١٠ - الحديث يدل على فضل هذه القرون الثلاثة المفضَّلة ممَّن ساروا على نهج نبيهم، واقتفوا أثره؛ فكانوا خير أمَّةٍ أُخرِجَتْ للنَّاسِ.
فلمَّا جاء القرن الرَّابع، بدأت الخلافات في المقالات، وتعددت المذاهب المنحرفة، والمقالات الكلامية، وحدثت البدع؛ فأخذت معالم العقيدة الصحيحة تتغيَّر، ومحاسنها تنطمس.
١١ - ويدل الحديث على أنَّ الفضيلة ليست بعمارة الحياة الدنيا، وبهجتها، وزينتها، وإنَّما الفضيلة موجودة حيث توجد الأمانة، ويوجد الوفاء بالعهود، والعقود، والنذور، وتكون الآخرة هي أكبر هم المسلم؛ لأَنَّ المسلم ليس همه، وكده، وجده، فيما يعود عليه بالترف من حسن المآكل، والملابس، والمراكب، والمساكن؛ فإيثار الحياة الدنيا على الآخرة هو عين الخسارة؛ قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى].
***
стр. 3642
١٢١٧ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلاَ خَائِنَةٍ، وَلاَ ذِي غَمَرٍ عَلَى أَخِيهِ، ولاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لأَهْلِ البَيْتِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديت حسن.
أخرجه أحمد، وأبو داود، والدَّارقطني، والبيهقي، وإسناده حسن، قال الحافظ: وسنده قوي.
وقال في التنقيح: ومحمد بن راشد -أحد رواته- وثَّقه أحمد ويحيى بن معين، وغيرهما، ولا مطعن فيه.
* مفردات الحديث:
- خائن: خان الشيء خوناً وخيانة: نقضه وخان العهد فيه، وخان الأمانةَ: لم يؤدها.
- ذي غَمَرٍ: بفتح الغين المعجمة، وفتح الميم، بعدها راء، وهو الحقد والشحناء.
- القانع: بالقاف، ثمَّ ألف، بعدها نون، ثمَّ عين مهملة: هو الخادم المنقطع لخدمة أهل البيت، وقضاء حوائجهم؛ لما لهم عليه من السلطة، ولما له عندهم من المنفعة، فالتهمة بمواليهم قائمة.
- لأهل البيت: الَّلام هنا متعلِّقة بمحذوف، تقديره: مقارنة لأهل البيت، فتكون حالاً من "القانع".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - بيان شيءٍ من موانع الشهادة التي إذا وُجِدَ شَيْءٌ منها في شخص، فإنَّها لا
стр. 3643
تقبل شهادته.
قال في شرح الإقناع: الموانع تحول بين الشهادة ومقصودها؛ فإنَّ المقصود منها قبولها، والحكم بها، ومن الموانع ما يلي:
الأوَّل: الخيانة: فالخائن ضد الأمين، وهي إمَّا أنْ تكون خيانة في حقوق الله تعالى؛ من تضييع ما افترض الله عليه من الواجبات؛ فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]؛ فمن ضيَّع شيئاً ممَّا أمر الله تعالى به، أو ارتكب شيئاً ممَّا نهي عنه، فليس بأمين، وإنَّما هو خائن، لا تصح أنْ تقبل شهادته.
وإمَّا أنْ تكون الخيانة فيما ائتمنه النَّاس عليه من الودائع، والأمانات؛ فلا يوجد عنده تقوى تمنعه من الحفاظ عليها وأدائها، فهذا لا يحصل الاطمئنان إلى خبره؛ فلا تصح شهادته.
قال في الروض المربع وحاشيته: السَّادس: العدالة، وهي أداء الفرائض، واجتناب المحارم.
قال ابن رشد: اتفق المسلمون على اشتراط العدالة في قبول شهادة الشاهد؛ لقوله تعالى: ﴿تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال الشيخ: رَدَّ شهادة من عرف بالكذب متفق عليه بين الفقهاء.
والعدل في كلِّ زمانٍ ومكانٍ وطائفةٍ بحسبها، فيكون الشَّاهد في كلِّ قومٍ مَنْ كان ذا عدل فيهم، وإنْ كان وجوده في غيرهم، لكان عدله على وجهٍ آخر، بهذا يمكن الحكم بين النَّاس.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: شروط الشهادة تعتبر حسب الإمكان.
الثاني: ذو الغَمَر: هو الحاقد ذو الشحناء والبغضاء؛ فلا تقبل شهادته على من يضمر له عداوة وشحناء.
قال في الروض المربع وحاشيته: ولا تقبل شهادة عدوٍّ على عدوه؛ وهو
стр. 3644
مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد، وحجتهم: "لا تقبل شهادة خصمٍ ولا ظنين" [رواه أبو داود في المراسيل (ص ٢٨٦)]، قال ابن حجر: ليس له إسنادٌ صحيح؛ لكن له طرق يقوِّي بعضها بعضاً.
قال ابن القيم: منعت الشريعة من قبول شهادة العدو على عدوه؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة، وقد أجمع الجمهور على تأثيرها في الأحكام الشرعية.
الثالث: القانع: وهو الخادم لأهل البيت، المنقطع للخدمة، وقضاء الحوائج، وموالاتهم، ذلك أنَّ الخادم متعلقةٌ مصالحه وحاجاته بأهل البيت، ولهم عليه سلطة، وتأثيرٌ كبير، وهذا مظنَّة تتهمه أنَه يحب دفع الضرر عنهم، أو جلب المصلحة والخير إليهم؛ فَمُنِعَتْ شهادته من القبول.
قال في الروض المربع: ولا تُقبل شهادة من عُرِفَ بعصبيةٍ، وإفراط حمية؛ لحصول التهمة بذلك.
٢ - ذكر الفقهاء أشياء أخرى ممَّا تُرَدُّ به الشهادة؛ منها: شهادة عمودي النسب، وهم الآباء وإنْ عَلَوْا، والأولاد وإنْ نزلوا، فلا تُقبل شهادة بعضهم لبعض.
قال ابن رشد: اتفقوا على رد شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه، وكذا الأم لابنها، وابنها لها؛ لتهمة القرابة.
٣ - ولا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه عند أكثر العلماء، لأنَّ كلاًّ منهما يتبسط في مال الآخر؛ فالتهمة موجودة.
٤ - وتقبل الشَّهادة من عمودي النسب بعضهم على بعض؛ كما تقبل شهادة أحد الزوجين على الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ نصَّ عليه الإمام أحمد، قال الموفق: لم أجد خلافاً لأحد.
стр. 3645
١٢١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ تَجُوزُ شَهَادَة بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِب قَرْيَةٍ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث منكر.
أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وابن الجارود، عن طريق ابن الهاد، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، به.
قال ابن دقيق العيد: رجاله إلى منتهاه رجال الصحيح؛ فالحديث صحيح الإسناد، رجاله كلهم ثقات؛ فهم رجال الشيخين.
قال ابن عبد الهادي: رواته ثقات.
لكن قال الذهبي: هو حديث منكر، مع نظافة سنده.
* ما يؤخذ من الحديث:
اختلف العلماء في قبول شهادة البدوي على الحضري:
فذهب الإمامان: مالك، وأحمد -في إحدى الروايتين عنه:- إلى عدم قبول شهادة البدوي على الحضري؛ لأَنَّ بينهما شحناء لا تمنع البدوي الَّذي يغلب عليه الجفاء في الدِّين، وقلَّةِ معرفة الأحكام الشرعية، وعدم ضبطه ومعرفته لما يُلقى عليه، ويسمعه.
قال الإمام أحمد: أخشى أنْ لا تُقبل شهادة البدوي على صاحب القرية؛ لهذا الحديث.
стр. 3646
وذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشَّافعي وأحمد -في المشهور عنه-: إلى قبولها؛ لأَنَّه الأصل، ولما أخرجه أبو داود (٢٣٤٠) والترمذي (٦٩١) من حديث ابن عباس: "أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النَّبي ﷺ فقال: إنِّي رأيت الهلال، فقال: أتشهد أنْ لا إله إلاَّ الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: فأذِّن في النَّاس يابلال أنْ يصوموا غداً".
أمَّا حديث الباب: فحملوه على مَنْ لا تعرف عدالته من أهل البادية.
قال في شرح المنتهى: وتقبل شهادة بدوي على قروي؛ وحديث: "لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية" محمولٌ على من لا تعرف عدالته من أهل البدو.
والرَّاجح: قبولُ شهادة من عرف بالعدالة منهم على أنفسهم وعلى الحاضرة، فهذا هو الأصل ما دام أنَّه لم يوجد مانع من موانع الشَّهادة، والله أعلم.
***
стр. 3647
١٢١٩ - وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّه خَطَبَ فَقَالَ: "إنَّ أُنَاساً كَانُوا يُؤْخَدونَ بِالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يؤخذون: يُقال: أُخِذَ به يؤخذ مؤاخذة، والمؤاخذة: المعاقبة على الذنب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الأثر من عمر بن الخطاب ﵁ قاله للنَّاس،، وهو أمير المؤمنين؛ فأقروه عليه، فصار مثل الإجماع، وهو موافق لقواعد الشريعة.
٢ - يدل على هذا الأصل ما رواه الحافظ ابن كثير في الإرشاد، من أنَّه شهد عند عمر رجلٌ، فقال له عمر ﵁: "لست أعرفك، فأتِ بمن يعرفك" رواه البغدادي يإسنادٍ حسن.
٣ - قال الشيخ تقي الدِّين: خبر الفاسق ليس بمردود، بل هو موجب للتبين والتثبت؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]
قال ابن القيم: الفاسق باعتقاده إذا كان محافظاً في دينه، فإنَّ شهادته مقبولة، وإنْ حكمنا بفسقه؛ كأهل البدع من الخوارج، والمعتزلة، ونحوهم؛ هذا منصوص الأئمة.
٤ - كان النَّبي ﷺ في حياته يعرف المنافقين، فكان يخبر بهم بعض الصحابة، ومنهم حذيفة.
стр. 3648
٥ - استدل بالحديث على قبول شهادة من لم تظهر مثه ريبة، نظراً إلى ظاهر حاله، وأنَّه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدل الاستقامة، من غير كشفٍ عن حقيقة سريرته؛ لأنَّ ذلك متعذِّرٌ إلاَّ بالوحي، فقد انقطع.
٦ - قال في الروض وحاشيته: ويكفي في التزكية عدلان يشهدان لعدالة الشَّاهد، هذا هو المشهور من المذهب، وعنه، تكفي تزكية الواحد للواحد، وعليه العمل.
***
стр. 3649
١٢٢٠ - وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ عدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ في أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الزُّور: تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتَّى يخيل إلى من سمعه، أو رآه أنَّه بخلاف ما هو به؛ فهو تمويه الباطل بما يوهم أنَّه حقٌّ.
وقد جعل رسول الله ﷺ قول الزور عديلاً للشرك ومساوياً له؛ فإنَّ لشهادة الزور مفاسد كبيرة كثيرة:
- فهي سببٌ في أكل المال بالباطل.
- وهي سببٌ لإضلال الحكَّام؛ ليحكموا بغير ما أنزل الله.
- وهي سببٌ لإضاعة الحقوق، وحرمان المُحِقِّ من حقِّه.
٢ - وإنَّما اهتمَّ ﷺ بإخبارهم عن شهادة الزور، وجلس وأتى بحرف التنبيه، وكرَّر الإخبار؛ لكون قول الزور وشهادته أسهل على الِّلسان، والتهاون بها أكثر، والمفاسد بها أكبر؛ لأَنَّ الحامل عليها أمور كثيرة: من العدواة، والحسد، وغيرهما؛ فاحتيج إلى الاهتمام بشأنها.
٣ - فقد جاء في البخاري (٦٩١٩)، ومسلم (٨٧) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ألاَ أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر ثلاثاً؟ قالوا: بلى يارسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس -وكان متكئاً- ثم قال: ألا وقول الزور، فما زال يكرِّرها حتَّى قلنا: ليته سكت".
٤ - وبهذا فشهادة الزور من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب.
стр. 3650
١٢٢١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: "تَرَى الشَّمْسَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ" أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
إسناده ضعيف.
قال الألباني: أخرجه العقيلي، وابن عدي، والحاكم، والبيهقي، من طريق محمد بن مسمول.
قال العقيلي وابن عدي: لا يعرف إلاَّ بابن مسمول، وكان الحميدي يتكلَّم فيه، أمَّا الحاكم فقال: صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله: قلت: واهٍ؛ فعمرو بن مالك البصري كان يسرق الحديث، وابن مسمول ضعَّفه غير واحدٍ.
وقال الحافظ: صحَّحه الحاكم فأخطأ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الشَّهادة مشتقَّة من المشاهدة؛ فالشَّاهد يخبر عمَّا شاهده، وهي حجَّةٌ شرعية تظهر الحق.
وبناءً عليه: فلابدَّ في أدائها من العلم اليقيني برؤية ما شهد عليه، أو سماعه،: فالرؤية: تختص بالأفعال؛ كالقتل، والغصب، والسرقة.
والسَّماع ضربان: سماع من المشهود عليه؛ كالطَّلاق، والإبراء، والعقود، ونحوها، وسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذَّر علمه غالباً؛ كالنَّسَب، والموت، والنكاح عقداً ودواماً، والطلاق، وشرط الوقف.
стр. 3651
قال في شرح الإقناع: ويجوز أنْ يشهد بالاستفاضة إذا علم ما شهد به عن عددٍ يقع العلم بخبرهم، واختار المجد والشيخ: ولو واحداً يُسْكَنُ إليه.
٢ - وإلى العمل بشهادة الاستفاضة ذهب الشَّافعي وأحمد.
قال في فتح الباري: اختلف العلماء في ضابط ما تفيد الشهادة بالاستفاضة:
فيصح عند الشَّافعية: في النسب، والولادة، والموت، والولاء، والوقف، والنكاح، والتعديل، والتجريج، والوصية، والرشد، والسفه، وبلَّغها بعض الشَّافعية بضعة وعشرين موضعاً.
وأمَّا عند الحنابلة: فشهادة الاستفاضة في تسع مواضعٍ هي:
النسب، والموت، والملك المطلق، والنكاح عقداً ودواماً، والوقف، والعتق، والخلع، والطلاق، والولاية، فيشهد بالاستفاضة في ذلك كله؛ لأَنَّ هذه الأشياء تتعذَّر الشَّهادة عليها في الغالب بمشاهدتها، ومشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة.
وعند الحنفية: في خمسة مواضع هي:
النكاح، والنسب، والموت، والولاء، وولاية القضاء.
قال القُدُورِيُّ مع حاشيته: فإنَّه يسعه أنْ يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره مَنْ يثق به؛ لأَنَّ هذه الأمور تختص بمعاينة أسبابها الخواصُّ من النَّاس، ويتعلَّق بها أحكام تبقى القرون والأعوام، فلو لم يقبل فيها بالتسامع، لأدَّى إلى تعطيل الأحكام؛ وإنَّما يجوز للشَّاهد أنْ يشهد بالاشتهار إذا أخبره رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان؛ ليحصل له نوعٌ من العلم.
٤ - استدل العلماء على وجوب التحقق من الشهادة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء]. ففي الآية الكريمة النَّهي أنْ يقول الإنسان ما لا يعلم؛ فإنَّ هذه الآلاء التي
стр. 3652
أنعم الله عليه بها هي ابتلاء واختبار، فإن استعملها في الخير، استحق الثواب، وإن استعملها في الشرِّ، استحق العذاب.
ومن ذلك: الشَّهادة إنْ كانت عن يقين، أو كانت عن ظنٍّ وكذب، والله أعلم.
***
стр. 3653
١٢٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ (١).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِثْلُهُ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢).
ــ
*درجة الحديث:
رواية أبي هريرة صحَّحها كُلٌّ من: ابن حبان، وأبي حاتمٍ، وأبي زرعة، وحسَّنها الترمذي، ولهذه الرواية طريقان آخران، قال الإمام أحمد: ليس في هذا الباب حديثٌ أصح منه. ورجاله رجال الصحيحين، وقال السيوطي والكتاني: إنَّه من المتواتر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد: إلى الحكم بالشَّاهد الواحد، ويمين المدَّعِي؛ فقد روى مسلم (١٧١٢) من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أنَّ رسول الله ﷺ قضى بشاهد ويمين".
قال الشَّافعي: حديث ابن عباس ثابت، ومعه ما يشده.
قال ابن القيم في الطرق الحكمية: وقد روي القضاء بالشَّاهد مع اليمين:
стр. 3654
عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسعد بن عبادة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وزيد بن ثعلبة، وجماعةٍ من الصحابة.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة: "اقض بالشَّاهد مع اليمين؛ فإنَّه سنَّة" [رواه الشَّافعي في الأم (٦/ ٢٥٥)].
٢ - وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه: إلى أنَّها لا تقبل شهادة واحدٍ ويمين في شيءٍ.
قال الجصاص: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يوجب بطلان القول بالشَّاهد واليمين، ولا يجوز الاقتصار على ما دون العدد المذكور؛ ففي تجويز أقل منه مخالفةٌ للكتاب، ولا يجوز إسقاط العدد؛ إذ كانت الآية مقتضية لاستيفاء أمرين: العدد، والعدالة، فغير جائز إسقاط واحدٍ منهما، وفي مضمون ذلك ما ينفي قبولَ يمين الطالب والحكمَ له بشاهد؛ لما فيه من الحكم بغير ما أمر الله به من الاحتياط والاستظهار، ونفي الريبة والشك، وفي قبول يمينه أعظمُ الريب والشك، وأكبر التهمة؛ وذلك خلاف مقتضى الآية.
وأما ابن القيم في الطرق الحكمية فقال: "روى الترمذي (١٣٤٣)، وابن ماجه (٢٣٦٨)، وأبو داود (٣٦١٠) من حديث أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد"، وفي مراسيل مالك: "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد"، وذكر أبو الزناد بن عامر قال: "حضرت أبا بكر، وعمر، وعثمان، يقضون بشهادة الواحد، واليمين" [رواه الدارقطني (٤/ ٢١٥)] وقضى به علي ﵁ بالعراق".
٣ - وقال ابن القيم أيضاً: قال الشَّافعي: اليمين والشَّاهد لا تتخالف مع ظاهر
стр. 3655
القرآن شيئاً؛ لأنَّا نحكم بشاهدين، وشاهد وامرأتين، فإذا كان شاهد واحد حكمنا بشاهدٍ ويمين، وليس ذا يخالف القرآن؛ لأَنَّه لم يحرِّم أنْ يكون أقل ممَّا نصَّ عليه في كتابه، ورسولُ الله أعلم بمراد الله، وقد أمرنا الله أنْ نأخذ ما أتانا به.
وقال ابن القيم: وليس في القرآن أنَّه لا يُحْكَمُ إلاَّ بشاهدين، أو شاهد وامرأتين؛ فإنَّ الله إنَّما أمر بذلك أصحاب الحقوق أنْ يحافظوا على حقوقهم بهذا النصاب، ولم يأمر بذلك الحُكَّامَ أنْ يحكموا به، فضلاً عن أنْ يكون قد أمرهم أنْ لا يقضوا إلاَّ بذلك؛ ولهذا يحكم الحاكمُ بالنكولِ، واليمينِ المردودةِ، والمرأة الواحدة، والنساء المنفردات لا رجل معهنَّ، وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن، فإنْ كان الحكم بالشَّاهد مخالفاً لكتاب الله، فهذه أشد مخالفةً لكتاب الله منه، وإنْ لم تكن هذه الأشياء مخالفة للقرآن، فالحكم بالشَّاهد واليمين أولى ألاَّ يكون مخالفاً.
فطرق الحكم شيء، وطرق حفظ الحقوق شيءٌ آخر، وليس بينهما تلازُمٌ، فتحفَظُ الحقوقُ بما لا يَحْكُمُ به الحاكم ممَّا يعلم صاحب الحق أنَّه يحفظ به حقَّه، ولا خطر على باله النكولُ، وردُّ يمين، وغير ذلك، ومن العجائب رد الشَّاهد واليمين، والحكمُ بمجرَّد النكول، الَّذي هو سكوت، ولا ينسب إلى ساكت قول.
٤ - وإذا قضى بالشَّاهد واليمين، فالحكم بالشَّاهد وحده، واليمينُ تقوية وتوكيد، هذا منصوص أحمد، فلو رجع الشَّاهد، كان الضمان كله عليه.
٥ - الَّذي يظهر من الأحاديث ومن التعليل والتحليل، والمقارنة بين القولين هو رجحان القول بقبول الشَّاهد مع اليمين في الحقوق المالية، والله أعلم.
стр. 3656
باب الدعاوى والبينات
مقدمة
الدَّعَاوَى: واحدها دَعْوَى، وهي إضافةُ الإنسان إلى نفسه استحقاقُ شيءٍ فى يد غيره، أو ذمَّته.
والمدَّعِي: من يطلب غيره بحقٍّ يذْكُرُ استحقاقَهُ عليه، وإذا سكت عن الطلب، تُرِكَ.
أمَّا البينات: فواحدها بينة، من أبان الشيء، أي: أوضحه، وهى العلامة الواضحة كالشَّاهد؛ هذا مذهب أحمد في البينة.
وأمَّا ابن القيم: فلا يَقْصُرُ البينةَ على الشَّاهد، وإنَّما يرى أنَّ البينة اسمٌ لكلِّ ما يبيِّنُ الحقَّ ويُظْهِرُهُ، وَمَنْ خصَّها بالشَّاهدين، أو الأربعة، أو الشَّاهد، لم يُعْطِ مسمَّاها حقَّه، ولم تأت البينة قط في القرآن مراداً بها الشَّاهدان، وإنَّما أتت مراداً بها الحجَّة، والدليل، والبرهان، مفردةً ومجموعة.
والشَّاهدان من البينة، ولا ينفيان غيرهما من أنواع البينة، ممَّا قد يكون أقوى منهما؛ لدلالة الحال على صدق المدَّعي؛ فإنَّها أقوى من دلالة أخبار الشَّاهد، والبينة، والدَّلالة، والحجَّة، والبرهان، والعلامة، والأمارة، متقاربة فى المعنى.
والشَّارعُ لم يُلْغِ القرائنَ، والأماراتِ، ودلالاتِ الأحوال، بل من استقرأ الشرع في مصادره، وموارده، وجده شاهداً لها بالاعتبار، مرتَّباً عليها الأحكام.
стр. 3657
١٢٢٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ، وأَمْوَالَهُمْ؛ وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
زيادة البيهقي سندها صحيح؛ كما قال المصنِّف ﵀ وحسَّنَهَا النووي في الأربعين، وكذلك حسَّنها ابن الصَّلاح، وقال ابن رجب: قد استدلَّ بهذا الحديث الإمام أحمد وأبو عبيد، وهما لم يستدلا به، إلاَّ أنَّه عندهما صحيح محتجٌّ به، ثمَّ قال ابن رجب: وفي معناه أحاديث كثيرة، ثمَّ سردها في شرح الأربعين.
* مفردات الحديث:
- البيِّنة: بانَ الأَمْرُ يَبينُ، فهو بَيِّن، من بان الشيء، أي: ظهر، فهي العلامة الواضحة.
وشرعاً: اسمٌ لما يبيِّن الحقَّ ويظهره.
- اليمين: تطلق لغةً على القوَّة، ومنه اليمين لليد.
وشرعاً: توكيد المحلوف عليه بذكر معظَّمٍ على وجهٍ مخصوص، وسُمِّيت يميناً؛ لأَنَّ الحالف يعطي يمينه، ويضرب بها على يمين صاحبه.
стр. 3658
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يبين النَّبي ﷺ في هذا الحديث أنَّ من ادَّعَى على أحدٍ دعوى، فإنَّ عليه الإثبات والبينَةَ على دعواه، فإنْ لم يكن لديه بينةٌ، فعلى المدعى عليه اليمين -لنفي ما ادُّعِيَ- عليه به من حقٍّ.
٢ - ثمَّ ذكر ﷺ الحكمة في كون البينة على المدعي، واليمين على من المنكِر، وهي أنَّه لو أُعْطِيَ كُلُّ من ادَّعَى دعوى ما ادعاه، لادَّعَى كلُّ من لا يراقب الله تعالى على الأبرياء دماءً وأموالاً، يبهتونهم بها؛ ولكن الحكيم العليم جعل حدًّا وحكماً؛ لتخف وطأة الشر، ويقل الظلم والفساد.
قال ابن دقيق العيد: الحديث يدل على أنَّه لا يجوز الحكم إلاَّ بالقانون الشرعي الذي رُتِّب، وإنْ غلب على الظنِّ صدق المدَّعِي.
٣ - أنَّ اليمين على المدَّعى عليه، وأنَّ البينة على المدعي، كما في رواية البيهقي؛ وذلك أنَّ اليمين تكون في الجانب القوي من المترافعين، وجانب المدعى عليه بلا بينة من المدعي هو القوي؛ لأن الأصل براءة ذمته، فاكتفي منه باليمين.
قال ابن القيم: الذي جاءت به الشريعة: أن اليمين تشرع من جهة أقوى المتداعيَيْن، فأي الخصمين ترجح جانبه، جعلت اليمين من جهته.
وهذا مذهبُ جمهورِ العلماء؛ كأهل المدينة، وفقهاء المحدِّثين؛ كأحمد، والشَّافعي، ومالك، وغيرهم.
٤ - البيِّنَة عند كثيرٍ من أهل العلم هي الشهود، والأيمان، والنكول.
وهي عند المحقِّقين: اسمٌ لكلِّ ما أبان الحقَّ وأظهره، من الشهود، وقرائن الحال، وَوَصْفِ المدَّعي في نحو اللُّقَطَة.
قال ابن رجب: كل عينٍ لم يدعها صاحب اليد، فمن جاء فوصفها بأوصافها الخفية، فهيَ له، فإنْ نازعه أحدٌ ما في يده، فهي لصاحب اليد
стр. 3659
بيمينه، مالم يأت المدَّعي ببينةٍ أقوى من اليد.
قال ابن القيم؛ البيِّنة في كلام الله تعالى، وكلام رسوله الكريم ﷺ ، وكلام الصحابة: اسمٌ لما يبيِّن الحق، فهي أعم من البيِّنة في اصطلاح الفقهاء، حيث خصوها بالشَّاهد أو الشَّاهد واليمين، ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمَّن حجر كلام الله، وكلام رسول ﷺ ، فيقع في ذلك الغلط في فهم النصوص، وحملها على غير مراد المتكلِّم منها.
٥ - حديث الباب قاعدةٌ عظمى من قواعد القضاء؛ فعليها يدور غالب الأحكام.
٦ - هذا حديثٌ عظيم القدر، فهو أصلٌ من أصول القضاء والأحكام؛ فإنَّ القضاء بين النَّاس إنَّما يكون عند التنازع، هذا يدَّعي على هذا حقًّا من الحقوق، والآخر ينكره ويتبرَّأ منه.
٧ - من ادَّعى عيناً، أو ديناً، أو حقًّا على غيره، وأنكر المدَّعَى عليه الدعوى، فالأصل مع المنكِر؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمة.
فإنْ أتى المدَّعي ببينةٍ تثبت ذلك الحقَّ، ثبت له به، وإنْ لم يأتِ ببينةٍ، فليس له على المدَّعَى عليه إلاَّ اليمينُ على نفي دعواه.
٨ - الحديث يدل على مذهب جمهور العلماء، ومنهم الشَّافعية، والحنابلة: على أنَّ اليمين متوجِّهةٌ على المدعى عليه، سواءٌ كان بينه وبين المدَّعي اختلاطٌ، أم لا.
أمَّا مذهب المالكية، وأهل المدينة، ومنهم الفقهاء السبعة: فإنَّ اليمين لا تتوجَّه إلاَّ على من بينه وبين المدَّعِي خلطة؛ لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم.
٩ - أمَّا من كان عليه دينٌ، أو حقٌّ ثابتٌ بذمته، وطولب به، فادَّعى أنَّ ذمته برئت بوفاءٍ، أو إسقاطٍ، أو صلحٍ، أو غير ذلك، فالأصل أنَّ ما في ذمته باقٍ، فإنْ لم يأت ببينةٍ على الوفاء والبراءة، فإنَّ له على صاحب الحقِّ اليمينَ على أنَّ
стр. 3660
حقَّه لا يزال باقياً بذمته؛ لأنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان.
١٠ - ومثل ذلك دعوى العيوب، ودعوى الشروط، والآجال، والوثائق، الأصلُ عدَمُهَا، وَعَدَمُ الالتزامِ بها، ومن ادَّعاها فعليه البينةُ، فإنْ لم يكنْ بينةٌ، فعلى منكرها اليمين.
١١ - فهذا الحديثُ أصلُ المرافعات، والمنهجُ الَّذي رَسَمَتْهُ هذه القاعدةُ في إنهاءِ الدَّعوى، هو سبيلُ فصلٍ في منع الدَّعاوى الباطلة، وإثباتِ الحقوق الصحيحة.
١٢ - قال المحقِّقون من العلماء: إنَّ الشريعة جعلت اليمين في أقوى جانبٍ من المدَّعي، أو المدعى عليه، والله أعلم.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ البينة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر.
١٣ - قال ابن رجب في شرح الأربعين: معنى قوله: "البينة على المدَّعي" يعني: أنَّه يَسْتَحق بها ما ادَّعَى؛ لأَنَّها واجبة يؤخذ بها.
ومعنى قوله: "اليمين على المدَّعى عليه" أي: يبرأ بها؛ لأَنَّها واجبةٌ عليه يؤخذ بها على كلِّ حالٍ.
١٤ - وقال رحمه الله تعالى: المدعي إذا أقام شاهداً، فإنَّه قد قَوِيَ جانبه، فإذا حلف معهُ قُضِيَ له.
١٥ - وقال: البينة كل ما بيَّن صحَّة دعوى المدَّعي، وشهد بصدقه، فاللوث مع أقسامه بيِّنة، والشاهد مع اليمين بينة.
١٦ - وقال: قوله: "لو يعطى النَّاس بدعواهم ... " يدل على أنَّ مدَّعي الدَّم والمال لابدَّ له من بينة تدل على ما ادَّعاه، ويدخل في عموم ذلك: أنَّ من ادَّعى عليه رجل أنَّه قتل مورِّثه، وليس معه إلاَّ قول المقتول عند موته: جرحني فلان، أنَّه لا يكتفي بذلك، ولا يكون بمجرَّده لوثاً؛ وهذا قول الجمهور.
стр. 3661
خلافاً للمالكية، فإنَّهم جعلوه لوثاً يقسم معه الأولياء، ويُسْتَحَقُّ الدم.
١٧ - وقال: قوله: "واليمين على المدَّعى عليه" يدل على أنَّ كلَّ من دُعِيَ عليه دعوى، فأنكر، فإنَّ عليه اليمين؛ وهذا قول أكثر الفقهاء.
وقال مالك: إنَّما تجب اليمين على المنكر، إذا كان بين المتداعيَيْنِ نوع مخالطة؛ خوفاً من أنْ يبتذل السفهاء على الرؤساء بطلب أيمانهم.
قال شيخ الإسلام: كنا عند نائب السلطنة وأنا إلى جانبه، فادَّعى بعض الحاضرين أنَّ له قِبَلِي وديعةً، وسأل إجلاسي معه وإحلافي، فقلت لقاضي المالكيَّة، وكان حاضراً: أتسوغ هذه الدعوى، وتسمع؟ فقال: لا، فقلت: فما مذهبُك في مثل ذلك؟ فقال: تعزير المدَّعي، قلت: فاحكم بمذهبك، فأقيمَ المدَّعِي، وأُخرج.
١٨ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، "البينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر"؛ ياله من كلام ما أبلغه، وأجمعه لجميع الوقائع والجزئيات بين النَّاس في جميع الحقوق؛ فهو أصلٌ تنطبق عليه جميع المشكلات.
فيدخل في هذا أمور:
الأوَّل: من ادَّعى حَقًّا على غيره، وأنكر المدَّعَى عليه.
الثاني: من ثبت عليه حقٌّ، ثمَّ ادَّعى البراءةَ منه، وأنكر صاحب الحق.
الثالث: من ثبتت يده على شيءٍ، وادَّعى آخر أنَّه له، وأنكر صاحب اليد.
الرَّابع: إذا اتفقا على عقد، وادَّعى أحدهما أنَّه مختلٌّ لفقد شرط ونحوه، وأنكر الآخر، فالقول قول مدَّعِي السَّلامة.
الخامس: من ادَّعى شرطاً، أو عيباً، أو أجلاً، ونحو ذلك، وأنكر الآخر، فالقول قول المنكر.
إلى غير ذلك من الأمور التي تدخل تحت هذه القاعدة.
стр. 3662
١٢٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ في اليَمِينِ، أَيُّهُمْ يَحْلِفُ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- عَرَضَ: يَعْرِضُ عرضاً، من باب ضرب، ومعناه هنا: أظهر لهم اليمين؛ لِيُقْدِموا على الحلف أو يَدَعُوا.
- يسهم: أسم يسهم إسهاماً، أي: أقرَعَ بينهم، والسهم: هو الحظ والنصيب، جمعه أسهُمٌ وسُهْمَان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تمام الحديث ما رواه أبو داود (٣٦١٦)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٨٧) من طريق أبي رافعٍ، عن أبي هريرة؛ أنَّ رجلين اختصما في متاعٍ ليس معهما بينة، فقال النَّبي ﷺ : "استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها".
قال الخطابي: معنى استهما هنا: الاقتراع، فيقترعان، فأيهما خرجت له القرعة، حلف، وأخذ المدَّعَى به.
٢ - قال في شرح الإقناع في باب اللقطة: فإنْ وصف اللقطة اثنان فأكثر معاً، أو وصفها الثاني بعد الأوَّل؛ لكن قبل دفعها إلى الأوَّل -أُقرع بينهما.
أو أقاما بينتين باللقطة أُقرع بينهما؛ لأنَّه لا مزية لأحدهما على الآخر، فَمَنْ قَرَعَ -أي: خرجت له القرعة- حلف أنَّ اللقطة له، لاحتمال صدق صاحبه، وَأَخذَهَا؛ لأنَّ ذلك فائدة القرعة.
стр. 3663
٣ - أمَّا إنْ وصفها إنسانٌ بعد دفعها لمن وصفها أوَّلاً، فلا شيء للواصف الثاني؛ لأنَّ الأوَّل استحقها بوصفه إياها، مع عدم المنازع له، فوجب بقاؤها له؛ كسائر ماله.
***
стр. 3664
١٢٢٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الحَارِثِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يسِيراً يَارَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ! " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- قضيباً: الغُصْنُ من الشجرة.
- أراك: بفتح الهمزة، قال في لسان العرب: شجرٌ معروف، وهو شجر السواك، يُسْتَاكُ بفروعه.
وقال في الوسيط: الأراك واحدته أراكة، نباتٌ شُجَيْرِيّ من الفصيلة الأراكية، كثير الفروع، خوَّار العود، ينبت في البلاد الحارَّة.
...
стр. 3665
١٢٢٦ - وعَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ علَى يَمِينٍ يَقْتَطعُ بِهَا مالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيْهَا فَاجِرٌ -لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- فاجر: الفاجر: العاصي المصرُّ على المعاصي، غير مكترثٍ بأحد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذين الحديثين وعيدٌ شديدٌ لمن اقتطع مال امرىءٍ بغير حقٍّ، وإنَّمَا اقتطعه بخصومته الفاجرة، ويمينه الكاذبة الآثمة، فهذا يلقى الله وهو عليه غضبان، ومَن غَضِب الله عليه، فهو هالك.
٢ - تحريم أخذ أموال النَّاس وحقوقهم، بالدَّعاوى الفاجرة، والأيمان الكاذبة، فهو من كبار الذنوب؛ لأَنَّ ما ترتَّب عليه غضب الحليم -جلَّ وعلا- فهو كبيرة.
٣ - تقييده بالمسلم من باب التعبير بالغالب، وإلاَّ فمثله مالُ وحَقُّ المعصوم الذمي، والمعاهَد.
هذا ما لم يتحلَّل ممَّن ظلمه، فإنْ فعل، فالتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها بالإجماع.
٤ - قوله: "هو فيها فاجر" ليخرج النَّاسي والجاهل؛ فإنَّ العقاب لا يستحقه إلاَّ العامد.
٥ - إثبات صفة الغضب لله تعالى، إثباتاً حقيقيًّا يليق بجلاله؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]
стр. 3666
٦ - أنَّ أموال النَّاس حرامٌ قليلها وكثيرها؛ فقد قال ﷺ : "وإنْ كان قضيباً من أراك" يريد بذلك الشيء الحقير؛ فكيف يكون ذلك بدمائهم، وأعراضهم، وسائر حقوقهم؛ ولذا قال ﷺ في حجَّة الوداع: "إنَّ دماءكم، وأعراضكم، وأموالكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلَّغت" [رواه البخاري (١٧٤١) ومسلم (١٦٧٩)].
٧ - قوله: "حرم عليه الجنَّة" أجمع السلف على أنَّ فاعل الكبيرة ليس كافراً ولا خارجاً من الملَّة، وأنَّه -وإنْ عُذِّبَ على ذنوبه- فلن يخلد بالنَّار؛ ولذا فسَّروا مثل هذا الحديث بعدَّة تفاسير:
فبعضهم قال: من فعل ذلك مستحلاًّ له.
وبعضهم قال: إنَّ مثل هذه الأحاديث لا يقصد منها معناها الظَّاهر، وإنَّما قصد بها التخويف والزجر، فتبقى على المراد منها.
وبعضهم قال: هذا من النصوص التي تُمَرُّ كما جاءت بلا تفسير.
أمَّا شيخ الإسلام: فيرى أنَّ الإنسان فيه موجبات العذاب، وموجبات الغفران، فهذا يدفع الآخر، فعمله هذا سبب لدخوله النَّار، ولكن ما معه من الإيمان يمنعه من الخلود فيها.
٨ - وفي الحديث: أنَّ صفة البشرية للنَّبي ﷺ لم تغيرها النبوة والرِّسالة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال هو ﵊: "إنَّما أنا بشر" [رواه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢)].
وبهذا فإنَّه -كما جاء في هذا الحديث- لا يدرك من الأمور إلاَّ ظواهرها، إلاَّ أن تقتضي الحكمة اطِّلاعه على أمور من الغيب، وإلاَّ فالأصل فيه عدمه؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
стр. 3667
١٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ "أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَابَّةٍ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
الحديث إسناده جيد.
أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جدِّه أبي موسى.
قال النسائي: إسناده جيد.
قال المصنف: إسناده جيد، ووثَّق المنذري إسناده.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - العين المتنازع عليها لا تخلو من أحوال:
أحدها: أنْ لا تكون العين بيد واحدٍ من المتداعِيَيْنِ، وليس لديهما بينة، ولا ظاهرة فحينئذٍ يحلف كل واحدٍ منهما أنَّها له ولا حقَّ للآخر فيها، فإذا تحالفا، قسمت بينهما نصفين، كما في حديث الباب.
الثاني: أنْ تكون العين بيد أحدهما، وليس لدى المدَّعي بينة، فهي لصاحب اليد بيمينه، فإنْ كان لدى كلِّ واحدٍ منهما بينة أنَّها له، ففي المسألة قولان لأَهل العلم:
стр. 3668
ذهب الإمام أحمد: إلى تقديم بينة المدَّعَي، ويسمونه "الخارج"، وإلغاء بينة المدَّعى عليه صاحب اليد، ويسمونه "الدَّاخل".
قال في الروض المربع وغيره: وإنْ أقام كلٌّ منهما بينةً أنَّ العين المدَّعى بها له، قُضِيَ بها للخارج ببينته، ولغت بينة الدَّاخل؛ لحديث ابن عبَّاس: "لو يُعطى النَّاس ... ولكن اليمين على المدعى عليه" [رواه البخاري (٤٥٥٢) ومسلم (١٧١١)]؛ فجعل جنس البينة في جانب المدعي، فلا يبقى في جانب المدعى عليه إلاَّ اليمين.
وهذه الرواية هي المشهورة في مذهت الإمام أحمد، وهي من المفردات.
٢ - وذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة-: إلى تقديم بينة الدَّاخل، وهو الَّذي العين بيده.
قال شيخ الإسلام: وأمَّا حديث "البينة على من إدَّعى، واليمين على من أنكر"، فما قال بعمومه أحد من علماء الملَّة إلاَّ أهل الكوفة، الَّذين يرون أنَّ اليمين دائماً في جانب المنكر حتَّى القسامة، وأمَّا سائر علماء الملَّة، وفقهاء الحديث، وغيرهم: فتارةً يحلِّفون المدَّعي، وتارةً يحلِّفون المدَّعى عليه، والأصل عندهم: أنَّ اليمين مشروعة في أقوى الجانبين، والبينة عندهم اسمٌ لما يبيِّن الحق.
قال في شرح المفردات: وقال أكثر أهل العلم: تقدَّم بينة المدعى عليه بكلِّ حال؛ لأنَّ جانبه أقوى، لأنَّ معه الأصل، ويمينه تقدَّم على يمين المدَّعي.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الَّذي يظهر لي، ويترجَّح عندي، هو تقديم بينة الدَّاخل؛ لما روى الدَّارقطني (٤/ ٢٠٩) عن جابر ﵁ "أنَّ النَّبي ﷺ اختصم إليه رجلان في دابَّه أو بعيرٍ، فأقام كل واحد منهما
стр. 3669
البينة أنَّه أنتجها، فقضى رسول الله ﷺ للذي هي في يده"، ولأَنَّ الأصل معه، وجانبه أقوى، ويمينه تقدم على يمين المدَّعي.
فإذا تعارضت البينات، وجب إبقاء يده على ما فيها، وتقديمه؛ كما لو لم تكن بينة لواحدٍ منهما، وهذا هو المفتى به عند إمام الدَّعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو قول الأئمة الثلاثة، وأهل المدينة.
***
стр. 3670
١٢٢٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال الحافظ في الفتح: حديث جابر أخرجه -أيضاً- مالك، وأبو داود، والنسائي، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم ووافقه الذهبي.
قال الشوكاني: ورجال إسناده عند ابن ماجة كلهم ثقات.
وفي الباب عن أبي أمامة مرفوعاً عند النسائي في الكبرى (٣/ ٤٩٢) بإسناد رجاله ثقات، بلفظ: "من حلف عند منبري هذا، يميناً كاذبَةً يستحل بها مال امرىءٍ مسلم، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صَرْفاً، وَلاَ عَدْلاً".
وللحديث شاهدٌ عن أبي هريرة: أخرجه أحمد، وابن ماجه، والحاكم وصحَّحه ووافقه الذهبي.
* مفردات الحديث:
- منبري: يُقال: نَبَرَ الشيءَ يَنْبُره نبراً، أيِّ: رفعه، والمنبر: مكان مرتفع في الجامع يقف فيه الخطيب أو الواعظ، يكلَّم منه الجمع.
سُمِّيَ بِذلك؛ لارتفاعه عمَّا حوله، وكسرت ميمه على التشبيه بالآلة، جمعه منابر.
- تبوأ: باء يبوء بوءاً، وباء في المكان: تبوأه، أي: اتخذه محلَّة، وأقام به.
стр. 3671
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يفيد تحريم اليمين الكاذبة، وتغليظ أمرها، وعظيم خطرها، لاسيما إذا أديت في مكانٍ فاضل، كمنبر النَّبي ﷺ أو زمان فاضل.
٢ - من حلف هذه اليمين العظيمة وهو كاذب، لاسيما إذا قطع بها مال امرىءٍ معصومٍ، فقد ارتكب ذنباً من أشد الذنوب، وتجرَّأ على أمرٍ كبير من أفحش الأمور، فكان جزاؤه أنْ يتبوَّأ ويتخذ له منزلاً ومسكناً من النَّار، بدل أنْ تبوَّأ منبر النَّبي ﷺ فحلف عليه كاذباً، ولم يَرْعَ حرمته وقداسته.
٣ - صفة تغليظ اليمين في اللفظ أنْ يقول: "والله الَّذي لا إله إلاَّ هو، عالمِ الغيب والشَّهادة، الرحمنِ الرحيم، الغالب الطالب، الضارِّ النَّافع، الَّذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور".
وتغليظها في الزمان: بعد العصر.
وتغلظها في المكان في مكَّة: بين الركن والمقام.
وفي المدينة: عند منبر النَّبي ﷺ .
وفي سائر البلاد: عند المنبر.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في مشروعية تغليظ اليمين:
فذهب جمهور العلماء: إلى وجوب تغليظ اليمين في الدَّعاوى التي لها خطر، إذا طلبها مَنْ توجَّهَتْ له اليمين.
وذهب الإمامان: أبو حنيفة، وأحمد، وأصحابهما: إلى عدم وجوب التلغيظ، وأنَّ أمر هذا راجعٌ للحاكم.
قال في الروض المربع وحاشيته: ولا تغلظ اليمين إلاَّ فيما له خطر، كجناية لا توجب قوداً، وعتق، ونصاب زكاة؛ فللحاكم تغليظها، وإنْ أبى الحالف التعليظ، لم يكن ناكلاً في ذلك إجماعاً.
стр. 3672
١٢٢٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاَةِ، يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدِ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِلدُّنْيَا، فإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ثلاثة: أي: ثلاثة أشخاص، رفعت "ثلاثة" بالضم على أنَّها مُبتدأ، وقوله: "لا يكلِّمهم الله يوم القيامة" خبره.
- لا يزكِّيهم: أي: لا يطهِّرهم من الذنوب، ولا يُثْنِي عليهم.
- رجل: مرفوع؛ لأَنَّه عطف بيان.
- على فضل ماء: متعلِّق بمحذوف، في محلِّ رفعِ صفةٍ لرجل.
- الفلاة: الأرض الواسعة المقفرة، جمعها فَلاً، وفلوات.
- ابن السبيل: السبيل: الطريق، ويراد به المسافر، وسمي ابن السبيل؛ لملازمته له.
- سِلْعة: بكسر السِّين، وسكون الَّلام: كل ما يُتَّجَرُ به من البضاعة، جمعه سلع.
стр. 3673
- بايع إماماً: المراد به الإمامُ الأعظم.
- فإنْ أعطاه: الفاء تفسيرية، تفسِّر مبايعته للإمام من أجل الدنيا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه وعيدٌ شديدٌ، وتهديدٌ أكيد، وذلك بأنَّ الله لا يكلمُ هؤلاءِ الأصنافَ الثَّلاثةَ بما يحبُّونه ويتمنَّوْنَهُ، ولا ينظر إليهم نظر رحمة، ولا يطهِّرهم من ذنوبهم، ولا يزكِّيهم بالمغفرة.
هؤلاء الأصناف الثلاثة هم:
الأوَّل: رجلٌ نازلٌ بفلاةٍ على ماءٍ لا يوجد غير مائه في تلك الفلاة، فيمنع النَّاسَ من ذلك الماء، ليس لضرورته الخاصَّة به، وإنَّما ليحمي به كلأ تلك الأرض؛ ليختص به من دون بقية النَّاس، وقد جاء في البخاري (٢٢٢٧)، ومسلم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة عن النَّبي ﷺ قال: "لا تمنعوا فضل الماء؛ لتمنعوا به الكلأ".
الثاني: المُنْفِقُ سلعته باليمين المغلَّظة الكاذبة ممَّن يحلف بالله بعد العصر -وهو زمن التغليظ- أنَّه قد اشتراها بكذا، وهو كاذب؛ ليغر ويغش المشتري، فيشتري منه بزيادة عن قيمتها الحقيقية، فيصدِّقه المشتري، ويشتري منه بقدر ما حلف عليه، أو أكثر.
فهذا جمع بين الكذب، وبين الحلف بالله تعالى وهو كاذب، وبين الحلف في زمنٍ فاضل، وبين خدعه المشتري، وبين أكله المالَ بالباطل.
الثالث: من بَايَعَ إماماً على الولاية العامَّة، لم يبايعه لأجل مقاصد الإمامة: من إقامة شعائر الله تعالى، وإقامة حدوده، ونصرة الإسلام، والنصح للرعية، لم يبايعه لذلك، وإنَّما بايعه لطمع الدنيا؛ ليعطيه منها؛ ولذا فإنَّ هذا المبايع في مبايعته إنْ حصل له مطلوبه بالعطاء والمِنَح، رَضِيَ ووفَى ببيعته، وإنْ لم يعطه منها، لم يَفِ، ولم يراقب مقام الولاية، ووجوب السمع والطَّاعة عليه فيها،
стр. 3674
وقد قال تعالى عن هؤلاء: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ [التوبة].
٢ - الشَّاهد من هذا الحديث هو اليمين الكاذبة، لاسيَّما وقد جمعت الخداع، والتغرير لأكل أموال النَّاس بالباطل، فكان جزاء صاحبها شديداً، فهو ممَّن لا ينظر الله إليه يوم القيامة نظرةَ رحمة، ولا يكلِّمه كلامَ بر، ولا يزكِّيه ولا يطهِّره من ذنوبه بالمغفرة؛ فإنَّ له عذاباً أليماً، جزاءً وفاقاً، نسأل الله تعالى العافية والمعافاة.
٣ - وفي الحديث: إثباتُ عذابِ الآخرة، وشدَّته، وألمه.
٤ - وفيه تحريم الأوصاف الثلاثة المذكورة: من منع النَّاس من الماء؛ لمنع الكلأ، والحلف الكاذب، لترويج السلع، وغش النَّاس، ويدخل في ذلك -وإنْ لم يكن يميناً- الدَّعايات الكاذبة في وسائل الإعلام؛ لترويج السلع، وغش النَّاس بها.
٥ - كما أنَّ في الحديث تحريمَ مبايعة الولاة وموالاتِهِمْ لأجل الدنيا، وتحريم معاداتهم والكلام السيِّىء فيهم؛ لأجل حرمانه من الدنيا وعطاياها.
فإنَّ مناصحتهم، والدعاء لهم بالتوفيق والتسديد، والسكوت عن قالة السوء فيهم: هو واجب المسلمين نحوهم.
***
стр. 3675
١٢٣٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ "أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نُتِجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَن هِىَ فِي يَدِهِ". رَوَاهُ الدَّاَرقُطْنُّيِ، وَفِي إِسْنَادهِ ضَعْفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في التلخيص: رواه الدَّارقطني، والبيهقي، من حديث جابر، وإسناده ضعيف؛ لأَنَّ فيه يزيد بن نعيم، قال ابن القطان: لا تعرف حاله.
* مفردات الحديث:
- نُتِجَت: نتج الرَّاعي النَّاقة ينتجها نتجاً: وَلِيَ أمرها حتَّى وضعته، فالنَّاقة منتوجة؛ والولد نتيجة، والأصل في الفعل: أنْ يتعدَّى إلى مفعولين، وربما بني الفعل للمجهول؛ فيقال: نُتِجَت النَّاقةُ ولداً، ويجوز حذف المفعول الثَّاني، كما في هذا الحديث.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على ما سبق تحقيقه في الحديث رقم (١٢٢٧) من أنَّ العين المتنازع عليها إذا كانت في يد أحدهما دون الآخر، فالَّذي هي في يده يسمَّى داخلاً، والآخر يسمَّى خارجاً.
فإنْ كان لدى الخارج بينةٌ على صحَّة دعواه، استحقها وأخذها، وإنْ لم
стр. 3676
يكن له بينة، فإنَّه يحلف له الدَّاخل على صفة دعواه، وتكون العين للدَّاخل؛ لقوَّة يده عليها.
٢ - أمَّا إنْ أقام كلُّ واحدٍ منهما بينةً أنَّها له -كما في هذا الحديث- فقد اختلف العلماء فيمن تقدَّم بينته، وتكون العين له:
فمذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة-: أنَّها للدَّاخل، وهو صاحب اليد؛ وذلك عملاً بما يلي:
- حديث الباب.
- أنَّ الدَّاخل عنده زيادة على بينته؛ لأَنَّ يده على العين.
- جنبه أقوَى من الآخر.
٣ - أمَّا تقديم بينة الخارج، فهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو من مفرداته.
٤ - ولكن القول الأوَّل -قول الجمهور- أرجح؛ ولذا اختاره جمعٌ من علمائنا، منهم: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز ابن باز مفتيا الدِّيار السعودية سابقاً، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي أحد علماء الدِّيار السعودية وصاحب المؤلَّفات النَّافعة، والله أعلم.
***
стр. 3677
١٢٣١ - وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَدَّ اليَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في التلخيص: رواه الدَّارقطني، والحاكم، والبيهقي، وفيه محمد بن مسروق لا يعرف، وفيه إسحاق بن الفرات مختَلَفٌ فيه.
قال البيهقي: والاعتماد في هذا -يعني رد اليمين- على حديث القسامة، وهو حديثٌ صحيح، ثمَّ ساق الروايات في القسامة، وفيها رد اليمين قال: فهذه الأحاديث هي المعتمدة في ردِّ اليمين على المدَّعِي إذا لم يحلف المدَّعَى عليه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - إذا ادَّعى المدَّعي شيئاً، وأنكر المدَّعَى عليه تلك الدعوى، وليس عند المدَّعِي بينةً تثبت دعواه، فإنَّ له اليمينَ على المدَّعَى عليه على نفي الدَّعوَى، فإنْ نَكَلَ عن اليمين، فهل يحكم عليه بالنكولِ وحده، أو يحكم به مع ردِّ اليمين على المدَّعِي فيحلف على صحَّة دعواه ويحكم له بما ادَّعاه؟ فيها قولان لأهل العلم:
أحدهما: أنَّه يحكم على النَّاكل بدون رد اليمين على المدَّعي؛ وهذا مذهب الإمامين: أبي حنيفة، وأحمد، وأصحابهما.
قال في شرح الإقناع: وإنْ لم يحلف المدَّعَى عليه، قال له الحاكم: إنْ
стр. 3678
حلفت، وإلاَّ قضيت عليك بالنكول، ويستحب أنْ يقول ذلك ثلاثاً؛ لمعذرته، ولا تردُّ اليمين على المدَّعي.
الثاني: وذهب الإمامان: مالك، والشَّافعي هُوَ رَدُّ اليمينِ على المدَّعِي، فإنْ حلف، قُضِيَ له؛ وهو قول علي بن أبي طالب، وشُرَيّح، وابن سيرين، والأوزاعي، والنخعي، واختاره أبو الخطَّاب، وشيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم.
قال ابن القيم: واحتج بهذا القول بأنَّ الشَّارع شرع اليمين مع الشَّاهد الواحد، ونكول المدعَى عليه أضعفُ من شاهد المدَّعي، فهو أولى أنْ يقدَّم بيمين الطَّالب؛ فإنَّ النكول ليس بينة من المدَّعى عليه، ولا إقراراً، وهو حجَّةٌ ضعيفة، فلم يَقْوَ على الاستقلال بالحكم، فإذا حلف معها المدَّعِي، قوي جانبه، فاجتمع النكول من المدَّعَى عليه، واليمينُ من المدَّعِي، فقاما مقام الشَّاهدين، أو الشَّاهد واليمين.
٢ - وقال أيضاً: والصحيح أنَّ النكول يقوم مقام الشَّاهد والبينة، لا مقام الإقرار، ولا البذل؛ لأَنَّ النَّاكل صرَّح بالإنكار، وأنَّه لا يستحق المدَّعى به، وهو مصرٌّ على ذلك، متورِّعٌ عن اليمين، فكيف يقال: إنَّه مقرٌّ مع إصراره على الإنكار، ويجعل مكذِّباً لنفسه.
***
стр. 3679
١٢٣٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُوراً تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِةِ، فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ المُدْلِجِيِّ، نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ!! " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مسروراً: فرحاً، باديةً أسارير وجهه؛ من الغبطة، والفرح، والسرور.
- تَبْرُق: بضم الرَّاءِ: تلمع، وتضيء، وتنير من الفرح.
- أسارير وجهه: جمع أسرار، والأسرار جمع سِرًّ أو سَرَرٍ، وهو الخط في باطن الكف، وأريد بها هنا الخطوطُ التي في الجبهة.
- مُجَزِّز المدلجي: بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر الزَّاي الأولى مشتدَّة، علىِ صيغة اسم الفاعل، وبنو مدلج قبيلةٌ من قبائل كنانة من العدنانية مضرية، عُرِفَتْ بعِلْمِ القيافة، والقائف: هو من يتتبَّعُ الآثار، ويعرف بها شَبَهَ الرجل بأخيه وأبيه، والجمع قافة.
- أسامة بن زيد: بن حارثة، من كلبا بن وبرة، من شعب قضاعة، كان زيد أبيض اللون، وابنه أُسامة أسمر، وكان النَّاس يرتابون فيهما، وكان هذا يؤذي النَّبيَّ ﷺ ، فسُرَّ النَّبيُّ ﷺ ؛ لشهادة هذا القائف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان زيد بن حارثة أبيض اللون، وكان ابنه أسامة أسمر، وكان النَّاس -من
стр. 3680
أجل اختلاف لونيهما- يرتابون فيهما، ويتكلَّمون في صحَّة نسبة أسامة إلى أبيه، ممَّا كان يُؤْذِي رسول الله ﷺ .
٢ - مرَّ عليهما مُجَزِّز المدلجي "القائف"، وهما قد غطيا رأسيهما في قطيفة، وقد بدت أرجلهما، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضها من بعض، لما رأى بينهم من الشبه، وكان هذا على مسمعٍ من النَّبي ﷺ ؛ فسُرَّ بذلك سروراً كثيراً.
٣ - دخل ﷺ على عائشة، وأسارير وجهه تبرق فرحاً واستبشاراً؛ للاطمئنان إلى تأييدِ نَسَبِ أسامة إلى أبيه، ودحض كلامِ الَّذين يُطْلِقُون ألسنتهم في أعراض النَّاسِ بلا علم.
٤ - فالحديث يدل على صحَّة العمل بقول القافة، واعتبارِهِمْ في صحَّة النسب، مع عدم ما هو أقوى منها؛ كالفراش؛ وهذا قول الأئمة الثلاثة؛ استدلالاً بهذا الحديث.
وهذا هو الشَّاهد من الحديث في هذا الباب.
٥ - يكفي قائفٌ واحد، ولكن اشترط العلماء فيه أنْ يكون عدلاً مجرَّباً في الإصابة، وهذا حقٌّ؛ فإنَّه لا يقبل الخبر، ولا ينفذ الحكم، إلاَّ ممَّن اتصف بهذين الوصفَيْن.
٦ - تشوف الشَّارع الحكيم إلى صحَّة الأنساب، وإلحاقها بأصولها، وعدم إضاعتها.
٧ - الفرح والاستبشار بالأخبار السَّارَّة وإشاعتها، خصوصاً ما فيه إزالة شبهة أو قولِ سوء.
٨ - اعتبار تأثير الوراثة بين الأصول والفروع شرعاً، وعرفاً، وعلماً.
٩ - ظن الفقهاء أنَّ القائف يلحق الولد بأكثر من أب، لكن أثبت الطب الحديث أنَّ بيضة الأنثى لا يلحقها إلاَّ حيوان منويٍّ واحد، وأنَّه لا يمكن من حيوانين اثنين.