* مفردات الحديث:
- المكاتب: يُقال: كاتب عبده مكاتبة، أي: باعه لنفسه بآجالٍ معلومةٍ، وأقساطٍ معلومة.
سميت مكاتبة؛ لأَنَّه يكتب -في الغالب- للعبد على مولاه كتابًا بالعتق عند أداء النجوم.
***
стр. 3712
١٢٤٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مختلَفٌ فيه، منهم من صحَّحه، ومنهم من تكلَّم فيه.
أخرجه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، من طريق الزهري، عن نبهان مولى أمِّ سلمة، عنها، به.
وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وذكره ابن حجر في "التلخيص" دون أنْ يتكلَّم عليه.
قال ابن عبد الهادي: تكلَّم في هذا الحديث غير واحدٍ من الأئمة.
قال الألباني: ونبهان هذا أورده الذهبي في "ذيل الضعفاء"، وقال ابن حزم: مجهول، قلت: وقد أشار البيهقي إلى جهالته، وقال الشَّافعي: لم أرَ من أهل العلم من يثبت هذا الحديث.
قلت: وممَّا يدل على ضعف الحديث عمل أمهات المؤمنين على خلافه.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان مع الآية الكريمة: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ على أصل
стр. 3713
الكتابة، ومشروعيتها.
٢ - يدل الحديث رقم (١٢٤٣) على أنَّ المكاتب لا يعتق من رقه حتَّى يوفي جميع دين الكتابة، فتجري عليه أحكام الرقيق ما بقيَ عليه درهم؛ هذا هو منطوق الحديث، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة.
٣ - أمَّا مفهومه فهو يوافق منطوق الحديث رقم (١٢٤٤) من أنَّ الرقيق إذا صار معه جميع دين كتابته، فإنَّه أصبح حرًّا، له أحكام الأحرار؛ حيث خلص من الرق، وصار حرًّا.
٤ - يدل الحديث رقم (١٢٤٤) على أنَّ المرأة لا تحتجب من رقيقها، بل يجوز لها كشف وجهها عنده؛ لقوَّة العلاقة، ولأنَّ الرَّقيق لا ترتفع نفسه إلى سيدته، والسيدة لا تنزل نفسها إليه، وفي المسألة خلافٌ بين الفقهاء.
٥ - ويدل على أنَّه بعد أداء جميع دين الكتابة، أو وجودها عنده، أصبح حرًّا؛ فيجب عليها حينئذٍ أنْ تحتجب عنه؛ لانفصاله عنها، ولأَنَّه بعد الحريَّة أصبح كامل الإنسانية والحرية.
٦ - اسم مولى أم سلمة "نبهان" قالت له: ماذا بقيَ عليك من كتابتك؟ قال: ألفا درهم، قال: هما عندك؟ قال: نعم، قالت: ادفع ما عليك، وعليك السَّلام، ثم ألقت دونه الحجاب، فبكى، وقال: لا أعطيه أبدًا، قالت: إنَّك -والله- يا بني أبدًا لن تراني أبدًا، إنَّ رسول الله ﷺ عهد إلينا، أنَّه إذا كان عبد لإحداكنَّ، ووفى بما بقي عليه من كتابته، فاضربي دونه الحجاب.
٧ - ويدل الحديث على أصل مشروعية الحجاب من الأجنبي، أي: غير المحرَم.
***
стр. 3714
١٢٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يُودَى المُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الحُرِّ، وَبقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيةَ العَبْدِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
وقد أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وحسَّنه، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
قال الشوكاني: حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود، والترمذي، وهو عند النسائي مسند ومرسل، ورجال إسناده عند أبي داود ثقات.
قال ابن عبد الهادي: وقد أُعِلَّ الحديث. اهـ.
* مفردات الحديث:
- دية الحر: ودى القاتلُ القتيلَ، يَدِيهِ، دِيَةً -مخففة-: إذا أعطى وليه المال الَّذي هو بدل النَّفس، وفاؤها محذوفة، والهاء عوض، والأصل وَدِيَه مثل: وَعِيَه، فتقول في الأمر "دِ" القتيلَ بدالٍ مكسورة لا غير، فإنْ وقفت قلت: "دِهْ"، ثمَّ سمي المال تسمية بالمصدر، والجمع ديات، مثل هبة وهبات، وعدة وعدات.
والدية شرعًا: المال المؤدَّى إلى مجني عليه أو وليه، بسبب جناية، وهي مقدرة شرعًا ومحدَّدة، وقدرت في كتاب الجنايات.
- رَقَّ: الشخص يرق، فهو رقيق، ويطلق الرقيق على الذكر والأنثى، والجمع أرقاء.
والرِّقُّ شرعًا: عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان، سببه الكفر؛ فالعجز يمنعه من
стр. 3715
التصرفات الشرعية، ويسلبه الأهلية.
دية العبد: أمَّا دية العبد، أو الأمة، فهي قيمتهما، ولو بلغت دية الحر أو زادت عليها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - إِذَا أدَّى المكاتب بعض أقساط دين الكتابة، صار مبعَّضًا، بعضه حر، وبعضه رقيق، وحريته بقدر ما أداه من دين الكتابة.
أمَّا حريته الكاملة: فمراعاة بإيفاء جميع دينه، أمَّا ما جاء في الحديث المتقدم: "المكاتب عبدٌ ما بقيَ عليه من مكاتبه درهم" فمعناه: إنْ لم يُوفِ جميع أقساط كتابته، عاد إلى كامل رقه.
٢ - إذا اعتُدِيَ على هذا المبعَّض، فإنَّ ديته تسلَّم على نوعين:
النوع الأوَّل: تسلم دية كاملة هي دية الأحرار؛ وذلك بقدر ما فيه من الحريَّة.
النوع الثاني: تسلم دية رقيق، وذلك بقدر ما بقيَ من رقه.
قال في شرح الإقناع: ومن نصفه حر، ونصفه رقيق، فعلى قاتله نصف دية حر، ونصف قيمته.
٣ - وقال: أمَّا المكاتَبُ والمدبَّر وأمُّ الولد، فقال في شرح الإقناع: والمدبر، والمكاتب، وأم الولد، والمعلق عتقه بصفة عند وجودها -فكالقن؛ لحديث: "المكاتب قِن ما بقيَ عليه درهم"، والباقي بالقياس عليه.
٤ - ما ذكره صاحب الإقناع مخالفٌ للحديث الَّذي جعل حكم ديته كدية المدبر، وأم الولد، وهو في الحقيقة مخالف لهما؛ لأَنَّه عتق منه بقدر ما سلَّم، والحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا؛ أمَّا المدبَّر، والمعلَّق عتقه بصفة لم توجد، وأم الولد: فهؤلاء لا زالوا أرقاء لم يأتِ الوقت الَّذي يعتبرون فيه أحرارًا بخلاف المكاتب.
ولذا فالرَّاجح: أنَّ المكاتب من حيث الدية حكمه حكم المبعَّض فيما نصَّ عليه الحديث.
стр. 3716
١٢٤٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵄ قَالَ: "مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عنْدَ مَوْتهِ دِرْهَمًا، وَلاَ دِينَارًا، وَلاَ عَبْدًا، وَلاَ أَمَةً، وَلاَ شَيْئًا، إِلاَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلاَحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- بَغْلَتَهُ البيضاء: البغل: حيوان، أمه فرس، وأبوه حمار، فهو متولِّد منهما، وهي البغلة التي أهداها المقوقس صاحب الإسكندرية للنَّبي ﷺ .
- صَدَقة: هي أرضه ﷺ في قرية فدك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث من أدلَّة ما عليه النَّبي ﷺ من إعراضه عن الدنيا الفانية إلى الدَّار الباقية، وتقلُّله منها، وشمائله في هذا الباب كثيرة، وأخباره مشهورة، صلوات الله وسلامه عليه، فإن مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء] نصب عينيه؛ فكان ﷺ خُلُقه القرآن.
٢ - فالحديث يبين أنَّه ﷺ توفيَ ولم يخلِّف عند موته درهمًا، ولا دينارًا، ولا عبدًا، ولا أمة، ولا شيئًا.
وإنَّما الَّذي ترك هو شيء من عدة سلاحه للجهاد في سبيله، وهو بغلتُهُ، وسلاحُهُ، وأرضٌ جعلها بعده صدقة؛ لأَنَّه ﷺ قال: "لا نُوْرَثُ، ما تركناه فهو صدقة" [رواه البخاري (٣٠٩٢) ومسلم (١٧٥٨)].
٣ - الشَّاهد من الحديث إثبات الرق في الإسلام، وإثبات العتق أيضًا؛ فإنَّ النَّبي ﷺ ملك رقيقًا؛ ولكنَّه أعتقه.
стр. 3717
باب أحكام أم الولد
مقدمة
الأحكام: جمع حكم، وهو لغة: القضاء والحكمة.
واصطلاحًا: خطاب الله المفيد فائدة شرعية.
وأحكام أم الولد: هو جواز الانتفاع بها، وتزويجها، وتحريم بيعها، ونحو ذلك.
الأم: تجمع على أمات باعتبار اللفظ، وتجمع على أمهات؛ لأنَّ أصلها أُمَّهَةٌ؛ لأَنَّ الجمع يردُّ الشيء إلى أصله.
أم الولد: هي مَنْ ولدت ما فيه صورة إنسان، ولو كانت الصورة خفية وميتًا من مالك، ولو كان مالكًا بعضها.
قال عمر ﵁: "إذا ولدت الأمة من سيدها، فقد عَتقت، وإنْ كان سقطًا".
قال الموفق: لا أعلم خلافًا بثبوت حكم الاستيلاد.
قال الوزير: اتفقوا على أنَّها لا تباع أمهات الأولاد، وأنَّها حرَّة من رأس مال سيدها إذا مات.
ويتبعها ولدها من غير سيدها بعد إيلادها، فيعتق بموت سيدها.
ويجوز من التصرف فيه ما يجوز فيها، ويمتنع فيه ما يمتنع فيها.
وأمَّا ولدها قبل إيلادها من سيدها: فلا يتبعها، وليس حكمه حكمها.
стр. 3718
١٢٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِن سَيِّدِهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتهِ" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ ﵁ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث موقوف.
قال المؤلِّف: أخرجه ابن ماجه، والحاكم، وصحَّحه؛ ولكن رده الذهبي، وذلك لأَنَّ في سنده الحسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف جِدًّا، ورجَّح جماعةٌ وقفه على عمر، ﵁.
وقال الحافظ في التلخيص: الصحيح أنَّه من قول ابن عمر، وذكر ضعف الطرق المرفوعة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأمة إذا ولدت من سيدها ما فيه خلق الإنسان، ولو أنَّها صورة خفية لم يبن إلاَّ بعض تخطيطها، فهي أم ولد، تعتق مبدئيًا بولادة الجنين، ولو ميتًا، وتكمل حريتها بوفاة سيدها.
٢ - أمَّا أحكامها فهي في الوطء، والخدمة، وتأجيرها، وإعارتها: كأحكام القن؛ ذلك أنَّها مملوكة لسيدها، فتبقى كذلك إلى كمال عتقها بموته.
٣ - أمَّا أحكام أم الولد في نقل الملك في رقبتها من بيع، أو وقف، أو هبة، أو
стр. 3719
جعلها صداقًا، أو عوض خلع ونحوه، أو عقود يراد بها نقل الملك؛ كالرهن والوصية-: فلا تصح؛ لأَنَّها استحقت أنْ تعتق بموته، وبيعها ونحوه يمنع ذلك.
قال الوزير: اتفقوا على أنَّ أمهات الأولاد لا يُبَعْنَ.
قال ابن رشد: الثَّابت عن عمر أنَّه قضى أنَّها لا تباع، وأنَّها حرَّة من رأس مال سيدها إذا مات، وروي مثله عن عثمان، وهو قول أكثر التابعين، وجمهور فقهاء الأمصار، وحكى ابن عبد البر، وأبو حامد الإسفراييني، وأبو الوليد الباجي، وابن بطال، والبغوي، وغيرهم: الإجماع على أنَّه لا يجوز بيعها، ولا نقل الملك فيها.
***
стр. 3720
باب التدبير
مقدمة
التدبير: مصدر دبَّر العبدَ، والأمةَ تدبيرًا: إذا علق عتقه بموته؛ لأَنَّه يعتق دبر حياته، فالممات دبر الحياة.
واصطلاحًا: تعليق العتق بموت المعتق.
والأصل فيه: أنَّ رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر، لم يكن له غلام غيره، فبلغ النَّبي ﷺ فقال: "من يشتريه منِّي؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، وقال: أنت أحوج" [رواه البخاري (٦٧١٦) ومسلم (٩٩٧)].
ويعتبر لعتق المدبر: خروجه من الثلث بعد الديون، ومؤن التجهيز، سواء دبَّره في الصحة أو المرض؛ لأَنَّه تبرع بعد الموت أشبه الوصية، بخلاف العتق المنجز في الصحة؛ فإنَّه لم يتعلَّق به حق الورثة، فنفذ في جميع المال؛ كالهبة المنجزة.
***
стр. 3721
١٢٤٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبيلِ اللهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ -أَظَلَّهُ اللهُ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
وأصله في الصحيحين إلاَّ المكاتب.
قال في التلخيص: رواه الحاكم من حديث سهل بن حنيف بلفظ ... وذكر الحديث، ورواه البيهقي عنه به.
قال المؤلف: صحَّحه الحاكم. اهـ. والذهبي في موضع سكت عنه، وفي موضع قال: بل فيه عمرو بن ثابت رافضي متروك، ورمز السيوطي لصحته في الجامع الصغير، وقال المناوي: حديثه حسن، ورواه الحاكم من غير طريق عمرو بن ثابت، وسنده حسن.
* مفردات الحديث:
- غارمًا في عُسْرته: وهم المدينون، وهما قسمان:
أحدهما: غارمٌ لإصلاح ذات البين.
والثاني: غارمٌ لإصلاح نفسه.
فالأوَّل: لا تشترط عسرته، والثَّاني: لا يعطى إلاَّ إذا كان معسرًا، لا يجد سدادًا لدينه وغرامته.
стр. 3722
- مكاتبًا في رقبته: المراد به الرقيق المكاتب في الَّذي لا يجد وفاء ليؤدي دين كتابته، وتحرير رقبته، فيعطى ما يفي به دين كتابته.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث فيه ثلاثة من فضائل الأعمال:
الأولى: من أعان مجاهدًا في سبيل الله، فإنَّ الله تعالى يظله يوم لا ظلَّ إلاَّ ظله؛ ذلك أنَّ الجهاد في سبيل الله هو رأس الأعمال الصَّالحة وذروتها، فمن أعانه على جهاده بمالٍ، أو استخلافٍ في أهله، أو غير ذلك، نال هذا الأجر العظيم في ذلك اليوم الشديد؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقد جاء في الصحيحين، من حديث زيد بن خالد الجهني، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من جهَّزَ غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيًا في أهله بخيرٍ فقد غزا".
الثانية: مساعدة الغارم، وهو المدين الَّذي بقي بذمته غرامات، أو ديات بسبب تحمله ذلك للإصلاح بين قبيلتين، أو أهل بلدتين.
فهذان الفرعان من الغارمين من أعانهم على ضيقة الأوَّل وعسرته، وعلى مروءة الثَّاني وإصلاحه، فإنَّ الله تعالى يظله بظلِّه يوم لا ظلَّ إلاَّ ظله.
وهؤلاء الغارمون جعل الله تعالى لهم نصيبًا من الزكاة؛ فقال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠].
وقد جاء في مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "مَنْ نفَّس عن مسلمٍ كربةً من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
وجاء في مسند أحمد (١١٨٦٩) وسنن أبي داود (١٦٤١) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ المسألة لا تحل إلاَّ لثلاثة: لذي فقرٍ مدقعٍ، أو لذي غرمٍ مفظع، أو
стр. 3723
لذي دمٍ موجعٍ"؛ وهذا الَّذي أشار إليه الحديث الأخير هو الغارم لنفسه فيعطى ما يسد به دينه.
الثالثة: إعانة المكاتب على فكاك رقبته من الرق.
والرقيق: معدوم الحرية، ناقص التصرف، محبوسٌ على أعمال سيده، فإذا عَتَقَ، مَلَكَ نفسه، ورجعت إليه حريته من سجن الرِّق، وانحل من غل العبودية.
ففكاك المكاتب من أَجَلِّ الطَّاعات، وأفضل القربات، وأعظم الحسنات. قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البلد: ١٣]، وجاء في سنن الترمذي (١٦٥٥) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ثلاثةٌ كلهم حقٌّ على الله أنْ يعينهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتَب الَّذي يريد الأداء، والنَّاكح المتعفِّف".
٢ - فهذه الأعمال الثلاثة عظيمة الفضل، كبيرة الأجر، ومن أعان عليها، أو على شيءٍ منها، فقد أتى بابًا كبيرًا من أبواب الإحسان.
٣ - الشَّاهد من الحديث للباب هي الخصلة الأخيرة.
والله الموفق.
انتهى كتاب العتق
***
стр. 3724
كتاب الجامع
مقدمة
هذا الكتاب جمع ستَّة أبوابٍ من آداب النفس البشرية:
أحدها: الأدب.
الثاني: البر والصلة.
الثالث: الزهد والورع.
الرَّابع: الترهيب من مساوىء الأخلاق.
الخامس: الترغيب في مكارم الأخلاق.
السادس: الذكر والدعاء.
وهذه الأبواب تدور على تهذيب النفس، وإقامة السلوك، وتصحيح المنهج، وسيأتي بيان كل بابٍ في مكانه، إنْ شاء الله تعالى.
***
стр. 3725
باب الأدب
الأدب: بفتح الهمزة والدَّال، مصدر أَدُبَ الرجلُ، بكسر الدَّال وضمها، أي: صار أديبًا في خُلُق، أو علم.
قال ابن حجر في الفتح: الأدب: استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وهو الأخذ بمكارم الأخلاق، وهو الهدى الَّذي كمَّل الله به نبيه محمدًا ﷺ حينما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم]. ووصفته عائشة ﵂ بقولها: "كان خلقه القرآن" [رواه مسلم (٧٤٦)].
وهو النهج الَّذي يحاول أنْ يسير عليه أرباب القلوب، وعلماء السَّيْر، والسلوك إلى الله تعالى.
قال السَّفَاريني في "شرح منظومة الآداب": أدب أهل الدِّين مع العلم رياضة النفس، وتأديب الجوارح، وتهذيب الطباع، وحفظ الحدود، وترك الشهوات، وتجنب الشبهات، وحفظ القلوب، واستواء السريرة والعلانية.
قال الغزالي: الخلق الحسن: صفة سيد المرسلين، والأخلاق السيئة: هي السموم القاتلة، والمخازي الفاضحة؛ فحسن الخلق هو الصورة الباطنة في الإنسان، ولا تزكو النفس إلاَّ بالمجاهدة، ومن غلبت عليه البطالة، استثقل المجاهدة، والرياضة، والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق، وزعم أنَّ الأخلاق لا يتصور تغييرها.
ونقول له: لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير، لبطلت الوصايا والمواعظ، ولما قال النَّبي ﷺ لمعاذ بن جبل: "يا معاذ، حَسِّنْ خلقك".
والطاعات: هي صقال القلوب وشفاؤها، والمعاصي؛ هي أدرانها وأمراضها، واعتدال الأخلاق هو صحة النفس، والميل عن الاعتدال سقمٌ ومرض.
стр. 3726
١٢٤٩ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :"حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- إذا دعاك فأجبه: أجاب الدَّاعي إجابة، مصدر، والاسم: الجابة، بمنزلة الطاعة، تقول: منه إجابة، وأجاب عن سؤاله، والاستجابة بمعنى الإجابة، وأصله: أجابه إجْوَابًا، حذفت الواو، وعوضت عنها التاء؛ لأنَّ أصلها أجوف واوي.
- وإذا عَطَسَ فحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْه: العطاس: اندافع الهواء من الأنف بعنف لعارض.
فَشَمِّته: بالشين المعجمة، ثمَّ ميم مشدَّدة، من التشميت، والتفعيل يجيء للسلب، والمراد هنا: إزالة شماتة الأعداء عنه بالدعاء له بالخير، لاسيما بلفظ: يرحمك الله، ويأتي بالسين المهملة، ولكن بالشين المعجمة أفصح.
قال في تهذيب اللغة: سمَّته بالسين والشين: إذا دعا له.
وقال أبو عبيد: بالشين المعجمة أعلى وأفشى.
- وإذا فمرض فعُدْه: عاد المريض يعوده عيادة: إذا زاره في مرضه، وسأل عن حاله، وأصل العيادة عِوَادَةٌ، قلبت الواو ياء؛ لكسر ما قبلها؛ طلبًا للخفة.
стр. 3727
* ما يؤخذ من الحديث:
الدِّين الإسلامي دين المحبَّة، والمودة، والإخاء، يحث عليها، ويرغب فيها؛ لذا فإنَّه شرع الأسباب التي تحقق هذه الغايات الشريفة.
وإنَّ من أهمها القيامِ بالواجبات الاجتماعية بين أفراد المسلمين، من إفشاء السلام، وإجابة الدعوة، والنصح في المشورة، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة.
هذا الحديث الَّذي معنا أكَّد هذه الحقوق، ونحن نعرضها واحدًا واحدًا إنْ شاء الله تعالى:
الأوَّل: السلام؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١] , وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
وجاء في صحيح مسلم (٥٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلوا الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا، أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السَّلام بينكم".
فالتحية المباركة الطيبة جعلها الله رابطة مودة، وحب، وإخاء بين المسلم والمسلم، وبين القلب والقلب.
لذا يحسن أنْ تؤتى بألفاظها، ومعانيها الكاملة، وهي: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
قال في الإقناع: "وابتداء السلام سنة، ومن الجماعة سنة كفاية، ولو سلَّم على إنسان، ثمَّ لقيه عن قُربٍ، سُن أنْ يسلِّم عليه ثانيًا، وثالثًا، وأكثر، ولا يترك السلام إذا كان على ظنِّه أنَّ المسلم لا يرد عليه".
ورد السَّلام فرض عين على المنفرد، وفرض كفاية على الجماعة.
стр. 3728
وتزاد الواو في رد السلام وجوبًا.
ويكره أنْ يسلم على امرأةٍ أجنبية إلاَّ أنْ تكون عجوزًا، أو برزة.
ويكره على تالٍ، وذاكرٍ، وملبٍّ، ومحدِّثٍ، وخطيبٍ، وواعظٍ، ونحوهم، وعلى من يسمع لهم.
والهجر المنهي عنه يزول بالسلام.
ويسن أنْ يسلِّم عند الانصراف، وإذا دخل بيته، أو بيتًا خاليًا، أو مسجدًا خاليًا، قال: السَّلام علينا، وعلى عباد الله الصَّالحين.
ويجزىء: "السَّلام عليكم"، وفي الرد: "وعليكم السَّلام"، وكماله: "السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، والجواب مثله.
ولا يجوز مصافحة المرأة الأجنبية الشَّابة.
وتسن مصافحة الرجل للرجل، والمرأة للمرأة، ولا ينزع يده من يد مصافحه حتَّى ينزعها إلاَّ لحاجة.
ولا بأس بالمعانقة، وتقبيل الرأس واليد لأهل العلم، والدِّين ونحوهم.
الثاني: "إذا دعاك فأجبه"؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وجاء في سنن أبي داود (٣٧٤١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "فمن دعي فلم يجب، فقد عصى الله ورسوله"، ولمسلم: "إذا دعا أحدكم أخاه، فليُجب"، وفي لفظ: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس، فليجب".
قال في الإقناع: والإجابة إلى وليمة العرس واجبة إذا عيَّنه دل مسلم، يحرم هجره، ومكسبه طيب، في اليوم الأوَّل، وهو حق الدَّاعي تسقط بعفوه، وإنْ كان المدعو مريضًا، أو ممرضًا، أو مشغولًا بحفظ مال، أو كان في شدَّة حر، أو برد، أو مطر يبل الثياب، أو كان أجيرًا ولم يستأذن المستأجر -لم تجب الإجابة.
стр. 3729
والإجابة في دعوة العرس واجبة -كما تقدَّم- وفيما عداها من الدعوات المباحة مندوبة.
الثالث: "إذا استنصحك فانصحه"؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال عن أخلاق الأنبياء -عليهم الصَّلاة والسَّلام-: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف].
وجاء في البخاري (٥٧)، ومسلم (٥٦) من حديث جرير بن عبد الله، قال: "بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكلِّ مسلم".
وجاء في البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) عن أنس عن النَّبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتَّى يُحِب لأخيه ما يحب لنفسه".
وروى مسلم في صحيحه (٥٥) من حديث تميم الدَّاري؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الدِّين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".
فالنصيحة: هي عماد الدِّين وقوامه.
والنصيحة لعامَّة المسلمين: هي إرشادهم لصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وإعانتهم عليها، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفقٍ وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتَخَوُّلهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأنْ يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه.
والنصيحة فرض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي، سقطت عن غيره. وهي لازمة على قدر الطَّاقة.
ومعنى الحديث: أنَّه إذا طلب منك النصيحة، فيجب عليك أنْ تنصح له،
стр. 3730
وأمَّا بدون طلب، فلا يجب، ولكن النَّصيحة من أخلاق الإسلام الفاضلة، فالدَّال على الخير كفاعله.
الرَّابع: "إذا عطس فحَمِدَ الله فشمتْه"؛ صفة ذلك كما جاء في صحيح البخاري (٦٢٢٤) عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه: يرحمك الله، وليقل: يهديكم الله، ويُصْلحُ بالَكم".
قال النووي: إنَّه متَّفق على استحبابه.
قال في الإقناع: وإذا عطس، خمَّر وجهه، ولا يلتفت، ويحمد الله.
وتشميته فرض كفاية، ويكره أنْ يشمت من لم يحمد الله، لكن يعلِّم الصغير أنْ يحمد الله، وحديث عهد بالإسلام ونحوه.
ويشمِّت الرجل الرجلَ، والمرأةَ العجوز والبرزة، ولا يشمت الشَّابة، ولا تشمته.
فإنْ عطس ثانيًا، وثالثًا، شمته، ورابعًا، دعا له بالعافية.
الخامس: "إذا مرض فعُدْه"؛ فقد جاء في جامع الترمذي (٩٦٩) عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلمٍ يعود مسلمًا غدوةً إلاَّ صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتَّى يمسي، وإنْ عاده عشية إلاَّ صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتَّى يصبح، وكان له خريف في الجنة" حديث حسن.
قال الشيخ تقي الدِّين: الَّذي يقتضيه النص وجوب عيادة المريض، وجزم بها البخاري، وذهب جمهور الفقهاء: إلى أنَّها مندوبة، ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب.
ومفهوم الحديث: أنَّ حقَّ العيادة للمسلم، ولكنَّه ﵊ عاد يهوديًّا، كما في البخاري، وعاد عمه أبا طالب؛ كما في الصحيحين.
стр. 3731
قال في الإقناع: ويسأله عن حاله، وينفِّس في أجله بما يطيب نفسه، ولا يطيل الجلوس عنده، ويَغِبُّ بها".
جاء في البخاري (٥٧٤٣) ومسلم (٢١٩١)، عن عائشة: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعوِّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى، ويقول: "اللهم رب النَّاس، أذهب الباس، اشْفِ أنت الشَّافي، لا شافي إلاَّ أنت، شفاءً لا يغادر سَقَمًا".
السَّادس: "إِذَا ماتَ فاتَّبعْهُ"؛ فقد جاء في البخاري (١٣٢٥) ومسلم (٩٤٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ شهد الجنازة حتَّى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتَّى تدفن: فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين".
قال في الإقناع: واتباع الجنازة سنَّة، وهو حق للميت، وحق لأهله.
قال الآجري: من الخير أنْ يتبعها لقضاء حق أخيه المسلم.
ويكره رفع الصوت، والصيحة عند رفعها، ولو بقراءة، أو ذكر، ويسن أنْ يكون متخشعًا متفكِّرًا في حاله، متعظًا بالموت، وبما يصير إليه الميت، ويكره التبسم، والضحك أشد منه، والتحدث بأمر الدنيا.
***
стр. 3732
١٢٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أَجْدَر: مشتق من الجدر الَّذي هو أصل الشجرة؛ فكأنَّهُ ثابتٌ بثبوت الجدر، ومعناه: أحق وَأخلق ألَّا تحتقروا نعمة الله عليكم.
- تزدروا: يُقال: ازدراه ازدراء: احتقره واستخف به.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الطمأنينة القلبية لا تحصل إلاَّ بحسن النظر، والقناعة بما قسم الله للعبد، فإذا قنع نفسه، وألهم شعوره بنعم الله تعالى عليه، حصلت له راحة نفسية، وطمأنينة قلبية، ورضيَ بما قسم الله له؛ فلا تطمح نفسه في أمور الدنيا إلى مَنْ هم أعلى منه، ولا تمتد عيناه إلى من هم فوقه فيها.
وإذا فعل ذلك، حصل له راحةُ قلب، وطيب نفس، وهناءة عيش.
وإلاَّ فإنَّه مهْمَا حصَّل، ومهما زادت أموره الدنيوية، فإنَّه سيجد من هو أحظ منه؛ فلا يزال في شقاء قلب، وتعب ضمير، وإنهاك بدن، ولهو، وغفلة عن الاستعداد لحياته الباقية، وسعادته الدَّائمة.
٢ - النَّبي ﷺ أرشد أمَّته إلى طريق القناعة، ودلَّهم على منهج الرضا؛ فأمرهم أنْ ينظروا في أمر دنياهم إلى من هو أسفل منهم، وأقل منهم حظًّا فيها؛ فإنَّ العبد مهما افتقر، فسيجد من هو أفقر منه، ومهما مرض فسيرى من هو أشد
стр. 3733
منه مرضًا، وإنْ كان ذا عاهة، فسيجد من هو أعظم منه عاهة، وأشد بلاءً، فإذا أمعن النظر، فسيجد أنَّ الله تعالى فضَّله على كثيرٍ ممَّن خلق تفضيلا.
وهذه النظرة الحكيمة ستريح قلبه، وتسعد نفسه، وتزيده إيمانًا بربِّه، وشكرًا له على نعمه، وصبرًا على ما ابتلاه؛ ابتغاء ما عند الله تعالى.
٣ - أمَّا النظر في الطَّاعات والقربات، فينبغي أنْ ينظر إلى من هم أعلى منه، وأنْ يعتبر نفسه من المقصِّرين، وأنْ يغبطهم على سبقهم، وَيَجِّدَّ في اللحاق بهم.
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين].
وقد جاء في صحيح مسلم (٥٦٦٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز".
وجاء في البخاري (٦١٢٢) ومسلم (٢٨٢٣) عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "حُفَّت النَّارُ بالشَّهوات، وحُفَّت الجنَّة بالمكاره".
***
стр. 3734
١٢٥١ - وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَنِ البِرِّ وَالإِثْمِ؟ فَقَالَ: "البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- البِر: بكسر الباء، التوسع في فعل الخير؛ فهو اسمٌ جامعٌ للخيرات، من اكتساب الحسنات، واجتناب السيئات، والعمل الخالص الدَّائم المستمر.
- حُسن الخلق: قال ابن دقيق العيد: الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل والإحسان، وغير ذلك من صفات المؤمنين.
- الإثم: هو المعاصي والذنوب بحق الله، أو بحقِّ خلقه؛ قال ابن دقيق العيد: الإثم هو الشيء يورث نفرة في القلب، وهذا أصلٌ يتمسَّك به لمعرفة الإثم.
- حَاكَ: تردد، وتحرَّك به الخاطر في صدرك، وخشيت أنْ يكون ذنبًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
الحديث يشتمل على تفسير لفظين: "البر" و"الإثم"، وهذا معناهما:
البر: قال ابن رجب: البر يدخل فيه جميع الطاعات الباطنة؛ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والطَّاعات الظَّاهرة؛ كإنفاق الأموال فيما يحبه الله، وإقامة الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر على الأقدار؛ كالمرض والفقر، وعلى الطَّاعات، كالصبر على لقاء العدو.
وقد يكون جواب النَّبي ﷺ في حديث النواس شاملًا لهذه الخصال كلها؛
стр. 3735
لأنَّ حسن الخلق قد يُراد به التخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب بآداب الله، التي أدَّب بها عباده في كتابه؛ كما قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم].
قالت عائشة: "كان خلقه القرآن" يعني: تأدَّب بآدابه، فيعمل بأوامره، ويتجنَّب نواهيه؛ فصار العمل بالقرآن له خلقًا، كالجبلة والطبيعة، لا يفارقه.
وهذا هو أحسن الأخلاق، وأشرفها، وأجملها، وقد قيل: "إنَّ الدِّين كله خلق".
وقال ابن دقيق العيد: "البر حسن الخلق": المراد بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل والإحسان، وغير ذلك من صفات المؤمنين الَّذين وصفهم الله تعالى، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيات [الأنفال: ٢]، وقوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ الآيات [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ الآيات [الفرقان: ٦٣].
فمن أشكل عليه حاله، فليعرض نفسه على هذه الآيات، فوجود جميعها علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون بعض يدل على عدم كمالها، فليشتغل بحفظ ما وجده، وتحصيل ما فقده.
ولا يظن ظانٌّ أنَّ حسن الخلق عبارة عن لين الجانب وترك الفواحش فقط، وأنَّ من فعل ذلك، فقد هذَّب خلقه، بل حسن الخلق ما ذكرناه من صفات المؤمنين، والتخلق بأخلاقهم، ومن حسن احتمال الأذى.
وقال الشيخ أحمد حجازي في شرح الأربعين:
البر: عبارة عمَّا اقتضاه الشرع وجوبًا وندبًا؛ فهو عبارة عن الإحسان، فيدخل فيه ثلاثة: طلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل النَّدى، وأنْ يحب للنَّاسِ
стр. 3736
ما يحب لنفسه، ومنه الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والإحسان في السر، والإيثار في العسر، وحسن الصحبة، ولين الجانب، واحتمال الأذى، وفعل الواجبات، واجتناب المحرمات.
الإثم: هو ما أثَّر في الصدور، وجاء ضيقًا واضطرابًا، فلم ينشرح له الصدر، مع هذا فهو عند النَّاس مستنكر، بحيث يكرهونه عند اطلاعهم عليه، وهذا هو أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر النَّاس فاعله، وغير فاعله.
ومن هذا قول ابن مسعود: "ما رآه المؤمنون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا، فهو عند الله قبيح".
وفي الجملة: فما ورد النص به فليس للمؤمن فيه إلاَّ طاعة الله ورسوله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وينبغي أنْ يتلقَّى ذلك بانشراح الصدر والرضا؛ فإنَّ ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
وأمَّا ما ليس فيه نصٌّ من الله ورسوله، ولا عمَّن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن -المطمئن قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين- منه شيءٌ، وحاك في صدره بشبهة موجودة، ولم يجد من يفتيه فيه بالرخصة، ولا من يخبره عن رأيه، وهو ممَّن لا يوثق بعلمه وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى: فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره، وإنْ أفتاه هؤلاء المفتون.
وقال الشيخ أحمد حجازي: الإثم: هو الذنب، وما حاك، أي: رسخ، وأثَّر في النفس اضطرابًا، وقلقًا، ونفورًا، وكراهية بعدم طمأنينتها، وكرهت أنْ
стр. 3737
يطلع عليه وجوه النَّاس وأماثلهم الَّذين يسخرون منه؛ وذلك أنَّ النَّفس لها شعور من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته، وما تذم عاقبته، ولكن غلبت عليها الشهوة حتَّى أوجبت لها الإقدام على ما يضرها.
ووجه كون كراهة النَّاس على الشيء يدل على أنَّه إثم: أنَّ النَّفس بطبعها تحب الاطلاع على خيرها، وتكره ضد ذلك.
ومن ثم أهلك الرياءُ -أكثر النَّاس، فبكراهتها اطلاع النَّاس يعلم أنَّه شرٌّ وإثم.
***
стр. 3738
١٢٥٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً، فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ يُحْزِنُهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالَّلفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- فلا: الفاء هنا رابطة لجواب إذا.
- لا: ناهية، يطلب بها ترك الفعل؛ فهي جازمة.
- يتناجَ: بجيم فقط، فهي مجزومة، كما في بعض نسخ البخاري؛ ولكنَّها عند الأكثر بألف مقصورة، فهو بلفظ الخبر؛ كما أوضح ذلك في فتح الباري.
- تختلطوا: الخلط مصدر خلط يخلط، من باب ضرب، فالاختلاط هنا الاجتماع بالنَّاس.
- من: بكسر الميم، وسكون النون، لها عدَّة معانٍ؛ أحدها: أنْ تكون للتعليل، وهي المرادة هنا.
- حتَّى: حرف يأتي لعدَّة معاني، والمراد به هنا أنَّها: للغاية؛ فهي بمعنى "إلى".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الإسلام يأمر بجبر القلوب، وحسن المجالسة والمحادثة، وينهى عن كل ما يسيء إلى المسلم ويحزنه، ويوجب له الظنون؛ فمِن ذلك: أنه إذا كانوا ثلاثة، فإنه إذا تناجى اثنان وتسارَّا دون الثالث الذي معهما، فإن ذلك يسيئه ويحزنه، ويشعره بأنه لا يستحق أن يدخل معهما في حديثهما؛ كما يشعره
стр. 3739
بالوحدة والانفراد.
٢ - مفهوم الحديث أنهم إذا كانوا أكثر من ثلاثة من الأربعة فصاعدًا، فلا بأس من التناجي والتسارِّ.
وآداب المجالس هي الأنس والانبساط من الجميع، وتبادل الأحاديث المفيدة والنكات اللطيفة، والمزاح المعتدل إذا كان بين الأصحاب الذين ارتفعت بينهم الكلفة.
٣ - ومن التناجي المكروه: أن يتكلم بلغة لا يحسنها الثالث الذي معهما؛ فهذه لها حكم التسارِّ والتناجي الممقوت.
٤ - ظاهر الحديث: أن التناجي المذكور محرَّم؛ لأن النهي يقتضي التحريم، فإن لم يصل إلى درجة التحريم، فأقل الأحوال الكراهة الشديدة.
***
стр. 3740
١٢٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- تفسَّحوا: يقال: فسح له في المجلس يفسح فسحًا، من باب نفع: وسَّع وفرَّج له عن مكان يسعه.
- توسَّعوا: يُقال: وسع يسع سعة، من باب علم، وتوسَّع القوم في المجلس، أي: تفسحوا فيه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث فيه أدبان من آداب المجالس:
الأوَّل: أنَّه لا يحل للرَّجل أنْ يقيم الرجل الآخر من مجلس سبقه إليه قبله، ثمَّ يجلس فيه، فمن سبق إلى مباح، فهو أحق به، و"من سبق إلى ما لم يُسْبَقْ إليه، فهو له" سواءٌ كان المقيم وجيهًا، أو غير وجيه؛ فإنَّ السَّابق أحق بمكانه، سواءٌ أكان في مسجد، أو مجلس، أو حفل، أو غير ذلك.
الثاني: أنَّ المتعين على الحضور أنْ يتفسَّحوا للقادم حتَّى يوجدوا له مكانًا بينهم؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١].
قال القرطبي: أمر الله المسلمين بالتعاطف والتآلف حتَّى يفسح بعضهم لبعض؛ حتَّى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله ﷺ ، والنظر إليه.
стр. 3741
٢ - قال: الصحيح أنَّ الآية عامَّةٌ في كلِّ مجلس، اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء أكان مجلس حرب، أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة، فإن كل واحد أحق بمكانه الَّذي سبق له؛ قال ﷺ : "مَن سبق إلى ما لم يُسْبَقْ إليه، فهو أحق به" [رواه أبو داود (٣٠٧١)].
٣ - وقال أيضًا: قال علماؤنا: هذا يدل على صحَّة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أنْ يقوم منه؛ لأَنَّه إذا كان أولى به بعد قيامه، فقبله أولى به.
***
стр. 3742
١٢٥٤ - وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكمْ طَعَامًا، فَلاَ يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يَلْعَقها أَوْ يُلْعِقها: الأوَّل من الفعل الثلاثي "لعق"؛ فهو بفتح الياء، والثَّاني من الرباعي "ألعق"؛ فهو مضموم الياء، فالأوَّل: يلعقها بنفسه، والثَّاني: يُلْعِقها زوجته، أو ولده، أو خادمه، واللَّعْقُ: تتبُّعُ ما عليها من طعام بلسانه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - نعمة الله تعالى في الطعام والشراب لها حرمتها وكرامتها، ومن ذلك: أنَّ الآكل إذا لم يلعق ما بأصبعه، أو يده من بقايا الطعام، فإنَّه لا ينبغي أنْ يغسل يده، فيجري الطعام مع المياه الوسخة، والأقذار، والأبوال، فإنَّ هذا من كفران النعمة وإهانتها؛ ولكن عليه أنْ يلعق يده وأصابعه حتَّى لا يبقى فيها أثر من الطعام الرَّاسخ، أو يُلْعِقها من له عليه دالَّة وميانة؛ كالولد، والزوجة، والخادم، ونحوهم.
٢ - إنْ لم يحصل هذا كما هو الحال في زماننا من إهمال كثيرٍ من السنن، فأقل أحوال الآكل أنْ يمسح بقية الطعام من يده بالمناديل التي تلقى بأمكنة طاهرة نظيفة، ثمَّ يغسل يديه بعد ذلك، والأفضل اتباع السنة.
٣ - بعضهم فهم أنَّ المراد بلعق اليد بعد الطعام: أنَّ ذلك لأجل قلَّة الماء، وأنَّه جعل اللعق بدل الغسل حتَّى لا يبقى على يديه أثر الطعام، والحق: أنَّ
стр. 3743
المراد هو الأوَّل، والله أعلم.
٤ - جاء في البخاري (٢١١) ومسلم (٣٥٨) أنَّ النَّبي ﷺ شرب لبنًا، وتمضمض، وقال: "إنَّ له دسمًا".
قال في الآداب الشرعية: لذلك ينبغي أنْ يتمضمض بعده بالماء من كل ما له دسم؛ لتعليله ﷺ .
***
стр. 3744
١٢٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِيُسَلِّم الصَّغِيْرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "وَالرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي" (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يفيد الترتيب المندوب في حقِّ البداءة بالسلام؛ فذكر أربعة أنواع فيها:
أحدها: أنَّ حقَّ التكرمة هي من الصغار للكبار، فعلى الصغير أنْ يجل الكبير، ويبدأه بالسَّلام والتحية.
الثاني: أنَّ المارَّ الَّذي يتخطَّى أمام القاعد، هو الَّذي ينبغي له البداءة بالسَّلام؛ لأنَّه بمنزلة القادم عليه.
الثالث: أنَّ الكثير هو صاحب الحق على القليل؛ فالأفضل للقليل أنْ يكون هو البادىء بالسَّلام؛ لأنَّ القليل ينوي الجمع كله ببداءة السَّلام، فيشملهم جميعًا.
الرَّابع: أن الرَّاكب له مزية الاعتلاء، وفضل الركوب؛ فكان البدء بالسلام من أداء شكر الله تعالى على نعمته عليه؛ ليشعر الماشي بعدم الزهو والكبر؛ فإنَّ عليه أنْ يتواضع، فيبدأ بالسَّلام على الماشي.
٢ - قال في شرح الإقناع: ويسن أنْ يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والماشي على الجالس، والرَّاكب على الماشي؛ للحديث، فإنْ
стр. 3745
عكس؛ بأن سلم الكبير على الصغير، والكثير على القليل، والقاعد على الماشي، والماشي على الرَّاكب، حصلت السنَّة؛ للاشتراك في الأمر بإفشاء السَّلام، والأوَّل أكمل في السنة؛ لامتيازه بخصوص الأمر السَّابق.
٣ - هذا إذا تلاقوا في الطريق ونحوها، أمَّا إذا وردوا على قاعد أو قعود، فإنَّ الوارد يبدأ مطلقًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، أو راكبًا، أو قليلاً، وضدهم.
***
стр. 3746
١٢٥٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُجْزِىءُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِىءُ عَنِ الجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالبَيْهَقِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن بمجموع طرقه.
وقد أخرجه أبو داود، وأحمد، والبيهقي، وأبو يعلى، والضياء في المختارة، ونقل عن النيسابوري، قال: هذا حديث حسن، وحسَّنه الحافظ في "نتائج الأفكار".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدَّم أنَّ الابتداء بالسَّلام سنة كفاية، إذا قام به أحد المسلمين، كفى عن الباقين، وإنْ حصل السَّلام منهم، كان أفضل.
٢ - وأنَّ الجواب فرض كفاية، إذا قام به واحدٌ منهم، كفى عن الباقين، ولكن الأفضل أنْ تكون الإجابة من الجميع.
٣ - والحديث الَّذي معنا يبين الحد الأدنى من المجزىء.
٤ - قال في شرح الإقناع: وابتداء السَّلام من جماعة سنة كفاية، والأفضل السَّلام من جمعهم؛ لحديث "أفشوا السلام" [رواه مسلم (٥٤)].
ورده فرض عين على المنفرد، وفرض كفاية على الجماعة المسلَّم عليهم، فيسقط برد واحد منهم.
٥ - اختلف العلماء في معنى السَّلام، فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله؛
стр. 3747
السَّلام عليك، يعني؛ أنت في حفظ الله.
تقول له: الله يصحبك، الله معك.
وقال بعضهم: إنَّه بمعنى السَّلامة، أي: السَّلامة ملازمة لك.
***
стр. 3748
١٢٥٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَبْدَؤُوا اليَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى بالسَّلاَم، وَإِذَا لَقيْتُمُوهُمْ في طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جاء في سنن الدَّارقطني (٣/ ٢٥٢) من حديث عائذ المزني، أنَّ النَّبي ﷺ قال: "الإسلاَم يعْلُو، وَلاَ يُعْلَى".
٢ - فيه دليلٌ على أنَّ اليهود والنصارى إذا صاروا ذميين في حماية الإسلام مقابل الجزية، وساكنوا المسلمين في ديارهم: أنَّ لهم أحكامًا خاصَّة ذكرت في باب أحكام أهل الذمة.
٣ - من تلك الأحكام: أنَّ الكتابي إذا قابل المسلم في الطريق، فإنَّ المسلم يلجئه إلى أضيق الطريق، ويكون وسط الطريق وسعته للمسلم؛ إشعارًا بعزَّة الإسلام عليهم، ولعلَّ في هذه المضايقات لهم ما يدفعهم إلى الإسلام؛ لأنَّه ليس بينهم وبين هذه العزَّة إلاَّ الدخول في الإسلام، ليكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم.
٤ - هذه الأحكام الآن معطَّلة بسبب ضعف الإسلام، وتبعية المسلمين للأمم الكافرة؛ ولكنَّنا لا نيأس أنْ يعود للإسلام عزَّته، وغلبته، وسيادته؛ فقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ [التوبة].
٥ - وفي الحديث النَّهي عن بداءة اليهود والنَّصارى بالسَّلام، فإنْ بدؤوا
стр. 3749
بالسلام، فقد جاء في البخاري (٦٢٥٨) ومسلم (٢١٦٣) من حديث أنس؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذَا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم".
وإثبات الواو في الرد عليهم: هو مذهب جمهور العلماء، وذهب بعضهم: إلى حذفها، والنص أولى بالاتباع، والله أعلم.
***
стр. 3750
١٢٥٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ للهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُل لَهُ: يَهْدِيكُمُ اللهُ، وَيُصْلحُ بَالَكُمْ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يصلح: يُقال: صلح الشيء يصلُح ويصلَح، من بابي نصر وفتح، ومصدره صلاحٌ وصلوحٌ، والصَّلاح ضد الفساد.
- بالكم: البال: القلب، والحال، والشَّأن؛ يُقال: رجل رضي البال، أي: واسع الحال، فالمعنى: يصلح قلبكم وحالكم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - العطاس: زفير مفاجىء قوي يخرج عن طريق قصبة الأنف دون إرادة الشخص، ينشأ عن تهيُّج الغشاء المخاطي للأنف، أو يخرج مرضًا؛ كما يحدث في الزكام، وانحباسه يحدث خمولاً في الجسم، أمَّا خروجه: فيحس العاطس بعده بخفة في بدنه.
٢ - لذا استحب للعاطس أنْ يحمد الله تعالى: أنْ سهَّل خروج الأبخرة من جسمه، فيقول سامعه: يرحمك الله، وهو دعاء مناسب لمن عوفي في بدنه، ثم يجيب العاطس، فيقول؛ يهديكم الله، ويصلح بالكم.
وجواب العاطس كإجابة المسلَّم عليه للمسلِّم، ويكون بدعاء مشابه لدعائه.
٣ - قال في الآداب الشرعية: قال ابن هبيرة: إذا عطس الإنسان، استدل بذلك