٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ, فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَلِلْحَاكِمِ: "أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ". وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
وله شاهدٌ في الصحيحين، في تعذيب أحد صاحبي القبرَيْن بسبب عدم تنزُّهه من البول، وأَمَّا زيادة الحاكم، فقال المصنِّف: صحيحُ الإسناد، وصحَّحه الدَّارقطني، والنووي، والشوكاني.
* مفردات الحديث:
- استنزهوا من البول: يُقال: نَزُهَ يَنْزُهُ نَزهًا: باعد نفسه ونحَّاها عن القبيح، فالمعنى: اطلبوا النَّزاهة بابتعادِكُمْ عن البول، فالنَّزاهة: هي البعد عمَّا يستكره.
- عامَّة عذاب القبر منه؛ مؤنَّثُ عامٍّ، أي: أكثر عذاب القبر سَبَبُهُ عدمُ التنزُّه من البول؛ كما جاء في رواية الحاكم: "أكثر عذاب القبر من البول".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحرص على التنزُّه والابتعاد من البول بأنْ لا يصيبه في بدنه ولا ثوبه.
٢ - الأفضلُ المبادرةُ بغَسْله، والطَّهارةُ منه بعد إصابته؛ لئلَّا تصاحبه النَّجاسة، أمَّا وجوبُ إزالتها: فيكون عند الصلاة.
٣ - أنَّ البول نجس، فإذا أصاب بدنًا أو ثوبًا أو بقعةً، نجَّسها؛ فلا تصح بذلك
стр. 352
الصلاة؛ لأنَّ الطهارة من النَّجاسة أحد شروطها.
٤ - أنَّ أكثر عذاب القبر من عدم التحرُّز من البول؛ كما جاء في الصحيحين أنَّ النَّبي ﷺ مرَّ بقبرين فقال: "إنَّهما يعذَّبان وما يعذَّبان بكبير، أمَّا أحدهما: فكان لا يستبرىء من البول، وأمَّا الآخر: فكان يمشي بالنَّميمة".
٥ - إثبات عذاب القبر، وأنَّه حقٌّ؛ ففي البخاري (١٣٧٢)، ومسلم (٥٨٦) عن عائشة قالت: سألتُ النَّبيَّ عن عذاب القبر؟ قال: "نعم، عذاب القبر حق".
ومذهبُ أهل السنَّة: أنَّ عذاب القبر على الرُّوح والبدن.
قال شيخ الإِسلام: العذابُ والنَّعيمُ على النَّفْسِ والبدن جميعًا، باتفاق أهل السُّنَّةِ والجماعة.
٦ - إثباتُ الجزاء في الآخرة، فأوَّلُ مراحل الآخرة هي القبورُ، فالقبر: إمَّا روضةٌ من رياض الجنَّة، أو حفرةٌ من حُفَرِ النَّار.
٧ - قال شيخ الإِسلام: الصحيحُ جوازُ ملامسة النَّجاسة للحاجة إذا طهَّر بدنه وثيابه عند الصلاة، ولا يكره ذلك في أصحِّ الرِّوايتين، وهو قول أكثر الفقهاء.
٨ - قال الشيخ: قوله ﵊: "فإنَّه لا يتنزَّه من بوله" الاستبراء لا يكونُ إلاَّ مِنْ بَوْلِ نفسه، الذي يصيبه غالبًا في فَخِذَيْهِ وساقيه، وربَّما استهان بإنقائه، ولم يُحْكِمِ الاستنجاء منه.
***
стр. 353
٩٠ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "عَلَّمَنَا ﷺ فِي الْخَلَاءِ أَنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى, وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال الإمام النووي ﵀ في المجموع (٢/ ٨٩): الحديث ضعيف لا يحتجُّ به، لكن يبقى المعنى، ويُسْتأنس بالحديث.
قال في التلخيص: رواه الطبراني، والبيهقي، من طريق رجل من بني مدلج عن أبيه، وفي إسناده من لا يُعْوَف، قال الحازمي: لا نعلم في الباب غيره، وادَّعى ابن الرفعة أنَّ في الباب عن أنس، فلينظر. أهـ.
* مفردات الحديث:
- الخلاء: بفتح الخاء والمد، أصله: المكان الخالي، فَسُمِّيَ به المكانُ المُعَدُّ لقضاء الحاجة، لخلوِّه من النَّاس، أو لِخَلْوة الإنسان به.
- نقْعُد: يُقال: قَعَدَ يَقْعُدُ قعودًا، من باب نصر، والقعود: الجلوس، إلاَّ أنَّ القعود فيه لبث.
- ننصب: نَصَبَ يَنْصِبُ نَصْبًا، من باب ضرب، أي: رفع، والمراد: أنْ يرفع رجله اليمنى حال قضاء الحاجة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ نصبِ الرجل اليمنى، والتحامُلِ على الرِّجل اليسرى، وذلك أثناء
стр. 354
قضاء الحاجة.
٢ - قال العلماء: إنَّ هذه الكيفية تسهِّل خروج الخارج.
٣ - أنَّ الشريعة المحمدية جاءتْ بكلِّ ما فيه صلاح، ونهت عن كلِّ ما فيه ضرر، وأنَّها لم تترك شيئًا من أمور العبادة إلاَّ بيَّنته، حتَّى في هذه الحال، وجَّهتهم إلى ما فيه راحتهم وصِحَّتهم.
٤ - قال الدكتور الطبيب محمد علي البار: إنَّ أحسن طريقة فسيولوجية لقضاء الحاجة لإخراجِ الفضلاتِ: الجلوسُ على الأرض، والاتكاء على الرِّجْلِ اليسرى؛ وذلك أن شكل المستقيم -وهو آخر الأمعاء الغليظة، وفيه تنخزن الفضلات- على شكل (٤)، فإنْ اتكأ على اليسرى؛ صار مستقيمًا، وسهُل نزولُ الغائط، كما أنَّ خَلْفَ المستقيم مِعًى غليظًا يدعى "القولون السيني"؛ لأنَّه على شكل (س)، وكذلك يستقيم وضعه عند الاتكاء على الرِّجل اليُسْرَى، وذلك كله من أسباب سهولة خروج الفضلات.
٥ - لا شك أنَّ هذا من الإعجاز العلمي في السنَّة المطهَّرة، وأنَّ هذه التَّعاليم الحكيمةَ الرَّشيدةَ من حكيمٍ عليم.
***
стр. 355
٩١ - وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ -أو ازْدَادَ- عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
رواه ابن ماجه، وأحمد (١٨٥٧٤)، وأبو داود في المراسيل، والبيهقي (١/ ١١٣)، وأبو نعيم في المعرفة، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٨١)، كلُّهم من رواية عيسى بن يزداد، عن أبيه.
قال ابن معين: لا يُعْرَفُ عيسى ولا أبوه.
وقال أبو حاتم: حديثُهُ مرسل، ولا صحبةَ له.
وقال النوويُّ في شرح المهذَّب: اتفقوا على أنَّه ضعيف.
وقال ابن القيِّم في إغاثة اللهفان: راجعتُ شيخنا -يعني ابن تيمية- في السلت والنتر، فلم يره، وقال: لم يَصِحَّ الحديث.
* مفردات الحديث:
- فيلنتر ذكره: نَتَرَ ذكره بالمثنَّاة: جذبَهُ أو قذفه بشدَّه، قال في القاموس: استنتر مِنْ بوله: اجتذبه، واستخرج بقيَّته من الذكر عند الاستنجاء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - نتر الذكر هو جَذْبُهُ؛ ليقذفَ بقيَّةَ البول بشدَّة.
٢ - الحديثُ على استحبابِ النتر ثلاث مرَّات بعد البول.
стр. 356
٣ - الحكمة في ذلك هو إخراجُ بقيَّة البول من الذَّكر إلى الخارج زيادةً في الإنقاء، وتخلُّصًا من بقيَّة البول.
٤ - استحبابُ النتر والسلت هو المشهورُ من مذهب الإمام أحمد، والَّذي مشى عليه أصحابُهُ في مصنَّفاتهم.
قال في الإنصاف: نصَّ على ذلك، وقال به الأصحاب.
٥ - قال شيخ الإِسلام: سلت الذَّكر ونتره بدعةٌ، والبولُ يخْرُجُ بطبعه.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيحُ أنَّه لا يستحبُّ المسح والنتر؛ لعدم ثبوت ذلك، ولأنَّه يُحْدِثُ الوسواس.
قال النووي: ينبغي أنْ لا يُتَابعَ الأوهام؛ فإنَّه يؤدِّي إلى تمكين الوسوسة في القلب.
***
стр. 357
٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءٍ, فَقَالَ: "إنَّ اللهَ يُثْنِي عَلَيْكُمْ، فَقَالوا: إِنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ" رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيْفٍ (١)، وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُوْنِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ بدون ذكر الحجارة، ضعيفٌ معها.
قال في التلخيص: حديث قباء: " ... وكانوا يجمعون بين الماء والحجارة"، رواه البزَّار في مسنده، وقال لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلاَّ محمَّد بن عبد العزيز، ومحمد بن عبد العزيز ضعَّفه أبو حاتم؛ ولذا قال النووي في شرح المهذَّب: المعروفُ من طرق الحديث أنَّهم كانوا يستنجون بالماء، وقال في الخلاصة: وأمَّا ما اشتهر في كتب التفسير والفقه مِنْ جمعهم بين الأحجار والماء، فلا يُعْرَفُ، والمحفوظُ الاقتصار على الماء.
وضعَّفه أبو حاتم، والنووي، وابن القيم، وابن حجر، وقال المحب الطبري: لا أصل له، ومرادهم الجمع بين الماء والحجارة، وأمَّا الاقتصار على الماء، فقال الشيخ الألباني: الصحيح أنَّ الآية نزلت في استعمال الماء فقط، كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا.
وبالاقتصار على الماءِ صحَّحه ابن خُزَيْمَةَ، وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فصحَّ الحديث بشواهده.
стр. 358
* مفردات الحديث:
- قباء: بضم القاف، وفتح الباء الموحَّدة التحتية المخفَّفة.
قال البكري: من العرب من يُذَكِّرُهُ وَيَصرِفه، ومنهم من يؤنِّثه ولا يصرفه.
قال النووي: الذي عليه المحقِّقون: أنَّه ممدود مذكَّر مصروف.
وقباء: حيٌّ في المدينة معروف، كان يسكنه بطنٌ من الأنصار يُقال لهم: بنو عمرو بن عوف، في هذا الحي المسجد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨].
- نتبع الحجارةَ الماءَ: ينزِّهون أدبارهم بالحجارة من الغائط، ثم يغسلونها بالماء؛ ليحصل كمال الإنقاء.
- أثنى عليكم: قال في المصباح: الثناء بالفتح والمد، يقال: أثنيْتُ عليه خيرًا وبخير، وأثنيْتُ عليه شرًّا وبشرٍّ، نص عليه جماعةٌ منهم صاحب المُحْكَم.
وقال بعضهم: لا يستعمل الثَّناء إلاَّ بالحسن، وفيه نظر؛ ففي البخاري (١٣٠١) ومسلم (٩٤٩): "أن الصحابة مرُّوا بجنازةٍ، فأثنوا عليها خيرًا، فقال ﵊: وَجَبَتْ، ثمَّ مرَّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال: وجبت، فسُئِلَ عن قوله: وجبت، فقال: هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار"، ولأنَّ الثناء مجرَّد الوصف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أثنى الله تعالى على أهل قباء -إحدَى قبائل الخزرج، وهم بنو عمرو بن عوف -بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة]؛ فسألهم النَّبيُّ ﷺ عن سبب هذا الثَّناء؟ فقالوا: إنَّا نتبع الحجارة الماء عند الاستنجاء.
٢ - في هذا دليلٌ على إزالة النَّجاسة من السبيل بتخفيفها بالحجارة، ثمَّ إتباعها الماء، هو أكمَلُ التطهُّر؛ حيث لم يبق بعد هذا أثر النَّجاسة.
стр. 359
٣ - أحوال الاستنجاء ثلاث:
(أ) أكملها استعمالُ الحجارة، ثمَّ إتباعُها بالماء حتَّى الإنقاء.
(ب) يليها الاقتصارُ على الماء فقط.
(ج) آخرها رتبةً وفضلًا الاقتصارُ على الحجارة؛ لأنَّ الماء أبلغ في الإنْقَاء وإزالة النَّجاسة.
***
стр. 360
باب الغسل وحكم الجُنُب
مقدمة
الغُسْلُ: بضم الغين: اسم مصدر للاغتسال، يعني الفعل.
وشرعًا: استعمالُ الماء في جميع البدن على وجهٍ مخصوص، وهو ثابتٌ بالكتاب والسنَّة والإجماع:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ، ومنها: "إذا جلَسَ بين شعبها الأربَعِ، ثمَّ جهدها؛ فقد وَجَبَ الغسل" [رواه البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨)].
وأجمع العلماء على أنَّ الجنابة تَحُلُّ جميعَ البدن، وأنَّه يجبُ الغسلُ منها.
وسُمِّيَ جُنُبًا؛ لأنَّهُ يجتنب بعض العبادات وأمكنتها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النِّساء: ٤٣]، وأجمع الأئمة على أنَّه يَحْرُمُ على الجنب المُكْثُ في المسجد، ورخَّص أحمدُ للمتوضِّىء في المكث في المسجد والنَّوم؛ لفعل الصحابة.
حكمةُ الاغتسال من الجنابة: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن أبي رافعٍ؛ أَنَّ النَّبي ﷺ طاف ذاتَ يومٍ على نسائه يغتسلُ عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: "هذا أزكى وأطيب وأطهر".
стр. 361
وقد ظهرت الآن هذه الحكمةُ النبوية، وهذا الإعجازُ العلمي، قال الجرجاوي: إنَّ الشَّارعَ الحكيمَ فرَضَ الاغتسال بعد خروج المنيِّ، ولم يفرضه بعد خروجِ البولِ، مع أنَّهما من مكانٍ واحدٍ وعضوٍ واحدة ذلك أنَّ البول عبارة عن فضلة المأكول والمشروب، وأمَّا المنيُّ فهو عبارةٌ عن مادَّةٍ مكوَّنةٍ من جميع أجزاء البدن، ولذا نرى الجسم يتأثَّر بخروجه، ولا يتأثَّر بخروج البول؛ ولذا نرى الإنسان بعد الجماع تضعُفُ قوَّة بدنه، فالغسلُ بالماء يُعِيدُ إلى البدن هذه القوَّة المفقودة بخروجِ المنيِّ؛ كما أنَّ خروج هذه القوَّة من الجِسْمِ تسبِّب الكسل، والاغتسالُ يعيد إلى الجسْمِ نشاطه.
وقد صرَّح الأطبَّاء أنَّ الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، وأنَّه أنفع شيء له في تنشيط دورة الدم في الجسم؛ ليعود إليه نشاطه وقوته، وأنَّ ترك الاغتسال يسبِّب له أضرارًا كبيرة.
فالطَّهارة عمليةٌ نافعةٌ جدًّا للرَّجُلِ والمرأة على السَّواء، إذا فقد بالعملية الجنسية النَّشاط والحيوية، فإنَّ الاغتسالَ يعيدُ إلى الجسمِ ذلك النَّشاطَ، وتلك الحيوية، ولله في شَرْعِهِ حِكَمٌ وأسرار.
***
стр. 362
٩٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الماء من الماء: مبتدأٌ وخبر، فالماءُ الأوَّل؛ ماءُ الاغتسال، والثَّاني: المنيُّ النَّازلُ دفقًا بلذةٍ، وقد سمَّاه اللهُ مَاءً؛ فقال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦]، وبين اللفظين جناس تام لاتفاق حروفهما في الهيئة والنَّوع والعدد والتَّرْتيِب.
- مِن: للتَّعْليل، وفي بعض الطرق: "إنَّما المَاء من الماء".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديثُ يدلُّ على أنَّ وجوب الاغتسال من الجنابة لا يكون إلاَّ من إنزال الماء الذي هو المني، وأنَّه إنْ لم ينزلْ، فلا غُسْلَ عليه من الجنابة.
٢ - الحديث يدلُّ على أنَّ هذا الحكم بمفهوم الحصر المستفاد من تعريف المسند إليه، وهو الماء الأوَّل، كما وَرَدَ في الصحيح محصورًا بأداة "إنَّما" بقوله: "إنَّما الماء من الماء"؛ فهذا الحصر يفيد أنَّه لا غُسْلَ إلاَّ من الإنزال.
٣ - الاغتسال هو إفاضة الماء على عموم الجسم، وأجمعوا على مشروعيَّة الدلك، إلاَّ أنَّهم اختلفوا هل يجب أو لا يَجِبُ؟ والصَّحيحُ الذي عليه الجمهور: أنَّه لا يجب؛ لأنَّ الدلك ليس مِنْ مسمَّى الاغتسال.
٤ - مفهومُ الحديث معارَضٌ بمنطوقِ حديثِ أبي هريرة الذي بعده، وليس له محملٌ يوجَّه إليه؛ ولذا قال جمهور العلماء: إنَّه منسوخٌ به.
стр. 363
٥ - الحكمةُ في الغسل من الجنابة -والله أعلم- أنَّ البدن بعد الجماع يصابُ بالخمولِ والكسل والضَّعف، والاغتسالُ يعيد إليه نشاطَهُ وحيويَّته وقوَّته، والله لطيفٌ بعباده.
وقد قال ﷺ عن الوضوء بعد الجماع: "فإنَّه أنشطُ للعود" [رواه ابن خزيمة (١/ ١١٠)، وابن حبَّان (٤/ ١٢)، والحاكم (٢/ ٣٣٣)]، فتعميم الغسمل بالماء أشدُّ نشاطاً وقوَّة.
***
стр. 364
٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ, ثُمَّ جَهَدَهَا, فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
إذا جلس: "إذا" شرطية، فعلها: جلس.
- شُعَبها الأربع: بضم الشين المعجمة، قال ابن الأثير: والشُّعَبُ: النواحي، واختلفوا في المراد بالشعب الأربع، والرَّاجح: أنَّ المراد بها يَدَا المرأة ورجلاها، وهو كنايةٌ عن الجماع.
- جهدها: يُقال: جَهَدَ في الأمر يَجْهَدُ جهدًا، من باب نَفَعَ، والجهد: الطاقة والمشقَّة، وفيه لغتان: ضم الجيم وفتحها، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغيرهم، وقيل: المضموم الطاقة، والمفتوح المشقَّة، والمراد هنا: بلوغ الرَّجل طاقته بحركته.
- فقد: "الفاء" رابطةٌ للجواب، و"جلس ثمَّ جهد": جملتان هما الشرط، "قد" حرف توكيد، وإذا دخلت على الماضي، أفادت تحقيق معناه؛ كما في هذا الحديث.
الغُسْل: "أل" هنا للعهد الذهني، وهو ما يكون مصحوبًا معهودًا ذهنًا، فينصرف إليه الفكر بمجرَّد النطقِ به، مثل "حَضَرَ الأمينُ".
والغُسْل: بضم الغين، المراد: به الفعل.
стр. 365
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الشُّعَبُ الأربع هنا: يدا المرأة ورجلاها، وجلوسُ الرجل بينها أثناءَ الجماعِ هي أليقُ صفةٍ من صفات الجماع، مع جواز غيرها، ما دام الإيلاجُ في مكان الحرث، وهو القُبُل.
٢ - أنَّ نَفْسَ الإيلاج بتغييب الحَشَفَة مُوجِبٌ للغسل، وإنْ لم يَحْصُلْ إنزال.
٣ - المراد بالجهد هنا الكَدُّ بحركته، الذي يكونُ مع الإيلاج، ويفسِّره روايةُ أبي داود (٢١٦): "وألزَقَ الختانَ بالختان، ثمَّ جهدها".
٤ - أنَّ منطوقَ الحديث ناسخٌ لمفهومِ حديث أبي سعيدٍ السَّابق، ودليلُ النسخ ما رواه الإمام أحمد (٥/ ١١٦) عن أُبي بن كعب قال: "كانوا يقولون: إنَّ الماءَ من الماءِ، رخصةٌ، كان رسول الله ﷺ رخَّص بها في أوَّل الإِسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعده"، صحَّحه ابن خُزَيمة وابن حبَّان، وقال الإسماعيلي: إنَّه صحيح على شرط البخاري، وهو صريح بالنسخ، ويؤيِّد هذا الحديث الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
قال الشَّافعي: الجنابة تُطْلَقُ بالحقيقة على الجماعِ ولو لم يحصُلْ إنزال.
أمَّا منطوقُ حديث أبي سعيد: فليس منسوخًا بحديث أبي هريرة؛ فإنَّ الإنزال يوجب الغسل.
٥ - قوله: "فقد وجب الغسل" فيه دلالةٌ على أنَّه ليس على الفَوْرِ؛ وهو إجماع العلماء.
***
стр. 366
٩٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ -وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ- قَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ, فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ الْغُسْلُ إِذَا احْتَلَمَتْ? قَالَ: نَعَمْ؛ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ ... " الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- احتلمت: من الحُلْمِ، بضم الحاء المهملة وسكون الَّلام، وهو عبارةٌ عمَّا يراه ويتخيَّله النَّائمُ في نومه من الأشياء، والمرادُ هنا: إذا رأتِ المرأةُ في نومها مثلَ ما يرى الرجلُ مِنْ صورة الجماعِ وتمثيله.
- رأت الماء: يعني: إذا خرجِ منهَا المني إثر الرؤيا المناميَّة؛ كما جاء في رواية ابن ماجه (٦٠٢): "لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ، حتَّى تُنْزِلَ كما يُنْزِلُ الرَّجُلُ".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ المرأة تحتلم في المنام كما يحتلم الرجل، فتتخيَّل العمليَّة الجنسيَّة في منامها كما يتخيَّل الرجل، فرُبَّمَا حَصَلَ منها إنزال.
٢ - هذا التخيُّل المناميُّ لا يَدُلُّ على نقصٍ في الدِّين، ما دام أنَّه يَلُمُّ بفُضْلَيَاتِ النِّساء، والنَّبيُّ ﷺ يسمعه منهنَّ، ولم ينصحهنَّ بمجاهدتِهِ وأسبابه، فهذا أمرٌ طبيعي، لمن عنده قوَّةٌ غريزيَّة كبتها العقلُ الظَّاهر، فإذا غابتْ مراقبة هذا العقل، تنبَّه العقلُ الباطن؛ ليُشْبعَ هذه الغريزة الطبيعية.
٣ - أنَّ المرأة إذا احتلمتْ ورأت الماء، فعليها الغسل.
стр. 367
٤ - أنَّ المرأة تنزلُ كما ينزل الرَّجل، فالجنينُ يولد من نطفتي الرَّجُلِ والمرأة، وهي نطفةُ الأمشاجِ التي قال الله تعالى عنها: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، ومن نطفتها يكونُ شبه الولد بها.
٥ - إثباتُ صفة الحياءِ لله تعالى إثباتًا حقيقيًا يليقُ بجلاله.
٦ - أنَّ الحياءَ لا ينبغي أنْ يمنع من تعلُّم العلم، حتَّى في المسائل التي عادةً يُسْتحيا منها؛ فقد قالت عائشة ﵂: "نِعْمَ النِّساءُ نساءُ الأنصار، لم يمنعْهُنَّ الحياءُ من التفقُّه في الدِّين".
٧ - أنَّ من الأدبِ وحسنِ المخاطبة أنْ يُقَدِّمَ أمام الكلامِ الذي يُسْتحيا منه مقدمةً تناسبُ المقام تمهيدًا للكلام، وليَخِفَّ وقعه، ولئلا يُنْسَبَ صاحبه إلى الجفاء.
٨ - مشروعيةُ سؤال الإنسان ما يحتاجُ إليه في أمور الدِّين.
٩ - الاحتلام المجرَّد عن الإنزال لا يوجبُ الغسل، لقوله ﷺ : "إذا رأت الماء".
١٠ - الذي يجد بعد استيقاظه من النومِ بللًا في ثوبِهِ أو بدنه، مِنْ ذكرٍ أو أنثى، لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أنْ يتحقَّق أنَّه منيٌّ، فيغتسل، ولو لم يذكر احتلامًا.
الثانية: أنْ يتحقق أنَّه مَذْيٌ، فهو نجاسةٌ لا غير، يجب عليه غسلها، وليس عليه غسل، وإنما يَغْسِلُ ذكره وأنثييه.
الثالثة: أنْ يكونَ جاهلًا بكونه منيًّا أو مَذْيًا، ففي هذه الحال:
إنْ سبق نومَهُ ملاعبةٌ أو فكرٌ أو انتشارٌ ونحو ذلك، فالغالب: أنَّه مَذْي؛ فيجب عليه غسل ما أصاب بدنه أو ثوبه منه، ولا يجب عليه غسل.
وإنْ لم يسبق نومَهُ خروجُ المذي، فهنا يجبُ عليه الغسل، ويجبُ عليه غَسْلُ ما أصاب بدنه أو ثوبه احتياطًا.
***
стр. 368
٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ قَالَ: تَغْتَسِلُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ مُسْلِمٌ: "فَقَالَتْ أُمُّ سُلَمَةَ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا? قَالَ: نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ?! ". (١)
ــ
* مفردات الحديث:
- نعم: حرف جواب، يؤتَى به للدلالة على جملة الجوابِ المحذوفة، فإذا قيل: أتذهَبُ؟ فقلت: نعم، فالمعنَى: نعم أذهَبُ؛ فالجَوابُ في الحديث تقديره: نَعَمْ على المرأةِ غُسْلٌ إذا احتلمَتْ.
- الشبه: بفتحتين، جمعه أشباه، وهو المثلُ والمشابهة.
قال في المصباح: أشبه الرجلُ أباه: إذا شاركه في صفة من صفاته.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه ما في الحديث الذي قبله مِنْ إمكانِ حُلْمِ المرأة في المنامِ كالرجل، وأنَّها إذا احتلَمَتْ وأنزلت، وجَبَ عليها الغسلُ من الجنابة.
٢ - وفيه أنَّ شبه الولد (ذكرًا أو أنثى) بأمِّه يكونُ مِنْ سبب مائها، الذي يلتقي بماء الرجل أثناء العمليَّة الجنسيَّة، فأي الماءين غلَبَ كان له الشبه؛ كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري، عن أنس؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "أمَّا الشبه في الولد، فإنَّ الرجل إذا غَشِيَ المَرأةَ فَسَبقَهَا ماؤه، كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها، كان الشبه لها".
٣ - قانونُ الوراثة عند الأطباء هو انتقالُ العواملِ التي تسبِّب في تشابه الذرية
стр. 369
بالأب والأم، بواسطة عمليَّة التناسُلِ في الحيوان، واكتُشِفَتْ أخيرًا الصِّبْغِيَّاتُ باعتبارها أساسًا ماديًّا بانتقالِ الصفات الوراثية، فيرث كلُّ فردٍ من أبويه عند إخصاب البويضة بالخليَّةِ الذَّكَرية، وليس هذا فحسبُ، بل إنَّ تأثير الوراثة ضِمْنَ الجِينَاتِ يمتدُّ عبر القرون ليتصلَ بالآباءِ والأجداد.
فالعلمُ الحديثُ كشَفَ أن ضمن "الجِينَاتِ" تكمُنُ أسرار، يظهرها الله تعالى متى شاء، ومِنْ ضِمْنِ تلك الأسرار: الصفاتُ والسيماتُ والملامحُ التي تعطي الإنسان صفته وشكله، واستعدادَهُ لكثيرٍ من الأخلاق والصفاتِ البدنية والنفسية، وهذا الاكتشافُ الجديد أظهَرَ معجزةً علميَّةً نبويَّة في الحديث الشريف، وهو قوله ﷺ : "عسى أنْ يكونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ" [رواه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠)].
٤ - قال الدكتور محمَّد علي البار:
هذه كلمةٌ موجزةٌ عن قانون الوراثة التي تنتقلُ بموجبها الصفاتُ الخَلْقِيَّة من الأبوين إلى المولود.
وخلاصةُ الكلام: أنَّ الصفاتِ الوراثيةَ إمّا أنْ تكونَ "سائدة"، أو "متنحِّية": فإذا كانتْ سائدة، فإنَّ وجودها في أحد الأبوَيْن يكفي لظهورها في نصف الذرية.
وإنْ كانت متنحية، فإنها لا تظهر في الذرية إلاَّ إذا كانتْ هذه الصفةُ موجودةً في الأبوين كليهما، دون أنْ تظهر عليهما، فتظهَرُ على ربع الذرية، ويكونُ الربع الثاني خاليًا تمامًا من هذه الصفات.
وبما أنَّ الصفاتِ الوراثيةَ محمولةٌ على ما يسمَّى "الصِّبغِيات"، وبما أنَّ هذه الصبغيات تكونُ على هيئة أزواجٍ في الخلايا الجسدية للأب أو للأم، فإنَّها تتعرَّض للانقسامِ الاختزاليِّ في المبيض، لتكون البيضة في الخصية ليكوَّن الحيوان المنوي.
стр. 370
ويمثِّل موضوعَ الوراثة قولُهُ تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾ [عبس]. فالتقديرُ يكونُ في النطفة؛ فإنَّ الصفاتِ الوراثيةَ كلَّها تحملها النطفة المذكَّرة من الآباء والأجداد، وتَحْمِلها النطفة المؤنَّثة "البويضة" من جهة الأمِّ مِنْ آبائها وأجدادها.
فقوله ﷺ : "فعسى أنْ يكونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ" تقريرٌ لكيفيَّةِ وراثةِ الصفات الوراثية "المتنحِّية"، التي لا تكون ظاهرةً في الأبوين، ويكونان حامِلَيْنِ لها، فتظهر في بعض الأولاد، والله أعلم.
***
стр. 371
٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ, وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ, وَمِنَ الْحِجَامَةِ, وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف، ومنهم من قوَّاه.
رواه الحاكم (١/ ٢٦٧) وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ونقل ابن عبد الهادي في المحرَّر عن الإمام البخاري أنَّه قال: رواة هذا الحديث كلُّهم ثقات، وتركه مسلم فلم يخرِّجه، ولا أراه تركه إلاَّ لطعن بعض الحفَّاظ فيه، في حين نقَلَ المنذريُّ في تهذيب سنن أبي داود، عن الإمام البخاري؛ أنَّ حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك، ونقل عن أبي داود أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، وأنَّه منسوخ.
وعلَّة ضعفه: أنَّ في سنده مصعَبَ بنَ شيبة، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال أحمد: رَوَى أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: لا يحمدونه، وليس بالقوي، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال الدَّراقطني: ليس بالقوي ولا بالحافظ، وقال ابن عدي: تكلَّموا في حفظه.
ووثَّقه كلٌّ من يحيى بن معين، والعجلي، ولكن الجرح المفسَّر مقدَّم على التعديل. والحديث الذي معنا صحَّحه ابن خزيمة، وضعَّفه كلٌّ من البخاري، والشَّافعي، وأبو داود، وابن المنذر، والخطابي.
والغُسْلُ من الجنابة، وللجمعة، ومِنْ غسل الميت: ثبت بأحاديث أخر.
стр. 372
* مفردات الحديث:
- أربع: لفظ العدد يؤنَّث مع المذكَّر، فيُقال: أربعةُ رجالٍ، ويذكَّر مع المؤنث فيُقال: أربعُ نساء، وذلك من الثلاثة إلى التسعة، وكذلك العشرة، إنْ لم تُرَكَّب.
- الحِجَامة: بكسر الحاء: حِرْفةُ الحَجَّام، وهي: امتصاصُ الدمِ بالمِحْجَم.
- غَسْل الميت: بفتح الغين: تغسيله بعد وفاته، وغاسل الميت: هو من يباشر تقليبه وَدَلْكَهُ ولو بحائل، لا مَنْ يَصُبُّ الماء ونحوه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديثُ على مشروعيَّة الاغتسال من هذه الأمور الأربعة الآتية:
(أ) الجنابة: والاغتسالُ منها واجبٌ إجماعًا، ونصوصُ ذلك في القرآن الكريم، وصحيح السنَّة؛ كما تقدم بعضه.
(ب) غسل يوم الجمعة: مستحبٌّ عند جمهور العلماء، وأوجبه بعضهم، وسيأتي ذكر خلافه، إنْ شاء الله، وسند من يرى الوجوبَ قولُهُ ﷺ : "غُسْلُ يومِ الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلمٍ" [رواه البخاري (٢٦٦٥) ومسلم (٨٤٦)].
(ج) الغسل من الحجامة: سُنَّةٌ وليس بواجبٍ لهذا الحديث، الذي ليس فيه إلاَّ فعله ﵇، وقيل: مباحٌ، ودليل الإباحة حديث أنس: "أنَّ النَّبي ﷺ احتجم وصلَّى ولم يتوضأ"؛ والحديث ليس بالقوي.
(د) الغسل من تغسيل الميت: لحديث أبي هريرة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من غسَّل ميتًا فليغتسلْ" [رواه أحمد (٩٥٥٣) والترمذي (٩٩١)]، وهو ضعيف؛ فقد قال الإمام أحمد وابن المديني: لا يصح في هذا الباب شيءٌ، وقال الذهبي: لا أعلم فيه حديثًا، وحديثُ الباب ضعيفٌ، كما تقدَّم في بيان درجة الحديث.
٢ - في الحديث دليلٌ على القاعدة الأصولية: (إنَّ دليل المقارنة ليس صحيحًا) فإنَّ الحديث جمع بين ما هو واجبٌ إجماعًا، وهو الغسل من الجنابة، وما ليس بوِاجبٍ إجماعًا، وهو الغسل من الحجامة؛ فهذا التفريق في نصٍّ واحد دليلُ ضعْفِ دلالة المقارنة.
стр. 373
٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ عِنْدَمَا أَسْلَم وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ" رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ؛ فقد رواه البيهقي (٩/ ٦٦) من طريق عبد الرزاق، وسنده صحيح من رجال الشيخين، وأصله فيهما، وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة (١/ ١٢٥).
* مفردات الحديث:
- ثمامة: بضم الثاء المثلثة، وفتح الميم المخففة.
- ابن أثال: بضم الهمزة، هو الحنفيُّ من سادات بني حَنِيفَةَ في اليمامة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ من موجبات الغسل إسلامَ الكافر، ولو مرتدًّا.
٢ - ظاهرُ الحديث وجوبُ الغسل، سواءٌ وجد منه في كفره ما يوجب الغسل، أو لا.
٣ - قال الفقهاء: الحكمةُ في وجوب الغسل عليه: أنَّ الكافر لا يَسْلَمُ غالبًا من جنابة، فأقيمتِ المَظِنَّةُ مُقامَ الحقيقة؛ كالنوم.
٤ - قال الفقهاء: ولا يلزم الذي أسلم غسلٌ آخر، بسبب حدث وجد منه في حال كفره، بل يكفيه غسلُ الإِسلام.
٥ - قال الفقهاء: يستحبُّ للكافر إذا أسلَمَ أنْ يَحْلِقَ شعره، ويغسل ثيابه أو
стр. 374
يبدلها بغيرها؛ لما روى أبو داود (٣٥٦)، والبيهقي (٨/ ٣٢٣)، عن عُثَيْم بن كثير بن كليب الحضرمي، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنَّه أسلم، فقال له النَّبي ﷺ : "ألق عنك شَعْرَ الكفرِ" قال النووي: إسناده ليس بالقوي؛ لأنَّ عُثَيْمًا ليس بمشهور، ولم يوثَّق، لكنَّ أبا داود رواه ولم يضعِّفه، وقد قال: إنَّه إذا ذكر حديثًا ولم يضعِّفه، فهو عنده صالح؛ فهذا الحديثُ عنده حسن.
* خلاف العلماء.
ذهب الإمامان مالك وأحمد: إلى وجوب الغُسْل عند الإِسلام من الكفر، سواءٌ حصَلَ منه حال كفره ما يوجبُ الغُسْلَ، أو لا، وهو مذهب أبي ثور، وابن المنذر؛ مستدلِّين بحديث الباب، وبما رواه أحمد والترمذي "أنَّ قيس بن عاصم لما أسلم أمره النَّبي ﷺ أنْ يغتسل"؛ قال الشيخ الألباني: إسناده صحيح، والأمر يقتضي الوجوب.
وذهب الإمام الشَّافعي: إلى أنَّه لا يجب عليه الغسل، إلاَّ أنْ يكون وجد منه حال كفره ما يوجب الغسل.
وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أنَّه لا يجب عليه الغسلُ بحال.
ودليلُ هؤلاء: أنَّ الإِسلام يَجُبُّ ما قبله، وأنَّ الجمَّ الغفير أسلموا فلو أمر كلَّ من أسلم بالغسل، لنقل نقلاً متواترًا، أمَّا حديث قيس بن عاصم: فيحمل على الاستحباب، قال الخطابي: وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم.
* تحقيق الخلاف:
قول الإمام الشافعي بأنَّ مَنْ وُجِدَ منه حالَ كفره ما يوجبُ الغسلَ وجَبَ عليه الغسلُ عند إسلامه، ومَنْ لا، فلا يجبُ عليه: قولٌ لا يؤيِّده دليل؛ لأنَّه لم ينقلْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يستفسرُ ممَّن دخل الإِسلام عن ذلك، ولو كان واجبًا، لسألهم، ولو سألهم، لنُقِل نقلاً متواترًا؛ لكثرة من يُسْلِمُ بمحضر الصحابة.
يبقى علينا القولُ بوجوبِهِ مطلقًا، أو استحبابِهِ مطلقًا؛ فقصَّة ثُمَامةَ بن أُثَالٍ
стр. 375
فيها روايتان:
إحداهما: أنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: "اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فَمُرُوهُ أنْ يغتسل" [رواه أحمد (٧٩٧٧) وابن خزيمة (١/ ١٢٥)].
ويؤيِّده حديثُ قيس بن عاصم؛ أنَّه أسلَمَ، فأمره النَّبي ﷺ "أنْ يغتسلَ بماءٍ وسدر" [رواه أحمد (٢٠٠٨٨)، والترمذي (٦٠٥) وحسَّنه].
أمَّا الرِّواية الثانية -التي في الصحيحين في قصَّة إسلام ثمامة-: فإنَّه هو الذي ذهب بنفسه واغتَسَلَ ثمَّ أسلم، فيكونُ اغتسالُهُ من باب إقرارِهِ عليه ﷺ لا أمره به، وهذا لا يدُلُّ على الوجوب؛ كما هو عند الأصوليين.
ولذا فالرَّاجحُ: أنَّ غسل الكافر إذا أسلم مستحبٌّ وليس بواجب؛ لما يأتي:
أوَّلًا: أنَّ العدد الكثير والجم الغفير أسلَمُوا، فلو أمر كلَّ من أسلم بالغسل، لنقل نقلًا متواترًا أو ظاهرًا.
ثانيًا: بعَثَ النَّبيُّ معاذًا إلى اليمن، وقال: "ادعُهُمْ إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله"، ولو كان الغسل واجبًا، لأمرهم به؛ لأنَّه أوَّل واجبات الإِسلام.
قال الخطابي: أكثرُ أهلِ العلم على استحبابِ الغسلِ، لا على إيجابه.
والاستحباب هو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها جماعةٌ من الحنابلة، قال في الإنصاف: وهو أولى.
وبهذا: فحديثُ قيس بن عاصم وحديثُ ثمامة بن أثال، يُحْمَلاَنِ على الاستحباب.
وقد أجمَعَ العلماءُ على مشروعية الاغتسال، إلاَّ أنَّ بعضهم يرى الوجوب، وبعضهم يرى الاستحباب.
***
стр. 376
٩٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١).
==
* مفردات الحديث:
- واجب: الواجبُ لغةً: الساقطُ؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: سَقَطَتْ.
وشرعًا: ما يُثابُ فاعله امتثالًا، ويستحقُّ العقابَ تاركه.
- مُحْتَلِم: بضم الميم، وسكون الحاء المهملة، ثمَّ تاء ولام وميم: بلَغَ سن الحُلُم.
قال في النِّهاية: بلغ الحلم: جَرَى عليه حكْمُ الرِّجال، سواءٌ احتلم أو لم يحتلم؛ فالمحتلم: هو البالغ المُدْرِك؛ ولذا فإنَّ الاحتلام هنا مجاز، والقرينةُ المانعة عن الحقيقة: أنَّ الاحتلام إذا كان معه الإنزال، فهو موجب للغسل، سواءٌ كان يوم الجمعة، أو لا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يحتمل نسبة الغسل إلى زمانه، وهو يوم الجمعة؛ فيكونُ الغسلُ خاصًّا لليوم، وفضيلتُهُ حاصلةٌ وَقَعَ الغسلُ قبل الصلاة أو بعدها.
ويحتملُ أنْ تكون نسبته إلى صلاة الجمعة، فهو من إضافة الشيء إلى سببه؛ وحينئذٍ لا تحصل فضيلةُ الغسل إلاَّ إِذَا وقع للصلاة قبلها، وهذا هو
стр. 377
الرَّاجحُ؛ لأنَّ سبب الحديث يشير إلى هذا المعنى، ولما جاء في البخاري (٨٧٧) ومسلم (٨٤٤) عن ابن عمر ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل"، وهو مذهب جمهور العلماء.
٢ - قوله: "على كلِّ محتلم" يدل على أنَّ غسل الجمعة -وإنْ كان واجبًا للصلاة نفسها- فإنَّه لا يجبُ على الصغار، وإنْ أتوا إليها وصلَّوْهَا، ولولا قيد "الاحتلام"، لوجب على كل من صلاها من الذكور، ولو كانوا صغارًا؛ لأنَّهم إذا تلبَّسوا بها، وجب عليهم كلُّ ما لا تتمُّ عبادتهم إلاَّ به، من الأركان والشروط والواجبات؛ وإلاَّ لَمَا صَحَّتْ عبادتهم.
٣ - ظاهر الحديث وجوب غسل يوم الجمعة على كلِّ بالغ، وفيه خلاف يأتي تحقيقه قريبًا إنْ شاء الله تعالى.
٤ - من لم يبلغ لا يجبُ عليه الغسل؛ لأنَّ التكاليفَ الشرعية لا تجبُ على الصغيرِ والمجنون.
٥ - تخصيصُ مشروعية الغسل يوم الجمعة، وتخصيصُهُ بالرِّجال دون النساء دليلٌ على أنَّ الغسل هو لصلاة الجمعة، فلا يجزىء بعدها، وتقدَّم ذكره.
٦ - الحديثُ يدُلُّ على أنَّ وجوبَ الأحكامِ الشرعيَّة منوطٌ بالبلوغ؛ فلا يجب قبله شيء، وتقدَّم بحثه.
٧ - جاء في مسلمٍ (٨٥٤) أنَّ النَّبي ﷺ قال: "خير يومٍ طلعَتْ عليه الشمسُ يومُ الجمعة".
٨ - ذكر "اليوم" في الحديث دليلٌ على أنَّ الغسل لا يجزىء في ليلةِ الجمعة، بل وقته هو مِنْ طلوعِ الفجر.
٩ - فيه دليلٌ على تعظَيمِ هذا اليوم الجليل، ويكونُ تعظيمُهُ بشعور القلب بذلك، وبالاستعدادِ للصلاةِ، واجتماعِهِ بالغسلِ والطيبِ واللباسِ الحسن، والتفرُّغِ للعبادة فيه.
стр. 378
١٠ - أخذ بعضُ العلماء من مشروعية اغتسال صلاة الجمعة، استحبابَ الاغتسالِ لكلِّ اجتماعٍ عامٍّ للعبادة؛ كصلاة العيد.
١١ - قال العلماء: يُسَنُّ أنْ يتنظَّف للجمعة بقَصِّ شاربه، وتقليم أظفاره، وقطع الروائح الكريهة بالسواك وغيره، وأنْ يتطيَّب، ويلبس أَحسَنَ ثيابه؛ لما روى البخاري (٨٨٣) عن سلمان الفارسي ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا يغتسلُ رجلٌ يوم الجمعة ويتطهَّرُ ما استطاعَ من طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ وَيَمَسُّ من طيبِ امرأتِهِ، ثُمَّ يصلِّي ما كُتِبَ له، إلاَّ غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأُخْرى".
***
стр. 379
١٠٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ, وَمَنِ اغْتَسَلَ، فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ, وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
مدار صحة الحديث مِنْ ضعفه، على صِحَّةِ سماع الحسن البصريِّ من سَمُرَةَ بنِ جندب، فقد اختلفَ العلماء في ذلك:
فعليُّ بن المَدِينيِّ، والترمذيّ، والحاكم: يحملون رواية الحسن عن سمرة على الاتصال، ويصحِّحون الحديث.
وقال البزار وغيره: لم يسمع منه، وإنَّما يحدِّث من كتابه.
قال ابن الملقِّن: وهو صحيحٌ على طريقة البخاري؛ لأنَّه يصحِّح حديث الحسن عن سمرة مطلقًا.
قال الألباني: رجاله ثقات، وله شواهد كثيرة.
* مفردات الحديث:
- من: اسمُ شرطٍ جازمٌ يجزم فعلين: الأوَّلُ فعلُ الشرط، والثَّاني جوابُهُ وجزاؤه.
- توضأ: فعل الشرط، وجوابه "بها"، والفاء رابطة.
- فيها: أي: بالسنة أخَذَ المتوضِّىء.
стр. 380
- نعمت: قال أبو عليٍّ القالي: ولا يجوزُ: نِعْمَة، -بالهاء؛ لأنَّ مجرى التَّاء فيها مجرى التَّاء في قامَتْ وقعدَتْ.
قال ابن السِّكيت: التاء ثابتة في الوقف.
قال في المصباح: نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، مبالغة في المدح، وقوله في الحديث: "فيها ونعمت" أي: نعمتِ الخَصْلَةُ السُّنَّةُ.
- أفضل: أَفْعَلُ التفضيل؛ إذِ الجانبُ المفضول فيه فضل، أقلُّ من الجانب الآخر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ غُسْل يومِ الجمعة في يومها قبلها؛ إذ إنَّه شُرِعَ لأجل الصلاة.
٢ - أنَّ من لم يتمكَّن من الغسل لعذر، أو لم يُرِدِ الاغتسالَ من دون عذر، كفاه الوضوء؛ ولكنْ فاته الأجرُ والفضيلة.
٣ - هذا الحديث دليلٌ على عدم وجوبِ الغسل لصلاة الجمعة، وهو معارض للحديث السَّابق الذي يفيد الوجوب.
* خلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة: إلى أنَّ غسل يوم الجمعة مستحبٌّ غير واجب.
واستدلُّوا على ذلك بحديث سمرة الذي معناة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من توضَّأ يوم: الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". أي: أنَّ من توضَّأ، فقد أخذ بالرخصة، ونعمتِ الرخصةُ التي أخذ بها، ومن اغتسل فقد زاد خيرًا، وهو أفضل من الاقتصار على الوضوء؛ وهذا حديثٌ صحيحٌ صريحٌ بعدم الوجوب؛ قال الألباني: رجاله ثقات، وله شواهدُ كثيرةٌ.
وذهب أهل الظَّاهر: إلى أنَّه واجبٌ، عملاً بحديث: "غسل يوم الجمعة واجب على كلِّ محتلم"، وبما في البخاري (٨٩٤) ومسلم (٨٤٤) أيضًا: "من
стр. 381
جاء منكم الجمعة، فليغتسل".
وتأوَّل الجمهور حديث أبي سعيد بأنَّه وجوبُ اختيارٍ لا وجوبُ إلزام؛ كقول الإنسان لصاحبه: حقُّكَ واجبٌ عليَّ.
وأنَّ الحديثَ ورَدَ موردَ التأكيدِ والاهتمامِ بالغُسْلِ لهذه الشعيرة الكبيرة.
وتوسَّط شيخ الإِسلام ابن تيمية فقال: هو مستحبٌّ، ولكنَّه يجبُ على مَنْ فيه رائحةٌ كريهة، وعنده عَرَقٌ يؤذي به المصلِّين والملائكة، فلا يجوز أنْ يحضر الجمعةَ واجتماعَ المسلمين بهذه الرَّائحة، حتَّى يقطعها بالاغتسال والتنظيف.
ويؤيِّد ما ذهب إليه الشيخ تقي الدِّين: ما جاء في البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧)، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النَّاس ينتابون الجمعةَ من منازلهم ومن العوالي، فيأتون بالعباء ويصيبهم الغبار، فيخرُجُ منهم الريح، فقال رسول الله ﷺ : لو أنَّكم تطهَّرْتُمْ ليومكم هذا".
أمَّا ابنُ القيِّم فقال في الهَدْي: الأمرُ بالغُسْلِ يومَ الجمعة مؤكَّدٌ جِدًّا، ووجوبُهُ أقوَى من وجوبِ الوتر، وقَراءةِ البسملة في الصلاة، ووجوبِ الوضوء مِنْ مَسِّ النِّساء، ووجوبِهِ من مسِّ الذَّكر، ومِنَ الرُّعَافِ والحجامة.
***
стр. 382
١٠١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْخَمْسَةُ, وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَةُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
قال في التلخيص: رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن ماجه، وابن حبَّان، والحاكم (١/ ٢٥٣)، والبزَّار، والدَّراقطني (١/ ١١٩)، والبيهقي (١/ ٢٨٨)، وألفاظهم مختلفةٌ، وصحَّحه الترمذي، وابن السكن، وعبد الحق، والبغوي.
قال ابن خزيمة: قال شعبة: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال أيضًا: لم أحدِّثْ بحديثٍ أحسَنَ منه. أهـ.
* مفردات الحديث:
- كان: قال ابن دقيق العيد: "كان يفعل كذا" بمعنى: أنَّه يتكرَّر منه فعله، وكانت عادته، وقد تستعملُ "كان" لإفادة مجرَّدِ الفعل، ووقوع الفعلِ دون الدلالةِ على التكرار، والأوَّلُ أكثَرُ في الاستعمال، وعليه ينبغي حَملُ الحديث.
- يقرئنا القرآن: أي: يتلو القرآن علينا، ويعلِّمنا إيَّاه بتلقينه إيَّاه لنا.
- ما لم يكن جنبًا: "ما" مصدرية ظرفية، أي: مدَّةَ بقائه جنبًا؛ فقد حُذِفَ الظرفُ وخلفته "ما"، وأصبَحَ المصدر المؤوَّل بعدها منصوبًا على الظرفية؛ لقيامة
стр. 383
مقام المدَّة المحذوفة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تحريمُ قراءة القرآنِ الكريمِ على الجنب، ويدخُلُ فيه كلُّ من عليه حدثٌ أكبر، وربَّما كان الحديث ليس صريحًا في التحريم، إلاَّ أنَّ الَّذِي يؤيِّد التحريمَ ما رواه عليٌّ قال: "قرأ رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن، ثمَّ قال: هكذا لمن ليس بجنب"، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٧٦): رجاله موثقون.
٢ - قال في الرَّوْض المُرْبِعِ وحاشيته: وحَرُمَ على الجنب قراءة القرآن، أيْ: قراءة آية فصاعدًا، وله قراءةُ بعضِ آية ما لم تَطُلْ؛ كآية الدَّين. وله قولُ ما وافق قرآنًا؛ كالبسملة، والحمدلة، ونحوهما، ما لم يقصدِ القرآن، فإنْ قصده، حَرُمَ.
قال الشيخ تقي الدِّين: أجمع الأئمةُ على تحريمِ قراءة القرآن للجنب.
٣ - جواز قراءة القرآن للمُحْدِثِ حدثًا أصغر؛ لقوله ﷺ : "ما لم يكن جنبًا".
٤ - فضلُ تلاوةِ القرآن والاجتماعِ لذلك، والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ وصحيحة.
٥ - فضلُ تعليم القرآن لفظًا ومعنًى وسلوكًا؛ فقد جاء في صحيح البخاري (٥٠٢٧) أنَّ النَّبي ﷺ قال: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه"، وهذا هو تعليمه التَّامّ.
٦ - عدَمُ وجوب المبادرة بالاغتسال للجنب، وجوازُ مجالسته النَّاس؛ لما في البخاري (٢٨٥) ومسلم (٣٧١) عن أبي هريرة: "أنَّ النَّبي ﷺ لَقِيَهُ في بعض طُرُقِ المدينة، وهو جنب، قال: فانخَنَسْتُ منهُ، فذهبْتُ فاغتسلْتُ ثمَّ جئتُ، فقال: أين كنتَ يا أبا هريرة؟ قال: كنتُ جُنُبًا فكَرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله! إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ".
٧ - فيه وجوبُ تعظيمِ القرآنِ واحترامِهِ، وأنْ يبعد عن كلِّ ما يَمَسُّ كرامته
стр. 384
وقدسيَّته من الأمكنة القذرة، والمَحالِّ المحرَّمة، من مجالس اللهو، والغناء، والفحش، والمناظر المُزْرية والصور المحرِّمة.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة].
وقال تعالي: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ [عبس].
وقد روى مسلم (١٨٦٩) عن ابن عمر: "أنَّ النَّبي ﷺ نهى أنْ يسافر بالقرآن إلى أرضِ العدو؛ مخافةَ أنْ ينالَهُ العدو".
وروى أبو داود في المراسيل ص (١٢١) أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا يَمَسُّ القرآنَ إلاَّ طاهرٌ".
ومِنْ إهانة القرآنِ: كتابتُهُ على الأواني واللوحات التي توضع بجانب الصور، وفي مجالس اللهو، وما حدَثَ أخيرًا من تجسيمِ كلمات القرآن على صور مناظر الطبيعة، كلُّ هذا يُعَدُّ من إهانةِ القرآن والتلاعُبِ به، وإنْ لم يقصد صاحبُهُ ذلك، إلاَّ أنَّه عرَّضه للإهانة والاستخفاف.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام].
***
стр. 385
١٠٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ, ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، زَادَ الْحَاكِمُ: "فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ" (١).
وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً" وَهُوَ مَعْلُولٌ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
صدر الحديث في مسلم؛ فلا داعيَ للكلام فيه.
أمَّا روايةُ الأربعة عن عائشة: فالمؤلِّف أعلَّها؛ لأنها من رواية أبي إسحاق عن الأسود، عن عائشة، قال أحمد: ليس بصحيح، وقال أبو داود: إنَّ أبا إسحاق لم يسمَعْ من الأسود.
قال المؤلِّف في التلخيص: أخرج مسلمٌ الحديثَ دون قوله: "ولم يمس ماءً"، وكأنَّه حذفها عمدًا، وقال مهنا، عن أحمد بن صالح: لا يحل أنْ يروى هذا الحديث، وقال ابن مفوز: أجمع المحدِّثون على أنَّه خطأ من أبي إسحاق، ثُمَّ قال ابن حجر: وتساهل في نقلِ الإجماع، فقد صحَّحه البيهقي.
قال الترمذي: وعلى فرض صحَّته، فيحمل على أنَّ المرادَ: لا يَمَسَّ ماءَ الغسلِ.
وبتأويل الترمذي يتبيَّن أنَّه يوافق أحاديثَ في الصحيحين، التي صرَّحت "بأنَّه ﷺ كان يتوضَّأ لأجل النوم والأكل والشرب والجماع".
стр. 386
* مفردات الحديث:
- وضوءًا: مصدرٌ مؤكِّدٌ للوضوء الشرعي؛ ذلك أنَّ الوضوءَ لغةً: يطلقُ على غَسْل اليدين والفَرْج.
- لِلْعَوْدِ: بفتح العين، وسكون الواو، يُقَالُ: عاد إلى الشيء، وعاد له، وعاد فيه: صار إليه ورجع، والمراد -هنا- عاد إلى إتيانِ امرأته.
-وهو جنب: الواو للحال، والجملةُ الاسمية جملةٌ حالية، والجنب -بضمتين- مَنْ أصابته الجنابة.
- بينهما: أي: بين الجماعِ الأوَّل والجماعِ الثاني.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب الوضوء لمن جامَعَ أهله، ثُمَّ أراد العَوْدَ إلى الجماعِ مرَّةً أخرى، وقد ثبت أنَّه ﷺ غَشِيَ نساءَهُ ولم يُحْدِثْ وضوءًا بين الفعلين، وثبت أنَّه اغتسل بعد غِشْيانه كل واحدة؛ فالكل جائز.
٢ - عمومُ الحديث يفيد أنَّه سواءٌ كانت التي يريد العود إليها هي الموطوءة، أو الزوجة الأُخرى لمن عنده أكثرُ من واحدة.
٣ - الحكمةُ في هذا ما أشارَتْ إليه زيادة الحاكم: "فإنَّه أنشَطُ للعود"؛ ذلك أنَّ المجامع يحصُلُ له كسلٌ وانحلال، والماء يعيد إليه نشاطَهُ وقوَّته وحيويَّته، وأبلَغُ من الوضوء الغسلُ بإعادة النشاط والقوَّة.
٤ - جواز النومِ بعد الجماعِ، ولو كان جنبًا.
٥ - قوله: "من غير أنْ يمس ماء"، يفيدُ أنَّه ينامُ ولا يتوضَّأ.
قال الترمذي: على تقدير صحَّته: فيحتمل أنَّ المراد: لا يَمَسُّ ماءَ الغسل، دون ماء الوضوء، ويوافق أحاديث الصحيحين المصرِّحة بأنَّه يغسل فرجه ويتوضَّأ لأجل النوم والأكل والشرب والجماع.
ومنها: حديثُ ابن عمر؛ أنَّ عمر قال: يا رسولَ الله، أينام أحدنا وهو
стр. 387
جنب؟ قال: "نعم، إذا توضَّأ" [رواه البخاري (٢٨٥) ومسلم (٣٠٦)].
وعن عمَّار بن ياسر: "أنَّ النبَّي ﷺ رخَّص للجنب إذا أراد أنْ يأكُلَ أو يشرَبَ أو ينامَ: أنْ يتوضَّأ وضوءه للصلاة" [رواه أحمد (١٨٤٠٧) والترمذي (٦١٣) وصححه].
وحديث الباب يفيدُ استحبابَ الوضوءِ للجماع.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في نوم الجنب بدون وضوء:
فذهب الظاهرية: إلى التحريم؛ أخذًا بحديث ابن عمر وعمَّار وأمثالهما.
وذهب الإمام أحمد في الرواية المشهورة من مذهبه: إلى استحباب الوضوء، وكراهة تركه؛ ذلك أنَّ الوضوء يخفِّف غلظ الجنابة، وثقل حدثها للنَّائم، الَّذي ينبغي أنْ ينام على طهارة تامَّة؛ كما جاء في الترمذي (٣٥٨٩) وغيره من حديث البراء؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إذا أخذْتَ مضجعك، فتوضَّأ وضوءك للصلاة".
قال شيخ الإِسلام: يستحبُّ الوضوء عند كل نومٍ لكل أحدٍ.
قال الزرقاني: ذهبَ جمهور الصحابة، التَّابعين: إلى جواز تركه بلا كراهة، وعليه فقهاء الأمصار.
والرَّاجحُ من هذه الأقوال: ما ذهب إليه الإمام أحمد من استحباب الوضوء، وكراهة تركه؛ فهذا أقلُّ حال ما تَدُلُّ عليه الأحاديثُ الكثيرة الصحيحة الصريحة في هذه المسألة.
***
стр. 388
١٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ, ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ, فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ, ثُمَّ يَتَوَضَّأُ, ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ, ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ, ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ, ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: " ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ, ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ".
وَفِي رِوَايَةٍ:" فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ"، وَفِي آخِرِهِ: "ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ" وَفِيهِ: "وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ" (٢)
ــ
* مفردات الحديث:
- اغتسل: شرَعَ في الاغتسال، وهو من التعبير بالفِعْلِ عن إرادته، من باب المجاز المرسل؛ لأنَّه تعبيرٌ بالمسبَّب عن السبب؛ فإنَّ الفعل مسبَّب عن الإرادة، فأُقِيمَ مُقَامَهُ لِلملابسة بينهما.
- من الجنابة: "من" للسببية، أي: بسبب الجنابة.
- الجنابة: ما أوجب غُسْلًا لإنزالٍ أو جماعٍ، سُمِّيَ بذلك: إمَّا لأنَّ الماء باعد محلَّه وجانبه، أو لأنَّ الجنب يجتنب ما لا يجتنبه الطاهر.
- أصول الشعر: أصل الشيء: أساسه الذي يقوم عليه، والمراد هنا: أسافله التي
стр. 389
تلي البشرة.
- فرجه: الفرج، لغةً: الفتحة، والشق، والصَّدْعُ بين الشيئين.
قال في المصباح: وكل منفرج بين الشيئَيْن فهو فرجة، والفرجُ من الإنسان: يطلق على القبل والدبر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما منفرِجٌ، وكثر استعماله في العرف في القُبُل.
وقال في النِّهَاية: الفرجُ: ما بين الرِّجْلين، وبه سُمِّيَ فَرْجُ المرأةِ والرجل؛ لأنَّهما بين الرِّجْلَيْن.
- حفن: فعل ماضٍ، والحَفْنة: ملء الكف من شيء، جمعه حَفَنَاتٌ وحُفَن.
- أفاض: يفيض إفاضة، أي: أسال الماء على بقية جسده وأجراه عليه.
- سائر جسده: أي: بقية جسده. قال الأزهري: اتفق أهل اللغة على أنَّ سائر الشيء: باقيه، قليلًا كان أو كثيرًا.
قال الصَّغانِيُّ: سائرُ النَّاس: باقيهم، وليس معناه: جميعهم كما زعم من قصَّر في اللغة، وجعله بمعنى الجميع من نحو العوامِّ، ولا يجوزُ أنْ يشتقَّ من سُورِ البلد؛ لاختلاف المادتين.
- أفرغ: يُقال: أفرغ الإناءَ إفراغًا، وفرَّغه تفريغًا: إذا قلَبَ ما فيه وأخلاه ممَّا فيه، والمراد هنا: صَبَّ على يديه من الإناء.
- ضرب بها الأرض: مسح بيده الأرض؛ ليزيل ما عليها من لزوجة النجاسة، أو المنيِّ.
- المنديل: نسيجٌ من قطن أو حرير أو نحوهما مربَّع الشكل، يمسح به رذاذ الماء ونحوه، جمعه مناديل.
- فردَّه: هذه الروايةُ تؤيِّد أنَّ ما جاء في بعض روايات البخاري (٢٦٦) من قوله: "فناولته خرقةً، فلم يَرُدَّهَا" أنَّها مخفَّفة، فإنَّ بعض المحدِّثين قال بالتشديد، والتخفيف أصح؛ ولذا فإنَّ ابن السكن عَدَّ رواية التشديد من الوهم.
стр. 390
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذا الحديث صِفَةُ غُسْل النَّبي ﷺ من الجنابة ترويها عائشة ﵂.
٢ - استحبابُ البداءة بغَسْلِ يديه؛ لأنَّ اليدين هما أداةُ غَرْفِ الماء، وأداةُ دلك الجسد، فينبغي طهارتهما قبل كُلِّ شيءٍ، والمرادُ باليدين عند الإطلاق هما الكَفَّان.
٣ - إفراغُ الماء من اليد اليُمْنَى على اليد اليسرى، التي ستباشر غسل الفرج، الذي عليه آثارُ الجماع، فاليمنَى لتناوُلِ الماء، واليسرى لإزالة الأذى.
٤ - البداءةُ بغَسْلِ الفرج قبل بقيَّة البدن؛ لإزالةِ الأذى الَّذي عليه؛ لأنَّ غسله: إمَّا لإزالةِ نجاسة تجبُ إزالتها، أو لإزالةِ وساخةِ ينبغي إزالتها أيضًا، وتكون إزالةُ النجاسات والأوساخ قبل رَفْعِ الحدث.
٥ - بعد غسله فرجَهُ بشماله، يمسح يده بالتراب؛ وذلك لإزالة اللزوجة العالقة بها، من غسل الفرج المتلوِّث بالنجاسة أو المني، وليَكُونَ ذلك عند إزالة الأذى.
٦ - ثمَّ يتوضَّأ بغَسْلِ ما يغسل من أعضاء الوضوء، ومَسْح ما يمسح منها، فرَفْعُ الحدث الأصغر يكونُ قبل رفع الأكبر.
٧ - ثمَّ يروِّي بالماء أصول شعره، فإنَّه لو صَبَّ الماء على الشعر الكثيف بدون تخليلِ وتعاهدِ أصوله، لم يَصِلِ الماء إلى أصولها، ولا إلى ما تحتها من البشرة.
٨ - ثمَّ يَصُبُّ الماء على رأسه بثلاث حفنات، ليعمَّ الماء ظاهر الشعر وباطنه.
٩ - ثمَّ يغسل سائر جسده، ويفيض الماء عليه مرَّةً واحدة، وظاهر النص أنَّه دون أعضاءِ الوضوء التي سبَقَ غسلها، وهو الَّذي يدل لفظ "سائر"؛ فإنَّ السائر هو الباقي.
١٠ - المشهورُ من المذهب: استحبابُ غسل البدن ثلاثَ مرَّات، ولكن الحديث