* مفردات الحديث:
- وضوءًا: مصدرٌ مؤكِّدٌ للوضوء الشرعي؛ ذلك أنَّ الوضوءَ لغةً: يطلقُ على غَسْل اليدين والفَرْج.
- لِلْعَوْدِ: بفتح العين، وسكون الواو، يُقَالُ: عاد إلى الشيء، وعاد له، وعاد فيه: صار إليه ورجع، والمراد -هنا- عاد إلى إتيانِ امرأته.
-وهو جنب: الواو للحال، والجملةُ الاسمية جملةٌ حالية، والجنب -بضمتين- مَنْ أصابته الجنابة.
- بينهما: أي: بين الجماعِ الأوَّل والجماعِ الثاني.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب الوضوء لمن جامَعَ أهله، ثُمَّ أراد العَوْدَ إلى الجماعِ مرَّةً أخرى، وقد ثبت أنَّه ﷺ غَشِيَ نساءَهُ ولم يُحْدِثْ وضوءًا بين الفعلين، وثبت أنَّه اغتسل بعد غِشْيانه كل واحدة؛ فالكل جائز.
٢ - عمومُ الحديث يفيد أنَّه سواءٌ كانت التي يريد العود إليها هي الموطوءة، أو الزوجة الأُخرى لمن عنده أكثرُ من واحدة.
٣ - الحكمةُ في هذا ما أشارَتْ إليه زيادة الحاكم: "فإنَّه أنشَطُ للعود"؛ ذلك أنَّ المجامع يحصُلُ له كسلٌ وانحلال، والماء يعيد إليه نشاطَهُ وقوَّته وحيويَّته، وأبلَغُ من الوضوء الغسلُ بإعادة النشاط والقوَّة.
٤ - جواز النومِ بعد الجماعِ، ولو كان جنبًا.
٥ - قوله: "من غير أنْ يمس ماء"، يفيدُ أنَّه ينامُ ولا يتوضَّأ.
قال الترمذي: على تقدير صحَّته: فيحتمل أنَّ المراد: لا يَمَسُّ ماءَ الغسل، دون ماء الوضوء، ويوافق أحاديث الصحيحين المصرِّحة بأنَّه يغسل فرجه ويتوضَّأ لأجل النوم والأكل والشرب والجماع.
ومنها: حديثُ ابن عمر؛ أنَّ عمر قال: يا رسولَ الله، أينام أحدنا وهو
стр. 387
جنب؟ قال: "نعم، إذا توضَّأ" [رواه البخاري (٢٨٥) ومسلم (٣٠٦)].
وعن عمَّار بن ياسر: "أنَّ النبَّي ﷺ رخَّص للجنب إذا أراد أنْ يأكُلَ أو يشرَبَ أو ينامَ: أنْ يتوضَّأ وضوءه للصلاة" [رواه أحمد (١٨٤٠٧) والترمذي (٦١٣) وصححه].
وحديث الباب يفيدُ استحبابَ الوضوءِ للجماع.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في نوم الجنب بدون وضوء:
فذهب الظاهرية: إلى التحريم؛ أخذًا بحديث ابن عمر وعمَّار وأمثالهما.
وذهب الإمام أحمد في الرواية المشهورة من مذهبه: إلى استحباب الوضوء، وكراهة تركه؛ ذلك أنَّ الوضوء يخفِّف غلظ الجنابة، وثقل حدثها للنَّائم، الَّذي ينبغي أنْ ينام على طهارة تامَّة؛ كما جاء في الترمذي (٣٥٨٩) وغيره من حديث البراء؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إذا أخذْتَ مضجعك، فتوضَّأ وضوءك للصلاة".
قال شيخ الإِسلام: يستحبُّ الوضوء عند كل نومٍ لكل أحدٍ.
قال الزرقاني: ذهبَ جمهور الصحابة، التَّابعين: إلى جواز تركه بلا كراهة، وعليه فقهاء الأمصار.
والرَّاجحُ من هذه الأقوال: ما ذهب إليه الإمام أحمد من استحباب الوضوء، وكراهة تركه؛ فهذا أقلُّ حال ما تَدُلُّ عليه الأحاديثُ الكثيرة الصحيحة الصريحة في هذه المسألة.
***
стр. 388
١٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ, ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ, فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ, ثُمَّ يَتَوَضَّأُ, ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ, ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ, ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ, ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: " ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ, ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ".
وَفِي رِوَايَةٍ:" فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ"، وَفِي آخِرِهِ: "ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ" وَفِيهِ: "وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ" (٢)
ــ
* مفردات الحديث:
- اغتسل: شرَعَ في الاغتسال، وهو من التعبير بالفِعْلِ عن إرادته، من باب المجاز المرسل؛ لأنَّه تعبيرٌ بالمسبَّب عن السبب؛ فإنَّ الفعل مسبَّب عن الإرادة، فأُقِيمَ مُقَامَهُ لِلملابسة بينهما.
- من الجنابة: "من" للسببية، أي: بسبب الجنابة.
- الجنابة: ما أوجب غُسْلًا لإنزالٍ أو جماعٍ، سُمِّيَ بذلك: إمَّا لأنَّ الماء باعد محلَّه وجانبه، أو لأنَّ الجنب يجتنب ما لا يجتنبه الطاهر.
- أصول الشعر: أصل الشيء: أساسه الذي يقوم عليه، والمراد هنا: أسافله التي
стр. 389
تلي البشرة.
- فرجه: الفرج، لغةً: الفتحة، والشق، والصَّدْعُ بين الشيئين.
قال في المصباح: وكل منفرج بين الشيئَيْن فهو فرجة، والفرجُ من الإنسان: يطلق على القبل والدبر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما منفرِجٌ، وكثر استعماله في العرف في القُبُل.
وقال في النِّهَاية: الفرجُ: ما بين الرِّجْلين، وبه سُمِّيَ فَرْجُ المرأةِ والرجل؛ لأنَّهما بين الرِّجْلَيْن.
- حفن: فعل ماضٍ، والحَفْنة: ملء الكف من شيء، جمعه حَفَنَاتٌ وحُفَن.
- أفاض: يفيض إفاضة، أي: أسال الماء على بقية جسده وأجراه عليه.
- سائر جسده: أي: بقية جسده. قال الأزهري: اتفق أهل اللغة على أنَّ سائر الشيء: باقيه، قليلًا كان أو كثيرًا.
قال الصَّغانِيُّ: سائرُ النَّاس: باقيهم، وليس معناه: جميعهم كما زعم من قصَّر في اللغة، وجعله بمعنى الجميع من نحو العوامِّ، ولا يجوزُ أنْ يشتقَّ من سُورِ البلد؛ لاختلاف المادتين.
- أفرغ: يُقال: أفرغ الإناءَ إفراغًا، وفرَّغه تفريغًا: إذا قلَبَ ما فيه وأخلاه ممَّا فيه، والمراد هنا: صَبَّ على يديه من الإناء.
- ضرب بها الأرض: مسح بيده الأرض؛ ليزيل ما عليها من لزوجة النجاسة، أو المنيِّ.
- المنديل: نسيجٌ من قطن أو حرير أو نحوهما مربَّع الشكل، يمسح به رذاذ الماء ونحوه، جمعه مناديل.
- فردَّه: هذه الروايةُ تؤيِّد أنَّ ما جاء في بعض روايات البخاري (٢٦٦) من قوله: "فناولته خرقةً، فلم يَرُدَّهَا" أنَّها مخفَّفة، فإنَّ بعض المحدِّثين قال بالتشديد، والتخفيف أصح؛ ولذا فإنَّ ابن السكن عَدَّ رواية التشديد من الوهم.
стр. 390
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذا الحديث صِفَةُ غُسْل النَّبي ﷺ من الجنابة ترويها عائشة ﵂.
٢ - استحبابُ البداءة بغَسْلِ يديه؛ لأنَّ اليدين هما أداةُ غَرْفِ الماء، وأداةُ دلك الجسد، فينبغي طهارتهما قبل كُلِّ شيءٍ، والمرادُ باليدين عند الإطلاق هما الكَفَّان.
٣ - إفراغُ الماء من اليد اليُمْنَى على اليد اليسرى، التي ستباشر غسل الفرج، الذي عليه آثارُ الجماع، فاليمنَى لتناوُلِ الماء، واليسرى لإزالة الأذى.
٤ - البداءةُ بغَسْلِ الفرج قبل بقيَّة البدن؛ لإزالةِ الأذى الَّذي عليه؛ لأنَّ غسله: إمَّا لإزالةِ نجاسة تجبُ إزالتها، أو لإزالةِ وساخةِ ينبغي إزالتها أيضًا، وتكون إزالةُ النجاسات والأوساخ قبل رَفْعِ الحدث.
٥ - بعد غسله فرجَهُ بشماله، يمسح يده بالتراب؛ وذلك لإزالة اللزوجة العالقة بها، من غسل الفرج المتلوِّث بالنجاسة أو المني، وليَكُونَ ذلك عند إزالة الأذى.
٦ - ثمَّ يتوضَّأ بغَسْلِ ما يغسل من أعضاء الوضوء، ومَسْح ما يمسح منها، فرَفْعُ الحدث الأصغر يكونُ قبل رفع الأكبر.
٧ - ثمَّ يروِّي بالماء أصول شعره، فإنَّه لو صَبَّ الماء على الشعر الكثيف بدون تخليلِ وتعاهدِ أصوله، لم يَصِلِ الماء إلى أصولها، ولا إلى ما تحتها من البشرة.
٨ - ثمَّ يَصُبُّ الماء على رأسه بثلاث حفنات، ليعمَّ الماء ظاهر الشعر وباطنه.
٩ - ثمَّ يغسل سائر جسده، ويفيض الماء عليه مرَّةً واحدة، وظاهر النص أنَّه دون أعضاءِ الوضوء التي سبَقَ غسلها، وهو الَّذي يدل لفظ "سائر"؛ فإنَّ السائر هو الباقي.
١٠ - المشهورُ من المذهب: استحبابُ غسل البدن ثلاثَ مرَّات، ولكن الحديث
стр. 391
يدل على أنَّه لا يشرع غسل البدن إلاَّ مرَّةً واحدة؛ فإنَّ التثليث لم يرد إلاَّ في غسل الرَّأس، وهذا هو الصحيح، والله أعلم.
١١ - ثمَّ خصَّ رجليه بالغسل في آخر الأمر؛ لأنَّ كل ما تحدَّر من جسده من أوساخٍ وفضلاتٍ أصابت رجليه، فكان حقُّهما أنْ يطهَّرا بعد ذلك؛ لإزالة ما عَلِقَ بهما، وما نزَلَ عليهما.
وفي بعض ألفاظ حديث ميمونة: "ثُمَّ تنحَّى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه"؛ وهذا أبلغ في تنظيفهما.
١٢ - ذكر المؤلِّف في صفة غُسْل النَّبي ﷺ حديثين: حديث عائشة، وحديث ميمونة:
فأمَّا حديث عائشة: فذكرت الوضوء، وقالت في إحدى رواياته: "ثمَّ توضَّأ وضوءه للصلاة"، ثمَّ قالت؛ "ثمَّ غسل رجليه"؛ ممَّا يفيد أنَّه كرَّر غسل الرجلين في أوَّل الغسل وآخره.
وأمَّا حديثُ ميمونة: فذكرت الوضوء إلاَّ غسل الرجلين، ثمَّ قالت: "ثمَّ تنحَّى مِنْ مقامه، فغسل يديه"، ممَّا يفيد أنَّه لم يغسل رجليه إلاَّ مرَّةً واحدة، بخلاف ما جاء في حديث عائشة من أنَّه توضَّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ قالت: "ثمَّ غسل رجليه".
قال الحافظ: "ثمَّ غسل رجليه" أي: أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أنْ كان غسلهما في الوضوء؛ فيحمل هذا على حالةٍ أخرى.
١٣ - كراهة التنشيف بالمنديل ونحوه بعد الغسل أو الوضوء؛ لأنَّ ما على البدن أو على أعضاءِ الوضوء هو مِنْ أثر العبادة، فينبغي بقاؤُهَا واستصحابها، ويكتفي بنفض زائد الماء باليد دون إزالته.
١٤ - هذه الصفة هي أفضلُ الصفات للغُسْلِ من الجنابة، فقد جمعَتْ بين تنظيف أداة الغسل، وغَسْلِ الأذى، وترويةِ أصول الشعر، وإسباغِ الوضوء
***
стр. 392
والغُسْل، ففيها النظافةُ والطهارةُ الكاملة.
١٥ - الحكمة الشرعية من تعدُّد زوجات النَّبي ﷺ ؛ فإنَّهُنَّ نَقَلْنَ من الأحكام الشرعيَّة -ولا سيما المنزليَّة- العلْمَ الكثير الذي نفَعَ الأمةَ الإِسلامية، وكلُّ واحدةٍ منهنَّ حفظَتْ وروت غالبًا ما لم تحفَظْ وَتَرْوِهِ الأخرى.
١٦ - قال ابن الملقِّن: لتخليل الشعر ثلاثُ فوائد:
(أ) تسهيلُ إيصالِ الماء إلى الشَّعْرِ والبَشَرَة.
(ب) مباشرةُ الشعر باليد؛ ليحصلَ تعميمه.
(ج) تبليلُ البشرة؛ خشية أنْ يصاب بِصَبِّ الماء دفعةً واحدة، وَجَعٌ في رأسه.
***
стр. 393
١٠٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي, أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ?" -وَفِي رِوَايَةٍ: "وَالْحَيْضَةِ?" -"قَالَ: لا, إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أشدُّ شعر رأسي: شد الشيء: قوَّاه وأحكمه، والعقدَةَ: أحكمها وأوثقها.
- أفأنقضه: نقض الحبل أو الشعر: حلَّ إبرامه وعقده، والهمزة للاستفهام.
- يكفيك: كفى الشيءُ يكفي كفاية: حصل به الاستغناء عن غيره، فهو كاف، والمراد: يغنيك الحَثْيُ عن نقض شعرك.
- أنْ تحثي ثلاث حثيات: بالثاء المثلثة؛ يُقال: حَثَيْتُ وَحَثَوْتُ، لغتان مشهورتان، والحثية: هي الحفنة التي هي ملء الكفَّيْنِ من الماء وغيره، والجمع حَثَيَات.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - عدمُ وجوبِ نقض المرأة شعرها للغُسْلِ من الجنابة، أو الغسل من الحيض.
٢ - الاكتفاء بحثي الماء -ثلاث مراتٍ- على الرأس؛ هذا هو مذهب جمهور العلماء، وسيأتي تحقيق الخلاف، إنْ شاء الله تعالى.
٣ - يَدُلُّ الحديثُ على أنَّ للمرأة أنْ تَشُدَّ شعر رأسها، ولم يبيِّن صفة الشد هل تضفره أو تعكصه؟
وهذه الأمور عادية لا دخل لها في العبادة، فالعادةُ التي يعملها النَّاس وليسَتْ زيًّا خاصًّا بالكفَّار، يجوزُ فعلها.
стр. 394
* خلاف العلماء:
قال في الشرح الكبير: لا يجبُ على المرأة نقضُ شعرها لِغُسْلِهَا من الجنابة، روايةً واحدة، ولا نعلم في هذا خلافًا، إلاَّ عن ابن عمر، والنخعي، ولا نعلم أحدًا وافقهما على ذلك، لما روتْ أم سلمة أنها قالت: "يا رسول الله! إني امرأةٌ أَشُدُّ شعر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثَ حَثَيَاتٍ ثمَّ تفيضين عليك بالماء، فتتطهَّرين به" [رواه مسلم].
قال في المغني: اتفق الأئمةُ الأربعة على أنَّ نقضه غيرُ واجب. أهـ.
واختلفوا في وجوب نقضِ شَعْرِ المرأة لِغُسْلها من الحيض:
فذهب الإمام أحمد -في المشهور من مذهبه-: إلى وجوب نقضه، قال مهنَّا: سألتُ أحمد عن المرأة تنقُضُ شعرها من الحيض؟ قال: نعم، فقلت له: كيف تنقُضُهُ من الحيض ولا تنقُضُهُ من الجنابة؟ فقال: حدَّثَتْ أسماءُ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: تنقضه. أهـ.
ولما جاء في البخاري (٣١٦)، ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة أنَّ النَّبي ﷺ قال لها: "إذا كنت حائضًا فانقُضِي رأسك وامتشطي".
ولأنَّ أصل وجوب نقض الشعر ليتيقَّن وصولُ الماء إلى ما تحته، فعفي عنه في غسل الجنابة؛ لأنَّه يكثُرُ فيشُقُّ ذلك؛ بخلاف الحيض.
وذهب أكثر العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: إلى أنَّه لا يجب، لما روى مسلم عن أم سلمة أنَّها قالت يا رسول الله: "إنِّي أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: إنَّما يكفيك أنْ تحثي على رأسك ثلاث حثيات".
وهي رواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفَّق، والمجد، والشَّارح والشيخ تقي الدِّين، وغيرهم، لحديث أم سلمة السَّابق.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: الصحيح أنَّه لا يجب عليها نقضه في غسل الحيض؛ لما ورد في بعض روايات أم سلمة عند مسلم؛ أنَّها قالت للنَّبي ﷺ :
стр. 395
"إنِّي امرأةٌ أشد ضفر رأسي أفأنقضه للحيض والجنابة؟ قال: لا".
ومذهب الجمهور: أنَّه إِذا وصَلَ الماء إلى جميع شعرها، ظاهره وباطنه من غير نقض لم يجبِ النَّقْضُ.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: الرَّاجِحُ في الدليل: عدمُ وجوب النقض في غسلِ الحيض؛ كعدم وجوبه في الجنابة، إلاَّ أنَّه في الحيض مشروعٌ للأدلة، والأمرُ فيه ليس للوجوب؛ بدليل حديث أمِّ سلمة، وهذا اختيار صاحب الإنصاف، وأمَّا الجنابة: فليس مندوبًا في حقِّها، وإنَّما هو متأكِّد في الحيض.
قال الزركشي: الأوَّل هو الأولى؛ لحمل الحديثَيْن على الاستحباب.
ودليلُ من لا يوجبُ النقض: بعضُ روايات حديث أمِّ سلمة التي ذكرت الحيضَ مع الجنابة، وقد قال ابن القيِّم عن بعض هذه الروايات: الصحيحُ في حديث أمِّ سَلَمَةَ الاقتصارُ على ذكر الجنابة دون الحيض، وليس نقض شعر الرَّأس بمحفوظٍ للحائض.
وقال الألباني: إنَّ ذكر الحيضة في الحديث شاذٌّ لا يثبت.
وبهذا فمذهبُ الإمام أحمد قويٌّ في هذه المسألة، وأنَّ حمل الحديثَيْن على الاستحبابِ محمَلٌ حَسَنٌ.
***
стр. 396
١٠٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
في سنده أفلت بن خليفة، مجهولُ الحال، لكنْ صحَّحَه ابن خزيمة، وحسنَّه ابن القَطَّان، وكذلك حسَّنه الزَّيْلَعِيّ في نَصْب الرَّاية، وسكت عنه أبو داود؛ فهو عنده صالح، وقال ابن سيِّد الناس: إنَّ التحسين أقلُّ مراتبه؛ لثقة رواته، ووجودِ الشواهد له من خارج.
* مفردات الحديث:
- لا أحل المسجد: من الحلال ضد الحرام، والمراد: لا أرخِّص للحائضِ والجنبِ أنْ يمكثا في المسجد.
- حائض: جمعها حُيَّض، ويكفي ولو بدون تاء التأنيث؛ لأنَّ الحيض وصفٌ مختصٌّ بالمرأة؛ فلا تحتاج -للفرق بينها وبين الرجل- إلى التاء، بخلاف الوصف المشترك، كـ"قائم" للذكر، فإنَّه يُقال للمرأة: "قائمة".
- جنب: بضمتين، مَنْ أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكَّر والمؤنث، والمثنَّى والجمع؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تحريمُ المكث في المسجد للحائض، وَمِثْلُها النفساء، سواءٌ خشي منها
стр. 397
تلويثه أَوْ لا؛ وهو مذهب جمهور العلماء.
٢ - تحريمُ لبث الجنب في المسجد، أمَّا المرورُ في المسجد للجنب والحائض: فقد أجازه أكثر العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، والمعنى: اجتنبوا مواضع الصلاة وهي المساجد، وأنتم جنب، إلاَّ عابري طريق.
٣ - قوله: "لا أحل المسجد" المسجد: ذاتٌ وعينٌ، وليس معنًى؛ ولذا فإنَّ التحريم المفهوم من النَّهْي لا يمكنُ أنْ يَنْصَبَّ على تلك الذَّات، وإنَّما المراد منافعُهُ من المكثِ والنومِ ونحو ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ فليس المرادُ الأمَّ ذاتها، وإنَّما المراد نكاحُها.
٤ - قال في المغني: ويجوز العبورُ للحاجة، مِنْ أَخْذِ شيء أو تركه، أو كونِ الطريق فيه، وهو مذهب مالك، والشَّافعي، ورويت الرخصةُ عن ابن مسعود، وابن عبَّاس، وابن المسيّب، وابن جبير، والحسن.
ودليل جوازه: الآية الكريمة، وحديث أنَّه ﷺ قال لعائشة: "ناوليني الخُمْرَةَ من المسجد، قالت: إنِّي حائض؟ قال: إنَّ حيضتك ليست في يدك" [رواه مسلم (٢٩٨)].
وعن جابر قال: "كان أحدنا يمر في المسجد جنبًا مجتازًا" [رواه سعيد بن منصور (٦٤٥)].
وعن عطاء بن يسار قال: "كان الرَّجل من أصحاب رسول الله ﷺ يكون جنبًا فيتوضَّأ، ثمَّ يدخل المسجد، فيتحدَّث فيه".
***
стр. 398
١٠٦ - وَعَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ, تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: "وَتَلْتَقِي أَيْدِينَا" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- تختلف أيدينا فيه: اختلف الشيئان: لم يتفقا، ومعنى اختلاف أيديهما في الإناء، يعني: من الإدخال فيه والإخراج منه، وذلك أن يدخل كل واحدٍ منهما يده وتغرف من الإناء، بعد يد الآخر، ولعلَّه لضيق فم الإناء، وجاء في بعض روايات البخاري: "من إناء واحد، مِنْ قَدَح يُقال له: الفَرَق"، والفَرَق بفتحتين: قال النووي: هو الأفصح، قال ابن الأثير: يسع ستةَ عَشَرَ رِطْلاً.
وجملة "تختلف" محلها النصب؛ لأنَّها حال من قوله: "من إناء واحد"، والجمل بعد المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات.
- تلتقي: تجتمعان أثناء الأخْذِ والغَرْفِ من الإناء.
- من الجنابة: متعلِّق بـ "اغتسل"، وفي "من" معنى السببية.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوبُ الاغتسال من الجنابة على الرجل والمرأة.
٢ - أنَّ اغتسال المرأة والرجل من إناءٍ واحدٍ لا يؤثِّر في طهارة الماء بالإجماع.
٣ - أنَّ وضع الجنب يده في الإناء الَّذي فيه الماءُ لا يسلُبُهُ الطُّهُورية، بل هو باقٍ على طهوريته.
٤ - جواز أنْ يَرَى كلُّ واحدِ من الزوجين بَدَنَ الآخرِ وعورته، وهو داخلٌ تحت
стр. 399
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون].
٥ - استحبابُ التقليل من ماء الوضوء والغسل؛ فهذا النَّبي ﷺ هو وعائشة يغتسلان ويغترفان من إناءٍ واحد.
جاء في بعض روايات البخاري (٢٥٠): "مِنْ قَدَحٍ يُقالَ له: الفَرَق" والقدح: إناءُ شرب.
قال الباجي: الصوابُ: أنَّه صاعان، أو ثلاثة آصُعٍ، كما عليه الجماهير.
٦ - في الحديث حُسْنُ عِشْرة النَّبي ﷺ لأهله، ومشاركَتُهُ لهم في أحوالهم وأعمالهم؛ تطييبًا للقلب، وإزالةً للكلفة.
٧ - فيه فضلُ أزواجِ النَّبيِّ ﷺ ، لا سيَّما الصدِّيقةُ بنت الصدِّيق، فكم نَقَلْنَ للأمَّة من الأحكامِ الشرعية، لا سيَّما الأعمالُ المنزليَّة التي لا يطَّلع عليها إلاَّ المُعاشِرُ في المنزل.
***
стр. 400
١٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً؛ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ, وَأَنْقُوا الْبَشَرَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ (١).
وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ, وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
لأنَّه من رواية الحارث بن وجيه، قال أبو داود: حديثه منكر، وهو ضعيف. وقال الترمذي: غريبٌ لا نعرفه إلاَّ من حديث الحارث، وهو شيخٌ ليس بذاك.
وقال الشَّافعي: هذا الحديثُ ليس بثابت، وقال البيهقي: أنكره أهلُ العلم بالحديث، مثلُ البخاريِّ، وأبي داود، وغيرهما.
وأمَّا حديثُ عائشة عند الإمام أحمد، ففيه راوٍ مجهول، وجهالة الرَّاوي من غير الصحابة توجبُ ضَعْفَ الحديث.
ومع هذا الضعف، وبعد بيان ابن حجر في التلخيص الحبير له قال: وفي الباب عن عليٍّ ﵁ مرفوعًا: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فُعِلَ به كذا وكذا"، وقال: إسناده صحيح أخرجه أبو داود (٢٤٩) وابن ماجه (٢٥٩٩)؛ لكن قيل: إنَّ الصواب وقفه على عليٍّ ﵁. أهـ.
قلت: ولا يضر وقفه؛ حيث له حُكْمُ الرفع؛ لأنَّه ممَّا لا مجال للرَّأي فيه، والله أعلم.
стр. 401
* مفردات الحديث:
- جنابة: قال ابن دقيق العيد: تطلق على المعنى الحُكْمِيِّ الذي ينشأ عن التقاء الختانين أو الإنزال.
- أنقوا: نقى الشيءُ نقاوة ونقاء: نَظُفَ، فهو نقيّ.
- البَشَر: بفتح الباء الموحَّدة التحتية، وفتح الشين المعجمة، بعدها راء: ظاهر الجلد، مفرده بَشَرَةٌ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوبُ الغُسْلِ من الجنابة والتأكيدُ فيه؛ لأنَّه لا يصحُّ مع الحدث صلاة، ولا نحوُهَا من العبادات التي تتوقَّف صحَّتها على الطهارة.
٢ - وجوبُ تعميم الجسم بالماء؛ فلا تكمُلُ الطهارة بترك شيءٍ منه، ولو قليلًا لا يدركه الطَّرْف.
٣ - ذلك أنَّ الَّلذَّةَ قد عمَّت جميعَ البدن، واهتزَّ لها، فكذلك الماءُ لابدَّ أنْ يصيبَ جميعَ أجزائه، كما أنَّ جَلْدَ الزَّاني يَعُمُّ بدنه؛ لحصول الَّلذة في جميع البدن.
٤ - في تعميم البدن بالغسل دليلٌ على تعلُّقِ الأحكام بعللها، وأنَّ الجنابة نتيجة خروج السلالة من جميع البدن؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ [السجدة]؛ فصار التطهير شاملاً لجميع البدن.
٥ - وجوبُ ترويةِ أصولِ الشعر، وإيصالِ الماء إلى ما تحتها من البشرة.
٦ - وجوبُ إنقاء البشرة، وذلك بتبليغ الماء إليها؛ وهو يدلُّ على استحباب ذلك في بقية البدن؛ للتحقُّق من وصول الماء إلى كل جزء منه.
٧ - قوله: "إنَّ تحت كل شعرة جنابة" إمَّا أنْ يحمَلَ على ظاهره؛ فيكون معناه أنَّ كلَّ شعرة تحتها جزءٌ لطيف من البدن لحقته الجنابة، فلابُدَّ من رفعها بإصابة الماء هذا الجزء، وإمَّا أنْ يحمل على المبالغة؛ فتكون المبالغة
стр. 402
جائزة، لاسيَّما في مواطن الحث والاهتمام.
٨ - قال العلماء: يجب على المغتسل من الحدث الأكبر: أنْ يوصلَ الماءَ إلى مغابنهِ وجميعِ بدنه، فيتفقَّدُ أصولَ شعره، وغضاريف أذنيه، وتحت حلقه وإبطَيْهِ، وعُمْق سُرَّته، وبين إلْيَتَيْهِ، وطَيَّ ركبتيه، ويكفي الظنُّ في الإسباغ.
***
стр. 403
باب التيمم
مقدِّمة
أصل التيمُّم: تَأَمُّمٌ، فأبدلت الهمزة ياء.
والتيمُّم لغةً: القصد.
وشرعًا: مسحُ الوجه واليدَيْن بصعيدٍ على وجهٍ مخصوص.
والتيمُّم: مشروعٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس:
قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
أمَّا دليله من السنة: فكثرَتْ فيه الأحاديث الصحيحة، ومنها ما في مسلم (٥٢٢) من حديث حذيفة: "وجُعِلَتْ تربتها لنا طهورًا؛ إذا لم نجد الماء".
وهو إجماع العلماء.
وأمَّا القياسُ: فقال شيخ الإِسلام: والحق: أنَّ التيمُّم على وَفْقِ القياس الصحيح، فنشأتنا وقوَّتنا من مادَّتَي الماء والتراب، فالتراب أصل الإنسان، والماء حياة كل شيء، وهو الأصل في الطبائع، وكان أصلَحُ ما يقع به تطهيرُ الأدناس هو الماءَ، وفي حالة عَدَمِهِ أو العذرِ باستعماله، يكونُ لأخيه وشقيقه التراب؛ فهو أولى.
أمَّا الأستاذ سيِّد قُطْب فيقول:
نقفُ أمامَ حرص المنهج الربانيِّ على الصلاة، وعلى إقامتها، في وجه جميع الأعذار والمعوِّقات؛ عند تعذُّر وجود الماء، أو عند التضرُّر بالماء، إنَّ هذا كله يدُلُّ على حرص المنهجِ الربانيِّ على الصلاة، بحيث لا ينقطع المسلم
стр. 404
عنها لسبب من الأسباب.
إنَّ هذا ما استطعنا أنْ نستشرفه من حِكْمة النصِّ، وقد تكونُ هناك أسرارٌ من الحكمة، لم يُؤْذَنْ لنا باستجلائها، فللَّه في شرعه حِكَمٌ وأسرار.
وهو من خصائص هذه الأمَّة؛ ففي البخاري (٣٣٥) ومسلم (٥٢١): "أُعْطِيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحدٌ قَبْلِي: جُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا".
وشُرِعَ في السَّنة السادسة في غزوة بني المصطلق، لمَّا ضاع عِقْدُ عائشة ﵂ ومكثوا في طلبه على غير ماء؛ فنزلَتْ آية التيمم.
***
стр. 405
١٠٨ - عَنْ جَابِرِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ, وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا, فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ ... " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١).
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ عِنْدَ مُسْلِمٍ: "وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا؛ إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ" (٢).
وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ: "وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا" (٣).
ــ
* مفردات الحديث:
- أُعطيت: مبني للمجهول، أي: أعطاني الله تعالى.
- خمسًا: أي: خمس خصال، وقد صحَّ أكثر من خمسٍ، قال القرطبي: ليس في هذا تعارُضٌ؛ فإنَّ ذكر العدد لا يدُلُّ على الحصر.
- الرُّعْب: بضم الرَّاء وسكون العين، وهو الخوفُ والفزع، يُقال: رعب الرجل وأرعبته رعبًا، أي: ملأته خوفًا، والاسم الرُّعْب.
- مسيرة شهر: يُقال: سار يسير سَيْرًا ومَسِيرًا، يستعمل فعله لازمًا ومتعديًا، والمسيرة: المشي ليلًا أو نهارًا.
стр. 406
والنكتة في جعل الغاية شهرًا: أنَّه لم يكن بينه ﷺ وبين أحدٍ من أعدائِهِ أكثرُ من شهرٍ.
- مسجدًا: المسجد لغةً: مَفْعِلٌ بالكسر، قال الصِّقِلِّيّ: ويقال: مَسْيِدٌ، وهو ظرف مكان من الثلاثيِّ المجرَّد، وهو موضع السجود، ولا يختص به موضعٌ دون آخر.
وشرعًا: كلُّ موضعٍ في الأرض فإنَّه مسجد.
- تُربتها: بضم التاء: هي طبيعةُ الأرض، تقول: أرضٌ جيِّدة التربة.
- طهورًا: بفتح الطاء: هو الطَّهور بذاته، المطهِّر غيره.
- فليصل: خبر المبتدأ، ودخولُ الفاء فيه؛ لكون المبتدأ متضمِّنًا لمعنى الشرط، والَّلام للأمر.
- الغنائم: جمعُ غنيمة، وهي ما حصَلَ من الكفَّار بالحَرْبِ بإيجافٍ وركاب.
* ما يؤخذ من الحديث:
هذا حديثٌ فيه فوائدُ جمَّة، وأحكامٌ مهمَّة نقتصرُ على البارز منها:
١ - تفضيلُ نبينا ﷺ على سائر الأنبياء، وخصائصُهُ كثيرة، صنِّفت فيها الكتب، ولعلَّ أوسعها "الخصائص الكبرى" للسيوطي.
٢ - شُرِعَ تعديدُ نِعَمِ الله تعالى على العبد على وَجْهِ الشكر لله، وذِكْرِ آلائه؛ فإنَّه يُعَدُّ عبادةً وشكرًا لله تعالى عليها، واعترافًا بفضله ومننه وكَرَمِهِ على عبده.
٣ - أنَّ الله -تعالت قدرته- نصَرَ نبيَّه محمدًا بالرعب، فيصابُ عدوُّه بالخوف، ولو كان بينهما مسيرةُ شهر، وهذا من أكبر العَوْن والنصر على الأعداء؛ فإنَّه عاملٌ قويٌّ يَفُتُّ في عضد العدو حتَّى يصابَ بالانهيار والخذلان، وحدد بالشهر؛ لأنَّه لم يكن بينه وبين عدوه زَمَنَ حروبه أكثَرُ من ذلك.
٤ - أنَّ الله تعالى تفضَّل على نبيه ﷺ حينما أحلَّ له الغنائم التي هي مكاسبُ الحروب الشرعية، وفوائدُ جهادِ الأعداء الدنيويَّة، بينما كان الأنبياءُ قبله:
стр. 407
إمَّا لم يؤذنْ لهم بالجهاد، أو أُذِنَ لهم ولكنْ لم تَحلَّ لهم الغنائم، وكانوا يجمعونها، ثمَّ تنزل عليها نارٌ من السماء فتحرقها.
٥ - أنَّ شرَفَ نبيِّه محمَّد ﷺ بشمولِ دعوته وعمومِ رسالته؛ فكان كلُّ رسولٍ قبله إنَّما يُبْعَثُ في قومه خاصَّةً، وفي زمن مؤقَّت محدَّد، أمَّا رسالة نبينا محمد ﷺ : فهي الرسالة التي عمَّتْ جميع النَّاس؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]؛ بل إنَّ رسالته ﷺ شملت الثقلين -الجن والإنس- قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]، ورسالته ممتدَّة حتَّى تقوم السَّاعة.
وما العمومُ والشمولُ في هذه الرسالة المحمَّدية إلاَّ لما أودعها الله تعالى مِنْ عواملِ البقاء، وعناصرِ الخلود، وما أقامها عليه مِنْ قواعدِ الشمول والعموم.
٧ - قوله في باقي الحديث: "النَّاس" لا يشمَلُ الجنَّ، ولا خلاف أنَّه ﷺ أُرْسِلَ للثقلين، ولعلَّه من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى.
٨ - أنَّ الله تعالى سيُظْهِرُ كمالَ فضل هذا النَّبيِّ الكريم، ومقامه العظيم يوم القيامة، باختياره للمقام المحمود، وهي الشفاعةُ العُظْمَى التي يتدافعها كبارُ الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ويتأخَّرون عنها، فتنتهي إليه الرئاسة والشرف، فحينما يقبلها يسجد لله تعالى تحت العرش، ويمجِّد ربَّه بمحامد يلهمه الله إيَّاها، ثُمَّ يُعْطى سؤله، وَتُقْبَلُ شفاعته في ذلك اليوم الذي يحمد فيه الله تعالى، ويحمدُهُ جميعُ الخلائق، حينما شفَعَ فقُبِلَتْ شفاعته؛ لإراحة الخلائق مِنْ شدَّه ذلك اليوم الطويل العصيب؛ فهذا المقام الذي قال تعالى فيه مخاطبًا نبيه ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء].
٩ - أنَّ الأرض كلَّها جعلت له ولأمَّته مسجدًا، فيصلِّي في أي مكان تدركه الصلاة فيه، فلا يختصُّ به موضعٌ دون غيره، بينما غيره من الأنبياء لا
стр. 408
يصلُّون هم ولا أممهم إلاَّ في أمكنةٍ خاصَّة؛ ولذا جاء في بعض روايات هذا الحديث: "وكان مَنْ قبلي إنَّما يصلون في كنائسهم" [قال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله ثقات (١٠/ ٣٦٧)]، وفي رواية أخرى: "ولم يكن أحدٌ من الأنبياء يصلِّي حتَّى يبلغ محرابه" [رواه البيهقي (٢/ ٤٣٣)].
وعمومُ الأرض في هذا الحديث مخصوصٌ بما نَهَى الشَّارعُ عن الصلاة فيه من الأماكن، ممَّا سيأتي بيانه في موضعه، إنْ شاء الله تعالى.
١٠ - أنَّ الله تعالى يسَّر أمر هذا النبيِّ الكريمِ، وَأَمْرَ أمته، فجعَلَ له صعيدَ الأرض طهورًا؛ فقال: "وجعلت تربتها لنا طهورًا؛ إذا لم نجد الماء"، وكما جاء في الحديث الآخر: "الصعيد وَضُوءُ المسلم، وإنْ لم يجد الماء عشر سنين" [رواه الدَّارقطني (١/ ١٨١)]، بينما الأممُ السَّابقة لا يطهِّرها إلاَّ الماء، فالتيمُّم والصلاة في جميع الأرض هي خصوصيةٌ خَصَّ اللهُ بهما هذه الأمَّة؛ تخفيفًا عنها، ورحمة بها، فله الفضل والمنَّة.
١١ - أنَّ الأصل في الأرض الطهارة؛ فتجوزُ الصلاة فيها، والتيمُّم منها.
١٢ - أنَّ كل أرضٍ صالحةٌ للتيمُّم منها، سواءٌ كانت رملية أو صخرية، أو سبخة رطبة أو يابسة.
١٣ - قوله: "فأيما رجلٍ" لا يراد به جنس الرِّجالِ وحدهم، وإنَّما يراد النساء أيضًا، فالنساءُ شقائقُ الرجال.
١٤ - قوله: "وجعلت ترتبها لنا طهورًا" دليلٌ على أنَّ التيمُّم رافعٌ للحدث كالماء؛ لاشتراكهما في الطهورية، وبهذا قال الحنفية، أمَّا المشهور من مذهب الحنابلة والمالكية والشَّافعية: فإنَّه مبيح لا رافع، ولكنَّه قولٌ ضعيفٌ، فالتيمُّم بدل الماء، وله أحكامه.
١٥ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ التيمُّم يكون لنجاسة البدن، والرواية الأُخرى: أنَّه لا تيمُّم لها؛ لأنَّ الشرع إنَّما ورد بالتيمُّم للحدث دون
стр. 409
النجاسة، وهو قولُ الأئمة الثلاثة، واختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القولُ الرَّاجح.
* تنبيه:
اقتصر المؤلِّف من الحديث على ذكر خصوصيَّتَيْن، أمَّا الثلاثُ الباقية -وهي: حِلُّ الغنائم، والشفاعةُ الكبرى لإراحةِ النَّاسِ من الموقف، وعمومُ رسالتِهِ ﷺ إلى النَّاسِ كافَّة- فلم يَأتِ بها، وقد أتينا على شرحها وبيانها.
***
стр. 410
١٠٩ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: "بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ, فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ, فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ, ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ, فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً, ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ, وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ, وَنَفَخَ فِيهِمَا, ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
أجنبت: أي: أصابتني جنابة.
فتمرَّغت: بفتح المثنَّاة الفوقية والميم، وتشديد الرَّاء، فغين معجمة، أي: تقلَّبت على الأرض كما تتقلَّب الدَّابة، قياسًا منه للتيمُّم من الجنابة على الغُسْلِ منها.
- في الصعيد: بفتح الصّاد المشدَّدة، ثُمَّ عين مهملة، فياء، فدال مهملة: هو وجه الأرض، جمعه صُعْدان وصُعُد.
- الدابَّه: كل ما يدب على الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد غلَبَ على ما يُرْكَبُ من الحيوان، ويُسمَّى به المذكَّر والمؤنث، جمعه دَوابُّ.
- أنْ تقول بيديك هكذا: فيه استعمالُ القول في معنى الفعل؛ قال في القاموس:
стр. 411
الفعل حركة.
- ظاهر كفيه: ظاهرُ الكفِّ: هو المقابل لباطنه، والكفُّ: من الرسغ إلى أطراف أصابع اليد.
- نفخ: بفمه: أخرَجَ منه الريح، وأراد هنا إزالةَ ما كَثُرَ على اليدين من التراب، قال الجوهري: أوله -أي: ما يخرجه الإنسان في فمه- البَزْقُ، ثمَّ التَّفْل، ثمَّ النَّفْث، ثمَّ النَّفْخ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعيَّةُ التيمُّم للصلاة، وغيرها من العبادات الواجب لها الطهارةُ؛ فالتيمُّم أحدُ الطهورَيْن المشروعَيْن.
٢ - بيانُ صفة التيمُّم، وهو أنْ يضرب الأرض بيديه ضربةً، فيمسح وجهه بباطن كفيه، ويمسح كلَّ ظاهر يدٍ بالأخرى، سواءٌ في الحدث الأصغر أو الأكبر، فصفته واحدة.
٣ - جوازُ تخفيف الغبارِ الكثيرِ العالقِ باليدين من ضرب الأرض بالنفخ، ثمَّ مسح الوجه والكفين بهما، ولا يتعدَّاهما إلى الذراعين.
٤ - أنَّ التيمُّم ضربةٌ واحدة تكفي للوجه واليدين.
٥ - جوازُ الاجتهاد في مسائل العلم، حتَّى في زمن النَّبيِّ ﷺ ، وهي مسألة خلافيَّةٌ بين الأصوليين، وأرجَحُ الأقوال الثلاثة: جوازه في غيبة النَّبي ﷺ ، والبُعْدِ عن سؤاله.
٦ - فيه استعمالُ أصل القياس، وإقرارُ النَّبي ﷺ صاحبه، فهذا عمّارٌ قاس التطهُّر بالتراب على التطهُّر بالماء، فكما أنَّ الماء يَعُمُّ البدنَ في الغسل من الجنابة، فكذلك يقاسُ عليه الترابُ، فيعمّم به البدن.
وحكى ابن الملقِّن عن تقي الدِّين فقال: استعمالُ القياس لابد فيه من تقدَّم العلم بمشروعيَّة التيمُّم، وكأنَّ عمَّارا لمَّا رأى الوضوءَ خاصٌّ ببعض
стр. 412
الأعضاء، وكان بدله -وهو التيمم- خاصًّا، وجب أنْ يكون بَدَلُ الغُسْلِ الذي يَعُمُّ جميعَ البدن، عامًّا لجميع البدن.
٧ - النَّبي ﷺ لم يأمر عمَّارًا بالإعادة؛ فدل هذا على أنَّ مَنْ عَبَدَ الله على طريق غير مشروعة جهلاً، فإنَّه يعلَّم لمستقبل أمره، ولا يُؤْمَرُ بقضاء ما فاته في أيَّام جهله ولهذه المسألة أدلَّةٌ كثيرة في الشرع، منها هذا، ومنها: قصَّة الرجل المسيء في صلاته.
قال شيخ الإسلام: وما تركه لجهله بالواجب، مثلُ مَنْ كان يصلِّي بلا طمأنينة، فالصحيحُ: أنَّ مِثْلَ هذا لا إعادةَ عليه إذا خرَجَ وقت العبادة، فإن النبي ﷺ قال للمسيء في صلاته: "اذهب فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ" [رواه البخاري (٧٢٤)، ومسلم (٣٩٧)].
٨ - التعليمُ بالقول والفعل يكونُ بتمثيل المطلوب تعلُّمه، وهو ما يسمَّى الآن "وسائل الإيضاح".
٩ - سماحةُ هذه الشريعة ويُسْرُها؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
١٠ - فيه مراجعة العلماء فيما حَصَلَ به الاجتهاد؛ فإنَّ عمَّارًا راجَعَ فيما اجتهد فيه.
***
стр. 413
١١٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ, وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ, وَصَحَّحَ الْأَئِمَّةُ وَقْفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيفٌ، والصوابُ وَقْفُهُ على ابن عمر.
أمَّا ضعفه، فقال المصنِّف في فتح الباري: الأحاديثُ الواردةُ في صفة التيمُّم، لم يصحَّ منها سوى حديث ابن جهيم، وحديثِ عمَّار، وما عداهما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعه، والرَّاجحُ عدَمُ رفعه.
وقال المؤلِّف في التلخيص: قال أبو زرعة: حديثٌ باطل.
وأمَّا وقفه فقال المؤلِّف هنا: وصحَّح الأئمة وقفه، قال الحافظ: الحديث مرفوعًا ضعيفٌ، وأمَّا الموقوفُ: ففيه علي بن ظبيان، طعن فيه أكثر الأئمة، والثقاتُ رَوَوْهُ موقوفًا.
وقال الدَّارقطني في سننه: وقفه يحيى القطان، وهُشَيْم، وغيرهما؛ وهو الصواب. وفي معناه عدَّة روايات كلها غير صحيحة، بل إمَّا موقوفة أو ضعيفة، فالعمدة حديثُ عمَّار، وبه جزم البخاري في صحيحه.
وفي الباب: عن جابر، صحَّحَهُ الحاكم، ووافقه الذهبي، وصوَّب الدَّارقطني وقفه.
* مفردات الحديث:
- التيمُّم: في اللغة: مصدر تيمَّم من باب التفعُّل، وأصله من الأمِّ، بفتح الهمزة
стр. 414
وتشديد الميم، وهو القصد، ويُقال: أَمَّه يؤمُّه: إذا قصده؛ لأنَّه يقصد التراب فيتمسَّح به.
وفي الشرع: قَصْدُ صعيد طاهر مباح، واستعمالُهُ بصفةٍ مخصوصة؛ لاستباحة الصلاة ونحوها، وامتثال الأمر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ التيمُّم يكون بضربتين، لا ضربة واحدة.
٢ - تكونُ أولى الضربتَيْن لمسح الوجه، والضربة الثانية تكونُ لمسح اليدين.
٣ - الحديثُ معارِضٌ لحديث عمَّار السابق، الَّذي ليس فيه إلاَّ ضربةٌ واحدةٌ، تكونُ للوجه ولليدين.
٤ - قال العلماءُ عن هذا التعارُضِ بين حديثِ عمَّارٍ وحديثِ ابن عمر:
(أ) حديثُ عَمَّارٍ في الصحيحين، وحديثُ ابن عمر في سنن الدَّارقطني، التي لم يلتزمْ صاحبها بِصِحَّةِ الأحاديث، بل كثيرًا ما يروي فيها الأحاديثَ الضعيفة، فحديثُ ابن عمر ليس له نسبةٌ مع حديث عمَّار من حيثُ الصحةُ.
(ب) حديث عمَّار مرفوعٌ إلى النَّبي ﷺ ، أما حديثُ ابن عمر فهو من كلام ابن عمر، وليس من كلام النبيِّ ﷺ ، وإن كان مما لا مجالَ فيه للرأي، فَفَرْقٌ بين المرفوع والموقوف.
(ج) كلُّ الروايات التي وردَتْ بالضربتين، فهي إما موقوفةٌ لم تُرْفَعْ إلى النبيِّ ﷺ ، وإما ضعيفةٌ لا تقومُ بها حُجَّة.
٥ - قال ابن عبد البر: الآثارُ المرفوعةُ ضربةٌ واحدة، وما روي من ضربتين فكلُّها مضطربةٌ، وقال أبو زرعة عن حديث ابن عمر: حديثٌ باطل، وقال ابن القيم: لم يصحَّ شيءٌ في الضربتين، وقال الألباني: وفي الضربتين أحاديثُ واهيةٌ معلولةٌ.
٦ - لذا فالصحيح في هذا الباب والعمدة هو حديثُ عمَّار، وبه جزم البخاريُّ في صحيحه، فقال: "باب: التيمُّمُ ضربةٌ"، وقال في الفتح: هذا هو الواجب المجزىء.
стр. 415
وقال الإمام أحمد: من قال: إنَّ التيمُّم إلى المرفقين، فإنُّما هو شيءٌ زاده من عنده.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في صفة التيمم:
فذهب الإمام أحمد: إلى أنَّ المشروع في التيمُّم هو ضربةٌ واحدة، يمسح وجهَهُ بباطنِ أصابعه ويمسَحُ كفيه براحتيه، ولا يُسَنُّ مسحُ ذراعيه إلى المرفقين، بل يقتصر في المسح إلى الكوعين، هذا هو الصحيح والمشهور من مذهبه.
قال الترمذي: وهو قولُ غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتَّابعين، منهم علي وعمَّار وابن عبَّاس وعطاء والشعبي وإسحاق، واختاره ابن المنذر، وأهل الظاهر، وهذا هو قول فقهاء الحديث، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيِّم، والشوكاني، وعليه العمل عند علماء الدعوة السلفية في نجد.
وذلك لما جاء في البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨) من حديث عمَّار: "أنَّ النَّبي ﷺ ضَرَبَ بيديه الأرض ضربةً واحدةً، ثمَّ مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه".
وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنَّ التيمُّم ضربتان، يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى مرفقيه.
واستدلُّوا بحديث الباب: "التيمُّم ضربتان، ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين"، ومثله عند الدَّارقطني عن جابر.
قال الخلال: الأحاديث في ذلك ضعيفةٌ جِدًّا، ولم يُورِدْ منها أصحاب السنن إلاَّ حديثَ ابن عمر، وقال أحمد: ليس بصحيح عن النَّبي ﷺ .
وعلى فرضِ صلاحية تلك الأحاديثِ للاستدلال، فلا تُعارِضَ ما في الصحيحين.
***
стр. 416
١١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصَّعِيدُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ, فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ" رَوَاهُ الْبَزَّارُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ, وَلَكِنْ صَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ (١)، وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ, وَصَحَّحَهُ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
وله شاهد أشار إليه المؤلِّف وصحَّحه وروى هذا الشَّاهد أحمد (٢٠٨٦٣)، والترمذي (١٢٤)، وأبو داود (٣٣٣)، والنسائي (٤٢٠)، والدَّاراقطني، والحاكم، وغيرهم، وصحَّحه الترمذي، وابن حبَّان، والدَّارقطني، وأبو حاتم، والحاكم، والذهبي، والنووي، وابن دقيق العيد.
* مفردات الحديث:
- الصعيد: وجهُ الأرض البارز، ترابًا كان أو غيره.
- عشر سنين: المقصودُ منه: المبالغةُ دون التحديد.
- فليمسه بشرته: فليجعلِ الماءَ يصيبُ بدنه بالتطهُّر به، لمستقبل العبادة.
- البَشَرة: بفتح الباء والشين: ظاهر الجلد.
стр. 417
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية التيمُّم عند فقد الماء، وعدم حصوله.
قال الشيخ تقي الدِّين: من امتنع عن الصلاة بالتيمُّم، فإنَّه من جنس اليهود والنَّصارى؛ فإنَّ التيمُّم لأمَّة محمد ﷺ خاصَّة.
٢ - أنَّ التيمُّم طهورٌ، وكافٍ عن الماء في رَفْع الأحداث، مهما طالتِ المدَّة عند عدم الماء.
٣ - جواز التيمُّم على جميع ما تصاعَدَ على وجه الأرض، من أيِّ نوعٍ من أنواع التربة، وعلى كلِّ ما على الأرض مِنْ طاهرٍ، من فرش ولبد وحيطان وصخور وغيرها، وسيأتي الخلافُ في ذلك، إنْ شاء الله تعالى.
٤ - أنَّ التيمُّمَ رافعٌ للحديث وليس مبيحًا فقط؛ فإنَّه ﵊ سَمَّاه وَضُوءًا، وهو قول كثير من أهل العلم، ومذهب الإمام أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهذا هو القياس.
قال الشيخ تقي الدِّين: وعليه يدل الكتاب والسنَّة والاعتبار.
٥ - إذا وُجدَ الماء، بَطُلَ التيمُّم؛ فيجب على المسلم العُدُولُ عن التيمُّم إلى استعمال الماء، لما يُسْتَقْبَلُ من العبادات التي مِنْ شرطها الطهارة؛ وذلك أنَّ وجود الماء يرفع استصحاب الطهارة التي كانت بالتراب، كما هو المفهوم من الحديث.
٦ - قوله ﷺ : "عشر سنين" ليس توقيتًا لنهاية مدَّه التيمم، وإنَّما مثالٌ لطول المدَّة.
٧ - إذا وجد المتيمِّم الماء، وجب عليه أنْ يُمِسَّهُ بشرفه للمستقبل من الصلاة، ونحوها من العبادات؛ لأنَّ الله تعالى جعله قائمًا مَقَامَ الماء، فلا يخرجُ عنه إلاَّ بالدليل.
٨ - قال شيخ الإسلام: التيمُّمُ يقومُ مقام الماء مطلقًا، ويبقى بعد الوقت كما تبقى
стр. 418
طهارةُ الماء بعده، وهذا القولُ هو الصحيح؛ وعليه يدل الكتاب والسنَّة.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء هل التيمُّم يرفع الحدث أو لا يرفعه؟:
فذهب الحنابلة وغيرهم: إلى أنَّه مبيحٌ لا رافعٌ.
واستدلُّوا على ذلك بقوله ﷺ : "فإذا وجد الماء، فليتق الله وَلْيُمِسَّه بشرته" وقالوا: إنَّ هذا دليل على أنَّ المتيمِّم إذا وجد الماء، وجب عليه إمساسه بشرته، لما سلف من جنابة عليه؛ فإنَّ التيمُّم لم يرفع حدثه، وإنَّما أباح له فعل ما شُرِعَتِ الطهارة له، وأمَّا الحدثُ فباقٍ عليه.
وذهب بعضهم، ومنهم الحنفية: إلى أنَّ التيمُّم قائم مقام الماء في كلِّ أحواله، وأنَّه بدَلٌ عنه، والبدل له حكم المُبْدَلِ منه؛ وبناءً عليه: فهو رافعٌ للحدث من الجنابة، فيصلِّي به ما شاء من الأوقات، فإذا وجد الماء بطل تيمُّمه لما يستقبله من عبادة؛ لأنَّ الله تعالى جعله بدلًا من الماء، فحُكْمُه حُكْمُه.
ومن أجل هذا قال شيخ الإسلام: إنَّ الخلاف بينهما خلافٌ لفظي؛ ذلك أنَّ الَّذين قالوا: لا يرفع الحدث، لم يوجبوا عليه الإعادة عند القدرة على استعمال الماء، والَّذين قالوا: يرفع الحدث، إنَّما قالوا: يرفعه رفعًا مؤقتًا إلى حين القدرة على استعمال الماء، وقد ثبت بالنص والإجماع: أنَّ التيمُّم يبطل بالقدرة على استعمال الماء.
***
стр. 419
١١٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ, فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءً، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا, ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ, وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ, ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ؟ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ، وَقَالَ لِلْآخَرِ: لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث اختلف العلماء في وصله وإرساله، والصواب أنَّه مرسل.
فقال في التلخيص: رواه أبو داود، والدَّارمي (١/ ٢٠٧)، والحاكم (١/ ٢٨٦)، والدَّارقطني (١/ ١٨٨) موصولاً، ورواه النسائي (٤٣٣)، وابن المبارك، والطبراني في الأوسط (٨/ ٤٨) مرسلاً.
وقال موسى بن هارون: رفعه وهمٌ؛ فإنَّ ابن نافع يدوِّن عن عطاء عن النَّبي ﷺ مرسلًا.
وله شاهدٌ مرفوعٌ عن ابن عبَّاسٍ، إلاَّ أنَّ فيه ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ لسوء حفظه.
* مفردات الحديث:
- فحضرت الصلاة: دخل وقتها.
- صعيدًا: الصعيد: وجه الأرض.
стр. 420
- طيباً: طهورًا مباحًا.
- أصبتَ السُّنَّة: الطريقةَ الشرعية، أي: فِعْلُكَ صحيحٌ، موافقٌ للطريقة الشرعية التي سنَّها النَّبي ﷺ .
- أجزأتك: يقال: أجزأه إجزاءً: إذا كفاه وأغناه، والمعنى: كفتك صلاتك.
- لك الأجر مرَّتين: أجرٌ للصلاة الأولى، وأَجْرٌ للصلاة الثانية، ولكنَّ إصابة السنَّة أفضلُ من ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعيَّة التيمُّم، واستقرارُ أمره لدى المسلمين في عهد النَّبي ﷺ .
٢ - فَقْدُ الماء هو أحدُ عُذْرَيِ الطهارة بالتيمُّم؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
٣ - جوازُ التيمُّم على ما تصاعد على وجه الأرض من أي تربة كانت، وعلى أي شيء طاهر على ظهر الأرض؛ لعموم الحديث، وعدم تخصيصه بشيء.
٤ - لابد من طهارةِ ما يُتيَمَّمُ به مِنْ ترابٍ أو متاع، فلا يصحُّ التيمُّم بنجس؛ لقوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
٥ - أنَّ مَنْ صَلَّى بالتيمم عادمًا للماء، ثمَّ وجده بعد الصلاة، لم يعدها، فقد أجزأته صلاتُهُ وأصابَ السُّنَّة؛ كما قال ﷺ ، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
وأما قوله ﷺ : "فإذا وجد الماء، فليتق الله ولْيُمِسَّه بشرته" فهذا عامٌّ فيما قبل الصلاة الحاضرة ولما بعدها، إلاَّ أنَّه إن كان قد صلَّى بالتيمم عادمًا للماء، فصلاته صحيحة ولا يعيدها، ويبقى إمساسُ البشرة بالماء لما يستقبل من العبادات التي يشترط لصحتها الطهارة.
٦ - أمَّا المعيد فله أجران: أجر الصلاة بالتيمُّم، وأجر الصلاة بالماء، ولكنَّ إصابةَ السُّنَّةِ أفضلُ من الإعادة.
٧ - جوازُ الاجتهاد في مسائل العلم في زمن النَّبي ﷺ ، ولكنَّ أرجحَ الأقوال: أنَّ
стр. 421
الاجتهاد لا يكون في زمنه إلاَّ في حالِ غيبتِهِ، وبُعْدِهِ عن مكان المستفتي.
٨ - اختلَفَ العلماء في جواز التيمُّم بجميع ما تصاعد على وجه الأرض:
فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى أنَّه لا يصح التيمُّم إلاَّ بتراب له غبار؛ واحتجا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وما ليس له غبار لا يَعْلَقُ باليد منه شيء، فلا يجوزُ التيمُّم به؛ كما احتجا بما رواه مسلم من حديث حذيفة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "وجعلت لنا الأرضُ مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طهورًا".
وذهب الإمامان أبو حنيفة، ومالك: إلى جواز التيمُّم بكلِّ ما تصاعد على وجه الأرض، سواءٌ كانت ذاتَ غبار أو غير ذات غبار؛ كالرمل، والحصى، والسباخ، والرطب، واليابس، ومحروق، وحجر، وحشيش، وشجر، وعلى ما عليها من فرش، وحيوان، وغير ذلك، فلا يستثنيان شيئًا ممَّا على وجه الأرض.
وذهب إلى هذا الأوزاعيُّ، وسفيان الثوري.
قال النووي: وهو وجهٌ لبعض أصحابنا.
وهو الروايةُ الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم، واستظهرها ابن مفلح في الفروع، وصوَّبها في الإنصاف؛ لقوله تعالي: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
فعموم النصوص تفيدُ جوازَ التيمُّم بجميعِ ما تصاعَدَ على وجه الأرض.
***
стр. 422
١١٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، قَالَ: "إِذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْقُرُوحُ فَيُجْنِبُ, فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إِنْ اِغْتَسَلَ، تَيَمَّمَ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا, وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث موقوف.
قال الحافظُ في التلخيص: الصوابُ وقفه، قلت: والصوابُ: أنَّ له حكم الرفع؛ لأنَّ هذا ممَّا لا مجال للرَّأي والاجتهاد فيه، وقال البزَّار: لا نعلم أحدًا رفعه عن عطاء من الثقات إلاَّ جرير بن حازم، وقال أحمد، وابن معين، والعقيلي: إنَّ جريرًا سمع من عطاء بعد اختلاطه؛ ولذا لا يصح رفعه.
* مفردات الحديث:
- الجراحة: الجُرْحُ: هو الشَّقُّ في البدن، جمع الجُرْحِ: جروح، وجمع الجريح: جَرْحَى.
- مرضى: جمعُ مريض، قال القرطبي: المرَضُ: عبارة عن خروج البدن عن حد الاعتدال. أهـ. والمراد هنا: المرض الذي يخشى معه التضرُّر من استعمال الماء.
- أو على سفر: "أو" حرف عطف، والجار والمجرور متعلِّق بمحذوف، معطوف على خبر "كنتم"، وهو قوله: "مرضى".
- القروح: جمع قرح، وهي: الجروح والشقوق من أثر السلاح، ومن مرض،
стр. 423
كالبثور التي تخرج في البدن.
- يُجْنِب: بضم أوله، من أجنب، أي: صار جنبًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تفسير ابن عبَّاس للآية بأنَّ من به قروحٌ، مثالٌ للضرر المبيح للتيمُّم، وإلاَّ فكلُّ مرض يبيحُ التيمُّم، ولو لم يصل استعمال الماء إلى الموت، وإنَّما يصل إلى الضرر فقط.
٢ - قال العلماء: مَنْ خاف باستعمالِ الماء ضَرَرَ بدنه مِنْ مرض يخشى زيادته، أو بُطْءَ بُرْئه، أو بقاءَ أثره، ونحو ذلك، فإنَّه يعدل عن استعمال الماء في الوضوء، أو الغسل، إلى التيمُّم حتَّى يبرأ.
أمَّا العذر بعدم الماء: فقد تقدَّم في أحاديث جابر، وعمَّار، وأبي هريرة، وأبي سعيد.
٣ - أنَّ السفر غالبًا يكون معه العذر إلى التيمُّم، ذلك أنَّهم كانوا ما يحملون معهم في سفرهم إلاَّ القليل من الماء، الَّذي يكونُ بقدر شربهم، وإصلاح طعامهم، فيتيمَّمون لصلاتهم؛ ولكن السفر نفسه ليس مبيحًا للتيمُّم؛ فلا يجوز للمسافر الَّذي يجدُ الماء، ولا يخاف الضرر باستعماله: أنْ يتيمَّم، بل يجبُ عليه الوضوءُ للصلاة، ولا يَحِلُّ له أنْ يصلِّي بطهارة تيمُّم.
***
стр. 424
١١٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال المؤلِّف في التلخيص: رواه ابن ماجه، والدَّارقطني (١/ ٢٢٦)، وفي إسناده الواسطيّ، وهو كذاب، قال المروزي: سألت أحمد عنه؟ فقال: باطل ليس بشيء.
قال البغوي، والنووي: اتفق الحفَّاظ على ضعف هذا الحديث، وفي معناه أحاديث أُخر، قال البيهقي: لا يثبت عن النَّبي ﷺ في هذا الباب شيءٌ، وأصح ما فيه حديث جابر، بل صحَّحه ابن السكن، وسيأتي بعد هذا الحديث؛ فيكون عاضدًا لهذا، وصحَّح البيهقي عن ابن عمر ﵄ أنَّه توضَّأ وكفُّه معصوبة، فمسَحَ عليها وعلى العصابة، وغسَلَ ما سوى ذلك.
* مفردات الحديث:
- زَنْدَيّ: بفتح الزاء المعجمة، وسكون النون، ثُمَّ دال مهملة مفتوحة، وآخره ياء مشدَّدة مثناة تحتية: تثنية زند، الزندان: هما الساعد والذراع، فالأعلى منهما هو الساعد، والأسفل منهما هو الذراع، وطرفهما الذي يلي الإبهام هو الكُوع، والَّذي يلي الخنصر هو الكُرْسُوع، والرُّسْغ -بالغين المعجمة- مجتمع الزندين من أسفل، والمرفق: مجتمعهما من أعلى.
стр. 425
- الجبائر: جمع جبيرة، وهي ما يُجْبَرُ به العظمُ المكسور، من خرقة تُلَفَّ عليه، أو أعوادٍ تُشَدُّ عليه، أو غير ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه مشروعية المسح على الجبيرة، والجبيرةُ: كلُّ ما وضع على كسر أو جرح من أخشاب أو جبس أو خِرَق أو غير ذلك، تربط على الكسر أو الجرح.
٢ - المسحُ على الجبيرة يخالفُ المسحَ على الخفَّيْنِ وعلى العمامة والخمار ببعض الأحكام، وقد تقدَّمت في باب المسح على الخفين، ونعيدها هنا وهي:
(أ) يمسحُ على الجبيرة بالحدَثَيْنِ الأكبر والأصغر؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار: ففي الأصغر فقط.
(ب) أنَّ مسح الجبيرة يمتد حتَّى يبرأ الجرح أو الكسر؛ بخلاف الخف ونحوه: فالمسح يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيَّام ولياليها للمسافر.
(ج) أنَّه يمسح على الجبيرة كلِّها، عند المالكية والشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: يكفي مسح أكثرها؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار: فعلى بعضه، وتقدَّمت صفته.
(د) الصحيح من قولي العلماء: أنَّه لا يشترط في الجبيرة ربطها على طهارة؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار.
هذه أهم الأحكام التي تفارق الجبيرةُ فيها كلَّ واحد من الخفين والعمامة والخمار، وهي راجعةٌ إلى أنَّ مسح الجبيرة مَسْحُ ضرورة، لا يمكنُ قياسها على الخفين، وأمَّا ما عداهما فمسحُهُ رخصةٌ وسهولةٌ وتيسير.
٣ - هذا الحديثُ والَّذي بعده مِنْ أدلَّةِ مشروعية المسح على الجبيرة، وسماحةِ أحكامِ الشريعة.