← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

١٢٥٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُجْزِىءُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِىءُ عَنِ الجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالبَيْهَقِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن بمجموع طرقه. وقد أخرجه أبو داود، وأحمد، والبيهقي، وأبو يعلى، والضياء في المختارة، ونقل عن النيسابوري، قال: هذا حديث حسن، وحسَّنه الحافظ في "نتائج الأفكار". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدَّم أنَّ الابتداء بالسَّلام سنة كفاية، إذا قام به أحد المسلمين، كفى عن الباقين، وإنْ حصل السَّلام منهم، كان أفضل. ٢ - وأنَّ الجواب فرض كفاية، إذا قام به واحدٌ منهم، كفى عن الباقين، ولكن الأفضل أنْ تكون الإجابة من الجميع. ٣ - والحديث الَّذي معنا يبين الحد الأدنى من المجزىء. ٤ - قال في شرح الإقناع: وابتداء السَّلام من جماعة سنة كفاية، والأفضل السَّلام من جمعهم؛ لحديث "أفشوا السلام" [رواه مسلم (٥٤)]. ورده فرض عين على المنفرد، وفرض كفاية على الجماعة المسلَّم عليهم، فيسقط برد واحد منهم. ٥ - اختلف العلماء في معنى السَّلام، فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله؛

стр. 3747

السَّلام عليك، يعني؛ أنت في حفظ الله. تقول له: الله يصحبك، الله معك. وقال بعضهم: إنَّه بمعنى السَّلامة، أي: السَّلامة ملازمة لك. ***

стр. 3748

١٢٥٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَبْدَؤُوا اليَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى بالسَّلاَم، وَإِذَا لَقيْتُمُوهُمْ في طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جاء في سنن الدَّارقطني (٣/ ٢٥٢) من حديث عائذ المزني، أنَّ النَّبي ﷺ قال: "الإسلاَم يعْلُو، وَلاَ يُعْلَى". ٢ - فيه دليلٌ على أنَّ اليهود والنصارى إذا صاروا ذميين في حماية الإسلام مقابل الجزية، وساكنوا المسلمين في ديارهم: أنَّ لهم أحكامًا خاصَّة ذكرت في باب أحكام أهل الذمة. ٣ - من تلك الأحكام: أنَّ الكتابي إذا قابل المسلم في الطريق، فإنَّ المسلم يلجئه إلى أضيق الطريق، ويكون وسط الطريق وسعته للمسلم؛ إشعارًا بعزَّة الإسلام عليهم، ولعلَّ في هذه المضايقات لهم ما يدفعهم إلى الإسلام؛ لأنَّه ليس بينهم وبين هذه العزَّة إلاَّ الدخول في الإسلام، ليكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم. ٤ - هذه الأحكام الآن معطَّلة بسبب ضعف الإسلام، وتبعية المسلمين للأمم الكافرة؛ ولكنَّنا لا نيأس أنْ يعود للإسلام عزَّته، وغلبته، وسيادته؛ فقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ [التوبة]. ٥ - وفي الحديث النَّهي عن بداءة اليهود والنَّصارى بالسَّلام، فإنْ بدؤوا

стр. 3749

بالسلام، فقد جاء في البخاري (٦٢٥٨) ومسلم (٢١٦٣) من حديث أنس؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذَا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم". وإثبات الواو في الرد عليهم: هو مذهب جمهور العلماء، وذهب بعضهم: إلى حذفها، والنص أولى بالاتباع، والله أعلم. ***

стр. 3750

١٢٥٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ للهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُل لَهُ: يَهْدِيكُمُ اللهُ، وَيُصْلحُ بَالَكُمْ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - يصلح: يُقال: صلح الشيء يصلُح ويصلَح، من بابي نصر وفتح، ومصدره صلاحٌ وصلوحٌ، والصَّلاح ضد الفساد. - بالكم: البال: القلب، والحال، والشَّأن؛ يُقال: رجل رضي البال، أي: واسع الحال، فالمعنى: يصلح قلبكم وحالكم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العطاس: زفير مفاجىء قوي يخرج عن طريق قصبة الأنف دون إرادة الشخص، ينشأ عن تهيُّج الغشاء المخاطي للأنف، أو يخرج مرضًا؛ كما يحدث في الزكام، وانحباسه يحدث خمولاً في الجسم، أمَّا خروجه: فيحس العاطس بعده بخفة في بدنه. ٢ - لذا استحب للعاطس أنْ يحمد الله تعالى: أنْ سهَّل خروج الأبخرة من جسمه، فيقول سامعه: يرحمك الله، وهو دعاء مناسب لمن عوفي في بدنه، ثم يجيب العاطس، فيقول؛ يهديكم الله، ويصلح بالكم. وجواب العاطس كإجابة المسلَّم عليه للمسلِّم، ويكون بدعاء مشابه لدعائه. ٣ - قال في الآداب الشرعية: قال ابن هبيرة: إذا عطس الإنسان، استدل بذلك

стр. 3751

على صحة بدنه، وجودة هضمه، واستقامة قوته؛ فينبغي أنْ يحمد الله. وفي صحيح البخاري (٦٢٢٣): "إنَّ الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب"؛ لأنَّ العطاس يدل على خفة بدن ونشاط، والتثاؤب يدل غالبًا على ثقل البدن، وامتلائه، واسترخائه. وقال في شرح الأدب المفرد: قوله ﵊: "إنَّ الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب"، المحبة والكراهية منصرفان إلى أسبابهما؛ وذلك أنَّ العطاس يكون من خفة البدن وانفتاح المسام، بخلاف التثاؤب؛ فإنَّه يكون من الثقل والامتلاء، فالأوَّل يجلب النشاط للعبادة، والثَّاني يجلب الكسل والفتور، فندبت الشريعة حمد الله بعد العطاس؛ لسلامة الأعضاء، ولخفة البدن بدفع الأذى والثقل من الدماغ، وزوال مواد النزلة، وهذه كلها من منن الله تعالى، فيستحب حمد الله عليها، وظاهر الأمر الوجوب، ولكن لم يقل به أحد. قوله ﷺ : "فحقٌّ على كلِّ مسلمٍ سَمِعَهُ أنْ يشمته". قال ابن القيم: قال جماعةٌ من علمائنا: إنَّ التشميت فرض عين؛ لأنَّهُ جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحقِّ الدَّال عليه. وذهب آخرون: إلى أنَّه فرض كفاية، ورجَّحه ابن رشد، وابن العربي، وقال به أبو حنيفة، وجمهور الخنابلة، قال الحافظ: وهو الرَّاجح من حيث الدليل. ٤ - وقد جاء في السنن عند أبي داود (٥٠٢٩) والترمذي (٢٧٤٥) بسندٍ حسن، من حديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا عطس، وضع يده أو ثوبه على فمه". ٥ - قال في الآداب الشرعية أيضًا: تشميت العاطس وجوابه فرض كفاية، وهو ظاهر مذهب مالك وغيره، وقيل: سنة، وهو مذهب الشَّافعي وغيره.

стр. 3752

١٢٥٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه النَّهي عن الشرب، والأصل في النَّهي التحريم؛ ولذا ذهب الظاهرية إلى تحريم الشرب قائمًا. ٢ - أمَّا الجمهور: فحملوه على أنَّه خلاف الأولى؛ لمعارضته ما في صحيح مسلم (٢٠٢٧) من حديث ابن عباس قال: "سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم". وجاء في صحيح البخاري (٥٦١٥) "أَنَّ عليًّا ﵁ شرب قائمًا، وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت"؛ ممَّا يدل على أنَّ النَّهي ليس للتحريم. ٣ - قال في الآداب الشرعية: ويتوجَّه أنَّه ﵊ شرب قائمًا ليبين الجواز، وأنَّه لا يحرم؛ فالنَّهي للكراهية، أو لترك الأولى. قال السفَّاريني في شرح منظومة الآداب: الأخبار في الشرب قائمًا صحيحة؛ فالنَّهي محمولٌ على خلاف الأولى، وشربه ﷺ قائمًا لبيان الجواز. قال الحافظ ابن حجر: إِذَا رُحْتَ تَشْرَبُ فَاقْعُدْ تَفُزْ ... لِسُنَّةِ صُفَّةِ أَهْلِ الحِجَازِ وَقَدْ صَحَّحُوا شُرْبَهُ قَائمًا ... وَلَكِنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازْ

стр. 3753

وقال ابن القيم في الهدي: من هديه ﷺ الشرب قاعدًا حيث كان هديه المعتاد، وصحَّ عنه ﷺ أنَّه نهى عن الشرب قائمًا، وصحَّ عنه أنَّه شرب قائمًا: فقالت طائفة: لا تعارض بينها أصلاً؛ فإنَّما الشرب قائمًا للحاجة. وما قاله ابن القيم من الجمع بين النصوص بهذه الطريقة هو الأولى؛ ذلك أنَّ النَّهيَ للكراهة فقط، والكراهة تبيحها الحاجة، والمكان الَّذي عند زمزم الَّذي شرب عنده قائمًا، ليس محل جلوس، والله أعلم. ***

стр. 3754

١٢٦٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأ بالشِّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ" (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حديث عائشة الَّذي في البخاري (١٦٨) ومسلم (٢٦٨): "أنَّ النَّبيَّ ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنهِ كلَّه"، فكان ﷺ يبدأ باليمين، ويقدمها للأشياء الطيبة، ويؤخرها لما سوى ذلك؛ فكان إذا انتعل قدم اليمنى، وإذا لبس القميص قدم اليمنى، وإذا دخل المسجد قدم اليمنى. ويقدِّم الشَّمال لما سوى ذلك، فيقدمها عند دخول الخلاء، وعند الخروج من المسجد، ويقدمها عند خلع النعلين، والقميص، ونحو ذلك. ٢ - وكان يخص اليمين في الأكل، والشرب، والمصافحة، وتناول الأشياء الطيبة، ويخص الشمال للأوساخ، والأشياء المستكرهة، هذه هِيَ سنته ﷺ التي يستطيبها، ويعجبه فعلها. ٣ - وكان في الطهارة يقدِّم غسل اليد اليمنى، والرجل اليمنى، وفي حلق النسك يقدم الجانب الأيمن من رأسه على الأيسر؛ وهكذا شأنه صلوات الله وسلامه عليه. ٤ - أنَّ تقديم اليمنى في الأشياء المستطابة، وتخصيصها لها، وتخصيص الشمال للأشياء المستقذرة: هو الأفضل شرعًا وعقلاً وطبًّا؛ ولذا صارت القاعدة الشرعية المستمدَّة من سنته هي تقديم اليمين نفسها في كلِّ ما كان

стр. 3755

فعله من باب التكريم، وما كان ضدها استحب له الشِّمال. ٥ - قال ابن العربي: البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصَّالحة؛ لفظ اليمين حسًّا في القوَّة، وشرعًا في الندب إلى تقديمها. وقال الحليمي: إنَّما يبدأ بالشمال عند الخلع؛ لأنَّ اللباس كرامة، ولأنَّه وقاية، فلمَّا كانت اليمين أكرم من اليسرى، بُدِىءَ بها في اللبس، وأخرت في الخلع؛ لتكون الكرامة لها أدوم، وحصَّتها منها أكثر. ***

стр. 3756

١٢٦١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَمْشِ أَحَدُكُمْ في نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخلَعْهُمَا جَمِيعًا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (١). ــ * مفردات الحديث: - لينعلهما: ضبطه النووي بضم حرف المضارعة، من باب الإنعال، وضمير التثنية للرِّجلين، وإنْ لم يَجْرِ لهما ذكر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الإسلام كامل، ويدعو إلى الكمال، وجميل يحب الجمال؛ فإن مشي الإنسان في نعل واحدة، أو خفٍّ واحدة، ففيه مُثْلَةٌ وتشهير، ومخالفة للمعتاد؛ لذا نهى عن المشي في نعل واحدة، فإما أن ينعل الرجلين جميعًا، وإما أن يتركهما، ويكون حافيًا، وكان ﷺ تارة ينتعل، وتارة يمشي حافيًا. ٢ - الأصل في النَّهي هو التحريم، إلاَّ أنَّ جمهور العُلماء حملوا هذا النَّهي على الكراهية؛ لما روى الترمذي (١٧٧٧) عن عائشة قالت: "رُبما انقطع شسع نعل النبي ﷺ ، فمشى في النعل الواحدة حتَّى يصلحها". قال في الفروع: يكره المشي في نعلٍ واحدة بلا حاجة، ونصَّ عليه الإمام أحمد، ولو يسيرًا. ٣ - قال الخطابي: الحكمة في النَّهي: أن النَّعْل شُرِعت لوقاية الرجل عمَّا يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أنْ يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجيَّة

стр. 3757

مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار. وقيل: لأنَّه لم يعدل بين جوارحه، وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرَّأي، أو ضعفه. وقال ابن العربي: قيل: العلَّة فيه أنَّها مشية الشيطان. ***

стр. 3758

١٢٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبه خُيَلاَءَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - خُيَلاء: بضم الخاء، آخره ألف ممدودة، الخيلاء: التكبُّر والعُجْبُ بالنفس، و"خيلاء": حال من فاعل "جر". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه وعيد شديد لمن جر ثوبه خيلاء، بأنَّ الله تعالى يُعْرِض عنه، ولا ينظر إليه نظرة رحمة، وعطف، ولطف. وهذ الوعيد يدل على تحريم الإسبال، وأنَّه من كبائر الذنوب. ٢ - أجمع العلماء على تحريم إسبال الثياب تِيهًا وخيلاء، واختلفوا فيما إذا فعل ذلك من غير خيلاء: فذهب طائفة منهم: إلى أنَّ الإسبال ونزول الثوب عن الكعبين حرام، سواء فعل ذلك من أجل الكبر والخيلاء، أو فعله وليس في قلبه من ذلك شيء، وقالوا: إنَّ النصوص كلها تدل على تحريم ذلك، لكن من جرَّه جرًّا وأرخاه حتَّى لمس الأرض، فهذا هو صاحب الوعيد، الَّذي لا ينظر الله إليه، ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذابٌ أليم. وأمَّا الَّذي نزل إزاره، أو قميصه عن الكعبين فقط، فما نزل عن ذلك، فهذا الجزء الَّذي نزل إليه القميص في النَّار، وهو وعيد أخف من الأوَّل؛ لأنَّ هذا العمل أخف من العمل الأوَّل.

стр. 3759

وقالوا: لا يصلح حمل مطلق النصوص على مقيدها؛ لأنَّ من شرط حمل المطلق على المقيد هو اتحاد السبب واتحاد الحكم، وهنا لم يتحدا، فالسبب مختلف في الثوب؛ فإنَّ إسباله وجره غير نزوله عن الكعبين، والحكم مختلف؛ فكون الله تعالى لم ينظر إلى المسبل، ولا يكلِّمه، وله عذابٌ أليم، مغايرٌ ومخالفٌ لمن لا يمس العذاب منه إلاَّ أسفل كعبيه. أمَّا الطائفة الأُخرى: فذهبوا في هذه النصوص إلى حمل مطلقها على مقيدها، وأنَّ الوعيد على ذلك كله واحد، وهو الإسبال مع الخيلاء والكبر، وأنَّ الإسبال ابتداؤه ما نزل من الكعبين، وقد يطول ويقصر، وهو كله محرَّم بالنصوص، بلا تفريق بين هذا وهذا. وإنَّ القاعدة الأصولية هي حمل المطلق على المقيد، وهي قاعدة مطردة في عموم نصوص الشريعة. والشارع الحكيم لم يقيد تحريم الإسبال "بالخيلاء" إلاَّ لحكمة أرادها، ولولا هذا، لم يقيده. والأصل في اللباس الإباحة؛ فلا يحرم منها إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله، والشَّارع قصد من تحريم هذا اللبسة الخاصَّة قصد الخيلاء من الإسبال، وإلاَّ لبقيت اللبسة المذكورة على أصل الإباحة. وإذا نظرنا إلى عموم اللباس وهيئاته وأشكاله، لم نجد منه شيئًا محرَّمًا إلاَّ وتحريمه له سبب، وإلاَّ فما معنى التحريم وما الغرض منه؟! لذا فإنَّ مفهوم الأحاديث أنَّ من أسبل، ولم يقصد بذلك الكبر والخيلاء، فإنه غير داخل في الوعيد. ويؤكِّد هذا ما جاء في صحيح البخاري (٣٦٦٥) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن جرَّ ثوبه لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر الصديق ﵁: يارسول الله! إنَّ إزاري يسترخي، إلاَّ أنْ أتعاهده؟ فقال رسول الله ﷺ ؛ إنَّك

стр. 3760

لست ممَّن يفعله خيلاء". فهذا نصٌّ صحيحٌ صريحٌ في المسألة في أنَّ القصد من التحريم هو الخيلاء، لا كثرة نزول الإزار، أو قلته، وإلاَّ لقيد به. قال الإمام النووي في شرح مسلم: وأمَّا قوله ﷺ : "المسبل إزاره" فمعناه: المرخي له، الجار طرفه خيلاء؛ كما جاء مفسَّرًا بالحديث الآخر. وهذا التقييد بالجر خيلاء يخصِّص عموم من أسبل إزاره، ويدل على أنَّ المراد بالوعيد مَنْ جرَّه خيلاء، وقد رخَّص النَّبي ﷺ لأَبي بكرٍ الصديق ﵁ وقال: "لست منهم"؛ إذ كان جرَّه لغير الخيلاء. وقال الإمام ابن جرير: وذَكَرَ الإسبال للإزار وحده؛ لأنَّه كان عامَّة لباسهم، وحكم غيره من القميص حكمه. قال النووي: وقد جاء ذلك مبينًا منصوصًا عليه من كلام رسول الله ﷺ قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، فمن جرَّ شيئًا خيلاء، لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة" [رواه أبو داود (٤٠٩٤) والنسائي (٥٣٣٤) وابن ماجة (٣٥٧٦) بإسنادٍ حسن]، والله أعلم. والرَّاجح فقهًا: هو ما ذهب إليه حاملو مطلق نصوص المسألة على مقيدها، والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل. ***

стр. 3761

١٢٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فلْيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدَّم لنا في حديث عائشة الصحيح: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنهِ كله" [رواه البخاري (١٦٨) ومسلم (٢٦٨)]. ومن هذه الشؤون التي يعجبه التيمن فيها: الأكل والشرب، فكان عادته الكريمة أنْ لا يأكُل ولا يشرب إلاَّ بيمينه، وقال لعمر بن أبي سلمة: "يَاغَلاَم! سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بيمينك، وكل ممَّا يليك" [رواه البخاري (٥٣٧٦) ومسلم (٢٠٢٢)]. وقال لرجلٍ أكل عنده بشماله: "كل بيمينك، فَقَالَ: لا أستطيع -لم يمنعه إلاَّ الكبر- فقال: لا استطعت، فما رفعها إلى فمه". ٢ - وحديث الباب فيه الأمر بالأكل باليمين، والشرب باليمين؛ فيدل على أنَّ هذا للوجوب؛ لأنَّ مقتضى الأمر الوجوب، ويدل على أنَّ ضده -وهو الأكل والشرب بالشمال- حرام. ٣ - وبيَّن ﷺ أنَّ الأكل والشرب بالشمال هو عمل الشيطان، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم، والتشبه بالشياطين محرَّم لا يجوز. ٤ - قال في شرح منظومة الآداب؛ اليد اليمنى يستحب مباشرتها للخيرات،

стр. 3762

وتقديمها في القربات، فهي لما شَرُفَ، واليسرى لما خبث. فيندب تقديم اليمنى في الوضوء، والغسل، والتيمم، ولبس الثوب، والنعل، والسروال، والخف، ودخول المسجد، والمنزل، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشَّارب، وحلق الرَّأس، ونتف الإبط، والسَّلام في الصَّلاة، والأكل، والشرب، والمصافحة، والمناولة، واستلام الحجر الأسود، والركن اليماني، وما في ذلك كله. وأمَّا ما خبث من نحو تقديم رجله اليسرى، لدخول الخلاء، والحمام، والامتخاط، والاستنجاء، وما شابه ذلك، فيندب أنْ تكون باليسرى. والأصل في ذلك: قول عائشة ﵂: "كَانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلافه وما كان من الأذى" [رواه أبو داود (٣٣) وغيره بإسنادٍ صحيح]. ***

стр. 3763

١٢٦٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالْبَسْ، وَتَصَدَّقْ في غَيْرِ سَرَفٍ، وَلاَ مَخْيَلَةٍ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. عزاه الحافظ ابن حجر في الفتح أوَّل كتاب اللباس لأبي داود الطيالسي، والحارث ابن أبي أُسامة في مسنديهما، ولابن أبي الدنيا في الشكر، وهو حسنٌ أو صحيح على قاعدة ابن حجر؛ حيث أورده في زيادات الباب، وقد صحَّحه الحاكم، وقال المنذري: رواته ثقات محتجٌّ بهم في الصحيح. * مفردات الحديث: - سَرَف: بفتح السين والرَّاء: قال النحاس: أحسن تفسير للسرف أنَّه الإنفاق في غير طاعة الله تعالى. وقال العيني: السرف: صرف الشيءِ فيما ينبغي زائدًا، والتبذير: صرف الشيء فيما لا ينبغي. - المَخْيَلة: الخيلاء والتكبر والعجب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الله ﵎ أباح لعباده الطيبات من الرِّزق: من مأكلٍ، ومشربٍ،

стр. 3764

وملبسٍ، ومسكنٍ، ومركبٍ، وغير ذلك من طيبات الحياة الدنيا، ولم يحرم من ذلك إلاَّ ما فيه مضرَّةٌ على الدِّين، أو على البدن، أو العقل، أو العِرض، أو المال؛ وهي الضروريات الخمس. ٢ - وفي هذا الحديث الإباحة في أكل، وشرب، ولبس ما طابَ من متع الحياة الدنيا المباحة؛ فلا يحرم نوعٌ من الأنواع، ولا جنسٌ من الأجناس، ولا قدر معيَّنٌ منها، فالله تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ٣ - إنَّما المحرَّم من ذلك ما بلغ حدَّ الإسراف والخيلاء والاستعلاء بذلك على النَّاس، فهذا محرَّم؛ لأنَّه خروج عن حدِّ الإباحة إلى السرف؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، فالآية الكريمة أباحت الأكل، ولم تحده إلاَّ بالسرف، والسرف: مجاوزة الحد المباح. ٤ - قال الشيخ عبد اللطيف البغدادي: هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النَّفس والجسد في الدنيا والآخرة، فإنَّ السرف مضرٌّ بالجسد، ومضر بالمعيشة، ويؤدِّي إلى الإتلاف، فيضر بالنَّفس؛ إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال. والمَخْيَلة تضر بالنفس حيث تكسبها العجب، وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من النَّاس. ***

стр. 3765

باب البر والصلة ١٢٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَانْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - مَنْ أحبَّ: "من": اسم شرط جازم، "أحب": فعل الشرط، وجوابه: "فليصل رحمه". - أَنْ يُبْسَط له في رزقه: بالبناء للمجهول، أي: يوسع، قال النووي؛ بسطه وتوسيعه: كثرته، ورزقه، أي: مرزوقه، مصدر بمعنى المفعول. - أنْ يُنسَأ: مبني للمجهول، فهو مضموم الياء، ثمَّ نون ساكنة، بعدها سين مهملة، ثمَّ همزة، من الإنساء وهو التَّأخير، و"أنْ" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به. - أثره: بفتحتين، مصدر أثر، من باب قتل، أي: أجله وبقية عمره، وسمي الأجل أثرًا؛ لأنَّه يتبع العمر. - فليَصِلْ رَحِمَهُ: أمر بصلة الرحم، والصَّلة مصدر وصل، ضد قطع، وصلة الرحم: كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتفضل عليهم، والرفق بهم.

стр. 3766

- فليَصِلْ: جواب "مَنِ" الشرطية؛ فلذا دخلته الفاء، وصلة الرحم تكون بصلة ذوي القربى، وقد يكون بالمال، وبالخدمة، وبالزيارة، ونحوها. - رَحِمَهُ: الرحم في الأصل منبت الولد، ووعاؤه في البطن، ثمَّ سميت القرابة من جهة الولادة رحمًا. واختلف العلماء في الرحم، فقيل: كل ذي رحمٍ مَحْرَم، وقيل: كل وارثٍ، وقيل: هو القريب، سواء كان مُحْرَمًا أو غيره. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ٢١]. قال القرطبي: ظاهر في صلة الأرحام، وهو قول قتادة، وأكثر المفسرين، وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات. ٢ - وجاء في البخاري (٥٩٨٩) ومسلم (٢٥٥٥) من حديث عائشة ﵂ عَن النَّبيِّ ﷺ قال: "الرحم معلَّقةٌ بالعرش تقول: مَنْ وَصلني، وصله الله". ٣ - صلة الرحم سببٌ قويٌّ جعله الله في سعة رزق الواصل، وبركة في آثاره، وطول عمره؛ لاكتساب الأعمال الصَّالحة، والتزود من دار المَمَرِّ إلى دار المَقَرِّ. قال ابن علان في شرح رياض الصالحين: قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف: ٣٤]، والجمع بينهما على أحد الوجهين: الأوَّل: أن تحمل الزيادة على أنَّها كنايةٌ عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى طاعة الله، وعمارة وقته بما ينفعه، ويقرِّبه من مولاه تعالى؛ ويقوي هذا: ما جاء من أنَّه ﷺ اشتكى تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأَعمار من

стр. 3767

مضى من الأمم؛ فَأُعطيَ ليلة القدر. الثاني: أنْ تحمل الزيادة على حقيقتها، وذلك بالنسبة للأجل المعلَّق المكتوب في اللوح المدفوع للمَلَك، مثلاً: كتب أنَّه إنْ أطاع فلان، فعمره كذا، وإلاَّ فعمره كذا، والله عالمٌ بالواقع منهما، والأجل المحتوم في الآية على ما في علم الله الَّذي لا تغير فيه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد]. فالحديث فيه ما أشارت إليه أوَّل الآية من الأجل المعلَّق، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] أشار به إلى العلم الإلهي الَّذي لا تغير فيه ألبتَّة، ويعبر عنه بالقضاء المحتوم، وعن الأوَّل بالقضاء المعلَّق. والوجه الأوَّل أليق بلفظ حديث الباب، فإنَّ الأثر ما يتبع الشيء، فإذا أخَّر، حسن أنْ يحمل على الذِّكر الحسن بعد فَقْد المذكور. وقال الطيبي: الأوَّل أظهر؛ وإليه يشير كلام صاحب الفائق. ٤ - وأرى أحسن من هذين القولين بأنَّ الله تعالى قدَّر الأسباب والمسببات، وأنَّ الله تعالى إذا قدَّر إطالة عمر الإنسان هيأ له من الأسباب الحسيَّة والمعنوية ما تكون سببًا لطول عمره، والنَّسْءِ في أجله. ٥ - وهذا ما ذهب إليه بعض المحقِّقين، ومنهم الشيخ عبد الرحمن السعدي؛ حيث قال عند شرح هذا الحديث: فيه حثٌّ على صلة الرحم، وبيان أنَّها كما هي موجبةٌ لرضا الله تعالى، فإنَّها موجبةٌ أيضًا للثواب العاجل بحصول أحب الأمور إلى العبد، وأنَّها سببٌ لبسط رزقه وتوسيعه، وسببٌ لطول العمر، وذلك على حقيقته، فإنَّه تعالى هو الخالق للأسباب والمسببات، وقد جعل الله لكلِّ مطلوبٍ سببًا، وطريقًا يُنال به، وهذا جارٍ على الأصل الكبير، وأنَّه من حكمته وحمده: جعل الجزاء من جنس العمل، فكما وَصَل

стр. 3768

رَحِمَه بالبرِّ والإحسان المتنوع، وأدخل على قلوبهم السرور، وَصَلَ الله عمره، ووصل رزقه، وفتح له من أبواب الرِّزق وبركاته ما لا يحصل له بدون ذلك السبب الجليل. وكما أنَّ طيب الهواء، وجلب الغذاء، واستعمال الأشياء المقوية للأبدان والقلوب من أسباب طول العمر، فكذلك صلة الرحم جعله الله سببًا ربَّانيًّا؛ فإنَّ الأسباب التي تحصل بها المحبوبات الدنيوية قسمان: أمور محسوسة، وأمور ربَّانية، قدرها من هو على كلِّ شيءٍ قدير، والَّذي جميع الأسباب منقادة لمشيئته. ٦ - وفي الحديث دليل على أنَّ قصد العامل يترتَّب على عمله من ثواب الدنيا، ولا يضره إذا كان القصد وجه الله تعالى والدَّار الآخرة؛ فإنَّ الله بحكمته رتَّب الثوابَ العاجل والآجل، ووعد بذلك العاملين؛ فالمؤمن الصَّادق يكون في فعله وتركه مخلصًا لله، مستعينًا بما في الأعمال من المرغبات المتنوعة على هذا المقصد الأعلى، والله الموفِّق. ***

стр. 3769

١٢٦٦ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ" يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ [محمد]. وجاء في البخاري (٥٩٨٧) ومسبلم (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أنْ أصلَ من وصلك، وأقطع من قطعك؟! قالت: بلى، قال: فذلك لكِ". ٢ - واختُلِفَ في الرحم التي يجب وصلها، ويحرم قطعها إلى ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها الرحم التي يحرم النكاح بينهما؛ بحيث لو كان أحدهما ذكرًا، والآخر أُنثى، لم يصح النكاح بينهما، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام والعمَّات، ولا أولاد الأخوال والخالات. واحتج أصحاب هذا القول: بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في النكاح؛ فإنَّه لم يحرم إلاَّ خشية القطيعة، وما دام أنَّه لم يحرم، فليس هناك رحم يخشى من قطيعتها.

стр. 3770

الثاني: أنَّه من كان بينهما توارث؛ واحتج هؤلاء بقوله ﷺ : "ثمَّ أدناك أدناك"؛ فالحث هنا على الأدنى فالأدنى، والقرابة الموالية هى الوارثة. الثالث: أنَّها عموم القرابة بقطع النظر عن حرمة النكاح أو الإرث. وهذا قولٌ وجيه؛ ولكنَّها تختلف الصلة والبر بحسب القرب والبعد بينهم، وباختلاف القدرة والحاجة. ٣ - الصلة الحقيقيَّة والبر ليست لمن بينك وبينه من أقاربك تبادل بالصلة والبر والعطاء والزيارة، ونحو ذلك، فهذا يسمَّى مكافئًا. فقد جاء في البخاري (٥٩٩١) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ليس الواصل بالمكافىء، ولكن الواصل الَّذي إذا قطعت رحمه وصلها". فهذا يدل على أنَّ الوصل الممدوح حقًّا هي الصلة في القريب الَّذي قطعك، فهذه هي الصلة الكاملة، والأولى حميدة أيضًا. ٤ - فالدرجات مع الأقارب ثلاث: - واصل. - مكافىء. - قاطع. ٥ - جاء في صحيح مسلم (٢٥٥٨) من حديث أبي هريرة: "أنَّ رجلاً قال: يارسول الله! إنَّ لي قرابةً أصلهم، ويقطعونني، وأُحسن إليهم، ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم، ويجهلون عليَّ؟ فقال النَّبي ﷺ : إنْ كُنت كما قلت، فكأنَّمَا تُسِفهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك". ٦ - قال الإمام النووي في معنى الحديث: "إنَّك بإحسانك إليهم تحزنُهم، وتحقرهم في أنفسهم؛ لكثرة إحسانك، وقبيح فعلهم، فهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف الملَّ، والمل: هو الرَّماد الَّذي يحمى ليدفن فيه الخبز لينضج.

стр. 3771

١٢٦٧ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللهَ حرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكثْرَةَ السُؤالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - عقوق الأمَّهات: بضم العين؛ من عَقَّه يعقُّهُ عقوقًا: إذا آذاه وعصاه، والأُمَّهات: جمع "أمَّهة" لغة في الأُم، لا تطلق إلاَّ على من يعقل، بخلاف الأم، فإنَّها تعم. والعقوق المحرَّم إيذاءٌ لها، وهو ليس بالهيَّن عرفًا، وإنَّما خصَّ الأُمَّهات؛ لضعف النساء، وعظم حق الأم. - ووأد البنات: بفتح الواو، ثمَّ همزة ساكنة، آخره دال، الوأد: مصدر وأد بنته يئدها وأدًا: دفنها حية، وكانت عادةً جاهليةً في بعض قبائل العرب، إمَّا لخوف العار، أو خشية الفقر. - منْعًا: الإمساك، أي: منع ما يجب أداؤه: من المال، والقول، والفعل، والخلق. - وهَاتِ: بكسر التاء، فعل أمرٍ مبني على الكسر، أي: نهي عن طلب واستدعاء ما ليس لكم أخذه من الحقوق، فهات، بمعنى: أعطني. - قيل وقال: كلاهما فعلان ماضيان، الأوَّل منهما مبني للمجهول، أصله "قُوِلَ"، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، ثمَّ قُلبت ياءً؛

стр. 3772

لسكونها وانكسار ما قبلها. وأمَّا "قال" فإنَّ اصلها "قَوَلَ"، قُلِبتِ الواو ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها. واستعمل هذان الفعلان استعمال الأسماء، وأبقي فتحهما؛ ليدل على أصلهما. ويرويان بالتنوين؛ فحينئذٍ يكونان مصدرين، والمراد: كراهة كثرة نقل حكاية أقاويل النَّاس. -كثرة السؤال: يراد به سؤال المال ممَّن لا يحل له السؤال؛ كما أنَّه يشمل السؤال عن المسائل التي لم تقع، ولم يحتج إلى بحثها، وأغلوطات المسائل، أو يسأل النَّاس من أموالهم استكثارًا منه. - وإضاعة المال: يُقال: ضاع الشيء يضيع ضيعًا وضياعًا: فُقِد، وهَلَكَ، وتلف، وصار مهملاً، والمراد: إنفاقه في غير الأوجه المشروعة، أو تركه من غير حفظ فيضيع، أو يتركه حتَّى يفسد، أو يرميه إذا كان يسيرًا؛ كبرًا عن تناوله، فهذه أمثلة من إضاعة المال المنهي عنه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه جملةٌ من الأحكام ممَّا حرَّمه الله تعالى: الأوَّل: "عقوق الأمهات"؛ قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. وجاء في البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨) من حديث أبي هريرة: "أنَّ رجلاً قال: يارسول الله! من أحق النَّاس بحسن صحابتي؟ قال: أُمك، قال: ثمَّ من؟ قال: أمك، قال: ثمَّ من؟ قال: أمك، قال: ثمَّ من؟ قال: أبوك". وجاء في البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧) من حديث أبي بكرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَلاَ أنبئكَ بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق

стр. 3773

الوالدين". والأحاديث في الباب كثيرة. الثاني: "وأد البنات": قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء]، وخصَّ البنات؛ لأنَّها عادة الجاهلية. الثالث: "منعًا وهات": أي: يمنع الحقوق الواجبة عليه: من الزكاة، والنفقات الواجبة، ويستكثر من جمع الأموال التي لا تحل له من حقوق النَّاس، يحتال عليها بالطرق المحرمة. قال الحافظ: الحاصل من النَّهي منع ما أُمِرَ بإعطائه، وطلب ما لا يستحق. الرَّابع: "كره لكم قيل وقال": المراد بهذا: أنْ يكون مشيعًا للأخبار التي لم يتحققها، ولا علاقة له فيها؛ مثل هذا يكثر زلله وخطؤه، وهو مناف لخلق الإسلام الموصوف بقوله ﷺ : "من حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" [رواه الترمذي (٢٣١٧)]. الخامس: "كره لكم كثرة السؤال"؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وقد جاء في البخاري (٦٨٥٩) ومسلم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقَّاص؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيءٍ لم يحرم، فحرم من أجل مسألته". قال ابن علان في شرح رياض الصالحين: الأولى حمل السؤال على ما يعم المسائل المشكلات والمعضلات من غير ضرورة، وعن اخبار النَّاس، وحوادث الزمان، وسؤال الإنسان بخصوصه عن تفصيل أحواله، فقد يكره ذلك. وقد ثبت عن جمعٍ من السلف: كراهة تكلَّف المسائل التي يستحيل

стр. 3774

وقوعها عادة، أو يندر وقوعها جدًّا، لما في ذلك من التنطع والقول بالظن الَّذي لا يخلو صاحبه من الخطأ. السَّادس: "كره لكم إضاعة المال": المراد بذلك: إنفاقه في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواءً أكانت دينية أو دنيوية. والمنع من إضاعته؛ لأنَّ الله تعالى جعله قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيره تفويت لتلك المصالح. ٢ - ويستثنى كثرة الإنفاق في وجوه البر؛ لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقًّا آخر أهم منه. ٣ - قسم العلماء الإنفاق إلى ثلاثة أنواع: الأوَّل: محرَّم، وهو أنْ ينفق المال في الوجوه المذمومة شرعًا. الثاني: مستحب، وهو الإنفاق في وجوه الخير والطاعة، الإعانة على نشر دين الله تعالى وإعلاء كلمته، والنفقات المستحبات. الثالث: النفقات المباحة، وهي منقسمة إلى قسمين: أحدهما: على وجهٍ يليق بحال المنفِق، وبقدر ماله وحاله، فهذا ليس بإضاعة ولا إسراف، فهو جائز. الثاني: أنْ ينفق فيما لا يليق به عرفًا، فالجمهور على أنَّه إسراف. قال ابن دقيق العيد: ظاهر القرآن أنَّه إسراف. ***

стр. 3775

١٢٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رِضَا اللهِ في رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسُخْطُ اللهِ في سُخْطِ الْوَالِدَيْنِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه الترمذي عن شعبة بطريقين: أحدهما: مرفوع، والثاني: موقوف على عبد الله بن عمرو، وقال ابن عدي: وقفه أصح، فلا أعلم رفعه غير خالد بن الحارث عن شعبة، وخالد بن الحارث ثقة مأمون، وهناك ثقتان آخران محتج بهما في الصحيح أيضًا روياه مرفوعًا؛ كما بيَّن فضيلة محقِّق صحيح ابن حبان (٢/ ١٧٣). قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود. أمَّا الحاكم فقال: صحيحٌ على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير. * مفردات الحديث: - رضا: رضي بالشيء رضًا، فهو راضٍ به، أي: مختار له، فالرضى بالشيء، ضد السخط، وأمَّا رضا الله: فهي صفة من صفاته التي تليق بجلاله ﵎، نثبت حقيقتها اللائقة بجلاله، ولا نكيفها. - سَخِطَ: لسَخِطَ سَخطًا، من باب تعب، فالسخط بالضم، اسم فيه، وهو الغضب، وأمَّا سخط الله: فهو صفة من صفاته التي وصفه بها رسوله ﷺ ؛

стр. 3776

فنثبت حقيقتها لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا، ونفوِّض كيفية صفتها إلى الله تعالى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حق الوالدين كبير؛ فقد قرن ﵎ حقَّه بحقِّهما؛ فقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْأَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. ٢ - وفي هذا الحديث جعل الله رضاه من رضائهما، وسخطه من سخطهما، فمن أرضاهما فقد أرضى الله، ومن أسخطهما فقد أسخط الله. ٣ - فيه وجوب إرضائهما، وتحريم إسخاطهما؛ ذلك أن إرضاءهما من الواجبات، وإسخاطهما من المحرمات. ٤ - النصوص في وجوب بر الوالدين، وتحريم عقوقهما كثيرة جدًّا، ومنها: ما رواه مسلم (٢٥٥١) من حديث أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: "رَغِمَ أنف، ثمَّ رغفَ أنف، ثمَّ رغم أنف، من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنَّة". وجاء في البخاري (٥٢٧) ومسلم (٨٥) من حديث ابن مسعود قال: "سألت رسول الله ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصَّلاة لوقتها، قلت: ثمَّ أي؟ قال: بر الوالدين، قلت؛ ثمَّ أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله". وجاء في الصحيحين، من حديث أبي بكرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَلاَ أُنَبِّئُكم بأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوق الوالدين". ٥ - وطاعة الوالدين إنَّما تكون بالمعروف؛ فلا طاعة لهما في معصية الله تعالى؛ فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥]. وقال ﷺ : "لاَ طاعَة لمخلوقٍ في معصية الخالق". قال صديق حسن في تفسيره: وجملة هذا الباب أنَّ طاعة الوالدين لا

стр. 3777

تراعى في ركوب معصية، ولا ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات. وقال في شرح الإقناع: ولا طاعة للوالدين في ترك فريضة؛ كتعلم واجبٍ عليه، وما يقوم به دينه، من طهارةٍ، وصلاةٍ، وصيام، ونحو ذلك، وإنْ لم يحصل ذلك ببلده، فله السفر لطلبه بلا إذنهما؛ لأنَّه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. ٦ - أمَّا بخصوص طاعة الوالدين في المباحات: فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الَّذي ينتفع به الأبوان، ولا يتضرَّر هو بطاعتهما فيه قسمان: قسم: يضرهما تركه؛ فهذا لا يستراب في وجوب طاعتهما فيه. وقسم: ينتفعان به، ولا يضره؛ فتجب طاعتهما فيه. ٧ - وقال فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته، قال: لا يحل له أنْ يطلِّقها، بل عليه أنْ يبرها، وليس تطليق امرأته من برها. قال في الآداب الكبرى: فإن أمره أبوه بطلاق امرأته، لم يجب، ذكره أكثر الأصحاب، وسأل رجلٌ الإمام أحمد، فقال: إنَّ أبي يأمرني أنْ أُطلِّق امرأتي، فقال: لا تطلِّقها. قال الرَّجل: أليس عمر أمر ابنه عبد الله أنْ يطلِّق امرأته، قال: حتَّى يكون أبوك مثل عمر، ﵁. ***

стр. 3778

١٢٦٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حق الجار على جاره كبير جدًّا؛ قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]. وجاء في البخاري (٦٠١٥) ومسلم (٢٦٢٥) من حديث عائشة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَا زَالَ جبريل يوصيني بالجار، حتَّى ظننت أنَّه سيورِّثه". وجاء في مسلم (٤٨) من حديث أبي شريح الخزاعي؛ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره". والنصوص في الباب كثيرة. ٢ - حديث الباب صريحٌ في نفي الإيمان عن العبد الَّذي لا يحب لجاره من حصول الخير وبعد الشر، ما يحب لنفسه. ٣ - أوَّل العلماء نفي الإيمان هنا بأنَّ المراد به نفي كماله الواجب؛ إذ قد علم من قواعد الشريعة: أنَّ من لم يتصف بذلك لا يخرج من الإيمان. ٤ - المحبوب المذكور لم يعين، وقد عيَّنه في رواية النسائي (٥٠١٧) بلفظ: "حتَّى يحب لأَخيه من الخير ما يحب لنفسه". قال العلماء: المراد: من الطاعات وأعمال الخير والأمور المباحة، وهذا فيه صعوبةٌ على النفوس الشحيحة، ولكنَّه سهل على ذوي القلوب السليمة.

стр. 3779

٥ - قال الشيخ العساف في مختصر الإحياء: وأمَّا حقوق الجار: فالجوار يقتضي حقًّا وراء كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى، والرِّفق، وابتداء الخير، فيبدؤه بالسلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويهنئه في الفرح، ويصفح عن زلاَّته، ولا يطلع إلى داره، ولا يضايقه في صب الماء في ميزابه، ولا في طرح التراب في فنائه، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف من عوراته، ولا يتسمع على كلامه، ويغض طَرْفه عن حرمه، ويلاحظ حوائج أهله إذا غاب. ٦ - وقال في شرح البلوغ: الجار عامٌّ للمسلم، والكافر، والفاسق، والصديق، والعدو، والقريب، والأجنبي، فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة لمحبَّة الخير له، فهو في أعلى المراتب، ومن كان فيه أكثرها، فهو لاحق به، وهلمَّ جَرًّا إلى الخصلة الواحدة، فيعطي كلَّ ذي حقٍّ بحسب حاله. وجاء في الطبراني من حديث جابر: "الجار الكافر له حق الجوار، والجار المسلم له مع الجوار حق الإسلام، والجار المسلم القريب له ثلاثة حقوق". ***

стр. 3780

١٢٧٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، قَلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانَي حَلِيلَةَ جَارِكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - نِدًّا: بكسر النون، وتشديد الدَّال، هو الشبيه والمثيل والشريك. - تزاني حليلة: الحليلة هي الزوجة، ولفظ "تزاني" يدل على رضاها، وهو خيانة كبرى للجار الَّذي يجب إحسان جواره. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث اشتمل على ثلاث من الموبقات: إحداها: "أنْ تجعل ندًّا"؛ فهذا هو الشرك الأكبر الَّذي هو أعظم الذنوب، وأكبر المعاصي، ولا يغفر لصاحبه إلاَّ بالتوبة، وذلك بالدخول بالإسلام، وأمَّا من مات على الشرك، فهو مخلَّدٌ في النَّار. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة]. والنصوص من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة في هذه المسألة كثيرة. الثانية: "أنْ تقتل ولدك؛ خشية أنْ يأكل معك"؛ فقتل النفس التي حرَّم

стр. 3781

الله هي المرتبة الثانية الذنوب العظيمة، والموبقات المهلكة، ويزيد الإثم ويتضاعف والعقاب إذا كان المقتول ذا رحم من القاتل، ويتضاعف مرَّة أخرى حينما يكون الهدف هو قطع المقتول من رزق الله الَّذي أجري على يد القاتل؛ ففيه نهاية الشح، وغاية سوء الظن بالله تعالى؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء]. الثالثة: "أنْ تزاني حليلة جارك"، الزنى هو الرتبة الثالثة بعظم الموبقات شناعتها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء]. ويعظم إثم هذه الموبقة إذا كانت المزني بها حليلة الجار، الَّذي وصى الله تعالى رسوله على البر به، والإحسان إليه، وحسن صحبته وجواره؛ فكيف يكون الأمر إذا أفسد فراشه، وانتهك حرمته، وداس عرضه، وخان جواره؟! ٢ - الحديث يدل على أنَّ أعظم الذنوب هي الشرك بالله تعالى، ثمَّ قتل النفس التي حرَّم الله بغير حقٍّ، ثمَّ الزنى. ٣ - قوله ﷺ : "وهو خلقك" هذا سياق تبشيع؛ فإنَّه من أبشع الأشياء، أنْ تقابل النعم عليك بالإساءة، فكيف إذا كان المنعم هو صاحب النعم العظيمة، والمنن الكبيرة، التي أولها الإيجاد من العدم؟! ***

стр. 3782

١٢٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - من الكبائر: جمع كبيرة، وهي: الفعلة القبيحة، أو الخصلة الكبيرة من الذنوب المنهي عنها شرعًا، العظيم أمرها؛ كالقتل والزنى. - يسب: يُقال؛ سبَّه يسبه سبًّا: شتمه، فالسب الشتم. قال في التعريفات: الشتم: وصف الغير بما فيه نقص وازدراء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدَّم بيان حقوق الوالدين، ووجوب برهما، والإحسان إليهما؛ كما تقدَّم أنَّ من أكبر الكبائر عقوقهما؛ فقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. إذ علمنا أنَّ شتمهما من أعظم المنكرات. ٢ - لما قال النَّبيَّ ﷺ : "من الكبائر شتم الرَّجل والديه"، استغرب الصحابة ﵁ ذلك؛ فقالوا للنَّبيَّ ﷺ : وهل يسب الرَّجل والديه؟ فأخبر النَّبي ﷺ أنَّه إذا تسبب في شتمهما؛ فكأنه شتمهما؛ وذلك بأن يسب أبا الرجل، فيقابله ذلك الرجل بأن يسب أباه، فهو وإن لم يسب أباه مباشرة، إلاَّ أنه تسبَّب في ذلك، والقاعدة الشرعية: "إنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد".

стр. 3783

٣ - الواجب على الإنسان الكف عن شتم النَّاس، وشتم آبائهم؛ لأنَّ هذا هُجْرٌ من القول محرَّم، ولأنَّه سببٌ لأَن يشتمه النَّاس، ويشتموا أباه معه بسببه. ٤ - الحديث فيه بيان حكم المتسبب من أنَّه يشارك المباشر في عمله، إنْ خيرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فشر. ٥ - قال ابن بطال: هذا الحديث أصلٌ في سدِّ الذرائع، ويؤخذ منه أنَّه إِذَا آل أمره إلى محرَّم، حرم عليه الفعل، وإنْ لم يقصد المحرَّم؛ وعليه دلَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند تفسير هذه الآية: نهى الله المؤمنين عن أمرٍ كان جائزًا بل مشروعًا في الأصل، وهو سبّ آلهة المشركين، لكن لما كان طريقًا إلى سب المشركين لربِّ العالمين، نهى الله عنه؛ فالآية دليلٌ للقاعدة الشرعية "إنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد" فوسائل المحرَّم، تكون محرَّمة ولو كانت جائزة. ٦ - أمَّا الوسائل المذكورة في الحديث، فهى وسائل محرَّمة، ومقاصدها محرَّمةٌ أيضًا. ***

стр. 3784

١٢٧٢ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - أنْ يهجر أخاه: الهجر هو الترك، والمراد: أنْ يترك المؤمن كلام أخيه المؤمن إذا تلاقيا، ويعرض كل واحدٍ منهما عن صاحبه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - للمسلم على المسلم حقوق كبيرة، كثيرة، جاءت في كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ . وقد تتَّبعها الإِمَام الغزالي، فجاء منها في "الإحياء" بطائفة طيبة، منها: أنْ تسلِّم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قَسَمه، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك، وهذه الخصال الطيبة مستقاة من أحاديث صحيحة. ٢ - إذا كانت هذه بعض الحقوق التي حثَّ عليها دينك الحنيف، فكيف يجمل بك أنْ تهجره، وتقاطعه، وتُعْرِض عنه؟! لا شك أن هذا خلق مناف لآداب الإسلام كل المنافاة!! ٣ - يحرم هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيَّام، فلا يحل أنْ يزاد عليها. ٤ - قال في شرح الإقناع: والهجر المنهي عنه يزول بالسلام؛ لأنَّه سبب التحابِّ

стр. 3785

للخير، فيقطع الهجر؛ روي مرفوعًا: "السَّلام يقطع الهجران". ويدل على هذا ما جاء بالحديث: "يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الَّذي يبدأ بالسَّلام". وزوال الهجر بالسَّلاَم هو مذهب جمهور العلماء. ٥ - النَّفس البشرية تحب التشفي والانتقام؛ فاعطاها الشَّارع الحكيم مدَّة ثلاثة أيَّام تقضي وطرها ممَّن أغضبها، ولم يزد على ذلك. ٦ - في الحديث فضيلة الَّذي يبدأ صاحبه بالسَّلام، ويزيل ما بينهما من التهاجر والتقاطع، ذلك أنَّه استطاع أنْ يتغلَّب على نفسه الأمَّارة بالسوء، فيسامح صاحبه ويصافيه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت]. ٧ - وقال في شرح منظومة الآداب: من أعلن المعاصي -سواءٌ أكانت فعلية، أو قولية، أو اعتقادية- فهجره سنَّة يثاب الإنسان على فعلها؛ حيث كان الهجر لله تعالى غضبًا لارتكاب معاصيه، أو لإهمال أوامره. قال الإمام أحمد: إذا علم أنَّه مقيمٌ على معصيةٍ لم يأثم إنْ جفاه حتَّى يرجع، وقد جفى النَّبي ﷺ كعبًا وصاحبيه، وأمر الصحابة بهجرهم خمسين يومًا. ***
следующие страницы →