواه الدارقطني، وفيه محمَّد بن يزيد بن سنان، قال الدارقطني: ضعيف.
ورواه أبو داود، والنسائي بغير هذا السياق، وفي إسناده مصعب بن ثابت.
قال النسائي: ليس بالقوي، وهذا الحديث منكر، ولا أعلم فيه حديثًا صحيحًا.
قال ابن عبد البر: حديث القتل منكر لا أصل له، وقال الشافعي: منسوخ لا خلاف فيه.
стр. 3267
وأما حديث ابن حاطب فقال الذَّهبي في "التلخيص" (٤/ ٣٨٢): منكر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث ضعَّفه أئمة الحديث، فقد استنكره النسائي، وقال: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا، وقال أبوعبد الله: حديث القتل لا أصل له.
وعلى فرض صلاحية الحديث، فقد قال الإمام الشافعي: إنَّه منسوخ.
وقال في "النجم الوهَّاج": ناسخه حديث: "لا يحل دم امرىء مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث ... ".
٢ - قال الخطابي في "معالم السنن": هذا في بعض إسناده مقال، وقد عارضه حديث: "لا يحل دم مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث ... "، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أحلَّ دم السارق، وإن تكررت منه السرقة، مرَّةً بعد أخرى، إلاَّ أنَّه قد يُخَرَّج على مذاهب بعض الفقهاء، وهو أن يكون من المفسدين في الأرض، فيكون للإمام أن يجتهد في تعزير المفسدين، ويبلغ به ما رأى من العقوبة، وإن زاد على مقدار الحد وجاوزه، وإن رأى القتل قتل، ويُعْزى هذا الرأي إلى مالك.
وهذا الحديث يؤيد هذا الرأي.
ويحتمل: أن يكون هذا رجلاً مشهورًا بالفساد، ومعلومًا بالشر، وأنَّه سيعود إلى سوء فعله، ولا ينتهي عنه حتى يقضى عليه.
ويحتمل: أن يكون ما فعله -إن صحَّ الحديث- إنَّما فعله بِوحي من الله سبحانه، واطلاعه على ما سيكون، فيكون معنى الحديث خاصَّا، به والله أعلم" اهـ.
هذا كلام الخطابي، رحمه الله تعالى.
***
стр. 3268
باب حد الشارب وبيان المسكر
مقدمة
المُسكِر: اسم فاعل، من: أسكر الشراب، فهو مسكر: إذا جعل صاحبه سكران، أو كانت فيه قوَّة تفعل ذلك، وجمع السكران: سكرى وسكارى، والسُّكر: اختلاط العقل.
ويسمَّى كل شراب أسكر: خمرًا، من أي شيء كان من الأشربة.
والخمر له ثلاثة معان في اللغة:
أحدها: التغطية، ومنه: خمار المرأة، وهو غطاء رأسها.
الثاني: المخالطة، يقال: خالطه بمعنى: مازجه.
الثالث: الإدراك، ومنه قولهم: خمَّرت العجين أي: تركته حتى أدرك.
ومن هذه المعاني الثلاث أخذ اسم الخمر؛ لأنَّها تغطي العقل، وتخالطه، ولأنَّها تُترك حتى تدرك، وتستوي.
وتعريفها شرعًا: أنَّها اسم لكل ما خامر العقل وغطاه، من أي نوع من الأشربة؛ لحديث: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"
وهو محرَّم بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة:
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة] فقرنه مع عبادة الأصنام، التي هي الشرك الأكبر بالله تعالى.
стр. 3269
وأما السنة:
فأحاديث كثيرة:
منها: ما رواه مسلم: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام".
وأما الإجماع:
فأجمعت الأمة على تحريمها.
وحكمة تحريمها التشريعية لا يحتمل المقام هنا ذكر ما علمناه، ووقفنا عليه من المفاسد، التي تجرها وتسببها، ويكفيك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة]، فذكر أنَّه سبب كل شر، وعائق عن كل خير.
وقال ﷺ : "الخمر أم الخبائث" فجعلها أمًّا وأساسًا لكل شر، وخبيث.
أما مضرَّتها الدينية: والأخلاقية، والعقلية: فهي مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل.
أما مضرَّتها البدنية فقد أجمع عليها الأطباء، لأنَّهم وجدوها سببًا في كثير من الأمراض الخطيرة المستعصية، وأنَّ ما تجره هذه الجريمة المنكرة من المفاسد والشرور ليطول عدّه، ويصعب حصره.
ولو لم يكن فيها إلاَّ ذهاب العقل: لكفى سببًا للتحريم، فكيف يشرب المرء تلك الآثمة، التي تزيل عقله، فيكون بحال يضحك منها الصبيان، ويتصرَّف تصرف المجانين؟!
فداءٌ هذا بعض أعراضه كيف يرضاه عاقل لنفسه؟
ولِعظم خطرها، وكثرة ضررها، حاربتها الحكومات في "الولايات المتَّحدة" وغيرها.
ولكن كثيرًا من الناس لا يعقلون، فتجدهم يتلفون بها عقولهم، وأديانهم، وأعراضهم، وأموالهم، وشِيمتهم، وصحتهم، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 3270
قال الشيخ عبد القادر عودة: حرمت الشريعة الإسلامية الخمر تحريمًا قاطعًا؛ لأنَّها تعتبر الخمر أم الخبائث، وتراها مضيعة للنفس، والعقل، والصحة، والمال، ولقد حرمت الشريعة الخمر من أربعة عشر قرنًا، ووضع التحريم موضع التنفيذ من يوم نزول النصوص المحرَّمة، وظلَّ العالم الإسلامي يحرم الخمر حتى أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين؛ حيث بدأت البلاد الإسلامية تطبق القوانين الوضعية، وتعطل الشريعة الإسلامية، فأصبحت الخمر -بموجب هذه القوانين المعلنة- مباحة لشاربها.
وفي نفس الوقت الذي يستبيح فيه المسلمون الخمر، تنتشر الدعوة إلى تحريم الخمر في كل البلاد غير الإسلامية، فلا تجد بلدًا ليس فيه جماعة، أو جماعات إلاَّ تدعو إلى تحريم الخمر، وتبين بكل الوسائل أضرارها العظيمة، التي تعود على شاربها بصفة خاصة، وعلى الشعوب بصفة عامة، وقد ترتَّب على الدَّعوة القوية لتحريم الخمر أن ابتدأت الدول غير الإسلامية تضع فكرة تحريم الخمر، موضع التنفيذ، فالعالم غير الإسلامي أصبح اليوم يتهيأ لفكرة تحريم الخمر بعد أن ثبت علميًّا أنَّها تضر بالشعوب ضررًا بليغًا، بينما المسلمون يغطون في نومهم، عاجزين عن الشعور بما حولهم، وسيأتي قريبًا اليوم الذي يصبح فيه تحريم الخمر عامًّا في كل الدول، إن شاء الله، فتتم معجزة الشريعة الإسلامية فيها.
***
стр. 3271
١٠٧٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أبُو بكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ الوَليدِ بْنِ عُقْبَةَ: "جَلَد النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجلَدَ أَبُو بكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ -عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ".
وفِي الحَدِيثِ: "أَنَّ رَجُلاً شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ الخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ ﵁ إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شرِبَهَا" (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- بِجَرِيدَتَيْنِ: الجريدة: سعفة النخل، سميت بذلك؛ لأنَّها مجرَّدة من الخوص: والخوص ورق النخل.
- قصة الوليد: هو الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، شرب الخمر في زمن عثمان، فشهد عليه رجل أنَّه شربها، وشهد الآخران أنَّه يتقيؤها، فأقيم عليه الحد.
- يتقيَّأها: التقيؤ: لفظ ما في المعدة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ثبوت الحد في الخمر هو مذهب عامة العلماء.
стр. 3272
٢ - أنَّ حده على عهد النبي نحو أربعين جلدة، وتبعه أبو بكر على هذا.
٣ - أنَّ عمر -بعد استشارة الصحابة- جعله ثمانين.
٤ - الاجتهاد في المسائل، ومشاورة العلماء عليها، وهذا دأب أهل الحق، وطالبي الصواب.
أما الاستبداد: فعمل المعجَبين بأنفسهم، المتكبرين الذين لا يريدون الحقائق.
٥ - أنَّ من تقيأ الخمر، فقد ثبت أنَّه شربها، فيقام عليه حد الشرب.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في حد الخمر: هل هو ثمانون، أو أربعون، أو أنَّ ما بين الأربعين والثمانين يكون من باب التعزير إن رأى الحاكم الزيادة، وإلاَّ اقتصر على الأربعين؟
ذهب الأئمة: أحمد، وأبو حنيفة، والثوري، ومن تبعهم من العلماء إلى-: أنَّ الحد ثمانون.
ودليلهم على ذلك: إجماع الصحابة، لمَّا استشارهم عمر، فقال عبد الرحمن ابن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فجعله.
وذهب الشافعي إلى: أنَّ الحد أربعون، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها جملة من الحنابلة: منهم أبو بكر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي، رحمهم الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقل عنه في "الاختيارات":
"والصحيح في حد الخمر إحدى الروايتين الموافقة لمذهب الشافعي وغيره: أنَّ الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه".
وقال في "المغني": "ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي ﵊، وأبي بكر، فتحمل الزيادة من عمر على أنَّها تعزير، يجوز
стр. 3273
فعلها إذا رآه الإمام ".
ويقصد بهذا، الرد على من قال: إنَّ الثمانين كانت بإجماع من الصحابة.
أما مجلس هيئة كبار العلماء، فجاء في قراره رقم (٥٣) في ٤/ ٤/ ١٣٩٧ هـ.
١ - إنَّ عقوبة شارب الخمر الحد لا التعزير بالإجماع.
٢ - إنَّ الحد ثمانون جلدة، وذلك بالأكثرية.
٣ - وقرَّر المجلس استيفاء الحد جملةً واحدةً، وعدم تجزئته.
وقد أجمت الأمة على أنَّ الشارب إذا سكر بأي نوع من أنول السكر، فعليه الحدّ، وأجمعت أيضًا على أنَّه من شرب عصير العنب المتخمر، فعليه الحد، ولو لم يسكر شاربه.
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى: أنَّ ما أسكر كثيره، فقليله حرام، من أي نوع من أنواع المسكرات؛ ساء كان ذلك من عصير العنب، أو التمر، أو الحِنطة، أو الشَّعير، أو غير ذلك.
وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، وعائشة، ﵃.
وبه قال عطاء، ومجاهد، وطاوس، والقاسم بن محمَّد، وقتادة، وعمر ابن عبد العزيز، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أحمد، والشافعي، ومالك، وأتباعهم، وذهب إليه أبو ثور، وإسحاق، وهو المفتى به عند متأخري الحنفية.
وأما أهل الكوفة: فيرون أنَّ الأشربة المسكرة من غير العنب لا يحد شاربها، ما لم تبلغ حد الإسكار.
أما مع الإسكار، فقد تقدَّم أنَّ الإجماع على إقامة الحد.
وليس لهؤلاء من الأدلة، إلاَّ أنَّ اسم الخمر حقيقة لا يطلق عندهم إلاَّ على عصير العنب، أما غيره فيلحق به مجازًا، واستدلوا على مذهبهم بأحاديث.
стр. 3274
قال العلماء، ومنهم الأثرم، وابن المنذر: إنَّها معلولة ضعيفة.
أما أدلة جماهير الأمة، على أنَّ كل مسكر خمر، يحرم قليله وكثيره-: فمن الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة، واللغة الفصيحة.
فأما الكتاب: فعموم تحريم الخمر، والنَّهي عنها.
والخمر: ما خامر العقل، وغطاه من أي نوع.
وأما السنة: فقد صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام".
وقال ﷺ : "ما أسكر كثيره، فقليله حرام" [رواه أبو داود والأثرم].
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "نزل تحريم الخمر، وهي من العِنب، والتمر، والعسل، والحِنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" [مُتَّفق عليه].
وأما اللغة: فقد قال صاحب "القاموس": الخمر: ما أسكر من عصير العنب، أو هو عام، والعموم أصح؛ لأنَّها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وكان شرابهم: البُسر، والتمر.
وقال الخطَّابي: "زعم قوم أنَّ العرب لا تعرف الخمر إلاَّ من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذي سموا غير المتَّخذ من العنب خمرًا عرب فصحاء، ولو لم يكن هذا الاسم صحيحًا، لما أطلقوه".
ومن أحسن ما ينقل من كلام العلماء في هذه المسألة، ما قاله القرطبي:
"الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها، وكثرتها -تبطل مذهب الكوفيين، القائلين بأنَّ الخمر لا يكون إلاَّ من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر.
وهو قول مخالف للغة العرب، وللسنة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنَّهم لما نزل تحريم الخمر، فَهِمُوا منه اجتناب كل ما يسكر.
стр. 3275
ولم يفرِّقوا بين ما يتَّخذ من العنب، وبين ما يتَّخذ من غيره، بل سووا بينها، وحرَّموا كل ما يسكر نوعه.
ولم يتوقفوا، ولم يستفصلوا، ولم يشكل عليهم من ذلك شيء، بل بادروا إلى إتلاف كل مسكر، حتى ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن.
فلو كان عندهم تردد، لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا، ويتحققوا التحريم".
ثم ساق القرطبي الأثر المتقدم عن عمر بن الخطاب، ﵁.
وهذا كلام جيد، يقطع شبهة المخالف، والله الموفق.
***
стр. 3276
١٠٧٩ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي شَارِبِ الخَمْرِ: "إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا لفْظُهُ، وَالأرْبَعَةُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ذلِكَ أَبُو دَاوُدَ صَرِيحًا عَنِ الزُّهْرِيِّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
حديث معاوية أخرجه الشافعي، والدارمي، وابن المنذر، وابن حبان.
وأخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود من حديث ابن عمر.
وأخرجه النسائي من حديث جابر، وأخرجه أيضًا الشافعي من حديث قبيصة بن ذؤيب، وعلقه الترمذي، وأخرجه الخطيب عن ابن إسحاق عن الزُّهري عن قبيصة قال سفيان بن عيينة: حدَّث الزهري بهذا، قال البخاري: هذا أصح ما في هذا الباب.
أما المصنف فيقول: ذكر الترمذي ما يدل على أنَّه منسوخ، وأخرج ذلك أبو داود صريحًا عن الزهري.
والحديث صحَّحه ابن حزم في "المحلى"، وابن عبد الهادي في "المحرر"، وقال: رجاله ثقات.
стр. 3277
* مفردات الحديث:
- الخمر: هي المعروفة، تذكّر وتؤنَّث، فيقال: هو الخمر، وهي الخمر، وأما إلحاق التاء بها، فعلى أنَّها قطعة من الخمر، وتجمع على: خمور، مثل فلْس وفلُوس، وهي اسم لكل مسكر خامر العقل؛ أي: غطاه، فأصلها من: المخامرة، وهي المخالطة، سميت بها؛ لمخالطتها العقل، وتغطيتها إياه، وأصل مادة "خمر" تدور على التغطية.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أنَّ شارب الخمر يقام عليه الحد ثلاث مرات، فإذا شربها الرابعة، ولم يردعه الجلد المكرر عليه مرات، فإنَّه يقتل في المرة الرابعة.
٢ - هذا هو مذهب الظاهرية، ونصر ابن حزم هذا القول، ودافع عنه، واحتجَّ له.
٣ - أما الخطابي فقال: قد يراد الأمر بالوعيد، ولا يراد به الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير.
٤ - أما جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- فيرون أنَّ القتل في الرابعة منسوخ، وحكي الإجماع على ذلك.
قال الترمذي: إنَّه لا يعلم في "عدم القتل" اختلافًا بين أهل العلم في القديم والحديث.
وقال الشَّافعي: والقتل منسوخ بحديث قبيصة بن ذؤيب؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة، أو الرابعة فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل، وكانت رخصة" [رواه أبو داود، والترمذي].
ونقل المنذري عن بعض أهل العلم: أجمع المسلمون على وجوب الحد
стр. 3278
في الخمر، وأجمعوا على أنَّه لا يقتل إذا تكرر منه إلاَّ طائفة شاذة، قالت: يقتل بعد حده أربع مرات؛ للحديث، وهو عند الكافة منسوخ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قد روي من وجوه عن النَّبيِّ ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه".
فأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة، وأكثر أهل العلم لا يوجبون القتل، بل يجعلون هذا الحديث منسوخًا، وهو المشهور من مذهب الأئمة.
قال أبو عيسى الترمذي: إنَّما كان الأمر، بالقتل أول الأمر، ثم نسخ.
وقد ثبت في الصحيح؛ أنَّ رجلاً كان يُدعى حمارًا، وهو كان يشرب الخمر، فكان كلَّما شرب، جلَده النبي ﷺ ، فلعنه رجل فقال: لا تلعنه، فإنَّه يحب الله ورسوله.
وهذا يقتضي أنَّه جلد مع كثرة شربه.
قال صديق في "الروضة": قد وردت أحاديث بالقتل في الثالثة في بعض الروايات، وفي الرابعة في بعض، وفي الخامسة في بعض، وورد ما يدل على النسخ من فعله ﷺ ، وأنَّه رفع القتل عن الشارب، وأجمع على ذلك جميع أهل العلم، وخالف فيه بعض أهل الظاهر.
***
стр. 3279
١٠٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكمْ، فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
١٠٨١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن لغيره.
رواه الترمذي، والحاكم، وابن ماجه، وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، ضعيف من قِبل حفظه.
وأخرجه أبو داود، والحاكم، وابن السكن، والدارقطني، والبيهقي من حديث حكيم بن حزام، ولا بأس بإسناده.
وله طرق أخر، والكل متعاضد، وقد عمل الخلفاء الراشدون بذلك.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - إقامة الحدود لا يقصد بها إهانة المسلم، ولا يقصد إتلافه وقتله، وإنما يراد بها تطهيره من الذنب الذي وقع منه، كما يقصد بها ردعه عن أن يعود إليه، ولينزجر من تسوَّل له نفسه أن يعمل عمله.
هذه بعض الحِكَم الربانية من إقامة الحد على المذنب المسلم.
٢ - قال شيخ الإسلام: الحدود صادرة عن رحمة الخالق بالخلق، وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك
стр. 3280
الإحسان إليهم، والرحمة لهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض.
٣ - لذا جاء في الحديث أنَّ على ضارب الحد، أو التعزير أن يتَّقي الوجه؛ لما لوجه بني آدم من الكرامة، ولأنَّه حسَّاس يسيئه، ويؤلمه يسير التأديب.
٤ - أما الحديث رقم (١٠٨١): فيدل على النَّهي عن إقامة الحدود في المساجد.
٥ - ذلك أنَّ المساجد تصان عن اللَّغَط المزعج، ورفع الأصوات، والتلويث بالنجاسات، وإقامة الحدود فيها يسبب وقوع ذلك كله، أو بعضه.
٦ - النَّهي يقتضي التحريم، ولكن لو أقيم الحد في المسجد لأجزأ، فلا يعاد؛ لأنَّ النَّهي لا يعود إلى الحد نفسه، وإنما إلى مكانه، وهو لا يضر في نفوذه.
***
стр. 3281
١٠٨٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، وَمَا بالمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلاَّ مِنْ تَمْرٍ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
١٠٨٣ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهِيَ منْ خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- العِنَب: ثمر الكرم، وهو طريٌّ، جمعه: أعناب.
- التمر: هو الجاف من ثمر النخل، جمعه: تمور وتمران، إذا أريدت الأنواع.
- العَسل: هو الصافي مما تخرجه النحل من بطونها، يذكر ويؤنث. ويطلق على عصير الرطب، وقصب السكر، جمعه: أعسال وعسلان وعسول.
- الحِنطة: -بكسر الحاء وسكون الميم- هي القمح جمعه: حنط.
- الشعير: نبات عشبي حبي، من الفصيلة النجيلية، وهو دون البر في الغذاء.
- الخمر ما خامر العقل: الخمر ما أسكر من عصير العنب، وسميت: خمرًا؛ لأنَّها تخمر العقل؛ أي: تغطيه.
- كل مسكر خمر: "كل" إذا أضيفت إلى النكرة، فإنَّها تقتضي عموم الأفراد، فمعناها هنا: أنَّ كل واحد من أفراد المسكر فهو خمر محرَّم.
...
стр. 3282
١٠٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
١٠٨٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢).
ــ
* درجة الحديث (١٠٨٥):
الحديث حسن.
قال الألباني: أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد من طرق عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن ابن المنكدر، قال الترمذي: حديث حسن غريب من حديث جابر، قلتُ: وإسناده حسن، فإنَّ رجاله ثقات، فهم رجال الشيخين غير داود، وهو صدوق ثقة، وله طرق وشواهد كثيرة.
...
стр. 3283
١٠٨٦ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالثَةِ شَرِبَهُ، وسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيءٌ أَهَرَاقَهُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ينبذ: نبذ التمر، أو العِنب ونحوها: اتَّخذ منه النبيذ، وهو الماء يلقى فيه تمر، أو زبيب، أو نحوهما؛ ليحلو به الماء، وتذهب ملوحته، وهو مباح ما لم يغل، أو تأتي عليه ثلاثة أيَّام.
- الزبيب: هو ما جفِّف من العنب، واحده: زبيبة.
- السِّقَاء: بكسر السين المهملة، فقاف، ثم ألف ممدودة: -وهو وِعاء من جلد يكون للماء وللبن.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - أنَّ هذه الأحاديث الخمسة تفيد أنَّ القرآن حينما نزل بتحريم الخمر، أنَّها كانت تتَّخذ من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، وأنَّ الخمر في لغة العرب التي نزل بها القرآن هي ما خامر العقل، وغطاه.
وقد جاء تحريم الخمر في آيتي المائدة، قال تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة].
وفي هذه الآية سبعة أدلة على تحريم الخمر:
أحدها: قو له تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾.
стр. 3284
والثاني: قوله تعالى: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.
والثالث: قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
والرابع: قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾.
والخامس: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة:٩١].
والسادس: قوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.
والسابع: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾.
وهذا من أبلغ الزجر، فكأنَّه قال بعدما تلا عليكم من أنوع الصوارف والموانع: فهل أنتم معها منتهون، أم باقون على ما أنتم عليه، كأن لم توعظوا؟!.
٢ - لذا ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنَّ ما أسكر كثيره فقليله حرام، من أي نوع من أنوع المسكرات؛ سواء كان من العنب، أو التمر، أو العسل، أو الحنطة، أو الشعير، أو غير ذلك، فهو كله خمر حرام، يحرم كثيره وقليله، ولو لم يسكر القليل منه.
٣ - أما مذهب أهل الكوفة: فيرون أنَّ الأشربة المسكرة من غير عصير العنب لا تحرم، ولا يحد شاربها، ما لم تبلغ حد السكر.
أما مع الإسكار: فقد أجمع العلماء على إقامة الحد.
قال القرطبي: وهذه الأحاديث تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأنَّ الخمر لا يكون إلاَّ من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسنة الصحيحة، وعمل الصحابة، ﵃.
وتقدَّم الخلاف في ذلك.
٤ - أما النبيذ: وهو الماء يلقى فيه تمر أو زبيبٌ، أو نحوهما؛ ليحلو به الماء،
стр. 3285
وتذهب ملوحته، فهو مباح، ما لم يتخلل، أو تأتي عليه ثلاثة أيام بلياليهن، فيسقى الداجن ونحوها، أو يراق؛ لينبذ في وعائه غيره، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ ينبذ له الزبيب، فيشربه إلى اليوم الثالث، فإن فضل شيء أراقه.
٥ - قال الشيخ تقي الدين: الحشيشة نجسة، وضررها أعظم من ضرر الخمر، وإن لم يتكلَّم عنها المتقدمون؛ لأنَّها إنَّما حرمت في أواخر المائة السادسة.
٦ - قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: وصلنا خطابكم باستفتائكم عن شجر القات،
وبعد مراجعة النصوص في ذلك، أفتينا بتحريمها، ومنع زراعتها، وتوريدها، واستعمالها، وغير ذلك.
٧ - قالت هيئة كبار العلماء: القات محرَّم، لا يجوز لمسلم أن يتعاطاه، أكلاً، وبيعًا، وشراء، وغير ذلك من أنواع التصرفات.
٨ - وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: ليعلم كل أحد تحريمنا للتنباك، نحن ومشايخنا، وكافة أئمة الدعوة النجدية، وسائر المحققين سواهم من علماء الأمصار، من حين وجوده بعد الألف بعشرة أعوام، أو نحوها حتى عامنا هذا، وهذا استنادًا على الأصول الشرعية، والقواعد المرعية.
***
стр. 3286
١٠٨٧ - وعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ". أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
وقد ورد عن عدَّة من الصحابة:
١ - أم سلمة: أخرجه ابن حبَّان، والبيهقي.
٢ - ابن مسعود، أخرجه البخاري تعليقًا.
٣ - وائل بن حُجر: رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، وصحَّحه ابن عبد البر.
...
стр. 3287
١٠٨٨ - وَعَنْ وَائِلٍ الحَضْرَمِيِّ، أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ ﵄ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَال: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُمَا (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- للدواء: ما يتداوى به، ويعالج، جمعه: أدوية.
- داء: -بفتح الدال، ممدود- هو المرض، ظاهرًا كان أو باطنًا.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
القاعدة الشرعية المستمدة من هذه الآية الكريمة، وأمثالها من نصوص الكتاب والسنة-: أنَّ الشارع الحكيم لا ينهى إلاَّ عمَّا مفسدته خالصة، أو راجحة.
٢ - الخمر أساسها مادة "الكحول" بكميات مختلفة، وهذه المادة توجد بنسبة خفيفة في جسم الإنسان؛ لتساعد في عملية هضم المواد السكرية، ولها فوائد طبية.
هذه الفوائد الطبية موجودة بنسبة كافية في البدن، وتلك النشوة المؤقتة التي يجدها الشارب، أو ذلك المكسب المادي من وراء التجارة بها، هذه هي المنافع القليلة التي فيها، ويوجد فيما أحلَّ الله أكثر منها، وأفضل، مع أنَّ هذه المنافع يقابلها من المضار والمفاسد ما لا يعلمه إلاَّ الذي حرمها،
стр. 3288
تبارك وتعالى.
٣ - قال الأستاذ طبارة: إنَّ تأثير الخمر يبدأ بمجرَّد وصول عشرة جرامات من الكحول إلى الدم، وهذا القدر يوجد في كأس واحد من "الوِيسْكي"، أو "الكُونيَاك"، وقد لا يصل إلى درجة السكر.
٤ - الجرعة الواحدة من الخمر تحدث شيئًا من الارتفاع في ضغط الدم، يتضاعف إذا كان الشخص مرتفع الضغط من نفسه.
٥ - إذا كانت كمية الخمر وافرة، كانت كافية لأن تحدث هيجانًا يزيد في الضغط، لدرجة ينفجر معها شريان في المخ، يسبب شللاً.
٦ - الخمر لها تأثير في الوراثة، فقد شوهد أنَّ أولاد السكيرين ينشئوا غير صحيحي الجسم، ضعفاء البنية، ناقصي العقول، ويكون لديهم ميل إلى الإجرام، ودافع إلى الشر.
٧ - وقد أشار بعض الكُتَّاب الغربيين في مكافحة الخمر "بتنام" في كتابه "أصول الشرائع" يقول ما نصه: "النبيذ في الأقاليم الشمالية يسبب البله، وفي الأقاليم الجنوبية الجنون".
وقد حرمت ديانةً جميع المشروبات، وهذه من محاسنها.
وقال أيضًا: وقد أثبت العلم الحديث أنَّ الخمر لا فائدة منها في التداوي، وأنَّ فكرة التداوي بالخمرة كانت خاطئة، وهذا ما سبق إليه الإسلام، ويدل على الإعجاز العلمي في الأحاديث الشريفة.
٨ - فالحديثان دليلان على أنَّه يحرم التداوي بشرب الخمر، وقد ظهرت -ولله الحمد- حكمة التشريع في تحريمها، وأنَّها داء، وليست بدواء.
***
стр. 3289
باب التعزير
مقدمة
التعزير: مصدر من: العَزْر، وهو لغة: اللوم، وعزَّره تعزيرًا: لامه وردَّه، ومنه سمِّي التأديب الذي دون الحد: تعزيرًا؛ لأنَّه يمنع ويرد الجاني من معاودة الذنب.
وتعريفه شرعًا: عقوبة غير مقدرة تجب حقًّا لله، أو لآدمي في كل معصية لا حد فيها، ولا كفارة.
والمعاصي التي لم يقدر لها حدود هي الكثرة الغالبة في الشريعة، فإنَّ العقوبات المحددة هي: الردة، والزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق.
قال الشيخ عبد القادر عودة: التعازير مجموعة من العقوبات غير مقدرة، تبدأ بأتفه العقوبات، كالنصح والإنذار، وتنتهي بأشد العقوبات، كالحبس والجلد، وقد تصل للقتل في الجرائم الخطيرة، ويترك للقاضي أن يختار من بينها العقوبة الملائمة للجريمة، وبحال المجرم، ونفسيته، وسوابقه؛ لأنَّ ظروف الجرم، والمجرمين تختلف اختلافًا بينًا، فما يردع شخصًا عن جريمة، قد لا يردع غيره، ومن أجل هذا وضعت الشريعة لجرائم التعازير عقوبات متعددة مختلفة، هي مجموعة كاملة من العقوبات، تتسلل من أخف العقوبات إلى أشدها، وتركت للقاضي أن يختار من بينها العقوبة التي يراها كفيلة بتأديب الجاني، واستصلاحه، وحماية الجماعة من الإجرام.
стр. 3290
قال أبو ثور: التعزير على قدر الجناية.
وقال مالك: التعزير على قدر الجرم.
وقال أبو يوسف: التعزير على قدر عظم الذنب، وعلى قدر ما يراه الحاكم من احتمال المضروب.
وقال الشيخ تقي الدين: وقد يكون التعزير بالقتل، وقد يكون بالمال، إتلافًا وأخذًا.
***
стр. 3291
١٠٨٩ - عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الأنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا يُجلد: جلده: أصاب جلده، والجِلْد: غشاء الجسم، يقال: جلده بالسَّوط، أو السيف، أو نحوهما؛ أي: ضربه.
- أسواط: جمع "سوط"؛ وهو ما يضرب به من جلد؛ سواء كان مضفورًا، أو لم يكن.
- إلاَّ في حد: الحد لغة: المنع، وجمعه: "حدود"، ويراد بحدود الله محارمه، كما يسمى بها ما حده، وقدَّره من الأحكام، كما يراد بها أيضًا: العقوبات المقدرات، وهنا يجوز أن يراد بها: محارم الله؛ لكونها زواجر من الله تعالى ونواهٍ منه تعالى، ويجوز أن يراد بها: ما حده وقدره؛ لأنَّ الحدود مقدرة محددة، بلا زيادة فيها، ولا نقصان منها، ويجوز أن يراد بها العقوبات المقدرة من أجل تقديرها، من أجل أنَّها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب.
* ما يؤخذ من هذا الحديث:
١ - النساء، والصبيان، والخدم، ونحوهم، يجب على القائم على شؤونهم تهذيبهم، وتقويم أخلاقهم، ويكون بالتوجيه، والتعليم، والإرشاد، والقدوة الحسنة من راعيهم، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته.
٢ - إذا لم يفد التوجيه والتعليم، ثم التهديد والتخويف -فلا بأس من ضربهم،
стр. 3292
ضربًا غير مبرح، ولا مؤلم، تتقى فيه المواطن الحسَّاسة، والأعضاء الشريفة، كالوجه، ولا يزاد عن عشرة أسواط؛ فإنَّهم هم المقصودون بهذا الحديث، في أصح أقوال العلماء في معنى هذا الحديث.
٣ - ظاهر الحديث تحريم الزيادة على عشرة أسواط؛ لأنَّ الحديث جاء بصيغة النَّهي، والأصل فيه التحريم.
٤ - حدود الله تعالى تطلق ويراد بها: كالعقوبات المقدرة، كالزنا والقذف، ويراد بها عقوبات غير مقدرة، كالعقوبة على الإفطار في نهار رمضان، ومنع الزكاة، وغير ذلك من فعل المحرَّمات، أو ترك الواجبات.
٥ - والمراد بقوله ﷺ : "لا يجلد أحد فوق عشر جلدات، إلاَّ في حد من حدود الله" المراد به: المعصية، وأنَّ الذي لا يزاد على ذلك تأديب الصغير، والزوجة، والخادم، ونحوهم في غير معصية.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في المراد من معنى قوله: "إلاَّ في حد من حدود الله"-: فبعضهم ذهب إلا أنَّ المراد "بالحدود" هي التي قدرت عقوبتها شرعًا، كحد الزنا، والقذف، والسرقة، والقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف، والجروح.
فعلى هذا يكون ما عداها من المعاصي، هو الذي عقوبةُ مرتكبه التعزير، وهو من عشرة أسواط، فما دون، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، على أنَّ الأصحاب يريدون بالتعزير المقدر لمن كان قد فعل المعصية.
أما المقيم عليها، فيعزر حتى يقلع عنها، ولذا قال شيخ الإسلام: "والذين قدروا التعزير من أصحابنا، إنَّما هو فيما إذا كان تعزيرًا على ما مضىى من فعل، أو ترك.
فإن كان تعزيرًا لأجل ما هو فاعل له، فهو بمنزلة قتل المرتد، والحربي،
стр. 3293
وقتال الباغي، وهذا تعزير لا يقدر، بل ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال، يجوز أن يمنع ولو بالقتل وله بقية.
وعنه: أنَّ كل معصية لها مثل المقدر، لا يبلغ بها حد المقدر، كأن يزني بجارية له فيها شرك، فيجلد مائة سوط، إلاَّ واحدًا.
ومذهب أبي حنيفة، والشافعي: أنه لا يبلغ بالتعزير الحدود المقدرة.
وذهب بعض العلماء إلى: أنَّ معنى قوله: "إلاَّ في حد من حدود الله": أنَّ المراد بحدود الله: أوامره ونواهيه، وأنَّه ما دام التعزير لأجل ارتكاب معصية: بترك واجبٍ، أو فعل محرَّم، فيبلغ به الحدّ الذي يراه الإمام رادعًا، وزاجرًا من ارتكابه، والعودة إليه.
وذلك يختلف باختلاف المكان والزمان، وباختلاف الأشخاص، وباختلاف المعصية، فبالأزمنة والأمكنة، حكم بالتخفيف، أو التشديد في عقوبة العصاة، وكنالك الأشخاص، لكل منهم أدبه اللائق، والكافي لردعه، فبعضهم يكفيه التوبيخ، وبعضهم الضرب والجلد، وبعضهم الحبس، وبعضهم أخذ المال.
والذين يندر أن تقع منهم المعاصي، وهم ذوو الهيئات، فينبغي التجاوز عنهم، وبعضهم مجاهرون معاندون، فينبغي النكاية بهم.
والمعاصي تختلف في عظمها وخفتها، فينبغي للحاكم ملاحظة الأحوال والظروف، والملابسات، ليكون على بصيرة من أمره، ولتكون تعزيراته وتأديباته واقعة موقعها، وافية بمقصودها، وهو راجع إلى رأي الحاكم، فقد يكون بأخذ المال، وقد يكون بالقتل.
وكل هذه العقوبات، لها أصل في الشرع، وإليك كلام العلماء في هذا الباب:
قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- فيمن شرب خمرًا في نهار رمضان، أو أتى شيئًا نحو هذا: "أقيم عليه الحد، وأغلظ عليه، مثل الذي يقتل في
стр. 3294
الحرم دية، وثلث دية".
وقال أيضًا: "إذا أتت المرأة المرأة، تعاقبان وتؤدبان".
وقال أيضًا فيمن طعن على الصحابة: "إنَّه قد وجب على السلطان عقوبته، فإن تاب، وإلاَّ أعاد العقوبة".
وقد أطال الناقل عن شيخ الإسلام في "الاختيارات" في هذا الباب فنجتزىء من ذلك بفقرات، تبين رأيه، وتنير الطريق في هذه المسألة.
قال ﵀: "وقد يكون التعزير في النيل من عِرضه، مثل أن يقال: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس".
وقال: "والتعزير بالمال سائغ، إتلافًا وأخذًا، وهو جارٍ على أصل أحمد، لأنَّه لم يختلف أصحابه أنَّ العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها".
وقول الشيخ أبي محمَّد المقدسي: "ابن قدامة": ولا يجوز أخذ مال المعزر إشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة.
وقال: "ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنَّه كتم الخبر الواجب، كما يملك تعزير المقر إقرارًا مجهولاً حتى يفسره، أو من كتم الإقرار".
وقد يكون التعزير بتركه المستحب، كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله، بترك تشميته".
وقال: "وأفتيت أميرًا مقدمًا على عسكر كبير في الحربية، لمن نهبوا أموال المسلمين، ولم ينزجروا إلاَّ بالقتل، أن يقتل من يكفون بقتله، ولو أنَّهم عشرة؛ إذ هو من باب دفع الصائل".
وقال ابن القيم: "والصواب أنَّ المراد بالحدود هنا: الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه".
وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة]
стр. 3295
وفي أخرى: وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقال: أما الذي لا يزاد على الجلدات العشر، فهي التأديبات التي لا تتعلَّق بمعصية، كتأديب الأب ولده الصغير.
وقال أبو يوسف: "التعزير على قدر عظم الذنب وصغره، وعلى قدر ما يرى الحاكم من احتمال المضروب، فيما بينه وبين أقل من ثمانين".
وقال الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: "التعزير على قدر الجرم، فإن كان جرمه أعظم من القذف، ضرب مائة أو أكثر".
وقال أبو ثور: التعزير على قدر الجناية، وتسرع الفاعل في الشر، وعلى قدر ما يكون أنكى، وأبلغ في الأدب، كان جاوز التعزير الحد، إذا كان الجرم عظيمًا، مثل أن يقتل الرجل عبده، أو يقطع منه شيئًا، أو يعاقبه عقوبة يسرف فيها، فتكون العقوبة فيه على قدر ذلك، وما يراه الإمام إذا كان عدلاً مأمونًا.
وقال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى وجميع هؤلاء الأئمة-:
"والصحيح جواز الزيادة في التعزير على عشر جلدات، بحسب المصلحة والزجر".
فهذا أقوال الأئمة، وآراؤهم في التعزير، رحمهم الله تعالى.
فائدتان عن شيخ الإسلام:
الأولى: كان عمر بن الخطاب يكرر التعزير، ويفرقه في الفعل، إذا اشتمل على أنواع من المحرَّمات، فكان يعزر في اليوم الأول مائة، وفي اليوم الثاني مائة، وفي اليوم الثالث مائة، يفرق التعزير؛ لئلا يفضي إلى فساد بعض الأعضاء.
الثانية: الذي عنده مماليك وغلمان يجب عليه أن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وإذا كان قادرًا على عقوبتهم، فينبغى له أن يعزرهم على ذلك، إذا لم يؤدوا الواجبات، ويتركوا المحرَّمات.