← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

١٢٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه أصحاب السنن، وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه الدَّارقطني، وابن خزيمة، وابن حبان، ورواه الحاكم، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، وله عدَّة طرق، وذكر الدَّارقطني الخلاف فيه على سعيد المقبري قال: والمحفوظ عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وأعلَّه ابن الجوزي فقال: هذا حديث لا يصح؛ ولكن النسائي قوَّاه بتخريجه، كما قال ابن حجر. قال العراقي: إسناده صحيح. وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث بيان عِظَم خطر القضاء؛ لأَنَّ موضوعه الحكم بين النَّاس في دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، وسائر حقوقهم، فخطره عظيم جدًّا؛ لأَنَّه يخشى أن يكون هناك ميول من القاضي من خصم لآخر؛ لكون أحدهما ذا قرابة، أو صداقة له، أو أنَّه صاحب جاه ومنصب، يراعي جاهه، أو يخاف سلطته، أو يقدم له خدمة، أو منفعة، والمعصوم من عصمه الله، وتغلَّب على أهوائه الشخصية، فالخطر عظيم، نسأل الله السَّلامة.

стр. 3607

٢ - الذبح بغير سكِّينٍ المترتب على تولي القضاء يشمل أمرين: الأول: عذاب الآخرة لمن لم يقم بحق القضاء من التحري، والاجتهاد في إصابة الحق، ومعرفة الحكم الشرعي حسب الطاقة والقدرة. الثاني: أنَّ معاناة القضاء من البحث، وطلب تصور القضية، ومعرفة حكمها، وطلب الدليل عليه، وإجهاد النَّفس بالاستقصاء بالوصول إلى الصواب أمر ينهك البدن ويضعفه، وربما أدَّى بالحياة إلى الفناء، وهذا ذبحٌ بغير سكِّين، وإنَّما بالمشكلات، والمتاعب البدنية والنفسية. ولعلَّ في هذا إعجازاً علميًّا لم يكشفه إلاَّ الطب الحديث. ٣ - وفيه دليل على أنَّ في الذبح بالسكين والآلة الحادة راحةً للمذبوح، وكذلك وصَّت الشريعة بالحيوان المذبوح؛ فقال ﷺ : "وليُحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" [رواه مسلم (١٩٥٥)]. وأمَّا الإماتة البطيئة فهي عذابٌ وعناءٌ، ومنه ما يعانيه القاضي من أعماله المرهقة، ونفسه المؤنبة حتَّى يقضي به الأمر إلى الموت، ثمَّ ما يعقبه من الحسرة والنَّدامة يوم القيامة؛ فقد جاء في مسند الإمام أحمد (٢٣٩٤٣) من حديث عائشة ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "ليأتينَّ على القاضي العدلِ يوم القيامة يتمنَّى أنَّه لم يقض بين اثنين في عمره"، -وأخرجه البيهقي (١٠/ ٩٦) بلفظ: "في تمرة". ***

стр. 3608

١٢٠٤ - وَعَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - ستحرصون: حرص: بفتح العين وكسرها، من باب ضرب وعلم، حِرْصاً، بمعنى: جشع واشتدت رغبته في الشيء. - الإمارة: بكسر الهمزة، هي منصب الأمير. - ندامة: ندم على ما فعل يندم ندماً وندامة: أسف وحزن على ما فعل. قال الجرجاني: النَّدم غمٌّ يصيب الإنسان يتمنَّى أنَّ ما وقع منه لم يقع. - فنعمت - بئست: نعم وبئس فعلان ماضيان، بدليل دخول تاء التأنيث السَّاكنة عليهما، وهما جامدان لا يتصرفان، جاءا لإفادة المدح، أو الذم. - المرضعة: الرضاع بفتح الرَّاء وكسرها، هو مصدر رضع الثدي: إذا مصَّه، بكسر الصَّاد وفتحها، والكسر أفصح، ويُقال: امرأةٌ مرضع، إذا كان لها ولدٌ ترضعه، فلا تلحقها التَّاء لتأنيثها. والمراد هنا تشبيه منافع الإمارة العاجلة الزَّائلة بالرضاع في مدته القصيرة. - الفاطمة: مؤنث فاطم، جمعها فواطم، يُقال: فطمت الرضيع تفطمه فطماً، من باب ضرب، أي: فصلت المرضعة الرضيع عن الرضاع، شبَّه انقطاع منافع الإمارة بالفطام.

стр. 3609

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - طالب ولاية القضاء أو غيرها من الولايات له إحدى حالتين: إحداهما: أنْ يقصد من الحصول عليها الجاه، والرئاسة، والمال، فهذا هو المذموم، وهو الَّذي وردت الأحاديث الصحيحة بذمِّه ومنعه، ومنع طالب الولاية فيها، ومن تلك الأحاديث: - ما أخرجه مسلم (١٨٢٥) عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: "قلت: يارسول الله! ألا تستعملني؟ قال: إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة، وإنَّها يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلاَّ من أخذها بحقِّها، وأدَّى الَّذي عليه فيها". - وما أخرجه الطبراني (١٨/ ٧١) والبزَّار (٧/ ١٨٨) بسندٍ صحيح من حديث عوف بن مالك أنَّ النَّبي ﷺ قال: "أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلاَّ من عدل". قال النووي عن حديث الباب: هذا أصلٌ عظيم في اجتناب الولاية، لاسيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل؛ فإنَّه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالجزاء يوم القيامة. الثانية: أنْ يطلب القضاء أو الولاية؛ لأنَّها متعينة عليه؛ لأَنَّه لا يوجد من هو أهل لها وللقيام بها، وإذا تركها، تولاَّها من لا يقوم بها، ولا يحسنها، فيطلبها بهذه النية، وهو القصد الحسن؛ فهذا مثاب مأجور معان عليها. قال ابن مسعود ﵁: لأن أجلس قاضياً بين اثنين، أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة. قال في المغني: وفي القضاء فضل عظيم. لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه؛ ولذلك جعل الله فيه أجراً على الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأنَّ فيه أمراً بالمعروف، ونصرة للمظلوم، وأداء للحق إلى مستحقه، وردًّا للظَّالم عن ظلمه، وإصلاحاً بين النَّاس، وتخليصاً لبعضهم من بعض.

стр. 3610

٢ - المتوسط لغيره في أمرٍ من الأمور، إنْ كان المتوسَّط له مستحقًّا لتلك الوظيفة، فالمتوسِّط محمود، وإنْ كان المتوسَّط له لا يستحق الولاية، وغيره أولى منه وأنفع، كان التوسُّط مذموماً، غشًّا لله ولرسوله، وغشًّا للمتوسط عنده، وغشًّا لمن توسَّط له؛ لكونه أعانه على ما هو منهيٌّ عنه. ٣ - "نعمت المرضعة" بما تدر من منافع المال، والجاه، ونفاذ الحكم، و"بئست الفاطمة" بتبعاتها يوم القيامة، وحسراتها. ٤ - وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: المتوسِّط لغيره في أمرٍ من الأمور إنْ كان المتوسَّط له كفؤًا، فهي وساطة محمودة، وإلاَّ فهو غاشٌّ له، وللعمل، وللمسلمين. فهذا هو الَّذي يحرص عليها للمطامع الدنيوية، "فنعمت المرضعة"؛ لما فيها من حصول الجاه في الدنيا، و"بئست الفاطمة"؛ لما يترتب عليها من التبعات في الآخرة. ٥ - قوله: "ستحرصون" هذا فيه دلالة على اغترار النَّفس لمحبتها في الإمارة، لما تنال فيها من نيل لحظوظ الدنيا ولذَّاتها، ونفوذ الكلمة، ولذا ورد النَّهي عن طلبها؛ فقد أخرج البخاري (٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢) من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنَّك إنْ أُعطيتها من غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإنْ أُعْطِيتَهَا عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها". ٦ - وجاء في سنن الترمذي (١٣٢٤) من حديث أنس أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من ابتغى القضاء وسأله وُكِل إلى نفسه، ومن أُكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدِّده". وإنَّما جمع بين الرغبة فيه وبين طلبه إظهار الحرص عليه؛ فإنَّ النَّفس مائلةٌ إلى جب الرئاسة، وطلب الترفع على النَّاس، فمن منعها، سلم من هذه الآفة، ومن أتبع نفسه هواها، وسأل القضاء، هلك؛ فلا سبيل إلى المشروع فيه إلاَّ بالإكراه، وحينئذٍ يسدّد ويوفّق.

стр. 3611

١٢٠٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: حَكَم: الحُكْمُ لُغَةً: المنع، يُقال: حكمت عليه بكذا: إذا منعته من خلافه. واصطلاحاً: تبيينُ الحكم الشرعي، والإلزامُ به. - فاجتهد: الاجتهاد لغةً: مأخوذٌ من الجهد، وهو المشقَّة والطَّاقة. واصطلاحاً: هو بذل الفقيه وسعه في نيل حكمٍ شرعيٍّ عملي بطريق الاستنباط. - أخطأ: الخطأ مهموز وهو لغةً: نقيض الصواب، ويقصر ويمد، واسم من أخطأ يخطىء، فهو مخطىء. واصطلاحاً: هو أنْ يقصد بفعله شيئاً، فيصادف فعله غير ما قصد. - فاجتهد: معطوف على الشرط، على تأويل: وأراد أنْ يحكم فاجتهد. - ثم أصاب: معطوف على "فاجتهد". - فله أجران: جزاء الشرط. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الاجتهاد في الاصطلاح: هو بذل الوسع في نيل الحكم الشرعي بطريق الاستنباط. ٢ - قال في شرح الإقناع: المجتهد المطلق: من يعرف من كتاب الله تعالى،

стр. 3612

وسنَّة رسوله ﷺ : الحقيقةَ والمجاز، والأمْرَ والنَّهي، والمجمَلَ والمبيَّن، والمحكَمَ والمتشابه، والخاصَّ والعامَّ، والمطلَقَ والمقيَّدَ، والنَّاسخَ والمنسوخ، ويعرف صحيحَ السنَّة من سقيمها، ومتواترها من آحادها، ممَّا له تعلقٌ بالأحكام خاصَّة، ويعرف القياس وشروطه، ويعرفُ اللغة العربية، وكلُّ ذلك مذكورٌ في أصول الفقه وفروعه. ٣ - أمَّا المجتهد المقيد: فهو الَّذي يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلِّد كبار أئمة مذهبه في ذلك. ٤ - قال الشيخ تقي الدِّين: وهذه الشروط في القاضي تعتبر حسب الإمكان. قال في الإنصاف: وعليه العمل من مدَّة طويلة، وإلاَّ لتعطَّلت أحكام النَّاس. ٥ - وقال الشيخ: الواجب أنْ يكون مجتهداً في الأدلَّة الشرعية من الكتاب والسنَّة، وأنْ تكون هي إمامَهُ؛ فهي أقرب إلى الأفهام، وأدنى إلى إصابة المراد. وقال: من كان متبعاً إماماً، ومخالفاً له في بعض المسائل؛ لقوَّة الدليل؛ فقد أحسن. ٦ - قال الشيخ: الشَّارعُ نصوصُهُ كلماتٌ جوامع، وقضايا كلية، وقواعد عامَّة، يمتنع أنْ ينص على كلِّ فردٍ من حدثان العالم إلى يوم القيامة، فلابُدَّ من الاجتهاد في جزئيات: هل تدخل في كلماته الجامعة، أو لا تدخل؟ وتقدَّم هذا، ولكنْ ذِكْرُهُ في الموضعَيْن مناسب. ٧ - قال في شرح الإقناع: ويجب على الإمام أنْ يختار للقضاء أفضل من يجد علماً وورعاً؛ لأَنَّ القضاء بالشرع فرْعٌ من العلم به، والأفضل أثبت وأمكن، وكذا من ورعه أكثر الكون النَّفس إلى ما يحكم به أعظم. ويأمره بتقوى الله، وإيثار طاعته في سرِّه وعلانيته، ويأمره بتحري

стр. 3613

العدل، والاجتهاد في إقامة الحقِّ؛ لأنَّ ذلك تذكرة له بما يجب عليه فعله. ٨ - وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في نصيحة قاضٍ: أوصيك بتقوى الله تعالى ومراقبته، والأناة في قضائك، والتثبت والسؤال عن المشكِل، والصلح مهما وجدت إليه سبيلاً، ما لم يتضح الحكم الشرعي، كما نذكِّر فضيلتكم أنَّ البقاء في عملكم من التعاون، وأداء الواجب، وهو من الجهاد في سبيل الله، والَّذي نؤمله فيكم الصبر والاحتساب، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً. ٩ - قال ابن القيم: لا يشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله النَّبي ﷺ وفعله، فيما يتعلَّق بالأحكام، ولكن أنْ يعلم جمهور ذلك ومعظمه. ١٠ - الحاكم إذا بذل جهده في القضية، واجتهد فيها حتَّى وصل باجتهاده إلى ما يعتقد أنَّه الحق في القضية، ثم حكم، فإنْ كان حكمه صواباً موافقاً للحقِّ، وهو مراد الله تعالى في أحكامه، فله أجران: أجر الاجتهاد، وأجر إصابة الحق. وإنْ اجتهد؛ ولكنَّه لم يصل إلى الصواب، فله أجرٌ واحد، هو أجر الاجتهاد؛ لأنَّ اجتهاده في طلب الحقِّ عبادة، وفاته أجر الإصابة. ولكنَّه لا يأثم بعدم إصابة الحق بعد بذله جهده واجتهاده، فقد سقط عنه إثم الخطأ، ولكن بشرط أنْ يكون عالماً مؤهَّلاً للاجتهاد. ١١ - مفهوم الحديث: أنَّ القاضي إذا لم يجتهد، بل حكم بدون إمعان، ولا تحرٍّ للصواب: أنَّه آثمٌ؛ لأَنَّه حكم بين النَّاس وهو لا يعرف الحق؛ فهذا في النَّار. ١٢ - قال ابن القيم: الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له حكمٌ إلاَّ بها: - معرفة الأدلة. - معرفة الأسباب.

стр. 3614

- معرفة البينات. فالأدلَّة: معرفة الحكم الشرعي، لا الكلي. والأسباب: معرفة ثبوته في هذا المحل المعتبر، وانتفائِهِ عنه. البينات: معرفة طريق الحكم عند التنازع. فمن أخطأ واحداً من هذه الثلاثة أخطأ، في الحكم. وجميع خطأ الحُكَّام مداره على هذه الثلاثة، أو بعضها. * خلاف العلماء: واختلف العلماء: هل كل مجتهدٍ مصيبٌ، أم أنَّ المصيب واحد، وهو من وافق الحق الَّذي عند الله، وأنَّ الآخر مخطىء؟: فذهب بعضهم: إلى أنَّ كلاًّ منهما مصيب؛ لأنَّ الله تعالى جعل للمخطىء أجراً، فلولا إصابته الحق، لم يجعل له أجراً. وذهب جمهور العلماء: إلى أنَّ المصيب واحد فقط، وهو من وافق الحق الَّذي هو مراد الله تعالى، وأمَّا الأجر الَّذي للمخطىء فهو لحرصه على الحق، واجتهاده فيه. والرَّاجح: أنَّ المصيب واحد، والله أعلم. ***

стр. 3615

١٢٠٦ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَهُوَ غَضْبَانُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - وهو غضبان: بلا تنوين، لأَنَّه ممنوعٌ من الصرف؛ للوصفية والألف والنون الزائدتين. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الغضب: هو استجابةٌ لانفعالٍ يغلي منه دم القلب؛ لطلب الانتقام. وإذا وصلت الحال الغضبية بالقاضي إلى هذا الحد من الثورة، فإنَّه معرَّضٌ لأَن يميل في حكمه في حقِّ المغضوب عليه، ولا يتزن في الحكم على غيره، فمتى قويت نار الغضب، أعمته عن الحقِّ. ٢ - الحديث فيه النَّهي عن القضاء وهو غاضب؛ لأنَّ الغضب يخرجه عن دائرة العدل، وإصابة الحقِّ. قال في الروض المربع وحاشيته: ويحرم القضاء وهو غضان كثيراً، لا يسيراً؛ فإنَّه لا يمنع فهم الحكم، لأنَّ الغضب يشوِّش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد؛ فهو نوعٌ من الإغلاق. ٣ - فإنْ خالف وحكم فأصاب الحقَّ، نفذ حكمه؛ لموافقته الصواب. قلت: أمَّا صحَّة الحكم مع الغضب، فمذهب جمهور العلماء، فإنَّه لا مناسبة بين الغضب، ومنع الحكم، وإنَّما ذلك مظنَّة لحصوله، وهو تشويشٌ

стр. 3616

للفكر، ومشغلةٌ للقلب عن استيفاء ما يجب من النظر، وحصول هذا قد يفضي إلى الخطأ دون الصواب، ولكنَّه غير مطَّرِد مع كلِّ غضبٍ، ومع كلِّ إنْسَان. فإذا أفضى الغضب إلى عدم تمييز الحق من الباطل، فلا كلام في تحريمه. ٤ - قال في الحاشية: ولا يستريب عاقلٌ أنْ من قصَر النَّهيَ على الغضب وحده، دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع، والظمأ الشديد، وشغل القلب المانع من الفهم -فقد قلَّ فقهه وفهمه. ***

стр. 3617

١٢٠٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلاَنِ فَلاَ تَقْضِ لِلأوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلاَمَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي"؛ قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِياً بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ المَدِيِنيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). ولَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الحَاكِمِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال المؤلِّف: رَوَاه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، وقوَّاه ابن المديني بقوله: حديثٌ كوفي، وإسناده صالح، وصحَّحه ابن حبان، فقد أخرجوا هذا الحديث من طرق؛ أحسنها رواية البزَّار عن عمرو بن مرَّة، عن عبد الله ابن سلمة، عن علي ﵁ وفي إسناده عمر بن أبي المقدام، واختلف فيه على عمرو بن مرَّة، فرواه شعبة عنه، عن أبي البحتري، قال: حدَّثني من سمع عليًّا، ﵁. وأخرجه أبو يعلى، وإسناده صحيح لولا هذا المتهم. وله طرق أُخر تشهد له، ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث علي، قال: بعثني النَّبي ﷺ إلى اليمن فقال: "إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقضِ

стр. 3618

لأحدهما حتَّى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأوَّل"، قال علي: فما زلت قاضياً بعدها. قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرِّجاه، ووافقه الذهبي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العدل بين الخصوم هو أساس الحكم؛ فيجب على القاضي أنْ يعدل بين الخصمين إذا ترافعا إليه في كلِّ شيءٍ، حتَّى الَّلفظ واللحظ. قال ابن رشد: أجمعوا على أنَّه يجب عليه أنْ يسويَ بين الخصمين في المجلس. وقال ابن القيم: نهي عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال عليه، وعن مشاورته، والقيام له دون خصمه؛ لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر، وضعفه عن القيام بحجته، وثقل لسانه. ٢ - وحديث الباب فيه النَّهْيُ عن القضاء للمدَّعِي حتَّى يسمع الحاكم كلام الآخر، والنَّهْيُ يقتضي الفساد، فإنْ حكم قبل سماع الإجابة، بطل قضاؤه، فإنْ سكت المدَّعَى عليه، وأصرَّ على عدم الجواب، اعتبر ناكلاً، وقُضِيَ عليه بالنكول. هذا إذا كان المدَّعَى عليه حاضراً في مجلس الحكم، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد. ٣ - أمَّا إذا كان المدَّعَى عليه متغيباً عن المجلس، أو مستتراً في البلد، أو كانت الدَّعوى على ميت، أو صغير، أو مجنون، فإنَّها تسمع الدَّعوى إذا كان لدى المدَّعِي بينةً على دعواه، ويُحْكَمُ بموجب البينة، ثمَّ إذا قدم الغائب، وبلغ الصغير، وعقل المجنون، وظهر المستتر، فهم على حججهم؛ لأنَّ المانع إذا زال صاروا كالحاضرين المكلفين، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة

стр. 3619

الثلاثة، فإنْ لم يكن لدى المدَّعِي بينةٌ، فإنَّ الدَّعوى لا تصح ضدهم. ٤ - قال فقهاؤنا: ولا تصح الدعوى إلاَّ محرَّرةً؛ لأنَّ الحكم مرتَّبٌ عليها؛ ولذا قال ﷺ : "إنَّما أقضي على نحو ما أسمع" [رواه البخاري (٦٩٦٧) ومسلم (١٧١٣)]. وأنْ يكون المُدَّعَى به معلوماً؛ ليتأتَّى الإلزامُ به إذا ثبت. ولابُدَّ أنْ تَنْفَكَّ عمَّا يكذِّبها عرفاً؛ فلا تصح على إنسان أنَّه قتل، أو سرق منذ عشرين سنة، وسنُّهُ دونها، ولا يعتبر فيها ذكر سبب الاستحقاق لعينٍ، أو دينٍ؛ لكثرة سببه، وقد يخفى على المدَّعي. ٥ - قال في الروض وغيره: وإنْ كان عقَدَ نكاح، أو عقد بيع، أو غيرهما كإجارةٍ، فلابُدَّ من ذكر شروطه؛ لأَنَّ النَّاس مختلفون في الشروط؛ فقد لا يكون العقد صحيحاً عند القاضي، فلا يتأتَّى الحكم بصحته مع جهله بها. ***

стр. 3620

١٢٠٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نحْوِ مَا أسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً، فَإنَّمَا اقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - تختصمون: يُقال: خَصَمَهُ يَخْصُمُهُ خَصْماً: غلبه في الخصومة، وخاصمه فَخَصَمَهُ: إذا غلبه في الخصومة، فالخصم يقع على المفرد والمثنَّى والجمع، وعلى المذكر والمؤنَّث بلفظٍ واحد، واختصم القوم خاصم بعضهم بعضاً، وتجادبوا وتنازعوا. - لعلَّ: حرف مشبه بالفعل، لفتح آخره كالماضي، ووجود معنى الفعل فيه، وهو من أخوات إنَّ، وله معانٍ، منها التوقُّعِ للمكروه، ولعلَّه المراد هنا. - ألحن بحجته: لَحَنَ الرَّجلُ يَلْحَنُ لحناً: فَطِنَ لحجته وانتبه. قال أهل اللغة: أصل هذه المادَّة: الميل عن جهة القصد. قال في المصباح: اللَّحن: سرعة الفهم، وهو ألحن من زيد، أي: أسبق فهماً منه. - القطعة: قطع يقطع قطعاً، والقطعة: الطَّائفة من الشيء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ الحاكم يحكم على نحو ما يسمع من الخصمين من قوَّة الحجَّة، وبيان البرهان، فإذا اجتهد فأخطأ، فلا إثم عليه، وإنَّما يؤجر على

стр. 3621

اجتهاده؛ كما جاء في الحديث الصحيح: "وإنْ اجتهدَ فَأخطأ، فله أجر". ٢ - وفيه أنَّ الَّذي يلحقه التبعة والإثم هو الَّذي كسب القضية بباطله؛ فإنَّ المعصوم ﷺ قال: "إنَّما أقطع له قطعة من نار". ٣ - قال الحافظ: وفيه أنَّ من ادعى مالاً ولم يكن له بينة، فحلف المدعى عليه، وحُكِمَ ببراءة الحالف: أنَّه لا يبرأ في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم؛ وهذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة. وخالف أبو حنيفة فقال: إنَّه ينفذ حكمه ظاهراً وباطناً، وأنَّه لو حكم بصحة الزواج بشهادة الزور، حلَّت للمدَّعِي، واستدل بآثار لا يقوم بها دليل، وبقياس لا يَقْوَى على مقاومة النَّصِّ. ٤ - وفي الحديث دليلٌ على عظم إثم من خاصم في باطل، حتَّى لو استحقه في الظاهر، فهو في الباطن حرامٌ عليه، وإنِ احتال حتَّى صار في الظاهر حقًّا، فلا يحل له تناوله في الباطن. ٥ - وفي الحديث ردٌّ على المخرِّفين الضَّالين الغالين، الَّذين يرفعون مقام النَّبي ﷺ فوق المقام الرفيع الَّذي جعله الله له، ويعطونه من صفات الربوبية والألوهية، ومن الاطلاع على المغيبات: ما يبرأ منه دين الإسلام. وقد أمره الله تعالى أنْ يُبَلِّغَ النَاسَ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]. قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره: هذه الآية من أعظم أصول الدِّين، وقواعد عقائده ببيانها لحقيقة الرِّسالة، والفصل بينها وبين الربوبية والألوهية، وهدمها لقواعد الشرك، ومباني الوثنية من أساسها، فقد أمره أنْ يُبيِّنَ للنَّاس أنَّ كلَّ الأمور بيد الله تعالى وحده، وأنَّ علم الغيب كله عنده، وأنْ ينفي كلاًّ منهما عن نفسه ﷺ ، وذلك أنَّ الَّذين كانوا يسألونه ﷺ عن

стр. 3622

السَّاعة من المسلمين كانوا يظنون أنَّ منصب الرِّسالة قد يقتضي علم السَّاعة، وغيرها من علم الغيب، وربما كان يظن بعض حديثي العهد بالإسلام أنَّ الرَّسول قد يَقْدِرُ على ما لا يصل إليه كسب البشر، من جلب النَّفع، ومنع الضر عن نفسه، وعمَّن يحب، أو يشاء؛ أو منع النفع، وإحداث الضر بمن يكره، أو بمن يشاء، فأمره الله تعالى أنْ يبيِّن أنَّ منصب الرسالة لا يقتضي ذلك، وإنَّما وظيفة الرسول التعليم والإرشاد والتزكية، وأنَّه فيما عدا تبليغ الوحي عن الله تعالى: بشر كسائر البشر؛ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٥]. والنَّبي ﷺ لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضرًّا مستقلًّا بقدرته، وإنَّما يملك ما يملكه من ذلك بتمليك الرب الخالق جلَّت قدرته، وهو المراد بالاستثناء أي: لا أملك منهما "إلاَّ ما شاء الله" من نَفْعٍ أقدرني على جلبه، وضرٌّ أقدرني على منعه، وسخَّر لي أسبابهما. كما أنَّه لا يملك شيئاً من عالم الغيب، الَّذي هو شأن الخالق دون المخلوق، والنَّاسُ فُتِنُوا منذ قوم نوحٍ بمن اصطفاهم الله، فجعلوهم شركاء لله تعالى فيما يرجوه عباده، من نفعٍ يسوقه إليهم، وما يخشونه من شرٍّ فيدعونه ليكشفه عنهم، وصاروا يدعونهم كما يدعون الله لذلك، إمَّا استقلالاً وإمَّا إشراكاً. ولمَّا كان ملك الضر والنفع خاصًّا برب العباد وخالقهم، وكان طلب النفع، أو كشف الضر عبادةً لا يجوز أنْ توجَّه إلى غيره من عباده مهما يكن فضله: أمر الله رسوله ﷺ أنْ يصرِّح بالبلاغ عنه، أنَّه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضرًّا، وقد تكرَّر هذا في القرآن مبالغةً في تقريره وتوكيده. ٦ - جاء في سنن أبي داود (٣٦٢٧) من حديث عوف بن مالك؛ أنَّ النَّبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضيُّ عليه لمَّا أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل،

стр. 3623

فقال النَّبي ﷺ يلوم على العجز: "ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمرٌ، فقل حسبي الله ونعم الوكيل". ومعنى هذا: أنَّه على الإنسان التيقُّظ في الأمر وعمل الأسباب، فإذا أخفق بعد عمل الأسباب النَّافعة المشروعة، فليقل حينئذٍ: "حسبيَ الله ونِعْمَ الوكيل". وبدون التيقُّظ وعمل الأسباب؛ فإنَّ الله يلوم على العجز، والتهاون في الأمور. ***

стр. 3624

١٢٠٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ، لاَ يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ؟! " رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ (٢)، وَآخَرُ مِنْ حَديْثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَه (٣). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال المؤلِّف: رواه ابن حبان، وابن خزيمة، وابن ماجه، وله شواهدٌ: ١ - حديث بريدة؛ عند البيهقي. ٢ - حديث قابوس بن مخارق عن أبيه؛ عند الطبراني، وابن قانع. ٣ - حديث خولة غير منسوبة؛ عند الطبراني، وأبي نعيم. ٤ - حديث أبي سعيد؛ عند ابن ماجه. ٥ - حديث عائشة؛ عند ابن حبان، والبيهقي. وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، والسيوطي، وقال الذهبي: إسناده صالح، وقال الهيثمي: رجاله ثقات إلاَّ أنَّ فيه عطاء بن السَّائب ثقة؛ لكنَّه اختلط. * مفردات الحديث: - كيف تُقَدَّس أمَّة: التقديس: التطهير والتنزيه، يعني تَبْعُدُ الطهارة والنَّزاهة عن

стр. 3625

أُمَّة لا تساوي في أحكامها بين القوي والضعيف. - الأمَّة: أتباع النَّبي ﷺ ، والجمع أمم، مثل: غرفة وغرف. - شديدهم: قويهم وغنيهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء]. قال بعض المفسرين: لهذه الآية ثمرات هي أحكام، منها: الأوَّل: وجوب العدل على القضاة والولاة، وأنْ لا يعدلوا عن القسط لأمر تميل إليه النفوس وشهوات القلوب، من غِنًى وفَقْرٍ، أو قرابة، بل يستوي عنده الدنيء والشريف، والقريب والبعيد. الثاني: أنَّه يجب الإقرار على من عليه الحق، ولا يحل له أنْ يكتمه؛ لقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. ٢ - قال محمد رشيد رضا: القوَّامون بالقسط هم الَّذين يُقيمون العدل بالإتيان به على أتمِّ الوجوه وأكملها وأدومها؛ فالقيام بالشيءِ هو الإتيان به مستوياً تامًّا، لا نقص فيه، ولا عوج، وهذه العبارة أبلغ ما يمكن أنْ يُقال في تأكيد أمر العدل والعناية. ٣ - حديث الباب فيه استبعاد أنْ تتطهَّر أمَّة من الذنوب، وهي لا يُنْصَف لضعيفها من قويها فيما يلزمه من الحق له؛ فإنَّه يجب نصر الضعيف حتَّى يأخذ حقه من القوي. فقد جاء في صحيح البخاري (٢٤٤٤): "انصر أخاك ظالماً، أو مظلومًا"، ونصر الظَّالم: هو رده وكفه عن الظلم.

стр. 3626

١٢١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ في عُمُرِهِ" رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَلَفْظُهُ: "فِي تَمْرَةٍ" (١). ــ * درجة الحديث: الحديث إسناده حسن. قال في التلخيص الحبير: رواه أحمد، والعقيلي، وابن حبان، والبيهقي. قال العقيلي: عمران بن حطَّان الراوي عن عائشة لا يتابع عليه، ولا يتبين لي سماعه منها. قال ابن حجر في التهذيب: ليس كذلك؛ فإنَّ الحديث الَّذي في البخاري وقع عنده التصريح بسماعه منها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه بيان خطر القضاء، وعظم أمره؛ لأنَّ موضوعه هو الفصل في حقوق النَّاس، من الدماء، والأعراض، والأموال؛ فصاحبه مكلَّف بالاحتياط الشديد، والتحري الأكيد؛ لإصابة الحق والصواب. ٢ - وفيه دليلٌ على شدَّة حساب القضاة يوم القيامة؛ وذلك لما يتعاطونه من الخطر، فيجب عليهم الحيطة والتقصِّي، وبلوغ الجهد، والاستعانة بالله تعالى، وأهل الحق والإنصاف، والابتعاد عن قرناء السوء، والكتَّاب

стр. 3627

والأعوان أصحاب الأنفس الدنيئة، والقلوب المريضة بإيثار الدنيا على الآخرة. ٣ - إذا كان ما جاء في الحديث في القاضي العدل، فكيف بقضاة الظلم، والجور، والجهل، اتخذوا المناصب الدينية، والسلطة القضائية أداةً لجمع الأموال من غير حلها؟! ٤ - من هذا الحديث وأمثاله التي تذكر خطر القضاء، وعظيم أمره، هرب من توليه، والسَّلامة منه كثير من أصحاب الورع. فقد دُعِيَ أبو قلابة إلى القضاء؛ فهرب من العراق إلى الشَّام، ودعي إليه سفيان الثوري؛ فهرب إلى البصرة، وتوفي وهو متوار، وضرب على قبوله أبو حنيفة؛ فلم يقبله حتَّى مات، وقال الشعبي: القضاء محنةٌ وبلية، من دخل فيه، عرَّض نفسه للهلاك. وهناك أحاديث وآثار تحث على قبول القضاء، واتباع سلوك العدل؛ فاتخذ العلماء المحققون طريق التوفيق بين الأمرين: وهو أنَّ التحذير لمن طلب القضاء، ولم يف بحقِّه. وأمَّا الترغيب: فهو لمن وَلِيَ بدون طلب، وسلك مسلك الخوف والرَّجاء. ***

стр. 3628

١٢١١ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَنْ يُفْلحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. قال محمد رشيد رضا: أي: من شأنهم المعروف المعهود القيام على النساء بالحماية، والرعاية، والولاية، والكفاية، ومن لوازم ذلك: أنْ يفرض عليهم الجهاد دونهنَّ؛ فإنَّه يتضمن الحماية لهن ... وسبب ذلك: أنَّ الله تعالى فضَّل الرِّجال على النِّساء في أصل الخِلْقة، وأعطاهم ما لم يعطهنَّ من الحول والقوَّة، فكان التفاوت في التكاليف والأحكام أثراً للتفاوت في الفطرة والاستعداد؛ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، فالرِّجال أقدر على الكسب، والاختراع، والتصرُّف في الأمور، فلأجل هذا كانوا هم المكلفين أنْ ينفقوا على النِّساء، وأنْ يحموهنَّ، ويقوموا بأمر الرئاسة العامَّة في مجتمع العشيرة، ويتبع هذه الرئاسة: جعل عقدة النكاح في أيدي الرِّجال، هم الَّذين يبرمونها برضا النِّساء، وهم الَّذين يحلونها بالطَّلاق. وأوَّل ما يذكره جمهور المفسِّرين المعروفين في هذا التفضيل: النبوة، والإمامة الكبرى، والصغرى، وإقامة الشَّعائر؛ كالأذان، والإقامة، والخطبة في الجمعة، وغيرها، ولا شكَّ أنَّ هذه المزايا تابعةٌ لكمال استعداد الرِّجال في مقتضى الفطرة.

стр. 3629

٢ - الحديث صريحٌ في عدم صحَّة ولاية المرأة، وأنَّ الأمَّة التي توليها لن تفلح في أمور دينها، ولا في أمور دنياها، وعدمُ صحَّة ولايتها هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد. وذهب الحنفية: إلى جواز توليتها الأحكام إلاَّ الحدود، وقولهم مصادمٌ للنَّصِّ، وللفطرة الربانية. ٣ - والدول التي ولتها إنَّما هيَ ولاية صورية لا حقيقية؛ فبلادهم يحكمها دستورٌ لا يتخطَّاه أحدٌ منهم، لا حاكمٌ ولا محكوم، وعلى فرض أنَّ لها السيطرةَ، ونفوذَ الكلمة، فإنَّهم لم يفلحوا لا في شؤون دينهم، ولا في شؤون دنياهم، والله المستعان. ٤ - ولمَّا قال تعالى في كتابه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] ليس معناه: أنَّه أهمل جانب المرأة، وأعفاها من المسؤولية وجعلها -فقط- أداة متعة ونظر، وإنَّما جعل لها من الحقوق مثل ما للرَّجل؛ فقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ إلاَّ أنَّ هذه المسؤولية، وتلك الحقوق والواجبات هي من نوعٍ آخر؛ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]. فمسؤولية البيت وشؤون المنزل مهامُّ كبيرة: من ترتيبه، وتنظيمه، والقيام بشؤونه، وحفظه، ورعايته، ثمَّ وظائفُ الحمل، والولادة، وتربية الأطفال، وإصلاح شؤونهم، هي أمورٌ هامَّةٌ جدًّا، ومع أهميتها: فإنَّ الرَّجل لا يستطيع الصبر عليها، ولا يحسن القيام بها، ومتى أُهمِلت هذه الأمور بلا راعٍ مسؤول، تعطَّل كلُّ شيءٍ، وضاع جهد الرَّجل خارج المنزل. فالرجل: عمله خارج المنزل لإعداده، وتكوينه البدني، والنَّفسي، والعقلي، بما يحويه من صلابةٍ في العضلات، وتحكُّمٍ في العاطفة، ومنطقية في التفكير.

стр. 3630

وأمَّا المرأةُ: فهي المُعَدَّةُ بدنيًّا، ونفسيًّا، وعقليًّا بكلِّ ما تحويه من مرونة في الملبس، ورقة في المشاعر، وجيشان في العاطفة، وانفعال في الوجدان، هذا هو الاستعداد الحقيقي لأنبل المهام، وأهمها على الإطلاق، وهي مهمة بناء الإنسان. فهذه نظرة الإسلام إلى الجنسين، تلك النظرة القائمة على الاستعدادات "البيولوجية" التي جَعَلَ الله تعالى منها خصائصَ ذات طابعٍ ذكري وأنثوي، وجَّهت كلاًّ إلى ما خُلِقَ له، ولله في خلقه شؤون!! أمَّا الَّذين يُنادون بما يسمَّى "تحرير المرأة" لتشارك الرِّجال في أعمالهم، فهؤلاء جهلوا مراد الله تعالى من خلق الجنسين، وغفلوا عن الإعداد الفطري الَّذي أنشأ عليه المرأة لتقوم بوظائفها الخاصَّة بها، والأعمال التي لا يحسنها غيرها؛ وبهذا الجهل، وتلك الغفلة: هدموا البيوت، وقوَّضوا معالم الأسرة، وأضاعوا الأولاد؛ ليصبحوا مشرَّدين مهملين، وأسعدهم حظًّا الَّذي تليه خادمةٌ جاهلةٌ أجنبيةٌ جافَّة، بدل حنان الأُم وتربيتها وعنايتها وعطفها، وقد قال ﷺ : "كلٌّ ميَسَّرٌ لما خُلِقَ لَه" [رواه البخاري (٦٥٩٦) ومسلم (٢٦٤٩)]، والله المستعان. ***

стр. 3631

١٢١٢ - وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَزْدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَلاَّهُ اللهُ شَيْئاً مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ، وَفَقيرِهِمُ -احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث سنده جيد. قال ابن حجر في التلخيص: رواه الترمذي، وأبو داود، والحاكم وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وأورد له الحاكم شاهداً، وعنه رواه أحمد، والترمذي، ورواه الطبراني في الكبير، من حديث ابن عباس، قال ابن أبي حاتم عن أبيه في العلل: هذا حديث منكر. والحديث المرفوع سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حديثٌ غريب، ولم يطعن فيه المنذري. قال الصنعاني: ورواه الطبراني برجال ثقات، إلاَّ شيخه فإنَّه قال: المنذري لم يقف فيه على جرحٍ، ولا تعديل. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ١٣٣): سنده جيد. * مفردات الحديث: - ولاَّه: يُقال: ولاَّه الأمر تولية: جعله والياً عليه، وملَّكه أمره. - احتجب: يُقال: حَجَبَهُ يَحْجُبُهُ حَجْباً: ستره ومنعه، واحتجب: استتر. - حاجة: يُقال: حَاجَ الرَّجل يحوج: إذا احتاج، والحاجة جمعها حوائج، وهي: ما يفتقر إليها الإنسان ويطلبها.

стр. 3632

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - من ولاَّه الله تعالى أمراً من أمور المسلمين، فقد أصبح أجيرهم، والقائم بأمورهم، والمتولِّي على شؤونهم، ومثل هذا يجب عليه مقابلتهم، وسماع شكاويهم وحاجاتهم؛ ليقضي ما يتعيَّن عليه قضاؤه، ويوجِّههم إلى ما يحتاجون إليه من التوجيه. ٢ - أمَّا من يقفل دونهم بابه، أو يجعل له حُجَّاباً قساةً جفاةً، يمنعون أصحاب الحاجات من الوصول إليه، فهذا حرامٌ لا يجوز، فإنِ احتجب عنهم، فإنَّ الله تعالى يحتجب عن حاجته يوم القيامة، جزاءً وفاقاً؛ فالجزاء من جنس العمل، وكما تدين تُدان. ٣ - قال في شرح الإقناع: ولا يتخذ القاضيَ في مجلس الحكم حاجباً، ولا بوَّاباً إلاَّ لعذرٍ؛ لأَنَّ الحاجب ربَّما قدَّم المؤخَّر، وأخَّر المتقدِّم؛ لغرض له، وليس له أنْ يحتجب إلاَّ في أوقات الاستراحة؛ لأَنَّهَا ليست وقتاً للحكومة، ويكون له من يرتَّب النَّاس إذا كثروا، فيكتب الأوَّل فالأوَّل. ٤ - فليحذر القاضي -وكل قائمٍ على عملٍ يتصل بجمهور النَّاس- من قرناء السوء، ومروِّجي الدعاوى باسمه، وبواسطة القرب منه؛ فإنَّهم يموِّهون على النَّاسِ أنَّ لهم تأثيراً على القضاة، وأصحاب الأعمال يدركون بها مطلوبهم، ليحذروهم، ولا يكن حوله إلاَّ من يتَّقي الله تعالى ويراقبه، من الأمناء أصحاب النفوس العفيفة، والضمائر الطيبة، والله ولي التوفيق. ***

стр. 3633

١٢١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "لعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ، وَالمُرْتَشِيَ في الْحُكْمِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو عِنْدَ الأَرْبَعَةِ إِلاَّ النَّسَائِيَّ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبغوي، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ورجاله ثقات، رجال الشيخين، وله شاهدٌ من حديث عبد الله بن عمرو. قال الدَّارمي: هو أحسن شيءٍ في هذا الباب وأصح. قال الهيثمي: أخرجه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات. وقال الشوكاني: لا مطعن في إسناده. وله شواهدُ أخر: عن عائشة، وأمِّ سلمة، وعبد الرحمن بن عوف، وثوبان. *مفردات الحديث: - الراشي: يقال: رشاه يرشوه رشواً: أعطاة الرِّشْوة، والرَّاشي: هو الذي يعطي المال الذي يعينه على الباطل. - المرتشي: هو آخذ الرِّشْوة.

стр. 3634

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - الرَّاشي: هو من يُعطي العطية؛ ليحكم له بباطل، أو يدفع عنه حقًّا. المرتشي: هو الَّذي يأخذ الرشوة؛ ليحكم بإسقاط حقٍّ، أو إثبات باطل. الرشوة: هو ما يُعْطَى الحاكِمُ بعد طلبه لها. ٢ - يَحْرُمُ بذلها، وأخذُهَا، والتوسُّطُ فيها، والإعانةُ عليها؛ لأنَّ ذلك من أكل أموال النَّاس بالباطل، مع ما فيها من تغيير حكم الله تعالى، والحكم بغير ما أنزل الله؛ فقد ظَلَمَ بأخذها نفسه، وظَلَمَ المحكومَ له، وظَلَمَ المَحكومَ عليه. ٣ - الرشوة من كبائر الذنوب؛ لأنَّ رسول الله ﷺ لعن آخذها، ومعطيها، واللعنُ لا يكون إلاَّ على كبيرةٍ من كبائر الذنوب، وقد أجمع العلماء على تحريمها. ٤ - قال في شرح الإقناع: ويحرم قبول القاضي هدية، وهي الدفع للقاضي ابتداءً من غير طلب، إلاَّ ممَّن كان يهدي إليه قبل ولايته، إنْ لم يكن للمهدي حكومة؛ لأنَّ التهمة منتفية؛ لأَنَّ المنع إنَّما كان من أجل الاستمالة، أو من أجل الحكومة، وكلاهما منتف. ***

стр. 3635

١٢١٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنَّ الخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١). ــ *درجة الحديث: الحديث فيه ضعف. قال المؤلِّف: رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم وصحَّحه، وأقرَّه الذهبي، ورواه البيهقي، كلهم من رواية مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وفيه كلام، قال أبو حاتم: إنَّه كثير الغلط. وله شاهدٌ من حديث أمِّ سلمة: رواه أبو يعلى، والدَّارقطني، والطبراني، وفي إسناده عبادة بن كثير، وهو ضعيف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العدالة بين الخصمين مطلوبةٌ في كلِّ شيء؛ فيجب على القاضي أنْ يعدل بينهما في مجلسه. قال ابن رشد: أجمعوا على أنَّه يجب عليه أنْ يسوِّيَ بين الخصمين في المجلس. قال الطيبي: ليس على القاضي أمرٌ أشق ولا أخوف من التسوية بين الخصمين. وقال ابن القيم: نهى عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال عليه، والقيام له دون خصمه؛ لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر،

стр. 3636

وضعفه عن القيام بحجته. ٢ - قال فقهاؤنا: يجب أنْ يعدل بين الخصمين في لحظه، ولفظه، ومجلسه، ودخولهما عليه. ويحرم أنْ يسارَّ أحدهما، أو يلقِّنه حجته، أو يضيِّفه، أو يعلِّمه كيف يدَّعي، إلاَّ أن يترك ما يلزمه ذكره في الدعوى؛ كشرطٍ، أو عقد، وسبب إرث، ونحوه، فله أنْ يسأل عنه ضرورةً لتحرير الدعوى، ولأنَّ أكثر الخصوم لا يعلم ذلك، وليتضح للقاضي وجه الحكم. ***

стр. 3637

باب الشهادات ١٢١٥ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؛ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ١٢١٦ - وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حصَيْنِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُون، وَينْذُرُونَ، وَلاَ يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). ــ * مفردات الحديث: - خير: جمعه: أخيار وخيار، يستعمل اسم تفضيل، وأصله: أخْيَرُ، فحذف الهمزة على خلاف القياس؛ لكثرة الاستعمال، فصار متصرِّفاً لمغايرته وزن الفعل. - قرني: القرن جمعه قرون، وهو مصدر، وهو مدة، قيل: أربعون سنة،

стр. 3638

وقيل: أقل، وقيل: أكثر، والرَّاجح عند اللغويين: أنَّه مائة سنة، وعليه جرى المؤرِّخون. ولعل المراد هنا أهل زمانٍ واحد. - يُسْتَشهدون: الشَّاهد جمعه شهود، يُقال: شهد المجلس، أي: حضره، وشهد عند الحاكم لفلان على فلانٍ بكذا: أدَّى ما عنده من الشهادة، أي: أخبر بما عنده خبراً قاطعاً. فمعنى "يستشهدون" أي: يؤدون الشهادة قبل أنْ تُطلَب منهم. - يخونون: خانه في كذا يخونه خوناً وخيانة، فهو خائن، والجمع خَوَنَةٌ، والخيانة: خلاف الأمانة. - يؤتمنون: يُقال: أَمُنَ يَأْمُنُ أمانةً، ضد خان، فهو أمين. فمعنى يُؤتمنون: يُتخذون أمناء. - ينذرون: النَّذر مصدر نَذَرْتُ أَنْذُر بضم الذَّال، من باب قتل، والنَّذْرُ في الشرع: إلزَامُ مكلَّفٍ مختارٍ نَفْسَهُ بعبادة الله تعالى. - يوفون: يُقالُ: وَفَى بالعهد والوعد يفي وفاءً، بمعنى: أتمه وحافظ عليه، وهو ضد الغدر، فهو وفيٌّ ووافٍ، فأوفى نذره: أحسن الإيفاء. - السمن: يُقال: سمن يسمن سمانةً وسِمناً: كثر لحمه وشحمه، ضد هزل، فهو سمين، والجمع سِمَان. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الشَّهادات واحدها شهادة، مشتقَّة من المشاهدة: إمَّا بالبصر، أو البصيرة؛ لأنَّ الشَّاهد يخبر عمَّا شاهده، وتطلق الشَّهادة على التحمُّل والأداء، ٢ - الشَّهادةُ: هي الإخبار بما يعلمه بلفظ أَشْهَدُ، أو شَهِدتُّ، وهذا هو المشهور من مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد. والرواية الأخرى عن أحمد: أنَّه لا يشترط في أداء الشهادة لفظ

стр. 3639

أشْهَدُ؛ واختاره شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم. قال الشيخ: وهو مقتضى قواعد أحمد وغيره، ولا أعلم نصًّا يخالفه، ولا يعرف عن صحابي، ولا تابعي اشتراط لفظ الشَّهَادة. وقال ابن القيم: الإخبار إشهادٌ محض في أصح الأقوال. وهو قول الجمهور؛ فإنَّه لا يشترط في صحَّة الشهادة لفظ أشْهَدُ، بل متى قال الشاهد: رأيتُ، أو سَمِعْتُ، أو نحو ذلك، كانت شهادةً منه، وليس في كتاب الله، ولا في سنَّة رسول الله ﷺ موضعٌ واحدٌ يَدُلُّ على اشتراط لفظ الشهادة، ولا عن رجلٍ واحدٍ من الصحابة، ولا قياس، ولا استنباط يقتضيه، بل الأدلَّةُ المتضافرةُ من الكتاب، والسنَّة، وأقوال الصحابة، ولغة العرب: تنفي ذلك. ٣ - الحِديثان متعارضان؛ فحديث زيد: مدح الَّذي يأتي بالشَّهادة قبل أنْ يُسْأَلَهَا، وتطلب منه، وحديث عمران: ذمَّ الَّذين يَشْهَدون قبل أنْ يُستَشْهدوا، وتُطلَبَ منهم، وجُمعَ بينهما بعدَّة أوجهٍ: أحسنها: كونه يَشْهَد قبل أنْ يُسْتَشهد مذمومٌ، إلاَّ أنْ يكون عنده شهادة بحق لا يعلم بها صاحب الحق، فيأتي إليه، ويخبره بها، أو يموت صاحبُ الحق فيأتي إلى ورثته، فيخبرهم بأنَّ عنده لهم شَهادة؛ فهذا هو أحسن الوجوه في الجمع بين الحديثَيْنِ. قال في الإنصاف: مَنْ عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتَّى يسأله، فإنْ لم يعلمها، استحب له إعلامه بها. ٤ - قال شيخ الإسلام: يجب على من طُلِبَتْ منه الشهادةُ أداؤها، فإذا امتَنَعَ الجماعةُ من الشهادة، أثموا كلهم باتفاق العلماء. وقال ابن القيم: إنَّ الشَّاهد إذا كتم الشهادة بالحقِّ، ضمنه؛ لأَنَّه أمكنه تخليص حق صاحبه، فلم يفعل؛ فلزمه الضمان.

стр. 3640

٥ - قال فقهاؤنا: تحمُّلُ الشهادة في غير حق الله تعالى فرضُ كفاية، وإنْ لم يوجد من يكفي، تعينت عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: لتحمل الشهادة، فعليهم الإجابة، وعند جمهور العلماء: أن تحملها فرض كفاية، والأداء فرض عين. ٦ - قال فقهاؤنا: وأداء الشهادة فرض عين على من تحمَّلها متَّى دعي إليها؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فهذا وعيدٌ شديد، وإنَّما خصَّ القلب؛ لأنَّه موضع العلم بالشهادة، فدلَّت الآية على فرضية أدائها عيناً على من تحمَّل متَّى دعي إليها. ٧ - قال العلماء: إنْ لَحِقَ الشَّاهدَ ضررٌ بتحمُّلِ الشهادة، أو أدائها في بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو أهله -لم تلزمه. ٨ - حديث عمران بن حصين دليل على أنَّ الصحابة ﵃ هم أفضل الأُمَّة، وهم أفضل من التَّابعين، والتَّابعون أفضل من تابع التَّابعين. ٩ - الصحيح أنَّ فضل الصحابة على التَّابعين هو فضل جملة على جملة، لا فضل كل فرد على كل فرد؛ فإنَّه قد يكون في فضلاء التَّابعين من يَفْضِّلُ بعض الصحابة؛ ولكن يستثنى من هذا أمران: أحدهما: مشاهير الصحابة، وأصحاب السَّابقة منهم، من المهاجرين والأنصار، لاسيما أهل بدر وأهل الشجرة؛ فهؤلاء لا يلحقهم أحدٌ في فضلهم، وسابقتهم، ونصرهم دينهم، وما خصَّهم الله تعالى به من صحبة نبيه ﷺ . الثاني: أنَّ المفضول من الصحابة أمام الفاضل من التَّابعين وغيرهم، فالصحابي يفضل على غيره بالصحبة، فلا يلحقه أحدٌ فيها، وإن امتاز عليه الآخر بالعلم، والعبادة، والفضل، فللصحابي مهما كانت حاله فضيلةُ الصحبة.

стр. 3641

١٠ - الحديث يدل على فضل هذه القرون الثلاثة المفضَّلة ممَّن ساروا على نهج نبيهم، واقتفوا أثره؛ فكانوا خير أمَّةٍ أُخرِجَتْ للنَّاسِ. فلمَّا جاء القرن الرَّابع، بدأت الخلافات في المقالات، وتعددت المذاهب المنحرفة، والمقالات الكلامية، وحدثت البدع؛ فأخذت معالم العقيدة الصحيحة تتغيَّر، ومحاسنها تنطمس. ١١ - ويدل الحديث على أنَّ الفضيلة ليست بعمارة الحياة الدنيا، وبهجتها، وزينتها، وإنَّما الفضيلة موجودة حيث توجد الأمانة، ويوجد الوفاء بالعهود، والعقود، والنذور، وتكون الآخرة هي أكبر هم المسلم؛ لأَنَّ المسلم ليس همه، وكده، وجده، فيما يعود عليه بالترف من حسن المآكل، والملابس، والمراكب، والمساكن؛ فإيثار الحياة الدنيا على الآخرة هو عين الخسارة؛ قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى]. ***

стр. 3642

١٢١٧ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلاَ خَائِنَةٍ، وَلاَ ذِي غَمَرٍ عَلَى أَخِيهِ، ولاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لأَهْلِ البَيْتِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديت حسن. أخرجه أحمد، وأبو داود، والدَّارقطني، والبيهقي، وإسناده حسن، قال الحافظ: وسنده قوي. وقال في التنقيح: ومحمد بن راشد -أحد رواته- وثَّقه أحمد ويحيى بن معين، وغيرهما، ولا مطعن فيه. * مفردات الحديث: - خائن: خان الشيء خوناً وخيانة: نقضه وخان العهد فيه، وخان الأمانةَ: لم يؤدها. - ذي غَمَرٍ: بفتح الغين المعجمة، وفتح الميم، بعدها راء، وهو الحقد والشحناء. - القانع: بالقاف، ثمَّ ألف، بعدها نون، ثمَّ عين مهملة: هو الخادم المنقطع لخدمة أهل البيت، وقضاء حوائجهم؛ لما لهم عليه من السلطة، ولما له عندهم من المنفعة، فالتهمة بمواليهم قائمة. - لأهل البيت: الَّلام هنا متعلِّقة بمحذوف، تقديره: مقارنة لأهل البيت، فتكون حالاً من "القانع". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بيان شيءٍ من موانع الشهادة التي إذا وُجِدَ شَيْءٌ منها في شخص، فإنَّها لا

стр. 3643

تقبل شهادته. قال في شرح الإقناع: الموانع تحول بين الشهادة ومقصودها؛ فإنَّ المقصود منها قبولها، والحكم بها، ومن الموانع ما يلي: الأوَّل: الخيانة: فالخائن ضد الأمين، وهي إمَّا أنْ تكون خيانة في حقوق الله تعالى؛ من تضييع ما افترض الله عليه من الواجبات؛ فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]؛ فمن ضيَّع شيئاً ممَّا أمر الله تعالى به، أو ارتكب شيئاً ممَّا نهي عنه، فليس بأمين، وإنَّما هو خائن، لا تصح أنْ تقبل شهادته. وإمَّا أنْ تكون الخيانة فيما ائتمنه النَّاس عليه من الودائع، والأمانات؛ فلا يوجد عنده تقوى تمنعه من الحفاظ عليها وأدائها، فهذا لا يحصل الاطمئنان إلى خبره؛ فلا تصح شهادته. قال في الروض المربع وحاشيته: السَّادس: العدالة، وهي أداء الفرائض، واجتناب المحارم. قال ابن رشد: اتفق المسلمون على اشتراط العدالة في قبول شهادة الشاهد؛ لقوله تعالى: ﴿تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال الشيخ: رَدَّ شهادة من عرف بالكذب متفق عليه بين الفقهاء. والعدل في كلِّ زمانٍ ومكانٍ وطائفةٍ بحسبها، فيكون الشَّاهد في كلِّ قومٍ مَنْ كان ذا عدل فيهم، وإنْ كان وجوده في غيرهم، لكان عدله على وجهٍ آخر، بهذا يمكن الحكم بين النَّاس. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: شروط الشهادة تعتبر حسب الإمكان. الثاني: ذو الغَمَر: هو الحاقد ذو الشحناء والبغضاء؛ فلا تقبل شهادته على من يضمر له عداوة وشحناء. قال في الروض المربع وحاشيته: ولا تقبل شهادة عدوٍّ على عدوه؛ وهو

стр. 3644

مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد، وحجتهم: "لا تقبل شهادة خصمٍ ولا ظنين" [رواه أبو داود في المراسيل (ص ٢٨٦)]، قال ابن حجر: ليس له إسنادٌ صحيح؛ لكن له طرق يقوِّي بعضها بعضاً. قال ابن القيم: منعت الشريعة من قبول شهادة العدو على عدوه؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة، وقد أجمع الجمهور على تأثيرها في الأحكام الشرعية. الثالث: القانع: وهو الخادم لأهل البيت، المنقطع للخدمة، وقضاء الحوائج، وموالاتهم، ذلك أنَّ الخادم متعلقةٌ مصالحه وحاجاته بأهل البيت، ولهم عليه سلطة، وتأثيرٌ كبير، وهذا مظنَّة تتهمه أنَه يحب دفع الضرر عنهم، أو جلب المصلحة والخير إليهم؛ فَمُنِعَتْ شهادته من القبول. قال في الروض المربع: ولا تُقبل شهادة من عُرِفَ بعصبيةٍ، وإفراط حمية؛ لحصول التهمة بذلك. ٢ - ذكر الفقهاء أشياء أخرى ممَّا تُرَدُّ به الشهادة؛ منها: شهادة عمودي النسب، وهم الآباء وإنْ عَلَوْا، والأولاد وإنْ نزلوا، فلا تُقبل شهادة بعضهم لبعض. قال ابن رشد: اتفقوا على رد شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه، وكذا الأم لابنها، وابنها لها؛ لتهمة القرابة. ٣ - ولا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه عند أكثر العلماء، لأنَّ كلاًّ منهما يتبسط في مال الآخر؛ فالتهمة موجودة. ٤ - وتقبل الشَّهادة من عمودي النسب بعضهم على بعض؛ كما تقبل شهادة أحد الزوجين على الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ نصَّ عليه الإمام أحمد، قال الموفق: لم أجد خلافاً لأحد.

стр. 3645

١٢١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ تَجُوزُ شَهَادَة بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِب قَرْيَةٍ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث منكر. أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وابن الجارود، عن طريق ابن الهاد، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، به. قال ابن دقيق العيد: رجاله إلى منتهاه رجال الصحيح؛ فالحديث صحيح الإسناد، رجاله كلهم ثقات؛ فهم رجال الشيخين. قال ابن عبد الهادي: رواته ثقات. لكن قال الذهبي: هو حديث منكر، مع نظافة سنده. * ما يؤخذ من الحديث: اختلف العلماء في قبول شهادة البدوي على الحضري: فذهب الإمامان: مالك، وأحمد -في إحدى الروايتين عنه:- إلى عدم قبول شهادة البدوي على الحضري؛ لأَنَّ بينهما شحناء لا تمنع البدوي الَّذي يغلب عليه الجفاء في الدِّين، وقلَّةِ معرفة الأحكام الشرعية، وعدم ضبطه ومعرفته لما يُلقى عليه، ويسمعه. قال الإمام أحمد: أخشى أنْ لا تُقبل شهادة البدوي على صاحب القرية؛ لهذا الحديث.
следующие страницы →